Indexed OCR Text
Pages 181-200
كتاب النكاح ١ - عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: ((قال لنا رسول الله عَةٍ : يامعشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر ، وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجَاءٌ)) متفق عليه . المفردات النكاح : هو في اللغة الضم والتداخل ، ويستعمل في عقد الزواج وفي الوطء قال أبو على الفارسى : إذا قالوا نكح فلانة أو بنت فلان فالمراد العقد وإذا قالوا : نكح زوجته فالمراد الوطء اهـ وأكثر مايستعمل في الكتاب والسنة بمعنى العقد وقد أفاد أبو الحسين ابن فارس أن النكاح لم يرد في القرآن إلا للتزويج إلا في قوله تعالى : ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ فإن المراد به الحلم . وأما قوله تعالى : حتى تنكح زوجا غيره ) فإن معناه أيضا العقد أى حتى تتزوج زوجا غيره لكن السنة قيدت هذا الإطلاق بأنه لابد من ذوق العسيلة . كما أنه لابد من التطليق وتمام العدة بعد ذوق العسيلة أيضا . (١٨١) قال لنا : أى للشباب . يامعشر الشباب : المعشر هم الجماعة الذين يشملهم وصف من الأوصاف فالشباب معشر والشيوخ معشر والأنبياء والشباب جمع شاب معشر والنساء معشر ويجمع أيضا على شَيّبَة وشُبان . وأصله الحركة والنشاط قيل : هو اسم لمن بلغ إلى أن يكمل الثلاثين وقال الحافظ في الفتح : قال القرطبي في (المفهم) : يقال له حدث إلى ستة عشر سنة ثم شاب إلى اثنتين وثلاثين ثم كهل ، وكذا ذكر الزمخشري في الشباب أنه من لدن البلوغ إلى اثنتين وثلاثين ، وقال ابن شاس المالكي في (الجواهر): إلى أربعين وقال النووي : الأصح المختار أن الشاب من بلغ ولم يجاوز الثلاثين ثم هو كهل إلى أن يجاوز الأربعين ثم هو شيخ اهـ . الباءة : قال النووي : اختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد : أصحهما أن المراد معناها اللغوى وهو الجماع فتقديره من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه - وهى مؤن النكاح - فليتزوج . ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم ليدفع (١٨٢) شهوته ويقطع شر منيه كما يقطعه الوجاء ، وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشباب الذين هم مظنة شهوة النساء ولا ينفكون عنها غالبا . والقول الثاني أن المراد هنا بالباءة مؤن النكاح ، سميت باسم مايلازمها ، وتقديره : من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج ومن لم يستطع فليصم لدفع شهوته . والذي حمل القائلين بهذا على. ماقالوه قوله عَ له: (( ومن لم يستطع فعليه بالصوم )) قالوا : والعاجز عن الجماع لايحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة فوجب تأويل الباءة على المؤن اهـ هذا ويقال فيها : الباءة والباهة والباه والباء. فإنه أغض للبصر : أى فإن الزواج أشد حملا للبصر على الانكسار وعدم حدادة النظر إلى النساء . وأحصن للفرج : أى وأشد منعا للإنسان من الوقوع في الفاحشة لأنه إذا وقعت عينه فجأة على امرأة أعجبته انصرف إلى أهله فقضى شهوته ، فيكون ذلك تحصينا لفرجه . كما روى مسلم في صحيحه من حديث جابر رفعه: (( إذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في قلبه فليعمد إلى امرأته فليواقعها فإن ذلك يُرُدُّ مافي نفسه)). (١٨٣) فعليه بالصوم : أى فَعَلَى غير المستطيع مؤن الزواج الذي لايقدر على النكاح بالصوم . وليس هذا من باب إغراء الغائب بل الخطاب للحاضرين الذين خاطبهم بقوله : من استطاع منكم .. فالهاء في قوله: ((فعليه)) ليست لغائب وانما هى للحاضر المبهم المنزل منزلة الغائب ، إذ لا يتوجه خطابه بالكاف هنا . قال الحافظ في الفتح نقلا عن عياض : ونظير هذا قوله : ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ إلى أن قال : ﴿ فمن عفى له من أخيه شيء ﴾ ومثله لو قلت لاثنين : من قام منكما فله درهم. فالهاء للمبهم من المخاطبين لالغائب اهـ هذا والأمر بالصوم دون الأمر بالجوع وقلة مايثير الشهوة ليجمع للشاب فضل عبادة الصوم مع الجوع وقلة مايثير الشهوة . والصوم كذلك يورث التقوى التي تحمل الإِنسان على البعد عما حرم الله . فإنه له وجاء : أى فإن الصوم يعمل في كسر الشهوة كما يعمل الوجاء وأصل الوجاء بكسر الواو: الغمز والدفع . تقول : وجأه في عنقه إذا غمزه دافعاله ، ووجأه بالسيف إذا طعنه به ، ووجأ أنثيه غمزهما حتى رضَّهما. والوجاء كالإخصاء في قطع عمل الأنثيين غير أن (١٨٤) الوجاء إبطال مفعولهما برضهما حتى ينتفخا ، والإِخصاء سل البيضتين . البحث أورد البخاري هذا الحديث من طريق الأعمش قال : حدثني إبراهيم عن علقمة قال : كنت مع عبدالله ، فلقيه عثمان بمنى ، فقال: ياأبا عبد الرحمن إن لي إليك حاجة فَخَلَيَا ، فقال عثمان : هل لك ياأبا عبد الرحمن في أن نزوجك بكرا ، تذكرك ماكنت تعهد ؟ فلما رأى عبدالله أن ليس له حاجة إلى هذا أشار إليَّ فقال : ياعلقمة ، فانتهيت إليه وهو يقول : أمَا لئن قلت ذلك ٹے لقد قال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: ((يامعشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)) وفي لفظ من طريق الأعمش قال : حدثني عمارة عن عبدالرحمن بن يزيد قال : دخلت مع علقمة والأسود على عبدالله فقال عبدالله: كنا مع النبي عريضة. شبابا لانجد شيئا . فقال لنا رسول الله عَوبية : يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء . أما مسلم رحمه الله فقد أورد من طريق الأعمش عن عمارة ابن عمير عن عبدالرحمن بن يزيد عن عبدالله باللفظ الذي ساقه المصنف وأورده من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن ابراهيم عن علقمة قال : كنت أمشي مع عبدالله بمنى فلقيه عثمان فقام معه يحدثه فقال له عثمان : يا أباعبد الرحمن ألا نزوجك جارية شابة لعلها تذكرك بعض ما مضى من زمانك ؟ قال : فقال عبدالله : لئن قلت ذاك لقد قال لنا رسول الله عَّةٍ : يامعشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء . (١٨٥) أ ثم ساقه من طريق جرير عن الأعمش عن ابراهيم عن علقمة قال : إني لأمشي مع عبدالله بن مسعود بمنى إذ لقيه عثمان بن عفان فقال : هَلُمَّ ياأباعبدالرحمن قال : فاستخلاه فلما رأى عبدالله أن ليست له حاجة قال : قال لي تعال ياعلقمة قال : فجئت ، فقال له عثمان : ألا نزوجك ياأباعبدالرحمن جارية بِكْرًا لعله يرجع إليك من نفسك ماكنت تعهد ؟ فقال عبدالله : لئن قلتَ ذاك ، فذكر بمثل حديث أبي معاوية اهـ هذا والترغيب في الجارية الشابة لأنها تجمع مقاصد النكاح غالبا فهى - كما قال النووي - ألذ استمتاعا وأطيب نكهة ، وأرغب في الاستمتاع الذي هو مقصود النكاح، وأحسن عِشرة ، وأفكه محادثة ، وأجمل منظرا ، وألين ملمسا ، وأقرب إلى أن يُعَوِّدَها زوجها الأخلاق التي يرتضيها اهـ وفي الحديث المتفق عليه أن النبى عَ لّه قال لجابر رضى الله عنه: (( هَلَّا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك)) زاد مسلم : ((وتضاحكها وتضاحكك)). مایفیده الحدیث ١ - الحض على الزواج والترغيب فيه للقادر عليه . ٢ - جواز تخفيف الشهوة الجامحة بواسطة الأدوية . ٣ - استحباب الصيام للشاب العاجز عن مؤن النكاح . ٤ - جواز أداء عبادة معينة كالصوم مع إرادة مصلحة منها لدين الإِنسان أو بدنه مع مايبتغي بها من وجه الله عزوجل وهذا بخلاف الرياء ٥ - الحث على تحصيل مايغض به البصر ويحصن به الفرج . ٢ - وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبى عَ سليم حمد الله وأثنى عليه وقال: (( لكِنِّي أنا أصلي وأنام، وأصوم وأَفْطِرُ ، وأتزوج النساء . فمن رغب عن سنتي فليس مني )) متفق عليه . (١٨٦) المفردات وأثنى عليه : أى وشَكّرَ الله عزوجل . أصلي : أى أتهجد بعض الليل . وأنام : أى بعض الليل . وأفطر : أى بعض الأيام نافلة . فمن رغب عن سنتي : أى أعرض عن طريقتي السهلة السمحة المباركة فليس مني : أى ليس على منهاجي وما أدعوا إليه من اليسر ودفع الحرج البحث هذا اللفظ الذي ساقه المصنف هو لفظ مسلم ، ولهذا الحديث سبب فقد روى البخاري رحمه الله من طريق حميد بن أبي حميد الطويل أنه سمع أنس بن مالك رضى الله عنه يقول : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبى عَ ◌ّله يسألون عن عبادة النبي عَ لَّه فلما أُخْبِرُوا كأنهم تَقَالُوها، فقالوا: وأين نحن من النبي عَ ◌ّلِ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، قال أحدهم: أمّا أنا فأنا أصلي الليل أبدا، وقال آخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر ، وقال ، آخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا ، فجاء رسول الله عَ ظله فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ ، أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس منّ )) وأخرجه مسلم من طريق ثابت عن أنس بلفظ : أن نفرا من أصحاب النبي عَ لّه سألوا أزواج النبي عَ له عن عمله في السر فقال بعضهم . لاأتزوج النساء ، وقال بعضهم : لا آكل اللحم ، وقال بعضهم : لاأنام على فراش، فحمد الله وأثنى عليه فقال: )) مابال (١٨٧) أقوام قالوا كذا وكذا . لكنى أصلى وأنام ، وأصوم وأفطر ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس منى )) وهذا الحديث قاعدة من أمهات قواعد الإِسلام التي قررت أن الإسلام هو دين الفطرة ، ودين الحياة الطيبة، وأن مبناه اليسر، وترك التنطع، وأن لا رهبانية في الإِسلام وأنه لن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ، وقد ذكر الله تبارك وتعالى هذه المعاني السامية في آيات كثيرة حيث يقول : ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ويقول: ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ ويقول: ﴿ لا تغلوا في دينكم﴾ ويقول: ﴿ يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا﴾ قال البخاري في صحيحه : باب الدين يسر وقول النبي مَّ الله: ((أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة)) ثم ساق من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عَ لِه قال: ((إن الدين يسر ولن يُشَادَّ الدِّينَ أحدٌ إلا غلبه ، فسددوا ، وقاربوا ، وأبشروا ، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدُّلْجَة)) كما روى البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي عَ ◌ّه دخل عليها وعندها امرأة ، قال ((من هذه؟)) قالت: فلانة تذكر من صلاتها، قال: (( مَهْ، عليكم بما تطيقون ، فواللَّهِ لا يَمَلُّ اللهُ حتى تَمَلُّوا)) وكان أحبَّ الدِّين إليه ماداوم عليه صاحبه)) اهـ حتى الموعظة والإِرشاد والتذكير كان رسول الله عَلِ يتخولهم بها مخافة السآمة عليهم. قال البخاري : باب عَو ◌ّله يتخولهم بالموعظة والعلم كى لاينفروا . وساق هو ماکان النبي (١٨٨) صَلى الله ومسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال : كان النبي يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا )) كما روى البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي عَ لِ قال: ((يَسِّرُوا ولا تُعَسّرُو . وبَشِّرُوا