Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
(١) كتاب الإيمان
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٧٩ - [١] عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ إِ: ((كَتَبَ اللهُ
ء
مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ»،
قَالَ:
ذلك من الآيات والأحاديث التي هي ناطقة بأن الكل بمشيئة الله وإرادته، وبسبق قضاء
الله وقدره، شاملاً لكل المخلوقات، ولذا قال إمام العارفين جعفر الصادق عليه وعلى
آبائه الكرام السلام والتحية: لا جبر ولا قدر، ولكن أمر بين أمرين، فالله تعالى خلق
الأسباب والمسببات، ورتب المسببات على الأسباب، وجعل لها مدخلاً في وجودها،
وخلق لها شرائط، وجعلها متوقفة عليها، بحيث لو لم تتحقق الشرائط لم توجد
المشروطات، على قياس خلق الأسباب والشرائط للأحكام الشرعية، بحيث لا تصح
ولا توجد إلا بها كذلك للأشياء الخارجية، والقدر شامل للكل ولا منافاة بينه وبين
مدخلية الأسباب في وجود المسببات وبين توقف المشروطات على الشرائط .
الفصل الأول
٧٩ - [١] (عبدالله بن عمرو) قوله: (كتب الله مقادير الخلائق) أي: أثبت في
اللوح بإجراء القلم، أو أمر الملائكة بكتابة أقدار وأحكام تتعلق بالخلائق، وقيل: قدرها
وعينها تعيناً لا يتأتى خلافه، وهذه تأويل لكتابته، والظاهر إثبات النقوش والحروف في
لوح أو غيره.
وقوله: (قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة) قالوا: المراد به
طول الأمد، وتمادي ما بين التقدير وخلق السموات والأرض، لا تحديد هذا العدد،
وإلا فالتقدير في الأزل، ولعله مبني على تأويل الكتابة بالتقدير والتعيين كما قيل، وإلا

٣٤٢
(٣) باب الإيمان بالقدر
((وَكَانَ عَرْشُهُ على المَاء)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٥٣].
فالكتابة يمكن أن يكون فيما لا يزال سابقاً على الخلق بهذه المدة من الزمان، واستشكل
بأنه كيف يحمل على الزمان، ولم يخلق الزمان بعد (١)؟ وهذا أيضاً مبني على التأويل
المذكور، وإلا فالزمان يمكن أن يكون مخلوقاً وقت الكتابة فيما لا يزال، وأما أن الزمان
عبارة عن مقدار حركة الفلك فكيف يكون مخلوقاً قبل خلق السموات؟ فمبني على
أقوال الفلاسفة فلا يسلّم، فيمكن أن يخلق الزمان إذ ذاك ويكون عبارة عن حالة وأمر
ممتد يعرف به مقدار الأمور وينضبط به، فافهم، وبالله التوفيق.
فإن قلت: قد جاء في حديث آخر(٢): (إن الله كتب كُتُباً قبل أن يخلق السموات
والأرض بألفي عام أنزلت منه آيتان)، وفي رواية: (أنزل منه آيتين)، وهذا ينافي رواية
خمسين، فالجواب أن من الجائز أن لا يكون إثبات الكوائن في اللوح دفعة واحدة بل
يثبتها الله شيئاً فشيئاً، أو يكون المراد من الكتاب في هذا الحديث غير ما في اللوح،
وعلى ما قيل: إن المراد بالزمانين نفس السبق والمبالغة لا التحديد فلا إشكال، وفيه
ما فيه .
وقوله: (عرشه على الماء) وفي بعض النسخ: (وكان عرشه) قال البيضاوي(٣)
في تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِ سِنَّةٍ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ.
(١) قال القاري: قُلْتُ: يُحْمَلُ الزَّمَانُ حِينَئِذٍ عَلَى مِقْدَارِ حَرَكَةِ الْفَلَكِ الأَعْظَمِ الَّذِي هُوَ الْعَرْشُ،
وَهُوَ مَوْجُودٌ حِينَئِذٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ نَّهِ قَالَ: ((وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ»، انتهى. مرقاة المفاتيح (١ / ١٤٨).
أو أنه كان موجوداً في علمه تعالى. كما في ((التقرير)).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٨٨٢)، وأحمد في («مسنده)) (٤/ ٢٧٤)، والحاكم في ((المستدرك))
(٢٠٦٥).
(٣) ((تفسير البيضاوي)) (٣/ ٦٧).

٣٤٣
(١) كتاب الإيمان
٨٠ - [٢] وَعَنِ ابْنٍ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لِ: ((كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ
حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٥٥].
عَلَى الْمَآءِ ﴾ [هود: ٧]: أي: قبل خلق السماوات والأرض لم يكن حائل بينهما لا أنه (١)
كان موضوعاً على متن الماء، واستدل به على أن الماء أول حادث بعد العرش من أجرام
هذا العالم، وقيل: كان الماء على متن الريح، والله أعلم بذلك.
وقال صاحب (الكشاف)(٢): فيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل
السماوات والأرض، وقال الشيخ(٣): ليس المراد بالماء ماء البحر بل هو ماء تحت
العرش كما شاء الله تعالى، ويحتمل أن يحمل على ماء البحر بمعنى أن حملته في البحر،
انتهى. وقيل: قوله: (وعرشه على الماء) كناية عن القدرة.
٨٠ - [٢] (ابن عمر) قوله: (حتى العجز والكيس) بالرفع فيهما عطف على
(كل)، وبالجر عطف على (شيء)، وقال التُّورِبِشْتِي: الخفض في الرواية أكثر، واعلم
أن العجز ضد القدرة، والكيس بفتح الكاف وسكون الياء: ضد الحمق، كذا في
(القاموس)(٤)، فليس بين العجز والكيس تقابل. فقال الطيبي(٥) في توجيهه: فائدة هذا
الأسلوب تقييد كل من المعنيين بما يقابل الآخر كأنه قيل: حتى الكيس والقدرة والبلادة
والعجز، يعني قد يذكر شيء هو ضد لشيء يذكر معه شيء آخر غير ضده، ويتضمن
(١) كذا في (ر) و(ب)، وفي ((تفسير البيضاوي)): ((لأنه)) وهو تحريف. انظر: ((روح المعاني))
(٨ / ١٥٩).
(٢) ((الكشاف)) (٣/ ٦٨).
(٣) ((فتح الباري)) (١٣ / ٤١٠).
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٢٩).
(٥) ((شرح الطيبي)) (١ /٢١٦).

