Indexed OCR Text

Pages 1-20

فوت الاحلام
شكر
بلوغ المرامَ مِن جَمْعْ أَلَةَ الأَخْكَام
للحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه اللّه
تأليف
عَبْد القادريّة الحمر
عضو هيئة التدريس بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
والمدرس بالمسجد النبوى الشريف
الجزء الثامن

:
سم
الطّبعَة الأوْا
١٩٨٣ م
١٤٠٣ هـ -
طبع في:
مطابع الرشيد، بالمدينة المنورة
هاتف: ٨٣٦٨٣٨٢

بسم الله الرحمن الرحيم
بابُ العِدَّةِ والإِحداد
١ - عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه أن سُبَيْعَةَ الاسلَمِيَّةَ
الز فاستأذنته
نُفِسَتْ بعد وفات زوجها بِلَيَالٍ ، فجاءت إلى النبي
أن تنكِحِ ، فأذِنَ لَها فَنَكَحَتْ)) رواه البخاري، وأصله في
الصحيحين ، وفي لفظ أنها وَضَعَتْ بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة .
وفي لفظ لمسلم قال الزهري : ولاأرى بأسا أن تَزَوَّجَ وهي في دمها
غير أنه لايَقْرَبُهَا زوجها حتى تطهر .
المفردات
العدة : بكسر العين وتشديد الدال هى اسم لمدة تتربص بها
المرأة عن التزويج بعد وفاة زوجها أو فراقه لها تنتهى
إما بالولادة أو بالأقراء أو بالأشهر بحسب أحول المرأة .
والإِحداد : قال أهل اللغة : الإِحداد والحداد مشتق من الحد
وهو المنع يقال : أحدت المرأة وحدت وهي حاد
ولا يقال حادة . وأنكر الأصمعي أن يقال :
حدت المرأة من الثلاثي فلايقال : إلا أحدت .
أما الإِحداد في الشرع فهو ترك الطيب والزينة
للمعتدة عن وفاة .
سبيعة الأسلمية : بضم السين وفتح الباء هي سبيعة بنت الحارث
(٣)

الأسلمية ذكرها ابن سعد في الطبقات في غرائب
نساء العرب المسلمات المهاجرات المبايعات .
وقد تزوجها سعد بن خولة من بنى عامر بن لؤى
یعنی من حلفائهم وكان ممن شهد بدرا وتوفى عنها
في حجة الوداع وهي حامل . فلما وَلَدَتْ تجملت
للخطاب فأنكر عليها أبوالسنابل بن بَعْكَكِ أحد
رجال بنى عبدالدار فأتت رسول الله عَّه فأخبرته
فأذن لها أن تتزوج ، وهي لم يمض على
وفاة زوجها أربعة أشهر وعشر . وقد كان أبوالسنابل
خطبها فأبت أن تنكحه .
نُفِسَتْ : بضم النون وكسر الفاء أي وَلَدَتْ .
بليال : بينتها رواية البخاري أنها أربعون ليلة
والمراد أنها لم تجلس أربعة أشهر وعشرا . وأما ماوقع
في البخاري : فمكثت قريبا من عشر ليال ثم
جاءت النبي عَ ◌ّ فقال: انكحى . فإن المراد منه
بيان مدة إقامتها بعد الوضع إلى أن استفتت النبي
عَ لِ لا في مدة بقية الحمل.
فاستأذنته أن تنكح: أي فجاءت إلى رسول الله عَ ه واستفته
هل يجوز لها أن تتزوج مادامت قد وضعت حملها.
فأذن لها فنكحت: أي فأباح لها رسولُ الله عَّ ◌ُله فتزوجت
(٤)
·
٠

