Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ (١) كتاب الإيمان وَلاَ نَدَامَى)). قَالُوا: يَا رَسُول الله! إِنَّا لاَ نَسْتَطِيعُ أَن نَأْتِبَكَ إِلاَّ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارٍ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرِ فَصْلِ نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا وَنَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، فضحه، والخَزْيَةُ ويُكسر: البلية. و(ندامى)(١) جمع نادم، من نَدِمَ عليه كَفَرِحَ ندماً وندامة، وتَنَدَّمَ: أسف، فهو نادم، والمراد بالشهر الحرام الجنس، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، فكانوا لا يحاربون فيها، وكانوا فيها آمنين في الطرق تعظيماً لهذه الأشهر وإيماناً لزوار بيت الله، وهذا الوجه الآخر يختص بما سوى رجب، وأما المحرم فإنه وإن لم يكن من أشهر الحج لكنه يحتمل التلاقي فيه وقت الرجوع، وفي بعض الحواشي فسر برجب، ولعله كان يمنعهم من الإتيان في الأشهر الحرم الأخر مانع آخر، أو أنهم أتوا النبي ◌َّه بعد المحرم فليس قدامهم إلا رجب، ولعل إفراد الشهر بهذا، فافهم، والأمر الفصل: هو الحكم المحكم الواضح الذي لا إجمال فيه ولا إشكال، والظاهر أن المراد به واحد الأمور بمعنى الشأن لا واحد الأوامر بمعنى صيغة (افعل) إما وصف المصدر مبالغة أو بمعنى فاصل أو مفصول، و(نخبر) من الإخبار و(ندخل) من الدخول إما مجزومان على جواب الأمر أو مرفوعان على الوصفية أو الاستئناف. وقوله: (من وراءنا) يجيء بمعنى خلف وقدام، ضدٌّ، ويحتمل الحديث كليهما، فافهم . (١) وفي ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٨٨): جَمْعُ نَدْمَانَ بِمَعْنَى نَدِمِ، أَوْ جَمْعُ نَادِمٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وقال السيد: غيّر العبارة لمناسبة ((خزايا))، والمقصود: لم تقدموا أسرى فتكونوا خزايا، ولم تقاتلوا منا قبله ولم تقتلوا رجالنا بعدُ فتأتوا ندامى. وقال صاحب ((المظاهر)): جملتان دعائيتان، كذا في ((التقرير)). ٢٤٢ (١) كتاب الإيمان وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِيَّةِ. فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَتَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِالهِ وَحْدَهُ، قَالَ: (أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللهِ وَحْدَهُ؟)) قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ)). وقوله: (سألوه عن الأشربة) أي: ظروفها، أو الأشربة التي تكون في الأواني المخصوصة المتنوعة التي يأتي ذكرها. وقوله: (فأمرهم بأربع) المراد بالأمر ههنا ما هو مدلول صيغة (افعل) لمقابلة قوله: (ونهاهم عن أربع) والأمر الفصل الذي يشملها أمرهم بالإيمان بالله، وهو أربع باعتبار ما اشتمل عليه من الأركان المذكورة سوى الحج لما ذكر مراراً أنه لم يفرض يومئذ أو لم يكونوا أهلاً له، وجزم الطيبي(١) ههنا بالأول نقلاً عن القاضي عياض حيث قال: إنما لم يذكره لأن وفادة عبد القيس كانت عام الفتح سنة ثمان قبل خروج النبي ◌َّه إلى مكة، ونزلت فريضة الحج سنة تسع على الأشهر، وإنما قال: على الأشهر؛ لأن كثيراً من الناس زعموا أن الحج فرض سنة ست لكن القول الأول أقوى، ودلائل الفريقين ذكرناها في شرح (سفر السعادة)(٢). وعلى هذا التوجيه قوله: (وأن تعطوا) ذكر زيادة على الأربع؛ لأنهم كانوا أهل جهاد، وكانوا محاربين لكفار مضر، فهو معطوف على قوله: (بأربع) وليس داخلاً تحتها . وقال بعضهم: أول الأربع المأمور بها إقام الصلاة، وإنما ذكر الشهادة تبركاً؛ (١) ((شرح الطيبي)) (١ / ١٣٩). (٢) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) أيضاً (٣٧٩/٥)، و((بذل المجهود)) (٧ / ٦). ٢٤٣ (١) كتاب الإيمان وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الْحَنْتُمِ وَالدَُّّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ، وَقَالَ: (احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ)) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيّ. [خ: ٥٣، م: ١٧]. ١٨ - [١٧] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ : لأن القوم كانوا مؤمنين مقرين . وقوله: (ونهاهم عن أربع) جواباً عن سؤالهم عن ظروف الأشربة، و(الحنتم) بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الفوقانية: الجرة الخضراء، (والدباء) بضم الدال وتشديد الباء ممدوداً: القرع كالدبة بالفتح والواحد بهاءٍ وهي ظروف الخمر إما الدُّباء حقيقة أو على شكلها من الخشب، والأول أظهر، (والنقير) أصل خشبة ينقر فينبذ فيه فيشتد نبيذه، كذا في (القاموس)(١)، (والمزفت) بضم الميم وتشديد الفاء المفتوحة: المطلي بالزفت بالكسر: القار، والمراد النهي عن استعمال هذه الأواني مبالغة في الاحتراز عن التشبه بشاربي الخمر وأوانيها وقمعاً لآثارها، والظاهر أن المراد النهي عن الاستنقاع والانتباذ فيها لإسراع الاشتداد فيها فيسكر، ولذا وقع في الأحاديث النهي عن الانتباذ إلا في سقاء لإبطاء الاشتداد والإسكار فيها ولتبين الحالة فيها دون الأواني فيتناول غفلة، ثم قالوا: تحريم الانتباذ في هذه الأواني واستعمالها كان في صدر الإسلام حيث كان القصد إلى قمع آثار الخمر وتأكيد حرمتها، ثم نسخ وهو قول الجمهور، وقال بعض ببقاء التحريم، وإليه ذهب مالك وأحمد رحمهما الله. ١٨ - [١٧] (عبادة بن الصامت) قوله: (وحوله عصابة) العصابة بالكسر من الرجال والخيل والطير ما بين العشرة إلى الأربعين، كالعُصبة بالضم من العصب، وهو (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٥٢). ٢٤٤ (١) كتاب الإيمان (بَابِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللّهِ شَيْئاً، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ. الطَّيُّ واللَّيُّ والشَّدُّ، والعصب محركة: أطناب المفاصل، كذا في (القاموس)(١). وقوله: (بايعوني)(٢) المبايعة: المعاهدة والمعاقدة، وأصله من البيع، والبيعة (فعلة) منه، كان كل واحد من المتعاهدين يبيع نفسه من صاحبه، وكما يكون الصفق - وهو ضرب اليد على اليد - عند وجوب البيع جرت العادة بذلك عند المعاهدة أيضاً. وقوله: (على أن لا تشركوا بالله شيئاً) الظاهر أن المراد بالشرك الرياء؛ لأنه الشرك الأصغر، كما ورد في الحديث: (اتقوا الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء)(٣) لأن الظاهر كما يدل عليه السياق أن الخطاب للأصحاب، ويحتمل أن يكون المراد عبادة الأصنام، أي: لا ترتدوا بعد الإسلام. وقوله: (ولا تأتوا بيهتان) في (القاموس) (٤): بهته كمنعه بَهْتاً وبَهَتّاً وبهتانا: قال عليه ما لم يفعل، والبَهِيتَةُ: الباطلُ الذي يتحير من بطلانه، والكَذِبُ، كالبُهْتِ بالضم، والحيرةُ، فعلُهما كَعلِمَ ونَصَرَ وكَرُمَ . وقوله: (تفترونه) افترى الكذب: اختلقه، والفرية بالكسر: الكذب، من فرى يفريه: شقه فاسداً، فأصل الفرى القطع، ومنه كل ما أفرى الأوداج أي: ما شقها وقطعها حتى يخرج الدم. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٠). (٢) وفي ((التقرير)): فيه دلالة على بيعة المشايخ؛ لأن تلك العصابة كانوا مسلمين، فإذا لم تكن بيعة الإسلام فماذا كان غير بيعة السلوك. (٣) أخرج نحوه أحمد في «مسنده)) (٥/ ٤٢٨). (٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٥٠). ٢٤٥ (١) كتاب الإيمان بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ (١)، ... وقوله: (بين أيديكم وأرجلكم) أي: من عند أنفسكم والناس براء منه، واليد والرجل كنايتان عن الذات، أو كفاحاً يشاهد بعضهم بعضاً، أو تنشؤونه من ضمائركم بناءً على الظنون الفاسدة، أو ما بين الأيدي والأرجل من الإنسان هو القلب لأنه في الصدر، أو نسب الافتراء إلى الأيدي والأرجل من جهة أنها عوامل وحوامل وإن شاركها سائر الأعضاء، وقد وقعت هذه العبارة في مبايعة النساء، وفسر بأن لا يأتين بولد من غير أزواجهن فينسبنه إليهم على بعض المعاني المذكورة، أو المراد من بين الأيدي والأرجل الفروج(٢). وقوله: (ولا تعصوا في المعروف)(٣) والمعروف: اسم لكل ما عرف وجهه في الشرع واستحسن فيه كالشخص الذي يعرف، ويقابله المنكر: وهو الشخص الذي لا یعرف. وقوله: (فمن وفّى) فيه إشارة إلى أن وجوب الأجر إنما هو على تقدير الإتيان بالكل والاستيفاء، فمن أخل بشيء من ذلك استحق العقاب. (١) قوله: ((فهو كفارة له)) استدل به الشافعية على أن الحدود كفارات لأهلها، ولم يقل به الحنفية، وقد بسط الكلام في ((فيض الباري)) (١ / ١٦٠)، و(«الكنز المتواري)) (٢/ ١٤٩). (٢) في ((التقرير)): أو المراد: المواجهة، يقال: بين أيديكم أي: تجاهكم، فذكر الأرجل إذاً للتأكيد، أو الأيدي في الحال، والأرجل في المآل، لأن السعي بالرجل. (٣) في ((التقرير)): قيد به مع أن أوامره عليه الصلاة والسلام كلها معروفة، تنبيهاً على أن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولأن القيد إذ يكون في عصيانه عليه الصلاة والسلام فغيره أولى، كذا في ((تفسير أبي السعود)) (٢٣٩/٦)، و((الجمل)) (٣٣٣/٤). ٢٤٦ (١) كتاب الإيمان وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ إِلَى اللهِ: إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ))، فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِك. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨، م: ١٧٠٩]. ١٩ - [١٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ لَهُ فِي أَضْحَّى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ. وقوله: (ومن أصاب من ذلك شيئاً) قيل: (ذلك) إشارة إلى ما سبق سوى الشرك فإنه لا يكفر بالقتل ولا يعفى، وهو مبني على أن يكون المراد بالشرك الكفر، وإن كان المراد به الرياء، فالمراد بالعقوبة في الدنيا أعم من الحد، لأنه ليس للرياء حد يقام . وقوله: (فهو إلى الله ... إلخ) يثبت مذهب أهل السنة من عدم وجوب عقاب العاصي. ١٩ - [١٨] (أبو سعيد الخدري) قوله: (خرج في أضحى) جمع أضحاة لغة في أضحية، وفي الحديث: (إن على كل أهل بيت [في كل عام] أضحاة)، أي: أضحية، قال في (النهاية)(١): فيه لغات: أُضْحِيَّةٌ وإضْحِيَّةٌ، والجمع أَضَاحِيُّ، وضَحِيَّةٌ، والجمع ضَحَايَا، وأَضْحَاةٌ، والجمع أضحى، وكذا قال في (القاموس) (٢)، وفيه: هي اسم شاة يُضحّى بها، وسمي بها يوم النحر . وقوله: (أو فطر) شك الراوي، وقد جاء في رواية: (يوم عيد)، وفي أخرى: (في فطر) بلا شك. وقوله: (إلى المصلى) هو موضع خارج المدينة المطهرة وبينه وبين المسجد (١) ((النهاية)) (٣/ ٧٦). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٩٩). ٢٤٧ (١) كتاب الإيمان فَقَالَ: (يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ))، فَقُلْنَ: وَيِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ ((تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، النبوي ألف ذراع. وقوله: (يا معشر النساء) في (القاموس) (١): المعشر كمسكن: الجماعة، والظاهر أن الخطاب للنساء الحاضرات، ويعلم الحكم فيما عداهن بالدلالة، ويحتمل أن يكون عامًّا تغليباً للحاضر على الغائب. وقوله: (فإني أريتكن) أي: أعلمت أنكنَّ أكثر أهل النار، فهو متعدٍّ إلى ثلاثة مفاعيل، أقيم الأول منها مقام الفاعل، والإعلام يحتمل أن يكون بالإخبار من الله تعالى أو كوشف له بَّر ذلك عياناً، والله أعلم. وقوله: (تكثرن اللعن) أي: في المحاورات والمخاطبات على الأشياء، وذلك مذموم، ومعناه الطرد وإبعاد الله العبد من رحمته، ولا يجوز أن يلعن أحد لشخصه مؤمناً كان أو كافراً إلا إذا علم يقيناً موته على الكفر، ويجوز بالوصف؛ كلعنة الله على الكافرين مثلاً، وقد جاء بمعنى الإبعاد من الرحمة الخاصة ومقام القرب، ولا يختص ذلك بالكافر، وجاء إطلاقه على غيره تغليظاً، فتدبر . وقوله: (تكفرن) من كفران النعمة، كَفَرَ نعمة الله وبها كُفْوراً وكُفْراناً: جَحَدَها وسَتَرَها، وكأَفَرَه حقه: جحده، كذا في (القاموس)(٢)، والمادة للستر، و(العشير) القريب والصديق، والعاشر والزوج، كذا في (القاموس)(٣)، والظاهر أن المراد ههنا (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤١٠). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٣٨). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤١٠). ٢٤٨ (١) كتاب الإيمان مَا رَأَنْتُ مِنْ نَقِصَاتٍ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ))، قُلْنَ: مَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ))، قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: ((فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا))، قَالَ: (أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟))، قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: الزوج وإن كان كفرهن مع الأقرباء والأصدقاء أيضاً. وقوله: (ما رأيت من ناقصات) أي: أحداً من ناقصات، أو (من) زائدة. وقوله: (أذهب) من الإذهاب، قال الرضي: اشتقاق اسم التفضيل من باب (أفعل) قياس عند سيبويه، ويؤيده كثرة السماع؛ كقولهم: هو أعطاهم للدينار، وأولاهم للمعروف، وأنت