Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
(٢) كتاب العلم
أَوِ الْعَبَاءِ مُتَقَدِّدِي السُّيُوفِ عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَمَغَّرَ وَجْهُ
رَسُولِ اللهَِّهِ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلاَلاً فَأَذَّنَ
وَأَقَامَ فَصَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: ﴿وَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِ خَفَّكُمْ مِن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ﴾
إِلَى آخَرِ الْآيَةِ ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]،
وقيل: الكساء.
وقوله: (أو العباء) شك من الراوي(١)، والعباء بالمد وفتح العين جمع عباءة
وعباية، ضرب من الأكسية.
وقوله: (متقلدي(٢) السيوف) القلادة: ما جعل في العنق وتقلد لبسها .
وقوله: (عامتهم من مضر بل كلهم من مضر) حكم أولاً بأن عامتهم من مضر
احتياطاً لاحتمال أن يكون فيهم غيرهم؛ لأنه قد يدخل في قوم غيرهم في غلبة الاجتماع،
ثم لما أمعن تيقن بأن كلهم من مضر ليس فيهم غيرهم، وقد يتبادر إلى الفهم أن هذا
مبالغة في كون أكثرهم من مضر وغلبتهم، وكذا الكلام في قوله: (بل قد عجزت).
قوله: (فتمعّر) مَعرّ وجهه: غَيّره غيضاً، فتمعر، وبه معرة بالضم والسكون،
والمعرة بالضم: لون يضرب إلى الحمرة، والْمَمْعُور الْمُقَطِّب غضباً.
وقوله: (من الفاقة) الفاقة: الفقر والحاجة.
وقوله: (فدخل) أي: البيت ليجد شيئاً يعطيهم، (ثم خرج) بعد زمان ولبث
للفحص ولم يجد شيئاً.
(١) أو للتنويع، قاله القاري (١/ ٢٩٢).
(٢) بلا واو في بعض النسخ، قال القاري: فِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ بِالْوَاوِ، وَعَلَيْهِ صَّ
بِالْحُمْرَةِ. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٢٩٢).

٥٤٢
(٢) كتاب العلم
وَالآيَةُ الَّتِي فِي الْحَشْرِ ﴿أَنَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَمَتْ لِغَدٍّ﴾ [الحشر: ١٨]،
تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ
تَمْرِهِ، حَتَّى قَالَ: وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ
كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا بَلْ قَدْ عَجِزَتْ، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامِ
وَثِيَابٍ،
وقوله: (والآية التي) أي: وقرأ الآية التي في سورة الحشر، وهي قوله تعالى:
﴿ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْاللّهَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨].
وقوله: (تصدق رجل) ظاهر اللفظ أن يكون على صيغة الماضي إخباراً، ولم
يساعده ظاهر قوله: (ولو بشق تمرة) إذ الظاهر أن المعنى: ليتصدق رجل ولو بشق
تمرة، فقيل: لفظ الماضي ههنا بمعنى الأمر، وصحح في بعض النسخ بالجزم، وقال
الطيبي(١): لعل الظاهر ليتصدق، ولام الأمر محذوفة، وجوزه ابن الأنباري، ولكن يأبى
عن الحمل عليه عدم حرف المضارعة، والأمثلة التي أوردها مشتملة عليها مع أنها
يحتمل الاستئناف كما لا يخفى.
وقوله: (فجاء رجل من الأنصار) الظاهر أن المراد فرد من الأفراد، وهو الأنسب
بقوله: (ثم تتابع) له، ولا دليل على استغراقه كما ارتكبه الطيبي خصوصاً في محل
الإثبات إلا أن يرتكب لإرادة المبالغة بمعونة المقام، أو تظهر رواية الجمع في طريق
من الطرق، والله أعلم.
وقوله: (كومين) صحح في نسخ بفتح الكاف، وفي (الصحاح)(٢): كومة من
(١) ((شرح الطيبي)) (١ / ٣٦٨).
(٢) ((الصحاح)) (٥/ ٢٠٢٥).

٥٤٣
(٢) كتاب العلم
حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ،
تراب بالضم مثل صبرة من طعام، وفي (مجمع البحار)(١) عن النووي: هو بفتح كاف
وضمها: الصبرة، وفي (مختصر النهاية)(٢) للسيوطي: الكومة بالفتح: من ذهب ومن
طعام، أي: صبرة، وبعضهم بضم الكاف، وقال في (مشارق الأنوار)(٣): (كومين
من طعام) بفتح الكاف عندهم، وقيد الجياني بضمها، وقال أبو مروان بن سراج: هو
بالضم اسم لما كوم، وبالفتح اسم للفعلة الواحدة، والكوم بالفتح اسم للمكان المرتفع
من الأرض كالرابية، والكومة الصبرة، والكوم العظيم من كل شيء.
وقوله: (يتهلل) أي: يستضيء ويستنير للسرور.
وقوله: (كأنه مذهبة) روي هذا اللفظ بوجهين: الأول مدهنة بالدال المهملة
الساكنة وضم الهاء وبالنون على وزن مكحلة، واحد المدهن، وهو آلة الدهن وقارورته،
ومستنقع الماء، أو كل موضع فيه حفرة تسيل، شَبَّه صفاء وجهه ◌َّ لإشراق السرور
بصفاء هذا الماء المجتمع في الحجر، أو بصفاء الدهن، أو بالموضعين المذكورين،
وجزم الحميدي بهذه الرواية، ولم يذكر غيرها وشرحه بما ذكر، والثاني وهو المشهور
مذهبة بضم الميم وسكون الذال المعجمة وفتح الهاء وبعدها موحدة، كذا في (سنن
النسائي) وبعض طرق مسلم، وبه جزم القاضي عياض، وقال(٤): وصحف هذا الحرف
بعض الرواة فقال: مدهنة بدال مهملة ونون، وليس بشيء، وفسرها بفضة مذهبة أو
جلدة مذهبة، وقيل: ذلك من قولهم: فرس مذهبة: إذا غلبت حمرته صفرة، وخص
(١) «مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٤٥٥).
(٢) ((الدر النثير)) (٢ / ٩٠٢).
(٣) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٥٦٦).
(٤) (مشارق الأنوار)) (١ / ٤٣١).

