Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
(٢) كتاب العلم
وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَوَّأُ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٤٦١].
التحديث مباح، والمعنى الأول هو الراجح.
وقوله: (ومن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) أي: لينزل منزله من
النار، بوأه منزلاً أي: أسكنه إياه، وتبوأت منزلاً: اتخذته، والمباءة: المنزل، وهذا
الكلام أمر، ومعناه خبر أو دعاء أي: بوأه الله، واستدل به الجويني والد إمام الحرمين
على خلود النار للكاذب عليه تعمداً وأنه كفر، وإلا فكل كاذب أوعد بالنار، فلا وجه
للتخصيص، وضعفه العلماء، وقيل: هذا جزاؤه، وقد يعفى، وقد یتوب، وقيل:
الكذب عليه 8* كبيرة وغيره صغيرة.
وقال الشيخ زكريا في شرح ثلاثيات البخاري: إنه ليس للفظ (عَلَيَّ) مفهوم لأنه
لا يتصور أن يكذب له، إذ هو منهي عنه مطلقاً، ونقل الأبهري عن الكرماني: كذب
عليه: نسب الكلام إليه كاذباً سواء كان عليه أو له، انتهى. وفي هذا سد للذريعة على
من ذهب إليه من الكرامية .
وقد ينسب إلى بعض المتصوفة أيضاً - والله أعلم - أنه يجوز وضع الحديث في
الترغيب والترهيب زعماً منهم أنه كذب له لا عليه، والصواب الذي أجمع عليه المحدثون
أنه حرام، وقالوا: يدخل في هذا الوعيد من روى حديثاً علم أو ظن أنه موضوع ولم
یتبین حاله .
واختلف في قبول رواية من كذب على رسول الله وَلي، ثم تاب، والأصح الجواز
إذا حسنت توبته، والأكثر على أنه لا يقبل، وقد مرّ الكلام في أن هذا الحديث متواتر
أم لا في المقدمة(١)، فتذكر.
(١) قَالَ ابْنُ الصَّلاَحِ: حَدِيثُ ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ)) مِنَ الْمُتَوَاتِ، وَلَيْسَ فِي الأَحَادِيثِ مَا فِي مَرْتَبَتِهِ مِنَ =

٥٢٢
(٢) كتاب العلم
١٩٩ - [٢] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالاَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ)).
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [مق: ١].
١٩٩ - [٢] (سمرة بن جندب) قوله: (وعن سمرة) بفتح السين وضم الميم،
و(جندب) بضم الدال وفتحها.
قوله: (والمغيرة) بضم الميم وكسرها، والضم أشهر.
وقوله: (يرى) بضم الياء أي: يظن، وبفتحها أي: يعلم، والعلم بمعنى الظن
لأنه لا يشترط في المنع عن التحديث اليقين بكذبه، بل إذا حصل الظن بكذبه أمسك
عن تحدثه، كذا في شرح الشيخ، أي: لا ينبغي أن يروي الحديث إلا عن يقين أو غلبة
ظن، انتهى. يعني بصدقه، فإذا حصل الظن بكذبه لم يرو، بقي صورة الشك، والظاهر
عدم صحة الرواية على ما يفهم مما ذكر الشيخ، فالمراد بظن كذبه معنى يشمل الشك
أيضاً على ما هو مقتضى المعنى اللغوي.
قال التُّورِبِشْتِي(١): الرؤية قد يستعمل على معنى الوهم والتخيل نحو: أرى أن
زيداً منطلق، مثل هذا المعنى أريد منه ههنا، وكذلك أريت، ويجوز أن يكون من الرأي
الذي هو اعتقاد النفس أحد النقيضين عن غلبة الظن، ثم صوب هذا المعنى، وقال:
إذ ليس لأحد أن يدع الرواية بمجرد الوهم والتخيل، فتدبر.
وقوله: (أحد الكاذبين) يروى بلفظ الجمع ويلفظ التثنية، وقد یروی في حديث
= الثَّوَاتُرِ، فَإِنَّ نَقِيهِ مِنَ الصَّحَابَةِ جَمِّ غَفِيرٌ. قِيلَ: اثْنَانِ وَسِتُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ فِيهِمُ الْعَشَرَةُ الْمُبَشَّرَةُ،
وَقِيلَ: لَ نَعْرِفُ حَدِيثاً اجْتَمَعَ فِيهِ الْعَشَرَةُ إِلَّ هَذَا. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٢٨٢).
(١) ((كتاب الميسر)) (١ / ٩٧).

