Indexed OCR Text

Pages 141-160

أنه أمسك الشيطان ثلاث ليال وهو يأخذ من التمر ، فدل على أنهم
كانوا يعجلونها وعكسه الجوزقي فاستدل به على جواز تأخيرها عن
يوم الفطر وهو محتمل للأمرين اهـ وظاهر الحديث يشعر بوجوب
إخراجها قبل صلاة العيد لتكون عند من يتولى توزيعها على
المساكين .
(١٤١)

باب صدقة التطوع
١ - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عَ لَّهُه قال سبعة
يظلهم الله في ظله يوم لاظل إلا ظله)) فذكر الحديث وفيه : ورجل
تصدق بصدقة فأخفاها حتى لاتعلم شماله ماتنفق يمينه )) متفق عليه .
المفردات
سبعة : أى سبعة أنواع من الناس .
يظلهم الله : أى يدفع عنهم حرارة الشمس يوم تدنومن رءوس
الخلائق عند الحشر .
في ظله : أى في ظل عرشه كما جاء في لفظ حديث سلمان
رضي الله عنه عند سعيد بن منصور بإسناد
حسن ((سبعة يظلهم الله في ظل عرشه)) فهم
في كنف الله وكرامته قبل دخول الجنة .
فأخفاها : أى فأسرها عند إخراجها إمعانا في دفع الرياء
وصيانة لكرامة المتعدق عليه .
البحث
أخرج البخاري ومسلم هذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله
عنه عن النبي عَ لِ قال: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لاظل إلا
ظله ، الإِمام العادل ، وشاب نشأ في عبادة ربه ، ورجل قلبه
معلق في المساجد ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا
(١٤٢)

عليه ، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال : إني أخاف الله ،
ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لاتعلم شماله ماتنفق يمينه)) وليس
هذا الفضل محصورا في هذه السبعة فقد روى مسلم في صحيحه من
حديث أبي اليسر رضي الله عنه قال : أشهد بَصْرُ عيني هاتين ووضع
إصبعيه على عينيه وسَمعُ أَذْنَيَّ هاتين ووعاه قلبي هذا - وأشار إلى
مناط قلبه - رسول الله عَ ◌ّةٍ وهو يقول : من أنظر معسرا أو وضع
عنه أظله الله في ظله )) فالعدد في حديث الباب لامفهوم له ، وقد ذكر
الحافظ في الفتح أنه تتبعها فأبلغها إلى ثمان وعشرين خصلة وألف فيها
رسالة سماها (معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال) وأوصلها السيوطي
إلى سبعين خصلة وألف فيها رسالة سماها (بزوغ الهلال في الخصال
المقتضية للظلال) ولكن أكثر ماذكر ابن حجر والسيوطي لايعتمد على
حديث صحيح. أما قول رسول الله عَ لٍ: ورجل تصدق بصدقة إلخ
فقد أشار الحافظ في فتح الباري إلى أن المرأة تشارك الرجل في هذه
الخصال إلا الإِمامة وتعلق القلب بالمساجد لأن صلاتها في بيتها أفضل
قال : وماعدا ذلك فالمشاركة حاصلة لهن حتى الرجل الذي دعته
المرأة فإنه يتصور في امرأة دعاها ملك جميل مثلا فامتنعت خوفا من الله
مع حاجتها اهـ وإخفاء صدقة التطوع أفضل من اعلانها كما أن إعلان
الزكاة المفروضة أفضل من إخفائها إلا أن يخاف على نفسه من إعلانها
الرياء قال تعالى: ﴿ إن تبدو الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها
الفقراء فهو خيرلكم
(١٤٣)

مايفيده الحديث
١ - صدقة التطوع من أعظم القربات .
٢ - يستحب إخفاء صدقة التطوع .
٢ - وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت
رسول الله صلى عليه وسلم يقول : كل امرئ في ظل صدقته
حتى يفصل بين الناس )) رواه ابن حبان والحاكم .
المفردات
كل امرئ : أى كل إنسان .
في ظل صدقته : أى تدفع عنه صدقته حرارة الموقف يوم القيامة
حتى يفصل : أى حتى يقضى .
البحث
لقد أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن الصدقة تستر
عن وجه وصاحبها النار يوم القيامة فقد روى البخاري ومسلم في
صحيحيهما من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مامنكم من أحد إلا
سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا
ماقدم ، فينظر أشأم منه فلا يرى إلا ماقدم ، فينظر بين يديه
فلايرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة )) وفي
(١٤٤)
٠