٥٤٤
(٢) كتاب العلم
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ: ((مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ
عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ
سُنَّةً سَيََّةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ
أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠١٧].
٢١١ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لاَ تُقْتَلُ
نَفْسٌ ظُلْماً إِلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا؛
الأنثى لأنها أصفى لونا وأرق بشرة، والإهذاب والتهذيب: التموية، والرواية من
الإذهاب، والله أعلم بالصواب.
وقوله: (من سن في الإسلام سنة حسنة) أي: طريقة مرضية، أشار ول# إلى فضل
الرجل الذي جاء أولاً بِصُرّةٍ، ثم تتابع الناس .
قوله: (فله أجره) الضمير لـ (من)، وفي أكثر النسخ: أجرها، والضمير لـ (سنة)،
أي: أجر سنة سنها وعمل بها، والثاني أكثر رواية وإن كان الأول أسد معنى، وسنّ
السنة من باب التعليم، فلذلك أوردها في هذا الباب، وهو فيما نحن فيه بالفعل.
٢١١ - [١٤] (ابن مسعود(١)) قوله: (كفل) الكفل: الحظ والنصيب والمثل،
وكان الكفل فيما نحن فيه الوزر لتضمنه معنى الكفالة والضمان، ويستأنس له
بقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَّةٌ يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَعَةُ سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ
(١) في ((التقرير)): ظاهر الحديث أن القاتل هذا هو قابيل - أول مولود - ابن آدم، به قال الطيبي
وابن حجر، لكن المفسرين على أنه بعد بطون من حواء، حتى اختلف المفسرون في أنهما من
صلب آدم كما يدل عليه جهالتهم عن الميت فاحتاجوا إلى غراب يبحث، أو من بني إسرائيل
كما يدل عليه ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا﴾ الآية [المائدة: ٣٢]، كذا في البيضاوي (٢ / ٤٠٧).

٥٤٥
(٢) كتاب العلم
لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ: ((لاَ يَزَالُ مِنْ
أَمَّتِي)) فِي ((بَابٍ ثَوَابٍ هَذِهِ الأَمَّةِ)) إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى. [خ: ٣٥٣٣، م: ١٦٧٧].
٩
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢١٢ - [١٥] عَنْ كَثِيرٍ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ
فِي مَسْجِدٍ دِمَشْقَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ! إِنِّي جِئْتُكَ مِنْ مَدِينَةِ
الرَّسُولِ نَّهِ لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدَّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ، مَا جِئْتُ لِحَاجَةٍ،
قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ:
مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]، والله أعلم.
وقوله: (وسنذكر حديث معاوية: لا يزال من أمتي) ذكر صاحب (المصابيح)
هذا الحديث من معاوية في الفصل الأول من (باب الاعتصام بالكتاب والسنة)، وفي
الفصل الأول من (كتاب العلم) أيضاً، والمؤلف ذكره (في باب ثواب هذه الأمة) وأشار
إلى ذكره في هذا الباب في كلا الموضعين، وأما حديث جابر (لا تزال طائفة من أمتي)
المذكور في (المصابيح) في الفصل الأول من (باب الاعتصام)(١)، فلم يذكره المؤلف
في (باب ثواب هذه الأمة)، وقد وعد يذكره ثمة كما أشرنا إليه هناك.
الفصل الثاني
٢١٢ - [١٥] (كثير بن قيس) قوله: (في مسجد دمشق) بكسر الدال وفتح المیم،
وقد يكسر: قاعدة الشام سميت ببانيها دمشاق بن كنعان أو دامشقيوش.
وقوله: (قال: فإني سمعت) يحتمل أن يكون هو الحديث الذي جاء الرجل
(١) تحت حديث (١٦).

