Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
(١) كتاب الإيمان
٤٢ - [٤١] وَعَنِ الْمِقْدَادِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((لاَ يَبْقَى
عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ بَيْتُ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ .
هذا الحديث الذي يلقي الشيطان في أنفسنا؟ قال أبو بكر رظه: فإني والله لقد اشتكيت
إلى رسول الله وسألته: ما الذي ينجينا من هذا الحديث الذي يلقي الشيطان في أنفسنا؟
فقال رسول الله ويتلقى: (ينجيكم من ذلك أن تقولوا مثل الذي أمرت به عمي عند الموت
فلم يفعل)(١)، رواه أبو يعلى في (مسنده)(٢).
قال البوصيري في (زوائد العشرة)(٣): سنده حسن، كذا في (جمع الجوامع)
للسيوطي، وذكر شيخ شيوخنا ابن حجر المكي في شرح قوله (كاد بعضهم يوسوس)
أي: يقع في نفسه انقضاء هذا الدين وانطفاء أنواره.
٤٢ - [٤١] (المقداد) قوله: (لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر)،
في (القاموس)(٤): المدر محركة: قطع الطين اليابس، واحدته بهاء، والحجارة
والمِدارة إتباعٌ، وفي (مجمع البحار)(٥): المدر بفتح ميم ودال: الطين المجتمع
الصلب، والوبر محركة: صوف الإبل والأرانب ونحوها، والجمع أوبار، والمراد
ببيت المدر: المدن والقرى، مدرة الرجل: بلدته، وفي الحديث: (أما إن العمرة
(١) الغرض من السؤال ما يرد وساوس القلب، ولذا ترى الصوفية اخترعوا الأذكار المتضمنة على
كلمة التوحيد لردّ الوساوس وصفاء القلب، فهذا الحديث من مستدلاتهم، كذا في ((التقرير)).
(٢) ((مسند أبي يعلى)) (١٣٣).
(٣) ((إتحاف الخيرة المهرة)) (١/ ٣) وفيه: هذا إسناد فيه مقال، إلا أن التحسين كما ذكره المصنف
هو من ((جمع الجوامع)) للسيوطي (١١٣٨٥).
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٤١).
(٥) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٥٧٠).

٢٨٢
(١) كتاب الإيمان
إِلَّ أَدْخَلَهُ اللهُ كَلِمَةَ الإِسِلاَمِ بِعِزٌّ عَزِيزٍ وَذُلِّ ذَلِيلٍ، إِمَّا يُعِزُّهُمُ اللهُ فَيَجْعَلُهُمْ
مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ يُذِلُّهُمْ فَيَدِينُونَ لَهَ)). قُلْتُ: فَيَكُونُ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ. رَوَاهُ أَحْمَد.
[حم: ٦ / ٤].
٤٣ - [٤٢] وَعَنْ وَهْبٍ بْنِ مُنَّهٍ قِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ مِفْتَاحُ
الْجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ لَيْسَ مِفْتَاحٌ إِلَّ لَهُ أَسْنَانٌ،
من مدركم) أي: بلدكم، يقول: من أراد العمرة ابتدأ لها سفراً جديداً من منزله من
غير سفر الحج، وهو مستحب لا واجب.
وببيت الوبر البوادي؛ لأنهم يسكنون فيها في الخيام، وهي من الوبر غالباً.
وقوله: (إلا أدخله) أي: أدخل الله، حذف للعلم ودلالة السياق، وقد ذكر في
بعض النسخ صريحاً، والضمير المنصوب الراجع إلى البيت ظرف بتقدير (في) وإن
کان مكاناً محدوداً لكونه بعد دخلت .
وقوله: (بعز عزيز) أي: ملتبسة بعز شخص يعزّه الله بها، بأن يختار تلك
الكلمة ويؤمن بها، وملتبسة بذل ذليل، أي: شخص يذلّه الله بها، بأن لم يؤمن.
وقوله: (إما يعزهم الله) بيان وتفصيل لدخول الكلمة كل بيت بعز وذل، فبالعز
بأن يجعلهم أهلها، وبالذل بأن يدينوا وينقادوا الكلمة ويقبلوا الجزية، فتدخل الكلمة
في الكل ويكون الدين كله لله، ويكون غالباً على جميع الأديان طوعاً وكرها.
٤٣ - [٤٢] (وهب بن منبه) قوله: (له أسنان)(١) كنى بها عن الأعمال الصالحة
(١) قال القاري: الأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالأَسْنَانِ التصدِيقُ الْقَلْبِي، وَالإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَانْفِيَادٌ
لِلأَحْكَامِ، انظر: ((مرقاة المفاتيح)» (١ / ١١٧).