:
رواية ((من استطاع منكم ان يستتر من النار ولوبشق تمرة فليفعل))
وروى أحمد بسند صحيح من حديث عبد الله بن مسعود أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ليق أحدكم وجهه النار ولو
بشق تمرة)) أما حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه هذا فقد رواه
أحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال : صحيح على شرط
مسلم من طريق يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير مرثد بن عبدالله
اليزني عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول : كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضى
بين الناس)) قال يزيد : فكان أبو الخير مرثد لا يخطئه يوم إِلا تصدق
فيه بشئ ولو بكعكة أو بصلة )) وفي رواية لابن خزيمة أيضا عن
يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبدالله اليزني أنه كان أول أهل
مصر يروح إلى المسجد ، وما رأيته داخلا المسجد قط إلا وفي
كمه صدقة : إما فلوس ، وإما خبز ، وإما قمح قال : حتى ربما
رأيت البصل يحمله ، قال : فأقول : ياأبا الخير إن هذا ينتن ثيابك ،
قال : فيقول ياابن أبي حبيب أما إني لم أجد في البيت شيئا أتصدق
به غيره ، إنه حدثنى رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ظل المؤمن يوم
القيامة صدقته )) ويزيد بن أبي حبيب من رجال الشيخين ، وشيخه
مرثد من رجال الشيخين أيضا .
(١٤٥)

مايستفاد من ذلك
١ - عظيم فضل الصدقة .
٢ - أن الصدقة تدفع النار عن وجه صاحبها يوم القيامة .
٣ - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال : أيما مسلم كسا مسلما ثوبا على عرى كساه الله
من خضر الجنة ، وأيما مسلم أطعم مسلما على جوع أطعمه الله
من ثمار الجنة ، وأيما مسلم سقى مسلما على ظماً سقاه الله من
الرحيق المختوم)) رواه أبوداود وفي إسناده لين .
المفردات
ظمأ : عطش .
الرحيق المختوم : اسم من أسماء الخمر ويطلق على الخالص من الشراب
الذي لاغش فيه. والمختوم : المصون والمراد خمر الجنة.
البحث
قال أبوداود : حدثنا علي بن الحسين ثنا أبوبدر ثنا أبو خالد
الذي كان ينزل في بنى دالان عن نبيح عن أبي سعيد رضي الله
عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أيما مسلم. الحديث . وفي
سنده. أبو خالد الدالاني الأسدي الكوفي واسمه يزيد بن عبدالرحمن
قال الحافظ في التقريب : صدوق يخطئ كثيرا وكان يدلس اهـ وهو
(١٤٦)

هنا قد عنعن ونقل الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب عن أحمد
ابن حنبل أنه قال : لابأس به وقال أبو إسحاق الحربي : وقال ابن
سعد منكر الحديث وقال ابن حبان في الضعفاء : كان كثير الخطأ
فاحش الوهم خالف الثقات في الروايات ثم قال : لا يجوز الاحتجاج
به إذا وافق فكيف إذا انفرد بالمعضلات وذكره الكرابيسي في
المدلسين وقال الحاكم: إن الأئمة المتقدمين شهدوا له بالصدق
والإتقان وقال ابن عبدالبر : ليس بحجة اهـ .
أما شيخه نبيح بنون مضمومة فباء مفتوحة فياء ساكنة بعدها
حاء مهملة فهو ابن عبدالله العنزي أبوعمرو الكوفي قال الحافظ في
التقريب : مقبول وقد نقل توثيقه عن أبي زرعة وابن حبان
والعجلي وذكره علي بن المديني في جملة المجهولين وقد
صحف فقيل : فليح .
*
٤ - وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال : اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول ،
وخير الصدقة ماكان عن ظهر غنى ، ومن يستعفف يعفه الله ،
ومن يستغن يغنه الله)) متفق عليه واللفظ للبخاري .
المفردات
اليد العليا : هى اليد التي تعطى وقيل يد المتعفف .
(١٤٧)