٣٤٤
(٣) باب الإيمان بالقدر
٨١ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((احْتَجَّ آدَمُ
وَمُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلاَمِ عِنْدَ رَبِّهِمَا فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، .
هذا ذكر شيئين آخرين: أحدهما ضد الأول، والأخر ضد الثاني، إذ ذكر أحد الضدين
يستتبع ذكر الضد الآخر، كما قيل مثل هذا في قول الشاعر:
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه
وكم جاهل جاهل تلقاه مرزوقا
بأن الجاهل ليس ضد للعاقل، وإنما ضده الأحمق، فكأنه قال: كم عاقل وكم
عالم وكم أحمق وكم جاهل، وأكثر ما يوجد من هذا التركيب فيما يقرب من الضد؛
لأنه لو لم یکن في معنی الضد أصلاً لا يحسن أو لا يجوز ذكره معه، فتدبر.
وقال التُّورِبِشْتِي(١): الكيس: جودة القريحة، وإنما أتى به في مقابلة العجز؛
لأنه هو الخصلة التي تفضي لصاحبها إلى الجلادة وإتيان الأمور من أبوابها، وذلك
نقيض العجز، ولهذا المعنى كنوا به عن الغلبة، فقالوا: كايسته فكيسته، أي: غلبته،
والعجز ههنا عدم القدرة، وقيل: ترك ما يجب فعله بالتسويف فيه والتأخير، يريد أن
الكيس يتضمن معنى القدرة لأنه القدرة والجلادة على إمضاء الأمور وإنفاذ العزمة،
والمراد بالعجز ههنا عدم القدرة على ذلك بالتسويف والتأخير، فيصح ذكر أحدهما
في مقابلة الآخر، وهذا الوجه أولى وأظهر كما لا يخفى، والمعنى: أن الكل بتقدير الله
ومشيئته سواء كان من صفاتنا وأفعالنا أو غيرها، ففيه رد على القدرية القائلين بأن أفعال
العباد مخلوقة لهم وواقعة بمشيئتهم وإرادتهم، فـ (حتى) للعطف يفيد التراخي والترتيب
في الذهن، كما في قولهم: قدم الحاج حتى المشاة، أي: حتى ما يقع منكم بمشيتكم.
٨١ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (احتج آدم وموسى عند ربهما، فحج آدم موسى)
(١) ((كتاب الميسر)) (١ / ٤٩).

٣٤٥
(١) كتاب الإيمان
قَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَتَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ
لَكَ مَلاَئِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهَبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيَتِّكَ إِلَى الأَرْضِ؟
قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِيِ اصْطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلاَمِهِ، وَأَعْطَاكَ الأَلْوَاحَ
فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا، .
الحجة: الدليل والبرهان، يقال: حاجّه فحجه أي: غلبه بالحجة، وتحاجًا أي:
تخاصما .
وقوله: (عند ربهما)، أي: في عالم آخر غير هذا العالم، وهو العالم العلوي
الروحاني، وهو عالم الحقيقة حين التقت أرواحهما في السماء، أو أحياهما الله تعالى،
أو أحيا آدم في حياة موسى، كذا في (مجمع البحار)(١).
قد سبق أن وجود الأسباب لا ينافي التقدير، وكلاهما ثابت بل الكل تقدیر،
فموسى علا تكلم بمقتضى الظاهر وعالم الأسباب، وآدم عليه نطق بالحقيقة وبالنظر
إلى التقدير، وكلاهما حق؛ لأن هذه المحاجة كانت في عالم الحقيقة بعد اندفاع مواجب
الكسب ورفع التكليف، لا في عالم الأسباب الذي لم يجز فيه قطع النظر عن الوسائط،
وهذا الوجه يقتضي أن الأظهر أن يحمل هذه المكالمة بينهما في زمان حياة موسى بإحياء
آدم في حياته أو إراءته بوجه آخر، ولهذا قال آدم ◌َ في حياته: ﴿رَبَّنَا طَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾
[الأعراف: ٢٣]، وقيل: إنما احتج في خروجه من الجنة بأن الله خلقه ليجعله خليفة في
الأرض بهبوطه بسبب الذنب لا أنه نفى عن نفسه الذنب، فتدبر.
وقوله: (فيها تبيان كل شيء) أي: من الأحكام مما يحتاج إليه في الدعوة
والرسالة.
(١) (مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٤٤١).