٥٢٣
(٢) كتاب العلم
٢٠٠ - [٣] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْراً
يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللهُ يُعْطِي)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١، ٣٦٤١،
م: ١٠٣٧].
سمرة بالتثنية، وفي حديث المغيرة بالشك في التثنية والجمع، وإنما سماه كاذباً لأنه
لما لم يحتط ولم يتحر فكأنه رضي بالكذب، ولأنه أعان الكاذب وشاركه في إشاعته،
فاشترك معه في الوزر .
٢٠٠ - [٣] (معاوية) قوله: (يفقهه في الدين) الفقه الفهم والفطنة وهي تهيؤ
النفس لجودة فهم ما يرد عليها من الغير أي: يعطيه فهماً خاصًّا في أحكام الدين يدرك
به المراد مما يرد عليه من الكتاب والسنة ويصل إلى حقيقة معناه، وهو أخص من مطلق
العلم، حتى لا يحسن إطلاق العلم في بعض المواضع التي يحسن فيه إطلاق الفقه كما
قيل في تعريف الفقه، هو معرفة ما لها وما عليها، فغلب في عرف الشرع على معرفة
الأحكام الشرعية الفرعية بدلائلها المستنبطة هي منها، ولعل إرادة المعنى الأول ههنا
أولى وأحسن، قال النُّورِبِشْتِي(١): أي: يجعله عالماً بأحكام الشريعة ثقفاً ذا بصيرة فيه،
فيصير قلبه ينبوع العلم يستخرج بفهمه المعاني الكثيرة من اللفظ الموجز، فافهم.
وقوله: (وإنما أنا قاسم والله يعطي) أشار فيه إلى أن الأمر كله بيد الله، وهو
المعطي لمن شاء ما شاء، وإنما على يدي قسمة ما أعطى تأكيداً لقوله: (من يرد الله
به خيراً يفقهه في الدين) وتنبيهاً على شهود التوحيد والرضا بقسمته ، وإن كانت
القسمة بتفضيل بعضهم على بعض، وترجيحه بزيادة القسم؛ لأنه من عند الله، هذا
ما يفهم من ظاهر لفظ الحديث، والله أعلم.
(١) ((كتاب الميسر)) (١ / ٩٧).

٥٢٤
(٢) كتاب العلم
وقال التُّورِبِشْتِي(١): أشار النبي ◌َّه بقوله: (وإنما أنا قاسم) إلى ما يلقي إليهم
من العلم والحكمة، وبقوله: (والله يعطي) إلى فهم ما يهتدى به إلى خفيات العلوم في
كلمات الكتاب والسنة، وذلك لأنه لما ذكر التفقه في الدين وما فيه من الخير أعلمهم
أنه لم يفضل في قسمة ما أوحي إليه أحداً من أمته على الآخر، بل هو سَوَّى في البلاغ
وعدل في القسمة، وإنما التفاوت في الفهم، وهو واقع من طريق العطاء، ولقد كان
بعض الصحابة يسمع الحديث فلا يفهم منه إلا الظاهر الجلي، ويسمعه آخر منهم أو
من القرن الذي يليهم أو ممن أتى بعدهم فيستنبط منه مسائل كثيرة، وذلك فضل الله
يؤتيه من يشاء.
وقال الطيبي(٢): الواو في قوله: (وإنما أنا قاسم) للحال من فاعل (يفقهه)، أو
من مفعوله، وإذا كان الثاني فالمعنى: إن الله يعطي كلاًّ ممن أراد أن يفقهه استعداداً
لدرك المعاني على ما قدره، ثم يلهمني بإلقاء ما هو اللائق باستعداد كل واحد، وعليه
كلام القاضي، وإذا كان الأول فالمعنى أني ألقي على ما يسنح لي وأسوِّي فيه، ولا أرجح
بعضهم على بعض، فالله تعالى يوفق كلاًّ منهم على ما أراد وشاء من العطاء، وعليه
کلام التُّورِبِشْتِي، انتھی.
قال العبد الضعيف: المعنى الأول الذي عليه كلام القاضي يدل على تخصيص
بعضهم بإلقاء بعض العلوم عليه لا على بعض آخر، وتفضيله عليه بذلك بناء على تفاوت
الاستعدادات، فهذا ينظر إلى ما ذكرنا في معنى الحديث أولاً، والقسمة لا تقتضي
(١) ((كتاب الميسر)) (١ / ٩٨).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١ / ٣٥٨).

٥٢٥
(٢) كتاب العلم
٢٠١ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((النَّاسُ
مَعَادِنُ.
التسوية، وليست التسوية داخلة في مفهومها، بل هو إيصال كل ما هو حقه ونصيبه من
جانب المعطي، والمعنى الثاني: هو الذي نقلنا من التُّورِبِشْتِي عبارته، وهو دال على
التسوية في القسمة، هذا، ولكن لا يظهر وجه تخصيص المعنى الأول بكون قوله:
(وإنما أنا قاسم) حالاً من فاعل (يفقهه)، والمعنى الثاني بكونه حالاً من مفعوله، بل
الظاهر أنه يجوز الحمل على كل من المعنيين على كل من التقديرين، فليتأمل .
ثم قد قيل: أراد ◌َّه بقوله: (وإنما أنا قاسم) قسمة المال، وقال هذا القول لئلا
يكون في قلوبهم شحنة ونكير عن التفاضل في القسمة، فإنه من أمر الله وأن الله معطيه،
وهذا المعنى صحيح ظاهر من اللفظ، لكن سوق الكلام ورعاية التناسب بين أول الكلام
وآخره يأبى عنه ويحكم بأن الظاهر هو المعنى الأول، ولعل الذاهب إلى هذا القول
عنده حديث آخر صريح في قسمة المال فبعثه إلى شرحه بهذا المعنى، لكن هذا الحديث
بهذا اللفظ المذکور ظاهر في خلافه.
وقيل: وجه المناسبة أنه وَّ﴿ خص بعضهم بزيادة مال لمقتض، فتعرض بعض
من خفي عليه المقتضي، فعرض وسي بأن من أريد به الخير يفهم في أمور الدين،
ولا يخفى عليه المقتضي، ولا يتعرض لما ليس على وفق خاطره إذ الأمر كله لله، وهو
المعطي والمانع، كذا في (مجمع البحار)(١) نقلاً عن الكرماني.
٢٠١ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (الناس معادن) عدن بالبلد يَعْدِن ويَعْدُن عَدْنا
وعُدُوناً: أقام، ومنه: ﴿حَنَّتُ عَدْنٍ﴾، والمعدن كمجلس: منبت الجواهر من ذهب
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٢٧٦).