واليد السفلى : هي اليد السائلة الآخذة .
وابدأ بمن تعول : أى ابدأ في الانفاق بمن يجب عليك أن تمونه
من أهلك وعيالك .
ما كان عن ظهرغنى : أى ماكان المتصدق به غير محتاج لسداد
دين عن نفسه أو نفقة لازمة لعياله وأهله .
ومن يستعفف : أى لايسأل الناس حتى يحسبه الجاهل غنيا.
يعفه الله : أى يحفظ عليه عفته وييسر له حاجته .
يستغن : أى يقطع الطمع من نفسه .
يغنه الله : أى يسد حاجته ويقنعه .
البحث
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث حكيم بن
حزام رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم
فأعطاني ، ثم سألته فأعطاني ، ثم سألته فأعطاني ثم قال : ياحكيم
إن هذا المال خضر حلو ، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ،
ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه ، وكان کالذي يأكل
ولا يشبع ، واليد العليا خير من اليد السفلى)) قال حكيم : فقلت
يارسول الله والذي بعثك بالحق لاأرزاً أحدا بعدك شيئا حتى أفارق
الدنيا ، فكان أبوبكر رضي الله عنه يدعو حكيما ليعطيه العطاء
فيأبى أن يقبل منه شيئا ، ثم إن عمر رضي الله عنه دعاه ليعطيه
فأبى أن يقبله ، فقال : يامعشر المسلمين أشهدكم على حكيم أنى
(١٤٨)

أعرض عليه حقه الذي قسمه الله له فى هذا الفى فيأبى أن
يأخذه ، فلم يرزأ حكيم أحدا من الناس بعد النبي صلى الله عليه
وسلم حتى توفى ، وحديث الباب يضع أمام المسلم أوضح المناهج
الأغنياء والفقراء فيحض الأغنياء على البذل ويحض الفقراء على
محاولة الكسب الشريف ، وأن أفضل النفقة ما كان بعد قضاء حاجة
أهل المنفق وعياله أو سداد ماعليه من دين ، وبراءة ذمته ، وأن
على المسلم ألا يعود نفسه على الاستكانة والذلة بسؤال الناس
والتطلع إلى مافي أيديهم بل عليه أن يعمل ليستغنى وأن
يستعين بالله عزوجل .
مايفيده الحديث
١ - الترغيب في البذل والانفاق .
٢ - ينبغى أن يبدأ الإنسان بقضاء حاجة عياله وأهله ومن تجب
عليه نفقتهم
٣ - كراهة السؤال وأنه ينبغى ألا يكون إلا عن ضرورة .
٤ - أفضل الصدقة ما كان عن سعة فلا تكون ذمة المتصدق
مشغولة
٥ - وعدالله لطالب العفة أن يعفه
٦ - وعدالله لمن حرص على الاستغناء عما في أيدى
الناس أن يغنيه .
٧ - حض الاسلام على العمل .
(١٤٩)

٥ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قيل : يارسول الله
أي الصدقة أفضل ؟ قال : جهد المقل ، وابدأ بمن تعول )) أخرجه
أحمد وأبوداود وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم .
المفردات
جهد المقل : بضم الجيم وسكون الهاء أى قدر ما يحتمله حال
القليل المال .
البحث
قال البيهقى رحمه الله: والجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم
((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)) وقوله صلى الله عليه وسلم :
((أفضل الصدقة جهد المقل)) أن يختلف باختلاف أحوال الناس في
الصبر على الفاقة والشدة والاكتفاء بأقل الكفاية اهـ ولاشك أن من
اتسعت أمواله جدا فإن تصدقه بألف دينار مثلا لاتقاس بمن
تصدق بدينار يكون هو الفاضل عن حاجته ، لأن الدينار عند هذا
أثقل من الف دينار عند ذلك .
٦ - وعنه رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : تصدقوا فقال رجل يارسول الله عندي دينار ، قال :
تصدق به على نفسك )) قال عندى آخر : قال : تصدق به على
ولدك)) قال عندي آخر: قال: تصدق به على خادمك)) قال
(١٥٠)