٥٤٦
(٢) كتاب العلم
(مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَطْلُبُ فِيهِ عِلْماً سَلَكَ اللهُ بِهِ طَرِيقاً مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ
الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا.
له، ويحتمل أن يكون توطية ومدحاً وتحسيناً لطلبه ولمطلوبه.
وقوله: (من سلك طريقاً ... إلخ) سبق شرحه(١) في الفصل الأول من حديث
أبي هريرة غير أن الباء في (به) ههنا للتعدية، والضمير لـ (من)، وقال الطيبي(٢): يجوز
أن يكون الباء للسببية، والضمير للعلم، ويكون (سلك) من السلك كما أنه على الأول
من السلوك، والمفعول محذوف كقوله: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧]، انتهى.
فـ (سلك) يجيء لازماً ومتعدياً، وهذا كما أن رجع يجيء لازماً من الرجوع ومتعدياً
من الرجع .
وقوله: (إن الملائكة لتضع أجنحتها) يحتمل أنه أراد به تليين الجانب والانقياد
والفيء عليه بالرحمة والانعطاف، كقوله تعالى: ﴿ وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾
[الإسراء: ٢٤]، ويحتمل أن يكون المراد منه فرش الأجنحة تواضعاً لطلاب العلم حيث
يبذل سعيه في ابتغاء مرضات الله سيما إذا وجدت سائر أحواله مشاكلة لطلب العلم (٣).
(١) تحت حديث (٢٠٤).
(٢) (شرح الطيبي)) (١ / ٣٧١).
(٣) قال القاري: أَوِ الْمُرَادُ حَقِيقَتُهُ وَإِنْ لَمْ تُشَاهَدْ، وَهِيَ فَرْشُ الْجَنَاحِ وَبَسْطُهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ لِتَحْمِلَهُ
عَلَيْهَا وَتُلِّغَهُ مَقْعَدَهُ مِنَ الْبِلاَدِ، نَقَّلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ. وَقَلَ ابْنُ الْقَيِّمِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ
قَالَ: كُنَّا عِنْدَ بَعْضِ الْمُحَدِّثِيْنَ بِالْبَصْرَةِ فَحَدَّثَنَا هَذَا الْحَدِيثَ، وَفِي الْمَجْلِسِ شَخْصٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ
فَجَعَلَ يَسْتَهْزِئُ بِالْحَدِيثِ فَقَالَ: وَاللّهِ لِأَطْرُقَنَّ غَداً نَعْلِي وَأَطَأُ بِهَا أَجْنِحَةَ الْمَلاَئِكَةِ فَفَعَلَ وَمَشَى
فِي النَّعْلَيْنِ فَحَفَتْ رِجْلاَهُ وَوَقَعَتْ فِيهِمَا الأَكَلَةُ. وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: سَمِعْتُ ابْنَ يَحْيَى السَّاجِيَّ
يَقُولُ: كُنَّا نَمْشِي فِي أَزِقَّةِ الْبَصْرَةِ إِلَى بَابٍ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ فَأَسْرَعْنَا الْمَشْيَ، وَكَانَ مَعَنَا رَجُلٌ =

٥٤٧
(٢) كتاب العلم
رِضاً لِطَالِبِ الْعِلْمِ،
وقال الطيبي(١): يحتمل أن يكون المراد بوضع الأجنحة كفها عن الطيران والنزول
لسماع العلم كما ورد: (إلا ونزلت عليهم السكينة وحفّت بهم الملائكة)، ثم إنه يحتمل
أن يكون هذا الصنع من الملائكة لطالب العلم في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما، والله
أعلم، والكلام في أجنحة الملائكة أهي حقيقة أو المراد بها القوى الملكية؟ مذكور
في موضعه.
وقوله: (رضا لطالب العلم) الظاهر أنه مفعول له (لتضع)، وقد يجيء منصوباً
وإن لم يكن فعلاً لفاعل الفعل المعلل به نحو قوله تعالى: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرَّقَ خَوْفًا
وَطَمَعًا﴾(٢) [الرعد: ١٢]، والمشترطون لذلك يأولونه بنحو إرادة خوف وطمع أو إخافة
وإطماعاً، فههنا أيضاً يقدر إرادة رضاً أو يأول بإرضاء، هكذا قال الطيبي(٣). هذا إذا
كان المراد رضا طالب العلم، وأما إن كان المراد رضا الملائكة فلا حاجة إلى التأويل،
ويكون من قبيل: قعدت من الحرب جبناً، هذا، ويجوز أن يكون تمييزاً، فتأمل.
= مَاجِنٌ مُتَّهَمٌ فِي دِينِهِ فَقَالَ: ارْفَعُوا أَرْجُلَكُمْ عَنْ أَجْنِحَةِ الْمَلائِكَةِ لاَ تَكْسِرُوهَا كَالْمُسْتَهْزِئُ
بِالْحَدِيثِ، فَمَا زَالَ عَنْ مَوْضِعِهِ حَتَّى حَفَتْ رِجْلاَهُ وَسَقَطَ إِلَى الأَرْضِ، اهـ. ((مرقاة المفاتيح))
(١ / ٢٩٦).
(١) ((شرح الطيبي)) (١ / ٣٧٢).
(٢) أي: خَوْفاً من الصاعقة ومن ضرر المطر في السفر وللزرع في بعض الأحيان وبعض الأمكنة،
وَطَمَعاً من الغيث حين ينفع للزرع أو لدفع الحر - وانتصابهما على العلة بتقدير المضاف أي:
إرادة خوف أو طمع - أو بتأويل الإخافة والإطماع - أو على الحال من البرق - أو من المخاطبين
بتقدير ذو - أو إطلاق المصدر بمعنى المفعول أو الفاعل مبالغة. ((التفسير المظهري))
(٥/ ٢٢٣).
(٣) ((شرح الطيبي)) (١ / ٣٧٣).

