Indexed OCR Text

Pages 601-620

المباحث العربية
(رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة المدينة) العقبة المرقى الصعب من الجبال، والمراد
من المدينة هنا مكة، أى رآه مصلوبا، منكسا، رأسه إلى أسفل، على قمة جبل فى مكة.
( فجعلت قريش تمر عليه والناس ) من غير قريش، منهم من يدعوله ويترحم عليه، ومنهم
من يرى لحب الاستطلاع.
( حتى مرعليه عبد الله بن عمر، فوقف عليه) أى على الأرض القريبة منه.
( فقال: السلام عليك: أبا خبيب ) بضم الخاء وفتح الباء، مصغر، ناداه بكنيته، كنى بأكبر
أبنائه وكانت له كنية أخرى، هى أبو بكر.
( أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا ) قالها ثلاثا، والمشار إليه أسباب هذا الصلب، وهو
مقاتلة الجبارين، والوقوف أمامهم.
( أما والله إن كنت ما علمت، صواماً، قواماً، وصولاً للرحم) ((إن)) مخففة من الثقيلة،
واسمها ضمير محذوف، أى إن الحال والشأن والحقيقة، والجملة خبرها، و ((وصولا)) اسم مبالغة لاسم
الفاعل، أى كثير الوصل للرحم، قال القاضى: وهو أصح من قول بعض الإخباريين، ووصفه بالإمساك.
وقد عده صاحب الكتاب الأجود فيهم - أى فى الأجودين، وهو المعروف من أحواله. اهـ أى هذا
الوصف، وأنه وصول للرحم كريم، أصح من وصف بعض المؤرخين له بالبخل، والإمساك، وفى
الاستيعاب لابن عبد البر: قال على بن زيد بن الجدعانى: كان عبد الله بن الزبير كثير الصلاة، كثير
الصيام، شديد البأس، كريم الجدات، والأمهات والخالات، إلا أنه كانت فيه خلال، لا تصلح معها
الخلافة، لأنه كان بخيلا، ضيق العطاء.
( أما والله لأمة أنت أشرها لأمة خير) الأفصح أن يقال: شرها، قال النووي: هكذا هو فى
كثير من نسخنا ((لأمة خير)) وكذا نقله القاضى عن جمهور رواة مسلم، وفى أكثر نسخ بلادنا ((لأمة
سوء))، ونقله القاضى عن رواية السمرقندى. قال: وهو خطأ وتصحيف. اهـ. والمعنى: إن أعداءك
يقولون عنك: إنك أكثر الأمة شراً، وحقيقتك أنك من أحسنها، فإذا كنت شرا كانت الأمة كلها خيرا.
والمعنى ليس فاسداً على الرواية الأخرى، أى إذا كنت شراً فالأمة كلها شروسوء، لأنك
من أحسنها.
( ثم نفذ عبد الله بن عمر) بفتح النون والفاء بعدها ذال، أى مضى وذهب لحاله.
( فبلغ الحجاج موقف عبد الله بن عمر، وقوله) فخشى تأثير هذا القول فى المسلمين،
وخشى احتمال غضبتهم للمصلوب.
( فأرسل إليه ) أى إلى ابن الزبير.
( فأُنْزلَ عن جذعه ) المصلوب عليه، وفى الاستيعاب لابن عبد البر: قال أبو عمر: رحل عروة
ابن الزبير إلى عبد الملك بن مروان، فرغب إليه فى إنزاله من الخشبة، فأسعفه، فأنزل.
٦٠١

( فألقى فى قبور اليهود ) وفى الاستيعاب عن ابن أبي مليكة، قال: كنت أول من بشر أسماء
بنزول ابنها عبد الله بن الزبير من الخشبة، فدعت بمركن وشب يمان، وأمرتنى بغسله، فكنا لا نتناول
عضوا إلا جاء معنا، فكنا نغسل العضو، ونضعه فى أكفانه، ونتناول العضو الآخر الذى يليه، فنغسله،
ثم نضعه فى أكفانه، حتى فرغنا منه، ثم قامت، فصلت عليه.
( ثم أرسل إلى أمه أسماء بنت أبى بكر، فأبت أن تأتيه، فأعاد عليها الرسول:
لتأتينى، أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك - أى يجرك بضفائر شعرك - فأبت،
وقالت: والله لا آتيك حتى تبعث إلى من يسحبنى بقرونى. قال: فقال: أرونى سبتى -
بكسر السين وإسكان الباء وفتح التاء وتشديد الياء، تثنية سبت، وهى النعل التى لا
شعر عليها، فأخذ نعليه، ثم انطلق يتوذف - بفتح الواو والذال المشددة - أى يسرع،
وقيل: يتبختر - حتى دخل عليها، فقال: كيف رأيتنى فعلت بعدو الله؟ قالت: رأيتك
أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك. بلغنى أنك تقول له - ساخراً - يا بن ذات
النطاقين، أنا والله ذات النطاقين، أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول اللّه ◌ِ﴾
وطعام أبى بكر من الدواب، وأما الآخر فنطاق المرأة التى لا تستغنى عنه ) والنطاق -
بكسر النون، قال العلماء: النطاق أن تلبس المرأة ثوبها، ثم تشد وسطها بشيء، وترفع وسط ثوبها،
وترسله على الأسفل، تفعل ذلك عند معاناة الأشغال، لئلا تعثر فى ذيلها، قيل: سميت أسماء ذات
النطاقين، لأنها كانت تطارف نطاقا فوق نطاق، والأصح أنها سميت بذلك لأنها شقت نطاقها
الواحد نصفين، فجعلت أحدهما نطاقاً صغيرا، واكتفت به، والآخر لسفرة النبى { ₪، وأبى بكر نظلُه،
كما صرحت به فى هذا الحديث هنا، ولفظ البخارى أوضح من لفظ مسلم، ولفظ البخارى عن عائشة
رضى الله عنها قالت: «وصنعنا لهما سفرة فى جراب، فقطعت أسماء بنت أبى بكر قطعة من
نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين)). وفى رواية ((ذات النطاق)).
( أما إن رسول الله:# حدثنا أن فى ثقيف كذابا ومبيرا) بضم الميم وكسر الباء، وهو
المهلك.
( فأما الكذاب فرأيناه ) تعنى به المختار بن أبى عبيد الثقفى، وكان شديد الكذب، ومن أقبح
كذبه أنه ادعى أن جبريل عليه السلام يأتيه، قال النووى: واتفق العلماء على أن المراد بالكذاب هنا
المختاربن أبى عبيد.
( وأما المبير فلا إخالك إلا إياه) ((إخالك)) بفتح الهمزة وكسرها، وهو أشهر، ومعناه أظنك،
واتفق العلماء على أن المراد بالمبير هنا الحجاج بن يوسف.
فقه الحديث
١- فى الحديث استحباب السلام على الميت فى قبره وغيره.
٦٠٢

