Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ (١) كتاب الإيمان ٨٨ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي رَجُلٌ شَابٌ، وَأَنَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي الْعَنَتَ، وَلاَ أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ، كَأَنَّهُ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الإِخْتِصَاءِ، قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لاَقٍ، ما تقتضيه الحكمة وتستدعيه المصلحة، وذلك بما يركب فيها من القوى التي جعلت مقدمة للنفس، وصارت النفس بها مستعدة لقبول الفهم والإفهام، ﴿فَأَهَمَهَا فُرَهَا﴾ بالأمور الجبلية والقضاء الطبعية بأن ركزت في جبلته حب الشهوات، وخلقها على هذا الوجه، ﴿وَتَقْوَنهَا﴾ بالنصوص الشرعية والأدلة العقلية، والتصديق في قوله: ﴿فَسَوَّنَهَا﴾، أي: قدرها وخلقها كذلك. ٨٨ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (أخاف على نفسي العنت) في (القاموس)(١): العنت محركةً: الفساد والإثم والهلاك ودخول المشقة والزنا. وقوله: (في الاختصاء) في (القاموس)(٢): الخصى والخصية بضمهما وكسرهما من أعضاء التناسل، وخصاه خِصاءً: سَلَّ خصيتيه فهو خَصِيٌّ ومَخْصِيٌّ. وقوله: (ثم قلت مثل ذلك) لعله قال في الثانية بعبارة أخرى مثل الأولى أو اعتبر المغايرة الاعتبارية . وقوله: (جف القلم بما أنت لاق) جفاف القلم كناية عن إمضاء المقادير والفراغ منها ومن كتابتها، قيل: ما وجد هذا اللفظ مستعملاً على هذا الوجه إلا في كلام (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٥٧). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٧٧). ٣٦٢ (٣) باب الإيمان بالقدر فَاخْتَصِ عَلى ذَلِك أَوْ ذَرْ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٠٧٦]. ٨٩ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللهِبْنِ عَمْرٍ و قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ: ((إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ. رسول الله له . وقوله: (فاختص على ذلك أو ذر) الرواية الصحيحة كما في أصول المشهورة المعتمدة (فاختص) بالصاد المكسورة المخففة، أمر من الاختصاء بمعنى سلّ الخصية كما هو المناسب للمقام، و(على ذلك) متعلق بمقدر أي كائناً على العلم بأن ما قضي كائن لا محالة، وفي هذا تهديد على التسبب في مقابلة القدر والفرار منه، أو ذر الاختصاء أي: اتركه راضياً بقضاء الله، وقد وقع في بعض نسخ (المصابيح) (فاختصر) بالراء أمر من الاختصار بمعنى ترك التطويل في الكلام، وعلى هذا فالتهديد في الثاني أعني في قوله: (أو ذر)، وعلى التقديرين المراد أن كل ما قدر من خير وشر فهو كائن سواء اختصيت أو لا، فلا فائدة في الاختصاء وقطع العضو بلا حق(١). ٨٩ - [١١] (عبدالله بن عمرو) قوله: (إن قلوب بني آدم كلها) لما كان الظاهر أن المراد بالتصريف ههنا من الطاعة إلى المعصية وبالعكس، ومن الإيمان إلى الكفر وبالعكس بقرينة الدعاء المذكور بعده، والعكس غير موجود في المعصومين، أورد كلمة الشمول بأن هذا الحكم شامل للكل بالذات، لكن الله عصم بعض عباده منه. وقوله: (بين أصبعين من أصابع الرحمن) هذا من المتشابهات، وقد تقرر فيها المذهبان، أحدهما: مذهب السلف المتقدمين، وهو اعتقاد ظواهرها، والتوقف عن تأويلها، وتفويض الأمر إلى الله، واعتقاد أن هذه صفات له سبحانه ولا نعلم کیفیتها، (١) ثم المذهب أنه حرام كما صرح به الفقهاء في الحظر والإباحة. كذا في ((التقرير)). ٣٦٣ (١) كتاب الإيمان وهذا أسلم. وثانيهما: مذهب الخلف المتأخرين، وهو تأويلها بما يناسب المقام ويشعر بتعظيم جناب الحق تعالى وتقدس، وهذا أحكم. وبعضهم فرق بين هذا القسم المذكور في هذا الحديث وبين السمع والبصر واليد وأمثالها، فهذه تحمل على ظاهرها وتجري بلفظه الذي ورد من غير تشبيه بمسميات الجنس على ما هو مذهب السلف، وأما ما نحن فيه وأمثالها فيجب تخريجه على ما يناسب المقام من المعنى؛ لأنها ليست من أقسام الصفات بل ألفاظ متشاكلة أريد بها المعاني المجازية، كذا ذكر التُّورِبِشْتِي(١)، ولا يخلو عن شيء، فتدبر. وبالجملة الحديث محمول