وهي لم يمض على وفاة زوجها سعد بن خولة أربعة
أشهر وعشر .
وفي لفظ : أي للبخاري من طريق أبي سلمة بن عبدالرحمن عن
- زينب بنت أبي سلمة عن أمها أم سلمة رضي الله عنها .
وَضَعَتْ : أي ولدت .
بعد وفاة زوجها : أي بعد موت زوجها سعد بن خولة رضي الله
عنه في حجة الوداع .
وفي لفظ لمسلم : أي من طريق ابن وهب عن يونس بن يزيد
عن ابن شهاب .
لا أرى بأسا أن تَزَوَّجَ وهي في دمها : أى لاأعلم مانعا يمنعها أن
تتزوج وهي في نفاسها وإن لم يمض على وفاة
زوجها أربعة أشهر وعشر .
لايقربها زوجها حتى تطهر : أي إلا أنه لا يجوز لزوجها أن يمسها
حتى تخرج من نفساها .
البحث
ذكر الله تبارك وتعالى في سورة البقرة عدة المتوفى عنها زوجها فقال :
(( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول
غير إخراج)) وكان هذا في أول الأمر ، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى :
والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر
وعشرا ﴾ وقد استمر ذلك سبع سنوات ثم نزلت سورة الطلاق فذكر
(٥)

الله تبارك وتعالى فيها عدة الحامل سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها
زوجها فقال: ﴿ واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم
فعدتهن ثلاثة أشهر ، واللائي لم يحضن ، وأولات الأحمال أجلهن أن
يضعن حملهن ﴾ وبهذا تكون عدة المطلقة ذات الأقراء ثلاثة قروء
لقوله تعالى: ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ يعنى مالم تكن
حاملا ، وقد نبه لذلك بقوله : ﴿ ولا يحل لهن أن يكتمن ماخلق
الله في أرحامهن) وتكون عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا
يعنى مالم تكن حاملا أيضا . وعدة المطلقة اليائسة والصغيرة ثلاثة
أشهر بدل ثلاثة أقراء في ذوات الأقراء . أما عدة الحامل فوضع الحمل
مطلقا سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها زوجها . قال البخاري في
صحيحه: ((باب وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن)) حدثنا
يحيى بن بكيرحدثنا الليث عن جعفر بن ربيعة عن عبدالرحمن بن
هرمز الأعرج قال أخبرني أبوسلمة بن عبدالرحمن أن زينب ابنة أبي
سلمة أخبرته عن أمها أم سلمة زوج النبي عَّ له أن امرأة من أسلم يقال
لها سُبَيْعة كانت تحت زوجها توفى عنها وهي حبلى فخطبها أبوالسنابل
ابن بعكك فأبت أن تنكحه ، فقال : والله مايصلح أن تنكحيه
حتى تعتدى آخر الأجلين فمكثت قريبا من عشر ليال ثم جاءت
النبي عٍَّ فقال: ((انكحى)) حدثنا يحيى بن بكير عن الليث عن
يزيد أن ابن شهاب كتب إليه أن عُبَيْدَ الله بن عَبْدالله أخبره عن
أبيه أنه كتب إلى ابن الأرقم أن يسأل سبيعة الأسلمية كيف أفتاها
(٦)

النبي عٍَّ فقالت : أفتاني إذا وضعْتُ أن أَنكِحَ . حدثنا يحيى بن
قزعة حدثنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن المسور بن مخرمة
أن سبيعة الأسلمية نُفِسَتْ بعد وفاة زوجها بليال ، فجاءت النبيُّ
عَ ◌ّه فاستأذنته أن تنكح ، فأذن لها فنكحت . وساق مسلم من
طریق ابن وهب حدثني يونس بن یزید عن ابن شهاب حدثنى
عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود أن أباه كتب إلى عمر بن
عبدالله بن الأرقم الزهري يأمره أن يدخل على سبيعة بنت الحارث
الأسلمية فيسألها عن حديثها وعما قال لها رسول الله عَ ةٍ حين
استفته، فكتب عمر بن عبدالله إلى عبدالله بن عتبة يخبره أن سبيعة
أخبرته أنها كانت تحت سعد بن خولة وهو في بنى عامر بن لؤى
وكان ممن شهد بدرا فتوفى عنها في حجة الوداع وهي حامل فلم
تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته فلما تَعَلَّتْ من نفاسها تجملت
للخُطَّب ، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك (رجل من بنى
عبدالدار) فقال لها : مالى أراك متجملة لعلكِ ترجين النكاح ، إنكِ
والله ماأنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر . قالت
سبيعة : فلما قال لي ذلك جَمعت علي ثيابي حين أمسيت فأتيت
رسولَ الله عَِّ فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حللتُ حين
وضعت حملى ، وأمرني بالتزوج إن بدا لي . قال ابن شهاب : فلا
أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها غير أنه
لايقربها زوجها حتى تطهر . حدثنا محمد بن المثنى العَنَزِيُّ حدثنا عبدالوهاب
(٧)

