Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
(١) كتاب الإيمان
١١٠ - [٣٢] وَعَنْ مَطَرِ بْنِ عُكَامِسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِذَا
قَضَى اللهُ لِعَبْدِ أَنْ يَمُوتَ بِأَرْضٍ جَعَلَ لَهُ إِلَيْهَا حَاجَةً)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ.
[حم: ٥/ ٢٢٧، ت: ٢١٤٦].
١١١ - [٣٣] وَعَنْ عَائِشَةَ لَهُ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! ذَرَارِيُّ
الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: ((مِنْ آبَائِهِمْ)). فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِلاَ عَمَلٍ؟ قَالَ: ((اللهُ
أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)). قُلْتُ: فَذَرَارِي الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: ((مِنْ آبَائِهِمْ)).
قُلْتُ: بِلاَ عَمَلٍ؟ قَالَ: ((اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د:
٤٧١٢].
وقال الطيبي(١): يجوز أن يكون (من) بيانية وأن يراد بـ (المستحل) من يستحل
من أولاد الرسول * شيئاً من المحرمات، وفيه استبعاد وقوعه منهم كما ورد في
شأن أزواجه وَِّ ﴿َنِسَآءَ النَّبِيّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِّ﴾
[الأحزاب: ٣٠]، وأما التارك للسنة استخفافاً وقلة مبالاة فكافر، وتاركها تهاوناً وتكاسلاً
لا عن استخفاف عاصٍ إذا داوم على ذلك، وأما تركها أحياناً فليست بمعصية .
١١٠ - [٣٢] (مطر بن عكامس) قوله: (وعن مطر بن عكامس) مطر بفتحتين
وعكامس بضم المهملة وكسر الميم آخره سين مهملة.
وقوله: (جعل له إليها حاجة) فيذهب إليها باختياره فيموت هناك.
١١١ - [٣٣] (عائشة) قوله: (قال: الله أعلم بما كانوا عاملين) إشارةٌ إلى القدر
وردٌّ لتعجب عائشة من ذلك، يعني لا تتعجبي من ذلك، فإن الأطفال وإن لم يكن
(١) ((شرح الطيبي)) (١ / ٢٦١).

٤٠٢
(٣) باب الإيمان بالقدر
١١٢ - [٣٤] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((الوَائِدَةُ
وَالْمَوْءُوْدَةُ فِي النَّارِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧١٧] وَالتِّرْمِذِيُّ (١).
لهم عمل بالفعل لكنه يمكن أن يكون عمل في علم الله تعالى وقدره لهم، فافهم،
وقد سبق الكلام فيه في الفصل الأول [برقم: ٩٣].
١١٢ - [٣٤] (ابن مسعود) قوله: (الوائدة والموءودة في النار) وأد بنته يئدها
وَأْداً: دفنها حية، فهي وئيدة وموءودة، وكانت العرب في جاهليتهم يدفنون البنات
حية، وإنما خص الوائدة بالذكر لأن أكثر ما كان الوأد من النساء، واستشكل الحديث
بأن الوائدة تصح كونها في النار لكفرها وفعلها فما بال الموءودة لم تكفر، ولم تعمل
سوءاً؟ فاضطروا في جوابه إلى توجيهات.
فقيل: إن الموءودة في النار لكونها من أطفال المشركين، ففيه إثبات القدر كما
مرّ في أحاديث أخر، وبهذا الاعتبار أورد محيي السنة هذا الحديث في هذا الباب،
ومن لم يقل بأن أطفال المشركين في النار أوّله بأن المراد بالوائدة القابلة وبالموءودة
الموءودة لها وهي الأم فحذفت الصلة(٢)، فإن القابلة التي كانت تئد بأمر الأم.
وقيل: ورد الحديث في مادة مخصوصة(٣) فلا يقاس عليها ما عداها، فإن الله
يحكم في عباده ما يشاء، وهو على تقدير إن ثبت، ملحق بحديث الغلام الذي قتله
(١) كذا في نسخة وليس في سائر النسخ الموجودة، وهي خطأ من النساخ.
(٢) إِذْ كَانَ مِنْ دَيَّدَنِهِمْ - العرب - أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَخَذَهَا الطَّلْقُ حَفَرُوا لَهَا حُفْرَةً عَمِيقَةٌ فَجَلَسَتِ الْمَرْأَةُ
عَلَيْهَا، وَالْقَابِلَةُ وَرَاءَهَا تَرْقُبُ الْوَلَدَ، فَإِنْ وَلَدَتْ ذَكَراً أَمْسَكَتْهُ، وَإِنْ وَلَدَتْ أُنْثَى أَلْقَتْهَا فِي
الْحُفْرَةِ، وَأَهَالَتِ الْتُّرَابَ عَلَيْهَا. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ١٨٦).
(٣) وَهِيَ أَنَّ ابْنَيْ مُلَيْكَةَ أَنْيَا رَسُولَ اللهِنَّهِ فَسَأَلاَهُ عَنْ أُمِّ لَهُمَا كَانَتْ تَتِّدُ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلَامُ
بذلك الجواب. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ١٨٦).

