Indexed OCR Text
Pages 581-600
ويطلق القرن على مدة من الزمان، واختلفوا فى تحديدها، من عشرة أعوام، إلى مائة وعشرين،
وذكر الجوهرى أقوالا، بين الثلاثين عاما والثمانين، وذكر صاحب المحكم أقوالا فيما بين العشرة
والسبعين، ثم قال: هذا هو القدر المتوسط من أعمار أهل كل زمن. قال الحافظ ابن حجر: وعند مسلم
ما يدل على أن القرن مائة، وهو المشهور - يشير إلى أحاديث الباب التالى.
والمراد من قرنه صلى الله عليه وسلم فى أحاديث الباب الصحابة، ومن الذين يلونهم التابعون،
ومن الذين يلونهم أتباع التابعين، قال شهر: قرنه صلى الله عليه وسلم: ما بقيت عين رأته، والذين
يلونهم ما بقيت عين رأت من رآه، وهكذا. وقال الحافظ ابن حجر: وقد ظهر أن الذى بين بعثته صلى
اللّه عليه وسلم وآخر من مات من الصحابة مائة وعشرون سنة، أو دونها أو فوقها بقليل، على
الاختلاف فى وفاة أبى الطفيل، وإن اعتبر ذلك من بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، - على ضوء
أحاديث الباب التالى - فيكون مائة سنة، أو تسعين، أو سبعا وتسعين.
وأما قرن التابعين، فإن اعتبر من سنة مائة كان نحو سبعين أو ثمانين، وأما الذين بعدهم فإن
اعتبر منها كان نحوا من خمسين فظهر بذلك أن مدة القرن تختلف باختلاف أعمار أهل كل زمان،
واتفقوا على أن آخر من كان من أتباع التابعين، ممن يقبل قوله: من عاش إلى حدود العشرين
ومائتين، وفى هذا الوقت ظهرت البدع ظهورا فاشيا، وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة
رءوسها، وامتحن أهل العلم، ليقولوا بخلق القرآن، وتغيرت الأحوال تغيراً شديداً، ولم يزل الأمر فى
نقص إلى الآن، وظهر قوله صلى الله عليه وسلم: ((ثم يفشو الكذب)) ظهوراً بينا، حتى يشمل الأقوال
والأفعال والمعتقدات. واللَّه المستعان. اهـ
والمراد من خيرية القرن، خيرية مجموعه وجملته بالنسبة لمجموع غيره وجملته هذا ما نميل
إليه، وإن قال الحافظ ابن حجر: لكن هذه الأفضلية بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد محل بحث. وإلى
الثانى نحا الجمهور، والأول قول ابن عبد البر، وسنحقق القول فى هذه المسألة فى فقه الحديث.
( ثم يجىء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته ) وفى رواية ((ثم يجىء
أقوام)) وفى الرواية الرابعة ((ثم يجىء قوم تبدر شهادة أحدهم يمينه، وتبدر يمينه شهادته)) و((تبدر))
بفتح التاء وسكون الباء وضم الدال، بمعنى تسبق. قال الحافظ ابن حجر: أى فى حالين، فى حالة
يشهد، ثم يحلف على صحة شهادته، ليقويها، فتسبق الشهادة اليمين، وفى حالة يحلف على صدق
شهادته قبل أن يشهد، وليس المراد أن ذلك يقع فى حالة واحدة، لأنه دور، به تصبح الشهادة سابقة
ومسبوقة فى وقت واحد، واليمين كذلك. قال: ويحتمل أن يقع ذلك فى حال واحدة عند من يجيز
الحلف فى الشهادة، فيريد أن يشهد ويحلف. اهـ وفى هذا الاحتمال نظر، لأن غاية ما فيه الجمع بين
الحلف والشهادة، لا سبق كل منهما الآخر.
وقال الطحاوى: أى يكثرون الأيمان فى كل شيء، حتى تصير عادة لهم، والحرص على ذلك، حتى
لا يدرى بأيهما يبدأ، لقلة المبالاة باليمين والشهادة.
٥٨١
وفى الرواية الخامسة ((ثم يتخلف من بعدهم خلف، تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته))
قال النووى: هكذا هو فى معظم النسخ ((يتخلف)) وفى بعضها ((يخلف)» بحذف التاء، وكلاهما
صحيح، أى يجىء بعدهم خلف - بإسكان اللام، هكذا الرواية، والمراد خلف سوء، قال أهل اللغة:
الخلف ما صار عوضا عن غيره، ويستعمل فيمن خلف بخير أو شر، لكن يقال فى الخير بفتح اللام
وإسكانها، لغتان، الفتح أشهر وأجود، وفى الشر بإسكانها عند الجمهور، وحكى أيضا فتحها. اهـ
وفى الرواية السادسة ((يشهدون قبل أن يستشهدوا)) وفى الرواية السابعة ((يشهدون ولا
يستشهدون)» قال النووى: هذا الحديث فى ظاهره مخالف للحديث الآخر ((خير الشهود، الذى يأتى
بالشهادة قبل أن يسألها)): قال العلماء: الجمع بينهما أن الذم فى ذلك لمن بادر بالشهادة فى حق
الآدمى، هو عالم بها، قبل أن يسألها صاحبها، وأما المدح فهو لمن كانت عنده شهادة لآدمى، ولا يعلم
بها صاحبها، فيخبره بها ليستشهد به عند القاضى إن أراد، أو يموت صاحبها العالم بها، ويخلف
ورثة، لا يعلمون بها، فيأتى الشاهد إليهم أو إلى من يتحدث عنهم، فيعلمهم بذلك، ويلتحق به من
كانت عنده شهادة حسبة، وهى الشهادة بحقوق اللَّه تعالى، أو فيه شائبة من حق اللَّه تعالى كالعتق،
والوقف والوصية العامة والعدة والطلاق ونحو ذلك، فيأتى القاضى، فيشهد بها، وهذا ممدوح، إلا إذا
كانت الشهادة بحد، ورأى المصلحة فى الستر. قال: وهذا الذى ذكرناه من الجمع بين الحديثين هو
مذهب أصحابنا ومالك وجماهير العلماء، وهو الصواب، وقيل فى الجمع أقوال أخرى ضعيفة منها:
١ - قول من قال بالدم مطلقا، ونابذ حديث المدح.