قال : سمعت يحيى بن سعيد أخبرني سليمان بن يسار أن أباسلمة
ابن عبدالرحمن وابن عباس اجتمعا عند أبي هريرة وهما يذكران المرأة
تُنْفَسُ بعد وفاة زوجها بليال . فقال ابن عباس : عدتها آخر الأجلين
وقال أبو سلمة : قد حَلَّتْ . فجعلا يتنازعان ذلك قال : فقال
أبوهريرة: أنا مع ابن أخى ((يعنى أباسلمة)) فبعثوا كُرَيْيا « مولى ابن
عباس )) إلى أم سلمة يسألها عن ذلك، فجاءهم فأخبرهم أن أم
سلمة قالت : إن سبيعة الأسلمية نُفِسَتْ بعد وفاة زوجها بليال .
وإنها ذكرت ذلك لرسول الله عَ لّه فأمرها أن تتزوج اهـ وقد ذكر
البخاري في تفسير سورة الطلاق من صحيحه عن أبي عطية مالك
ابن عامر قال : كنا عند عبدالله (يعنى ابن مسعود) فقال: لنزلت
سورة النساء القصرى بعد الطولى : (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن
حملهن) اهـ والمراد بالقصرى سورة الطلاق وبالطولى سورة البقرة . وقد
أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
قال : نزلت سورة النساء القصرى بعد التي في البقرة بسبع سنين
اهـ وقال الحافظ في الفتح : وقد ثبت عن ابن مسعود من عدة طرق
أنه كان يوافق الجماعة حتى كان يقول من شاء لاعنته على ذلك اهـ
يعنى أن سورة النساء القصرى نزلت بعد سورة البقرة .
مايستفاد من ذلك
١ - أن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها هي وضع الحمل .
٢ - أن قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾
(٨)

خصص عموم قوله تعالى : ﴿ والذین یتوفون منكم ويذرون
أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ وصارت أية
البقرة هذه خاصة بالمتوفى عنها زوجها إذا لم تكن حاملا .
٣ - أن المرأة قد تكون أفقه من الرجل في بعض المسائل .
٤ - أن التلميذ قد يكون أفقه من شيخه في بعض المسائل .
٥ - يجوز عقد الزواج على المرأة التي انتهت عدتها بوضع الحمل
ولو لم تطهر من نفاسها .
٦ - أن الصحابة كانوا يفتون في عهد رسول الله عَ ليه .
٧ - فقه سبيعة الأسلمية رضي الله عنها .
٨ - أنه لامانع شرعا من أن تقوم المرأة باستفتاء أهل العلم ولو
كان مما يستحيى النساء من مثله .
٩ - أن رغبة المرأة في الزواج ليست بمعيبة .
١٠ - حرص الإسلام على صيانة الأنساب .
١١ - رعاية الاحتياط للميت بجعل عدة المتوفى عنها زوجها وضع
الحمل أو أربعة أشهر وعشرا لغير الحامل .
*****
٢ - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أُمِرَتْ بريرة أن تعتد
بثلاث حِيَض . رواه ابن ماجه ورواته ثقات لكنه معلول .
المفردات
صَلى الله
عاوسـ
أمرت بريرة : أي أمر رسولُ الله
بريرة .
(٩)

أن تعتد بثلاث حيض : أي أن تتربص بعد أن اختارت نفسها
حين عتقت بثلاثة أقراء .
البحث
هذا الحديث رواه ابن ماجه من طريق الثوري عن منصور عن
إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها . ورجاله ثقات كما قال
المصنف هنا . وقد روى الدارقطني وأبو يعلى والبيهقي من طريق أبي
معشر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي عَ ةٍ جعل
عدة بريرة عدة المطلقة . وأبومعشر ضعيف . وقد أخرجه البزار من
طريق أبي معشر أيضا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي
الله عنها أن النبي عَ لِ جعل عدة بريرة عدة الحرة، قال البزار :
لانعلم رواه هكذا إلا أبومعشر وفيه أيضا حميد بن الربيع شيخ البزار
قد ضعفه جماعة ووثقه أحمد رحمه الله .
وأخرج الدارقطني من طريق أبي بكر النيسابوري عن أحمد بن
سعيد بن صخر الدارمي عن حبان بن هلال عن همام قال سمعت
قتادة يحدث عن عكرمة عن ابن عباس أن عائشة اشترت بريرة
فأعتقتها، واشترطوا الولاء، فقضى رسول الله عَ ◌ّةٍ: أن الولاء لمن
أعتق وخيرها فاختارت نفسها ، ففرق بينهما ، وجعل عليها عدة الحرة.
قال الحافظ في الفتح : ليس اختيار العتيقة نفسها طلاقا فكان
القياس أن تعتد بحيضة ، لكن الحديث الذي أخرجه ابن ماجه على
شرط الشيخين بل هو في أعلى درجات الصحة اهـ .
(١٠)