على ضرب من التمثيل، والمراد منه الاستظهار في القدرة وسرعة نفوذ الأمر والتصرف على مقتضى العلم والمشيئة كما يقال: فلان في قبضتي، أي تحت قدرتي، فلان بين إصبعي أقلبه كيف أشاء، أي: أقدر على قهره والتصرف فيه على أيٍّ وجه شئت، ولما كان منشأ الإيمان والكفر والطاعة والمعصية وسائر أفعال العبادِ القلوبَ نسبه إليها . وأما تثنية الإصبع فيقال: المراد صفتا الجلال والإكرام، أعني القهر واللطف، فبالأول يقلبها إلى المعصية، وبالثاني إلى الطاعة. وقوله: (من أصابع الرحمن)، إنما أضاف إلى هذا الاسم لشمول رحمته تعالى وغلبتها مع أن غضب الحليم أشد فيشمل قسمي التصرف، فافهم. (١) ((كتاب الميسر)) (١ /٥٤). ٣٦٤ (٣) باب الإيمان بالقدر كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يَصْرِفُهُ كَيْفَ يَشَاءُ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: («اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٥٤]. وقوله: (كقلب واحد) المراد أنه تعالى يقدر على جميع الأشياء دفعة واحدة، وليس المراد أن التصرف في القلب الواحد أسهل، أو هذا باعتبار ما عند الناس من أن التصرف في شيء واحد أهون عليهم من التصرف في قلوب كثيرة، وإلا فبالنسبة إليه تعالى الكل سواء. وقوله: (ثم قال رسول الله وَ ﴿) قاله تعليماً للأمة، وتأدّباً للحضرة الإلهية، وطلباً للثبات والدوام، وهو كقوله تعالى: ﴿أَهْدِنَالصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، والظاهر أن صيغة المتكلم مع الغير شامل للأمة؛ لأنه ليس محل تعظيم النفس، اللهم إلا أن يجعل صيغة الجمع لغاية التضرع والابتهال كأنه جعل نفسه بمنزلة جماعة الفقراء والمحتاجين، فافهم، فإنه من متخيلات هذا المسكين. وقوله: (اللهم) أصله: يا الله، عوضت الميم عن حرف النداء ولذلك لا يجتمعان، وهو من خصائص هذا الاسم کدخول (يا) عليه مع لام التعريف، وقطع همزته، وقيل : أصله يا الله أَمَّنَّا بخير، فخفف بحذف حرف النداء ومتعلقات الفعل وهمزته، كذا قال البيضاوي(١)، والاسم المذکور بعده منادی ثان عند سيبويه، فإن الميم عنده يمنع وصفه، وعند الزجاج أنه صفة فإنه قال: كما لا تمتنع الصفة مع يا فلا تمتنع مع الميم، وأقول: ههنا مانع آخر من الوصفية فإن قوله: (مصرف القلوب) نكرة لكون الإضافة غير مختصة، اللهم إلا أن يراد بالوصف ههنا ما يعمّ البدل وعطف البيان في مقابلة کونه منادی ثانياً. (١) ((تفسير البيضاوي)) (١/ ٣٣٣). ٣٦٥ (١) كتاب الإيمان ٩٠ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، . ٩٠ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) الفطرة: الشق، يقال: فطرته فانفطر أي: شققته فانشق، وفطر ناب البعير أي: طلع، فهو بعير فاطر، وتفطر أي تشقق، سيف فطار بالضم فيه تشقق، والخلق يقال: فطر الله الخلق أي: خلقهم، والابتداء والإنشاء يقال: فطر الأمر: ابتدأه وأنشأه، والفطرة فعلة منه بمعنى الخلقة التي خلق عليها المولود، هذا معناها اللغوي. وأما معنى الحديث وتأويله فقد ذكروا فيه وجوهاً متعددة، والمشهور منها أن المراد بالفطرة الدين الذي شرع وابتدى، وخلق الأول مفطور من البشر، وهو التوحيد ودين الإسلام، وقد وقع في رواية: (ما من مولود إلا وهو على الملة)، وفي رواية الترمذي: (كل مولود يولد على الملة)، والملة هو دين الإسلام. وتعقب هذا الوجه بأن قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ [الروم: ٣٠] ينافي هذا التأويل؛ لأنه لو كان المراد بالفطرة نفس الإسلام للزم من الحديث تبديل خلق الله؛ لأن النبي ◌َّه قال: (فأبواه يهودانه)، اللهم إلا أن يراد بالتهويد الحكم عليه بالكفر في الدنيا بحسب الظاهر من جهة التبعية وعلة الجزئية مع وجود إسلامه حقيقة، أو يراد بقوله: (لا تبديل) لا ينبغي أن يبدل، وليس من شأنه أن يبدل، والخبر في معنى النهي. وبأن قوله وَ ل﴿ في حديث موسى والخضر: (الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافراً)، وهو حديث صحيح، فكيف يكون كل مولود مفطوراً ومطبوعاً على الإسلام؟ وبأن الدين المعتد به من باب الإكساب، ولو كان من حكم الجبلة لم يكن ٣٦٦ (٣) باب الإيمان بالقدر كذلك، وبأن المولود لو ولد مسلماً لم يجعله الشرع تبعاً لأبويه الكافرين في كفرهما، وقد حكم الشرع على ولدان المشركين بحكم المشركين. فالصواب أن المراد بالفطرة التي خلق الله الخلق عليها الحالة والهيئة المهيأة لمعرفة الخالق وقبول الحق واختيار دين الإسلام والتمييز بين الحق والباطل ما ركب فيهم من العقول التي يتمكنون بها من الهدى وقبول الحق لو نظروا بها نظراً صحيحاً لاستمروا على لزومها، ولم يفارقوها، كما أنه يولد على محبة ارتضاعه اللبن حتى يصرف عنه، وهي التي لا تبديل لها ولا يتهيأ لأحد التبديل؛ لأن هذا الاستعداد والتهيؤ لا يتبدل، وإن ذهب ذاهب إلى خلاف مقتضاها کانت بحالها حجة عليه، وليس هذا تبديلاً له بل عدم ظهور أثره بالفعل، وبهذا الاعتبار ناسب إيراد هذا الحديث في باب القدر، فافهم. فمعنى الحديث: أن المولود يولد على العقل المفطور لو ترك على ما فطر عليه من العقل القويم والوضع المستقيم، ولم تعرضه آفة من قبل الأبوين إما جبراً منهما أو تقليداً لم يختر غير هذا الدين الذي حسنه ظاهر عند ذوي العقول السليمة، والألف بالمحسوسات والموهومات والانهماك في الشهوات المانعة عن النظر الصحيح والوصول إلى المطلوب وإدراك الحق في حكم تهويد الأبوين، وهذا هو المراد مما قال بعض الفضلاء: إن صاحب الفطرة السليمة مجبول على اختيار دين الإسلام، وهو المراد بالآية الكريمة، ولا ينافيه حديث غلام الخضر لأنه مع كونه مطبوعاً على الكفر متمكن على اختيار دين الإسلام لو نظر نظراً صحيحاً، وأيضاً ما قلنا إنما هو بالنظر إلى الظاهر وعالم الشهادة بمعنى أن الناظر إذا نظر إلى المولود نفسه من غير اعتبار عالم الغيب وجد ٣٦٧ (١) كتاب الإيمان أنه ولد على الفطرة من الاستعداد للمعرفة والتمكن من قبول الحق والتمييز بين الخطأ والصواب، وقصة غلام الخضر، والحديث الواقع فيه بالنظر إلى عالم الغيب والحقيقة، هذا حاصل ما ذكروه مع توضيح وتنقيح لكلامهم. وخلاصته أن المراد بالفطرة هو التهيؤ للإسلام والتمكن من الهدى لا الاتصاف بالإسلام وحصوله حقيقة، ولعل مراد من حمل الفطرة على دين الإسلام أيضاً إنما هو التهيؤ له والتمكن؛ إذ القول بحصول حقيقة الإسلام للمولود ظاهر الفساد، فلا خلاف بين التأويلين، ويستأنس ما ذكرنا بقول البيضاوي(١) في تفسير قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اُللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهًا﴾ [الروم: ٣٠] هي قبولهم للحق وتمكنهم من إدراكه، أو ملة الإسلام فإنهم لو خُلُّوا وما خلقوا عليه أدى بهم إليها، وقيل: العهد المأخوذ من آدم وذريته، انتهى. فجعل على تقدير إرادة الإسلام بمعنى التمكن من إدراك الحق بقوله: فإنهم لو خُلُّوا ... إلخ، لا حصولها بالفعل حقيقة. وهذا الذي ذكره في الآية آخراً أحد الأقوال التي ذكر في تأويل الحديث، وهو أن المراد بالفطرة العهد الذي أخذ الله عليهم وهم في أصلاب آبائهم، فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وهذا القائل إن أراد بالولادة على إقرار الربوبية السابقة المأخوذ يوم الميثاق بقاؤه الآن حقيقة كما هو ظاهر القول الأول في التأويل فقوله، فقد ورد عليه ما ورد على ذلك القائل، وإن أراد التمكن والتهيؤ المذكور في القول الثاني فذاك، فتدبر. وقد يقال: المراد أن كل مولود يولد على معرفة الله والإقرار بوجوده ووحدانيته (١) (تفسير البيضاوي)) (٤ / ٤٨٣). ٣٦٨ (٣) باب الإيمان بالقدر كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، . فلا تجد أحداً إلا وهو يقرّ بأن له صانعاً وإن سماه بغير اسمه، أو عبد معه غيره، وفيه : أنه إن كانت هذه المعرفة والإقرار حاصلاً لكل أحد باقياً له بحيث لا يوجد إلا به كما هو ظاهر عبارة القائل فلا يكون لتهويد الأبوين تأثير في ذلك، وإن قيل بحصوله في حال الولادة، ثم زواله بتهويد الأبوين آل المعنى إلى أن فطرته مقتضية لمعرفة دين الإسلام ومحبته والتمكن من ذلك لو لم يعقه عائق من جهة الأبوين، وذلك هو المعنى الذي ذكر قبل هذا، على أن قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] يرد هذا القول. وقيل: المراد يولد في ابتداء الخلقة في علم الله مؤمناً أو كافراً، سعيداً أو