Indexed OCR Text

Pages 101-120

فأفاض إلى البيت : أى سار من منى إلى مكة فطاف طواف
الإِفاضة بالبيت العتيق . وهذا الطاف ركن من
أركان الحج .
البحث
قال مسلم في صحيحه : حدثنا أبوبكر بن أبي شيبة وإسحاق
ابن إبراهيم جميعا عن حاتم قال أبوبكر : حدثنا حاتم بن إسماعيل
المدني عن جعفر بن محمد عن أبيه قال : دخلنا على جابر بن
عبدالله فسأل عن القوم حتى انتهى إلَّ ، فقلت : أنا محمد بن علي
ابن حسين فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زِرِّي الأعلى ثم نزع زِرِّى
الأسفل ثم وضع كفّه بين شَدْنَيَّ وأنا يومئذ غلام شابٌّ فقال :
مرحبا بك ياابن أخي سَلْ عما شئت فسألته - وهو أعمى وحضر
وقت الصلاة فقام في نِساجةٍ مُلْتَحِفاً بها ، كلما وضعها على
مَنْكِبِه رجع طرفاها إليه من صغرها ، ورداؤه إلى جنبه على
المِشجَب فصلى بنا - فقلت أخبرني عن حَجَّة رسول الله عَّةٍ،
س الته مكث تسع
فقال بيده فعقد تسعاً فقال: إن رسول الله عَّ
سنين لم يحج، ثم أذَّن في الناس في العاشرة أن رسول الله عد اله
حاجّ ، فقدم المدينة بشرٌ كثير كلُّهم يلتمس أن يأتَمَّ برسول الله
عَّةٍ، ويعمل مثل عمَلِه ، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة ،
فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر ، فأرسلَتْ إلى رسول
الله عَ لَّه: كيف أصنع؟ قال: ((اغتسلي ، واستثفري بثوب،
(١٠١)

وأحرمي)) فصلى رسول الله عَ ◌ّه في المسجد ثم ركب القصواء
حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نَظَرتُ إلى مد بصري بين
يديه من راكبٍ وماشٍ ، وعن يمينه مثل ذلك ، وعن يساره مِثل
ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله عَلٍ بين أظهرنا ،
وعليه ينزل القرآن ، وهو يعرف تأويلَه ، وما عمل به من
شَ عَمِلْنا بِهِ ، فأَهَلَّ بالتوحيد ((لبيك اللهم لبيك، لبيك لاشريك
لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لاشريك لك )» وأهل
الناسُ بهذا الذي يُهِلُّون به، فلم يَرُدَّ رسول الله عَّ ◌َلمِ شيئا منه،
ولزِم رسول الله عَ تلبيته. قال جابر رضي الله عنه: لَسنا
تَنْوِي إلا الحجَّ ، لَسْنَا نعرف العمرة ، حتى إذا أتينا البيتَ معه
استلم الركن ، فَرَمَلَ ثلاثا ، ومشَى أربعا ، ثم نَفذَ إلى مقام إبراهيم
عليه السلام فقرأ: ﴿واتَّخذوا من مقام إبراهيم مصلَّى﴾ فجعل
المقام بينه وبين البيت (( فكان أبي يقول : ولاأعلمه ذكره إلا عن
النبي عَِّ)) كان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد وقل يا أيها
الكافرون ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا
فلما دنا من الصفا قرأ: ((إن الصفا والمروة من شعائر الله )) أبدأ
بما بدأ الله به ، فبدأ بالصفا فَرَقِيَ عليه ، حتى رأى البيت ،
فاستقبل القبلة، فوحَّد الله ، وكبَّره، وقال لا إله إلا الله وحده
لاشريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير ، لا إله
إلا الله وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ،
(١٠٢)