٢ - وتكرير السلام ثلاثا كما كرر ابن عمر.
٣- وفيه الثناء على الموتى بجميل صفاتهم المعروفة.
٤- وفيه منقبة لابن عمر، لجهره بالحق فى الملأ، وعدم اكتراثه بالحجاج، لأنه يعلم أنه
سيبلغه مقامه.
٥- وفى كلام ابن عمر إبطال الإشاعة الكاذبة التى اختلقها الحجاج، بأن عبد الله بن الزبير
عدو اللَّه وظالم.
قال النووى: ومذهب أهل الحق أن ابن الزبير كان مظلوما، وأن الحجاج ورفقته كانوا
خوارج عليه.
٦- وفيه شجاعة أسماء وقوة حجتها وكلامها وقوة شخصيتها.
والله أعلم
٦٠٣

(٦٨٣) باب فضل فارس
٥٦٥٢- ٢٣٠ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ (٢٣٠) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴾: «لَوْ كَانَ الدِّينُ عِنْدَ الْرِيًّا
لَذَهَبَ بِهِ رَجُلٌ مِن فَارِسَ - أَوْ قَالَ- مِن أَبْنَاءِ فَارِسَ، حَتَّى يَتَنَاوَّلَهُ».
٥٦٥٣ - ٣٣١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٢٣١) قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النّبِيِّ:﴿ .. إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ
الْجُمُعَةِ، فَلَمَّا قَرَّأَ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة/٣] قَالَ رَجُلٌ: مَنْ هَؤُلاءِ؟ یَا
رَسُولَ اللَّهِ! فَلَمْ يُرَاجِعْهُ النَّبِيُّ ◌َ﴿َ. حَتَّى سَأَلَهُ مَرَّةً أَوْ مَرََّيْنِ أَوْ ثَلاثًا. قَالَ: وَفِيْنَا سَلْمَانُ
الْفَارِسِيُّ. قَالَ: فَوَضَعَ النّبِيُّ:﴿ يَدَهُ عَلَى سَلْمَانِ، ثُمَّ قَالَ: «لَوْ كَانَ الإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرْيًّا، لَنَالَهُ
رِجَالٌ مِن هَؤُلاءِ».
المعنى العام
تطلق فارس والفرس على ما يسمى فى هذه الأيام إيران، قيل: إنهم من ولد هدرام بن أرفخشد بن
سام ابن نوح، وأنه ولد بضعة عشر رجلا، كلهم كان فارسا شجاعا، فسموا الفرس، للفروسية، وقيل فى
نسبهم أقوال أخرى، وفى الطبقات: كان أولهم على دين نوح، ثم دخلوا فى دين الصابئة، فى زمن
طمهورث، فداموا على ذلك أكثر من ألف سنة، ثم تمجسوا على يد زرادشت.
واشتهر من مسلميهم سلمان الفارسى، وقد سبقت فضائله قبل ثلاثة عشر بابا، قال القرطبى:
وقع ما قاله# عيانا، فإنه وجد منهم من اشتهر ذكره من حفاظ الآثار، والعناية بها، ما لم يشاركهم
فيه كثير من غيرهم.
المباحث العربية
( لوكان الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس - أوقال: من أبناء فارس، حتى
يتناوله) وفى الرواية الثانية ((لوكان الإيمان عند الثريا، لناله رجال من هؤلاء)» فوضع يده على
سلمان الفارسى.
و((الثريا)» مجموعة من النجوم البعيدة عن الأرض، وبها يضرب المثل فى البعد، والكلام
كناية عن وصول أهل فارس إلى الدين والعلم والإيمان مهما كلفهم هذا الوصول، زاد فى
بعض الروايات ((برقة قلوبهم)).
(٢٣٠) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ عَبْدٌ أَخْبُرَنَا وقَالَ ابْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ جَعْفَرٍ
الْجَزَّرِيِّ عَنِ يَزِيدَ بْنِ الأَصُّمِّ عَن أَبِي هُرَيْرَهُ
(٢٣١) حَدََّا قُتَيْبَةٌ بْنُ سَّعِيدٍ حَذْقَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ عَن ثَوْرٍ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
٦٠٤

( فلما قرأ ﴿وَءَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣] قال رجل: من هؤلاء
يارسول اللَّه) وفى رواية ((من هؤلاء الذين لما يلحقوا بنا؟)) والتعبير بـ((لما)» يفيد أنهم سيلحقون.
فقه الحديث
فى الحديث فضيلة ظاهرة لأبناء فارس.
وجواز استعمال المجاز والكناية والمبالغة إذا كانت فى مواضعها.
والله أعلم
٦٠٥

(٦٨٤) باب بيان قوله صلى الله عليه وسلم:
(الناس كابل مائة))
٥٦٥٤-٢٣٢ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٢٣٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ لَ: «تَجِدُونَ
النَّاسَ كَإِلٍ مِائَةٍ. لا يَجِدُ الرَّجُلُ فِيهَا رَاحِلَةٌ».
المعنى العام
أكثر الناس لا يعلمون، وأكثر الناس لا يفقهون، ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] وبعث
النار قد يكون من كل مائة تسعة وتسعين، والمؤمنون بالإسلام بالنسبة لأمم بنى آدم فى عصورها
السابقة واللاحقة كالشعرة البيضاء فى الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء فى الثور الأبيض.
وكل مجتمع من مجتمعات بنى آدم، فيهم القوى وفيهم الضعيف، فيهم الجواد وفيهم البخيل،
فيهم الشجاع وفيهم الجبان، فيهم العطوف الرحيم، وفيهم الشديد الغليظ المناع للخير المعتدى الأثيم،
ولو تجاوزنا بعض المجتمعات الفاضلة فى بعض الأزمنة لوجدنا نسبة الفاسدين للصالحين تصل
[٩٩٪] كالإبل المجتمعة لا تجد منها يصلح للركوب المريح إلا [١٪] وباقيها إنما يصلح لحمل الأثقال.
المباحث العربية
( تجدون الناس كابل مائة، لا يجد الرجل فيها راحلة ) قال ابن قتيبة: الراحلة،
النجيبة، المختارة من الإبل للركوب وغيره، فهى كاملة الأوصاف، فإذا كانت فى إبل عرفت. قال:
ومعنى الحديث أن الناس متساوون، ليس لأحد منهم فضل فى النسب، بل هم أشباه الإبل المائة. اهـ
قالوا: والنفى المطلق هنا ((لا تجد فيها راحلة)) محمول على المبالغة، وعلى أن ذلك نادر، والنادر
لا حكم له، فيرجع المعنى إلى رواية البخارى ((لا تكاد تجد فيها راحلة)).
وقال الخطابي: الراحلة التى ترحل لتركب، والراحلة فاعلة بمعنى مفعولة، أى كلها حمولة، تصلح
للحمل، ولا تصلح للرحل والركوب عليها - لأن الذى يصلح للركوب، ينبغى أن يكون وطيئا سهل
الانقياد . - قال: وتأولوا هذا الحديث على وجهين:
أحدهما أن الناس فى أحكام الدين سواء، لا فضل فيها لشريف على مشروف، ولا لرفيع على
وضيع، كالإبل المائة، التى لا يكون فيها راحلة (قال الحافظ ابن حجر: وقد أورد البيهقى هذا
الحديث فى كتاب القضاء، فى تسوية القاضى بين الخصمين، أخذا بهذا التأويل).
(٢٣٢) حَدََّتِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ وَاللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ قَالَ عَبْدٌ أَخْبُرَنَا وَ قَالَ ابْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ
عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
٦٠٦