٥٢٦
(٢) كتاب العلم
كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلاَمِ إِذَا
فقُهُوا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٢٦].
ونحوه لإقامة أهله فيه دائماً، أو لإنبات الله رشمت إياه فيه، ومكان كل شيء أصله فيه،
كذا في (القاموس)(١).
وقوله: (معادن) تشبيه بليغ، و(كمعادن) بدل منه أو تأكيد أو مجاز عن التفاوت،
أي: متفاوتون في شرف النفس واستعدادها، فيتفاوتون في مكارم الأخلاق ومحاسن
الصفات على حسب الاستعدادات ومقدار الشرف تفاوت المعادن، فإن منها ما يستعد
للذهب، ومنها ما يستعد للفضة وغيرهما من الجواهر المعدنية حتى ينتهي إلى الأدنى
فالأدنى، كالحديد والكحل والزرنيخ والنورة، وكان من يستعد لقبول المآثر وجميل
الصفات والفوقية على الأقران في الجاهلية وكان من خيار القبائل فيها، لكنه كان في
ظلمة الكفر والجهل مستوراً مغموراً، كما يكون الذهب والفضة في المعدن ممزوجاً
مختلطاً بالتراب، كان في الإسلام كذلك، وفاق بتلك الاستعداد والمآثر والصفات على
أقرانه في الدين، وتنور بنور العلم والإيمان، وخلص في سبيكة الرياضة والمجاهدة
كما يسبك الذهب والفضة .
وقوله: (إذا فقهوا) يفيد أن الإسلام يرفع اعتبار التفاوت المعتبر في الجاهلية،
فإذا تحلى الرجل بالعلم والحكمة استجلب شرف النسب واستعداد النفس فيجتمع
الشرفان، وبدون ذلك لا يعتبر ولا يفيد، وفيه أن الوضيع العالم خير من الشريف
الجاهل، يقال: فقه الرجل بالكسر: علم، وفقه بالضم: صار فقيها عالماً بعلم الشرائع،
والرواية بالضم وهو المناسب ههنا، وإن رجحنا الأول في قوله: يفقهه في
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٢).

٥٢٧
(٢) كتاب العلم
٢٠٢ - [٥] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((لاَ حَسَدَ إِلَّ
فِي اثْنَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللهُ مَالاً
الدين، فافهم.
٢٠٢ - [٥] (ابن مسعود) قوله: (لا حسد) المراد به الاغتباط، وهو تمني
الرجل مثل ما لأخيه من غير أن يتمنى زواله، ومعنى الحصر مع أن الاغتباط جائز في
كل صفة محمودة أن أحق ما يقع في الغبطة هاتان الخصلتان، وقيل: إن حسن الحسد
بالفرض والتقدير لا يحسن إلا فيهما، أو المراد المبالغة في تحصيل تينك الخصلتين،
يعني ولو حصلتا بهذا الطريق المذموم، وقيل: الظاهر أن المراد بالحسد صدق الرغبة
وشدة الخوض، ولما كان هما السببين الداعيين إلى الحسد کنی عنهما بالحسد، وقيل :
إن فيه تخصيصاً لإباحة نوع من الحسد وإن كانت جملته محظورة، وإنما رخص فيهما
لما يتضمن مصلحة في الدين، انتهى. وما ذكروه إنما يتم إذا أخذ في معنى الحسد
حصول نعمة لنفسه مع تمني زوالها عن غيره، أما إن كان معناه تمني الزوال فقط فلا
يتجه فيه ما قيل، تأمل(١)، قال في (القاموس)(٢): حسده الشيء وعليه: تَمنّى أن تتحول
إليه نعمته وفضيلته، أو يُسْلَبَهُمَا، فتدبر.
وقوله: (إلا في اثنين) روي بتاء التانيث أي: خصلتين، فقوله: (رجل) بتقدير
مضاف أي: خصلة رجل أقيم مقام المضاف إليه، وبدونها فـ (رجل) بدل منه من غير
احتياج إلى التقدير، وقال الطيبي(٣): التقدير في شأن رجل، وقال التُّورِبِشْتِي(٤): أوثق
(١) كذا في (د)، وفي (ر): ((فلا يتجه وفيه ما فيه تأمل))، وفي (ب): ((فلا يتجه)).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٦٥).
(٣) (شرح الطيبي)) (١ / ٣٦٠).
(٤) ((كتاب الميسر)) (١ / ٩٩).