٢- وقول من حمل الذم على شهادة الزور، (وأجاز أداء الشهادة قبل السؤال فى غير ذلك).
٣- وقول من حمل الذم على الشهادة بالحدود (وأجاز أداء الشهادة قبل السؤال فى غير ذلك).
قال: وكلها فاسدة. اهـ
وجنح ابن عبد البر إلى ترجيح حديث المدح ((خير الشهداء الذى يأتى بالشهادة قبل أن يسألها))
لكونه من رواية أهل المدينة، رواية زيد بن خالد، فقدمه على رواية أهل العراق، وبالغ فزعم أن حديث
عمران هذا لا أصل له.
وجنح غيره إلى ترجيح حديث عمران، لاتفاق صاحبى الصحيح عليه، وانفراد مسلم بإخراج
حديث زيد ابن خالد، فقال بالذم مطلقا.
ومن العلماء من حمل حديث المدح على الكناية والمبالغة فى الإجابة إلى الأداء، فيكون لشدة
استعداده لها كالذى أداها قبل أن يسألها، كما يقال فى وصف الجواد: إنه ليعطى قبل الطلب، أى
يعطى سريعا عقب السؤال من غير توقف ولا تردد.
( كانوا ينهوننا - ونحن غلمان - عن العهد والشهادات ) عن الجمع بين اليمين
والشهادة، وقيل: المراد النهى عن قوله: على عهد اللَّه، أو أشهد بالله، والقائل هو إبراهيم النخعى،وفى
٥٨٢
رواية للبخارى ((ونحن صغار)) وفى رواية ((كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد)) قال ابن عبد البر:
معناه عندهم النهى عن مبادرة الرجل بقوله: ((أشهد باللَّه، وعلى عهد الله، لقد كان كذا وكذا ونحو
ذلك، وإنما كانوا يضربونهم على ذلك، حتى لا يصير لهم به عادة، فيحلفوا فى كل ما يصلح وما لا
يصلح. قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون المراد النهى عن تعاطى الشهادات، والتصدى لها،
لما فى تحملها من الحرج، ولا سيما عند أدائها، لأن الإنسان معرض للنسيان والسهو، ولا سيما وهم -
إذ ذاك - غالبا لا يكتبون.
( ثم يخلف قوم يحبون السمانة ) وفى الرواية السابعة ((ويظهر فيهم السمن)) قال النووى:
السمانة بفتح السين هى السمن، بكسر السين وفتح الميم. قال جمهور العلماء فى معنى هذا الحديث:
المراد بالسمن هنا كثرة اللحم، ومعناه أنه يكثر فيهم ذلك، وليس معناه، أن يتمحضوا سمانا، قالوا:
والمذموم منه من يستكسبه، وأما من هو فيه خلقة فلا يدخل فى هذا، والمتكسب له هو المتوسع فى
المأكول والمشروب، زائدا على المعتاد، وقيل: المراد بالسمن هنا أنهم يتكثرون بما ليس فيهم، ويدعون
ما ليس لهم من الشرف، وغيره، وقيل: المراد جمعهم الأموال بحرص وطغيان.
( ويخونون، ولا يؤتمنون ) قال النووى: معناه خيانة ظاهرة، بحيث لايبقى معها ائتمان،
بخلاف من خان بحقير مرة واحدة، فإنه يصدق عليه أنه خان، ولا يخرج به عن الأمانة فى بعض
المواطن. اهـ فهم لا يثق الناس بهم، ولا يعتقدونهم أمناء.
( وينذرون ولا يوفون) بكسر الذال وضمها لغتان، وفى ملحق الرواية السابعة ((ولا يفون)) بفتح
الياء، وهى صحيحة يقال: وفى، بتخفيف الفاء، وأوفى.
فقه الحديث
فى الحديث فضل الصحابة. فمن هو الصحابى المقصود بهذا الفضل؟ الموصوف بالخيرية على
بقية أفراد أمة الإجابة؟.