شقياً، فأبواه يهودانه أي: في حكم الدنيا، وهذا المعنى ركيك، فإنه لا جودة لتعقيب قوله: (فأبواه يهودانه) على خلقه كافراً شقيًّا، وإنما يحسن على خلقه مؤمناً سعيداً، على أن الحق أن الفطرة غير السابقة الأزلية الحاكمة بالشقاوة والسعادة، وعلى حكم السابقة ورود قوله مية: (الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافراً). فلما استبان لك ما ذكرنا ظهر أن الوجه هو أن المراد من الفطرة التمكن من معرفة الحق بخلق العقل فيه بحيث لو نظر نظراً صحيحاً أدرك الحق واختار دين الإسلام، واختيار الكفر إنما هو بالعوارض والعوائق التي يصدّ عن النظر الصحيح والجريان على حكم الفطرة، ولعلنا كنا نختار من الأول هذا القول، ولم نذكر ما سواه تركاً للتطويل والانتشار، ولكن القلم جرى ما جرى بتقدير القادر المختار، وهو أعلم وعلمه أحكم. وقوله: (كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء) قال الطيبي(١): قوله: (كما) إما حال (١) (شرح الطيبي)) (١ / ٢٣٤). ٣٦٩ (١) كتاب الإيمان من الضمير المنصوب في (يهودانه) مثلاً، فالمعنى: يهودان المولود بعد أن خلق على الفطرة مشبهاً بالبهيمة التي جدعت بعد أن خلقت سليمة، وإما صفة مصدر محذوف، أي يغيرانه تغيراً مثل تغيرهم البهيمة السليمة، فالأفعال الثلاثة تنازعت في (كما)، انتھی . ولا يخفى أن الظاهر أن يكون حالاً من ضمير يولد؛ لأن المشبه به تنتج البهيمة جمعاء، أي تامة كاملة سليمة الأعضاء جامعة لأعضائها، ويشابه ولادة المولود على الفطرة، نعم يصح ما قال نظراً إلى حاصل المعنى ومآله وكأنه لاحظ قربه منه .. و(تنتج) بلفظ المجهول هكذا لفظ العرب، يقال: نتجت الناقة بلفظ المجهول: إذا ولدت، ونتجها أهلها: إذا ولّدها من التوليد وتولها نتاجها وهي منتوجة، كما يقال: نفست المرأة فهي منفوسة، والمتولى نتاجها ناتج، والناتج للبهائم كالقابلة للنساء، فقوله: (بهيمة) مفعول ثان، و(جمعاء) صفتها، ويروى أنتج على بناء الفاعل من الإنتاج، وهو ضعيف؛ لأن أنتجت الفرس بمعنى حان نتاجها، وقيل: استبان حملها، وقيل: أنتج لغة في نتج بمعنى تولى ولادتها، فيجوز أن يكون تنتج مجهولاً من الإنتاج أيضاً بهذا المعنى، كذا في (القاموس) و(الصحاح)(١). وقال التُّورِبِشْتِي: لم يستعملوه إلا على هذا الوجه، ولكن قال القاضي عياض في (المشارق)(٢): أنتجت الفرس بمعنى حملت وولدت، ويوافقه ما يقع في عبارة (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٠٢)، و((الصحاح)) (٢ / ١٩١). (٢) ((مشارق الأنوار)) (٢/ ٥). ٣٧٠ (٣) باب الإيمان بالقدر هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ ثُمَّ يَقُول: ﴿فِطَرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَ لَا تَبْدِيَ لِخَلْقِ اَللَّهِّ ذَلِكَ الْدِيْنُ الْقَيِّمُ ﴾)) [الروم: ٣٠]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٥٨، ١٣٥٩، ٤٧٧٥، ٦٥٩٩، م: ٢٦٥٨]. ٩١ - [١٣] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ وَهِ. المصنفين: ينتج ومنتج بلفظ المعلوم، ويؤيد رواية المجهول ما في سنن أبي داود(١): (كما تناتج الإبل من بهيمة جمعاء) أي: يوالدها، والله أعلم. وقوله: (هل تحسون) بصيغة المعلوم من الإحساس (فيها من جدعاء) في (القاموس)(٢): الجدع قطع الأنف أو الأذن أو اليد أو الشفة، والمراد ناقصة الخلقة، والمعنى: أن البهيمة تولد سوية الأطراف سليمة من الجدع، فلو لا تعرض الناس لبقيت كما ولدت. وقوله: (ثم يقول) عدل عن لفظ الماضي إلى المضارع إحضاراً لتلك الصورة البديعة کما قالوا. ٩١ - [١٣] (أبو موسى) قوله: (قام فينا رسول الله (ص﴿) كناية عن التذكير، أي: خطبنا وذكرنا، هذا اللفظ كثير الوقوع في الأحاديث، وكانت عادته ◌َليم أنه إذا أراد أن يعظ أصحابه ومن حضره من الوفود ويذكرهم بأحكام الله قام فيهم قياماً وخطب، وفي حديث أوس الثقفي: (كان النبي ◌َّ ينصرف إلينا بعد العشاء فيحدثنا قائماً على رجليه حتى يراوح بين قدميه من طول القيام)(٣)، فعلى هذا يمكن حمله على حقيقة (١) ((سنن أبي داود)) (٤٧١٦). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٥٢). (٣) أخرجه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (١١٧١)، وابن ماجه في ((سننه)) (١٣٤٥). ٣٧١ (١) كتاب الإيمان بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ لاَ يَنَامُ وَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْل، القيام، وقال التُّورِبِشْتِي(١): وإنما سلكنا ذلك المسلك لما عرفنا من سنته في ذلك وإن اقتضينا ما يقتضيه ظاهر اللفظ فالمعنى أنه قام بحفظ تلك الكلمات لأن القيام بالشيء هو المراعاة والحفظ له. وقوله: (بخمس كلمات) أي: بخمس فصول، والكلمة تطلق على الجملة المركبة المفيدة، في (القاموس): الكلمة: اللفظ والقصيدة. وأولى الكلمات: (إن الله لا ينام)، والثانية: (ولا ينبغي له أن ينام)، وهي مغايرة للأولى لأنه لا يلزم من عدم صدور المنام عدم جوازه، ولكنها يؤكدها ويقررها، والثالثة: (يخفض القسط ويرفعه)، والرابعة: (يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل)، والخامسة: (حجابه النور) هكذا قالوا، والمراد بالقسط إما الرزق، في (القاموس)(٢): القسط بالكسر: العدل والحصة والنصيب والرزق والميزان، فيكون في معنى قوله تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ [العنكبوت: ٦٢]، أو الميزان، وهذا أظهر وأنسب لما في حديث أبي هريرة: (بيده الميزان يخفض ويرفع)(٣). ومعنى خفض الميزان ورفعه: وزن أرزاق العباد النازلة من جناب تقديره تعالى وأعمالهم الصاعدة إلى حضرته وتعريف مقاديرهما للموكلين عليها، أو هو إشارة (١) ((كتاب الميسر)) (١ / ٥٧). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٢٨). (٣) أخرجه البخاري (٤٦٨٤). ٣٧٢ (٣) باب الإيمان بالقدر حِجَابُهُ النُّورُ. إلى أن الله كل يوم هو في شأن وأنه يحكم في خلقه بميزان العدل، ويقع هذا المعنى كالتقرير لقوله: (ولا ينبغي أن ينام)، لأن النوم ينافي دوام التصرف في الملك في كل آن وفي کل حین. والمقصود من رفع عمل الليل قبل عمل النهار مسارعة الملائكة الموكلين بأعمال العباد فيما أمروا به، وسرعة عروجهم إلى محال العرض في مصاعد السماوات، وقدرتهم على رفع الأعمال في أدنى ساعة بل في لمحة لأنه لا فاصلة بين اليل والنهار إلا آن وجزء لا يتجزئ هو حد مشترك بينهما، وهذا إذا كان المراد بقوله قبل عمل النهار قبل شروع العبد في عمله، وإن كان المراد قبل رفع النهار فالمعنى لا يؤخر في رفع عمل الليل، ولا يتوقف على انضمام عمل النهار إليه، بل يعرض كل منهما على حدة، إذ قد وكل لكل منهما ملائكة معقبات، وكلا المعنيين صحيح، والثاني هو المتبادر من العبارة وإن كان الأول أبلغ في المعنى، فافهم. وقوله: (حجابه النور) أي: أنوار جلاله وأشعة عظمته وكبريائه التي تدهش دونها العقول، وتكل الأبصار، وتحير البصائر، والحجاب ههنا يرجع إلى الخلق؛ لأنهم هم المحجوبون لا هو سبحانه وتعالى على مثال العُميان بالنسبة إلى الشمس، ولا يقال: محجوب بل المحتجب؛ لأن المحجوب مغلوب ومقهور للحاجب الذي يستره، والمحتجب من احتجب بذاته واستتر لمنعه الغير عن إدراكه، ويحتمل أن يكون معناه أنه محتجب لشدة ظهوره کجرم الشمس تکل به العین . والتحقيق أن صفاته التي هي أنوار ذاته هي الحجاب له؛ إذ الصفات هي حجب الذات ولا تدرك الذات من حيث هي هي، وإنما تدرك بصفة من الصفات، وكل ٣٧٣ (١) كتاب الإيمان لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتُهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ». رَوَاهُ مُسْلِم. [م: ١٧٩]. ٩٢ - [١٤] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((يَدُ اللهِ مَلأَی. ما يدخل في الإدراك فهو صفة ونور من أنواره، والله تعالى وراءه، وتعالى الله عن أن تدركه العقول والبصائر، ولو كشفت وأزيلت أنوار الصفات وتجلى الذات البحت، لأحرقت تجليات ذاته الخلائق، واضمحلت الأكوان بسطوة أحدية الذات ولم يبق إلا الله الواحد القهار. و(سبحات) بضمتين: جمع سبحة بالضم والسكون كغرفة وغرفات، قال أبو عبيد: وهو نور وجهه، وقال في (القاموس) (١): سبحات وجه الله: أنواره، ولا يخفى أنها تكون غير النور الذي هو حجابه؛ لأنه فرض مكشوفاً، فهذا نور الذات وتلك أنوار الصفات على ما بينا، أفردت لإرادة الجنس وكأنه سمي سبحة لأن الرائين