الثانى: أن أكثر الناس أهل نقص، وأما أهل الفضل فعددهم قليل جداً، فهم بمنزلة الراحلة فى
الإبل الحمولة.
وقيل: المعنى أن الزاهد فى الدنيا، الكامل فى الزهد، الراغب فى الآخرة قليل، كقلة الراحلة فى
الإبل، وحسنه النووى، قال: وأجود منه قول آخرين: إن المرضى الأحوال من الناس، الكامل الأوصاف
قليل. وقال القرطبى: الذى يناسب التمثيل أن الرجل الجواد، الذى يحمل أثقال الناس والحمالات
عنهم، ويكشف كربهم، عزيز الوجود، كالراحلة فى الإبل الكثيرة.
وقال ابن بطال: معنى الحديث أن الناس كثير، والمرضى منهم قليل، وإلى هذا المعنى أومأ
البخارى بإدخال هذا الحديث فى باب رفع الأمانة.
وقال الخطابي: العرب تقول للمائة من الإبل: إبل، يقولون: لفلان إبل، أى مائة بعير، ولفلان
إبلان، أى مائتا بعير.
وقال الراغب: الإبل اسم مائة بعير، فقوله: كابل مائة - كقولنا: مائة مائة، المراد به عشرة آلاف.
قال الحافظ ابن حجر: والذى يظهر على تسليم قوله، لا يلزم ما قال: إن المراد عشرة آلاف، بل
المائة الثانية للتأكيد.
وأشار ابن بطال إلى أن المراد بالناس فى الحديث، من يأتى بعد القرون الثلاثة، الصحابة
والتابعين وتابعيهم، حيث يصيرون يخونون ولا يؤتمنون. قال الكرمانى: لا حاجة لهذا التخصيص،
لاحتمال أن يراد أن المؤمنين قليل بالنسبة للكفار.
فقه الحديث
هذا الحديث فى نهاية كتاب المناقب يفيد أمرين:
الأول: أن ما مضى من المناقب والفضائل إنما تتعلق بالدين، لا بالنسب.
الثانى: أن ما ذكر من فضائل شرف ومنقبة، وإن قل فى نظر الباحث، فأهل الفضل عددهم قليل
جدا، لأن الغثاء كثير.
(إضافة) لم يرتب الإمام مسلم - رحمه اللّه تعالى - أصحاب الفضائل ترتيبا ما، وكأنه ذكرها
عفويا تمهيدا لترتيبها فيما بعد، فلم تتهيأ له فرصة الترتيب، كما حصل له فى الغزوات.
أما البخارى فله وجهة نظر فى ترتيبه الغزوات والفضائل، رضى الله عنهما وجزاهما عن الإسلام
والحديث النبوى خيرًا.
والله أعلم
٦٠٧

كتاب
البروالصلة والآداب
٦٨٥ - باب بر الوالدين.
٦٨٦ - باب تقديم الوالدين على التطوع بالصلاة، وغيرها، وفضل بر الوالدين.
٦٨٧ - باب فضل صلة أصدقاء الأب والأم ونحوهما.
٦٨٨ - باب تفسير البر والإثم.

(٦٨٥) باب بر الوالدين
٥٦٥٥ - ١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١) قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ فَقَالَ: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ
بِحُسْنٍ صَحَابَتِي؟ قَالَ: «أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ
أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبُوكَ» وَفِي حَدِيثٍ قُتِبَةَ: مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنٍ صَحَابَتِي؟ وَلَمْ
يَذْكُرِ النَّاسَ.
٥٦٥٦- ٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٢) قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنٍ
الصُّحْبَةِ؟ قَالَ: «أُمُّكَ» ثُمَّ أُمُّكَ. ثُمَّ أُمُّكَ. ثُمَّ أَبُوكَ. ثُمَّ أَذْنَاكَ أَذْنَاكَ».
٥٦٥٧٠ - ٣ وَفِي رواية عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٣) قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيَِّ﴾. فَذَكَرَ بِمِثْلٍ
حَدِيثِ جَرِيرٍ. وَزَادَ: فَقَالَ: «نَعَمْ. وَأَبِيكَ! لُنَّأَنَّ».
٥٦٥٨ - { وَفِي رواية عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ(٤)، بِهَذَا الإِسْنَادِ. فِي حَدِيثِ وُهَيْبٍ: مَنْ أَبَرُّ؟ وَفِي
حَدِيثٍ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ: أَيُّ النَّاسِ أَحَقُّ مِنِّي بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلٍ حَدِيثِ جَرِيرٍ.
٥٦٥٩- ٥ْ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٥) قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ :﴿ يَسْتَأْذِنُ
فِي الْجِهَادِ. فَقَالَ: أَخَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَادٍ.
٥٦٦٠- ٢ْ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا(١٠) قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ إِلَى
(١) حَدَّثَنَا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ جَمِيلٍ بْنِ طَرِيفِ النَّقَفِيُّ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالا حَدََّنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَسن
أَبي هُرَيْرَةً
(٢) خَّدْثَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنِ أَبِيِهِ عَنْ عُمَّارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَن أَبِي زُرْعَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٣) حَدَّثَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَاَ شَرِيكٌ عَنِ عُمَارَةَ وَابْنِ شُبَّرُمَةً عَنِ أَبِيِ زُرْعَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَّةً
(٤) حَدَّثَنِي مُحَمَّذَ بْنُ خَّاتِمٍ حَدَّثَنَا شَبَابَةُ خَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْخَةَ حْ وَحَدَّثَنِيَ أَحْمَدُ بْنُ خِرَّاشٍ حَدَّثَنَا حَبَّانَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ كِلاهُمَا
عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةً
(٥) حَدَّثَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالا حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَن سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبٍ ح وحَدْقََّا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا
يَحْتِى يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنِ سُفْيَانَ وَشُعْبَةً قَالا حَدْثَنَا حَبِيبٌ عَنِ أَبِي الْعَبَّاسِ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو
- حَدَّثَنَا أَبِي حَدََّا شُعْبَةُ عَنِ حَبِيبٍ سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُوَّلُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌ِ﴾
فَذَكَرٌ بِمِثْلَهِ قَالَ مِسْلِمٍ أَبُو الْعَبَّاسَِ اسْمُهُ السَّائِبُ بْنُ فَرُّوخَ الْمَكْيُّ
- حَدَّثْنَا أَبُو كُرَيْبٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ بِشْرِ عَنِ مِسْعَرِحِ وَ حَدَّقَبِيٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي
إِسْحَقَ حْ وِحَدَّثَنِيٍ الْقَاسِمُ بْنُ زَكْرِيَّاءٌ حَدَّثْنَا حُسِّيْنُ بْنُ عَلِيِّ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ جَمِيعًا غَمَنْ
حَبِيبٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ
(١٠) خَدَّثَنَا سَعِيدُ بَنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْيُرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَن يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنْ نَاعِمًا مَوْلَى أُمِّ
سَلَّمَةَ حَدَّثَّهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ
٦١١