ثم دعا بين ذلك ، قال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل إلى المروة ،
حتى إذا انصَبَّتْ قَدَمَاه في بطن الوادى سَعى حتى إذا صَعِدَتا
مشَى حتى أتى المروة ففَعَل على المروة كما فعل على الصفا ، حتى
إذا كان آخِرِ طوافِهِ على المروة فقال: ((لو أُنى استقْبَلْتُ من أمري
ما استدبرت لم أسق الهدي ، وجعلتها عمرة ، فمن كان منكم ليس
معه هَذْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْها عمرةً ، فقام سراقة بن مالك بن
جُعْشُمٍ فقال : يارسول الله : ألِعَامِنَا هذا ؟ أم لِأَبَدٍ ؟ فشَبَّك
رسول الله عَ﴾ أصابعه واحدة في الأخرى وقال: ((دخلت
العمرة في الحج، مرتين ، لا بل لِأبدٍ أَبَدٍ )) وقدم عليٍّ من اليمن
◌ُبُدْن النبي عَّهُ فوجد فاطمة رضي الله عنها ممَّن حَلَّ، ولبِسَتْ
ثيابا صبِيغًا ، واكتَحَلَتْ فأنكر ذلك عليها ، فقالت : إن أبي أمرني
بهذا ، قال : فكان علي يقول بالعراق : فذهبت إلى رسول الله
عَّلِ مُحَرِّشاً على فاطمة للذي صَنَعَتْ مستَفْتِيأْ لرسول الله صلى
الله عليه وسلم فيما ذكرتْ عنه، فأخبرتُه أني أُنكرتُ ذلك
عليها، فقال : ((صدقتْ صَدَقَتْ، ماذا. قلتَ حين فَرَضت
الحج ؟ ((قال: ((قلت: اللهم إنى أهل بما أهل به رسولُك))
قال ((فإن معي الهدى فلا تحل)) قال : فكان جماعة اهدى الذي
قدم به على من اليمن، والذي أَتَّى به النبي عَ ◌ّمِ مائةً، قال:
فحل الناس كلهم وقصَّروا إلا النبي عَِّ ومن كان معه هدى ،
فلما كان يوم التروية توجّهوا إلى منى ، فأهلوا بالحج ، وركب
(١٠٣)

رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم الظهر والعصر والمغرب
والعشاء والفجر ، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس وأمرَ بِقُبَّةٍ
من شَعَرٍ تُضَرَبُ له بِنَمِرَة، فسار رسول الله عَّةٍ ولا تشك
قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام ، كما كانت قريش تصنع في
الجاهلية، فأجاز رسول الله عَ له حتى أتى عرفة ، فوجد القبة قد
ضُرِبتْ له بنمرة ، فنزل بها ، حتى إذا زاغت الشمس أمر
بالقصواء فَرُحِلَت له ، فأتى بطن الوادي ، فخطب الناس ،
وقال: ((إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا
في شهركم هذا في بلدكم هذا ، ألا كل شئ من أمر الجاهلية تحت
قَدَمَيَّ موضوع ، ودماء الجاهية موضوعة ، وإن أول دم أضع من
دمائنا دَم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بنى سعد فقتلته
هُذَيْلٌ ، ورِبَا الجاهلية موضوع ، وأول رِباً نضع ربانا رِبًا عباس
ابن عبدالمطلب فإنه موضوع كله ، فاتقوا الله في النساء ، فإنكم
أخذتموهن بأمان الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن
أن لا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحدا تكرهونه ، فإن فَعَلْن ذلك فاضْرِبُوهن
ضربا غير مُبَرِّج ، ولهنَّ عليكم رزقُهن وكِسوتهن بالمعروف ، وقد
تركتُ فيكم مالَن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله ، وأنتم
تُسألون عني فما أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أنك قد بلَّغت ،
وأَدَّيتَ ، ونصحتَ ، فقال بإصبعه السبَّابة يرفعها إلى السماء
ويَنكتُها إلى الناس: ((اللهم اشهد، اللهم اشْهَدْ)) ثلاث مرَّات ،
(١٠٤)