أكرم من فلان، وهو كثير، ومجوزه قلة التغير بحذف الهمزة ورده إلى الثلاثي، وهو عند غيره سماعي مع كثرته. وقوله: (للب) الخالص من كل شيء، والعقل(١)، واللبيب: العاقل، والحزم بالحاء المهملة والزاي: ضبط الأمر والأخذ فيه بالثقة كالحزامة والحزومة، حزُم ککرم فهو حازم وحزيم، والجمع حزمة وحزاماً، من حزمت الشيء إذا شددته، و(من) في (من إحداكن) تفضيلية متعلقة بـ (أذهب). وقوله: (قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟) قدمن السؤال عن ذهاب دينهن تحسراً واهتماماً به، ولم يقدمه وثّ﴾ في قوله: (من ناقصات عقل ودين) تحاشياً عن نسبة النقصان إلى دينهن في أول الكلام، ولهذا لم يخاطبهن في الجواب بل ذكره بلفظ الغيبة . (١) قال القاري: الْعَقْلُ غَرِيزَةٌ يُدْرَكُ بِهَا الْمَعْنَى، وَيَمْنَعُ عَنِ الْقَبَائِحِ، وَهُوَ نُورُ اللهِ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، وَاللُّبُّ الْعَقْلُ الْخَالِصُ مِنْ شَوْبِ الْهَوَى. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٩٣). ٢٤٩ (١) كتاب الإيمان ((فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٤، م: ٨٠]. ٢٠ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((قَالَ اللهُ كَذَّيَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِك، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِك، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً، . وقوله: (فذلك من نقصان دينها) ذلك وإن کان بخلق الله ولیس لها فيه اختيار ولكن خلقها كذلك، ومنعها من بعض العبادات دون الرجل حطّ لها من درجة ونقص في المرتبة، فافهم. ٢٠ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (كذبني ابن آدم) التكذيب راجع إلى إخبار الله تعالى في القرآن بذلك، أو إلى ما يتضمن الإبداء من الإخبار بجواز الإعادة كما ينبئ عنه سياق الحديث، وفي قوله: (ابن آدم) تحقير له لكونه جزءاً من بشر مخلوق من تراب ومن ماء مهين، وإشارة إلى كفرانه النعمة المفاضة على أبيه. وقوله: (لم يكن له ذلك) أي: لم يصح ولم يجز له ذلك؛ لكونه مخالفاً للبرهان ومرتبة العبودية . وقوله: (وشتمني) الشتم: السب، فھو وصف الرجل بما فيه إزراء ونقص سيما فيما يتعلق بالنسب، وإنما كان إثبات الولد له تعالى شتماً؛ لأنه قول بمماثلة [الولد] في [تمام] الحقیقة واستخلافه له، وفيه نقص ظاهر. وقوله: (لن يعيدني كما بدأني) هذا القول إما من بني آدم القائل بالإبداء أو لأنَّه يعلمه إذا نظر نظراً صحيحاً، وعلى كل تقدير فيه إشارة إلى خطئه في نفي الإعادة، كما قال: (وليس أول الخلق بأهون)، ومعناه أن الإعادة أهون، كما قالوا في مثل هذا التركيب: ٢٥٠ (١) كتاب الإيمان وَأَنَا الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفْؤاً أَحَداً). ٢١ - [٢٠] وَفِي رِوَايَة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ((وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لِى وَلَدٌ، وَسُبْحَانِي أَنْ أَنَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدَا)). رَوَاهُ البخَارِيُّ. [خ: ٤٤٨٢]. إنه لإفادة الزيادة في مدخول (مِنْ)، وهو الموافق بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةٍ﴾ [الروم: ٢٧]، وهذا بالنسبة إلى الناس، وأما بالنسبة إلى الله سبحانه فالكل سواء. وقوله: (وأنا الأحد ... إلخ) صفات مشعرة بالعلية، والأحد الفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر مثله، ولو كان معه ولد كان له مثل، فلا يكون متوحداً في الذات والصفات، و(الصمد) السيد لأنه يقصد، والدائم، والرفيع، ومصمت لا جوف له، كذا في (القاموس)(١)، وفي (النهاية)(٢): الصمد: هو السيد الذي انتھی إليه السُّودَدُ، أو الدائم الباقي، أو الذي لا جوف له، أو الذي يصمد إليه في الحوائج، أي: يقصد، أقوال. وقوله: (لم ألد ولم أولد) واقع على المعنى كما في قوله: أنا الذي سمتني أمي حيدرة، والظاهر لم يلد ولم يولد، كذا قال علماء المعاني، والكفو المثل، كافأه: ماثله، والمراد ههنا الصاحبة، ويحتمل أن يشتمل الولد أيضاً؛ لأنه يكون مثل الأب. ٢١ - [٢٠] (ابن عباس) قوله: (أن أتخذ صاحبة أو ولداً) روي (وولداً) بالواو، وفي بعض الروايات (ولا ولداً) باعتبار تضمن (سبحاني) معنى التنزيه، كذا قال