عندى آخر ، قال : أنت أبصر )) رواه أبوداود والنسائي وصححه
ابن حبان والحاكم .
المفردات
تصدقوا : أى تبرعوا للفقراء والمساكين .
تصدق به على نفسك : أى أنفقه على نفسك تؤجر على ذلك
تصدق به على ولدك : أى أنفقه على ولدك تؤجر على ذلك .
تصدق به على خادمك : أى امنحه خادمك تؤجر على ذلك .
أنت أبصر : أى أنت أعرف أين تنفقه وأعلم بحوائج
من حولك .
البحث
هذا الحديث يشير إلى فضل النفقة على الأهل والعيال ومن تحت
يد الانسان من الخدم وغيرهم وقد روى مسلم في صحيحه من
حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : إذا أعطى الله أحدكم خيرا فليبدأ بنفسه وأهل بيته
كما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دينار أنفقته في سبيل الله ،
ودينار أنفقته في رقبة ، ودينار تصدقت به على مسكين ، ودينار
أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك )» كما روى
مسلم من حديث ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال : أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله ،
(١٥١)

ودينار ينفقه على دابته في سبيل الله ، ودينار ينفقه على أصحابه في
سبيل الله)).
مايفيده الحديث
١ - أن الاحسان إلى الأهل والعيال والخدم في النفقة عليهم من
أحسن ما يقرب العبد إلى الله عز وجل .
٢ - يستحب للانسان عند بذل الصدقة أن يتحرى
ذوى الأرحام .
٧ - وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال النبي صلى الله
عليه وسلم : إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة كان لها .
أجرها بما أنفقت ولزوجها أجره بما اكتسب ، وللخادم مثل ذلك
لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئا )) متفق عليه .
المفردات
:أنفقت المرأة : أى تصدقت الزوجة .
غير مفسدة : أى غير مسرفة ولا مرائية ولا قاصدة إتلاف
مال زوجها .
أجرها : أى ثوابها .
ماأنفقت : أى بنيتها وإخراجها الطعام لجهة الخير التي أدت له
ولاسيما أهل الزوج .
(١٥٢)

بما اكتسب : أى بسبب مابذله في تحصيل هذا الطعام .
وللخادم مثل ذلك : أى وللخادم الذي تولى اصلاح هذا الطعام
أجره وثوابه على مابذل فيه من جهد مادام غير
مفسد وهو يعلم أنه مأذون له ولاسيما أهل
صاحب المال ..
البحث
قد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا أنفقت
المرأة من كسب زوجها عن غير أمره فلها نصف أجره » وفي
بعض نسخ البخاري : فله نصف أجره )) ولفظ مسلم : فإن
نصف أجره له )) وقوله في حديث الباب : ((لاينقص بعضهم من
أجر بعض شيئا)) يدل على أنهم جميعا سواء في الأجر ، وحديث أبي
هريرة يشعر بأن لها نصف الأجر، فيحتمل نصف أجر الزوج
ويحتمل نصف أجر الصدقة ليكون للزوج نصفها الآخر لكن قوله
في حديث أبي هريرة : عن غير أمره يدل على أن لها نصف الأجر
في هذه الحال أما إذا كانت عن أمره فلها الأجر ولزوجها الأجر
فيحمل حديث عائشة على أنها مأمورة ويحمل حديث أبي هريرة
على أنها فعلت عن غير أمره لكنها غير مفسدة . والله أعلم .
مايفيده الحديث
١ - جواز تصدق المرأة والخادم من طعام البيت بمالايضر.
(١٥٣)

٢ - ينبغى أن تستأذن المرأة زوجها قبل أن تتصدق.
٣ - ينبغى للخادم أن لايتصدق من مال مخدومه إلا بمايعلم أنه
لا يمنع مثله .
٨ - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جاءت
زينب امرأة ابن مسعود فقالت : يارسول الله إنك أمرت اليوم
بالصدقة وكان عندى حُلِىٌّ لِي فأردت أن أتصدق به فزعم ابن
مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم فقال النبي صلى الله
عليه وسلم : صدق ابن مسعود ، زوجك وولدك أحق من
تصدقت به عليهم )) رواه البخاري .
المفردات
زينب امرأة ابن مسعود : هي بنت معاوية ويقال : بنت عبدالله
ابنْ معاوية بن عتاب الثقفية رضي الله عنها .
أمرت اليوم : كان يوم أضحى أو فطر .
البحث
روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
قال: خرج رسول الله عَ ◌ّه في أضحى أو فطر إلى المصلى ، ثم
انصرف فوعظ الناس وأمرهم بالصدقة ، فقال : أيها الناس تصدقوا
فمر على النساء فقال : يامعشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل
(١٥٤)