يقول البخارى: من صحب النبى * أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه. اهـ
وهذا الذى ذكره البخارى هو الراجح، لكن تحته صور، فيها خلاف كبير:
إحداها: من رآه غير مميز، وعمل المحدثين على أنه صحابى، فإنهم ذكروا مثل محمد بن أبى بكر
الصديق فى الصحابة، مع أنه ولد قبل وفاة النبى # بثلاثة أشهر وأيام.
ومع ذلك فأحاديث هذا الضرب مراسيل، لكنها ليست من قبيل مراسيل الصحابة المختلف فيها،
بل هى غير مقبولة - باتفاق، وهذا مما يلغز به، فيقال: صحابى، حديثه مرسل، لا يقبله من يقبل
مراسيل الصحابة.
ثانيها: يدخل فى هذا التعريف من رآه مسلما بالغا لحظة من بعد، ولولم يحصل بينهما مشافهة،
ككثير من الأعراب الذين اجتمعوا به فى حجة الوداع.
٥٨٣
ثالثها: من رآه وهو كافر، ثم أسلم بعد موته منهم. قال الحافظ ابن حجر: إن كان قوله: ((من
المسلمين. حالا خرج من هذه صفته، وهو المعتمد.
رابعها: يدخل فى هذا التعريف من صحبه أو رآه مسلما، ثم ارتد بعد ذلك، ولم يعد إلى الإسلام،
فإنه ليس صحابيا اتفاقا، فينبغى أن يزاد فيه ((ومات على ذلك)) أما لو ارتد ثم عاد إلى الإسلام، لكن
لم يره ثانيا بعد عوده فالصحيح أنه معدود فى الصحابة، لإطباق المحدثين على عد الأشعث بن قيس
ونحوه، ممن وقع له ذلك فى الصحابة، وإخراجهم أحاديثهم فى المسانيد.
خامسها: أدخل بعضهم فى هذا التعريف من رآه بعد موته، وقبل دفنه، قال الحافظ ابن حجر:
والراجح أنه ليس بصحابى، وإلا لعد من اتفق له من يرى جسده المكرم وهو فى قبره المعظم صحابيا،
ولو فى هذه الأعصار، وكذلك من كشف له عنه من الأولياء، فرآه كذلك على طريق الكرامة، إذ حجة من
أثبت الصحبة لمن رآه قبل دفنه أنه مستمر الحياة، وهذه الحياة ليست دنيوية، وإنما هى أخروية، لا
تتعلق بها أحكام الدنيا، فإن الشهداء أحياء، ومع ذلك فإن الأحكام المتعلقة بهم بعد القتل جارية
على أحكام غيرهم من الموتى.
أما من رآه فى المنام - وإن كان قد رآه حقا - فذلك مما يرجع إلى الأمور المعنوية، لا الأحكام
الدنيوية، فلذلك لا يعد صحابيا، ولا يجب عليه العمل بما أمره به فى تلك الحالة.
ويقابل هذا التعريف تعريف يعنى بالأهلية لهذا اللقب، فيحمل الصحبة على ما هو
متعارف، فلا يعد فى الصحابة إلا من صحب صحبة عرفية، وكان مسلما بالغا، ومات على
الإسلام، وقد روى عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يعد فى الصحابة إلا من أقام مع النبى
* سنة فصاعدا، أو غزا معه غزوة فصاعدا، ولا يدخل فى الصحابة من له رؤية لكن فارق
عن قرب. وقد جاء عن أنس أنه سئل: هل بقى من أصحاب النبي ◌َلَ﴾ أحد غيرك؟ قال: لا.
مع أنه كان فى ذلك الوقت عدد كثير ممن لقيه من الأعراب.
ومع أن الحافظ ابن حجر يقول: والذى جزم به البخارى هو قول أحمد والجمهور من المحدثين،
ويقول عن القول الآخر: وهو مردود.
والعمل على خلاف هذا القول، فإنى أميل إلى هذا القول من حيث الحكمة فى منح هذا
اللقب، واستحقاق هذه الفضائل، واعتمادا على النصوص الكثيرة المشهورة وفى سبيل ذلك
أضع الحقائق التالية:
أولا: لا خلاف فى أن مجرد رؤيته صلى الله عليه وسلم من مسلم، ولو من طفل صغير ميزة وفضيلة
لا تنكر لحصول بركة اللقاء، وكذلك من رآه مسلما بالغا لحظات قليلة، لكنها لا يصدق عليها أنها
صحبة، لا لغة، ولا عرفا، فلم يقل أحد إن رؤية من فى السوق والمارة فى الشوارع تثبت الصحبة، ذات
الآثار الشرعية والعرفية.
ثانيا: النصوص تعلل فضائل الصحابة بعلة لا يتحلى بها، إلا الصاحب اللغوى والعرفى، وسيأتينا
حديث ((لا تسبوا أصحابى. فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم،
ولا نصيفه)). وقد سبق حديث ((لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم)).
٥٨٤
وحديث الرضا عن أهل بيعة الرضوان تحت الشجرة، والقرآن الكريم يقول ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَّ هُمْ
الصَّادِقُونَ﴾ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ
حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْكَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٨، ٩].