٣٤٦
(٣) باب الإيمان بالقدر
فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللهَكَتَبَ الثَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَاماً،
قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا ﴿وَعَصَى ءَدَمُ رَبَُّ، فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]؟ قَالَ: نَعَمْ،
قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلاً كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي
بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م:
٢٦٥٢].
٨٢ - [٤] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِنَّهِ وَهُوَ الصَّادِقُ
الْمَصْدُوقُ: ((إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يَجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْماً.
وقوله في آخر الحديث: (فحج آدم موسى) فذلكة للقصة ومجمل للتفصيل
المذكور، وروي: (فحج آدم موسى ثلاثاً) أي قاله ثلاثاً، وشرح ما وقع في الحديث
من الكلمات يطلب من كتب التفسير .
٨٢ - [٤] (ابن مسعود) قوله: (وهو الصادق المصدوق) أي: الذي صدقه
ربه، والمصدوق: من صدقه غيره - بتخفيف الدال ـ صدق زيد عمرواً، أي قال له
صدقاً وأخبر بالصدق، وفي (مجمع البحار)(١): الصادق من صدق في قوله وتحرى
في فعله، والمصدوق من صدقه غيره، أي: صدقه جبرئيل ێ فيما أخبر به، أو مصدق
من عند الناس، والجمع بينهما للمدح أو للتأكيد، أو يلزم من أحدهما الآخر.
وقوله: (إن خلق أحدكم) (إن) بكسر الهمزة على حكاية لفظه الخير، والمراد
بخلقه مادة خلقه .
وقوله: (في بطن أمه) أي: رحمها، قال في (النهاية)(٢): إن النطفة إذا وقعت
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣٠٩/٣).
(٢) ((النهاية)) (١ / ٢٩٧).

٣٤٧
(١) كتاب الإيمان
نُطْفَةً،
في الرحم فأراد الله أن يخلق منها بشراً طارت في بشرة جسم المرأة تحت كل ظفر وشعر،
وقال: تمكث أربعين ليلة(١)، ثم تنزل دماً في الرحم، فذلك جمعها، كذا فسره ابن
مسعود فيما قيل، ويجوز أن يريد بالجمع مكث النطفة في الرحم للخلق والتصوير، ثم
تُخْلَقُ بعد الأربعين، وقيل: المعنى تقع في الرحم حين انزعاجه بالقوة الشهوانية الدافعة
متفرقاً، فجمعه الله تعالى في محل الولادة من الرحم في هذه المدة، ثم لا يخفى أن
تسمیتها نطفة بعد الاستقرار يكون باعتبار ما كان.
وفي (مجمع البحار)(٢): وقال الأطباء: إنما يتصور الجنين فيما بين ثلاثين إلى
أربعين، والمفهوم من الحديث النبوي ◌َ أنه بعد أربعة أشهر، ولهذا وصفه بالصادق
إشارة إلى بطلان ما قالوه، أو ذكره تلذذاً وتبهجاً ومدحاً.
وقوله: (نطفة) في (القاموس)(٣): النطفة بالضم: الماء الصافي قلّ أو كثر، أو
قليل ماء يبقى في دلو أو قِرِبة، والجمع نطاف ونُطَفٌ، والبحر، وماء الرجل، والجمع
نُطَفٌ.
وفي (النهاية)(٤): يقال للماء الكثير والقليل: نطفة، وهو بالقليل أخص، يقال:
نطف الماء: قطر قليلاً قليلاً، ومنه: (فجاء رجل بنطفة في إداوة)، أي ماء قليل، والمني
(١) قَالَ الصُّوفِيَّةُ: خُصُوصِيَّةُ الأَرْبَعِينَ لِمُوَافَقَتِهِ تَخْمِيرَ طِينَةِ آدَمَ، وَمِيقَاتٍ مُوسَى، ثُمَّ إِنَّهُ تُعْجَنُ
النُّطْفَةُ بِتُرَابِ قَبْرِهِ كَمَا وَرَدَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْتَكُمْ﴾ [طه: ٥٥]. ((مرقاة المفاتيح))
(١ / ١٥١).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٣٨١).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٩١).
(٤) ((النهاية)) (٥ / ٧٤).