ولا تنفروا)) اهـ وقد دلت التجارب على أن المتشددين في الدين الغالين قد انقطعوا وصاروا من أهل الأهواء وأن السائرين إلى الله على بصيرة هم أهل السنة والجماعة ، ولله الحمد والمنة ، فهم المتوسطون بين المُفْرطين والمُفَرِّطِين ، وخير الأمور أوساطها . مايفيده الحديث ١ - أن ترك التزوج من أجل الانقطاع للعبادة ليس من هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم . ٢ - وأن المشروع هو الاقتصاد في العبادات . ٣ - وأن مبنى الشريعة الإسلامية قائم على التيسير وعدم التعسير . ٤ - وأن الانهماك في العبادة والإضرار بالنفس ليس من هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم . ٥ - الترغيب في الزواج . ٣ - وعنه رضي الله عنه قال: كان رسولُ الله عَّه يأمرنا بالباءة، ويَنْهَى عن التَّبُّلِ نَهْياً شديدا، ويقول: ((تزوجوا الوَلُودَ الوَدُودَ فإنى مُكاثرٌ بکم الأمم يوم القيامة )) رواه أحمد وصححه ابن حبان . وله شاهد عند أبي داود والنسائى وابن حبان أيضا من حديث معقل بن يسار . (١٨٩) المفردات وعنه : أى وعن أنس رضي الله عنه . بالباءة : أى بالنكاح والسعى في تحصيل مؤنه . التَّبتُّل : المراد بالتبتل هنا هو الانقطاع عن النكاح وما يتبعه من الملاذ إلى العبادة . وأصل التبتل الانقطاع مطلقا ومنه قوله تعالى: ﴿ وتبتل إليه تبتيلا ﴾ أى انقطع إلى الله وحده انقطاعا وأخلص له العبادة إخلاصا فَيُبَتِّلُكَ تبتيلا أى فيجعلك خالصا له ويخلص قلبك من التوجه إلى غيره. وأشار ابن جرير رحمه الله إلى أن قوله ((تبتيلا)) ليست مصدر ((تَبَتَّلْ)) وإنما هى في الآية مصدر لفعل محذوف مرتب على («تَبَثَّلْ)) أي فَيُبَتِّلُكَ ، يعنى تَبَتَّل إليه تَبْتُلًا ، فيبتلك تبتيلا . والصدقة البَتْلة أى المنقطعة عن الملك ، ومريم البتول لانقطاعها عن التزويج إلى العبادة ، وفاطمة الزهراء يقال لها البتول أى لانقطاعها عن نظائرها في الحسن والشرف فكلهن دونها رضي الله عنها . نهياشديدا : أى حذر عنه تحذيرا مؤكدا بالغا . ويقول: أى وكان رسول الله عَ لّه يقول. الْوَدُود : أى التي تتحبب إلى زوجها وأهلها المحبوبة بكثرة ماهي عليه من خصال الخير والبر وحسن الخلق . (١٩٠) الوَلُود : أى كثيرة الولادة والإنجاب ، ويعرف ذلك عادة في البكر بحال أمها وقرابتها . مكاثر بكم الأمم : أصل المكاثرة المفاخرة بالكثرة وأمة رسول الله عَّ له هى أكثر الأمم يوم القيامة . وله شاهد : أى ولحديث أنس شاهد يعضده ويقويه . معقل بن يسار : هو معقل بن يسار بن عبدالله بن مُعَبِّر بن حُرَّاق بن لأى بن كعب بن عبدبن ثور بن هُذْمة بن لاطم بن عثمان بن مزينة أبو عبدالله أو أبوعلى المزنى رضي الله عنه ، قد كان يوم الحديبية مع رسول الله عَوٍّ وهو يبايع الناس تحت الشجرة ومعقل بن يسار يرفع بيده غصنا من أغصان الشجرة عن رأس رسول الله عَ لّله وهو صاحب نهر معقل بالبصرة ، وقد أمره عمر بن الخطاب رضي الله عنه بحفره فحفره وقد ابتنى دارا بالبصرة، وتوفى بها أيام ولاية عبيدالله بن زياد في آخر خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم . البحث حديث أنس رضي الله عنه عند أحمد في سنده حفص بن عمر وفيه مقال ، قال الهيثمي : وبقية رجاله رجال الصحيح . وقد رواه الطبراني والبزار من طريق حفص بن عمر كذلك . أما الشاهد الذين أشار إليه المصنف . (١٩١) فقد أخرجه أبو داود والنسائى كلاهما من طريق المستلم بن سعيد عن منصور ابن زاذان عن معاوية بن قرة عن معقل بن يسار قال : جاء رجل إلى رسول الله عَ ◌ّةٍ فقال : إنى أصبت امرأة ذات حسب ومنصب ، إلا أنها لاتلد ، أفأتزوجها ؟ فنهاه ، ثم أتاه الثانية فنهاه ، ثم أتاه الثالثة فنهاه، وقال: ((تزوجوا الولود الودود فإنى مكاثر بكم)) والمستلم بن سعيد الثقفى الواسطى قال في التقريب : صدوق عابد ربما وهم . ومنصور بن زاذان من رجال الجماعة وكذلك معاوية بن قرة . قال البخاري في صحيحه : باب مايكره من التبتل والخصاء وساق هو ومسلم من طريق سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص قال : ردَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل ولو أذن له لاختصينا)) وفي لفظ لمسلم من طريق سعيد بن المسيب أنه سمع سعد ابن أبي وقاص يقول : أراد عثمان بن مظعون أن يتبتل فنهاه رسول الله مَّ اللّه ولو أجاز له ذلك لاختصينا)) وقد اشتهر عند الصحابة أن رسول الله عَلٍ كان يكره التبتل والانقطاع إلى العبادة وترك الطيبات من الحياة الدنيا فقد روى مسلم من طريق سعيد بن هشام أنه قدم المدينة فأراد أن يبيع عقاره فيجعله في سبيل الله ، ويجاهد الروم حتى يموت ، فلقى ناسا بالمدينة فنهوه عن ذلك وأخبروه أن رهطا ستة أرادوا ذلك في حياة رسول الله عَ ل فنهاهم فلما حدثوه ذلك راجع امرأته وكان قد طلقها . ويظهر أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه كان رأس هؤلاء الستة وأن قصته غير قصة الثلاثة الرهط الذين ورد ذكرهم في بحث (١٩٢) الحديث الثاني من أحاديث هذا الباب . مايستفاد من ذلك ١ - كراهية التبتل وترك االزواج للقادر عليه . ٢ - حرص الإسلام على أن لايترك الإِنسان طيبات الحياة الدنيا . ٣ - حرص الإسلام على تكثير النسل . ٤ - أن العمل على تحديد النسل ليس من هدى الإسلام . * * ٤ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عَ له قال: ((تُنْكَحُ المرأةُ لأربع : لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها . فاظفر بذات الدِّين تَرِبَتْ يداك )) متفق عليه مع بقية السبعة . المفردات تُنْكَحُ المرأةُ : أى يُرْغَبُ في الزواج منها . لأربع : أى لأجل أربع خصال وصفات . ولحسبها : بفتح الحاء والسين أى لشرفها والحسب في الأصل الشرف بالآباء وبالأقارب مأخوذ من الحساب لأنهم كانوا إذا تفاخروا عَدُّوا مناقبهم ومآثر آبائهم وقومهم وحسبوها فيحكم لمن زاد عدد مناقبه على غيره قال الحافظ في الفتح : وقيل المراد بالحسب هنا الفعال الحسنة . (١٩٣) ولدينها : أى ولمحافظتها على تعاليم دينها واستمساكها بشعاعر الإسلام فاظفر بذات الدين : أى فاحرص واجتهد في تحصيل الزوجة المتدينة الحريصة على العمل بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . تربت يداك : أى لصقتا بالتراب وهو كناية عن الفقر وهو خبر بمعنى الدعاء ولكن لايراد به حقيقته ، فهو يجري على على اللسان من غير قصد الدعاء : قال في المصباح قولهم تربت يداك كلمة جاءت في كلام العرب على صورة الدعاء ولايراد بها الدعاء بل يراد بها الحث والتحريص اهـ . وقيل معناه : إذا لم تحرص على ذات الدين تربت يداك ، فيكون دعاء على من لم يحرص على الزواج بذات الدين . متفق عليه مع بقية السبعة : يعني أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وأبوداود والنسائي والترمذي وابن ماجه . البحث هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما باللفظ المذكور وأخرجه مسلم من طريق عطاء عن جابر بدون ذكر الحسب وإنما اقتصر على الدين والمال والجمال ولفظه قال : تزوجت امرأة في عهد رسول الله عَّه فلقيت النبى عَ لِ فقال: ((ياجابر تزوجت؟)) قلت : نعم. قال: بِكِرُّ أم ثَيِّب؟)) قلت: ثيب. قال: ((فهلا بِكْرًا تلاعبها ؟)) (١٩٤) قلت : يارسول الله إن لي أخواتٍ فخشيتُ أن تَدْخُل بيني وبينهن . قال: ((فَذَاكَ إِذن ، إن المرأة تنكح على دينها ومالها وجمالها ، فعليك بذات الدين