٣ - وعن الشعبي عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها عن النبي
عَدٍ في المطلقة ثلاثا : ((ليس لها سكنى ولانفقة )) رواه مسلم .
المفردات
الشعبي : هو عامر بن شراحيل بن عبدٍ من سلالة القيل حسان بن
عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبدشمس
ابن وائل بن غوث بن قَطَن بن غريب بن زُهير
ابن أيمن بن الهَمَيْسَع بن حمير . وقد ذكر ابن
سعد في الطبقات في ترجمة عامر بن شراحيل قال :
وحسان هو ذوالشّعْبیْن وهو جبل باليمن نزله هو
وولده ودفن به ونسب إليه هو وولده فمن كان
بالكوفة قيل لهم شعبيون منهم عامر الشعبي ومن
كان بالشام قيل لهم شعبانيون ، ومن كان بمصر
والمغرب قيل لهم الأَشْعُوب وهم جميعا بنو حسان
ابن عمرو ذي شعبين . فبنو علي بن حسان بن
عمرو رهط عامر بن شراحيل بن عبدٍ الشعبى .
ودخلوا في أحمور همدان باليمن فعدادهم فيهم اهـ
وكان ضئيلا نحيفا ، وقد ولد هو وأخ له في بطن
وقد قيل له مرة : ياأبا عمرو مالنا نراك ضئيلا ؟
قال : إنى زُوحِمْتُ في الرحم . وقد رأى الشعبى
(١١)

علي بن أبي طالب ووصفه وروى عن أبي هريرة وابن
عمر وابن عباس وعدي بن حاتم وسمرة بن جندب
وعمرو بن حريث والمغيرة بن شعبة والبراء بن عازب
وزيد بن أرقم وابن أبي أوفى وجابر بن سمرة وأبي
جحيفة وأنس بن مالك وعمران بن حصين وبريدة الأسلمي
وجرير بن عبد الله وأبي موسى الأشعري والحسن بن علي وعبدالله
ابن عمرو بن العاص والنعمان بن بشير وجابر بن
عبدالله وفاطمة بنت قيس وغيرهم رضي الله عنهم .
وروى عنه إسماعيل بن أبي خالد وأشعث بن سوار
وداود بن أبي هند وزكريا بن أبي زائدة والأعمش
وأبو حنيفة - وهو أكبر شيخ لأبي حنيفة - وابن
عون ويونس بن أبي إسحاق وغيرهم . وقد اختلف
في عام وفاته فقيل سنة ١٠٣ أو ١٠٤ أو ١٠٥هـ
عن سبع وسبعين سنة . وعليه فتكون ولادته في
آخر خلافة عمر رضي الله عنه أو أوائل خلافة
عثمان رضي الله عنه ، ويتضح أن ماذكر أنه ولد
سنة سبع عشرة عام جلولاء غير صحيح . والله أعلم.
ليس لها سكنى ولا نفقة : أي لايجب لها على زوجها نفقة ولاسكنى
مدة عدتها
البحث
قد سقت في بحث الحديث الثاني من أحاديث باب الكفاءة
(١٢)