٣٤٨
(٣) باب الإيمان بالقدر
ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ إِلَيْهِ
مَلَكاً.
نطفة لقلته، ومما جاء النطفة بمعنى البحر حديث: (وينقص الشرك(١) وأهله حتى يسير
الراكب بين النطفتين لا يخشى جوراً) أراد بهما بحر المشرق وبحر المغرب، وقيل:
ماء الفرات وماء بحر يلي جدة، أو بحر الروم وبحر الصين، أي: لا يخشى في طريقه
أحداً يجور عليه ويظلمه، وروي: (لا يخشى إلا جوراً)، أي: لا يخاف في طريقه إلا
الضلال والجور عن الطريق.
وقوله: (ثم يكون علقة) في (القاموس)(٢): العلق محركة: الدم عامةً، أو الشديد
الحمرة، أو الغليظ، أو الجامد، القطعة منه بهاء، والمراد في الحديث الدم الجامد.
وقوله: (ثم يكون مضغة) المضغة بالضم: مضغة لحم وغيره، والجمع كصرد،
مضغه كمنعه ونصره: لاکه بسِنِهِ.
وقوله: (ثم يبعث الله إليه ملكاً)(٣) عطف على (يجمع في بطن أمه) فظاهره أن
(١) في (ر) و(ب): ((الشر))، والتصويب من ((النهاية)).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٣٩).
(٣) يَعْنِي فِي الطَّوْرِ الرَّابعِ حِينَمَا يَتَكَامَلُ بَيَانُهُ، وَالْمُرَادُ بِالإِرْسَالِ: أَمْرُهُ بِهَا، وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ
ثَبَتَ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) أَنَّهُ مُوَكَّلٌ بِالرَّحِمِ حِينَ كَانَ نُطْفَةً، أَوْ ذَاكَ مَلَكٌ آخَرُ غَيْرُ مَلَكِ الْحِفْظِ.
فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ وَرَدَ فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ) بِرِوَايَةٍ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ خِلاَفُ ابْنِ مَسْعُودٍ كَمَا فِي
(الْمَشَارِقٍ))، ((أَنَّهُ إِذَا مَرَّبِالنُّطْفَّةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةٌ بَعَثَ اللهُ مَلَكاً فَصَوَّرَهَا، وَخَلَقَ سَمْعَهَا،
وَبَصَرَهَا، وَجِلْدَهَا، وَعِظَامَهَا، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنثَى؟ فَيَقْضِي رَبِّكَ مَا شَاءَ، ثُمَّ يَكْتُبُ
أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ))، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الَّصْوِيرَ بَعْدَ الأَرْبَعِينَ الأُولَى، وَهُوَ مُنَافٍ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ. فَجَوَابُهُ :
أَنَّ لِتَصَرُّفِ الْمَلَكِ أَوْقَاتاً. أَحَدُهَا: حِينَ يَكُونُ نُطْفَةً، ثُمَّ يَتْقَلِبُ عَلَقَةٌ، وَهُوَ أَوَّلُ عِلْمِ الْمَلَكِ
بِأَنَّهُ وَلَدٌ، وَذَلِكَ عَقِيبَ الأَرْبَعِينَ الأُولَى، وَحِينَئِذٍ يَبْعَثُ إِلَيْهِ رَبِّهُ يَكْتُبُ رِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَعَمَلَهُ، =

٣٤٩
(١) كتاب الإيمان
بعثه يكون بعد مئة وعشرين يوماً، وجاء في بعض الروايات أنه يبعث بعد بضع وأربعين،
وفي بعضها: (بأربعين)، وفي بعضها: (ثنتين وأربعين، فيصورها ويخلق سمعها وبصرها
وجلدها)، وأشبه ما جمع به أن الأول هو الغالب، والثاني فيمن يولد لستة أشهر.
ولا يذهب عليك أنه لا حاجة إلى تخصيص الثاني فيمن يولد لستة أشهر، بل
يمكن أن يقال: إن من الناس من يكتب له ذلك عقيب الأربعين الأولى، ومنهم من
يكتب له عقيب الأربعين الثالثة، والله أعلم بالحكمة في ذلك، وقيل: إنها تكون مرتين :
مرة في السماء، ومرة في الأرض، وهذا إن ثبت بالرواية فمسلّم وإلا فمجرد الاحتمال
لا يعبأ به .
ثم إنه يشكل أن هذا التصوير لحماً وعظماً وسمعاً وبصراً إنما يكون قريباً من نفخ
الروح لا بعد الأربعين الثانية، فإنه يكون فيها علقة، فيحمل قوله: (فيصورها) على
معنى صوّرها قولاً وكتاباً لا فعلاً، ويكون إرسال الملك مرة عقيب الأربعين الأولى،
ومرة عقيب الأربعين الثالثة، كذا في حاشية (مجمع البحار)(١)، بخط مصنفه نقلاً عن
شرح ابن ماجه، والله أعلم.
= وَخِلْقَتَهُ، وَصُورَتَهُ، ثُمَّ يَتَصَرَّفُ فِيهِ لِتَصْوِيرِهِ، وَخَلْقِ أَعْضَائِهِ، وَذَلِكَ فِي الأَرْبَعِينَ الثَّالِثَةِ، ثُمَّ
يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، فَالْمُرَادُ بِتَصْوِيرِهَا بَعْدَهُ أَنَّهُ يَكْتُبُ ذَلِكَ، ثُمَّ يَفْعَلُهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ النَّصْوِيرَ
الأَوَّلَ بَعْدَ الأَرْبَعِينَ الأُولَى غَيْرُ مَوْجُودٍ عَادَةً، كَذَا فِي ((شَرْحِ مُسْلِمٍ)، وَلاَ يَخْفَى مَا فِيهِ، وَقَدِ
اسْتَفَاضَ بَيْنَ النِّسَاءِ أَنَّ النُّطْفَةَ إِذَا قُدِّرَتْ ذَكَراً تَتَصَوَّرُ بَعْدَ الأَرْبَعِينَ الأُولَى بِحَيْثُ يُشَاهَدُ مِنْهُ
كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى السَّوْأَةَ، فَتُحْمَلُ رِوَايَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى الْبَنَاتِ، أَوِ الْغَالِبِ. ((مرقاة المفاتيح))
(١ / ١٥٢).
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٣٨١).