نَبِيِّ اللَّهِ وَ ﴿ فَقَالَ: أُبَايِعُكَّ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ أَبْتَغِي الأَجْرَ مِنَ اللَّهِ. قَالَ: «فَهَلْ مِنْ
وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟» قَالَ: نَعَمْ. بَلْ كِلاهُمَا. قَالَ: «فَتَبْتَغِي الأَجْرَ مِنَ اللَّهِ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ:
«فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا».
المعنى العام
الوالدان هما المصدر الثانى للوجود بعد الله سبحانه وتعالى، لهذا قرنهما الله تعالى
بنفسه فى وجوب الشكر، حيث يقول ﴿أَنِ اشْكُرْلِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤]
وقرنهما بنفسه سبحانه وتعالى حين أمر بطاعته وعبادته، فقالَ ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْركُوا
بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦] وقال ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّ تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ
إحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وقرن صلى الله عليه وسلم عقوقهما بالإشراك باللَّهُ، حين سَرد أكبر
الكبائر، فقال: ((الإشراك بالله وعقوق الوالدين)» وبر الوالدين رمز للوفاء والاعتراف بالحق
لصاحب الحق، ورمز للشكر على المنعم بنعمه، والحديث يقول: ((لم يشكرنى من لم يشكر
من أجريت النعمة على يديه)). كما جعل صلى الله عليه وسلم كثرة العقوق علامة من
علامات آخر الزمان وظهور الفتن وانقلاب الأحوال، وقد رسم القرآن الكريم مظاهربر
الوالدين، بقوله ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا
وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا﴾ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي
صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤،٢٣].
وهذا البرمهما بلغ لا يكافئ فضل الآباء على الأبناء، فالرجل الذى حمل أمه ساعات، يمشى بها
على الرمال الحارقة التى لو وضعت عليها اللحم لنضجت، يحمى رجليها من الاحتراق، ويعرض
رجليه هو للاحتراق، سأل: هل جازيت بذلك أمى؟ فأجيب: لعلك كافأتها بذلك عن طلقة واحدة،
ونخسة واحدة من نخساتك لها عند ولادتك وفى الصحيح ((لن يجزى ولد والده، حتى يجده مملوكا،
فيشتريه، فيعتقه)».
وبر الوالدين مقدم على الجهاد تطوعا، وعلى التطوع بالصلاة والصوم، لأنه واجب عينى، والتطوع
بالجهاد أصله واجب كفائی.
وستأتى أحاديث كثيرة فى الأبواب الآتية تؤكد حق الوالدين، وفضل رضاهما على الأبناء مما
يلزم الأبناء بيرهما، حماية لأنفسهم، ولعقبهم، وابتغاء رضوان اللَّه تعالى وإحسانه.
المباحث العربية
( كتاب البر) قال أهل اللغة: بررت والدى، بكسر الراء الأولى، أبره بضمها مع فتح الباء، براً،
٦١٢

بكسر الباء، وأنا بر به، بفتح الباء، وجمعه الأبرار، وباربه، بتشديد الراء، وجمعه بررة، والبر بكسر الباء
ضد العقوق، وهو التوسع فى الإحسان إليهما، ووصلهما، وبرحجه يبر بكسر الباء، برا بكسرها، قبل،
وبر اليمين، صدقت، وبر فى يمينه صدق، وبر بوعده، وفى به، وبرت السلعة راجت، وبر البيع خلا من
الشبهة والكذب والخيانة، وبر فلان ربه، توسع فى طاعته.
( والصلة ) الإحسان إلى الأقربين، من ذوى النسب والأصهار، والعطف عليهم، والرفق بهم،
ومراعاة أحوالهم، يقال: وصل رحمه، بفتح الواو والصاد يصلهم وصلا وصلة.
(والآداب ) جمع أدب، وهو استعمال ما يحمد قولا، وفعلا، وقيل: الأخذ بمكارم الأخلاق، وقيل:
الوقوف مع المستحسنات، وقيل: هو تعظيم من فوقك، والرفق بمن دونك، وقيل: إنه مأخوذ من
المأدبة، وهى الدعوة إلى الطعام، سمى بذلك لأنه يدعى إليه. والمعانى كلها متقاربة، متفرعة عن أصل
واحد، وهو إحسان المعاملة.
(جاء رجل إلى رسول اللَّه #) يحتمل أنه معاوية بن عبيدة، فعنه فى الأدب المفرد ((قلت:
يارسول الله. من أبر)»؟ ولعل السائلين بذلك أكثر من واحد.
( فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ ) بفتح الصاد، بمعنى الصحبة، وحسن
صحابتى من إضافة الصفة إلى الموصوف، أى صحبتى الحسنة، وفى الرواية الثانية ((من أحق الناس
بحسن الصحبة))؟ وفى ملحقها ((أى الناس أحق منى بحسن الصحبة))؟ أى بحسن صحبتى؟
وفى ملحق الرواية الأولى وفى البخارى ((من أحق بحسن صحابتى))؟ ولم يذكر ((الناس)) وهى مرادة،
وفى ملحق الرواية الثانية ((من أبر»؟ أى من الذى أبره أولا من الناس؟.
( قال: أمك) خبر لمبتدأ محذوف، أى أحق الناس بحسن صحابتك أمك.
( قال: ثم من؟ ) مبتدأ، خبره محذوف، أى ثم بعد من بعد الأم، أحق بحسن صحابتي؟
( قال: ثم أمك ) خبر لمبتدأ محذوف، أى أحق الناس بعد أمك بحسن صحابتك أمك.
( قال: ثم من؟) مبتدأ خبره محذوف تقديره: ثم من بعد الأم مرتين أحق بحسن صحابتي؟
( قال: ثم أمك ) خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: أحق الناس بعد أمك مرتين بحسن
صحابتك أمك.
وفى الرواية الثانية ((قال: أمك، ثم أمك، ثم أمك)) حذف فيها سؤال الرجل، وهو مراد.
( قال: ثم من؟) أحق بصحابتى بعد الأم ثلاث مرات؟
( قال: ثم أبوك) أحق بصحابتك بعد أمك ثلاثا، وفى رواية الأدب المفرد ((ثم أباك)) بالنصب،
على إضمار فعل، أى بر أباك.
٦١٣