٤٠٣
(١) كتاب الإيمان
الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
*
١١٣ - [٣٥] عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ وَّتْ
فَرَغَ إِلَى كُلِّ عَبْدٍ مِنْ خَلْقِهِ مِنْ خَمْسٍ: مِنْ أَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَمَضْجَعِهِ، ..
الخضر .
ويحتمل أن تلك الموءودة كانت بلغت الحِنْثَ، فدخلت النار بكفرها، وتعقب
بأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، ولا يذهب عليك أنه إذا وردت في مادة
مخصوصة كانت المراد بالموءودة هي المعهودة المخصوصة فلم يكن اللفظ عاماً،
نعم إذا حملت اللام على الجنس كان اللفظ عاماً ولا دليل على ذلك، فتدبر.
وبالجملة لم يثبت في هذا الباب حديث يعول عليه ويجزم به، فالمذهب
الصحيح فيه التوقف لعدم التوقيف، والله أعلم.
الفصل الثالث
١١٣ - [٣٥] (أبو الدرداء) قوله: (إن الله ◌ّت فرغ إلى كل عبد من خلقه) الفراغ
محال على الله تعالى، فهو كناية عن عدم التبديل والتغيير، أو هو من باب المجاز
والتمثيل، وتعديته بإلى لتضمين معنى الانتهاء، أي منتهياً تقديره: إلى تدبير كل عبد في
الأزل، وفي (القاموس)(١): فرغ له وإليه: قصده، و(من خلقه) صفة لـ (عبد) للتعمیم،
أي: كل عبد كائن من مخلوقاته كقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ ﴾ [الأنعام: ٣٨]، و(من
خمس) متعلقة بـ (فرغ)، و(من أجله) مع ما عطف عليه بدل من (خمس) بإعادة الجار.
(ومضجعه) من ضجع كمنع ضجعاً وضجوعاً: وضع جنبك بالأرض، والمضجع كمقعد
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٢٥).

٤٠٤
(٣) باب الإيمان بالقدر
وَأَثَرِهِ، وَرِزْقِهِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ١٩٧].
١١٤ - [٣٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ
تَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقَدَرِ سُئِلَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ لَمْ يُسْأَلْ
عَنْهُ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٨٤].
١١٥ - [٣٧] وَعَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: أَنَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ
وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنَ الْقَدَرِ.
موضعه، والمراد بمضجعه ههنا: سكونه.
(وأثره) أي حركته، مأخوذ من أثر الإقدام في المشي إشارة إلى أن جميع حركاته
وسكناته مقدرة في الأزل، كذا قالوا، أو المراد من (مضجعه) مكان موته وقبره، و(أثره)
أي حركته في حياته، أو المضجع إشارة إلى الإقامة والأثر إلى المسافرة. (ورزقه)
والرزق كل ما ينتفع به، وهو شامل الحلال والحرام عندنا، والمعتزلة خصوه بالحلال،
وقد عرف في موضعه.
١١٤ - [٣٦] (عائشة) قوله: (من تكلم في شيء من القدر سئل عنه) الحديث،
المراد المنع عن الخوض فيه، والسؤال بطريق الزجر والعتاب، فينبغي أن لا يتكلم،
فلا يرد أن لكل ما يتكلم به الإنسان كذلك لا خصوصية بالقدر، قال الله تعالى: ﴿مَا
يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَنِيدٌ﴾[ق: ١٨].
١١٥ - [٣٧] قوله: (عن ابن الديلمي) بفتح اللام.
وقوله: (قد وقع في نفسي شيء من القدر) أي: شك وشبهة فيما يتعلق بالأمر
والنهي، وأنه كيف يؤاخذ عباده على أعمالهم مع أن الكل بقضائه وقدره تعالى، وأشار
بقوله: (في نفسي) أنه من قبيل حكاية النفس، و(من) تبعيضية أو ابتدائية.

٤٠٥
(١) كتاب الإيمان
فَحَدِّثْنِي لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُذْهِبَهُ مِنْ قَلْبِي، فَقَالَ: لَو أَنَّ اللهَ وَكُ عَذَّبَ أَهْلَ
سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ عَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ
خَيْراً لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً فِي سَبِيلِ اللهِ مَا قَبِلَهُ اللهُ
مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ
مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَدَخَلْتَ النَّارَ، قَالَ:
ثُمَّ أَنَيْتُ عَبْدَاللهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ
الْيَمَانِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَحَدَّثَنِي عَنِ النَّبِيِّ ◌َهِ مِثْلَ
ذَلِكَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٥/ ١٨٢، د: ٤٦٩٩، جه:
٧٧] .
وقوله: (فحدثني) أي بحديث من أحاديث رسول الله صل أو من عندك عسى الله
أن يذهب تلك الوسوسة التي تمكن من قلبي، فحدثه أولاً بحديث من عنده مما يزيل
شبهته واستبعاده مؤاخذة الله عباده، وتبين أن الله مالك الملك يفعل ما يشاء، ولا يسئل
عما يفعل، ولا ظلم فيما فعل في ملكه، وهو وإن كان من رسول الله تغيير لكنه لم يرفعه،
ثم أشار إلى أن الإيمان بالقدر في جميع الكائنات عامة وفي أحوال نفسك خاصة من
الواجبات التي لا يعدله عمل من الأعمال ولو كان عظيماً خارجاً عن مقدرة البشر شرط
لدخول الجنة، وفي الحديث كمال مبالغة في الحث على القدر والإيمان به، وأنه
مجمع عليه في أهل الدين .
وقوله: (ما أصاب لم يكن ليخطئك) معناه لا يقول عند الإصابة: إني إنما أصيب
ذلك لسعيي وجدي في طلب ذلك، ولا عند عدمها لو أني سعيت لوجدته، فلتبرأ
من حولك وقوتك، فتفوز مقام التوكل والرضا، اللهم ارزقنا.