من هنا استحقوا الفضائل، والجزاء الحسن الموعود به، ولا يؤهل مجرد الرؤية لهذا الجزاء،
وأحاديث الحوض، وأنه يذاد عنه بعض الصحابة، فيقول صلى الله عليه وسلم: ((أصحابى. أصحابى؟
فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول صلى الله عليه وسلم: سحقا. سحقاً)). لم يغن عنهم
أنهم رأوا، وإنما طبقت عليهم قواعد الإسلام، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
شَرَّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، يا حمزة بن عبد المطلب، يا فاطمة بنت محمد. اعملوا فلن أغنى عنكم من
الله شيئا. وهكذا لا تغنى الرؤية بدون عمل، ولها فضلها، لكنها لا تكفى وحدها، ليتبرك بأصحابها،
وليفتح بها على المسلمين، ولقد رأينا فى غزوة أحد أن الصحبة لم تفتح، لمجرد أنهم خالفوا رغبة
نبيهم وإشارته، فكيف نتبرك ونطمئن للفتح لمجرد وجود واحد رأى؟ نعم نتبرك ونأمل الفتح إذا كان
من رأى صحب صحبة حقيقية، بذل فيها النفس والمال فى سبيل الدعوة إلى الله. والله أعلم.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١ - أن الصحابة فى مجموعهم خير من التابعين فى مجموعهم، وأن التابعين فى مجموعهم خير من
أتباع التابعين فى مجموعهم.
٢- ويؤخذ منه جواز المفاضلة بين الصحابة.
٣- استدل به بعضهم على تعديل أهل القرون الثلاثة، وإن تفاوتت منازلهم فى الفضل، وهذا محمول
على الغالب، والأكثرية، فقد وجد فى بعض أفرادها من اتصف بصفات مذمومة، لكن بقلة،
بخلاف ما بعد القرون الثلاثة، فالموجود من المذمومين أكثر.
٤- استنبط البخارى من الرواية الأولى والثانية الاستعانة بالضعفاء والصالحين فى الحرب، والتبرك
بهم وبدعائهم، وقد أخرج أبو نعيم فى الحلية ((ينصر المسلمون بدعاء المستضعفين)).
٥- ومن الرواية الثالثة والرابعة ذم من يشهد ويحلف مع شهادته، واحتج به بعض المالكية فى رد
شهادة من حلف معها، وجمهور العلماء أنها لا ترد.
٦- وفى الرواية السادسة ذم السمن الناتج عن الإكثار من الطعام والشراب.
٧- وفى الرواية السابعة وملحقاتها ذم الخيانة، وعدم الوفاء بالنذر، قال ابن بطال: سوى بين من
يخون أمانته، وبين من لا يفى بنذره، والخيانة مذمومة، فيكون ترك الوفاء بالنذر مذموما، وقال
الباجى: ساق ما وصفهم به مساق العيب، والجائز لا يعاب، فدل على أن عدم الوفاء بالنذر غير
جائز.
والله أعلم
٥٨٥
(٦٧٧) باب معنى قوله صلى الله عليه وسلم:
((على رأس مائة سنة لايبقى نفس منفوسة ممن هو موجود الآن))
٥٦٣٧ - ٢١٧ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا(٢١٧) قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ
اللَّهِ ◌َ﴿ ذَاتَ لَيْلَةٍ، صَلاةَ الْعِشَاءِ، فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ
لَيْلَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسٍ مِائَةٍ سَنَةٍ مِنْهَا لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ
أَحَدٌ)» قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَهَلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةٍ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ع ◌ِلْكَ، فِيمَا يَتَحَدَّثُونَ مِنْ
هَذِهِ الأَحَادِيثِ، عَن مِائَةٍ سَنَّةٍ. وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿: لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ
عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ. يُرِيدُ بِذَلِكَ أَن يَنْخَرِمَ ذَلِكَ الْقَرْلُ.
٥٦٣٨ - ٨ ٢١ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا (٢١٨) قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّل:﴿ يَقُولُ،
قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ: «تَسْأَلُونِي عَنِ السَّاعَةِ؟ وَإِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ. وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ! مَا عَلَى
الأَرْضِ مِن ◌َفْسٍ مَنْفُوسَةٍ تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ».
٥٦٣٩ - - وَفِي رواية عَن ابْنُ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرْ: قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ.
٥٦٤٠ - - وَفِي رواية عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ﴿ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ
قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ: «مَا مِن نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ، الْيَوْمَ، تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةٌ سَنَةٍ، وَهِيَ حَيَّةٌ
يَوْمَئِذٍ». وَعَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَاحِبِ السِّقَايَةِ، عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النّبِيِّ ﴾. بِمِثْلٍ
ذَلِكَ. وَفَسَّرَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: نَقْصُ الْعُمُرِ.
(٢١٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا وقَالَ عَبْدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ
أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَّرَ قَالَ
- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ وَرَوَاهُ اللَّيْثُ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ ابْنِ
مُسَافِرٍ كِلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادٍ مَعْمَرٍ كَمِثْلِ حَدِيثِهِ
(٢١٨) حَدِّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَحَجَّاجُ بُّنُ الشَّاعِرِ قَالا حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ
سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ
- وحَدَّثَِّيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِكْرِ أَخْبُرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ
- حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلِ كِلاهُمَا عَنِ الْمُغَتّمِرِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ ابْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ
سَمِعْتُ أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ عَنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
- حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا مِثْلَهُ
٥٨٦
٥٦٤١- ٩ ٢١ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَ﴾(٢١٩) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ الَّبِيُّ ﴿ مِن تَّبُوكَ، سَأَلُوهُ عَنِ
السَّاعَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِوَلِ: «لا تَأْتِي مِائَةُ سَنَةٍ، وَعَلَى الأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ».