( نعم: وأبيك - لتنبأن ) بضم التاء، وفتح النون والباء المشددة، ونون التوكيد الثقيلة، أى
لأنبئنك بأحق الناس بصحبتك الحسنة، وقد استشكل قوله ((وأبيك)) مع قوله صلى الله عليه وسلم
((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)).
وأجيب باحتمال أن يكون الحلف هنا قبل النهى، وقيل: إن فى الكلام مضافا محذوف، والتقدير:
ورب أبيك، وقيل: ليس الكلام هنا حلفا، وإنما هى كلمة جرت على ألسنتهم غير مقصود بها الحلف،
وهى بمثابة قولهم: تربت يمينك، والنهى فيمن قصد حقيقة الحلف، لما فيه من تعظيم المحلوف به،
ومضاهاته به سبحانه وتعالى.
( ثم أدناك أدناك ) المراد بالدنو القرب إلى البار، وفى لفظ ((ثم أدناك فأدناك))، والترتيب
تنازلى، أى الأكثر قربا منك، ثم الأقل منه قربا، وهكذا، وفى فقه الحديث تفصيل العلماء لجهات
القرب وترتيبها.
(جاء رجل إلى رسول الله *، يستأذنه فى الجهاد) قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن
يكون هو جاهمة بن العباس بن مرداس، فقد روى النسائى وأحمد ((أن جاهمة جاء إلى النبي وقال﴾،
فقال: يا رسول الله. أردت الغزو، وجئت لأستشيرك، فقال: هل لك من أم؟ قال: نعم. قال: الزمها)).
والظاهر أن الاستئذان فى الجهاد تكرر ممن له أبوان، وممن له أم.
(فقال: أحى والداك؟) ((والداك)) فاعل لاسم الفاعل، والاستفهام حقيقى.
( قال: ففيهما فجاهد ) فى الجملة قصر، طريقه تقديم ما حقه التأخير، والأصل فجاهد
فيهما، وهو قصر قلب، أى جاهد فيهما، لا فى ميادين الكفار، والمقصود بالجهاد فيهما، جهاد النفس
فى رضاهما، قال الحافظ ابن حجر: ويستفاد منه جواز التعبير عن الشيء بضده، إذا فهم المعنى، لأن
صيغة الأمر فى قوله ((فجاهد)) ظاهرها إيصال الضرر الذى كان يحصل لغيرهما، لهما، وليس ذلك
مراداً قطعاً، وإنما المراد إيصال القدر المشترك من كلفة الجهاد، وهو تعب البدن والمال لهما، ويؤخذ
منه أن كل شيء يتعب النفس يسمى جهاداً. اهـ
وفى الرواية الرابعة ((أقبل رجل إلى النبى *، فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد، أبتغى الأجر
من الله، قال: فهل من والديك أحد حى؟ قال: نعم. بل كلاهما، قال: فتبتغى الأجر من الله؟ قال: نعم.
قال: فارجع إلى والديك، فأحسن صحبتهما)». ولأبى دواد وابن حبان ((ارجع، فأضحكهما، كما
أبكيتهما)). وعند أبى داود ((ارجع، فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرهما)). وعند ابن حبان
((قال: فإن لى والدين، قال: آمرك بوالديك خيرا، فقال: والذي بعثك بالحق نبيا، لأجاهدن،
ولاتركنهما، قال: فأنت أعلم».
وعند أحمد ((هاجر رجل، فقال له النبي ﴾: هل باليمن أبواك؟ قال: نعم. قال: أذنا لك؟ قال: لا.
قال: فارجع، فاستأذنهما، فإن أذنا لك، وإلا فبرهما)».
٦١٤

فقه الحديث
هما بابان عند البخارى، باب من أحق الناس بحسن الصحبة، وباب لا يجاهد إلا بإذن
الأبوين، وقد جعلناهما بابا واحدا مجاراة للنووى رحمه الله، وفعل البخارى أولى وأدق، فقد
خصص النووى باباً لتقديم الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرهما، فكان حقه أن يخص
تقديم الوالدين على الجهاد، بباب.
لهذا نتكلم فى فقه الحديث عن ثلاث نقاط: الفرق بين الأم والأب فى البر، والجهاد بإذن الأب
والأم، ثم ما يؤخذ من الأحاديث.
فالرواية الأولى والثانية وملحقاها فى الحث على بر الأقارب، وأن الأم أحقهم بذلك، ثم بعدها
الأب، ثم الأقرب فالأقرب، قال العلماء: وسبب تقديم الأم كثرة تعبها على الابن، وشفقتها عليه،
وخدمتها له، ومعاناة المشاق فى حمله، ثم وضعه، ثم إرضاعه، ثم تربيته وخدمته وتمريضه وغير ذلك.
قلت: واحتياجها إلى برالابن أكثر من الأب، لضعفها غالبا.
قال النووى: ونقل الحارث المحاسبى إجماع العلماء على أن الأم تفضل فى البر على
الأب، وحكى القاضى عياض خلافا فى ذلك، فقال : قال الجمهور بتفضيلها، وقال بعضهم:
يكون برهما سواء، قال: ونسب بعضهم هذا إلى مالك، والصواب الأول، لصريح هذه
الأحاديث فى المعنى المذكوراهـ
أقول: واقتضت الآيات التى سقناها فى المعنى العام الوصية بالوالدين، والأمر بطاعتهما، ولو
كانا كافرين، إلا إذا أمرا بالشرك، فتجب معصيتهما فى ذلك، عملا بقوله تعالى ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى
أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥].
وقد أخرج مسلم فى صحيحه عن مصعب بن سعد بن أبى وقاص، عن أبيه قال: حلفت
أم سعد، لا تكلمه أبداً، حتى يكفر بدينه، قالت: زعمت أن الله أوصاك بوالديك، فأنا أمك،
وأنا آمرك بهذا، فنزلت ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ
لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت: ٨] وفى رواية «قالت أمه: يا سعد. لن آكل، ولن أشرب
حتى أموت، فتعيربى بين العرب، فيقال لك: يا قاتل أمه. فقال سعد: يا أماه. والله لقد علم
العرب أننى أبر الناس بأمى، ولكن. لو أن لك مائة نفس، فخرجت نفسا نفسا، ما رجعت
عن دينى)».
وحديثنا صريح فى أن للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر، ويقويه ما جاء فى الصحيح أن رسول
اللَّهِ وَ﴿ قال: ((إن الله يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم
بآبائكم، ثم بالأقرب فالأقرب)). ويؤيد القول بتقديم الأم ما أخرجه الحاكم وأبو داود ((أن امرأة قالت:
يا رسول اللَّه. إن ابنى هذا، كان بطنى له وعاء، وثديى له سقاء، وحجرى له حواء، وإن أباه طلقنى،
٦١٥