٣٥٠
(٣) باب الإيمان بالقدر
بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: فَيَكْتُبُ عَمَلَهُ،
وقوله: (بأربع كلمات) قال الشيخ ابن حجر في (شرح الأربعين)(١): وفي خبر
صحيح عن ابن حبان (خمس)، الثلاثة الآتية، والأثر [و] المضجع، أي القبر، قال:
وفي حديث صحيح أيضاً: (أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ وما عمره؟ وما أثره؟
وما مصائبه؟)، والجمع بأنه يمكن أن الزوائد مما يوحى إليه وَّر بعده، والله أعلم.
ثم الكلمة تطلق على القول والفعل كقوله تعالى: ﴿وَإِذِ أَبْتَلَ إِبْرَهِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾
[البقرة: ١٢٤]، قيل: هي عشر خصال من الفطرة، وقوله: ﴿لَا نَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ﴾
[يونس: ٦٤] أي: لا خلف لما وعد، وقد يراد به العلم والقرآن كما في قوله تعالى: ﴿قَبْلَ
أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَثُ رَبِ﴾ [الكهف: ١٠٩]، في (مجمع البحار)(٢): كل ما دعا الله للناس إليها فهو
كلمة، والظاهر أن المراد في هذا الحديث الخصال ونحوها، ويجوز أن يأمر الله الملك
بأربع أوامر فيكون الكلمات على حقيقتها.
وقوله: (فيكتب عمله) وهذه الكتابة غير كتابة المقادير السابقة على خلق السموات
والأرض، جرت السنة الآلهية بإفرادها وتحديدها تأكيداً وتقريراً، ويكون فيها الأمر
للملك إظهاراً للقضاء الأزلي(٣)، وقد جاء في خبر عند البزار: أن كتابته ذلك يكون بين
عينيه، وفي حديث آخر: أنه يكتب ذلك في صحيفته وبين عيني الولد، ثم الظاهر من
هذا الحديث أنه يؤمر بكتابة تلك الأربع ابتداء، ودلت الأحاديث الصحيحة أنه يؤمر
(١) ((فتح المبين لشرح الأربعين)) (ص: ٩٩).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٤٤٠).
(٣) قال القاري: وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِكَتْبِهِ هَذِهِ الأَشْيَاءَ إِظْهَارُهُ لِلْمَلَكِ، وَإِلَّ فَقَضَاؤُهُ سَابِقٌ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ مُجَاهِدُ: يَكْتُبُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِي وَرَقَةٍ، وَتُعَلَّقُ فِي عُنُقِهِ بِحَيْثُ لاَ يَرَاهَا النَّاسُ. قَالَ تَعَالَى:
وَكُلَّ إِنسَنٍ أَلْزَمْنَهُ طَهِرَهُ، فِ عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ١٥٣).

٣٥١
(١) كتاب الإيمان
وَأَجَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيْدٌ، ثُمَ يَنْفَعُ فِيهِ الْرُّوْعَ، فَوَالَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ
إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا .
بذلك بعد أن يسأل عنها، وهو المراد ههنا، كذا ذكر الشيخ.
وقوله: (وأجله) في (القاموس)(١): الأجل محركة: غاية الوقت في الموت،
ومدة الشيء، يعني الأجل يطلق على مجموع المدة المضروبة للشيء وعلى آخره،
والحديث يحتمل المعنيين .
وقوله: (وشقي أو سعيد) وهذه الخاتمة أو السابقة، وهي المشار إليها بقوله :
(السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه)، وهي غير العمل المذكورة
أولاً، لأنه قد تعرض الشقاوة مع حسن العمل في مدة العمر، والشقاوة مع سوئه كما
بيته بقوله: (حتى إن أحدكم ليعمل) الحديث، ولما كانت الشقاوة والسعادة مستمرة
دائمة وأثره باقياً دائماً عبّر عنهما بالجملة الاسمية وغَيّر الأسلوب.
وقوله: (ثم ينفخ فيه الروح) على صيغة المجهول أو المعلوم، والأول أشهر،
وظاهر هذه الرواية أن النفخ بعد الكتابة، وفي رواية البيهقي عكسه، قيل: فإما أن يكون
من تصرف الرواة، أو المراد ترتيب الإخبار فقط، ولكن رواية البخاري ومسلم أصح
وأثبت(٢).
وقوله: (حتى ما يكون) بالرفع لأن (ما) ألغت (حتى)، كذا قال الشيخ ابن حجر
في (شرح الأربعين)(٣)، وهكذا صح في النسخ، وفي بعضها بالنصب أيضاً، ولعله على
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٨٤).
(٢) في ((التقرير)): ويمكن الجمع بأنه يحتمل اختلاف الأحوال باختلاف الرجال.
(٣) ((فتح المبين لشرح الأربعين)) (ص: ١٠١).

٣٥٢
(٣) باب الإيمان بالقدر
إِلَّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلٍ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ
أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلٍ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ
عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا)). مُتَّفق عَلَيْهِ. [خ: ٦٦١٤،
م: ٢٦٥٢].
٨٣ - [٥] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((إِنَّ الْعَبْدَ
لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجِنَّة وَإِنَّهُ مِنْ
أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِمِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٠٧، م: ١١٢].
٨٤ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ ﴾ قَالَتْ: دُعِيَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِلَى جِنَازَةِ
صَبِيٍّ مِنَ الأَنْصَارِ،
القول بعدم الإمضاء.
وقوله: (إلا ذراع) الذراع بالكسر: من طرف المرفق إلى الأصبع الوسطى، ومنه
ذراع الثوب، فإنه في الأصل على مقدار الذراع، ثم زاد الناس فيها واصطلحوا على
ما شاؤوا، وهو تمثيل للقرب، وفي الحديث: أن العبرة بالخواتيم، وقد يأتي ذكره
صريحاً في الحديث الآتي.
٨٣ - [٥] (سهل بن سعد) قوله: (وإنما الأعمال بالخواتيم) بالياء على وزن
المصابيح، وفي بعض النسخ (بالخواتم) على وزن مساجد، في (القاموس)(١): ختمه
ختماً: بلغ آخره، والخاتم من كل شيء: عاقبته، والجمع خواتم وخواتيم.
٨٤ - [٦] (عائشة) قوله: (إلى جنازة صبي) في (القاموس)(٢): جنزه ويجنزه:
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠١٤).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٦٩).