٥٦٤٢ - ٢٠ٌ عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا (٢٢٠) قَالَ: قَالَ نَّبِيُّ اللَّهِ
﴿: «مَا مِن نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ، تَبْلُغُ مِائَةَ سَنَةٍ». فَقَالَ سَالِمٌ: تَذَاكَرْنَا ذَلِكَ عِنْدَهُ، إِنَّمَا
هِيَ كُلُّ نَفْسٍ مَغْلُوقَةٍ يَوْمَئِذٍ.
المعنى العام
الموت حق، نؤمن بوقوعه لكل مخلوق حى إيمانا بدهيا محسوسا، لكن الذى يخفى علينا وقت
وقوعه بنا ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ
غَدًّا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضِ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤] ولو علم الناس نهاية عمرهم
لأهملوا العمل، حتى يَقرب الأجل، فأخّفى الموعد، ليتوقع الكيس قربه، فيسعى ليل نهار، وليعمل
لدنياه، كأنه يعيش أبدا، ويعمل لآخرته كأنه يموت غدا.
ولما كان الإنسان مطبوعا على حب الاستطلاع، ومعرفة المجهول، ويخاف الفجأة القاضية كثر
السؤال عن الساعة، وموعدها، من منكريها، ومن المؤمنين بها، وكان الجواب واحدا، ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي
لا يُجَلِِّهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] ولكن إذا جاء
الأجل لا تستأخرون ساعة ولا تستقدمون، فعيشوا ما تعيشون، ولن يعيش أحد منكم - معشر الصحابة
المخاطبين - أكثر من مائة عام أوحى إلى ربى بذلك، وهو علام الغيوب.
المباحث العربية
( أرأيتكم ليلتكم هذه؟ ) أى أخبركم عن ليلتكم هذه؟ وعن آجالكم ابتداء منها؟ ودلالة
((أرأيتكم)) على ((أخبركم)) عن طريق مجاز مرسل، علاقته اللازمية، إذ يلزم من الرؤية الإخبار بالمرئى
غالبا، وكانت هذه الليلة قبل أن يموت صلى الله عليه وسلم بشهر، كما جاء فى الرواية الثانية،
وملحقيها، وكانت هذه المقالة بعد أن صلى بهم العشاء، وكأنه صلى الله عليه وسلم ينعى لهم نفسه،
ويبين أن الكل سيموت، طال الأجل أو قصر، وكانت هذه المقالة جوابا عن الساعة، وبعد عودته صلى
اللَّه عليه وسلم من تبوك.
(فإن على رأس مائة سنة منها، لايبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد ) فى الرواية
(٢١٩) حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ عَنِ دَاوُدَ وَاللَّفْظُ لَهُ ح و حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَّا سُلَّيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ عَنِ دَاوُدَ
عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
(٢٢٠) حَدَّثَتِي إِسْحَقُ بْنَّ مَنْصُورٍ أَخْبُرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ أَخْبُرَنَا أَبُو عَوَانَةً عَن حُصَيْنٍ عَن سَالِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ
٥٨٧
الثانية «تسألونى عن الساعة، وإنما علمها عند اللَّه، وأقسم باللَّه. ما على الأرض من نفس منفوسة،
تأتى عليها مائة سنة)) وفى ملحقها ((ما من نفس منفوسة اليوم تأتى عليها مائة سنة وهى حية
يومئذ)» وفى الرواية الثالثة ((لا يأتى مائة سنة، وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم)) وفى الرواية الرابعة
((ما من نفس منفوسة تبلغ مائة سنة)) قال الرواى: ((إنما هى كل نفس مخلوقة يومئذ)) ومعنى
((نفس منفوسة)) أى مولودة.
( فوهل الناس فى مقالة رسول الله* تلك، فيما يتحدثون من هذه الأحاديث عن
مائة سنة، وإنما قال رسول اللّه: ((لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد))
يريد بذلك أن ينخرم القرن) («وهل)) بفتح الهاء، يهل بكسرها، من باب ضرب، أى غلط، وذهب
وهمه إلى خلاف الصواب، وهو المراد هنا، أما وهل بكسر الهاء يهل بفتحها، من باب حذر، فمعناه،
فزع، والوهل بالفتح الفزع، والمعنى أن الصحابة أخذوا يفسرون هذا الحديث تفسيرات خاطئة فى
مجالسهم إذا تناولوا هذه الأحاديث، فمنهم من يظن أنهم سيعيشون مائة سنة، فظن بعضهم أن
أعمار من سيولد قد تصل مائة سنة، ولا تزيد عن مائة سنة، وإنما المراد أن كل نفس منفوسة من
الآدميين كانت تلك الليلة حية على الأرض، لاتعيش بعد تلك الليلة فوق مائة سنة، سواء كان عمرها
فى تلك الليلة قليلا أو كثيرا، وليس فيه نفى عيش أحد يوجد بعد تلك الليلة فوق مائة سنة.