ثم أَذِّن ثم أقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ولم يصل
بينهما شيئا ثم ركب رسول الله عَ ل حتى أتي الموقف فجعل بطن
ناقته القصواء إلى الصخرات ، وجعل حَبْلَ المشاة بين يديه ،
واستقبل القبلة ، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس ، وذهبت
الصفرة قليلا حتى غاب القرص ، وأردف أسامة خلفه ودفع رسول
الله عَّلِ، وقد شَنَقَ للقصواء الزمام ، حتى إن رأسها ليصيب
مَورِك رحله ، ويقول بيده اليمنى : أيها الناس السكينة السكينة ،
كُلَّما أتى حَبْلا من الحبال أرخَى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى
المزدلفة ، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ، ولم
يُسَبِّح بينهما شيئا ، ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم
حتى طلع الفجر ، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة
ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه
وكَبَّره وهَلَّله ووَخَّدَه ، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل
أن تطلع الشمس ، وأردف الفضل بن عباس ، وكان رجلا حَسَنَ
الشَّعر، أبيض وسيما، فلما دفع رسول الله عَ ◌ّه مَرَّتْ به ظُعْنٌ
يَجْرِينَ، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله عَ المه يده
على وجه الفضل ، فحوَّل الفضل وجهه إلى الشِّق الآخر ينظر
فحول رسول الله عَ لَّم يده من الشق الآخر على وجه الفضل
يصرف وجهه من الشق الآخر حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا ،
ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى
(١٠٥)

الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة
منها مثل حصى الخذف . رمى من بطن الوادى ، ثم انصرف إلى
المنحر فنحر ثلاثا وستين بيده ثم أعطى عليًّا فتَحَرَ ماغبر ، وأشركه
في هديه ، ثم أمر من كل بَدَنَة بَبَضْعَة فجعلت في قِدر ،
فَطُبِخَت ، فأكلا من لحمها ، وشربا من مرقها ، ثم ركب
رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت ، فصلى بمكة
الظهر ، فأتى بني عبدالمطلب يسقون على زمزم فقال: ((انزعوا بني
عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم ))
فَتَاوَلُوهِ دَلْوًا فشرب منه)) ولاشك أن هذا الحديث أصل عظيم من
الأصول التي وصفت حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن
كان قد ترك أشياء كصفة حلق رأسه صلى الله عليه وسلم بعد
النحر ، وعودته إلى منى ، وبقية أعمال أيام التشريق . قال
النووي : هو حديث عظيم مشتمل على جُمَّل من الفوائد
ونفائس من مهمات القواعد . وقال القاضي عياض : قد تكلم
الناس على مافيه من الفقه وأكثروا، وصنف فيه أبوبكر بن المنذر
جزءا كبيرا أخرج فيه من الفقه مائة ونيفا وخمسين نوعا . قال
ولو تقصى لزيد على هذا العدد اهـ هذا وقد جاء في هذا الحديث :
فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر . وقد روى مسلم من
حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض يوم
النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى)) فحمل بعض أهل العلم
(١٠٦)

حديث ابن عمر على أن رسول الله عَّ الله أعاد صلاة الظهر بمنى
بعد أن صلاها بالمسجد الحرام . وفي هذا التأويل عدم رد أحد
الحديثين وهما في صحيح مسلم . وعلى كل حال فحديث جابر
أشبه لفضل الصلاة في المسجد الحرام .
مایفیده الحدیث
١ - استحباب الاغتسال للإِحرام حتى للحائض والنفساء .
٢ - استحباب الإِحرام بعد صلاة .
٣ - وجوب الإِحرام من الميقات .
٤ - استحباب التلبية كلما ركب المحرم أو نزل أو علا جبلا
أو هبط واديا .
٥ - استحباب استلام الحجر الأسود عند بدء الطواف .
٦ - استحباب الهرولة في الأشواط الثلاثة الأول من طواف
القدوم أو العمرة .
٧ - استحباب المشى بدون هرولة في الأشواط الأربعة الأخرى
من هذا الطواف .
٨ - استحباب صلاة ركعتى الطواف خلف مقام إبراهيم .
٩ - استحباب الرجوع إلى الحجر الأسود واستلامه بعد صلاة
ركعتى الطواف .
١٠ - استحباب الخروج إلى الصفا من باب بنى مخزوم الذي
صار يسمى باب الصفا .
(١٠٧).