ضوم
النار ، فقلن وبم ذلك يارسول الله ؟ قال : تكثرن اللعن ،
وتكفرن العشير مارأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل
الحازم من إحداكن يامعشر النساء)) ثم انصرف ، فما صار إلى
منزله جاءت زينب امرأة ابن مسعود تستأذن عليه ، فقيل يارسول
الله ! هذه زينب فقال : أي الزيانب ؟ فقيل : امرأة ابن مسعود
قال : نعم . ائذنوا لها فأذن لها قالت : يانبي الله إنك أمرت اليوم
بالصدقة ، وكان عند حلىٍّ ، فأردت أن أتصدق به ، فزعم ابن
مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم ، فقال النبي صلى
الله عليه وسلم صدق ابن مسعود ، زوجك وولدك أحق من
تصدقت به عليهم )) وقد عنون البخاري لهذا الحديث بأكثر من
عنوان في صحيحه فقال : باب الزكاة على الأقارب وساقه بعد
حديث أبي طلحة في قصة تصدقه ببيرحاء . ثم عنون له بعنوان
آخر فقال : باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر وساقه وفيه :
نعم لها أجران أجر القرابة وأجر الصدقة . وصنيع البخاري مشعر بأن
هذا يشمل الزكاة الواجبة وصدقة التطوع . وعامة أهل العلم على
أن الزكاة الواجبة لاتعطى لمن تجب على المزكى نفقته ، ولا شك
أن نفقة الزوج لاتجب على الزوجة فلها أن تدفع له من زكاتها
بخلاف العكس ولذلك فليس للزوج أن يدفع من زكاته لزوجته ،
أما الأولاد فنفقتهم على أبيهم لاعلى أمهم مادام الأب موجودا على
أنه قد جاء عند البخاري في بعض ألفاظ حديث زوجة ابن مسعود
(١٥٥)

هذه رضي الله عنهما : أيجزئ عنى أن أنفق على زوجى وأيتام لي
في حجري وهو يدل على أن المراد بقوله في حديث الباب : ((أنه
وولده)) أنهم ليسوا أبناء عبدالله بن مسعود رضي الله عنه لأن اليتيم
لايطلق إلا على من مات أبوه . ويشعر أيضا بأنهم ليسوا بأولادها
بل هم أيتام في رعايتها ورعاية زوجها ابن مسعود فأطلق عليهم أنهم
ولده وقد أشار الحافظ في فتح الباري عند قوله : وأيتام لي في
حجري) أنه جاء في رواية للنسائي: على أزواجنا وأيتام في
حجورنا)) وأنه جاء في رواية الطيالسي : أنهم بنو أخيها وبنو أختها.
مايفيده الحديث
١ - يجوز للمرأة أن تتصدق على زوجها الفقير.
٢ - وأنه أولى من تصدقها على غيره .
٣ - يجوز للمرأة أن تتصدق على أولادها وأقربائها الذين لاتجب
نفقتهم عليها .
٤ - وأنه من أفضل الصدقات .
٩ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : مايزال الرجل يسأل الناس حتى يأتى يوم
القيامة وليس في وجهه مزعة لحم )) متفق عليه .
(١٥٦)