تربت يداك)) قال الحافظ في الفتح : قال القرطبي : معنى الحديث أن هذه الخصال الأربع هى التي يُرْغَبُ في نكاح المرأة لأجلها فهو خبر عما في الوجود من ذلك لا أنه وقع الأمر بذلك بل ظاهره إباحة النكاح لقصد كُلُّ من ذلك لكن قصد الدين أولى اهـ . مايفيده الحديث ١ - الترغيب في نكاح المرأة المحافظة على دينها . ٢ - أنه لاينبغى للرجل أن يكون كل حرصه أن يتزوج المرأة الجميلة ولو لم تكن متدينة . ٣ - حرص الإسلام على بناء الأسرة الصالحة . * ٥ - وعنه رضي الله عنه أن النبي عَ لّم كان إذا روا إنسانا إذا تزوج قال: ((بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير)) رواه أحمد والأربعة ، وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان . المفردات وعنه : أى وعن أبي هريرة رضي الله عنه. كان إذا رفأ إنسانا إذا تزوج : أصل الرفاء الالتئام والاتفاق وحسن العشرة ومنه رفأ الثوب إذا أصلحه وكان أهل الجاهلية يقولون للمتزوج : بالرفاء والبنين . أى يتمنون له زواجا (١٩٥) مصاحبا لحسن العشرة والموافقة وإنجاب الأولاد الذكور فغيَّر رسولُ الله عَ لّله أسلوب الجاهلية واستبدله بالدعاء بالبركة للزوجين والجمع بينهما في خير . كما غيَّر ماكان عليه الجاهليون من تحايا كأنعم صباحا وعِمْ مساء بالسلام الذي هو تحية أهل الإسلام . وجمع بينكما : أي بينك وبين زوجك . في خير: أى في سرور ونماء ورفاهية وسعادة . البحث روى مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه قال : قال لى رسول الله عَلِ: تزوجتَ؟)) قلتُ: نعم. قال: ((بارك الله لك)) وقال البخاري في صحيحه: باب كيف يُدْعَى للمتزوج ، وساق من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي عَ ◌ّه رأى على عبدالرحمن بن عوف أَثَرَ صُفْرَةٍ فقال: ((ماهذا ؟)) قال: إنى تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب، قال: ((بارك الله لك . أَولِمْ ولو بشاة)) قال الحافظ في الفتح : قال ابن بطال : إنما أراد بهذا الباب والله أعلم ردَّ قول العامة عند العرس : بالرفاء والبنين . وقد ساق الحافظ. في الفتح حديث الباب ثم قال: وقوله ((رفأ )) بفتح الراء وتشديد الفاء مهموز معناه دَعَا لَّهُ في موضع قولهم : بالرفاء والبنين . وكانت كلمة تقولها أهل الجاهلية فورد النهي عنها كما روى بقى بن مخلد من طريق غالب عن الحسن عن رجل من بني تميم قال : كنا نقول في الجاهلية (١٩٦) بالرفاء والبنين فلما جاء الإِسلام عَلَّمَنَا نبيُّنا قال: ((قولوا : بارك الله لكم وبارك فيكم وبارك عليكم)» وأخرج النسائى والطبراني من طريق أخرى عن الحسن عن عقيل بن أبي طالب أنه قدم البصرة فتزوج امرأة فقالوا له : بالرفاء والبنين فقال : لا تقولوا هكذا وقولوا كما قال رسول الله عَدٍ: ((اللهم بارك لهم وبارك عليهم)) ورجاله ثقات إلا أن الحسن لم يسمع من عقيل فيما يقال . ودل حديث أبي هريرة على أن اللفظ كان مشهورا عندهم غالبا حتى سمى كل دعاء للمتزوج ترفئة واختلف في علة النهى عن ذلك فقيل: لأنه لَا حَمْدَ فيه ولا ثناء ولا ذكر الله ، وقيل: لما فيه من الإشارة إلى بغض البنات لتخصيص البنين بالذكر اهـ ثم نقل الحافظ عن ابن المنير قال: الذي يظهر أنه معَ ◌ّه كره اللفظ لما فيه من موافقة أهل الجاهلية اهـ . مايستفاد من ذلك ١ - استحباب الدعاء للمتزوج بأن يبارك الله له وأن يبارك عليه وأن يجمع بينهما في خير . ٢ - أن قولهم للمتزوج : بالرفاء والبنين هو من ألفاظ أهل الجاهلية المكروهة . ٦ - وعن عبدالله ابن مسعود رضي الله عنه قال: علمنا رسولُ الله عَبدِ التشهد في الحاجة ((إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي (١٩٧) له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله)) ويقرأ ثلاث آيات . رواه أحمد والأربعة وحسّنه الترمذي والحاكم . المفردات التشهد في الحاجة : أى الخُطبة في الحاجة كالنكاح وغيره وسميت الخطبة تَشَهُّداً لأنه يبدأ فيها بعد الحمد والثناء بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. ونستعينه : أى ونطلب العون منه وحده جل وعلا . ونعوذ بالله : أى ونستجير بالله . من شرور أنفسنا : أى مما قد تجلبه علينا نفوسنا من الشر والأذى . من يهد الله : أى من يوفقه الله تعالى للخير وسبيل الرشاد ويسدده ويسلك به الصراط المستقيم . فلا مضل له : أى فلا صارف له عن طريق الهدى . ومن يضلل : أى ومن يخذله الله ويتركه لتدبير نفسه أو غيره من دون الله ويصرفه عن طريق طاعته . فلا هادي له : أى فلن يجد من يَدُلَّه على الصراط المستقيم . ويقرأ ثلاث آيات: قيل: هى قوله تعالى: ﴿ ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾ إلى قوله : رقيبا﴾ والثانية هى قوله تعالى: ﴿ ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم (١٩٨) مسلمون﴾ والثالثة هى قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا) إلى قوله عظيما البحث قال الحافظ في تلخيص الحبير : حديث ابن مسعود موقوفا ومرفوعا : ((إذا أراد أحدكم أن يخطب لحاجة من النكاح أوغيره فليقل : الحمد لله نحمده ونستعينه - الحديث - وفيه الآيات . البيهقي من حديث أبي داود الطيالسي عن شعبة نا أبو إسحاق سمعت أبا عبيدة بن عبدالله يحدث عن أبيه قال: علمنا رسول الله عَّه خطبة الحاجة: الحمد لله أو إن الحمد لله نستعينه ونستغفره. فذكره. وفي آخره : قال شعبة : قلت لأبي إسحاق : هذه في خطبة النكاح أو في غيرها؟ قال : في كل حاجة ، ولفظ ابن ماجه في أول هذا الحديث من هذا الوجه : إن رسول الله عَ ل أوتى جوامع الخير وخواتيمه فعلمنا خُطبة الصلاة، وخطبة الحاجة ، فذكر خطبة الصلاة ثم خطبة الحاجة ، ورواه أبو داود والنسائى والترمذي والحاكم . وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه . إلا أن الحاكم رواه من طريق أخرى عن قتادة عن عبد ربه عن أبي عياض عن ابن مسعود ، وليس فيه الآيات ، ورواه أيضا من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص وأبي عبيدة أن عبدالله قال فذكر نحوه، ورواه البيهقي من حديث: واصل الأحدب عن شقيق عن ابن مسعود بتمامه (تنبيه) الرواية الموقوفة رواها أبو داود والنسائى أيضا من هذا الوجه اهـ. (١٩٩) ٧ - وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَل: ((إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى مايدعوه إلى نكاحها فليفعل )) رواه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات ، وصححه الحاكم ، وله شاهد عند الترمذي والنسائى عن المغيرة ، وعند ابن ماجه وابن حبان من حديث محمد بن مَسْلَمَةَ، ولمسلم عن أبي هريرة أن النبي عَّةٍ قال الرجل تَزَوَّجَ امرأةً: ((أَنْظَرتَ إليها)) قال: لا . قال : (( اذهب فانظر إليها)). المفردات إذا خطب أحدكم المرأة : أى إذا رغب أحدكم في خِطْبَة المرأة ، والخطبة بكسر الخاء هى ذكر المرأة وإبداء الرغبة في الزواج منها . فإن استطاع : أى فإن تمكن وقَدَرَ . أن ينظر منها: أى أن يرى ويُبْصِرَ من المرأة التي يرغب في خِطْبَتها للزواج منها . إلى مايدعوه إلى نكاحها : أى إلى ما يُرَغَبُهُ في الزواج منها . فليفعل : أى فلينظر إلى ما يدعوه ويرغبه في الزواج منها . وله : أى ولحديث جابر رضي الله عنه . عن المغيرة : أى من طريق المغيرة بن شعبة رضي الله عنه. وعند ابن ماجه الح : أى ولحديث جابر شاهد آخر عند ابن ماجه (٢٠٠)