٥٢٨
(٢) كتاب العلم
فَسَلَّطَهِ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللهُالْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا))
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣، م: ٨١٦].
٢٠٣ - [٦] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا مَاتَ
الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ :
الروايات بالتذكير، وجعله الكرماني أصل الرواية، قال الشيخ(١): في معظم الروايات
(اثنتين) بتاء التأنيث، وعلى كل تقدير (رجل) بالجر، ويجوز رفعه بتقدير المبتدأ، فعلى
الرواية الثانية ظاهر، وعلى الأولى باكتساء إعراب المضاف.
وقوله: (على هلكته) بفتحات بمعنى الهلاك، وعبر بذلك إشارة إلى أنه لا يبقى
شيئاً، وكذا بقوله: (سلطه)، وذلك لكون النفس مجعولة على الشح، وأشار بقوله (في
الحق) أي: في الطاعة ليزيل الإسراف المذموم.
وقوله: (آتاه الله الحكمة) قال الكرماني: عرف (الحكمة) ونكر (مالاً)؛ لأن
المراد معرفة الأشياء التي جاءت بها الشريعة، فاللام للعهد بخلاف المال.
وقوله: (فهو يقضي بها) أي: يحكم بها بين الناس، وقيل: يعمل بها، وإنما
حرص على الغبطة في هاتين الخصلتين؛ لأنهما من صفات الأنبياء والمرسلين خصوصاً
الثانية منهما .
٢٠٣ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة) هذه العبارة
لا تخلو عن شيء، فإن قوله: (عمله) فاعل انقطع، فالظاهر في الاستثناء أن يقال: إلا
ثلاثة أي: ثلاثة أعمال، أو يقال: انقطع من عمله إلا من ثلاثة أعمال، فقيل: (من)
زائدة، وقيل: بل الضمير في (عنه) زائدة، ومعناه: إذا مات الإنسان انقطع عن أعماله
(١) ((فتح الباري)) (١ / ١٦٧).

٥٢٩
(٢) كتاب العلم
إِلَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أوعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدِ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[م: ١٦٣١].
إلا من ثلاثة، وقيل: كلتاهما أصليتان ومعناه: إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله،
وانقطع هو عن عمله إلا من ثلاثة أعمال، بقي أن الظاهر أن يقال: إلا عن ثلاثة،
وجوابه أن (من) و(عن) قد يتناوبان، ويذكر كل منهما مقام الآخر، هذا، وقد أشار
الطيبي(١) في أثناء البيان إلى توجيهه حيث قال: تقديره ينقطع عنه ثواب أعماله من كل
شيء كالصلاة والزكاة والحج، ولا ينقطع ثواب أعماله من هذه الثلاثة، فالمضاف
مقدر، و(من) ابتدائية أي: انقطع عنه الثواب الحاصل من كل أعماله إلا الثواب الحاصل
من هذه الأعمال الثلاثة، فافهم. ويحتمل أن يكون صلة لـ (انقطع).
وقوله: (صدقة جارية) في (النهاية)(٢): أي: دارّة متصلة كالوقوف المرصدة
لأبواب البر، وفي بعض الشروح عن (الأزهار)(٣): اختلف العلماء في الصدقة الجارية،
قال أكثرهم: هي الوقف وشبهه مما تدوم منافعه، وقال بعضهم: هي القناة والعين
الجارية المُسَبّلة .
ثم قد استشكل هذا الحديث بحديث: (من سن سنة حسنة فله أجره وأجر من
عمل بها)(٤)، وحديث: (كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله، فإنه
ينمو له عمله إلى يوم القيامة)(٥)، فإن هذين القسمين المذكورين في ذينك الحديثين
(١) ((شرح الطيبي)) (١ / ٣٦١).
(٢) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) (١ / ٢٦٤).
(٣) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٢ /١٠١).
(٤) أخرجه الترمذي (٢٦٧٥)، وابن ماجه (٢٠٣).
(٥) أخرجه أبو داود (٢٥٠٢)، والترمذي (١٦٢١)، وأحمد (٦/ ٢٠).