٤٠٦
(٣) باب الإيمان بالقدر
١١٦ - [٣٨] وَعَنْ نَافِعِ أَنَّ رَجُلاً أَتَى ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّ فُلاَناً يَقْرَأُ
عَلَيْكَ السَّلاَمَ، فَقَالَ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَُّ قَدْ أَحْدَثَ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْدَثَ فَلاَ تُفْرِئْهُ
مِنِّي السَّلاَمَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَ﴿ يَقُولُ: ((يَكُونُ فِي أَمَّتِي - أَوْ فِي
هَذِهِ الأُمَّةِ - خَسْفٌ ومَسْخٌ، أَوْ قَذْفٌ فِي أَهْلِ الْقَدَرِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُّو
دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [ت:
٢١٥٢، د: ٤٦١٣ بمعناه، جه: ٤٠٦١].
١١٦ - [٣٨] (نافع) قوله: (إن فلاناً يقرأ) بضم الياء وكسر الراء، هذا هو
اللفظ العربي، وإن كان يتراءى في الظاهر أن يكون بفتح الياء، وفي (النهاية)(١):
أَقْرِئ فلاناً السلام، واقرأ عليه السلام كأنه حين يُبَلِّغه سلامه يحمله على أن يقرأ
السلام ويردّه، وإذا قرئ القرآن أو الحديث على شيخ يقول الشيخ: أقرأني فلان أي:
حملني على أن أقرأ [عليه]، وسيأتي في باب السلام، والمقصود أن رجلاً بلغ ابن
عمر من أحد السلام فقال ابن عمر: (إنه) أي ذلك الفلان قد أحدث في الدين ما ليس
منه، وهو التكذيب في القدر، فإن كان هذا الخبر صادقاً فلا تُبَلّغه مني السلامَ فإني
برئت من مودّي له، وفيه وجوب التبري من أخوة المبتدع في الدين ومودته التي كانت
ثابتة .
وقوله: (أو قذف) أي رمي بالحجارة من السماء و(أو) للشك، قال الطيبي(٢):
ويجوز أن يكون للتنويع، فافهم.
(١) ((النهاية)) (٤/ ٣١).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١ / ٢٦٧).

٤٠٧
(١) كتاب الإيمان
١١٧ - [٣٩] وَعَنْ عَلَيِّ قَالَ: سَأَلَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ نَّهِ عَنْ وَلَدَيْنِ
مَاتَا لَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((هُمَا فِي النَّارِ))، قَالَ: فَلَمَّا
رَأَى الْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِهَا قَالَ: ((لَوْ رَأَيْتِ مَكَانَهُمَا لِأَبْغَضْتِهِمَا))، قَالَتْ:
يَا رَسُولَ اللهِ فَوَلَدِي مِنْكَ، قَالَ: ((فِي الْجَنَّةِ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إِنَّ
الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْلاَدَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَوْلاَدَهُمْ فِي النَّارِ»، ثُمَّ قَرَّأَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَبَّعَنْهُمْ ذُرِّيَّهُهُمْ بِإِيَمَنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّفَهُمْ﴾ [الطور: ٢١].
رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١ / ١٣٤، ١٣٥].
١١٧ - [٣٩] (علي) قوله: (عن ولدين) أي: من غيره وَّل
وقوله: (ماتا لها) ولها متعلق لولدين صفة لهما.
وقوله: (لأبغضتِهما) وفي بعض النسخ: (لأبغضتيهما) بزيادة الياء بعد التاء
للإشباع، وهي كثيرة الوقوع في الأحاديث، أي: وإن كنت تكرهين وتحزنين على
كونهما في النار، ولكن لو رأيت منزلتهما من الحقارة والبعد عن نظر الله تعالى وسخطه
إياهما لأبغضتهما وتبرأت منهما، وذلك كتبري إبراهيم عن أبيه يوم القيامة عند رؤيته
إياه في صورة ذيخ (١) متلطخ.
وقوله: (فولدي منك) وهو عبدالله ولد في الإسلام، ولذا يقال له: الطيب
والطاهر .
وقوله: (ثم قرأ رسول الله (وَ ﴿) استشهاداً، اعلم أن الأولاد تابعة لآبائهم في
الآخرة دون أمهاتهم، ولما كانت هذه الكرامة للمؤمنين وإتمام سرورهم كان الحال
(١) الذِّيخُ: ذكَر الضُّبَاعِ، والأنْثى ذِيخَةٌ. ((النهاية)) (٢ / ١٧٤).

٤٠٨
(٣) باب الإيمان بالقدر
١١٨ - [٤٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَمَّا خَلَقَ اللهُ
آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ عَنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرََّتِهِ إِلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ، وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصاً مِنْ نُورٍ، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَىَ
آدَمَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ مَنْ هَؤُلاءِ؟ قَالَ: ذُرَّتُكَ، فَوَأَى رَجُلاً مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ
وَبِيِصُ مَا بَین عَيْنَيْهِ، .
في الكافرين على خلاف ذلك.
١١٨ - [٤٠] (أبو هريرة) قوله: (كل نسمة) في (النهاية)(١): النسمة: الروح
والنفس، وكل دابة فيها روح، وإنما يريد الناسَ، وفي (القاموس)(٢): النَّسَمُ محرّكة:
نفس الروح، كالنَّسَمَة محركة، ونفس الريح إذا كان ضعيفاً، كالنسيم، والنسمة محركةً:
الإنسان، والجمع نَسَمُّ ونَسَمَاتٌ.
وقوله: (هو خالقها) صفة (نسمة) ذكر للتعميم، وقال الطيبي(٣): ليتعلق به إلى
يوم القيامة، والوبيص البريق واللمعان، يقال: وبص البرق يبص وبصاً ووبيصاً: لمع
وبرق، ومنه (رأيت وبيص الطيب في مفارق رسول الله (كلير، وهو محرم)، ومنه (وبيص
خاتمه).
وقوله: (فأعجبه وبيص ما بين عينيه) لا يدل هذا على فضله على غيره من
الرسل الذين هم أفضل منه، بل يدل على فضله في نفسه، وقد مرّ مثل هذا على أن
إعجاب وبيصة آدم عليه* لا يدل على كثرة وبيصه أو على أحسنيته من وبيص غيره، بل
(١) ((النهاية)) (٥ / ٤٩).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٧١).
(٣) ((شرح الطيبي)) (١ / ٢٦٨).