والخيار قصة طلاق فاطمة بنت قيس ، وقد ورد في بعض ألفاظ هذا
الحديث عند مسلم أن رسول الله عَ لّه قال: ((ليس لك عليه
نفقة)) وفي لفظ: ((لانفقة لكِ ولا سكنى)) وفي بعضها: ((ليست
لها نفقة وعليها العدة)) وفي بعضها: ((لانفقة لكِ)) وفي لفظ من
طريق الشعبى قال : دخلت على فاطمة بنت قيس فسألتها عن قضاء
رسول الله عَ ل عليها فقالت: طلقها زوجها ألبتة ، فقالت فخاصمته إلى رسول
الله عَ له في السكنى والنفقة. قالت: فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة. وأمرني أن
أعتد في بيت ابن أم مكتوم . ولفظ حديث الباب عند مسلم من
طريق سلمة بن كهيل عن الشعبى عن فاطمة بنت قيس عن النبي
عَ طلِ في المطلقة ثلاثا قال: ((ليس لها سكنى ولا نفقة)) وفي لفظ
المسلم من طريق أبي إسحاق قال : كنت مع الأسود بن یزید جالسا
في المسجد الأعظم ومعنا الشعبى فحدث الشعبى بحديث فاطمة بنت
قيس أن رسول الله عَ ةٍ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة . ثم أخذ
الأسود كفاً من حصىً فحصبه به فقال : ويلك تحدث بمثل هذا ؟
قال عمر: لانترك كتاب الله وسنة نبينا عَّ له لقول امرأة لاندري
لعلها حفظت أونسيت ، لها السكنى والنفقة قال الله عزوجل :
﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ وفي
لفظ لمسلم من طريق السُّدِّىِّ عن البَهِىِّ عن فاطمة بنت قيس قالت :
(«طلقنى زوجى ثلاثا فلم يجعل لي رسولُ الله عَ لٍ سكنى ولا نفقة)) ولما
بلغ فاطمة بنت قيس رضي الله عنها أن مروان بن الحكم أنكر حديثها
(١٣)

قالت : بينى وبينكم القرآن قال الله عز وجل: ﴿لا تخرجوهن من.
بيوتهن﴾ الآية قالت : هذا لمن كانت له مراجعة فأي أمر يحدث بعد
الثلاث ؟ فكيف تقولون لانفقة لها إذا لم تكن حاملا . فعلام
تحبسونها . فقد أخرج مسلم من طريق ابن شهاب أن أباسلمة بن
عبدالرحمن بن عوف أخبره أن فاطمة بنت قيس أخبرته أنها كانت
تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة فطلقها آخر ثلاث تطليقات .
فزعمت أنها جاءت رسولَ الله عَ له تستفتيه في خروجها من بيتها
فأمرها أن تنتقل إلى ابن أم مكتوم الأعمى فأبى مروان أن يصدقه في
خروج المطلقة من بيتها . وقال عروة : إن عائشة أنكرت ذلك على
فاطمة بنت قيس ، وحدثنيه محمد بن رافع حدثنا حُجَیْنٌ حدثنا
الليث عن عُقَيْل عن ابن شهاب بهذا الإسناد مثله مع قول عروة إن
عائشة أنكرت ذلك على فاطمة . حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن
حميد ((واللفظ لعبد)) قالا : أخبرنا عبدالرزاق أخبرنا معمر عن
الزهري عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة أن أباعمرو بن حفص بن
المغيرة خرج مع علي بن أبي طالب إلى اليمن فأرسل إلى امرأته فاطمة
بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها وأمر لها الحارث بن هشام
وعياش بن أبي ربيعة بنفقة فقال لها : والله مالك نفقة إلا أن تكونى
حاملا فأتت النبي عَ لّهِ فذكرت له قولهما فقال: ((لا نفقة لك))
فاستأذنته في الانتقال فأذن لها فقالت : أين يارسول ؟ فقال :
((إلى ابن أم مكتوم)) وكان أعمى تضع ثيابها عنده ولايراها ، فلما مضت
(١٤)