٥٤٨
(٢) كتاب العلم
وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ، وَالْحِيتَانُ فِي
جَوْفِ الْمَاءِ، .
وقوله: (وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في
جوف الماء) هذا ترقي في وصفهم بإرادة أهل الخير له لشمول بركته إياهم، ولا مغايرة
بين العالم وطالب العلم، فإن كل من طلب العلم وجد شيئاً من العلم، ويصدق عليه
اسم العالم، والعالم يكون طالباً للمزيد منه لعدم تناهي مراتبه، نعم إذا حصل الطالب
علماً ووصل إلى مرتبة التعليم في أنواع العلم يسمى عالماً، فكأنه أشار إلى أن المرء
ما دام في طلب العلم وتحصيله ترحمه وتتعطف عليه الملائكة إمداداً وإعانة وإدخالاً
لكنوز في قلبه حتى يسعى ويتقوى عليه سلوك طريق العلم؛ وإذا صار عالماً وبلغ مرتبة
التعليم تحيط بركته العالمين كلهم حتى يشكروا له ويريدوا به الخير ويدعوا له بمغفرة
الذنوب المزيلة عنه البركات والأنوار الموجبة للنقمة وسخط الرب تعالى، كما ورد:
اللهم إني أعوذ بك من الذنوب التي تزيل بها النعم، وتوجب بها النقم، حتى تكون
البركات باقية دائمة في المزيد وتصل إليهم أجمعين.
وفيه أن العالم تغفر ذنوبه وتكفر سيئاته باستغفار من في السماوات ومن في
الأرض، وكرر (من) إشارة إلى استقلال كل من الفريقين في الاستغفار وإرادة الخير،
ثم قالوا: إن المراد بمن في السماوات الملائكة بأصنافهم، وبمن في الأرض الثقلان،
والحيتان إشارة إلى جميع أنواع الحيوان، لكن خصص الحيتان بالذكر دلالة على أن
إنزال المطر والخصب يكون ببركتهم كما ورد: (بهم يمطرون وبهم يرزقون).
ويمكن أن يقال: المراد بـ (من في الأرض) ما يشمل ذوي العلم وغيرهم، لكنه
عبر بـ (من) تغليباً للعقلاء على غيرهم، أو لأنه لما أسند الاستغفار إليهم صاروا في
حكم أولي العلم، فيكون (من في الأرض) عاماً، وذكر الحيتان تخصيص بعد التعميم.

٥٤٩
(٢) كتاب العلم
وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ.
فإن قلت: يلزم في قوله: (يستغفر) الجمع بين الحقيقة والمجاز؛ لأن حقيقة
الاستغفار لا يتأتى من الحيوانات، فالجواب أن يجعل من باب عموم المجاز بحمل
الاستغفار على ذكره باللسان أو اقتضائه بلسان الحال، على أن من المحققين من يحمل
تسبيح الأشياء كلها على حقيقة، فليكن الاستغفار كذلك، أو المراد مغفرة الله ورحمته
على العالم بعدد كل شخص إرادة اللازم من الملزوم؛ لأن المغفرة لازمة للاستغفار.
قال التُّورِبِشْتِي(١): ووجه الحكمة أن صلاح العالم بالعلم، وما من شيء من
الأصناف المذكورة إلا وله مصلحة معقودة بالعلم، وقد كان أبو ذر ظه يقول: تَرَكَنَا
محمدٌ وَل* وما من طائر يحرك جناحيه في السماء إلا قد أَذْكَرَنَا علماً منه، فكتب الله على
كل نوع منها لطالب العلم استغفاراً جزاءً عنها لعلمه المعقود به صلاحاً.
وقوله: (إن فضل العالم على العابد) كان شيخنا الشيخ عبد الوهاب المتقي
المكي - رحمه الله تعالى وأوصل إلينا من بركاته وبركات علومه - يقول: المراد بالعالم
ههنا من يصرف جل أوقاته إلى العلم والاشتغال به بالتعليم والتدريس والتصنيف والتفكر
في معاني كتاب الله وسنة رسوله نشراً للعلم وتقويةً وترويجاً للدين، ويكتفي من العبادة
بالفرائض والواجبات والنوافل المتأكدة كالرواتب وأمثالها من غير أن يستوعب أقسام
النوافل ويشغل أوقاته بها، والمراد بالعابد من حصل العلم ولكنه بعد تحصيله اشتغل
بالعبادة، وصرف عموم أوقاته بالعبادة، ويستوعب أقسام العبادات والأوراد والأذكار،
قال رحمه الله: ولما كان نفع هذا العالم في دين الله أكثر من العابد كان فضله أعظم
وأوفر، وكان يقول: العلم في حكم الغذاء، والذكر في حكم الدواء، يستعمل لدفع
(١) ((كتاب الميسر)) (١/ ١٠٤).

٥٥٠
(٢) كتاب العلم
كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ،
وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّنُوا دِينَاراً وَلاَ دِرْهَماً، وَإِنَّمَا وَرَّنُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ
أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ،
وَسَمَّاهُ التِّرْمِذِيُّ قَيْسَ بْنَ كَثِيرِ. [حم: ٥/ ١٩٦، ت: ٢٦٨٢، د: ٣٧٤١، جه:
٢٢٣، دي: ١٩٨].
العلة، والعلم محتاج إليه في جميع الأوقات، ولكن أصلحوا نيتكم ولا فساد بعد ذلك،
ونقل الطيبي(١) عن سفيان الثوري أنه قال: لا أعلم اليوم شيئاً أفضل من طلب العلم،
قيل له: ليس لهم نية؟ فقال: طلبهم له نية، وقد نقل عن بعض العلماء بالله أنه قال:
تعلمنا العلم لغير الله فأبى العلم أن يكون إلا الله، وهذا صحيح واقع فيمن تعلم العلم
الداعي إلى الدين والزاجر عن الدنيا، وأما العلوم البدعية الغير الشرعية فكلاً، نسأل الله
العافية .
وقوله: (كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب) ما أحسن تشبيه العابد
بالکواکب الذي لا يتعدى نوره منه إلى غيره، وتشبيه العالم بالقمر يتعدى نوره ويستضيء
به وجه الأرض، وإنما شبه بالقمر لأنه يستضيء بنور النبي ◌ّر الذي هو شمس العلم
والدين، وإنما قيد بليلة البدر لكمال إضاءة القمر فيها وانمحاء الكواكب في شعاعها.
وقوله: (فمن أخذه أخذ بحظ وافر) أي: من أخذ العلم وتعلمه أخذ حظاً وافراً
من الدين والسعادة، والباء زائدة، وقيل: أخذ الثاني بمعنى الأمر وإن كان اللفظ ماضياً،
فمعناه من أراد أن يأخذ فليأخذ منه حظاً وافراً ولا يقنع بقليله .
وقوله: (وسماه الترمذي قیس بن کثیر) والصحیح کثیر بن قیس، قال صاحب
(١) ((شرح الطيبي)) (١ / ٣٧٤).