٥٣٠
(٢) كتاب العلم
٢٠٤ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً
مِنْ كُرَّبِ الدُّنْيَا نَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبٍ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ
يَشَرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ،
زائدان على الثلاثة المذكورة في الحديث.
وأجيب بأن السنة المسنونة من جملة العلم المنتفع به، والذي ذكر عن المرابط
فإنه عمله الذي قدمه في حياته فينمو إلى يوم القيامة، وأما الثلاثة المذكورة في هذا
الحديث فإنها أعمال محدثة بعد وفاته لا ينقطع عنه؛ لأنه سبب تلك الأعمال، فهذه
الأشياء يلحقه منها ثواب طارئ خلاف أعماله التي مات عليها، كأنه ينقطع عمله المنضم
إلى عمل الغير إلا عن ثلاثة، هذا حاصل كلام التُّورِبِشْتِي والطيبي(١)، وجعل الطيبي
المرابط داخلة في الصدقة الجارية، ولا يخلو عن خفاء، فتدبر، والله أعلم.
٢٠٤ - [٧] (عنه) قوله: (من نفّس عن مؤمن كربة) نفس تنفيساً: فرج تفریجاً،
وأصل اشتقاقه من النفس بمعنى الريح يخرج من باطن الإنسان كأنه احتبس نفسه ففتح
مخرجه، والكرب والكربة بالضم كالكرب: الحزن والغم والشدة بأخذ النفس، وتنوين
كربة للتقليل والتحقير، وفي الثاني للتعظيم والتكثير قال: (من كرب الدنيا) يعني
فكيف من كرب العقبى بأن وقع في غم وشدة من جهة الدين كالإكراه على الكفر
والمعصية مثلاً.
وقوله: (ومن يسر على معسر) العسر ضد اليسر، وهو الصعوبة، فالمعسر من
وقع في العسر، وليس ذلك مخصوصاً بمن ركبه الدين، فقول الطيبي(٢): المعسر من
(١) ((كتاب الميسر)) (١/ ٩٩)، و((شرح الطيبي)) (١ / ٣٦٢).
(٢) انظر: ((شرح الطيبي)) (١ / ٣٦٢).

٥٣١
(٢) كتاب العلم
وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ
فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْماً سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقاً إِلَى
الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ ..
ركبه الدَّين ويعسر عليه قضاؤه على سبيل التمثيل، أو باعتبار كثرة استعماله فيه، كقوله
تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] أو حمل للعام على الخاص؛
لأن ما عدا ذلك مذكور في الكربة وداخل فيها .
وقوله: (من ستر مسلماً) بأن ألبسه ثوباً أو لم يفضحه على قبيح، وهو الأظهر؛
لأن المشهور في معنى الإلباس كسا إلا أن يراد ستر عورته.
وقوله: (ما كان العبد في عون أخيه) بدفع ضرر أو جلب نفع بأي وجه كان،
فهذا تعميم بعد التخصيص، ولما ذكر بعض أنواع العمل الواصل نفعه إلى الخلق أشار
إلى فضيلة العلم الذي به قوام جميع الأعمال اللازمة والمتعدية وصحتها وسلامتها
عن الآفات المفسدة لها تعميما للفائدة، فقال: (ومن سلك طريقاً) أي: بالمشي إلى
المدرسة، أو السفر إلى بلد، أو اختار وجهاً وسبباً لتحصيل العلم من الإنفاق والسعي
فيما يوصل إليه كالتعلم والتعليم والتصنيف، (يلتمس فيه) أي: يطلب علماً ولو قليلاً،
(سهل الله له به طريقاً) أي: يدخله الجنة، أو يوفقه لعمل صالح يوصله إليها، أو يسهل
له ما يزيد علمه؛ لأنه أقرب طريق إلى الجنة، كما قال المشايخ: إن أولى جزاء
العمل هو التوفيق لزيادة العمل، وقوله: (به) أي: بسبب سلوك طريق العلم، وعلى
المعنى الأخير يشبه أن يكون الباء تجريدية نحو: رأيت به أسداً، وإن كانت السببية
صحیحة باعتبار المزيد، فافهم.
وقوله: (في بيت من بيوت الله) أي بيت كان اختاروه للاجتماع على التلاوة

٥٣٢
(٢) كتاب العلم
يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَ سُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ،
والتدارس سواء كان مسجداً أو مدرسة أو رباطاً أو غيرها، والإضافة للتشريف ولاختياره
لتلاوة كتاب الله .
وقوله: (يتلون كتاب الله) التلاوة قراءة القرآن متتابعاً كالأدوار والأوراد الموظفة،
والقراءة أعم، كذا في (شرح الأرجوزة الجزرية).
وقوله: (ويتدارسونه) في (القاموس)(١): درس الكتاب يَدْرُسُه ويَدْرِسُه دَرْساً
ودراسةً: قرأه كأدرسه، والدُّرْسَة بالضم: الرياضة، وفي (مشارق الأنوار)(٢): درست
الكتاب: قرأته، وفي (مجمع البحار)(٣): يتدارسونه، التدارس: أن يقرأ بعض القوم مع
بعض شيئاً، أو يعلم بعضهم بعضاً ويبحثون في معناه، أو في تصحيح ألفاظه وحسن
قراءته، وفي حديث: (تدارسوا القرآن) أي: اقرأوه وتعهدوه لئلا تنسوه، وأصل الدراسة
والمدارسة: الرياضة(٤) والتعهد للشيء، ولا يخفى أن الدرس هو القراءة، فالتدارس
يكون بمعنى قراءة بعضهم مع بعض، وما سوى ذلك مما ذكر يكون داخلاً فيها بطريق
الدلالة .
وقوله: (نزلت عليهم السكينة) في (القاموس)(٥): السَّكِينة والسُّكِّینة بالكسر
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٠٤).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٤٠٥).
(٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢ / ١٦٩).
(٤) قوله: ((وأصل الدراسة والمدارسة: الرياضة)) كذا في الأصول الثلاثة من المخطوطة، وفي
((المجمع)) و((النهاية)) (٢ / ٣٥٠): ((وأصل الدراسة الرياضة))، وكذا في ((لسان العرب))
(٦/ ٦٩)، وفي (تاج العروس)) (١/ ٣٩٣٧): ((وأصل المدارسة: الرياضة)).
(٥) ((القاموس)) (ص: ١١١١).