٤٠٩
(١) كتاب الإيمان
قَالَ: أَيْ رَبِّ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: دَاوُدُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ كَمْ جَعَلْتَ عُمْرَهُ؟ قَالَ:
سِتِينَ سَنَةً، قَالَ: رَبِّ زِدْهُ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً)، قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ:
(فَلَّا انْقَضَى عُمَرُ آدَمَ إلَّ أَرْبَعِينَ جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَقَالَ آدَمُ: أَوَلَمْ يَبْقَ
مِنْ عُمُرِي أَرْبَعُونَ سَنَةٌ؟ قَالَ: أوَّلَمْ تُعْطِهَا ابْنَكَ دَاوُدَ؟ قَالَ: فَجَحَدَ آدَمُ،
فَجَحَدَتْ ذُرِيَّتُهُ، وَنَسِيَ آدَمُ فَأَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ فَنَسِيَتْ ذُرِيَّتُهُ، وَخَطَأَ آدَمُ
وَخَطأَتْ.
ربما يعجب أحد من حسن أحد وجماله وإن لم يكن أجمل وأزيد من غيره في الحسن،
وهذا واقع في الخارج، وكان بين آدم وداود عليهما السلام مناسبة خاصة ومحبة
مخصوصة، وذلك أنه تعالى سمى آدم خليفة، ولذلك خاطب داود بقوله: ﴿يَدَاوُدُ
إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً ﴾ [ص: ٢٦] وفي ذلك سر، والله أعلم.
وقوله: (كم جعلت عمره ... إلخ) قد جاء في الفصل الثالث من (باب السلام)
من (كتاب الآداب) عكس ما ذكرههنا بأن يجعل عمره أربعين، فقال: زده من عمري
ستين سنة، فقيل: ذلك من سهو بعض الرواة وخبطه، ويؤيد هذا القول بأن العادة في
الزيادة أن يكون المزيد أقل من المزيد عليه، ولأن البعثة غالباً تكون على رأس أربعين،
فإذا كان عمره أربعين لم تحصل الدعوة.
وقوله: (فجحد آدم) بحكم الجبلة وعلى حرص العمر عند الهرم كما نطق به
الحديث الصحيح، وبعض الجبلة باقية في الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين،
وقد حقق ذلك في موضعه.
وقوله: (ونسي آدم) يعني نهيه عن أكل الشجرة (وخطأ) أي: أخطأ في أن المراد
بالشجرة شخصها، والخطأ ضد الصواب، وخطأ وأخطأ لغتان.

٤١٠
(٣) باب الإيمان بالقدر
ذُرِّيَّتُهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٠٧٦].
١١٩ - [٤١] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءَ عَنِ النَّبِيِّ بَيْ قَالَ: ((خَلَقَ اللهُ آدَمَ
حِينَ خَلَقَهُ، فَضَرَبَ كَتِفَهُ الْيُمْنَى، فَأَخْرَجَ ذُرِيَةً بَيْضَاءَ كَأَنَّهُمُ الذَّرُّ، وَضَرَبَ
كَتِفَهُ الْيُسْرَى فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةٌ سَوْدَاءَ كَأَنَّهُمُ الْحُمَمُ،
وقوله: (رواه الترمذي) وكتب في الحواشي بهذه العبارة، وقال: هذا حديث
حسن صحيح، ورواه الإمام أحمد من حديث ابن عباس، وزاد محمد بن سعد: (ثم
كمل الله لآدم ألف سنة، ولداود مئة سنة).
١١٩ - [٤١] (أبو الدرداء) قوله: (حين خلقه) ظرف لقوله: (فضرب)،
ولا يمنع الفاء من العمل لأنه ظرف على أن فاء السببية غير مانعة لعمل ما بعدها فيما
قبلها، قاله الطيبي(١).
وقوله: (كأنهم الذر) في (القاموس)(٢): الذر: صغار النمل، وفي بعض
الحواشي: النمل الأحمر الصغير، وقيده في شرح الشيخ بالأبيض بقرينة مقابله وهو
قوله: (كالحمم)، لكن كون الذر أبيض لا يعرف وجوده، ولا حاجة إلى التقييد؛ لأن
التشبيه في القدر، والمقابلة لا يوجب التقييد، وفي نسخة معتمدة: (كدر) بضم الدال
المهملة وهي أوضح(٣).
وقوله: (كالحمم) جمع حممة وهو الفحم.
(١) ((شرح الطيبي)) (١ / ٢٧٠).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٦٩).
(٣) فَالتَّشْبِيهُ بِاعْتِبَارِ اللَّوْنِ وَالصَّفَاء. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ١٩٤).