٥٥١
(٢) كتاب العلم
٢١٣ - [١٦] وَعَنْ أَبِ أُمَامَةَ الْبَاهِلِيّ قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللهِوَ﴾
رَجُلاَنٍ: أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالآخَرُ عَالِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((فَضْلُ الْعَالِم
عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَكُمْ) ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ
وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى الثَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ
لَيُّصَلُّونَ.
(جامع الأصول) في حرف القاف: قيس بن كثير سمع أبا الدرداء، وروى عنه داود
ابن جميل، وكذا أخرج حديثه الزهري عن قيس بن كثير، وقال: کذا حدثنا محمود بن
خداش، وإنما هو كثير بن قيس، وكذلك سماه أبو داود كثير بن قيس، وأورده البخاري
في (تاريخه) في باب کثیر لا في باب قيس، وقال في حرف الكاف: هو کثیر بن قیس
روی عنه داود بن جمیل روی عن أبي الدرداء، وقد جاء عن الترمذي أنه قيس بن کثیر،
قال: وقيل: كثير بن قيس، وهو الأصح.
٢١٣ - [١٦] (أبو أمامة الباهلي) قوله: (كفضلي على أدناكم) سبحان الله فضله
على الأنبياء والمرسلين على أي عظمة حتى على صحابته خصوصاً على أدناهم، ففيه
مبالغات لا يخفى، ويجوز أن يكون الخطاب لعامة الأمة فيكون أبلغ، والله أعلم.
وقوله: (وأهل السماوات) تعميم للملائكة حتى لا يتوهم تخصيص ببعض
الملائكة، وأهل السماوات والأرض يشمل الملائكة والجن والإنس والحيوانات كلها.
وقوله: (حتى النملة) بالنصب عطفاً على (أهل السماوات والأرض) أو بالجر
على أن يكون (حتى) جارة، ويجوز فيه الرفع على الابتداء، والخبر محذوف، يعني
حتى النملة تصلي، والحوت يصلي، وحينئذ يكون (ليصلون) خبر (إن) المتعلق لغير
النملة والحوت، فافهم، ووجه تخصيص النملة والحوت بالذكر الإشارة إلى جنس

٥٥٢
(٢) كتاب العلم
عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٨٥]
٢١٤ - [١٧] وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ مَكْحُولٍ مُرْسَلاً وَلَمْ يَذْكُرْ: رَجُلاَنِ،
وَقَالَ: ((فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَكُمْ))، ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَؤُأَ﴾ [فاطر: ٢٨] وسرد الحَدِيثِ إِلَى آخِره. [دي:
١/ ٨٨].
الحرام والحلال، وقيل: إلى جنس المنهي عن القتل وغير المنهي، وقيل: إلى جنس
حيوان البر والبحر، كذا في بعض الشروح، وفي قوله: (ليصلون) فيه تغليب للعقلاء
على غيرهم وإن قدر لقوله: حتى النملة والحوت خبر؛ لأن الحيوانات الأخر داخلة
في أهل الأرض، وأيضاً فيه اشتراك؛ لأن الصلاة من الله رحمة، ومن الملائكة استغفار،
ومن المؤمنين دعاء، وقد استدل بمثل هذا من جوز عموم المشترك كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ
اللَّهَ وَمَئِ كَنَّهُ يُصَلُونَ عَلَى النَّبِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وأيضاً جمع بين الحقيقة والمجاز كما
مر في الحديث السابق، والحمل على المعنى المجازي العام يرفعهما، وإنما قال ههنا:
يصلون بلفظ الصلاة، وفي السابق: ليستغفر؛ لأن الصلاة يطلق في حق الله سبحانه،
بخلاف الاستغفار فإنه لا يطلق في الله تعالی.
وقوله: (على معلم الناس الخير) إشارة إلى وجه تفضيل العالم على العابد؛ فإن
خيره متعد، وإلى أن المراد بالعالم المفضل هو المعلم النافع بعلمه للناس(١).
٢١٤ - [١٧] (مكحول) قوله: (ولم يذكر رجلان) أي: الدارمي لم يذكر
قوله: ذكر لرسول الله وَ * رجلان، بل ذكر الحديث هكذا: قال رسول الله وَلي: (فضل
العالم على العابد كفضلي على أدناكم)، ثم تلا هذه الآية، ثم قال رسول الله يله :
(١) كذا في (د) و(ب)، وفي (ر): ((العالم النافع يعلم للناس)).