٢٨٣
(١) كتاب الإيمان
فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ فُتِحَ لَكَ، وَإِلَّ لَمْ يُفْتَحْ لَكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي
تَرْجَمَة بَابٍ. [كتاب الجنائز، باب: ١].
٤٤ _ [٤٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((إِذَا أَحْسَنَ
أَحَدُكُمْ إِسْلاَمَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشَرٍ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعٍ مِئَةِ
ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيََّةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى الله. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[خ: ٤٢، م: ١٢٩].
٤٥ - [٤٤] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ: مَا الإِيمَانُ؟ ..
وأركان الإسلام، وفيه حث وترغيب على العمل وإن لم يكن جزءاً من أصل حقيقة
الإيمان، فإن دخول الجنة مع السابقين والفوز بالدرجات والمراتب الرفيعة لا يكون إلا
بالأعمال، وإن جاز أن يحصل أصل النجاة من خلود النار بالعفو والمغفرة.
وقوله: (رواه البخاري في ترجمة باب) على جهة التعليق، وتعليقات البخاري
كلها متصلة صحيحة، لا سيما إذا ذكرت لا بصيغة التمريض كما علم في أصول
الحديث، وقد مر في المقدمة.
٤٤ - [٤٣] (أبو هريرة) قوله: (إذا أحسن أحدكم إسلامه) أي أخلصه،
والإحسان ضد الإساءة، وفي (القاموس)(١): الضعف بالكسر مثل الشيء، وضعفاه
مثلاه، أو الضعف: المثل إلى ما زاد، ويقال: لك ضعفه يريدون مثليه وثلاثة أمثاله؛
لأنه زيادة غير محصورة.
٤٥ - [٤٤] (أبو أمامة) قوله: (ما الإيمان) أي: علامة صحته وصدقه.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٦٥).

٢٨٤
(١) كتاب الإيمان
قَالَ: ((إِذَا سَرَّنْكَ حَسَنَتُكَ وَسَاءَتْكَ سَيُّّكَ فَأَنْتَ مُؤْمِنٌ))،
وقوله: (قال: إذا سرتك حسنتك ... إلخ) فإن ذلك علامة وجود التصديق
واليقين بالله وأحكامه واليوم الآخر وجزاء الأعمال، ومن مواضع اليقين الذي يجب
أن يتيقن العبد به جزاء الأعمال، وهو أن يعلم يقيناً أن لكل عمل يعمله جزاء خيراً
كان أو شراً.
قال شيخنا قدوة أرباب الصحو والتمكين الشيخ عبد الوهاب المكي المتقي في
(كتاب الحبل المتين في تقویة الیقین): كل ما أخبر به رسول الله ێ یجب به الیقین،
وهو مع كثرته وبلوغه إلى حد لا يحصى، يرجع إلى أربعة مواضع:
أحدها: التوحيد، بأن يعلم أن كل ما يقع في العالم إنما هو بقدرة الباري تعالى
وإرادته، وهو الضار والنافع، والمعطي والمانع، وفائدته عدم الاستناد والالتفات إلى
ما سوی الحق سبحانه.
وثانيها: التوكل والثقة بضمانية الحق تعالى رزق العباد، وفائدته الإجمال في
الطلب مع ترك الأسف على ما فات.
وثالثها: جزاء الأعمال من الثواب والعقاب، وفائدته الإقبال على الطاعات
والاجتناب عن المعاصي.
ورابعها: اطلاع الرب تعالى على أحوال العباد سرها وعلانيتها، وفائدته السعي
والمبالغة في إصلاح الظاهر والباطن.
وقال الشيخ العارف بالله ابن عطاء الله الإسكندري الشاذلي(١) في (كتاب الحكم):
(١) هو تَاج الدين أَبُو الْفضل أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم، المعروف بابن عطاء الله الإسكندري
الشاذلي المالكي، متصوف، توفي بالقاهرة، له تصانيف، منها ((الحكم العطائية)). انظر : =

٢٨٥
(١) كتاب الإيمان
قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَمَا الإِثْمُ؟، قَالَ: ((إِذَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ فَدَعْهُ)). رَوَاهُ
أَحْمد. [حم: ٥ / ٢٥٦، ٢٥٢].
علامة موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من الموافقات، وترك الندم على ما فعلته
من وجود الذلات، وقال سيدي أحمد بن زَرّوق(١) في (شرحه): دليل حياة القلب
ثلاث: أولها: التأثر بالعوارض، فالقلب الذي يحسن الحسن ويقبح القبيح حيٌّ، وإلا
فلا .
الثاني: التشوق للقوام، فالقلب الذي يطلب ما يقوم به وجوده، وهو التقوى
حيٌّ وإلا فلا.
الثالث: تَطَغُّم الوقائع فيه من مستلذ وغيره، فالقلب الذي يستلذ الحسنة دون
السيئة حي وإلا فلا، ثم القلب بعد تأثره بالعوارض، إما أن ينهض للعمل، فهو صحيح
في حياته، وإلا فهو مريض، والقلوب ثلاثة: قلب مشروح، وهو قلب المؤمن المطيع،
وقلب مذبوح، وهو قلب الكافر والمنافق، وقلب مجروح، وهو قلب المؤمن
العاصي.
وقوله: (إذا حاك في نفسك شيء) في (القاموس)(٢): حاك الشيء في صدري:
رسخ، وحاك القول في القلب حَيْكاً: أخذ، والسيفُ: أَثّر، والشَّفْرَةُ: قطعت، كأحاك
= ((الأعلام)) (١ / ٢٢٢)، و((البدر الطالع)) (١ / ١٠٧).
(١) هو أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرلسي شهاب الدين أبو العباس، المعروف بزروق،
الفاسي المالكي، ولد سنة (٨٤٦هـ)، وتوفي سنة (٨٩٩هـ)، فقيه محدث صوفي، له تصانيف
كثيرة، منها: ((الفتوحات الرحمانية في حل ألفاظ الحكم العطائية)). انظر: ((هدية العارفين))
(١/ ٧٣)، و((الضوء اللامع)) (١ / ١٤١).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٦٤).