٣٥٣
(١) كتاب الإيمان
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! ◌ُوبَى لِهَذَا عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ
وَلَمْ يُدْرِكْهُ، فَقَالَ: ((أَوَغَيْرُ ذَلِكِ بَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلاً، خَلَقَهُمْ
لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلاَبِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلاً خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلاَبِ
آبَائِهِمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٦٢].
ستره وجَمَعَه، والجنازة: الميت، ويفتح، أو بالكسر الميت، وبالفتح السرير، أو
عكسه، أو بالكسر: السرير مع الميت، وكل ما ثقل على قوم واغتموا به، فعلى تقدير
كونها بمعنى الميت يكون الإضافة بيانية كقولهم: جيفة فلان.
وقوله: (طوبى لهذا) في (القاموس)(١): طوبى: الطِّيب، وتأنيث الأطيب،
والحسنى، والخير، والخِيَرَة، وشجرة في الجنة، أو الجنة بالهندية، كطيبي، وطوبى
لك وطوباك لغتان، أو طوباك لحن.
وقوله: (عصفور من عصافير الجنة) جعلته عصفوراً لصغره، ومن عصافير الجنة
لكونه من أهلها في اعتقادها، فهو إما تشبيه بليغ كما هو المختار، أو استعارة على
ما ذهب إليه بعض المتأخرين من الأصوليين، وقول الطيبي(٢): إنه من باب الادعاء،
لا يخرجه عن أحد القسمين، إذ لو حمل على الحقيقة فهو تشبيه وإلا فاستعارة، نعم
لما كان ذكر المشبه على وجه ينبئ عن التشبيه مانعاً من الحمل على الاستعارة تعيّن
الأول وليس الادعاء قسما آخر، وهو ظاهر.
وقوله: (لم يعمل السوء) إشارة إلى سبب كونه من أهل الجنة.
وقوله: (أوغير ذلك) ذكروا فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الهمزة للاستفهام
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٥).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١ / ٢٢٢).

٣٥٤
(٣) باب الإيمان بالقدر
والواو عاطفة على محذوف، و(غير) مرفوع بعامل مقدر تقديره: أَوَقَعَ هذا أو غير
ذلك؟
ثانيها: أن يكون (أو) التي لأحد الأمرين، أي الواقع هذا أو غير ذلك، كذا
قالوا، والظاهر أن الاستفهام إنكاري، والمقصود إنكار أن يكون وقوع هذا مجتمعاً
مع وقوع غيره جزماً أو تردداً بل الواقع هو الغير وحده.
وبهذا ظهر أن الأوجه هو الوجه الثالث الذي ذكره الطيبي، وهو أن يكون (أو)
بمعنى بل كما هو في قوله تعالى: ﴿ وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِائَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]،
ومع ذلك المقصود المنع عن القطع بذلك، ثم ظاهر الحديث أن دخول الجنة والنار
غير منوط بالأعمال، بل الله سبحانه جعل من خلقه أهلاً للجنة عملوا الحسنات أو لم
يعملوا، وكذلك جعل منهم أهلاً للنار عملوا السيئات أولم يعملوا، فهذا الصبي إن
جعله الله من أهل النار أدخله النار وإن لم يعمل سوءاً، فكيف تجزمين بأنه من أهل
الجنة؟
لكن الذي عُلم من الدين وانعقد عليه الإجماع أن أطفال المسلمين في الجنة،
وفي أطفال المشركين ثلاثة أقوال: الأول: الدخول في النار، والثاني: التوقف،
والثالث: أنهم من أهل الجنة، وهو الصحيح لأنه قد علم بالضرورة من الدين أن الله
لا يعذب أحداً بغير ذنب.
وقيل: يحتمل أنه لم يرتض بهذا القول من أم المؤمنين عائشة 8 لما فيه من الحكم
بالغيب والقطع بإيمان أبوي الصبي إذ هو تبع لهما، وفيه إرشاد للأمة إلى التوقف عند
الأمور المبهمة، والسكوت عما لا علم لهم به، وحسن الأدب بین یدي علام الغيوب،

٣٥٥
(١) كتاب الإيمان
٨٥ - [٧] وعَن عَلَيٍّ ◌َّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ
إِلَّ وَقَدْ كُتِبَ مَفْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، وَمَفْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَفَلاَ
نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ قَالَ: ((اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسِّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، ..
والأصوب أنه ﴿ قال هذا قبل أن أوحي إليه: أن أطفال المسلمين في الجنة، فلما
أوحي إليه ذلك فأخبر بذلك وبأنهم يدخلون في آبائهم وأمهاتهم الجنة كما جاء في
الحديث، والله أعلم.
٨٥ - [٧] (علي) قوله: (ومقعده من الجنة) في أكثر الروايات بالواو، وهو
مطابق لما ورد في حديث آخر: أن لكل واحد من المؤمنين والكافرين مقعداً في الجنة
ومقعداً في النار، وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾
[مريم: ٦٣]، وقوله رَّقر: (إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهودياً أو نصرانياً،
فيقول: هذا فكاكك من النار)، ولا حاجة إلى جعل الواو بمعنى أو، ولا يأبي التفصيل
المذكور حمل الواو على حقيقتها، فإن كلا المقعدين مكتوب، لكن على تقدير كونه من
أهل السعادة يبدل مقعده من النار بمقعده الجنة، وعلى تقدير كونه من أهل الشقاوة على
العكس، فافهم، نعم قد جاءت الرواية بلفظ (أو) فبهذه القرينة لو حملت على معنى
أو مع كونه أوفق بالمقصود لکان له وجه.
وقوله: (أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟) فهموا أنه إذا سبق القضاء لنا بالجنة
أو النار فأيّ فائدة في السعي والعمل؟ وأيّ حاجة إلى ذلك؟ وليس كذلك، فإن القضاء
قد سبق ولكن الله قد أمر ونهى، وتفهمون الخطاب ويأتي منكم الامتثال وتركه، وهو
ربكم وأنتم عبيده، وقد ناط الجنة والنار بالعمل وجعله علامة عليه، غايته أنه لا يأتي
منكم إلا ما سبق به القضاء كما أجاب ◌َله: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، وعلى أيِّ