٥٥٣
(٢) كتاب العلم
٢١٥ - [١٨] وَعَنْ أَبِىِ سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ
النَّاسَ لَكُمْ تَبَعِ، وَإِنَّ رِجَالاً يَأْتُونَكُمْ مِنْ أَفْطَارِ الأَرْضِ يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ،
فَإِذَا أَتَوْكُمْ فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْراً). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٥].
٢١٦ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((الْكَلِمَةُ
الْحِكْمَةُ ..
(إن الله وملائكته ... إلخ).
٢١٥ - [١٨] (أبو سعيد الخدري) قوله: (إن الناس لكم تبع) التبع محركة
يكون واحداً وجمعاً، ويجمع على أتباع، كذا في (القاموس)(١)، ومن ههنا أخذ لفظ
التابعين والأتباع لمن بعد الصحابة ره، وفيه: أن الصحابة متبوعون يجب على الناس
متابعتهم والإتيان عليهم لطلب العلم.
وقوله: (إن رجالاً) هم الذين نفروا من قومهم للتفقه وطلب العلم على ما نطق به
القرآن: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَنَفَقَّهُواْ فِ الدِِّنِ﴾ [التوبة: ١٢٢].
وقوله: (فاستوصوا بهم خيراً) أي: علموهم علوم الدين، وأصل الاستيصاء
طلب الوصية، ولما كان في معنى الطلب ههنا خفاء وجهوه بأن المراد اطلبوا الوصية
من أنفسكم في حقهم بخير، ويعدى بالباء، أو يطلب بعضكم من بعض الوصية بالخير
في حقهم، وقيل: الاستيصاء بمعنى قبول الوصية أي: اقبلوا الوصية مني بالإحسان في
حقهم، وقيل: الاستيصاء بمعنى الإيصاء، وأوصاه ووصّاه توصية: عهد إليه، ومنه
حديث: (استوصوا بالنساء خيراً).
٢١٦ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (الكلمة الحكمة) بالوصف مبالغة، ويروى
(١) ((القاموس)) (ص: ٦٥٠).

٥٥٤
(٢) كتاب العلم
ضَالَّةُ الْحَكِيمِ، فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ،
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ،
(كلمة الحكمة) بالإضافة، والاختصاص باعتبار إفادتها إياها، ويروى: (الكلمة
الحكيمة) بالإسناد المجازي وصفاً للشيء بوصف صاحبها كالأسلوب الحكيم، والحكمة:
الفقه في دين الله ونور يقذفه الله في قلب من يشاء.
وقوله: (ضالة الحكيم) ويروى: (ضالة المؤمن)، والضالة في الأصل الضائعة
من كل ما يعتنى من الحيوانات وغيره، يقال: ضلّ: إذا ضاع، وهي من الصفات
الغالبة غلبت على ما ضل من البهيمة من ذكر أو أنثى، وقد يخص بالإبل، قال في
(القاموس)(١): الضالة من الإبل التي تبقى بمضيعة بلا ربِّ للذكر والأنثى، والمراد
أن الحكيم يطلب الحكمة، فإذا وجدها فهو أحق بالعمل بها من قائلها، إذ ربما لم يكن
أهلاً لها .
وفي قوله: (فحيث وجدها فهو أحق بها) أن الحكيم يأخذ الحكمة من أي
شخص تفوه بها ولا ينظر إلى خساستها، كصاحب الضالة يأخذها من واجدها وإن كان
خسيساً، وإن من سمع كلاماً لم يفهم معناه فعليه أن يحمله إلى من هو أهله، وهو أفقه
منه، كما أن الرجل إذا وجد ضالة فسبيله أن يتفحص عن صاحبها حتى يجده فيرد
عليه، وإن العالم لا يحل له المنع عن السائل المستعد، كما أنه لا يحل لواجد الضالة
منعها عن صاحبها، ففيه أنه يجوز منع غير الحكيم فإنها ليست ضالته، فالعلم كما
لا يجوز منعه عن أهله لا يجوز صرفه إلى غير أهله، ويكون هذا كبيع سيف من قاطع
طریق .
(١) ((القاموس)) (ص: ٩٤٢).

٥٥٥
(٢) كتاب العلم
وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْفَضْلِ الرَّاوِي يُضَغَّفُ فِي الْحَدِيثِ. [ت: ٢٦٨٧، جه: ٤١٦٩].
وهذا كما يختلف باعتبار أشخاص المتعلمين يختلف باعتبار أنواع العلم،
فأحكام الله تعالى المتعلقة بالمعاملات يبذل عموماً، وفيما وراء ذلك التمسك بالحذر
أولى خصوصاً في موارد اختلاف العلماء وأقاويلهم للعامة، فإنه يضرهم حتى يخرجهم
عن العقد الإيماني خصوصاً في زماننا، وأشد من ذلك علوم الحقائق والدقائق اتخذها
ناس سلماً لاستهواء قلوب العامة وأخذ أموال الظلمة والتمكن من محرمات بينة وبدع
ظاهرة حتى إن بعضهم خرج عن الملة، وأشد من ذلك إشارات القوم في التوحيد
وحقائق الوجود، وينبغي أن يراعى في ذلك حال السائل لحديث: (حدثوا الناس بما
يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله(١)؟)، وقيل لجنيد رحمه الله: يسألك الرجلان
عن مسألة واحدة فتجيب هذا بخلاف ما تجيب هذا، فقال: الجواب على قدر
السائل.
وقوله: (وإبراهيم بن الفضل الراوي يضعف في الحديث) قال ابن حبان:
وهو فاحش الخطأ، وفي (الكاشف)(٢): إبراهيم بن الفضل المخزومي عن المقبرى
وغيره، وعنه وكيع وابن نمير، وضعفوه، وفي (التهذيب)(٣): هو أبو إسحاق المدني
عن ابن عقيل، قال البخاري: وهو منكر الحديث، وقال النسائي مرة: ليس بثقة
ولا یکتب حديثه، وقال ابن عدي: ومع ضعفه یکتب حديثه، وهو عندي ممن لا يجوز
الاحتجاج بحديثه.
(١) أخرجه البخاري (١٢٧).
(٢) ((الكاشف)» (رقم: ١٨٥).
(٣) ((تهذيب التهذيب)) (١ / ١٣١).