٢٨٦
(١) كتاب الإيمان
٤٦ - [٤٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ فَقُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا الأَمْرِ؟ قَالَ: ((حُرٌّ وَعَبْدٌ))، قُلْتُ: مَا الإِسْلاَمُ؟
قَالَ: ((طِيبُ الْكَلاَمِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ»، قُلْتُ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: ((الصَّبْرُ
وَالسَّمَاحَةُ))، قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الإِسْلاَمِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ
مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ»، قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الإِيمَانِ أَفْضَلُ؟ قَالَ:
فيهما، وفي (مختصر النهاية)(١): حاك في نفسه يحيك: أَثَّر، والمعنى إذا حاك في
نفسك، أي: أثَّر فيها ورسخ فاترك، فإن ذلك علامة كونه إثماً، يعني ما يؤثر في
النفس الشريفة القدسية المتحلية بحلية التقوى ونور الإيمان تأثيراً بالنفرة والكراهة،
أي: ما لا ينشرح له صدر من شرح الله صدره دون عموم المؤمنين، وعلى هذا يحمل
قوله: (استفت قلبك) وذلك فيما إذا لم يوجد دليل شرعي من الكتاب والسنة،
ويتعارض أقوال العلماء، فحينئذ يستفتي من القلب لترجيح بعض الأقوال على بعض،
كما تقرر في أصول الفقه، وروي (حاٌ) بالتشديد من المحاكة بمعنى المباراة، مجرّدُه
الحقُّ بمعنى النحت، والأول هو الأصح.
٤٦ - [٤٥]: (عمرو بن عبسة) قوله: (حر وعبد) أي: أبو بكر وبلال، وقيل:
زيد بن حارثة، وقيل: الوجه هو الأول، فإن في إحدى روايات مسلم: (ومعه يومئذ
أبو بكر وبلال ﴾)، وقيل: المراد كل الناس من الأحرار والعبيد، إخبار عما يتقرر
عليه أمر الإسلام في الاستقبال، وفيه ما فيه، وإلا فقد قيل في ترجمة عمرو بن عبسة:
إنه رابع أربعة أو ثالث ثلاثة في الإسلام.
وقوله: (قلت: ما الإسلام؟ قال: طيب الكلام وإطعام الطعام) إلى قوله (قال:
(١) (١ / ٢٦٨).

٢٨٧
(١) كتاب الإيمان
(خُلُقٌ حَسَنٌ))،
خلق حسن) توجيه الحديث لا يخلو عن شيء، فإنه سأل إما عن حقيقة الإسلام
ومفهومه، ولا شك أنه عبارة عن الأركان الخمسة التي بني عليها كما مر تفسيره في
حديث(١) جبرئيل عليه﴾، أو عن خصاله ولوازمه وروادفه وهي كثيرة، فما معنى أنه طيب
الكلام وإطعام الطعام، وأفضله من سلم المسلمون من لسانه ويده؟ وكذا الكلام في
الإيمان، فإن حقيقته أن تؤمن بالله وملائكته إلى آخر ما ذكر في الحديث المذكور،
وخصاله وشعبه كثيرة، فما معنى أن الإيمان الصبر والسماحة وأفضله خلق حسن؟
والذي يفهم من كلام الطيبي (٢) في توجيهه أن جوابه عن الإسلام أنه طيب الكلام
وإطعام الطعام بعث له على مكارم الأخلاق، أي: ما الإسلام إلا مكارم الأخلاق، ومن
ثم سأل أيّ الإسلام أفضل؟ أَيْ: أَيُّ الأخلاق أفضل، كأنه يريد أن المسؤول خصال
الإسلام، فأشار بها بأنها مكارم الأخلاق، لكنه اكتفى بذكر شيئين منهما هما العمدة،
وهي التواضع والسخاوة الواصل أثرهما إلى خلق الله سبحانه، أو لأنهما أدخل وأصلح
بحال السائل، ثم سأل أفضل الأخلاق الذي لا يصح الإسلام ولا يتم إلا به، وهي كف
النفس عن إيذاء الخلق، فالأول تحلية، والثاني تخلية، قدم ذكر التحلية لكونها المقصودة
من التزكية، فصار حاصل الجواب: أن الإسلام تخلية النفس عن الرذائل وتحليتها
بالفضائل، وأجاب بأن محصل خصال الإيمان وشعبه الصبر والسماحة إشارة إلى ترك
ما نهي عنه وفعل ما أمر به، كما فسر الحسن البصري ته بقوله: الصبر عن معصية الله،
والسماحة على أداء فرائض الله، والخلق الحسن أفضل خصاله؛ لكونه حاصل أصل
(١) انظر: الحديث (٢).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١ / ١٨١).