من الملائكة وغيرهم يسبحون عند رؤيته لما يروعهم ويدهشهم من جلال الله وعظمته، والمراد بما انتهى إليه بصر المخلوقات؛ لأن بصر الله يحيط بجميع الكائنات ويصل إلى نهايتها . ٩٢ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (يد الله ملآى) قد علم الاختلاف في تأويل أمثال هذه الألفاظ وتركه والتوقف في كيفيتها، والمناسب للمقام تأويل اليد بالنعمة والنوال، وقيل: المراد باليد الخزائن، والتحقيق أن هذه العبارات كنايات عن معاني (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢١٦). ٣٧٤ (٣) باب الإيمان بالقدر لاَ تَغِيِضُهَا نَفَقَةٌ سَخَاءُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، أَرَأَيُمْ مَا أَنْفَقَ مُذْ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضِرَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، . إجمالاً، ولا ينظر إلى تفاصيل مفرداتها، كالاستواء على العرش كناية عن الملك ونفوذ الأمر، وبسط اليد كناية عن الجود، والطي باليمين كناية عن التصرف من غير أن يكون هنا استواء عرش ويد وبسط ويمين وطي على ما بيّن في موضعه، فالألفاظ المذكورة في الحديث كناية عن فضل الغنى وكمال السعة ونهاية الجود وغاية العطايا، فـ (ملآى) مؤنث ملآن خبر (يد الله)، في (القاموس)(١): ملأه كمنعه يملأه بالفتح والكسر وهو ملآن وهي ملآی وملآنة، انتهى. وقوله: (لا تغيضها) خبر ثان أي: لا تنقصها، من غاض الماء غيضاً: قلَّ وانتقص، كانغاض، وغاض الماء وثمن السلعة: نقصهما كأغاض، لازم ومتعد، واستعمل في الحديث متعدياً، (سحاء) خبر ثالث من السح، وهو الصب والسيلان من فوق، يقال: سحّ الماء يسحّ سحاً أي: سال من فوق، وكذلك المطر والدمع، ففيه وصف يد الله في الإعطاء بالتفوق والاستعلاء، ووصف عطائه بالجزالة والغزارة باعتبار معنى السيلان، يقال: مطر سحّاح أي: شديد السحّ، وليس للفظ سحاء ذكر على أفعل، ومثله ديمة هطلاء، ولم يرد أهطل، والليل والنهار منصوبان على الظرفية لسحاء، أي: دائم عطائه غير منقطع، و(أرأيتم) خطاب عام، ويجيء في الجمع كما يجيء في الواحد، وفي الواحد أكثر، والهمزة للتقرير، و(ما) في (ما أنفق) موصولة أو موصوفة أو استفهامية، وهو أنسب بقوله: (أرأيتم). وفي قوله: (فإنه لم يغض) استعمل الغيض لازماً و(ما في يده) فاعله أو فيه (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٢). ٣٧٥ (١) كتاب الإيمان وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَع)). مُتَّفَقُ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ((يَمِينُ اللهِ مَلَى - قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: مَلَآنُ - سَخَاءُ لاَ يُغِيضُهَا شَيْءٌ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ). [خ: ٤٦٨٤، م: ٩٩٣]. ٩٣ - [١٥] وَعَنْهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِوَلِهِ عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: ضمير للإنفاق و(ما في يده) مفعوله. وقوله: (وكان عرشه على الماء) حال من فاعل خلق، وقد عرفت معناه في الحديث الأول من الفصل، وسيجيء في (باب بدء الخلق)، وكذا قوله: (وبيده الميزان)، ويجوز أن يكون مستأنفاً؛ لأن الأمر بيده دائماً، ولكن في جعله حالاً من فاعل (خلق) إشارة إلى سبق التقدير. وقوله: (وفي رواية مسلم: يمين الله ملأى) وهو يناسب المقام لأن العطاء یکون بالیمین عادة، وقد ورد (کلتا يدي الرحمن يمين). وقوله: (وقال ابن نمير) على صيغة التصغير، وهو عبدالله بن نمير شيخ مسلم وقع في روايته: (يد الله ملآن)، وهو صحيح؛ لأن المراد بيد الله فضله وإحسانه، ورواية (ملآی) أكثر وأشهر وأظهر. ٩٣ - [١٥] (أبو هريرة)، قوله: (عن ذراري المشركين) ذراري جمع ذرية بالضم ويكسر، والذر تفريق الحب والملح ونحوه، كذا في (القاموس)(١)، وقال التُّورِبِشْتِي(٢): هو من ذرأ الخلق يذرأهم أي: خلقهم، وقد تركت العرب همزة الذرية (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٦٩). (٢) ((كتاب الميسر)) (١ / ٥٨). ٣٧٦ (٣) باب الإيمان بالقدر (اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٨٤، م: ٢٦٥٩]. كتركهم