وقول الراوى: ((يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن)» معناه أن رسول الله * يريد بهذا انقضاء
الأحياء الموجودين المعاصرين أهل هذا القرن، وذهابهم قبل مائة عام من هذه المقالة، يقال: انخرم
العام، أى ذهب وانقضى، وانخرم القوم، أى فنوا وذهبوا.
فقه الحديث
قال النووى: احتج بهذا الحديث من شذ من المحدثين، فقال: الخضر عليه السلام ميت.
والجمهور على حياته، كما سبق فى باب فضائله، ويتأولون هذه الأحاديث على أنه كان على البحر، لا
على الأرض (وهذا مردود، لأن البحر من الأرض) أو أن هذه الأحاديث من العام المخصوص. اهـ
أو المراد ممن على الأرض من المخاطبين ومن على شاكلتهم، أى الصحابة، أى لا يبقى أحد من
الصحابة بعد مائة سنة، ولذلك بحثنا فى الباب السابق، فى نهاية القرن، وآخر الصحابة موتا، ولم
نبحث آخر الناس فى جميع بقاع الأرض موتا.
١- وقال النووى: فى الحديث احتراز من الملائكة: فإنهم لا يدخلون فى النفس المنفوسة على ظهر
الأرض.
٢- وفيه الأسلوب الحكيم، وهو الجواب على ما ينبغى أن يسأل عنه، لا عما سئل عنه، فإنهم سألوا عن
الساعة، متى هى؟ فأجيبوا بأن ساعة كل مخلوق موته، وساعتهم جميعا بوجه عام قبل مائة سنة.
٣- وفيه مناقشة الصحابة بعضهم بعضاً فى مجالسهم عن معانى الأحاديث.
٤- وأنهم قد يخطئون فى فهمها.
والله أعلم
٥٨٨
(٦٧٨) باب تحريم سب الصحابة
٥٦٤٣-٢٢١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٢٢١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿: «لا تَسُبُّوا
أَصْحَابِي. لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ
ذَهَبًا، مَا أَذْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلا نَصِيفَهُ».
٥٦٤٤-٣٣٣ عَن أَبِي سَعِيدٍ ﴾(٢٢٢) قَالَ: كَانُ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
عَوْفٍ شَيْءٌ. فَسَبَّهُ خَالِدٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: «لا تَسُبُّوا أَحَدًا مِن أَصْحَابِي. فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ
أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ».
المعنى العام
إن سب المسلم ولعنه من الكبائر، بل من أكبر الكبائر، بل سب الحيوان ولعنه من الذنوب
الكبيرة، وكلما ارتفعت قيمة المسبوب ارتفعت الجريمة وغلظت، لهذا جاء فى الصحيح ((إن من أكبر
الكبائر أن يسب الرجل والديه، قيل: يا رسول الله. وكيف يسب الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا
الرجل، فيسب أباه ويلعن أمه)).
والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أفضل أهل الأرض بعد الأنبياء والرسل، فخير القرون قرنه
** ، لما قدموا للإسلام من خدمات يصغر معها ما يقدم من غيرهم، وقد علم ﴾ أن الصحابة سيقع
بينهم حروب، وتختلف وجهات النظر فى الحكم على أعمالهم، فحسم المادة، ونهى عن سبهم ولعنهم،
وأمام المسلم أمران، إما أن يمدحهم ويذكر أفضالهم، وإما أن يسكت إذا أحس خطأ من أخطائهم.
رضى الله عنهم أجمعين.
المباحث العربية
( لا تسبوا أصحابي. لا تسبوا أصحابى) كذا بالتكرير فى الرواية الأولى، وفى الرواية
الثانية ((كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول اللَّه ◌َ ل:
(٢٢١) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتَى التَّمِيمِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِيٍ شَيْئَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ يَحْيَى أَخْبُرَنَا وقَالَ الآخَرَانِ حَدَّثَنَا أَبُو
مُعَاوِيَةً عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٢٢٢) حَدَّا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثًا جَرِيرَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَن أَبِيِ صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
- حَدَثَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشْجُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَّالإِ حَدَّثَنَا وَكِيجَ عَنِ الَأَعْمَشِِ حْ وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَنَا أَبِي ح وَحَدََّنَا ابْنُ
الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالا حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيِّ جَمِيعًا عَنِ شُعْبَةً عَنِ الأَغَمَّشِ بِإِسْنَاهِ جَرِيرٍ وَأَبِي مُعَاوِيَةَ بِمِثْلٍ خَدِيثِهِمَا وَلَيْسَ فِي
حَدِيثِ شُعْبَةً وَوَكَّيِعٍ ذِكْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ
٥٨٩
((لا تسبو أحدًا من أصحابى)). بدون تكرير، وقد وضحت هذه الرواية المخاطب بقوله: ((لا تسبوا)) وهو
وإن كان الضمير فيه جمعا، لكن المقصود به واحد، وهو خالد، وغيره يجرى عليه النهى بطريق
القياس، لأنه إذا نهى الصحابى صاحب الفضل عن أن يسب، نهى غير صاحب الفضل من باب أولى،
ويحتمل أن يكون الخطاب لكل من يتأتى خطابه، فى أى زمان، وأى مكان، أى لا تسبوا معشر
المكلفين من المسلمين أصحابى، وقد روى أن مناقشة دارت فى التفاضل بين السابقين إلى الإسلام
وفضلهم، وبين اللاحقين، وكان خالد ممن تأخر إسلامهم، فغضب وسب.