٥٥٦
(٢) كتاب العلم
٢١٧ - [٢٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((فَقِيَةٌ وَاحِدٌ
أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٦٨١،
جه: ٢٠٢٢].
٢١٨ - [٢١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِ: ((طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ
عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَوَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرٍ أَهْلِهِ كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرَ
واللُّؤْلُؤَ وَالذَّهَبَ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى الْبَيْهَِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ))
إِلَى قَوْلِهِ: ((مُسْلِم). وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مَنْنُهُ مَشْهُورٌ،
٢١٧ _ [٢٠] (ابن عباس) قوله: (فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد)
إن كان المراد من الفقيه الذي رزق الفهم في الدين والتفطن لمداركه فهو عارف بكید
الشيطان ولمته، ورزق علم الخواطر وتميزها كما سبق في (باب الوسوسة)(١)، وإن
كان المراد العالم بأحكام الدين وتفاصيلها مما يجوز ومما لا يجوز فكذلك، لأنه
يعلمها ويحذر عن المواقع المحرمة، فلا يستخفها ولا يستحلها، فلا يقع في ورطة
الكفر، بخلاف المتعبد الذي ليس في درجته بالمعنیین.
٢١٨ - [٢١] (أنس) قوله: (طلب العلم فريضة) اختلف كلامهم في المراد
بهذا العلم، والصواب أن المراد به ما لا بد منه للعبد عن تعلمه، مثلاً إذا أسلم وجب
عليه معرفة الصانع وصفاته ونبوة رسوله وغير ذلك مما يصح به الإيمان، ثم إذا دخل
وقت الصلاة وجب تعلم أحكامها قبيل الدخول في وقت يسع التعلم فيه، فإذا جاء
رمضان وجب تعلم أحكام الصوم، وإذا ملك النصاب وجب تعلم أحكام الزكاة، فإذا
مات قبل ذلك من غير تعلم لم يكن عاصياً، كذا إذا تزوج وجب تعلم علم الحيض
(١) تحت حديث (٧٤).

٥٥٧
(٢) كتاب العلم
وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ أَوْجٍُ كُلُّهَا ضَعِيفٌ. [جه: ٢٤
[جه: ٢٢٤، شعب:
١٥٤٣].
٢١٩ - [٢٢] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِ: ((خَصْلَتَانِ
لاَ تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ :
والنفاس ونحوهما، وإن كان تاجراً وجب علم البيع والشراء، وعلى هذا القياس، ثم
إذا دخل في الإسلام وشرع في العمل بأحكامه، ودخل في الطاعات والعبادات وجب
علم الإخلاص ومعرفة آفات النفوس وما يفسد الأعمال، فإنه أيضاً واجب حتى يكمل
الإيمان، وشرح ذلك في كلام الإمام الغزالي، فتدبر.
وقوله: (وقد روي من أوجه كلها ضعيفة) لكن كثرة الطرق تدل على تقوي
بعضها ببعض، وقد أشبعت الكلام في نقل طرقها في (شرح سفر السعادة) فليطلب
ثمة، وهذا الحديث مما رواه الإمام أبو حنيفة في (مسنده) قال: سمعت أنس بن مالك
يقول: سمعت رسول الله ◌ّ﴿ يقول: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة)(١).
٢١٩ - [٢٢] (أبو هريرة) قوله: (خصلتان لا تجتمعان) ظاهره يدل على أن
واحدة منهما قد تحصل في المنافق لكن الاجتماع غير واقع، وقال الطيبي(٢): ليس
المراد ذلك بل هو تحريض للمؤمنين على اتصافهم بهما، والاجتناب عن ضدهما
وهو من باب التغليظ .
(١) لم أجد زيادة قوله: ((ومسلمة)) فيما عندي من مسند الإمام أبي حنيفة، وقال السخاوي في
((المقاصد الحسنة)) (ص: ٤٤٢): قد ألحق بعض المحققين بآخر هذا الحديث ((ومسلمة))،
وليس لها ذكر في شيء من طرقه وإن كان معناها صحيحاً.
(٢) (شرح الطيبي)) (١ / ٣٧٩).

٥٥٨
(٢) كتاب العلم
حُسْنُ سَمْتٍ وَلاَ فِقْهُ فِي الدِّينِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٨٤].
٢٢٠ - [٢٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَِّ: ((مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ
الْعِلْمِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ حَتَّى يَرْجِعَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والدَّارِمِيُّ. [ت: ٢٦٤٧،
دي: ١ / ١٣٩].
٢٢١ - [٢٤] وَعَن سَخْبَرَةَ.
وقوله: (حسن سمت) في (القاموس)(١): السمت: الطريق وهيئة أهل الخير،
وفي (مجمع البحار)(٢): السمت الهيئة الحسنة، وفي الحديث: (فينظرون إلى سمته
وهديه)(٣)، أي: حسن هيئته ومنظره في الدين، وفيه: (ما نعلم أحداً أقرب سمتاً وهدياً
ودلاً بالنبي وَ له من ابن أم عبد) أي: عبدالله بن مسعود ظُه، والسمت الطريق القصد،
ويستعار لطريق أهل الخير، وفي الحديث: (ويتسمت في ملأته) أي: يلزم طريقة أهل
الخير في اشتمال الملحفة.
وقوله: (ولا فقه) أي: فهم وفطانة في الدين، ولا زائدة للتأكيد.
٢٢٠ - [٢٣] (أنس) قوله: (فهو سبيل الله) أي: فله أجر من خرج إلى الجهاد؛
لأنه يجاهد الشيطان والنفس جهاداً أكبر، وله أجره إلى أن يرجع إلى بيته كما في
الجهاد، وكذلك قالوا في الحج، وأما بعد الرجوع فيكون له أجر التعليم والتكميل
ومضي الجهاد.
٢٢١ - [٢٤] (سخبرة الأزدي) قوله: (سخبرة) بفتح المهملة وسكون
(١) ((القاموس)) (ص: ١٥٥).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ١١٥).
(٣) انظر: ((كنز العمال)) (رقم: ٣٧٢١١).