المفردات
يسأل الناس : أن يطلب منهم أن يتصدقوا عليه .
مزعة لحم : أى قطعة لحم ومزعة بضم الميم وحكى كسرها
وسكون الزاى بعدها عين وقال ابن التين :
ضبطه بعضهم بفتح الميم والزاى والذي أحفظ
عن المحدثين الضم .
البحث
قال الحافظ ابن حجرفي فتح الباري في شرح قوله : مزعة لحم)) قال
الخطابي : يحتمل أن يكون المراد أنه يأتى ساقطا لاقدر له ولاجاه ، أو
يعذب في وجهه حتى يسقط لحمه لمشاكلة العقوبة في مواضع الجناية
من الأعضاء لكونه أذل وجهه بالسؤال ، أو أنه يبعث ووجهه عظم
كله فيكون ذلك شعاره الذي يعرف به انتهى . والأول صرف
للحديث عن ظاهره وقد يؤيده ماأخرجه الطبراني والبزار من حديث
مسعود بن عمرو مرفوعا لايزال العبد يسأل وهو غنى حتى يخلق
وجهه فلايكون له عندالله وجه)) وقال ابن أبي جمرة : معناه أنه ليس في
وجهه من الحسن شئ لأن حسن الوجه هو بما فيه من اللحم ، ومال
المهلب إلى حمله على ظاهره وإلى أن السرفية أن الشمس تدنو يوم
القيامة فاذا جاء لالحم بوجهه كانت أذية الشمس له أكثر من
غيره قال : والمراد به من سأل تكثرا وهو غنى لاتحل له الصدقة ، أما
من سأل وهو مضطر فذلك مباح له فلايعاقب عليه انتهى .
(١٥٧)

وهذا الحديث طرف من حديث طويل جاء فيه ذكر دنو
الشمس يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن ، وفيه ذكر
الشفاعة ، وسيأتي في الحديث الذي يلى هذا الحديث مايفيد أن
الممنوع من سأل الناس تكثرا وقد عنون البخاري لحديث الباب
بذلك فقال باب من سأل تكثرا وساق الحديث .
مايفيده الحديث
١ - تحريم السؤال إذا كان السائل غنيا .
٢ - تحريم الإِلحاف في السؤال .
١٠ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما يسأل جمرا
فليستقل أو ليستكثر )) رواه مسلم .
المفردات
ز
تكثرا : أى لايسأل عن حاجة وفقر وإنما يسأل ليكثر ماله
ویزیده.
جمرا : أى قطعا من النار .
فلميستقل أوليستكثر : أى فليطلب قليلا أو كثيرا .
البحث
يحتمل قوله : فإنما يسأل جمرا أن يعاقب بالنار يوم القيامة
ويحتمل أن هذا المال الذي يجمعه يصير جمرا فيكوى به
(١٥٨)

كما يحصل لمانع الزكاة . وليس قوله: فليستقل أو ليستكثر)) أمرا
يراد تحصيله بل المراد التنفير منه على حد قوله تعالى ﴿فمن شاء
فليؤمن ومن شاء فليكفر ) وهذا أسلوب من أشد أساليب النهى
والتحذير والتوبيخ والتهديد .
مايفيده الحديث
١ - تحريم سؤال الناس للاستكثار .
٢ - الحض على القناعة بما رزق الله من طريق حلال .
١١ - وعن الزبير بن العوام رضي الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال : لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة من الحطب
على ظهره فيبيعها فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس
أعطوه أو منعوه » رواه البخاري .
المفردات
فيكف بها وجهه : أى فيحمى بها وجهه .
خير له : ليست هذه أفعل تفضيل فإنه لاخير في السؤال
القادر على الاكتساب فهى على حد قوله : ﴿أصحاب
الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا .
البحث
هذا الحديث رواه البخاري من حديث الزبير بن العوام باللفظ
(١٥٩)
نه:

المذكور في المتن هنا إلا أنه في البخاري فيكف الله بها وجهه ))
:
وقد رواه البخاري أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده لأن
يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتى رجلا
فيسأله أعطاه أو منعه )) وفي حديث أبي هريرة زيادة القسم على
هذا الشئ لتأكيده في نفس السامع . وفي قوله فيأتي بحزمة من
الحطب على ظهره إشعار بأن حمل الحطب على الظهر مع مافيه من
شدة على كثير من النفوس ومشقة ومذلة على ذوى المروءات أفضل
عاقبة من ذل السؤال .
مايفيده الحديث
١ - الحض على التعفف عن المسألة .
٢ - قبح المسألة في نظر الشريعة الاسلامية.
٣ - أن أدنى المهن خير من سؤال الناس .
١٢ - وعن سمرة بن جندب رضي الله عنهما قال : قال
رسول الله عَ لّم: المسألة كد يكدبها الرجل وجهه إلا أن يسأل
الرجل سلطانا أو في أمرلابد منه)) رواه الترمذي وصححه .
المفردات
كد : أصل الكد الإِتعاب وكد في عمله إذا تعب فيه وكد
(١٦٠)