٣٥٦
(٣) باب الإيمان بالقدر
أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ
الشَّقَاوَةِ فَسَيَُّسَّرُ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنََّى ، وَصَدَّقَ بِالْمُنْفَ﴾
الآيَة [الليل: ٥ -٦]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٦٢، ٤٩٤٥، ٤٩٤٩، م: ٢٦٤٧].
٨٦ - [٨] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّ اللهَ كَتَبَ
عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزََّ، أَدْرَكَ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ، فَزِنَ الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَ
اللُّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي،
تقدير لا يكون سبق القضاء باعثاً على ترك العمل، والقول بأنه لما سبق فلأي شيء نعمل
لأنه من جملة القضاء أيضاً، وقد أوضحنا هذا المعنى بما لا مزيد عليه في ترجمة الباب،
وبالله التوفيق.
وقوله: (فسييسر) على صيغة المضارع المجهول الغائب من التيسير.
٨٦ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (إن الله كتب على ابن آدم حظه) أي: نصيبه
حال كون ذلك النصيب (من الزنا، أدرك) أي: وصله ولحقه (لا محالة) بفتح الميم
وتخفيف اللام، أي: لا حولان ولا تغير لهذا، وكل ما تحول وتغير من الاستواء إلى
العوج فقد حال واستحال، كذا في (القاموس)(١)، وفيه لا محالة منه بالفتح أي لابد،
والمعنى كتب الله، أي أثبت على ابن آدم بأن خلق له الحواس التي يجد بها اللذة،
وركز في جبلته الشهوة والميل إلى النساء، ثم إنه سبحانه يعصم من يشاء، أو المعنى
قدّر في الأزل أن يجري على ابن آدم الزنا فلابد أن يدركه، وهذا المعنى أنسب بترجمة
الباب، فمنهم من يكون زناه حقيقياً بإدخال الفرج في الفرج، ومنهم من يكون زناه
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩١٠).

٣٥٧
(١) كتاب الإيمان
وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ)). مُتَّفقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَاَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: ((كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا، مُدْرِكٌ
ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ، العَيْنَانِ زِنَهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَنِ زِنَهُمَا الإِسْتِمَاعُ، وَاللَّسَانُ
زِنَاهُ الْكَلاَمُ، وَالْيَدُ زِنَهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى
وَيَتَمَّنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ)). [خ: ٦٣٤٣، م: ٢٦٥٧].
٨٧ - [٩] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصُيْنٍ: إِنَّ رَجُلَيْنٍ مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَيَا
رَسُولَ اللهِ﴿ قَالاَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ،
مجازياً بالنظر الحرام والتكلم بالكلام الحرام واستماعه والإصغاء إليه، وما يتعلق
بتحصيله أشار إليه بقوله: (فزنا العين النظر ... إلخ).
وقوله: (الفرج يصدق ذلك ويكذبه) كناية عن الإتيان بالزنا والإباء عنه، وإسناد
التصديق والتكذيب إلى الفرج مجازي، هذا كلامهم، ويدل ظاهراً على أن المراد
كتب على كل أحد من بني آدم حظه من الزنا، لكن الله يعصم من يشاء ويجعله لمماً
في حق بعض، ويجعله كبيرة في حق بعض آخر.
ولا يذهب عليك أنه یمکن أن یکون المراد کتب علی من کتب علیه من جنس
آدم، أي على بعضهم حظًّا من الزنا، ثم جعله إما بالنظر أو بالكلام أو بالفرج لا أنه كتب
الزنا على بني آدم كلهم، وهذا المعنى أحسن وأولى، والله أعلم بمراد رسوله.
وقوله: (والقلب يهوى) بفتح الواو أي: يحب ويريد من عَلِمَ يعلم، وأما هوى
يهوي من ضرب يضرب فهو بمعنى السقوط من فوق.
٨٧ - [٩] (عمران بن حصين) قوله: (أرأيت) أي: أخبرنا، وقد يجيء بالكاف
في آخره نحو أرأيتك، وأرأيتكما، وأرأيتكم، وهي حرف خطاب يدل على أحوال