٢٨٨
(١) كتاب الإيمان
قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الصَّلاَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((طُولُ الْقُنُوتِ))، قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ
الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((أَنْ تَهْجُرَ مَا كَرِهَ رَبُّكَ))، قَالَ: فَقُلْتُ: فَأَيُّ الْجِهَادِ
أَفْضَلُ؟ قَالَ: (مَنْ عُقِرَ جَوَادُهُ وَأُهْرِيقَ دَمُهُ))، قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ السَّاعَاتِ
أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِرِ)). رَوَاهُ أَحْمد. [حم: ٤ /٣٨٥].
العمل وأصعبه، هذا تقرير كلام الطيبي وتحقيقه في توجيه الحديث، فافهم.
وقوله: (طول القنوت) يطلق على معان متعددة؛ كالطاعة والخشوع، والصلاة
والدعاء، والقيام والسكوت، فيصرف في كل واحد من هذه المعاني إلى ما يحتمله
لفظ الحديث الوارد فيه، كذا قال الطيبي(١)، والظاهر حمله على القيام، وقد تمسك
به من قال: طول القيام أفضل من كثرة السجود، حيث اختلفوا في أن أيهما أفضل(٢)،
فتدبر .
وقوله: (أن تهجر ما كره ربك) قد مر تفسيره في الأحاديث السابقة .
وقوله: (عقر جواده) الجواد بالفتح فَرَسٌ بَيِّنُ الجُودة بالضم، الذكر والأنثى
سواء .
وقوله: (أهريق دمه) أي: أريق، والإراقة: صب المائع من ماء أو دم أو غيرهما،
وأصله أراق يريق إراقةً، ثم أبدلت الهاء، وهذه الكلمة لا يخلو بيان بنائه من قلق
وخفاء في کلامهم، وأجمع كلام فيه كلام (الصحاح)(٣) فاكتفينا به، قال: هراق الماء
(١) ((شرح الطيبي)) (١ / ١٨٢).
(٢) في ((التقرير)): اختلفت الحنفية والشافعية في أن طول القيام أفضل أو كثرة السجود؟ وحمل
الشافعية هذا الحديث على الخشوع كي لا يخالف المذهب، ولفظ الطول يؤيد القيام، أي:
مذهب الحنفية، فتأمل.
(٣) ((الصحاح)) للجوهري (ص: ١٠٩٦)، وانظر: (تاج العروس)) (٢٧ /١٠).

٢٨٩
(١) كتاب الإيمان
٤٧ - [٤٦] وَعَن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ:
(مَنْ لَقِيَ اللهَ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَيُصَلِّي الْخَمْسَ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ، غُفِرَ
لَهُ»، قُلْتُ: أَفَلاَ أُبَشِّرُهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((دَعْهُمْ يَعْمَلُوا)). رَوَاهُ أَحْمد.
[حم: ٥ / ٢٣٣].
ويهريقه بفتح الهاء هِراقة بالكسر، وأصله أراق يُرِيقُ إراقة، وهو في الأصل أَرْيَقَ
يُرْيِقُ، وأصل مضارعه يُأَرْبِقُ فأبدلوا الحركة والسكون بين الراء والياء فصار يَأْرِيقُ،
واستثقلوا الهمزتين في قولهم: أنا أُأَريقه فقالوا: أهريقه مبدلة بالهاء، وفيه: لغة أخرى
يقال: أهرق الماءَ يُهْرِقه إهراقاً، قال سيبويه: أبدلوا من الهمزة الهاء، ثم ألزمت
فصارت كأنها من نفس الكلمة، ثم أدخلت الألف بعده على الهاء وتركت الهاء عوضاً
من حذفهم العين؛ لأن أصل أهرق أريق، وفيه: لغة ثالثة: أَهْراقَ يُهْرِيقُ إهراقاً فهو
مُهْرِيقٌ، وذلك مُهْراقٌ بالحركة والسكون، وهذا شاذ، ونظيره: أسطاع يُسطيع اسطياعاً
بفتح الهمزة في الماضي وضم الياء في المضارع لغة في أطاع يُطيع، فجعلوا السين
عوضاً من ذهاب حركة عين الفعل، وكذلك حكم الهاء في يهريق، ويهريق مثل يُهَفْعِلُ
ومُهَرَاق مُهَفْعَلٌ، وأما مثال يهريق بسكون الهاء لا يمكن أن ينطويه؛ لأن الهاء والفاء
جميعاً ساكنان، وكذا مُهْرَاق، ويقال: مطر مُهْرَوْرِقٌ من باب افعيعال.
٤٧ - [٤٦] (معاذ بن جبل) قوله: (غفر له) أي: ذنوبه التي ارتكبها، إما كله
بأن لا يعذبه أصلاً، أو بعضه بأن يعذبه على بعضها ويعفو عن بعض، والظاهر هو
الأول، ولذا منع عن تبشيرهم، وتخصيص الصلاة والصوم إما لأنه لم يفرض حينئذ
سواهما من الزكاة والحج، أو لأنهما عمدة العبادات، أو لأن سنة الله جرت بالمغفرة
لمن أتى بهما، وإن أذنب وترك الفرائض الأخر، وهي بعد في مشيئة الله، يعذب من

٢٩٠
(١) باب الكبائر وعلامات النفاق
٤٨ - [٤٧] وَعَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ وَّهِ عَنْ أَفْضَلِ الإِيمَانِ، قَالَ:
((أَنْ تُحِبَّ لِلَّهِ، وَتُبْغِضَ لِلَّهِ، وَتُعْمِلَ لِسَانَكَ فِي ذِكْرِ اللهِ)، قَالَ: وَمَاذَا
يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((وَأَنْ تُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَتَكْرَةَ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ
لِنَفْسِكَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢٤٧/٥].
١ - باب الكبائر وعلامات النفاق
يشاء ويغفر لمن يشاء.
٤٨ - [٤٧] (معاذ بن جبل) قوله: (وماذا) أَيْ: وأَيُّ شيء أصنع بعد ذلك؟.
١ - باب الكبائر وعلامات النفاق
الكبائر جمع كبيرة، وهي من الصفات الغالبة، اسم للفعلة القبيحة من الذنوب
التي يعظم ارتكابها إثماً، وتقابلها الصغيرة، وهي ما لا يعظم إثمها، وقد اضطربت
الأقوال في حد الكبائر وتعينها، وقد ذكرت في الأحاديث ذنوب بأعيانها ثلاثاً أو أربعاً
أو سبعاً أو تسعاً أو أكثر، فقيل هي الكبائر، وما دونها صغائر، والمختار أنه ليس
المراد بها الحصر، وقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: الكبائر إلى
سبع مئة أقرب منها إلى سبع، بل النبي ◌َّ أخبر في كل مجلس ما أوحي إليه، وما كان
مفسدته مثل مفسدة شيء من المذكورات أو أكثر منها فهي أيضاً من الكبائر(١).
(١) وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو طَالِبِ الْمَكِّيُّ: قَدْ جَمَعْتُ جَمِيعَ الأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الْبَابِ فَوَجَدْتُ سَبْعَةً
عَشَرَ؛ أَرْبَعَةٌ فِي الْقَلْبِ: الشِّرْكُ، وَبِيَّهُ الإِصْرَارِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَالأَمْنُ
مِنْ مَكْرِ اللهِ، وَأَرْبَعَةٌ فِي اللِّسَانِ: شَهَادَةُ الزُّورِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ، وَالسُّحْرُ، =