الطيبي(٣). (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٨٠). (٢) ((النهاية)) (٣ / ٥٢). (٣) انظر: ((شرح الطيبي)) (١ / ١٤٨). ٢٥١ (١) كتاب الإيمان ٢٢ - [٢١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الذَّهْرُ، بِيَدِيَ الأَمْرُ، أَقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨٢٦، م: ٢٢٤٦]. ٢٢ - [٢١] (أبو هريرة) قوله: (يؤذيني ابن آدم) أي: يأتي بما أكره ولا أرضى . وقوله: (يسب الدهر) يروى (بسب الدهر) على لفظ المصدر المجرور بحرف الجر، والدهر اسم للزمان الطويل والأمد الممدود، كذا في (القاموس)(١)، وقال البيضاوي(٢): [طائفة محدودة من] الزمان الممتد الغير المحدود. وفي (النهاية)(٣): هو اسم للزمان الطويل، ومدة الحياة الدنيا، وكان من شأن العرب ذم الدهر وسَبّه عند النوازل، ويقولون: أبادهم الدهر، فنهوا عن سبه، أي: لا تسبوا فاعلها، فإنكم إذا سببتموه وقع السب على الله؛ لأنه الفعال لما يريد، فإن الدهر هو الله، أي: جالب الحوادث هو لا غير، فوضع الدهر موضع الجالب لاشتهار الدهر عندهم به، وروي (فإن الله هو الدهر) أي: جالب الحوادث لا غير ردًّا لاعتقادهم أن جالبها الدهر، كذا في (النهاية). وقال الكرماني (٤): وأنا الدهر، أي: المدبر، أي: مقلب الدهر، وروي (الدهر) بالنصب، أي: باق فيه، انتهى. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٦٨). (٢) ((تفسير البيضاوي)) (٥/ ٣٥١). (٣) ((النهاية)) (٢ / ١٤٤). (٤) انظر: ((شرح الكرماني)) (١٨ / ٨٩). ٢٥٢ (١) كتاب الإيمان ٢٣ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِّ. : ((مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذَّى يَسْمَعُهُ مِنَ اللهِ، يَدْعُونَ لَهُ الْوَلَدَ، . وقيل: هو ظرف (أقلب)، وتعقب بأنه لا فائدة للظرفية، فالرفع أولى، بمعنى أنا المتصرف المدبر، وأنا فاعل ما يضاف إلى الدهر من المسرة والمساءة، أو بحذف مضاف، أي: أنا مقلب الدهر وهو يذعن لأمري لا اختيار له، فمن ذمه فقد ذمني، وأنكر الخطابي الرفع بأنه يقتضي كون الدهر من أسماء الحسنى، بل معناه على الظرفية أي: أقلب الليل والنهار طول الزمان، كذا في (مجمع البحار)(١). وقال في (القاموس)(٢): الدهر قد يعدّ في الأسماء الحسنى. واعلم أن إيذاء الله سبحانه بسب الدهر، إما أن يكون لرجوع السب إليه تعالى كما ذكروا، ويمكن أن يكون من جهة أن سب الدهر يشعر بنسبة التصرف إليه والله هو المتصرف، ففيه نفي صفة الكمال عنه تعالى، فافهم. ٢٣ - [٢٢] (أبو موسى الأشعري) قوله: (ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله) الصبر الحبس، ومنه: قتل صبراً، وهو أن يحبس حيًّا ويرمى حتى يموت، وصبر الإنسان: حبس النفس على ما يكرهه، وضده الجزع، والمراد ههنا لازمه، والصبور: الحليم الذي لا يعاجل العصاة بالنقمة بل يعفو أو يؤخر، كذا في (القاموس)(٣)، وقال في (النهاية)(٤): هو كالحليم، إلا أن المذنب لا يأمن في الصبور العقوبة كما يأمن في الحليم. (١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢ / ٢١٩). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٦٨). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٩٣). (٤) ((النهاية)) (٣ / ٧). ٢٥٣ (١) كتاب الإيمان ومعنى الحديث: لا أشد حلماً وصبراً عن فاعله وتركاً للمعاقبة عليه من الله سبحانه، وهذا التركيب يفيد في الأصل نفي الأشدية من غير الله سبحانه، فإما أن يكون مساوياً أو ناقصاً، ولما استحال الأول تعين الثاني، والصبر والحلم موجودان في غير الله سبحانه ممن يتخلق بالأخلاق الكريمة، ولكنهما فيه سبحانه وتعالى أتم وأكمل كما في غيرهما من الصفات الكاملة، وفي العرف يفيد الأشدية فيه تعالى كما ذكروا في أمثال هذا التركيب، وقد ذكروا وجهه بأن مساواة اثنين في صفة غير واقع، فإذا انتفت الأفضلية من أحد تثبت للآخر. هذا وقال الطيبي(١) ما ملخصه: المراد نفي ذات المفضل وقلعه من أصله، فإذا انتفت انتفت المساواة والنقصان، وجعله من قبيل: لا ضب بها ينجحر، والغرض نفي الضب من أصله، وإنما ضمت إليه الصفة ليصير كالشاهد على نفي الصفة، والمعنى لا ضب هناك حتی یکون الانجحار، انتهى. وفي حمل الحديث على هذا المعنى خفاء ظاهر، فإن المفهوم منه صريحاً نفي الأصبرية من غيره تعالى مع وجود الصابرين، وهو يستلزم أصبريته تعالى عرفاً كما قررنا لا نفي الصابرين، مع كونه غير واقع لكثرة وجود الصابرين، والصفة