٤١١
(١) كتاب الإيمان
فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَمِينِهِ: إِلَى الْجَنَّةِ وَلاَ أُبَالِي، وَقَالَ لِلَّذِي فِي كَتِفِهِ الْيُسْرَى:
إِلَى النَّارِ وَلاَ أُبَالِي)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦ / ٤٤١].
١٢٠ - [٤٢] وَعَن أبي نَضْرَةَ: أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهِ- يُقَالُ
لَهُ: أَبُو عَبْدِ اللهِ - دَخَلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ وَهُوَ يَبْكِي، فَقَالُوا لَهُ:
مَا يُبْكِيكَ؟ أَلَمْ يَقُلْ لَكَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((خُذْ مِنْ شَارِبِكَ ثُمَّ أَقِرَّهُ
وقوله: (فقال للذي في يمينه) قال الطيبي(١): أي لأجل الذي في يمينه، وهذا
كتأويله فيما سبق من حديث عبدالله بن عمرو، في الفصل الثاني(٢)، والوجه هو ما أشرنا
إليه هناك، ولكن لا يجري الوجه المذكور ههنا، أو يجوز أن يخاطب الذي في يمينه؛
لأنه خلق فيهم العقل والسماع فيكون التقدير: فقال للذي في يمينه: أنتم واصلون إلى
الجنة، وعلى وجه الطيبي يكون الخطاب للملائكة بأن هؤلاء أوصلهم إلى الجنة.
وقوله: (لا أبالي) وإن كان ينظر في الجملة إلى المعنى الذي ذكره الطيبي، ولكن
قوله: (إلى الجنة) دون أن يقول: هؤلاء للجنة ناظراً إلى ما قلنا، فافهم.
١٢٠ - [٤٢] (أبو نضرة) قوله: (أصحابه) الضمير للرجل، ويجوز أن يكون
للنبي
.
وقوله: (ثم أقره) أي: دُمْ على أخذ الشارب(٣).
(١) ((شرح الطيبي)) (١ / ٢٧٠).
(٢) تحت حديث (١٠١).
(٣) قَالَ الطَّيِيُّ: وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ قَصَّ الشارِبِ مِنَ السُّنَنِ الْمُتَأَكِّدَةِ، وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ
مُوصلةٌ إِلَى قُرْبِ دَارِ النَّعِيمِ فِي جِوَارِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، فَيُعْلَمُ أَنَّ مَنْ تَرَكَ سُنَّةً أَيَّ سُنَّةٍ فَقَدْ
حُرِمَ خَيْراً كَثِيراً، فَكَيْفَ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى تَرْكِ سَائِرِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى الزَّنْدَقَةِ. ((مرقاة
المفاتيح)) (١ / ١٩٥).

٤١٢
(٣) باب الإيمان بالقدر
حَتَّى تَلْقَانِي))؟، قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ لّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ اللهَ رَكْ
قَبَضَ بِيَمِينِهِ قَبْضَةً، وَأُخْرَى بِالْيَدِ الأُخْرَى(١)، وَقَالَ: هَذِهِ لِهَذِهِ، وَهَذِهِ لَهَذِهِ،
وَلاَ أُبَالِي) وَلاَ أَدْرِي فِي أَيِّ الْقَبْضَتَيْنِ أَنَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١٧٦/٤ -
١٧٧، ٥ / ٦٨].
عَنِ النَّبِيِّ وَلِ قَالَ: «أَخَذَ اللهُ الْمِيثَاقَ
١٢١ - [٤٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ
مِنْ ظَهْرٍ آدَمَ بِنَعْمَانَ - يَغْنِي عَرَفَةَ -.
وقوله: (تلقاني) أي: في الجنة أو على الحوض، ففيه بشارة لك بدخول
الجنة فَلِمَ تبكي؟.
وقوله: (ولا أدري في أي القبضتين أنا) قال بعض العارفين: قد يحصل الأمن
بمقتضى صدق وعد الشارع وبشارته، ولكن خوف (لا أبالي) باق(٢)، وعلى هذا تبتني
تمنيات للمبشرين من الصحابة بياليت كذا كذا أو كذا كذا، وقد ذكرناها في رسالة لنا
مسماة بـ (تحقيق الإشارة في تعميم البشارة)، وله تحقيق ذكرته في بعض الرسالة
الفارسية .
١٢١ - [٤٣] (ابن عباس) قوله: (بنعمان يعني عرفة) في (القاموس)(٣): نعمان
(١) لَمْ يَقُلْ بِيَسَارِهِ أَدَباً، لأن كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، قاله القاري. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ١٩٥).
(٢) وفي ((التقرير)): قلت: لكن يختلج في القلب أن البشارة قطعي في حقه، كيف وقد شافهه
النبي ◌َّر؟ فالخوف ليس للتردد في البشارة بل لكمال قدرته تعالى. وقال القاري تحت حديث
عثمان: إنَّهُ لاَ يَلْزَمُ مِنَ النَّبْشِيرِ بِالْجَنَّةِ عَدَمُ عَذَابِ الْقَبْرِ، بَلْ وَلاَ عَدَمُ عَذَابِ النَّارِ مُطْلَفاً مَعَ
احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ النَّبْشِيرُ مُقَيَّداً بِقَيْدٍ مَعْلُومٍ أَوْ مُبْهٍَ. ((مرقاة المفاتيح)) (١/ ٢١٥).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٧٢).

٤١٣
(١) كتاب الإيمان
فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا، فَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ
قُبُلاَ قَالَ: ﴿أَسْتُ بِرَبَّكُمْ قَالُوا بِلِىُّ شَهِدَنْأُ أَنْ تَقُولُواْيَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا
غَفِلِينَ ، أَوْ نَقُولُواْ إِنَّا أَشْرَكَ ءَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتَهْلِكُنَا بِمَا
فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾)) [الأعراف: ١٧٢ -١٧٣]. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١ / ٢٧٢].
١٢٢ - [٤٤] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِ اللهِ ثّ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ
بَنِيّ ءَآدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيََّهُمْ﴾ الآيَة، قَالَ: جَمَعَهُمْ فَجَعَلَهُمْ أَزْوَاجاً، ..
كسحبان: واد وراء عرفة، وهو نعمان الأراك، وفي التفسير بعرفة مسامحة بقربه منها.
وقوله: (ذرأها) أي: خلقها، ومنه الذرية عند من يهمزه نسل الثقلين، ومن
الذر عند من لا یهمزه، وقد سبق.
وقوله: (ثم كلمهم قبلاً) أي: مواجهة وعياناً، في (القاموس)(١): رأيته قبلاً
بالضم وبضمتين، وكصرد وعنب أي: عياناً ومقابلة، ولي قِبَله بكسر القاف أي:
عنده .
وقوله: (قالوا: بلى) التكلم من الذر بخلق العقل والتميز فيها كتكلم نملة سليمان،
والله على كل شيء قدير، وقد تبين بما ذكرنا في أول الفصل الثاني في حديث عمر
شرحه(٢)، والكلام فيه فلا حاجة إلى الإعادة.
١٢٢ - [٤٤] (أبي بن كعب) قوله: (فجعلهم أزواجاً) أي: أراد أن يجعلهم
أصنافاً؛ لأن جعلهم أزواجاً بعد التصوير، والزوج خلاف الفرد، ويقال للاثنين:
هما زوجان وهما زوج، والحديث يحتمل على المعنيين.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٦٣).
(٢) تحت حديث (٩٥).