٥٣٣
(٢) كتاب العلم
مشددة: الطمأنينة، وقرئ بهما قوله تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ [البقرة: ٢٤٨]،
انتهى. وقال التُّورِبِشْتِي(١): أي الحالة التي يطمئن بها القلب، فيسكن عن الميل إلى
الشهوات، وعن الرعب، وقيل: السكينة ملك يسكن قلب المؤمن، وقد تفسر بالرحمة
والصفا والنورانية، وكأنه تفسير باللازم، وفي بعض الشروح عن (شرح مسلم) (٢):
المختار أنها شيء من مخلوقات الله فيه طمأنينة ورحمة، ومعه الملائكة.
والكلام الجامع للأقوال ما ذكره القاضي عياض في (مشارق الأنوار)(٣) في قوله:
(تلك السكينة نزلت بقراءة القرآن) قيل: هي الرحمة، وقيل: الطمأنينة، وقيل: الوقار،
وما يسكن به الإنسان مخففة الكاف، هذا هو المعروف، وحكى الحربي عن بعض
اللغويين فيها التشديد، وذكر عن الفراء والكسائي، وقد يحتمل أن التي نزلت القراءة
القرآن السكينة التي ذكر الله تعالى بقوله: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨]
فقد قيل: إنها شيء كالريح، وقيل: خلق كالهر، وقيل: خلق لها وجه كوجه الإنسان،
وقيل: روح من الله يكلمهم ويبين لهم إذا اختلفوا في شيء، وقيل فيه غير هذه، وفيما
ذكرناه ما يحتمل أن ينزل مثل هذا على قراء القرآن أو من يجتمع للذكر؛ لأنها من
جملة الروح والملائكة، والله أعلم. وأما قوله في الصلاة: (فأتوها وعليكم الوقار
والسكينة)(٤) فهو ههنا بمعنى الوقار والسكون، وکرر للتأكید، انتهى.
(١) ((كتاب الميسر)) (١ / ١٠٠).
(٢) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٦ / ٨٢).
(٣) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٣٦٥).
(٤) أخرجه مالك في ((الموطأ)) (١٥٠)، والبخاري نحوه (٩٠٩)، ومسلم (٦٠٢).

٥٣٤
(٢) كتاب العلم
وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَقَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ
بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٩٩].
٢٠٥ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِن أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى
عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُنِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ ..
وقوله: (وحفتهم الملائكة) أي: طافت بهم ودارت حولهم فيمن عنده من
الملائكة مباهاة بعباده وإثباتاً للحجة عليهم في طعنهم في البشر.
وقوله: (ومن بطأ به) بالتشديد بطأ به وأبطأ بمعنى أخّره، أي: من أخّره العمل
لم يقدمه النسب، والرجل إذا قصر في الأعمال الصالحة لم يجبر نقصه بكونه نسبياً في
قومه .
٢٠٥ - [٨] (عنه) قوله: (إن أول الناس يقضى عليه) صفة للناس لكون اللام
للعهد الذهني كقوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني، ثم إنه ذكر ثلاثة نفر بالواو،
وقال: إنهم أول من يقضى فيكونون أوائل ممن عداهم في السؤال، ولا يعلم الترتيب
فيما بينهم، وهذا السؤال من الإخلاص في العمل، فلا ينافي (إن أول ما يسأل العبد عن
الصلاة) أي: في السؤال عن الإتيان بالعبادات، وإن أول ما يقضى بالقصاص، وذلك
في باب المظالم.
وقوله: (استشهد) أي: مات شهيداً، في (القاموس)(١): استشهد: قتل في
سبيل الله .
وقوله: (فعرفه نعمته) من التعريف أي: عرف الله الرجل إلزاماً وتبكيتاً، والمراد
بالنعمة الجنس، وفي بعض النسخ (نعم) بلفظ الجمع، أي: ذكر ما أنعم الله عليهم من
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٧٨).