١١ - استحباب الصعود على الصفا واستقبال القبلة ورؤية
البيت وتكرير الدعاء بالمأثور عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم ثلاث مرات .
١٢ - وجوب البدء بالصفا في السعى بين الصفا والمروة .
١٣ - استحباب الهرولة بين الميلين الأخضرين (في بطن الوادى).
١٤ - استحباب الصعود على المروة إذا انتهى إليها، واستقبال
القبلة ورؤية البيت وتكرير الدعاء بالمأثور عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات .
١٥ - استحباب التوجه إلى منى في يوم التروية للمفردين
والقارنين والمتمتعين .
١٦ - مشروعية الركوب في التنقل للمشاعر .
١٧ - استحباب صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء
والفجر بمنى .
١٨ - استحباب التوجه من منى إلى عرفات بعد طلوع الشمس
يوم عرفة .
١٩ - مشروعية ضرب الخيام في المشاعر .
٢٠ - استحباب النزول بنمرة إلى وقت الزوال .
٢١ - خطبة الإِمام بعد زوال الشمس وصلاة الظهر والعصر
قصرا وجمعا في وقت الظهر بأذان واحد وإقامتين .
٢٢ - عدم مشروعية التنفل بين صلاتي الظهر والعصر
في يوم عرفة .
(١٠٨)

٢٣ - استحباب الوقوف عند الصخرات التي بأسفل
جبل الرحمة .
٢٤ - استحباب استقبال القبلة عند الوقوف بعرفة .
٢٥ - وجوب الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس
ومغيب القرص .
٢٦ - استحباب الإفاضة من عرفات بعد غروب الشمس .
٢٧ - استحباب عدم السرعة في السير من عرفة إلى مزدلفة
وأن يكون السير بسكينة ووقار .
٢٨ - استحباب الرفق بركوبة الإِنسان ولاسيما في الإِفاضة
من عرفات .
٢٩ - كراهية صلاة المغرب والعشاء قبل الوصول إلى مزدلفة.
٣٠ - الجمع بين صلاة المغرب والعشاء في مزدلفة وقت
الوصول إليها بأذان واحد وإقامتين .
٣١ - عدم مشروعية التنفل بين صلاتى المغرب
والعشاء بمزدلفة .
٣٢ - استحباب الاضطجاع بعد صلاة العشاء بمزدلفة.
٣٣ - استحباب المبادرة بصلاة الفجر بمزدلفة في أول وقتها
بأذان وإقامة .
٣٤ - استحباب الوقوف عند المشعر الحرام بعد صلاة الصبح
إلى قرب طلوع الشمس .
(١٠٩)

٣٥ - استحباب استقبال القبلة والدعاء والتكبير والتهليل عند
الوقوف بالمشعر الحرام .
٣٦ - استحباب الإفاضة من مزدلفة إلى منى قبل
طلوع الشمس .
٣٧ - استحباب الإسراع في وادى محسر .
٣٨ - استحباب سلوك أيسر الطرق الموصلة إلى جمرة العقبة
عند الوصول إلى منى .
٣٩ - وجوب رمى جمرة العقبة بسبع حصيات مثل حبة الباقلاء .
٤٠ - استحباب الرمى من بطن الوادى فتكون مكة عن يسار
الرامي ومنى عن يمينه .
٤١ - استحباب التكبير عند رمي الجمرة .
٤٢ - استحباب النحر لمن عليه النحر بعد رمى الجمرة
يوم النحر .
٤٣ - لا يجوز نحر الهدى للمتمتعين والقارنين قبل يوم النحر .
٤٤ - استحباب الإفاضة إلى البيت العتيق يوم النحر .
٤٥ - وجوب طواف الإفاضة وهو ركن من أركان الحج .
٢ - وعن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه
وسلم كان إذا فَرَغَ من تلبيته في حج أو عمرة سأل الله رضوانه والجنة
واستعاذ برحمته من النار)) رواه الشافعى بإسناد ضعيف .
(١١٠)