عدتها أنكحها النبي عَ لّه أسامة بن زيد . فأرسل إليها مروان قبيصة
ابن ذؤيب يسألها عن الحديث فحدثته به فقال مروان : لم نسمع
هذا الحديث إلا من امرأة ، سنأخذ بالعصمة التي وجدنا عليها
الناس . فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان : فبينى وبينكم القرآن
قال الله عزوجل: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن) الآية . قالت : هذا
لمن كانت له مراجعة ، فأى أمر يحدث بعد الثلاث ؟ فكيف تقولون
لانفقة لها إذا لم تكن حاملا فعلام تحبسونها ؟ اهـ قال الحافظ ابن
حجر في الفتح : وقد احتجت فاطمة بنت قيس صاحبة القصة على
مروان حين بلغها إنكاره بقولها : بينى وبينكم كتاب الله . قال الله
تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن - إلى قوله - يحدث بعد ذلك
أمرا﴾ قالت : هذا لمن كانت له مراجعة . فأي أمر يحدث بعد
الثلاث ؟ وإذا لم يكن لها نفقة وليست حاملا فعلام يحبسونها ؟ وقد
وافق فاطمة على أن المراد بقوله تعالى : ﴿يحدث بعد ذلك أمرا﴾
المراجعة قتادة والحسن والسدى والضحاك أخرجه الطبري عنهم ولم
يحك عن أحد غيرهم خلافه اهـ وأما مانسب إلى عمر رضي الله عنه من
إنكاره على فاطمة وقوله : لاندع كتاب ربنا الح فقد قال الحافظ في
الفتح : وقد أنكر أحمد ثبوت ذلك عن عمر أصلا اهـ كما قال
الدارقطني : قوله في حديث عمر : وسنة نبينا غير محفوظ اهـ
وماذكره عروة عن عائشة رضي الله عنها من إنكارها على فاطمة بنت
قيس قد أشار البخاري رحمه الله بمايفيد أن عائشة تعترف في الجملة
(١٥)

بحديث فاطمة فقد قال البخاري : وزاد ابن أبي الزناد عن هشام عن
أبيه : عابت عائشة أشد العيب وقالت : إن فاطمة كانت في مكان
وَحْش فخيف على ناحيتها فلذلك أرخص لها النبي عَّ المه اهـ ففيه
إشارة إلى إقرار عائشة بقصة فاطمة رضي الله عنها . كما أن سياق
البخاري لحديث مروان مع عائشة رضي الله عنها يشعر أن مروان رجع
إلى حديث فاطمة . وقد انعقد الإِجماع على أن المتوفى عنها زوجها
لانفقة لها في العدة . وسيأتى مزيد بحث لموضوع سكنى المتوفى عنها
زوجها في بحث الحديث الثامن والحديث التاسع من أحاديث هذا الباب
إن شاء الله تعالى .
مايفيده الحديث
١ - أن المطلقة ثلاثا لانفقة لها .
٢ - وأن المطلقة ثلاثا لاسكنى لها .
٣ - وأن قوله تعالى: ﴿ لاتخرجوهن من بيوتهن) خاص بمن
يملك الزوج رجعتها .
٤ - وأن النفقة إنما تجب للمبتوتة إن كانت حاملا .
*****
٤ - وعن أم عطية رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال : ((لَا تُحِدُّ امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة
أشهر وعشرا ، ولا تَلْبَسُ ثوبا مصبوغا إلا ثَوْبَ عَصْبٍ ، ولاتكتحل ،
ولا تَمَسُّ طيبا إلا إذا طَهُرَتْ نَبْذَةً مِن قُسْطِ أو أَظْفَارٍ))
(١٦)

متفق عليه ، وهذا لفظ مسلم . ولأبي داود والنسائي من الزيادة
((ولا تختضب)) والنسائي: ((ولا تَمْتَشِطُ)).
المفردات
لَا تُحِدُّ امرأة على ميت : أي لايجوز لامرأة أن تمتنع من الطيب والزينة
بسبب موت قريب لها أوعزيز عليها . وتحد
بضم أوله وكسر ثانية من الرباعي ويجوز أن
يكون بفتح أوله وضم ثانيه من الثلاثي قال
الحافظ في الفتح : قال أبوحاتم : أنكر
الأصمعي حدت ولم يعرف إلا أحدت .
وقال الفراء : كان القدماء يؤثرون أحدت
والأخرى أكثر مافي كلام العرب اهـ فيقال
للمرأة : المحدة والحادة وقال ابن التين :
الصواب الحاد بلاهاء لأنه نعت للمؤنث
كطالق وحائض قال الحافظ في الفتح : قلت
لكنه جائز فليس بخطأ وإن كان الآخر
أرجح اهـ وقد أشرت في مفردات الحديث
الأول من أحاديث هذا الباب إلى أن مادة
الإِحداد تدور على معنى المنع ، ومنه سمى
البواب حدادا لمنعه الداخل ، وسميت العقوبة
(١٧)