٤١٤
(٣) باب الإيمان بالقدر
ثُمَّ صَوَّرَهُمْ فَاسْتَنْطَقَّهُمْ، فَتَكَلَّمُوا، ثُمَّ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ، ﴿وَأَشْهَدَهُ
عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَىٌ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، قَالَ: فَإِنِّي أَشْهِدُ عَلَيْكُمُ
السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالأَرَضِيْنَ السَّبْعَ، وَأُشْهِدُ عَلَيْكُمْ أَبَّكُمْ آدَمَ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ
الْقِيَامَةِ: لَمْ نَعَلَمْ بِهَذَا، اعْلَمُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ غَيْرِي، وَلاَ رَبَّ غَيْرِي، فَلاَ تُشْرِكُوا
بِي شَيْئاً، إِنِّي سَأَرْسِلُ إِلَيْكُمْ رُسُلِي يُذَكِّرُونَكُمْ عَهْدِي وَمِثَفِي، وَأَنْزِلُ عَلَيْكُمْ
كُتُبِيٍ، قَالُوا: شَهِدْنَا بِأَنَّكَ رَبِّنَا وَإِلَهُنَا، لَاَ رَبَّ لَنَا غَيْرُكَ، وَلاَ إِلَهَ لَنَا غَيْرُكَ،
فَأَقَرُوا بِذَلِكَ، وَرُفِعَ عَلَيْهِمْ آدَمُ عَلَهِ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، فَرَأَى الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ، وَحَسَنَ
الصُّورَةِ وَدُونَ ذَلِكَ، فَقَالَ: رَبِّ لَوْلاَ سَوَّيْتَ بَيْنَ عِبَادِكَ؟. قَالَ: إِنِّي أَحْبَيْتُ
أَنْ أُشْكَرَ، وَرَأَى الأَنْبِيَاءَ فِيهِمْ مِثْلَ السُّرُجِ، عَلَيْهِمُ النُّورُ، خُصُوا بِمِيثَاقٍ
آخَرَ فِي الرِّسَالَةِ وَالنُُّوَّةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَبَارَكِ وَتَعَالَى:
وقوله: (أشهد عليكم السموات السبع، والأرضين السبع، وأشهد عليكم آباءكم)
بأن يشهدوا عليكم إذا أنكرتم الاستشهاد والإقرار، والأول إشارة إلى نصب الدلائل
العقلية، والثاني إلى بعث الرسل يذكرونهم بالخطابات السمعية.
وقوله: (رفع) بلفظ المجهول ويحتمل المعلوم، لكن الرواية هو الأول، والرفع
ضد الخفض والإصعاد، والمراد أشرف عليهم لينظر إليهم.
وقوله: (فرأى الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك) أي: من هو دون
حسن الصورة، وهذان مذكوران على طريق التمثيل، خصهما بالذكر لأن أكثر
ما يتفاخرون في الظاهر بالمال والجمال.
وقوله: (قال: إني أحببت أن أشكر) أي: لو كنت خلقتهم على حدٍّ سواء لما
وجد الشكر، فالغني يشكر لغناه، وحسن الصورة يشكر لحسن صورته، ولما كان هذان

٤١٥
(١) كتاب الإيمان
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيْئِنَ مِثَقَهُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَعِيسَى ابْنِ مَّرْيمٌ﴾ [الأحزاب: ٧]
كَانَ فِي تِلْكَ الأَزْوَاحِ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى مَرْيَمَ عَلَيهَا السَّلامُ(١)، فَحُدِّثَ عَنْ أُبَيِّ
أَنَّهُ دَخَلَ مِنْ فِيهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١٣٥/٥].
١٢٣ - [٤٥] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَه
نَتَذَاكَرُ مَا يَكُونُ إِذْ قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((إِذَا سَمِعْتُمْ بِجَبَلٍ زَالَ عَن مَكَانِهِ
فَصَدِّقُوهُ، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِرَجُلٍ تَغََّ عَنْ خُلُقِهِ فَلاَ تُصَدِّقُوا بِهِ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ إِلَى
مَا جُبِلَ عَلَيْهِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦/ ٤٤٣].
القسمان مذكورين بطريق التمثيل، وكان ههنا أقسام لا تعد ولا تحصى، فالمتقي المتدين
يشكر لدينه وتقواه وإن كان فقيراً، وحَسَنُ الخصال والأخلاق یَشْكُرُ لِحُسن خصاله
وأخلاقه وإن كان ذميماً، فافهم.
وقوله: (إلى قوله: وعيسى) تمام الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيْنَ مِئَقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن
أُوِيٌ وَإِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمٌ﴾ [الأحزاب: ٧] ووصل ◌َّل كلامه بالآية، وقال: كان
أي: عيسى من تلك الأرواح أي: أرواح الذرية لا في أجسامهم، فأرسله أي: عيسى.
وقوله: (أنه) أي: عيسى الذي كان روحاً في تلك الأرواح (دخل من فيها) أي:
من جانب فم مریم.
١٢٣ - [٤٥] (أبو الدرداء) قوله: (ما يكون) أي: الذي يوجد ويحدث أي:
نتذاكر فيه أنه مقضي أو مستأنف، فأجاب ◌َ ﴿ أنه مقضي ومقدور، وما قدره الله لا يتغير،
ذكر منها مثالاً مخصوصاً، وهو خلق الرجل - بالضم - لكونه لا يقبل الزوال، بخلاف
خلقه - بالفتح - فإنه يتغير بحسب الظاهر، فالكيِّس لا يصير بليداً والبليد لا يصير كيساً،
(١) في نسخة: ((عليهما السلام)).