٥٣٥
(٢) كتاب العلم
فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ
وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمر ◌ِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجِهِهِ
حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ
.....
نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ،
أنواع النعم، وقال الطيبي(١): نعمته على صيغة المفرد أولاً، وعلى الجمع في الآخرين،
هكذا جاء في الأصول.
وقوله: (فعرفها) بالتخفيف أي: عرف الرجل نعمة الله عليه واعترف بها.
وقوله: (ما عملت فيها) في تعليلية، أي: فكيف أديت شكرها.
وقوله: (قاتلت فيك) أي: لأجل إرادة وجهك خالصاً.
وقوله: (جريء) بفتح الجيم وكسر الراء ممدوداً من الجراءة بمعنى الشجاعة.
وقوله: (فقد قيل) أي: قال الناس هذا القول في مدحك ففزت ثوابه، فماذا
تطلب مني؟.
وقوله: (أمر به فسحب) كلاهما على لفظ المجهول، وأمر مسند إلى الجار
والمجرور والضمير للرجل، أي: أوقع الأمر للملائكة بسبب الرجل ولأجله بالسحب،
وهكذا يكون المعنى في مثل هذا التركيب يكون المأمور به مدخول الفاء، وهي كثيرة
في الأحاديث، وليست الباء في (به) صلة الأمر.
وقوله: (وقرأ القرآن) أي مع وجود الاشتغال بالعلم قرأ القرآن وتعهد.
وقوله: (تعلمت العلم وعلمته) أي: خالصاً لوجهك بقرينة السياق، ويحتمل
(١) ((شرح الطيبي)) (١ / ٣٦٥).

٥٣٦
(٢) كتاب العلم
وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: إِنَّكَ عَالِمٌ،
وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ
حَتَّى أَلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ،
فَأَتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ
تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ:
هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ).
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٠٥].
٢٠٦ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّ اللهَ
لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعاً يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضٍ
الْعُلَمَاءِ،
أن تكون الأفعال الثلاثة متنازعة في (فيك)، لكن الظاهر من تأخير القرآن تعلقه
بـ (قرأت) خاصة، فافهم.
وقوله: (تعلمت ... إلخ) لم يذكر التعليم لأنه تابع للتعلم وفرع له، فلم يذكره
اكتفاء .
وقوله: (ثم ألقي في النار) قيل: أتى بـ (ثم) ههنا، وبـ (حتى) في الاثنين لأنه
أقبح، فافهم .
٢٠٦ - [٩] (عبدالله بن عمرو) قوله: (انتزاعاً) مفعول مطلق للنوع من غير
لفظ الفعل، و(ينتزعه) جملة مبينة للانتزاع ومؤكدة له لا صفة له لعدم الضمير وعدم
جودة المعنى.

٥٣٧
(٢) كتاب العلم
حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِماً أَتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوساً جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ
فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤، م: ٢٦٧٣].
٢٠٧ - [١٠] وَعَن شَقِيقٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْعُودٍ يُذَكِّرُ النَّاسَ
فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا فِي
كُلِّ يَوْمٍ، قَالَ: أَمَا إِنّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَنَخَوَّلُكُمْ
بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِوَِّ يَتَخَوَّلْنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّمَةِ عَلَيْنَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[خ: ٦٨، م: ٢٨٢١].
وقوله: (حتى إذا لم يبق عالماً) في بعض الشروح: قال الشيخ(١): (حتى إذا
لم يبق عالم) بفتح الياء والقاف، فعالم مرفوع، وللأصيلي بضم الياء وكسر القاف
وعالماً منصوب أي: لم يبق الله عالماً، وفي رواية مسلم: (لم يترك عالماً).
وقوله: (رؤوساً) وفي شرح الشيخ: بضم الهمزة والتنوين جمع رأس كما في
رواية البخاري، وفي رواية مسلم: رؤساء بفتح الهمزة والمد: جمع رئيس، والأول
أظهر .
٢٠٧ - [١٠] (شقيق) قوله: (يتخولنا بها) باللام في أكثر الروايات يتعهدنا
ويتنقدنا ويحسن رعايتنا ويعظنا في مظان القبول وعدم السآمة، وروي بالنون مكان
اللام، والتخول والتخون بمعنى واحد، فقد ذكر في (القاموس)(٢): تخول في باب
اللام، وقال: تخول فلاناً: تعهده، وفي باب النون أيضاً وقال: تخونه: تعهده، وذكره
(١) «فتح الباري)) (١ / ١٩٥).
(٢) ((القاموس)) (ص: ٩١٦، ١١٠٠).

٥٣٨
(٢) كتاب العلم
٢٠٨ - [١١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّنَّهِ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ ....
في (الصحاح) (١) تخول باللام، وأورد هذا الحديث ثم قال: و[كان] الأصمعي يقول:
و (یتخوننا) بالنون أي: يتعهدنا.
وقال في (المشارق)(٢): يتخولنا معناه يتعاهدنا، والخائل: المتعاهد للشيء
المصلح له، وقال ابن الأعرابي: معناه يتخذنا خَوَلاً، وقيل: يفاجئنا بها، وقيل:
يصلحنا، وقال أبو عبيدة: يذللنا، يقال: خوّله الله لك، أي: سَخّره لك، وقيل:
يحبسهم عليها كما يحبس خولك، قال أبو عبيد: ولم يعرفها الأصمعي قال: وأظنها
يتخونهم، وقال أبو نصر: يتخون مثل يتعهد، هذا كلامه، ويدل على أن الأصمعي
لم يعرف اللام وأنكرها كما يدل عليه كلام (الصحاح) أيضاً على خلاف ما قال
التُّورِبِشْتِي (٣): إن الأصمعي يثبت اللام والنون كليهما، والمنكر للام إنما هو أبو عمرو،
وقد روي (يتحولنا) بالحاء المهملة واللام، قال في (المشارق): وقال أبو عمرو:
الصواب يتحولهم [بالحاء] أي: يطلب حالاتهم وأوقات نشاطهم. قال التُّورِبِشْتِي:
لكن الرواية في الصحاح بالخاء المعجمة.
ثم اعلم أنهم إنما تعرضوا لبيان الروايات واختلافها في (يتخولنا)، ولا يعرف
· أن على حسب هذا الاختلاف يختلف في (أتخولكم) أيضاً، أو هو على حاله على
رواية واحدة، والاختلاف إنما هو في الثاني، والله أعلم.
٢٠٨ - [١١] (أنس) قوله: (إذا تكلم بكلمة) أراد بـ (كلمة) الجملة المفيدة
(١) ((الصحاح)) (٤ / ١٦٩).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٣٩٢).
(٣) (كتاب الميسر)) (١ / ١٠١).