المقدرة حدا لأنها تمنع وتردع عن المعصية،
وقال ابن درستويه : معنى الإِحداد منع
المعتدة نفسها الزينة وبدنها الطيب ومنع
الخطاب خطبتها والطمع فيها كما منع الحد
المعصية اهـ وقال الفراء : سمى الحدید حديدا
للامتناع به أو الامتناع على محاوله ، ومنه
تحديد النظر بمعنى امتناع تقلبه في الجهات .
فوق ثلاث إلا على زوج : أي أكثر من ثلاثة أيام بليالها إلا أن
يكون إحدادها بسبب موت زوجها . أما إذا
كان الميت غير زوج كأب أوغيره فإنه يجوز
لها أن تحد عليه في حدود ثلاثة أيام لاتزيد
عليها . وإنما أبيح لها الإِحداد على غير الزوج إلى ثلاثة
أيام فقط لأجل حظ النفس ومراعاتها وغلبة الطباع
البشرية ، وهو مظهر من مظاهر الحزن الجائزة
في هذه الحدود . وليس معنى قوله : ((لاتحد
امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج ))
أن إحداد المرأة على الزوج فوق الثلاث هو
جائز فقط وليس بواجب . لأن وجوب إحداد
المرأة على زوجها فوق ثلاث قد ثبت من
أدلة أخرى كالإجماع .
(١٨)

أربعة أشهر وعشرا : أي يكون إحداد المرأة على زوجها مدة أربعة
.
أشهر وعشرة أيام بلياليها يعنى على سبيل الوجوب
ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلاثوب عَصْبٍ : أي ولا تلبس المحدة ثوبا صبغ
للزينة ويجوز لها أن تلبس ثوب عَصْبٍ
والعَصْب بفتح العين وسكون الصاد هى برود
يمنية يُعْصَبُ غَزْلُهَا أَي يُرْبَطُ ثم يصبغ
ثم يُنْسَجُ معصوبا أى مربوطا فيخرج موشى
البقاء ماعصب به أبيض لم ينصبغ ، وإنما
يعصب السدى دون اللحمة قال الحافظ في
الفتح : وقال صاحب المنتهى : العصب هو
المفتول من برود اليمن ، وذكر أبوموسى المدنى
في (ذيل الغريب) عن بعض أهل اليمن أنه
من دابة بحرية تسمى(فرس فرعون) يتخذ منها
الخرز وغيره ويكون أبيض ، وهذا غريب .
وأغرب منه قول السهيلي : إنه نبات لاينبت
إلا باليمن ، وعزاه لأبي حنيفة الدينوري ،
وأغرب منه قول الداودى : المراد بالثوب
العصب الخضرة وهى الحبرة . وليس له سلف
في أن العصب الأخضر اهـ .
ولا تكتحل : أي ولا تضع في عينها كحلا .
(١٩)

ولا تمس طيبا : أي ولا تتعطر .
إلا إذا طهرت نبذة من قُسْطٍ أوأظفار : أي ويرخص لها عند طهرها
إذا اغتسلت من محيضها أن تأخذ قطعة من
قسط أو أظفار فتتبع بها أثر الدم لإزالة
الرائحة لاللتطيب . والنبذة هى القطعة ،
وتطلق على الشيء اليسير . والقسط بضم
القاف وسكون السين بعدها طاء - ويقال
فيه أيضا الكست بضم الكاف وسكون
السين بعدها تاء - نوع من البخور وكذلك
الأظفار . قال النووي : وأما القسط فبضم
القاف ويقال فيه كست بكاف مضمومة
بدل القاف وبتاء بدل الطاء وهو والأظفار
نوعان معروفان من البخور وليسامن مقصود
الطيب رخص فيه للمغتسلة من الحيض لإِزالة
الرائحة الكريهة تتبع به أثر الدم لاللتطيب
والله تعالى أعلم اهـ وقال البخاري : القُسْطُ
والكُسْتُ مثل الكافور والقافور اهـ .
ولأبي داود والنسائي من الزيادة : أي من حديث أم عطية رضي الله
عنها وزاد فيه عن حديث الشيخين عنها .
ولا تختضب : أي ولا تصبغ يديها بالحناء .
(٢٠)