وأراد أن ينزعه منى؟ فقال: أنت أحق به. ما لم تنكحى)). فتوصلت لاختصاصها به، باختصاصه بها
فى الأمور الثلاثة، ويعلل الجمهور ذلك بما تتحمل من مشاق خاصة بها، لا يشاركها فيها الأب، ثم هى
تشارك الأب فى التربية، وتشير إلى ذلك الآية الكريمة ﴿وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ
كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] فَسوى بينهما فى الوصاية، وخص
الأم بالأمور الثلاثة.
وحجة غير الجمهور - وهم بعض الشافعية - أن الآيات تجمعهما - دون تفرقة - فى طلب
الإحسان إليهما ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾، ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ
أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنَ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوَ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفِّ وَلا
تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَّهُمَا قَّوْلاً كَرِيمَاه)، وَاخْفِضَْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي
صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣، ٢٤].
ويقولون: إن ما تعانيه الأم من مشاق تقوم به اندفاعاً من طبيعتها وخلقتها، فهو لإرضاء نفسها،
وإشباع غريزتها، كمن يتعب فى الأكل والشرب، لا يبغى بذلك أجرا، فلا يطلب من الابن مكافأتها
على ما تمتعت هى به، تمتعا لا تقبل هى بحال أن تتخلى عنه.
أما الحديث فيكرر البربها، والإحسان إليها، لأنها لضعفها غالبا تكون أحوج من الأب للعطف،
والبرلا جزاء على ما قدمت، وهى وإن كانت مسئولة عن الابن فترة ما من الزمن، فالأب مسئول عنها
وعن ابنها، وهو المتحمل شرعا لنفقتها ونفقة ابنها، وجميع التكاليف اليومية، مما يجعله - على
الأقل - مساويا لها فى حقوقه على أولاده.
وما نسب إلى الإمام مالك من أنه يقول: إنهما فى البرسواء، أخذ مما روى أنه سأله رجل، قال:
طلبنى أبى فمنعتنى أمى؟ قال مالك: أطع أباك، ولا تعص أمك. قال ابن بطال: هذا يدل على أنه يرى
أن برهما سواء، إذ قال الليث - حين سئل عن هذه المسألة بعينها - قال: أطع أمك، فإن لها ثلثى
البر. قال الحافظ ابن حجر: والصواب رأى الجمهور.
وأميل إلى التفرقة فى البر، بين العطاء، وبين الطاعة، فتعطى الأم من العطف والشفقة والحنان
والصلات المادية ثلاثة أمثال ما يعطى الأب، ويطاع الأب فى أوامره ونواهيه وتوجيهاته، فهو قائد
الأسرة، وله القوامة عليها، وعليها طاعته، فلا معنى لطاعة الابن لها، ما دامت هى مطيعة للأب
زوجها، ويبقى الكلام فى طاعة الابن لها حيث لا يكون الأب موجودا، وعندى أن ذلك يخضع لظروف
وملابسات يختلف معها الحكم، فقد يكون الابن بالغا عاقلا رشيدا حكيما، والأم متخلفة، تحكمها
شهوتها وعاطفتها، فتأمره بالزواج بمن لا يهوى مثلا، أو تطليق من يهوى، ومن حاله مستقيمة معها.
فكيف نوجب عليه طاعتها؟
وفى ترتيب الأقربين يقول النووى: قال أصحابنا: يستحب أن تقدم فى البر الأم، ثم الأب، ثم
الأجداد والجدات، ثم الأخوة والأخوات، ثم سائر المحارم من ذوى الأرحام، كالأعمام والعمات،
٦١٦

والأخوال والخالات، ويقدم الأقرب فالأقرب، ويقدم من أدلى بأبوين على من أدلى بأحدهما، ثم بذى
الرحم غير المحرم، كابن العم وبنته، وأولاد الأخوال والخالات وغيرهم، ثم المصاهر، ثم الجار، ويقدم
القريب البعيد الدار على الجارغير القريب، وكذا لو كان القريب فى بلد آخر، قدم على الجار الأجنبى،
قال: وألحقوا الزوجة والزوج بالمحارم. اهـ وقد أخرج أحمد والنسائي، وصححه الحاكم ((أن امرأة
سألت النبى 9: أى الناس أعظم حقا على المرأة؟ قال: زوجها، قالت، فعلى الرجل؟ قال: أمه)).
وأما عن النقطة الثانية : فقال جمهور العلماء: يحرم الجهاد إذا منع الأبوان أو أحدهما، بشرط أن
يكونا مسلمين، لأن برهما فرض عين، والجهاد فرض كفاية، فإن تعين الجهاد، فلا يحتاج إلى إذن،
وإن كانا مشركين لم يشترط إذنهما، عند الشافعى، ومن وافقه، وشرطه الثورى، هذا كله إذا لم يحضر
الصف، ويتعين القتال، وإلا فلا إذن، ولهما أن يرجعا فى إذنهما، إذا لم يحضر الصف، ولو منعاه
فحضر الصف، فلا إذن، وألحق بعضهم الجد والجدة بالأبوين.
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- الحث على بر الوالدين.
٢- وعلى بر الأقارب.
٣ - حرص الصحابة على أمور دينهم، وسؤالهم عما يحتاجون إليه مما يجهلون.
٤- وسعة صدره صلى الله عليه وسلم، وإجابته عن السؤال، ثم السؤال، ثم السؤال.
٥- استدل بالرواية الثالثة، والرابعة على تحريم السفر بغير إذن الوالدين، لأن الجهاد إذا منع مع
فضيلته فالسفر المباح أولى، نعم. إن كان سفره لتعلم فرض عين، حيث تعين السفر طريقا إليه،
فلا منع.
وإن كان فرض كفاية، ففيه خلاف.
هذا وقد سبق فى كتاب الإيمان بعض ما يتعلق بهذا الحديث، وبتحريم عقوق الوالدين.
واللَّه أعلم
٦١٧