المفردات
إذا فَرَغ من تلبيته : يحتمل أنه إذا انتهى من كل تلبية
يلبيها ، ويحتمل أنه إذا انتهى من وقت التلبية بأن
وصل إلى جمرة العقبة في الحج مثلا .
رضوانه : أي رضاه
واستعاذ : استجار .
البحث
هذا الحديث قال عنه الحافظ في تلخيص الحبير : وفيه صالح بن
محمد بن أبي زائدة أبوداود الليثي وهو مدني ضعيف . وأما إبراهيم
ابن أبي يحي الراوى عنه فلم ينفرد به بل تابعه عليه عبدالله بن
عبدالله الأموي أخرجه البيهقي والدارقطني اهـ .
****
٣ - وعن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (( نحرت ههنا ومنى كلها منحر فانحروا في
رحالكم ، ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف ، ووقفت ههُنا
وجَمْع كلها موقف )) رواه مسلم
المفردات
تحرت : أصل النحر يكون بذبح البعير من لبته بطعته فيها
بالسكين. والذبح يكون لغير الإِبل ويكون بقطع
(١١١)

الحلقوم والمرئ والودجين .
ههنا : يعنى المكان الذي نحر فيه صلى الله عليه وسلم
بُدْنه يوم النحر بمنى .
ومنى كلها منحر : أى ويجوز النحر في سائر أمكنة منى يعنى
مالم يؤد إلى إيذاء المسلمين .
في رحالكم : أي في خيامكم ومنازلكم .
ووقفت ههنا : أي عند الصخرات التي بأسفل جبل الرحمة .
وعرفة كلها موقف : أى ويجوز الوقوف في أي مكان من
عرفات ولا يجوز الوقوف بِعُرَنَة وهي ليست من
عرفات كما أن مسجد نمرة به جزء ليس من عرفة.
ووقفت ههنا : أى عند المشعر الحرام بالمزدلفة
وجمع : أى المزدلفة
كلها موقف : أى يجوز الوقوف للدعاء والتكبير بعد صلاة
الصبح بمزدلفة في أي مكان منها .
البحث
قد أجمع علماء المسلمين على أن من وقف في أي جزء كان من
عرفات في وقت الوقوف فقد صح وقوفه وأدرك هذا الركن من
أركان الحج وقد روى ابن ماجه من حديث جابر بن عبدالله رضي
الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عرفة كلها
موقف ، وارتفعوا عن بطن عرنة)) قال الحافظ في تلخيص الحبير:
(١١٢)

وفي إسناده القاسم بن عبدالله بن عمر العمري كَذّبه أحمد ، ورواه
مالك في الموطأ بلاغا بهذا اللفظ اهـ على أن الإجماع منعقد على أنه
لا يجوز الوقوف ببطن عُرَنَة ، ولا بوادى نمرة . فهما ليستا من
عرفات ، ونمرة بين طرف الحرم وطرف عرفة ، وحديث الباب
شاهد قوي على أن بعض أفعال رسول الله عَةٍ في الحج وغيره
ليست للوجوب ، بل قد تكون لبيان الجواز وتكون للاستحباب ،
كما قد تكون للإيجاب .
مایفیده الحديث
١ - أنه يجوز أن تنحر الهدايا في أي مكان من منى .
ولا يختص النحر بمنحر رسول الله عَطي .
٢ - أنه يجوز الوقوف في أي جزء من عرفات ، ولا يختص
الوقوف بموقف رسول الله عَ له عند الصخرات.
٣ - أنه يجوز الوقوف بعد صلاة الصبح بالمزدلفة للدعاء
والتكبير في أي مكان منها ، ولا يختص الوقوف بالمشعر الحرام .
٤ - أن بعض أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم
ليست للوجوب .
٤ - وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي عَ له لما جاء إلى مكة
دخلها من أعلاها ، وخرج من أسفلها )) متفق عليه.
(١١٣)