( فوالذي نفسي بيده. لوأن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم
ولانصيفه) قال الحافظ ابن حجر: فيه إشعار بأن المراد بقوله («أصحابى)» أصحاب مخصوصون،
وإلا فالخطاب كان الصحابة، وقد قال ((أحدكم)) وهذا كقوله ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ
وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] ومع ذلك فنهى بعض من أدرك النبى ®، وخاطبه بذلك، عن سب من سبقه،
يقتضى زجر من لم يدرك النبى (88، ولم يخطابه عن سبه من سبقه من باب أولى، وغفل من قال: إن
الخطاب بذلك لغير الصحابة، والمراد به من سيوجد من المسلمين المفروضين فى العقل، تنزيلا لمن
سيوجد منزلة الموجود، للقطع بوقوعه، ووجه التعقيب عليه وقوع التصريح فى نفس الخبر بأن
المخاطب بذلك، خالد بن الوليد، وهو من الصحابة الموجودين إذ ذاك بالاتفاق.
وفى رواية ((لو أنفق أحدكم كل يوم مثل أحد ذهباً)) وهذه الزيادة حسنة، والمد مكيال يعدل حفنة
- بكف الرجل المعتدل، والنصيف بوزن رغيف هو النصف، وقيل: النصيف مكيال دون المد، وحكى
الخطابى أنه روى ((مد أحدهم)) بفتح الميم. قال: والمراد به الفضل والطول.
قال البيضاوى: معنى الحديث: لا ينال أحدكم - بإنفاق مثل أحد ذهباً - من الفضل والأجر، ما
ينال أحدهم بإنفاق مد طعام أو نصيفه، وسبب التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاص وصدق
النية. قال الحافظ ابن حجر: وأعظم من ذلك فى سبب الأفضلية عظم موقع ذلك، لشدة الاحتياج إليه.
قلت مع ضيق ذات اليد، ووقوعه فى وقت شدة وعسر.
قال: وأشار بالأفضلية بسبب الإنفاق إلى الأفضلية بسبب القتال، كما وقع فى الآية ﴿لا يَسْتَوي
مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] فإن فيها إشارة إلى موقع السبب الذى ذكرته،
وذلك أن الإنفاق والقتال كان قبل فتح مكة عظيما، لشدة الحاجة إليه، وقلة المعتنى به، بخلاف ما
وقع بعد ذلك، لأن المسلمين صاروا كثرة بعد الفتح، ودخل الناس فى دين الله أفواجا، فإنه لا يقع ذلك
الموقع المتقدم.
فقه الحديث
قال النووى: واعلم أن سب الصحابة - رضى الله عنهم - حرام، من فواحش المحرمات، سواء من
لابس الفتن منهم وغيره، لأنهم مجتهدون فى تلك الحروب، متأولون.
قال القاضى: وسب أحدهم من المعاصى الكبائر.
واختلف فى حكم من يسب الصحابة، فذهب الجمهور إلى أنه يعزر، وعن بعض المالكية يقتل،
٥٩٠
وخص بعض الشافعية ذلك بالشيخين والحسين، فحكى القاضى حسين فى ذلك وجهين وقواه
السبكى فى حق من كفر الشيخين، وكذا من كفر من صرح النبى {₪ بإيمانه، أو تبشيره بالجنة، إذا
تواتر الخبر بذلك، لما يتضمنه من تكذيب رسول اللَّه ◌ُ ل﴾.
وفى الحديث فضل إنفاق الصحابة. قال القاضى: وسبب تفضيل نفقتهم أنها كانت فى وقت
الضرورة، وضيق الحال، بخلاف غيرهم، ولأن إنفاقهم كان فى نصرته صلى الله عليه وسلم وحمايته،
وذلك معدوم بعده، وكذا جهادهم، وسائر طاعاتهم. وهذا كله مع ما كان فى أنفسهم من الشفقة والتودد
والخشوع والتواضع والإيثار، والجهاد فى سبيل الله حق جهاده، وفضيلة الصحبة ولو لحظة، لا يوازيها
عمل، ولا تنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بقياس، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، قال
القاضى: ومن أصحاب الحديث من يقول: هذه الفضيلة مختصة بمن طالت صحبته، وقاتل معه،
وأنفق وهاجر ونصر، لا لمن رآه مرة، كوفود الأعراب.
والله أعلم
٥٩١
(٦٧٩) باب من فضائل أويس القرنى
٥٦٤٥- ٢٢٣ عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ(٢٢٣)، أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَفَدُوا إِلَى عُمَرَ. وَفِيهِمْ رَجُلٌ مِمَّنْ
كَان يَسْخَرُ بِأَوَّيْسٍ. فَقَالَ عُمَرُ: هَلْ هَاهُنَا أَحَدٌ مِنَ الْقَرَبِّينَ؟ فَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَقَالَ عُمَرُ:
إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ:﴿ قَدْ قَالَ: «إِنَّ رَجُلا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ. لا يَدَعُ بِالْيَمَنِ غَيْرَ أُمِّ
لَّهُ قَدْ كَانَ بِهِ بَيَاضٌ. فَدَھَا اللَّهَ فَأَذْهَبَهُ عَنهُ، إِلا مَوْضِعَ الدِّينَارِ أَوِ الدِّرْهَمِ. فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ
فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ».