٥٣٩
(٢) كتاب العلم
أَعَادَهَا ثَلَاثاً حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ
ثَلَاثاً). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٩٥].
٢٠٩ - [١٢] وَعَنْ أَبِي مَسْعُودِ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى
النَّبِّوَلِ فَقَالَ: إِنَّهُ أُبْدِعَ بِي فَاحْمِلْنِي، فَقَالَ: ((مَا عِنْدِي))، .
كما يقال: كلمة الحق، وفي التنزيل: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِى الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠]، ثم
الظاهر أن المراد الكلمة التي يهتم بها وبإفادتها کما یشیر إليه قوله: (حتى تفهم عنه)،
والله أعلم.
وقوله: (أعادها ثلاثاً) أي: كررها حتى يصير ثلاثاً.
وقوله: (سلم عليهم ثلاثاً (١)) الأول للاستئذان، والثاني للتحية، والثالث عند
المفارقة، فالمراد بـ (إذا) الوقت الممتد من أول الدخول إلى آخره، وقيل: ذلك في
الاستئذان إذ لم يؤذن مرتين، والأول أوجه .
٢٠٩ - [١٢] (مسعود) قوله: (إنه أبدع بي) في (القاموس)(٢): أبدعت
الراحلة: كلت وعطبت، أو لا يكون الإبداع إلا بضلع، وفي (الصحاح)(٣): أبدع
بالرجل إذا كلت راحلته يستعمل مجهولاً .
وقوله: (ما عندي) أي: راحلة حتى أحملك عليها، أو ما تشتري به أو تستجير
(١) قال القاري: قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: لَعَلَّ هَذَا كَانَ هَذْيَهُ فِي السَّلاَمِ عَلَى الْجَمْعِ الْكَثِيرِ الَّذِينَ لاَ يَبْلُغُهُمْ
سَلاَمٌ وَاحِدٌ، اهـ. وَذَلِكَ بِأَنْ يُسَلِّمَ عَلَى الْمُوَاجِهِينَ ثُمَّ يَمْنَةً ثُمَّ يَسْرَةً. ((مرقاة المفاتيح))
(١ / ٢٩١).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٤٧).
(٣) (الصحاح)) (٣/ ١١٨٤).

٥٤٠
(٢) كتاب العلم
فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا أَدُلُّهُ عَلَى مَنْ يَحْمِلُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّ :
(مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرٍ فَاعِلِهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٩٣].
٢١٠ - [١٣] وَعَنْ جَرِيرٍ قَالَ: كُنَّا فِي صَدْرِ النَّهَارِ عِنْدَ رَسُولِ اللهَِّهِ﴾
فَجَاءَهُ قَوْمٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ.
به، ولهذا حذف.
وقوله: (من دلّ على خير) أورد الحديث في باب العلم؛ لأن الدلالة تعليم،
ثم إن كانت هذه الدلالة بالقول بأن قال له: اذهب إلى فلان فاسأله فإنه سيجيء
بحملك كان تعليماً بالقول، وإن دل عليه من غير قول كان بالفعل، فإن قلت: كيف
يمكن الدلالة من غير قول أصلاً؟ قلت: يكفي في ذلك ذكره في حضرته ◌ّ، ثم
دلالته، ولا حاجة إلى قول آخر .
٢١٠ - [١٣] (جرير) قوله: (مجتابي النمار) في (القاموس)(١): اجتاب
القميص: لبسه، والنمار جمع نمرة، وهي شملة فيها خطوط بيض وسود، أو بردة
من صوف يلبسها الأعراب، وفي (النهاية)(٢): كل شملة مخططة من مآزر الأعراب(٣)
فهي نمرة، وجمعها نمار، كأنها أخذت من لون النمر لما فيها من السَّواد والبياض،
وهي من الصفات الغالبة، أي جاءه قوم لابسي أُزُرِ مخطّطة من صوف، وفي (مجمع
البحار) (٤): نمرة بفتح النون وكسر ميم: بردة من صوف أو غيره مخطط،
(١) ((القاموس)) (ص: ٧٩).
(٢) ((النهاية)) (١١٨/٥).
(٣) في الأصول الثلاثة: ((العرب))، وهو تحريف.
(٤) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٨١٠).