٢٩١
(١) كتاب الإيمان
أما المثل فكشرب بعض المسكرات من غير الخمر، وكاللواطة مثل الزنا،
وكإيذاء الأستاذ مثل إيذاء الوالد، وكالغصب مثل الربا.
وأما الأكثر فمثل قطع الطريق مع أخذ المال أكثر من السرقة، وكذا إيذاء
النبي ◌َّله أكثر من إيذاء الوالد، وكدلالة جيوش الكفار على بلاد المؤمنين للغارة أكثر
من الفرار عن الزحف، وكحكم القاضي بغير الحق أكثر من شهادة الزور ظلماً وإثماً.
وقيل: ما ثبت النهي عنه بنص قطعي، وقيل: ما قرن به في الشرع حد أو لعن
أو وعيد، وإلى هذا مال أكثرهم، وعمم بعضهم هذا القول أيضاً، قال: وما كان
مفسدته كمفسدة ما قرن به أحد الثلاثة أو أكثر، وقيل: ما أشعر بتهاون المرتكب
بالدين إشعاراً مثل إشعار الكبائر، كقتل رجل يعتقد أنه معصوم الدم فظهر أنه مستحق
للقتل، أو وطئ زوجته وهو يظنها أجنبية .
ونقل عن (الكافي): والأصح أن ما كان شنيعاً بين المسلمين، وفيه هتك حرمة
الدين، فهي كبيرة، وإلا فهي صغيرة.
وأما ما قيل: كل معصية أصرّ عليه العبد فهي كبيرة، وكل ما استغفر عنها فهي
صغيرة، فيلزم منه أن يكون الزنا وشرب الخمر مثلاً صغائر إذا لم يصر عليها، اللهم إلا
أن يريد ما عدا المنصوص عليها، وأغرب منه ما نقل عن صاحب (الكفاية) أنه قال:
الحق أنهما اسمان إضافيان لا يعرفان بذاتيهما، فكل معصية أضيفت إلى ما فوقها فهي
= وَثَلاَثَةٌ فِي الْبَطْنِ: شُرْبُ الْخَمْرِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ مَالِ الرَِّا، وَاثْنَانِ فِي الْفَرْجِ: الزِّنَ،
وَاللَّوَاطُ، وَاثْنَانِ فِي الْيَدِ: الْقَتْلُ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَالسَّرِقَةُ، وَوَاحِدٌ فِي الرِّجْلِ: وَهُوَ الْفِرَارُ مِنَ الْكُفَّارِ
يَوْمَ الزَّحْفِ، وَوَاحِدٌ يَشْمَلُ الْبَدَنَ: وَهُوَ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ. ((مرقاة المفاتيح)) (١ /١٢٣).

٢٩٢
(١) باب الكبائر وعلامات النفاق
صغيرة، وإن أضيفت إلى ما دونها فهي كبيرة، وهذا مشكل جداً، إذ لا شك أن الكبائر
والصغائر متمايزة بالذات وبالأحكام، فإن الصغائر مكفرة بالطاعات مثل الصلاة والصوم
والوضوء، وعليه قوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
وقد اختلف في التقوى بأنه هل يكفي فيه الاجتناب عن الكبائر أو لا بد من
اجتناب الصغائر أيضاً؟ وأيضاً أنهم فرقوا بينهما بأن الكبيرة تسقط العدالة دون الصغيرة،
وهذا يدل على أنهما يفرقان بذاتيهما، وأيضاً لا حاجة على هذا التقرير لتخصيص
الكبيرة بالذكر في قولهم: الكبيرة لا تخرج العبد من الإيمان على ما ذكر في العقائد،
نعم الكبيرة والصغيرة نسبيان ضرورة كون الكبر والصغر كذلك، فالذنوب إنما تسمى
صغائر بالنسبة إلى ما فوقها من الذنوب، والكبائر إنما تسمى كبائر بالنسبة إلى ما تحتها،
وهذا ظاهر.
وأما كونهما غير متعينين بحيث يكون كل ذنب بالنسبة إلى ما فوقها صغيرة، وهو
بعينه بالنسبة إلى ما تحتها كبيرة، فيشكل بما ذكرنا، فثبت أن الكبائر والصغائر متمايزتان
في أنفسهما، ومع ذلك مراتب الكبائر مختلفة، وكذا الصغائر حتى قيل: أكبر الكبائر
الإشراك بالله، وأصغر الصغائر حديث النفس، ولا يخفى أن مراتب حديث النفس أيضاً
مختلفة، وكذا الإشراك بالله إن أريد به الكفر، فتدبر، هذا وقد عد بعض العلماء كثيراً
من الذنوب من الكبائر.
ونقل العلامة الدواني من الروياني من أصحاب الشافعي رحمة الله عليه أنه قال:
الكبائر هذه قتل النفس بغير حق، والزنا، واللواطة، وشرب الخمر، والسرقة، وأخذ
المال غصباً، والقذف، وشرب كل مسكر ملحق بشرب الخمر، وشرط في الغصب أن
يبلغ ديناراً، وشهادة الزور، وأكل الربا، والإفطار في نهار رمضان بلا عذر، واليمين