٣٥٨
(٣) باب الإيمان بالقدر
وَيَكْدَحُونَ فِيهِ؟ أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ مِنْ قَدَرٍ سَبَقَ، أَوْ فِيمَا
يَسْتَقْبِلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟
المخاطب كما في ذلك وذلكما وذلكم، وفي (القاموس)(١): هي كلمة يقول العرب
بمعنى أخبرني وأخبراني وأخبروني، والتاء مفتوحة، انتهى. وحقيقته أنه استفهام عن
رؤية المخاطب أو علمه أي: هل رأيت فأخبرني؟ وقال الطيبي(٢): الاستفهام فيه
للتقرير، أي: قد رأيت ذلك فأخبرني به.
وقوله: (ويكدحون فيه) في (القاموس)(٣): كدح في العمل كمنع: سعى وعمل
لنفسه خيراً وشراً، وكدح وجهه: خدش، وتَكَذَّح الجلدُ: تَخَذَّش.
وقوله: (أشيء قضي عليهم؟ ومضى فيهم من قدر سبق، أو فيما يستقبلون به
مما أتاهم به نبيهم) وفي رواية: (أم فيما يستقبلون به) بلفظ المعلوم في النسخ كلِّها
فيما رأينا، وقال السيد جمال الدين المحدث: (يستقبلون) بصيغة المجهول في سماعنا،
ولكن في أكثر نسخ (المشكاة) بلفظ المعلوم، أي أخبرنا أن عمل الناس فيما لا يزال
هل سبقه قضاء في الأزل على وفقه أو لم يسبقه قضاء؟ أو إنما هو مستأنف على وفق
ما يأتيهم نبيهم فيأمرهم وينهاهم، فيمتثلون أو يعصون من عند أنفسهم باختيارهم
وقدرتهم .
وقوله: (من قدر سبق) إما بيان لشيء قضي فيكون القضاء والقدر شيئاً واحداً،
وهو ما حكم الله من الأمور كما تدل عليه عباراتهم مما أسلفنا ذكره في شرح ترجمة
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٨٢).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١ / ٢٢٧).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٣٠).

٣٥٩
(١) كتاب الإيمان
الباب، و(من) ابتدائية متعلقة بـ (قضي) أي: أقضي عليهم لأجل قدر سبق؟ فيكون
القضاء ناشئاً، ومبتدئاً من قدر، والقدر سابقاً عليه، فالقدر هو التقدير، والقضاء هو
الخلق، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَنُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، أي: خلقهن، فقوله:
(جف القلم بما هو كائن) قدرٌ، و﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] قضاءٌ، ولهذا قال
بعضهم: إنها شؤون يُبديها لا شؤون يَبْتَدِيهَا، فالقدر كالأساس، والقضاء كالبناء، هكذا
قال بعضهم في (النهاية)(١).
وفي (مجمع البحار)(٢)، عن الكرماني: وقال بعضهم: القضاء الأمر الكلي
الإجمالي، وهو حكم الله تعالى في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الكلي مفصلات،
وهذا عكس ما في (النهاية)، ويوافق ما قال القاضي: القضاء هو الإرادة الأزلية والعناية
الإلهية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص، والقدر تعلق تلك الإرادة بالأشياء
في أوقاتها.
وقال الإمام الغزالي: إذا كان معنى الحكمة ترتيب الأسباب فتوجهها إلى المسببات
كان حكماً مطلقاً؛ لأنه مسبب كل الأسباب جملتها وتفصيلها، ومن الحكم ينشعب
القضاء والقدر، فتدبيره أصل وضع الباب ليتوجه إلى المسببات حكمُه، ونصبه الأسباب
الكلية الأصلية الثابتة المستقرة التي لا تزول ولا تحول كالأرض والسماوات السبع
والكواكب وحركاتها المتناسبة الدائمة التي لا تتغير ولا تنعدم إلى أن يبلغ الكتاب أجله
قضاؤه، كما قال: ﴿فَقَضَتُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِ كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢]،
(١) انظر: ((النهاية)) (٤ / ٧٨).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٢٩٤).

٣٦٠
(٣) باب الإيمان بالقدر
فَقَالَ: ((لاَ، بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ
اللهِ رَتْ: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّنَهَا ، فَأَنْهَمَهَا مُجُورَهَا وَتَقْوَنِهَا﴾)) [الشمس: ٧ -٨]. رَوَاهُ
مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٥٠].
وتوجه هذه الأسباب بحركاتها المتناسبة المحدودة المقدرة المحسوبة إلى المسببات
الحادثة منها لحظة فلحظة قدره، فالحكم هو التدبير الأول الكلي والأمر الأول الذي
كلمح البصر، والقضاء هو الوضع الكلي للأسباب الكلية الدائمة، والقدر هو توجيه
الأسباب الكلية بحركاتها المقدرة المحسوبة إلى مسبباتها المعدودة بعدد معلوم لا يزيد
ولا ينقص، ولذلك لا يخرج شيء من قضائه وقدره، انتهى.
فالقضاء والقدر كلاهما جاء بمعنى واحد، وبالمعنيين المتغايرين بالتعاكس،
وموارد الاستعمال تصلح دليلاً على الكل، ولا محذور في ذلك.
وقوله: (فقال: لا بل شيء قضي عليهم) استشكل على هذا الجواب؛ أما على
رواية (أم فيما يستقبلون به) فلأن جواب (أم) المتصلة إنما يكون بتعيين أحد الأمرين
دون لا أو نعم، وقد يجاب بنفي كليهما لاحتمال الخطأ في اعتقاد المتكلم وجود
أحدهما، وههنا ليس كذلك؛ لأن أحد الأمرين ثابت قطعاً والسؤال عن تعيينه، وأما
على رواية (أو فيما يستقبلون) فلأن المقصود السؤال عن أحدهما واقع لا على التعيين،
وهو حق لا يصلح للرد، وتوجيهه ما قال الطيبي(١): إن (أم) منقطعة و(أو) بمعنى بل،
فنفى ﴿ ﴿ ما أثبته وقرره وأكده ببل، فافهم.
وقوله: (وتصديق ذلك في كتاب الله : ﴿وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَا بِ فَأَهَمَهَا ◌ُرَهَا
وَتَقْوَنِهَا﴾﴾ [الشمس: ٧ -٨] تسوية النفس: إنشاء خلقها على سواء من التدبير بحسب
(١) ((شرح الطيبي)) (١ /٢٢٩).