(٦٨٦) باب تقديم الوالدين على التطوع بالصلاة،
وغيرها، وفضل بر الوالدين
٥٥٦١- ٣ِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَ﴾(٧) أَنَّهُ قَالَ: كَانَ جُرَيْجٌ يَتَعَبَّدُ فِي صَوْمَعَةٍ. فَجَاءَتْ أُمُّهُ. قَالَ
حُمَّيْدٌ: فَوَصَفَ لَنَا أَبُو رَافِعٍ صِفَةً أَبِي هُرَيْرَةَ لِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ﴿ِ أُمَّهُ حِينَ دَعَتْهُ، كَيْفَ
جَعَلَتْ كَفَّهَا فَوْقَ حَاجِبِهَا، ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَيْهِ تَدْعُوهُ. فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ! أَنَا أُمُّكَ. كَلِّمْنِي.
فَصَادَفَتْهُ يُصَلِّي. فَقَالَ: اللَّهُمَّا أُمِّي وَصَلَائِي. فَاخْتَارَ صَلاَتَهُ. فَرَجَعَتْ ثُمَّ عَادَتْ فِي الثَّانِيَةِ.
فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ! أَنَا أُمُّكَ. فَكَلِّمْنِي. قَالَ: اللَّهُمَّ! أُمِّي وَصَلاتِي. فَاخْتَارَ صَلاَتَهُ. فَقَالَتِ:
اللَّهُمَّ! إِنَّ هَذَا جُرَيْجٌ. وَهُوَ ابْنِي. وَإِنِّي كُلِّمْتُهُ فَأَبِى أَنْ يُكَلِّمَنِي. اللَّهُمَّ فَلا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ
الْمُومِسَاتِ. قَالَ: وَلَوْ دَعَتْ عَلَيْهِ أَن يُفْتَنَ لَفُتِنَ. قَالَ: وَكَانَ رَاعِي ضَأْنٍ يَأْوِي إِلَى دَيْرِهِ.
قَالَ: فَخَرَجَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْقَرْبَةِ. فَوَقَعَ عَلَيْهَا الرَّاعِي. فَحَمَلَتْ فَوَلَدَتْ غُلامًا. فَقِيلَ لَهَا: مَا
هَذَا؟ قَالَتْ: مِن صَاحِبِ هَذَا الدَّيْرِ. قَالَ: فَجَاءُوا بِفُؤُوسِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ. فَنَادَوْهُ فَصَادَفُوهُ
يُصَلِّي. فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ. قَالَ: فَأَخَذُوا يَهْدِمُونُ دَيْرَهُ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ نَزَلَ إِلَيْهِمْ. فَقَالُوا لَهُ: سَلْ
هَذِهِ. قَالَ: فَتَبَسَّمَ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَ الصَّبِيِّ فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: أَبِي رَاعِي الصَّأْنِ. فَلَمَّا سَمِعُوا
ذَلِكَ مِنْهُ قَالُوا: فَيْنِي مَا هَدَمْنَا مِن دَيْرِكَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. قَالَ: لا، وَلَكِنْ أَعِيدُوهُ تُرَابًا كَمَا
كَانَ. ثُمَّ عَلاهُ.
٥٦٦٢- ﴿ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(٨)، عَنِ النَّبِيِّ ﴿ قَالَ: «لَمْ يَتَكُلِّمْ فِي الْمَهْدِ إِلاَ ثَلاثَةٌ: عِيسَى
ابْنُ مَرْيَمَ. وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ. وَكَانَ جُرَيْجٌ رَجُلًا عَابِدًا. فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةٌ. فَكَانَ فِيهَا. فَأَتَتْهُ أُمُّهُ
وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ! فَقَالَ: يَا رَبِّ! أُمِّي وَصَلاتِي. فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاتِهِ. فَانْصَرَفَتْ.
فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي. فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ! فَقَالَ: يَا رَبِّ! أُمِّي وَصَلاتِي. فَأَقْبَلَ
عَلَى صَلاتِهِ. فَانْصَرَفَتْ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَنْهُ وَهُوَ يُصَلِّي. فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ! فَقَالَ: أَيْ
رَبِّ! أُمِّي وَصَلاتِي. فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاِهِ. فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ! لا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ
الْمُومِسَاتِ. فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ. وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَّثِّلُ بِحُسْنِهَا. فَقَالَتْ:
إِنْ شِئْتُمْ لِأَفْسَسْهُ لَكُمْ. قَالَ: فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا. فَأَتَتْ رَاعِيًّا كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ
فَأَمْكَنَتْهُ مِن نَفْسِهَا. فَوَقَعَ عَلَيْهَا. فَحَمَّلَتْ. فَلَمَّا وَلَدَتْ. قَالَتْ: هُوَ مِن جُرَيْجٍ. فَأَتَوْهُ
(٧) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٌ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ حَدََّنَا حُمَّيْدُ بْنُ هِلالٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ
(٨) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
٦١٨