٢٩٣
(١) كتاب الإيمان
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ
٤٩ - [١] عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ظ
أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: ((أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا.
الفاجرة، وقطع الرحم، وعقوق الوالدين، والفرار يوم الزحف، وأكل مال اليتيم،
والخيانة في الكيل والوزن، وتقديم الصلاة على وقتها، وتأخيرها عن وقتها بلا عذر،
وحرب المسلم بغير الحق، والكذب على النبي ◌َّ، وسب الصحابة شهر، وكتمان
الشهادة بلا عذر، وأخذ الرشوة، والعناد بين الرجال والنساء، والسعاية عند السلطان،
ومنع الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة، ونسيان القرآن بعد
تعلمه، وإحراق الحيوان بالنار، وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب، واليأس من الله،
والأمن من مكروه، وإهانة أهل العلم وحملة القرآن، والظهار، وأكل لحم الخنزير،
وهذا ما ذكره، والحق أنه إن فسرت بما ورد الوعيد [به] فهي أكثر مما ذكر(١)، كما
لا يخفى على المتتبع، والله أعلم.
الفصل الأول
٤٩ - [١] (عبدالله بن مسعود) قوله: (أن تدعو لله نداً) في (القاموس)(٢): الند
بالكسر: المثل، والجمع أنداد، والنديدة، والجمع ندائد، انتهى. وفي (النهاية)(٣):
الند: مثل الشيء [الذي] يضاده وينادّه أي يخالفه، وفي (تفسير البيضاوي)(٤): الند:
(١) وقد صنف الشيخ ابن حجر المكي في ذلك رسالة مستقلة اسمها ((كتاب الزواجر عن اقتراف
الكبائر))، وقد طبع مراراً.
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٠٤).
(٣) (٥/ ٣٥).
(٤) (١ / ٤٧).

٢٩٤
(١) باب الكبائر وعلامات النفاق
وَهُوَ خَلَفَكَ))، قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ((أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ))، ..
المثل المناوئ، من ندّ ندوداً: إذا نفر، وناددت الرجل: خالفته، خص بالمخالف
المماثل في الذات كما خص المساوي في المماثل في القدر، وقد يفرق بين الند والضد
أن الأول المخالف المماثل في الحقيقة، والضد المخالف الغير المماثل، وقد وقع
في (العقائد العضدية) في تنزيه الباري: ولا ند له ولا مثل، وفسره المحقق الدواني
بقوله: قيل: الند هو المناوئ، أعني المخالف في القوة، والمثل هو المساوي في
القوة، فتدبر.
والمعنى أن تجعل لله نداً بتضمين الدعاء معنى الجعل، وقد جاءت الرواية بهذا
اللفظ، وفي القرآن المجيد: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢].
فإن قلت: إنهم ما جعلوا الأصنام أنداداً لله، وما زعموا أنها تساويه في ذاته
وصفاته، ولا أنها تخالفه في أفعاله؟ قلنا: إنهم لما عظموها وسموها آلهة شابهت حالهم
حال من يعتقد أنها ذوات واجبة بالذات قادرة على أن تدفع عنهم عذاب الله وتخالفه
في أفعاله.
وقوله: (وهو خلقك) إشارة إلى الخطأ في هذا الجعل، وهذا لمن يعلم أن الله
خالقه كما كان المشركون في عهد رسول الله ◌َّ يعلمون أن الخالق هو الله، أي: والحال
أنك تعلم أن الله خلقك ولم يخلقك أحد غيره، أو قال ذلك للمتمكن من العلم بذلك
عند النظر والتأمل في الدلائل الدالة على أنه الخالق، وبالوجهين فسر قوله تعالى :
وَفَلَا تَجْعَلُوا لِلَِّ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
وقوله: (قال: ثم أيُّ) أي: ثم أخبرني أَيّ ذنب أكبر الكبائر بعد الكفر، (قال:
أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك) فالقتل بهذه القيود أكبر الكبائر بعد الكفر، ويدخل