٤١٦
(٤) باب إثبات عذاب القبر
١٢٤ - [٤٦] وَعَنْ أمِّ سَلمَةَ قَالَتْ: يَا رَسُول الله، لاَ يَزَالُ يُصِيبُّكَ فِي
كُلِّ عَامٍ وَجَعٌ مِنَ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ الَّتِي أَكَلْتَ، قَالَ: ((مَا أَصَابَنِي شَيْءٌ مِنْهَا
إِلَّ وَهُوَ مَكْتُوبٌ عَلَيَّ وَآدَمُ فِي طِينَتِهِ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٥٤٦].
٤ - باب إثبات عذاب القبر
يعني أن من قدر الله وقضى بكونه بليداً أو كيساً ألبتة لا يصير على خلاف ما قدر، بخلاف
ما يرى في الحال كيساً أو بليداً فارتاض واجتهد وصار على خلاف ما كان فهو ليس
مما نحن فيه، إذ المقدر هناك ما صار عليه، وقد أنكره بعض الناس قائلاً بأن الأخلاق
لا تتبدل ولا يتهذب بالرياضة، وهذا غلط بحكم الشريعة والتجربة، فافهم(١).
١٢٤ - [٤٦] (أم سلمة) قوله: (وآدم في طينته) كناية عن التقدير، في
(القاموس)(٢): الطين معروف، وبهاءٍ: القطعة منه، والخِلقة، والجبلة.
٤ - باب إثبات عذاب القبر
لما أنكر بعض المبتدعة من أكثر المعتزلة وبعض الروافض عذاب القبر، وكان
ثابتاً بالأحاديث المشهورة التي تبلغ الحد المشترك منها مبلغ التواتر، وكان سلف الصالح
متفقين على ذلك قبل ظهور المخالفين، اهتم المؤلف بإثباته وعقد له باباً على حدة
كالإيمان بالقدر أثبته لذلك .
(١) قال القاري: وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّْدِيلَ الأَصْلِيَّ الذَّاتِيَّ غَيْرُ مُمْكِنٍ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ،
وَأَمَّا الَّبْدِيلُ الْوَصْفِيُّ فَهُوَ مُمْكِنٌ بَلِ الْعَبْدُ مَأْمُورٌ بِهِ، وَيُسَمَّى تَهْذِيبُ النَّفْسِ وَتَحْسِينُ الأَخْلاَقِ.
((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٢٠١).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١١٩).

٤١٧
(١) كتاب الإيمان
والعذاب كالنكال بناء ومعنىّ، يقال: أعذب عن الشيء ونكل عنه: إذا أمسك
عنه، وإنما سمي العذاب سواء كان عذاباً؛ لأنه يمسك الإنسان عن العصيان ويروعه
عنه، أو يمسك عن النعمة والرحمة ويروعه عن ذلك، ومنه الماء العذب لأنه يقمع
العطش ويروعه، والألم إن كان قادحاً أي ثقيلاً فعذاب سواء كان جزاء للعمل أو لا ،
رادعاً للجاني عن المعاودة أو لا، وإن كان جزاء فعقاب، وإن كان رادعاً فنكال،
فالعقاب أخص من العذاب، والنكال أخص من العقاب، والعذاب أعم منهما، والألم
أعم من الكل .
وقيل: العذاب مشتق من العذبة، وهي القذاة، وماء ذو عذب أي: كثير القذى،
فكما أن القذاة تنغض الماء كذلك العذاب ينغض العيش، وأيضاً يقال: أعذب حوضك
أي: انزع ما فيه من القذى، فكذلك العذاب ينزع من الجاني ما فيه من الجناية، وقيل:
من العذوبة؛ لأن عذاب كل أحد يستعذبه عدوه، فعذاب الكافرين مما يستعذبه
المؤمنون .
والمراد بالقبر ههنا عالم البرزخ، وهو عالم بين الدنيا والآخرة له تعلق بكل
منهما، وليس المراد به الحفرة التي يدفن فيها الميت، فرب ميت لا يدفن كالغريق
والمحروق والمأكول في بطن الحيوانات يعذب وينعم ويسأل، وإنما خص العذاب
بالذكر للاهتمام، ولا قائل بالفصل، ولأن العذاب أكثر لكثرة الكفار والعصاة، وقد
يراد بعذاب القبر حال للعبد في البرزخ مطلقاً سواء كان تنعيماً أو تعذيباً، وصار اسماً
لتلك الحالة تغليياً .
واختلف في أن الميت يعذب بإحيائه في القبر أو بجعل الروح في مقابلته أو
بنوع آخر مما يعلمه الله ولا نعلمه، والأظهر الأصوب أنه بالإحياء وإعادة الروح،