في رَوِيَّة وبَرِيَّة، والذرية نسل الثقلين الرجال والنساء، وأصلها الصغار، وتقع في المتعارف على الصغار والكبار، ويستعمل للواحد والجمع، وأصلها الجمع، وقال البيضاوي(١): الذرية فعلية من الذر، أو فعولة من الذرأ، أبدلت همزتها ياء، ثم قلبت الواو ياء وأدغمت. وقوله: (الله أعلم بما كانوا عاملين) قال التُّورِبِشْتِي(٢): يحتمل أنه لم ينبأ عن حدوث هذا السؤال عن حقيقة أمرهم، فتوقف فيه، أو علم ولم يؤذن له في الكشف عنه رعاية لمصلحة العباد فأجاب عنه بما أجاب، أي: الله أعلم بما هم صائرون إليه، وبما هو كائن من أمرهم، يدخلون الجنة آمنين مُنعَّمين أم يردون النار لابسين معذبين، أم يتركون ما بين المنزلتين، ويحتمل أنه علق أمرهم بما علم الله من عاقبة أمرهم لو تركوا فعاشوا حتى بلغوا الحنث. والمعنى أن من علم الله منه أنه لو أمهل حتى بلغ الحنث عنده، ثم مات على الإيمان أدخله الجنة، ومن علم منه أنه يفجر ويكفر أدخله النار، وفي هذا التأويل نظر؛ لأنا ننفي في أصل الدين ومنهاج الشرع أن يعذب العصاة على معصية كانت تقع منهم لو طالت بهم الحياة، ولأنا ننفي ذلك عن الأطفال - وهم أضعف بنية وأقل قوة - أحق وأجدر. وبعد فاعلم أن مبنى اختلاف التأويل في هذا الحديث على اختلاف المسلمين في ولدان المشركين، فمنهم من يسكت عنه ولا يقطع في أمرهم بشيء، ومنهم من (١) ((تفسير البيضاوي)) (١/ ٣٣٨). (٢) ((كتاب الميسر)) (١ / ٥٩). ٣٧٧ (١) كتاب الإيمان الْفَصْلُ الثَّانِي : ٩٤ - [١٦] وَعَن عِبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ الْقَلَمُ، يعلق أمرهم بما علم الله منهم كما قدمناه، ومنهم من يقول: إنهم مع آبائهم وأمهاتهم في النار كما هم يتبعونهم في كفرهم في هذه الدار، ومنهم من يقول: إن المولود لو مات قبل أن يبلغ الاختيار زال عنه ولاية الأبوين فيزول عنه ما كان فيه من تغيير الدين، فيرجع إلى ما كان عليه من أصل الفطرة، فيصير بذلك من أهل الجنة، ومنهم من يقول: إنهم لما علموا ما يتابعون به، ولم يجترحوا ما يعاقبوا عليه، ولا مقر في الآخرة إلا في إحدى الدارين، وإحداهما ينفيها العدل والأخرى يقتضيها الفضل، فيقول: إنهم يدخلون الجنة لا على سبيل الاستقلال بل يكونون لأهلها كخدام الملوك في قصورهم ومنازلهم، ومنهم من يقول: إنهم كائنون بين الجنة والنار لا منعمين ولا معذبين . قلت: والقول المبني على قاعدة أصول الدين هو أن لا يقطع في أمرهم بشيء وما عداه فإنه إما مستنبط بالرأي والقياس، وإما مأخوذ من الأخبار الواهنة، وأمثال ذلك لا يتلقى إلا من جهة الرسول وسي﴿ بالنقل الذي ينقطع العذر دونه، ولم يوجد هنالك فوجب التوقف، والله أعلم، هذا كلام الشيخ التُّورِبِشْتِي نقلته بعبارته مفيد في هذا المقام يذهب بالإجمال في هذا الباب، والله أعلم بالصواب. الفصل الثاني ٩٤ - [١٦] (عبادة بن الصامت) قوله: (إن أول ما خلق الله القلم)(١) هو (١) يَعْنِي بَعْدَ الْعَرْشِ وَالْمَاءِ، فَالأَ وَّلِيَّةُ إِضَافِيَّةٌ، وَالأَوَّلُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ النُّورُ الْمُحَمَّدِيُّ عليه = ٣٧٨ (٣) باب الإيمان بالقدر فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَقَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبِ الْقَدَرَ، فَكَتَبَ مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الأَبَدِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إِسْنَاداً. [ت: ٢١٥٥]. بالرفع، وقد يروى بالنصب، فإن صحت كان على لغة من ينصب خبر إن، وقيل : بتقدير كان، وقد قيل بالوجهين في قوله: يَا لَيْتَ أَيَّامَ الصِّبَا رَوَاجِعَا. وقوله: (فكتب ما كان) إخبار من النبي ◌َّه باعتبار حاله وزمانه، وليس حكاية عما أمر القلم بكتابته، وإلا لقيل: ما يكون؛ لأنه ليس في ذلك الوقت شيء مضى، ويمكن أيضاً أن يقال: إن كتابة المقادير كان فيما لا يزال قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان حينئذ عرشه على الماء مخلوقاً قبله، فيكون المراد بما كان: ما هو قبل الكتابة مما كان بعد العرش والماء، وقد سبق توجيهه في الفصل الأول(١)، أو نقول: ما كان وما يكون كناية عن الكل من غير أن يكون المراد ما سبق وما يأتي. وقوله: (هذا حديث غريب إسناداً) اعلم أن المحدثين تكلموا في حديث: (أول ما خلق الله العقل)، وقالوا: إنه موضوع، وقال السيوطي: له أصل صالح خلافاً لمن قال بوضعه، وقد ذكرنا طرق ذلك وما يتعلق به من الكلام في (شرح سفر السعادة)، وقال الشيخ ابن حجر العسقلاني(٢): حديث: (أول ما خلق الله القلم) أثبت من حديث العقل، ويظهر من هذه العبارة أن في هذا الحديث أيضاً مقالاً، والله أعلم. = الصلاة والسلام. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ١٦٨). (١) انظر: الحديث (٧٩). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (٢٨٩/٦). ٣٧٩ (١) كتاب الإيمان ٩٥ - [١٧] وَعَن مُسْلِم بْنِ يَسَارِ قَالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَآدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢]، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يُسْأَلُ عَنْهَا فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ ◌ِلْجَنَّةِ، وَبِعَمَلِ أهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِيَةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلنَّارِ، ٩٥ - [١٧] (مسلم بن يسار) قوله: (ثم مسح) المسح إمرار اليد على الشيء، والماسح إما ملك مأمور بذلك، فأسند إلى الله تعالى لأنه الآمر كما في قولهم: بنى الأمير المدينة، وقوله تعالى: ﴿اَللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢] والمتوفي هو الملك، أو مسح بمعنى قدر، من مسح بمعنى ذرع، في (القاموس) (١): المسح الذَّرْعُ، كالمِساحة بالكسر، وهو أيضاً مجاز ومؤول وهو من المتشابهات، وفي ذكر لفظ اليمين تنبيه على تخصيص آدم بالكرامة والفضيلة، وكلتا يدي الرحمن يمين، ويحتمل أن يكون اليمين بمعنى القوة، في (القاموس)(٢): اليمين ضد اليسار، والبركة، والقوة. ثم اعلم أن الكلام في هذا المقام كثير، وخلاصته: أن بعض المفسرين فسروا الآية بأن المراد بأخذ الذرية من ظهور بني آدم إخراجهم من أصلابهم نسلاً وتوالداً على مر الزمان وإشهادهم على أنفسهم وأخذ الإقرار منهم بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وإقرارهم بذلك بقولهم ﴿بَلَى﴾ تمثيل وتخييل، ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على الربوبية والواحدانية، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٣٣). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٤٣). ٣٨٠ (٣) باب الإيمان بالقدر وَبِعَمَلِ أهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ»، فَقَالَ رَجُلٌ: وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم، وقال: أنت ربنا شهدنا على أنفسنا وأقررنا بربوبيتك ﴿أَلَسْتُ بِرَبَّكُمْ﴾ وكأنهم قالوا: ﴿ بَلَى ﴾ ووحدانيتك. قال صاحب (الكشاف)(١): وباب التمثيل واسع في كلام الله ورسوله وفي كلام العرب، ولم يفسروا الآية بقصة إخراج الذرية من ظهر آدم كالذر، وإحيائهم وإعطائهم العقل والنطق، وإقرارهم بذلك قولاً في يوم الميثاق كما جاء في الأخبار، والباعث لهم على هذه القصة ظاهر لفظ الآية؛ لأنه لو كان المراد ذلك لقيل: وإذ أخذنا من آدم من ظهره ذريته، وكما أن ظاهر لفظ الآية كان فيما فسروها به كذلك لا شك أن ظاهر لفظ الحديث في الذرية من ظهر آدم كما هو القصة المشهورة في يوم الميثاق، فيكون بينه وبين الآية منافاة، فأجاب الإمام الرازي (٢) بأنه لا منافاة؛ لأن الآية ساكتة عن إخراج الذرية من صلب آدم لا تدل على ثبوته ولا على نفيه، بل إنما تدل على إخراج الذرية من ظهور بني آدم بالتناسل، وإثبات الحجة عليهم، ولكن قصة إخراج الذرية من ظهر آدم وأخذ الميثاق منهم أيضاً ثابتة بدلالة الأخبار والأحاديث فلا منافاة . بقي الكلام في توجيه كون الحديث جواباً عن سؤال السائل عن الآية، والظاهر منه أن يكون الحديث تفسيراً للآية، وبياناً للمراد منها، فقيل في ذلك: إن المراد من ﴿بَنِىّ ءَدَمَ﴾ في الآية آدم وأولاده، كأنه صار اسماً للنوع كما قيل في قوله منسير: (أنا سيد (١) ((الكشاف)) (٢ / ٣١٠). (٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٥ / ٤٠٢).