٢٩٥
(١) كتاب الإيمان
قَالَ: ثُمَّ أَّ؟ قَالَ: ((أَن تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ))، فَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَهَا: ﴿وَالَّذِينَ لَا
يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَ اخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَِّىِ حَرَّمَ اللَّهُإِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُنٌ﴾ الآيَة
[الفرقان: ٦٨]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٦١، م: ٨٦].
في المفضل عليه القتل المطلق أيضاً، وإن كان المطلق أكبر مما سواه من الذنوب،
وكذلك الزنا بحليلة الجار، فافهم.
وقال الطيبي(١): هذا البيان إنما ورد على الأمر الواقع المخصوص على مقتضى
حال السائل، وهو من باب مفهوم الأغلب، ولا يعمل به، انتهى.
حاصله: أن القيد اتفاقيٍّ وليس احترازيًّا، وأقول: السؤال إنما وقع عن أكبر
الكبائر، ولا شك أنه مقيد بقيود وذكرت، ولكن القرآن أطلق لبيان الكبائر مطلقاً
ولا بعد فيه، والطيبي أطلق عن القيود بقرينة الآية النازلة فيها، اللهم إلا أن تحمل صيغة
التفضيل على الإضافي دون الحقيقي، فتدبر، ويؤيده إطلاق الآية النازلة لتصديق هذه
الوقائع والأحكام، فافهم، ولعل باب المفاعلة في (تزاني)(٢) للمعالجة والمزاولة،
أو لأن الزنا أكثر ما يكون بالميل من الجانبين.
والحليلة: الزوجة، قال في (القاموس)(٣): حليلتك: امرأتك، وأنت حليلها،
ويقال للمؤنث: حليل أيضاً، انتهى.
وهو يحتمل أن يكون من الحل أو الحلول، كما قال الطيبي(٤)،
(١) (شرح الطيبي)) (١ / ١٨٦).
(٢) كما في نسخة. ((المرقاة)) (١ / ١٢٢).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٠٧).
(٤) ((شرح الطيبي)) (١ / ١٨٥).

٢٩٦
(١) باب الكبائر وعلامات النفاق
٥٠ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((الْكَبَائِرُ:
الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ)). رَوَاهُ
البُخَارِيُّ. [خ: ٦٩٢٠، ٦٦٨٥].
والأول أظهر.
٥٠ - [٢] (عبدالله بن عمرو) قوله: (الإشراك بالله) أي: جعل غير الله شريكاً
له، إما في الوجود أو الخلق أو العبادة، وفسروا الإشراك بالكفر بأنواعه، وإنما عبر
الكفر بالشرك؛ لأن كفار العرب كانوا مشركين، وقد يفسر في غير هذا المقام في مثل
قوله تعالى: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوْ بِهِ، شَيْئًاً﴾ [النساء: ٣٦] بالشرك الجلي الذي بمعنى
الكفر والخفي الذي يشتمل الرياء كما مر فيما سبق من الأحاديث.
وقوله: (وعقوق الوالدين) في (القاموس)(١): عق والدَه عُقُوقاً ومَعَقَّةً: ضدُ
بَرّه، فهو عَاقٌّ وعَقٍّ وعَقَقٌّ محركة، والمراد إيذاؤهما من غير حق شرعي، وقيدوهما
بالمسلمين، ويفهم منه أن إيذاء الكافرين وإن كان بغير حق لا يكون كبيرة، ولابد أن
يكون ذنباً(٢)، والله أعلم.
وقوله: (واليمين الغموس) في (القاموس)(٣): وهي اليمين الكاذبة التي يتعمدها
صاحبها عالماً أن الأمر بخلافه، أو التي تقتطع بها مالَ غيرك، وفي (النهاية)(٤): هي
اليمين الكاذبة الفاجرة التي يقتطع بها مال غيره؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ثم
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٣٩).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٩ / ٥٠٤)، و((فتح الباري)) (١٠ / ٤٠٥).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥١٩).
(٤) ((النهاية)) (٣/ ٣٨٦).

٢٩٧
(١) كتاب الإيمان
٥١ - [٣] وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ: ((وَشَهَادَةُ الزُّورِ) بَدَلَ ((الْيَمِينُ الْغَمُوسُ))
مُتَّفق عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٥٣، م: ٨٨].
في النار، وفي الحديث: (اليمين الغموس تذر الديار بلاقع)، وقول الطيبي(١): لأنها
تدخل صاحبها في النار أو في الإثم أو في الكفارة مبني على مذهب الشافعية؛ لأنه
لا كفارة لها عندنا، وكلمة (أو) لكفاية اعتبار أحد الأمور في وجه التسمية، وإلا فهي
تدخل في الكل.
٥١ - [٣] (أنس) قوله: (شهادة الزور) قال في (القاموس)(٢): الزور بالفتح:
وسط الصدر، أو ما ارتفع منه إلى الكتفين، أو ملتقى أطراف عظم الصدر حيث
اجتمعت، ثم ذكر معنى الزيارة والزائرة وغيره من المعاني، وقال: وبالضم الكذب،
ويظهر من هذا أن معنى وسط الصدر أو ما ارتفع منه كما ذكره الطيبي ليس أصلاً
منقولاً عنه لمعنى الكذب، وقد جعله الطيبي(٣)، وذكر المناسبة، ونقل في (مجمع
البحار)(٤) عن النووي في (شرح صحيح مسلم)(٥): قول الزور تحسين الشيء ووصفه
بخلاف صفته، وفي (مختصر النهاية)(٦): (زورت في نفسي مقالة) أي: هَيّأتُ
وأصلحتُ، ورحم الله امرأً زَوَّر نفسه على نفسه أي: قوّمها وحسّنها، وحقيقته نسبتها
إلى الزور، كفَسَقَه وجَهَّله.
(١) ((شرح الطيبي)) (١ / ١٨٦).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٧٥).
(٣) ((شرح الطيبي)) (١ / ١٨٦).
(٤) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢ / ٤٤٧).
(٥) ((شرح صحيح مسلم)) (٢ / ٨٤).
(٦) (١ / ٤٣٨).