٥٥٩
(٢) كتاب العلم
الأَزْدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ كَانَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى)).
رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفُ الإِسْنَادِ، وَأَبُو
دَاوُدَ الرَّاوِي يُضَعَّفُ. [ت: ٢٦٤٨، دي: ١ / ١٣٩].
٢٢٢ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَنْ
يَشْبَعَ الْمُؤْمِنُ مِنْ خَيْرِ يَسْمَعُهُ حَتَّى يَكُونَ مُنْتُهَاهُ الْجِنَّة)).
المعجمة وفتح الموحدة.
وقوله: (الأزدي) بفتح الهمزة وسكون الزاي، وقد تبدل الزاي سيناً، اسم
قبيلة، وفي (القاموس)(١): أزد بن الغوث، وبالسين أفصح، أبو حي باليمن، ومن
أولاده الأنصار كلهم، ويقال: أزد شنوءة.
وقوله: (أبو داود الراوي يضعف) أبو داود هذا غير أبي داود صاحب (السنن)
حاشاه، إنه ثقة أي: ثقة اتفاقاً، وفي بعض الشروح: أبو داود اسمه نفيع، قال ابن
حبان: نفيع بن الحارث، أبو داود الأعمى القاضي الهمداني، من أهل الكوفة، كان
ممن يروي من الثقات الموضوعات توهماً، لا يجوز الاحتجاج به ولا الرواية عنه،
وسئل يحيى عنه فقال: ليس بثقة ولا مأمون.
وقوله: (كان كفارة لما مضى) من الذنوب، التكفير فيما عداه من الأعمال
كالوضوء والصلاة إنما هو من الصغائر، وقد يكون من الكبائر كما في الحج، ويمكن
أن يكون الحال في العلم كذلك، والله أعلم.
٢٢٢ _ [٢٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (من خير يسمعه) المسموع هو العلم،
و(الجنة) بالنصب والرفع خبر يكون أو اسمه، وفي الحديث دلالة على أن المؤمن
(١) ((القاموس)) (ص: ٢٥٤).

٥٦٠
(٢) كتاب العلم
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٨٦].
٢٢٣ - [٢٦] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((من سُئِلَ
عَنْ عِلْمٍ عَلِمَهُ ثُمَّ كَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامِ مِنْ نَرِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُّو
دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٢/ ٢٦٣، ٣٠٥، د: ٣٦٥٨، ت: ٢٦٤٩].
٢٢٤ - [٢٧] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسِ. [جه: ٢٦٤].
الحريص على طلب العلم يموت على الإيمان، اللهم ارزقنا .
٢٢٣، ٢٢٤ - [٢٦، ٢٧] (أبو هريرة، وأنس) قوله: (ثم كتمه) ثم للتراخي
في الرتبة، فإن مرتبة كتمان العلم والسؤال عنه بعيدة في القبح والشناعة والإثم.
وقوله: (بلجام) بكسر اللام، وقال في (سفر السعادة): إنه لم يصح في هذا
الباب شيءٍ(١)، انتهى. ومع ذلك الظاهر أنه يكون إذا كان العلم فرضاً، ولم يكن هناك
مانع صحيح ديني أو دنيوي، بل يكون للبخل وعدم الاعتناء بالعلم والدين، وقال
التُّورِبِشْتِي (٢): هذا من باب المقابلة في العقوبة، وذلك أنه ألجم نفسه بالسكوت حيث
(١) هذا الحديث حسنه الترمذي وصححه الحاكم، وقال المنذري في ((مختصر السنن)) (٣/ ٤١٠)
بعد نقل تحسين الترمذي: وقد روي عن أبي هريرة من طرق فيها مقال، والطريق الذي أخرج
بها أبو داود طريق حسن. وما رواه ابن ماجه عن أنس ففي سنده يوسف بن إبراهيم، قال
البخاري: هو صاحب عجائب. وقال ابن حبان: روى عن أنس من حديثه ما لا يحل الرواية
عنه، انتهى. وقال الحافظ في ((التقريب)): ضعيف. قال المنذرى: وقد روي هذا الحديث أيضاً
من رواية ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر بن الخطاب، وابن عمرو بن العاص، وأبي
سعيد الخدري، وجابر بن عبدالله، وأنس بن مالك، وعمرو بن عبسة، وعلي بن طلق، وفي
كل منها مقال، انتهى. وبالجملة المتن ثابت، والكلام في خصوص الأسانيد لا يقدح في ثبوته.
انظر: ((مرعاة المفاتيح)) (١ / ٣٢٥).
(٢) ((كتاب الميسر)) (١ / ١٠٦).