فَاسْتَنْزَلُوهُ وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ. فَقَالَ: مَا شَأْكُمْ؟ قَالُوا: زَلَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ.
فَوَّلَدَتْ مِنْكَ. فَقَالَ: أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاءُوا بِهِ. فَقَالَ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ فَصَلَّى. فَلَّمَّا انْصَرَفَ
أَتَّى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ. وَقَالَ: يَا غُلامُ! مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: فُلانٌ الرَّاعِي. قَالَ: فَأَقْبَلُوا عَلَى
جُرَيْجٍ يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ. وَقَالُوا: نَبْنِي لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِن ذَهَبٍ. قَالَ: لا. أَعِيدُوهَا مِن
طِينٍ كَّمَا كَانَتْ. فَفَعَلُوا. وَبَيْنَا صَّبِيٌّ يَرْضَعُ مِن أُمِّهِ. فَمَرَّ رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى دَابَّةٍ فَارِهَةٍ وَشَارَةٍ
حَسَنَةٍ. فَقَالَتْ أُمُّهُ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذَا. فَتَرَكَ الثَّدْيَ وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ. فَقَالَ:
اللَّهُمَّ! لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهِ فَجَعَلَ يَرْتَضِعُ. قَالَ: فَكَأَنِي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ
﴿ وَهُوَ يَحْكِي ارْتِضَاعَةُ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّبَةِ فِي فَمِهِ. فَجَعَلَ يَمُصُّهَا. قَالَ: وَمَرُّوا بِجَارِيَةٍ وَهُمْ
يَضْرِبُونَهَا وَيَقُولُونَ: زَيْتِ. سَرَقْتٍ. وَهِيَ تَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَقَالَتْ أُّهُ: اللَّهُمَّ!
لا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا. فَتَرَكَ الرَّضَاعَ وَنَظَرَ إِلَيْهَا. فَقَالَ: اللّهُمَّ! اجْعَلْنِي مِثْلَهَا. فَهُنَّاكَ تَرَاجَعَا
الْحَدِيثَ. فَقَالَتْ: حَلْقَى! مَرَّ رَجُلٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ! اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ!
لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ. وَمَرُّوا بِهَذِهِ الأَمَةِ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا وَيَقُولُونَ: زَيْتٍ. سَرَفْتِ. فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ لا
تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ! اجْعَلْنِي مِثْلَهَا. قَالَ: إِنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ كَانَ جَبَّارًا. فَقُلْتُ:
اللَّهُمَّ! لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ. وَإِنَّ هَذِهِ يَقُولُونُ لَهَا: زَيْتِ. وَلَمْ تَزْنِ. وَسَرَقْتٍ. وَلَمْ تَسْرِقْ. فَقُلْتُ:
اللَّهُمَّ! اجْعَلْنِي مِثْلَهَا.
٥٦٦٣ - ثْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(٤)، عَنِ النّبِيِّلَّ قَالَ: «رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ
أَنْفُ، قِيلَ: مَنْ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ
يَدْخُلِ الْجَنَّةَ».
٥٦٦٤- ١٠ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(١٠) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِل ◌َ﴿: «رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ
رَغِمَ أَنْفُهُ» قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «مَنْ أَذْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا
ثُمَّلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ».
٥٦٦٥ - وَفِي رواية عَن أَبِي هُرَيْرَةَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ّ: «رَغِمَ أَنْفُهُ» ثَلاثًا. ثُمَّ
ذَكَرَ مِثْلَهُ.
(٩) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنِ سُهَيْلٍ عَنِ أَبِيهِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
(١٠) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةً
- حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنِ سُلَيَّمَانَ بْنٍ بِلالٍ حَدَّثَنِي سُهَيْلٌ عَنْ أَبِهِ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ
٦١٩

المعنى العام
نعم. حقوق اللَّه تعالى مبنية على تفضله وعفوه ومسامحته، وقد أراد -جل شأنه- أن يقدم حقوق
عباده بعضهم مع بعض، وأن يجعل طابعها المشاحة، وأول حقوق العباد حقوق الوالدين على الولد،
وإِذا تعارض حق اللَّه مع حق الوالدين، قدمت الشريعة حقِ الوالدين، وجعلته أهم، لأن فى حقهما حق
اللَّه تعالى، فهو الذى شرع لهما حقهما، فأداؤه أداء لحق اللَّه وأمره وقضائه.
أمام هذا نجدنا إذا تعارضت الصلاة مع بر الوالدين قدم بر الوالدين. أمام هذا ومع أن الصلاة
مناجاة بين العبد وربه، إذا دعت الأم ابنها الذى يصلى، كان عليه أن يقدم إجابتها على الاستمرار فى
الصلاة، وهذا ما لم يفعله جريج الراهب، صاحب قصة الحديث، مما دفع أمه إلى الدعاء عليه،
وأجاب الله دعاءها، ولما كان مجتهدًا، كان خطؤه مأجورًا، فتداركته نعمة من ربه، ولحقته رحمة الله
وفضله، فأنقذه بعد غرقه، وخرق له العادة، وكرمه بأن أنطق الطفل فى المهد يشهد له، كما شهد
صاحب يوسف ليوسف، وكما تكلم عيسى عليه السلام فى المهد، يبرئ أمه ويشهد لها، وكما تكلم
الطفل يرد دعاء أمه.
كرامات ومعجزات، إن دلت على شيء فإنما تدل على قدرة الله تعالى التى لا تحدها عادة، ولا
يحول بينها وبين الإنجاز حائل.
ونعود إلى برالوالدين وحقوقهما، وقد ذكرنا وذكرت الأحاديث بعضا منها فى البابين
السابقين، وهى هنا تربط دخول الجنة برضاهما وبرهما، وتتوعد من يعقهما بالحرمان من
الجنة، وتحث من تهيأ له فرصة البربهما، والإحسان إليهما أن ينتهز هذه الفرصة ولا
يضيعها، والفرصة الحقيقية لذلك عند كبرهما وضعفهما وحاجتهما، فيا فوز من انتهزها،
فأضحكهما، وسرهما، ولم يقل لهما أف، ولم ينهرهما، وقال لهما قولا كريما، وخفض لهما
جناح الذل من الرحمة، وقال رب ارحمهما كما ربيانى صغيرا.
المباحث العربية
( كان جريج يتعبد فى صومعة ) بفتح الصاد وسكون الواو، وهى البناء المرتفع المحدد
أعلاه، يقال: صمع الشيء دققه وحدده، والصومع والصومعة بيت العبادة عند رهبان النصارى، وهى
تشبه الصومعة التى تبنى لخزن الحبوب، يبنيها الرهبان عادة على رأس جبل، لينقطعوا فيها للعبادة،
ويصعب وصول الناس إليها، وقد يطلق عليها الدير بفتح الدال، إذا كانت متسعة.
ويبدو أنها كانت هنا كذلك، إذ فى الرواية ((وكان راعى ضأن يأوى إلى ديره)» أى يأوى إلى دير
جريج ((قالت: من صاحب هذا الدير)) ((فأخذوا يهدمون ديره)) والظاهر أنه كان بعد عيسى ابن مريم،
وأنه كان من أتباعه، لأنهم الذين ابتدعوا الترهب وحبس النفس فى الصوامع، وعند أحمد ((كان رجل
فى بنى إسرائيل تاجرًا، وكان ينقص مرة، ويزيد مرة، فقال: ما فى هذه التجارة خير، لألتمسن تجارة،
هى خير من هذه، فبنى صومعة، وترهب فيها، وكان يقال له جريج ... )). الحديث، ومعنى ((يتعبد))
٦٢٠