٤١٨
(٤) باب إثبات عذاب القبر
وهو ظاهر الأحاديث، ثم اختلف في كيفية الإحياء فقيل: إنه يعاد الروح في جملته،
وقيل: في أقل جزء يحتمل الحياة والعقل، قال الحليمي: فإن صح فلا جزء أولى به
من القلب الذي هو ينبوع الحياة ومحل العقل، وقيل: كل من مات وتفرقت أجزاؤه،
فإن الله يعلق روحه بجزئه الأصلي الباقي من أول عمره إلى آخره المستمر على حالتي
النمو والذبول، لأن الله تعالى عالم بها كلها حسب ما هو عليها، ويعلم مواقعها
ومحالها كما في الحشر، والبينة عندنا ليست شرطاً للحياة، ويكفي في صحة الاعتقاد
أن تعتقد أن الحق تعالى يحدث فيه الإدراك بأي وجه يريد، والله أعلم.
ثم في تصديق عذاب القبر وأمثال هذا طرق متعدة ذكر الإمام الغزالي في
(الإحياء)(١)، وقال: اعلم أن لك ههنا ثلاث مقامات في التصديق بأمثال هذا، أحدها:
وهو الأظهر والأصح والأسلم: أن يصدق بأن الحية مثلاً موجودة في الخارج، وهي
تلدغ الميت، ولكنا لا نشاهد ذلك، فإن هذه العين لا تصلح لمشاهدة الأمور الملكوتية،
وكل ما يتعلق بالآخرة فهو من عالم الملكوت، أما ترى أن الصحابة كيف كانوا
يؤمنون بنزول جبرئيل وما كانوا يشاهدونه ويؤمنون بأنه پے یشاهده، فإن كنت لا تؤمن
بهذا فتصحيح الإيمان بالملائكة أهم عليك، وإن آمنت به وجوزت أن يشاهد النبي وكسيه
ما لا تشاهده الأمة فكيف لا تجوز هذا في الميت؟
والمقام الثاني: أن تتذكر أمر النائم بأنه يرى في نومه حية تلدغه، وهو يتألم
بذلك حتى تراه في نومه یصیح ویعرق جبينه، وقد ینزعج من مکانه، كل ذلك يدركه
من نفسه ويتأذى به كما يتأذى اليقظان، وهو يشاهده وأنت ترى ظاهره ساكناً ولا ترى
(١) ((إحياء علوم الدين)) (٤ / ٥٠٠ - ٥٠٤).

٤١٩
(١) كتاب الإيمان
حواليه حية، والحية موجودة في حقه، والعذاب حاصل ولكنه في حقك غير مشاهد،
وقد يرى اليقظان أيضاً أشياء كما في حالة البرسام وغيره، ولا يريها من حوله، وإذا
كان العذاب ألم اللدغ فلا فرق بين حية تتخيل أو تشاهد.
المقام الثالث: أن الحية بنفسها لا تؤلم بل الذي يلقاك منها هو السم، ثم
السم ليس هو الألم بل عذابك في الأثر الذي يحصل فيك من السم، فلو حصل مثل
ذلك الأثر من غير سم لكان ذلك العذاب قد توفر، وكان لا يمكن تعريف ذلك النوع
من العذاب إلا بأن يضاف إلى السبب الذي يفضي إليه في العادة، والصفات المهلكات
تنقلب مؤذيات ومؤلمات في النفس عند الموت، فيكون آلامها كآلام لدغ الحيات
من وجود الحيات.
فإن قلت: ما اتضح من هذه المقامات الثلاثة؟ فاعلم أن من الناس من يثبت
الأول وينكر ما بعده، ومنهم من أنكر الأول وأثبت الثاني، ومنهم من لم يثبت إلا
الثالث، وإنما الحق الذي انكشف لنا بطريق الاستبصار أن ذلك كله في حيز الإمكان،
وأن من أنكر بعض ذلك فهو لضيق حوصلته وجهله باتساع قدرته سبحانه وعجائب
تدبيره في ملكه من أفعال الله تعالی ما لم يأنس به ولم يعاينه، وذلك جهل وقصور،
بل هذه الطرق الثلاثة ممكن والتصديق بها واجب، وربما عبد يعاقب بنوع واحد من
هذه الأنواع، وربما عبد يجتمع فيه الأنواع الثلاثة هذا هو الحق فصدق به، انتهى
كلام الإمام، ويجب أن يعلم أن ما ذكره إنما هو في عذاب القبر وأمثاله لا في أمور
الآخرة كلها من الحشر والنشر والجنة والنار فإنها متحققة موجودة في الخارج قطعاً
يجب اعتقادها كذلك لا بمحض التخيل والتمثيل .

٤٢٠
(٤) باب إثبات عذاب القبر
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٢٥ - [١] عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ وَلَ قَالَ: ((الْمُسْلِمُ إِذَا
سُئِلَ فِي الْقَبْرِ، يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ:
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِ الْخَيَوِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾)»
[إبراهيم: ٢٧]، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
بِلْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾
(فائدة) السؤال في القبر من خصائص هذه الأمة، ذكر ذلك الترمذي وابن
عبد البر، والحكمة في ذلك لتعجل عذابها في البرزخ فتوافي القيامة ممحضة، كذا
ذكر بعض الشراح، ولا يخفى أن هذا الوجه إنما يجري في مؤمني الأمة دون المشركين،
وفي (شرح عقيدة الطحاوي)(١): وللناس في سؤال منكر ونكير خلاف هل هو خاص
بهذه الأمة أم لا، ثلاثة أقوال، الثالث التوقف، وهو قول جماعة منهم ابن عبد البر،
انتهى. وقيل: عدم الاختصاص قول عامة العلماء، وتدل عليه قصة اليهودية كما تأتي،
والله أعلم.
الفصل الأول
١٢٥ - [١] (البراء بن عازب) قوله: (فذلك قوله تعالى: ﴿يُحَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾﴾ يعني أن قوله تعالى: ﴿يُثَبِّثُ اللهُ
الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ الآية إشارة إلى إثبات العبد على الشهادتين وجوابه بهما وقت السؤال
عن دينه وربه ونبيه، فإن الآخرة تشتمل البرزخ وما بعده، والشهادتان جواب عن
الثلاثة فإنهما الدين .
(١) ((شرح العقيدة الطحاوية)) (ص: ٢٦٩).