٢٩٨
(١) باب الكبائر وعلامات النفاق
٥٢ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((اجْتَنِبُوا السَّبْعَ
الْمُوبِقَاتِ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: ((الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّخْرُ،
وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّ بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرَّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَِيمِ، ...
٥٢ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (الموبقات) في (القاموس)(١): وبق كوَعَدَ وَوَجِلَ
وَوَرِثَ وُبُوقاً: هلك، وأوبقه: حبسه أو أهلكه، وقال: والموبق كمجلس: واد في
جهنم.
وقوله: (والسحر) أصله الخدع، ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ﴾ [المؤمنون: ٨٩] أنى تخدعون،
ويكون بكلام ملفف، أو تركيب أجسام، أو مزج بين قوى لا يعرفه إلا الساحر، ويظهر
على أيدي الكفار والفساق، والمراد فعله وتعليمه وتعلمه، وقيل: فعله فقط، وتعلمه
جائز ليعرف ويرد، كذا نقل في (مجمع البحار)(٢) عن النووي(٣)، وقيل: فعله كفر
بالاتفاق .
واختلف في الساحر، فذهب جماعة من الصحابة # وغيرهم أنه يقتل، وعند
الشافعي: يقتل إن كان ما يسحر به كفراً إن لم يتب، وقيل: إذا لم يتم سحره إلا بدعوة
كوكب أو بموجب كفر يجب قتله؛ لأنه استعانة بالشيطان، وذلك لا يستتب إلا لمن
يناسبه في الشرارة؛ فإن التعاون مشروط بالتناسب، وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب
الحيل بمعرفة الأدوية، أو يريه صاحب خفة اليد فغير حرام، وتسميته سحراً تجوز، وأما
تعلمه ففيه ثلاثة أوجه: التكهن وإتيان الكاهن، والتنجيم، والضرب بالرمل وبالحصى
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٥٤).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٤٧).
(٣) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) (٢ / ٨٨).

٢٩٩
(١) كتاب الإيمان
وَالتَّوَلَّيِ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاَتِ)). متفق عليه.
[خ: ٢٧٦٦، م: ٨٩].
٥٣ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي
وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَ يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ،
وبالشعبذة، وتعليمها وأخذ العوض عليها حرام.
وقوله: (والتولي يوم الزحف) في (القاموس): تولى: أدبر، وعنه: أعرض
أو نأى، وزحف إليه كمنع زَحْفاً وزُحُوفاً وزَحَفَاناً: مشى، [والدَّبى: مشى] قُدُماً،
والزحف: الجيش يزحفون إلى العدو، والصبي يزحف قبل أن يمشي(١). وفي
(الصراح)(٢): زحف: لشكر رونده سُوئ دشمن ورفتن غثريدن كودك، وفي (مجمع
البحار)(٣): هو الجيش الكثير الذي يرى لكثرته كأنه يزحف، من زَحَفَ الصبي: إذا
دبّ على استه، وزحفت راحلته، أي: أعيت ووقفت.
وقوله: (الغافلات) أي: البريئات مما قذفن به.
٥٣ _ [٥] (عنه) قوله: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) إما نفي
الکمال کما فسره البخاري، أو خبر في معنی النھي، أو المراد لا ينبغي له ذلك، أو هو
تشديد وتغليظ (٤)، وقد يفهم من رواية ابن عباس توجيه آخر، ويومئ إليه قوله: (حين
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٥٢، ١٢٣٣).
(٢) ((الصراح)) (ص: ٣٤٩).
(٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢ / ٤٢٢).
(٤) وفي ((التقرير)): رأي الشيخ الوالد: أن التغليظ في الأخبار يؤدي إلى تكذيبه بَّر، والعجب
كل العجب من الأكابر يذهبون إلى ذلك، بل أحسن منه أن يقال: إن جزاءه ذلك أو يفضي
إلى ذلك.

٣٠٠
(١) باب الكبائر وعلامات النفاق
وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤمن، وَلاَ يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ
إِلَيْهِ أَبْصَارَهُمْ فِيهَا حِينَ يَنْتَهِيُّهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَغُلُّ أَحَدُكُمْ حِين يَغُلُّ وَهُوَ
مُؤمِنٌ،
یزني)، فافهم .
وقوله: (ولا يشرب) قيل: هذا وما بعده من القرائن من باب حذف الفاعل،
فتدبر .
وقوله: (نهبة) بفتح النون مصدر، وبالضم: المال الذي ينتهب ويغار، وكلا
المعنيين صحيح، لكن الرواية المشهورة هي الضم.
وقوله: (يرفع الناس إليه) إما أن يكون المراد بالناس هم الذين تنتهب أموالهم،
أو غيرهم ممن يرونها ولا يقدرون على المنع والدفع، وهذا على طريق العادة، ولبيان
قبحه وشناعته، وهذا في أخذ مال المسلم أو ما في حكمه، ويجوز نهب أموال أهل
الحرب .
وقوله: (ولا يغل أحدكم) في (القاموس)(١): غلّ غلولاً: خان، أو خاص
بالفيء، وفي (النهاية)(٢): الغلول: الخيانة في المغنم، والسرقة من الغنيمة قبل القسمة،
وكل من خان في شيء خُفية فقد غلّ، وسميت غلولاً لأن الأيدي فيها مغلولة أي :
ممنوعة كأنه مجعول فيها غُلٌّ، وهي حديدة تجمع يد الأسير إلى عنقه، ويقال لها
جامعة أيضاً، انتهى.
والمشهور أن المراد في هذا الحديث هو الخيانة من المغنم، وهو من الكبائر،
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٥٧).
(٢) ((النهاية)) (٣/ ٣٨٠).