ههنا هي أصبرية غيره تعالى، وهو غير لازم للموصوف كالانجحار للضب، فلا يكون من ذلك القبيل، ثم تعينه النقصان مما لا دخل له في المقصود؛ لأن المقصود دفع الإشكال بأنه يلزم من نفي أصبرية غيره تعالى احتمال كونه مساوياً له تعالى في الصبر، ولا محذور في كونه ناقصاً على ما قررنا، فتأمل حتى يظهر المقصود. (١) ((شرح الطيبي)) (١ / ١٥١). ٢٥٤ (١) كتاب الإيمان ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣٧٨، م: ٢٨٠٤]. ٢٤ - [٢٣] وَعَنْ مُعَاذٍ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ بَّهُ عَلَى حِمَارٍ، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إلاَّ مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ، فَقَالَ: ((يَا مُعَاذُ هَلْ تَدْرِي. وقوله: (ثم يعافيهم) العافية دفاع الله عن العبد، عافاه الله عن المكروه عِفاءً ومعافاة وعافية: وَهَبَ له العافية من العلل والبلاء، كأعفاه، والمعافاة: أن يعافيك الله من الناس ويعافيهم منك، كذا في (القاموس)(١)، أي: يدفع عنهم البلاء والضرر في الدنيا، ويرزقهم الأموال والأولاد وأنواع النعم فيها، ولا يعجل العقوبة، فإن اعتبرت حال الدنيا فهذا حلم، وإن اعتبرت الآخرة فصبر. ٢٤ - [٢٣] (معاذ) قوله: (كنت ردف النبي (*) الردف بالكسر: الراكب خلف الراكب، كالرديف والمرتدف، وكل ما يتبع شيئاً. وقوله: (إلا مؤخرة الرحل) بضم فهمزة ساكنة فمعجمة مكسورة، أو همزة مفتوحة ومعجمة مفتوحة مشددة، وهي العود الذي يكون خلف الراكب يستند إليه، كذا في شرح الشيخ، وفي (القاموس)(٢): مؤخر الرحل ومؤخرته تكسر وتفتح خاؤهما مخففة ومشددة، وفي (الصحاح)(٣): مؤخرة الرحل بفتح الخاء لغة قليلة، وفيه لغة أخرى، وهي (آخرة) بالمد خلاف القادمة، و(الرحل) بفتح الراء وسكون الحاء المهملة. وقوله: (هل تدري) درى دراية: عَلِمَه، أو بضرب من الحيلة، كذا في (القاموس)(٤). (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٠٦). (٢) («القاموس المحيط)) (ص: ٣٢٢). (٣) انظر: ((الصحاح)) (٢ / ٦٦). (٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٧٩). ٢٥٥ (١) كتاب الإيمان مَا حَقُّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ؟)) قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لاَ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً)، قُلْتُ (١): يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلاَ أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: ((لاَ تُبَشِّرُهُمْ فَيَتَكِلُوا)). مُتَّفق عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٥٦، ٥٩٦٧، م: ٣٠]. وقوله: (ما حق الله على عباده) الحق: ضد الباطل، والأمر المقضي، والواجب، والموجود الثابت، لكن المراد بالأول الواجب الثابت شرعاً، وفي الثاني تفضلاً، وإنما سمّي حقاً واجباً لتأكده بوعده الحق(٢). وقوله: (ولا يشركوا به شيئاً) إن كان المراد بالإشراك الكفر، فالمراد أن لا يعذب عذاب المشركين، وإن كان الرياء فالعابد بالإخلاص حقه أن لا يعذب أصلاً. وقوله: (أفلا أبشر به الناس) البشارة مثلثة الباء: الإخبار بما يسرّ، سمّي به لأنه يظهر أثره في البشرة. وقوله: (فيتكلوا) بتشديد التاء، أي: يعتمدوا ويمتنعوا عن العمل، وروي: (ينكلوا) بضم الكاف من النكول، وهو الامتناع. فإن قلت: کیف رواه معاذ وبشر به الناس مع نهيه آآر عنه؟ قلنا: علم معاذ ظه أن النهي مخصوص بذلك الزمان، أو رواه بعد الأمر (١) في نسخة: ((فقلت)). (٢) قال القاري: حَقُّ اللهِ بِمَعْنَى الْوَاجِبٍ وَاللَزِمِ، وَحَقُّ الْعِبَادِ بِمَعْنَى الْجَدِيرِ وَاللَّثِقِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى اللهِ شَيْءٌ خِلاَفَاً لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَقَالَ النََّوِيُّ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى جِهَةِ الْمُشَاكَلَةِ وَالْمُقَابَةِ لِحَقِّهِ عَلَيْهِمْ. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٩٧). ٢٥٦ (١) كتاب الإيمان ٢٥ - [٢٤] وَعَنْ أَنَسِ: أَنَّ النَِّّ ◌َهـ وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ - قَالَ: (يَا معَاذُ!)) قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: ((يَا مُعَاذُ!)) قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: ((يَا مُعَاذُ!)) قَالَ: لَبَّيَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلَاثاً، قَالَ: (مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ صِدْقاً مِنْ قَلْبِهِ إِلَّ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلاَ أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: ((إِذاً يَتَّكِلُوا)) فَأَخْبرِ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّماً)). مُتَّفق عَلَيْهِ . [خ: ١٢٨، م: ٣٢]. بوجوب التبليغ وورود الوعيد على كتمان العلم كما يفهم من الحديث الآتي، أو النهي عن التبشير كان لمن يتكل، فأخبر لمن لا يخشى عليه. ٢٥ _ [٢٤] (أنس) قوله: (لبيك(١) رسول الله) حذف حرف النداء (٢) للقرب؛ سرعةً وإظهاراً للإجابة من نفسه لرسول الله وَليّة والإقبال عليه. وقوله: (إلا حرمه الله على النار) أي: النار التي أعدت للكافرين، أو حرم الخلود فيها، والتأثم: الاحتراز من الإثم، وفي الحديث: (تأثموا من التجارة)(٣)، أي: احترزوا من إثم حاصل من التجارة، وفي (القاموس)(٤): تأثم: تاب من الإثم. (١) مُثَنَى مُضَافٌ بُنِيَ لِلتَّكْرِيرِ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ، مِنْ لَبَّ: أَجَابَ أَوْ أَقَامَ، أَيْ: أَجَبْتُ لَكَ إِجَابَةٌ بَعْدَ إِجَابَةٍ، أَوْ أَقَمْتُ عَلَى طَاعَتِكَ إِقَامَةٌ بَعْدَ إِقَامَةٍ، وأما تَكْرِيرُ النِّدَاءِ فهو لِتَأْكِيدِ الإِهْتِمَامِ بِمَا يُخْبِرُ، وَلِيُكْمِلَ تَنْبِيهَ مُعَاذٍ فِيمَا يَسْمَعُهُ فَيَكُونَ أَوْقَعَ فِي النَّفْسِ، وَأَشَدَّ فِي الضَّبْطِ وَالْحِفْظِ. ((مرقاة المفاتيح)» (١ / ٩٨). (٢) كما في نسخة. (٣) أخرجه البخاري (٢٠٩٨). (٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٩٢). ٢٥٧ (١) كتاب الإيمان ٢٦ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِّ ◌َهِ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَنْيَضُ وَهُوَ نَائِمٌ، ثُمَّ أَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ فَقَالَ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ»، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قَالَ: ((وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ))، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قَالَ: ((وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ))، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قَالَ: ((وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمٍ أَنَّفِ أَبِي ذَرِّ»، وَكَانَ أَبُوِ ذَرٍّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٢٧، م: ٩٤]. ٢٦ - [٢٥] (أبو ذر) قوله: (قال: أتيت النبي ◌ّي وعليه ثوب أبيض ... إلخ) أشار به إلى ثبته وإتقانه فيما يرويه باطلاعه على خصوصيات أحواله وأستر، وكأنه أوحي إليه ﴿ بذلك في هذا المنام، فأخبر به بعد استيقاظه، فذكره أبو ذر إشارة إلى ذلك. وقوله: (قلت: وإن زنى وإن سرق) تقدير الكلام أيدخل الجنة وإن زنى؟ والشرط حال، و(سرق) من باب ضرب يضرب. وقوله: (على رغم أنف أبي ذر) إما متعلق بـ (يدخل) المقدر، أو قلت هذا، أو حكمت بهذا، والرغم والرغام بالفتح: التراب، ورغم رغماً مثلثة الراء من سمع وفتح، وأرغم الله أنفه: ألصقه بالرغام، ثم استعمل في الذل والعجز عن الانتصاب والانقياد على كره، وفي الحديث: (إذا صلى أحدكم فيلزم جبهته وأنفه الأرض حتى يخرج منه الرغم)، أي: حتى يظهر ذله وخضوعه، وفي حديث آخر: (رغم أنفي الله)، أي: ذل وانقاد، وحديث: سجدتي السهو (كانتا ترغيماً للشيطان)(١)، أي: إغاظة له وإذلالاً، فالمعنى وإن ذلّ وكره أبو ذر، فإنه لما استبعد دخول الجنة مع وجود الزنا (١) أخرجه مسلم (٥٧١)، والنسائي (١٢٣٨)، وأحمد (٣/ ٧٢). ٢٥٨ (١) كتاب الإيمان والسرقة كأنه سعى في نفيه، فالحكم بخلافه وضده كان تذليلاً وإكراهاً. واعلم أن هذا الحديث وأمثاله تدل على أن المؤمن إن كان فاسقاً ومرتكباً للكبيرة دخل الجنة، ولم يخلد في النار، ويغفر الله له إن شاء، أو يعذبه ثم يدخله الجنة، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، والأحاديث في ذلك كثيرة، والأحاديث الدالة على خلافه تؤول عندهم تطبيقاً بين الدلائل، وعلى هذا كان إجماع السلف من الصحابة والتابعين، ثم نشأت المبتدعة من المعتزلة وغيرهم، وقالوا: في هذا