المفردات
دخلها من أعلاها : أى من جهة كداء بفتح الكاف
والدال الممدودة بعدها همزة . ويقال لها :
الثنية العليا وهى التي تشرف على المعلاة والأبطح
وهي التي يقال لها الحَجون بفتح الحاء وضم الجيم
قال الحافظ في الفتح: وكانت صعبة المرتقى
فسهلها معاوية ثم عبدالملك ثم المهدي على ماذكره
الأزرقي . ثم سهل في عصرنا هذا منها سنة إحدى
عشرة وثمانمائة موضع ثم سهلت كلها في زمن
سلطان مصر الملك المؤيد في حدود العشرين
وثمانمائة . اهـ وقد سهلها أكثر ووسعها آل سعود
في عصر الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله .
وخرج من أسفلها : أي من كُدًا بضم الكاف والقصر . ويقال
لها : الثنية السفلى ، وهي عند باب الشبيكة بقرب
شعب الشاميين من ناحية قُعَيقعَان . وفي مكة
موضع آخر يقال له كُدَىَّ بضم الكاف وفتح
الدال بعدها ياء على التصغير يخرج منه إلى
جهة اليمن قال الحافظ في الفتح : قال المحب
الطبري : حققه العذري عن أهل المعرفة بمكة
قال : وقد بنى عليها باب مكة الذي يدخل منه أهل اليمن اهـ.
(١١٤)

البحث
روى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن
رسول الله عَدٍ كان يدخل مكة من الثنية العليا ويخرج من الثنية
السفلى وفي لفظ للبخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن
صِّالله
رسول الله عَو ٣ دخل مكة من كَدَاء من الثنية العليا التي بالبطحاء
وخرج من الثنية السفلى )» وفي رواية للبخاري ومسلم واللفظ لمسلم
من حديث عائشة رضى الله عنها أن رسول الله عَ لٍ دخل عام
الفتح من كَدَاء من أعلى مكة . وقد قال البخارى : حدثنى محمود
حدثنا أبو أسامة حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى
الله عنها أن النبى عَ ل دخل عام الفتح من كَدَاء وخرج من كُدًّا
من أعلى مكة . قال الحافظ فى الفتح : كذا رواه أبو أسامة فقلبه
والصواب مارواه عمرو وحاتم عن هشام : دخل من كداء من أعلى
مكة : ثم ظهر لى أن الوهم فيه ممن دون أبى أسامة . فقد رواه
أحمد عن أبى أسامة على الصواب اهـ . وقد اختلف العلماء فى
سبب اختيار رسول الله عَو ◌ّ الدخول من أعلى مكة فقيل: لأنه
عَوّ خرج منها مختفيا فى الهجرة فأراد أن يدخلها ظاهرا عليّاً
وقيل : إن أبا سفيان بن حرب قال للعباس رضى الله عنه :
لاأسلم حتى أرى الخيل تطلع من كداء فقلت : ماهذا ? قال :
شىء طلع بقلبى ، وإن الله لايطلع الخيل هناك أبدا . قال العباس :
فذكَّرت أبا سفيان بذلك لما دخل . قال الحافظ فى الفتح
(١١٥)

سَ له لأبى بكر :
وللبيهقي من حديث ابن عمر قال : قال النبى
كيف قال حسان ? فأنشده :
عدمت بُنَيَّتِى إِنْ لم تَرَوها
تثيرُ النَّقْعَ مَطْلَعُهَا كَدَاءُ
فتبسم وقال: (( ادخلوها من حيث قال حسان))
وقد روى البخارى بسنده إلى هشام بن عروة قال : قال
هشام: وكان عروة يدخل من كلتيهما من كداء وكُدًا
وأكثر مايدخل من كداء اهـ
مايستفاد من ذلك .
١ - استحباب دخول مكة من كَدَاء إن تيسر ذلك .
٢ - استحباب الخروج من مكة من كُدًا إن تيسر ذلك .
٣ - لابأس بدخول مكة أو الخروج منها من أى جهة كانت .
٥ - وعن ابن عمر رضى الله عنهما أنه كان لايقدم مكة إلا
بات بذى طُوّى حتى يصبح ويغتسل ، ويذكر ذلك عن النبى
صلى الله عليه وسلم )) متفق عليه.
المفردات
بذى طُوِّى : بضم الطاء وتفتح وتكسر أيضا . وهو واد بقرب
مكة وهو المعروف بالزاهر وعنده بئر الزاهر .
(١١٦)

البحث
هذا الحديث أخرجه البخارى فى باب الإِهلال مستقبل القبلة من
طريق نافع قال : كان ابن عمر رضى الله عنهما إذا صلى بالغداة
بذى الحليفة أمر براحلته فَرُحِلَتْ ، ثم ركب فإذا استوت به
استقبل القبلة قائما ثم يلبى حتى يبلغ المحرم ثم يمسك حتى إذا جاء
ذا طُوَّى بات به حتى يصبح فإذا صلى الغداة اغتسل . وزعم أن
رسول الله عَو ◌ّ فعل ذلك. ثم أخرجه البخارى فى باب الاغتسال
عند دخول مكة من طريق نافع قال : كان ابن عمر رضى الله
عنهما إذا دخل أدنَى الحرم أمسك عن التلبية ثم يبيت بذى طوى
ثم يصلى به الصبح ويغتسل ، ويحدث أن نبى الله عَ ليه كان يفعل
ذلك . وقد أخرجه البخارى ومسلم واللفظ للبخارى عن نافع عن
ابن عمر رضى الله عنهما قال: بات النبى عَ لٍ بذى طوى حتى
أصبح ثم دخل مكة . وكان ابن عمر رضى الله عنهما يفعله . وفى
لفظ لمسلم من طريق نافع أن ابن عمر رضى الله عنهما كان لا يقْدَمُ
مکة إلا بات بذی طوی حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة نهارا
وَيَذْكُرُ عن النبى عَ لّ أنه فعله وفى لفظ لمسلم عن نافع أن عبد
الله حَدَّثَهُ أن رسول الله عَ لِ كان ينزل بذى طوى ويبيت به
حتى يصلى الصبح حين يَقْدَمُ مكة. ومُصَلَّى رسول الله عَِّ ذلك
على أكمة غليظة ليس فى المسجد الذى بُنِىَ ثَمَّ، ولكن أَسْفَلَ من
ذلك على أكمة غليظة . وهذا ظاهر فى أن رسول الله صلى الله
(١١٧)

عليه وسلم كان يحرص على دخول مكة نهارا . قال الحافظ في
الفتح : وأما الدخول ليلا فلم يقع منه صلى الله عليه وسلم إلا في
عمرة الجعرانة فإنه صلى الله عليه وسلم أحرم من الجعرانة ودخل
مكة ليلا فقضى أمر العمرة ثم رجع ليلا فأصبح بالجعرانة كبائت .
كما رواه أصحاب السنن الثلاثة من حديث مُحَرِّس الكعبي ،
وترجم عليه النسائي : دخول مكة ليلا اهـ وقد ترجم البخاري
فقال : باب دخول مكة نهارا أو ليلا )) وساق حديث ابن عمر مع
أنه لم يرد فيه الدخول ليلا .
مایفیده الحدیث
١ - استحباب دخول مكة نهارا .
٢ - استحباب الاغتسال قبل دخول مكة .
******
٦ - وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يُقَبِّل الحجر
الأسود ويسجد عليه . رواه الحاكم مرفوعا والبيهقي موقوفا
المفردات
ويسجد عليه : أي يضع جبهته عليه .
البحث
أشار الحافظ في تلخيص الحبير إلى أن الشافعي والبيهقي أخرجا
هذا الحديث موقوفا قال : ورواه الحاكم والبيهقي من حديث ابن
(١١٨)