انخلاع عن ربقة الدين والملة، وانسلال عن قيد الأحكام والشريعة، وإغراء للناس على ارتكاب المعاصي وتركهم سدى مهملين، وهذا خطأ منهم، فإن الوعيدات الواردة في شأن العصاة كافية في الزجر عن المعاصي وتركها، فلو شاء يعذب على أدنى معصية أحقاباً، وورد: (إن أدنى مدة مكث العصاة من المؤمنين مدة عمر الدنيا وسبع آلاف سنة)، نعم وعد المؤمنين بفضله ورحمته الواسعة بالخلاص عن خلود النار، وأما الأحاديث الناطقة بحرمة (من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله صدقاً من قلبه) على النار فمؤول بحرمة خلوده فيها، أو المراد النار التي أعدت للكافرين، وقال بعضهم: إن هذا كان قبل نزول الفرائض والأوامر والنواهي، ومنهم من قال: إن المراد أن يقول هذه الكلمة ويؤدي حقها وفريضتها، وقيل: إذا قالها عند الندم والتوبة، هذا في حرمة قائلها على النار. أما دخول الجنة ولو بعد التعذيب وعدم خلوده في النار؛ فالمذهب أن مجرد هذه الكلمة إذا صدرت خالصة من القلب صدقاً، ثم لم يطرأ عليها ما يضادها يحصل بها أصل النجاة ولو بعد تعذيب، وليست هذه الحالة يسيرة سهلة تحصل لكل أحد، فإن قلوب أرباب المعاصي قلما تخلو عن استحلال واستحقاق بالمعصية، محشوة ٢٥٩ (١) كتاب الإيمان ٢٧ - [٢٦] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَابْنُ أَمَتِهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، ... بالظلمات التي تتطرق بها الشكوك والأوهام المنافية لحقيقة التصديق اليقيني الخالص، وإذا حصل التصديق اليقيني من غير شائبة شك ووهم، واستقام وثبت، ومع ذلك صدرت المعصية بعارض غلبة شهوة وحمية وأنفة، وأمثال ذلك؛ لم يخلَّ بأصل الإيمان، وليس العمل داخلاً في أصل الإيمان بل في كماله، وتمام شعبه وخصاله، وإذا ثبت أمره في النفس الأخير على ذلك يظهر نوره وتندفع ظلمته [التي] طرأت بالمعصية بمغفرة من الله وتطهيره وتنقيته بالعذاب وشفاعة الشافعين، وذلك فضل الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، وهو العزيز الحكيم، وهو على كل شيء قدير، وتمام هذه المباحث تطلب من كتب الكلام، فتدبر. ٢٧ - [٢٦] (عبادة بن الصامت) قوله: (وأن عيسى عبد الله ورسوله) فيه رد على اليهود والنصارى، الأول في الثاني، والثاني في الأول. وقوله: (وابن أمته) الظاهر أنه رد على النصارى خاصة وتقرير له، قال الطيبي(١): وكذا على اليهود؛ براءة لساحته من قذفهم. وقوله: (وكلمته ألقاها) سمي عيسى كلمة الله لوجوده بكلمة ﴿كُنْ﴾ من غير أب، أو لأنه تكلم في صغره. وقوله: (وروح منه) سمي بالروح لإحيائه الأموات أو القلوب، أو ذو روح صدر منه اختراعاً لا بتوسط ما يجري مجرى الأصل والمادة له. (١) ((شرح الطيبي)) (١ / ١٥٩). ٢٦٠ (١) كتاب الإيمان وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٣٥، م: ٢٨]. ٢٨ - [٢٧] وَعَن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: أَيْتُ النَّبِيَّ ◌َهِفَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعَكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ فَقَبَضْتُ يَدِي، فَقَالَ ((مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟)) ... قُلْتُ: أَرَدْتُ أَن أَشْتَرطَ، قَالَ: ((تَشْتَرِطُ مَاذَا؟)) قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي، . وقوله: (الجنة والنار حق) ذكر للمعاد كالذي قبله ذكر للمبدأ، والحق: الموجود الثابت، فهي صفة مشبهة، وإن حمل على معنى الصدق فهو مصدر من قبيل رجل عدل. وقوله: (أدخله الله الجنة) إما ابتداءً بعفو منه أو بشفاعة من رسوله، أو بعد تعذيبه بما شاء . وقوله: (على ما كان عليه من العمل)(١) أي: كائناً على أيِّ عمل كان عليه من صغيرة أو كبيرة، وليس في أكثر النسخ (علیه) فهو محذوف أو (كان) تامة. ٢٨ - [٢٧] (عمرو بن العاص) قوله: (فلأبايعك) إما بكسر اللام ونصب الفعل على أن اللام بمعنى (كي) و(أن) مقدرة، فالفاء زائدة، أو اللام للتأكيد والفاء هي التي يقدر بعدها (أن)، أو بفتح اللام الابتدائية، والفعل مرفوع. وقوله: (تشترط ماذا) (ما) الاستفهامية لها صدر الكلام، فيقدر (ماذا) قبل (تشترط)، والمذكور مفسر له، وقيل: إذا ركّبت مع (إذا) لم يجب تصديرها، أو حرف الاستفهام مقدر قبل (تشترط) و(ماذا) مع فعله المحذوف ابتداء الكلام، ذكر (١) فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ١٠١).