عباس قال : رأيتُ النبي عَّ الله - فذكره مرفوعا ورواه أبوداود
الطيالسي والدارمي وابن خزيمة وأبوبكر البزار وأبو علي بن السكن
والبيهقي من حديث جعفر بن عبدالله قال ابن السكن : رجل من
بني حميد من قريش حميدي ، وقال البزار : مخزومي وقال الحاكم :
هو ابن الحكم عن محمد بن عباد بن جعفر قال : رأيت محمد بن
عباد بن جعفر قبَّل الحجر وسجد عليه ، ثم قال : رأيت خالك
ابن عباس يقبله ويسجد عليه ، وقال ابن عباس : رأيت عمر بن
الخطاب يقبله ويسجد عليه ، ثم قال رأيت رسول الله صلى الله
عليه وسلم فعل . هذا هو لفظ الحاكم ووهم في قوله : إن جعفر
ابن عبدالله هو ابن الحكم فقد نص العقيلي على أنه غيره وقال في
هذا : في حديثه وهم واضطراب اهـ وقول الصنعاني في سبل
السلام : وحديث عمر في صحيح مسلم أنه قبَّل الحجر والتزمه
وقال: رأيت رسول الله عَيْدٍ بك حفيا)) يؤيد هذا فيه نظر لأنه
لا يلزم من التزام الحجر الأسود السجود عليه ، بل المراد من التزامه
أنه قبله وأطال في تقبيله وقرب صدره منه كأنه اعتنقه . لا أنه
وضع جبهته عليه . على أن مسلما رحمه الله قال بعد أن أخرجه :
وحدثنيه محمد بن المثنى حدثنا عبدالرحمن عن سفيان بهذا الإسناد
قال: ولكنى رأيت أبا القاسم عَ لَّه بك حفياً ولم يقل : والتزمه،
على أن تقبيل الحجر الأسود دون زيادة في ذلك هو السنة الثابتة
عن رسول الله عَةٍ وخلفائه الراشدين وبالأخص عمر بن
(١١٩)

الخطاب رضي الله عنه فقد روى البخاري في صحيحه من حديث
زيد بن أسلم عن أبيه قال : رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه
قبل الحجر وقال : لولا أني رأيت رسول الله قبَّلَكَ ماقبَّلْتُك.
وفي لفظ للبخاري من حديث عابس بن ربيعة عن عمر رضي الله
عنه أنه جاء إلى الحجر الأسود فقَبَّله فقال : إنى أعلم أنك حجر
لاتضر ولاتنفع ولولا أني رأيت رسول الله عَ لّه يقبلك ما قبَّلْتُك.
كما روى مسلم من حديث سالم أن أباه حدثه قال : قبَّل عمر بن
الخطاب الحجر ثم قال : أما والله لقد علمت أنك حجر ولولا أني
رأيت رسول الله عَ لم يقبلك ماقبلتك. وفي لفظ لمسلم من
حديث نافع عن ابن عمر أن عمر قبَّل الحجر وقال : إني لأقبِّلك
وإنى لأعلم أنك حجر، ولكني رأيت رسول الله عَ لّه يقبلك))
وفي لفظ لمسلم من حديث عبدالله بن سَرجِسَ قال : رأيت
الأصلع (يعني عمر بن الخطاب) يقبل الحجر الأسود ويقول :
والله إنى لأقبلك ، وإنى أعلم أنك حجر ، وأنك لاتضر ولا تنفع
ولولا أني رأيت رسول الله عَ لَه قبلك ماقبلتك . وفي لفظ لمسلم
من حديث عابس بن ربيعة قال : رأيت عمر يقبل الحجر ويقول :.
إنى لأقبلك، وأعلم أنك حجر، ولولا أني رأيت رسول الله عَ ليه
يقبلك لم أقبِّلْك .
٤
قال الحافظ في فتح الباري : (فائدة) في البيت أربعة أركان .
الأول له فضيلتان : كون الحجر الأسود فيه وكونه على قواعد
(١٢٠)