٥٦٤٦- ٢٣٤ عَن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴾(٢٢٤) قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ ﴿ يَقُولُ: «إِنَّ
خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ. وَلَهُ وَالِدَّةٌ، وَكَانَ بِهِ بَيَاضِرٌ. فَمُرُوهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ».
٥٦٤٧- ٢٣٥ عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابٍِ(٢٢٥) قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ
أَهْلِ الْيَمَنِ، سَأَلَهُمْ: أَفِيَكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ. فَقَالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مِن مُرَادٍ ثُمَّ مِن قَرَنِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَأْتَ مِنْهُ إِلا مَوْضِعَ
دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ يَقُولُ: «يَأْتِي
عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادٍ أَهْلِ الْيَمَنِ مِن مُرَادٍ، ثُمَّ مِن قَرَنٍ كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأْ مِنْهُ إِلا
مَوْضِعَ دِرْهَمٍ. لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ. لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لاَبَرَّهُ. فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ
فَافْعَلْ» فَاسْتَغْفِرْ لِي. فَاسْتَغْفَرَ لَهُ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْكُوْفَةَ. قَالَ: أَلا أَكْتُبُ لَكَ
إِلَى عَامِلِهَا؟ قَالَ: أَكُونُ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ حَجّ
رَجُلٌ مِن أَشْرَافِهِمْ. فَوَافَقَ عُمَرَ. فَسَأَلَّهُ عَنْ أُوَيْسٍ. قَالَ: تَرَكْتُهُ رَثْ الْبَيْتِ قَلِيلَ الْمَتَاعِ. قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ يَقُولُ: «يَأْنِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادٍ أَهْلِ الْيَمَنِ مِن مُرَادٍ ثُمَّ
مِن قَرَنِ. كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ، إِلا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ. لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ. لَوْ أَفْسَمَ عَلَى اللَّهِ
لابَرَّهُ. فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ. فَأَتَى أُوَيْسًا فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي. قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ
(٢٢٣) حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ حَدَّثَنِي سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ عَن أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أُسَيْرٍ
ابْنِ جابر
(٢٢٤) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى قَالا حَدَّثَنَا عَفَّاهُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا حَمَّدٌ وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ عَن سَعِيدِ الْجُرَيْرِيِّ بِهَذَا
الإِسْنَادِ عَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
(٢٢٥) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِنَّرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشَارِ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبُرَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ حَدَّثَنَا وَاللَّفْظُ
لابْنِ الْمُثَنََّ حَدَّثَنَا مُعَّذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَن قَتَادَةَ عَنِ زُرَارَةَ بْنِ أَوْلَىَّ عَن ◌َنِ أُسَيْرِ بْنِ جَابٍِ
٥٩٢
عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ. فَاسْتَغْفِرْ لِي. قَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي. قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ.
فَاسْتَغْفِرْ لِي. قَالَ: لَقِيتَ عُمَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَاسْتَغْفَرَ لَهُ. فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ. فَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ.
قَالَ أُسَيْرٌ: وَكَسَوْتُهُ بُرْدَةً. فَكَانَ كُلَّمَا رَآهُ إِنْسَانٌ قَالَ: مِن أَيْنَ لأُوَيْسٍ هَذِهِ الْبُرْدَةُ؟
المعنى العام
إذا كان خير القرون قرنه صلى الله عليه وسلم وصحابته فمن حيث المجموع الكلى، وهذا لايمنع
أن يوجد فرد أو أفراد فيمن بعد الصحابة هم أفضل عند الله وأقرب من بعض الصحابة، وكيف لا
واللَّه تعالى يقول: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]؟ وكيف لا وموسى عليه السلام أمر
أن يتعلم على يد رجلَ مغمور، وعبد من عباد الله، آتاه الله رحمة من عنده، وعلمه من لدنه علما؟ وكيف
لا ورسول الله: ﴿ يقول لعمر الفاروق، الذى أعز اللَّه به الإسلام، والذى إذا رآه الشيطان سالكاً فجاً
سلك فجا غيره، يقول له: إن فى التابعين رجلا، تحرص على أن يستغفرلك، أنت يا عمر فى حاجة
إلى استغفاره لك، إذا لقيته فاطلب منه أن يدعولك بالمغفرة .. إن اسمه أويس القرني، ستجده رث
الثياب، لا يأبه له الناس ولا يهتمون به، إنه من أهل اليمن، إنه يكون به برص، فيدعو الله، فيبرأ منه،
إلا ما يعدل حجم الدرهم، إنه سيكون له أم يبرها، إنه سيأتيك فيمن يأتيك مجاهداً من أهل اليمن،
فاطلب منه أن يستغفرلك، وأخذ عمر بعد أن استخلف يسأل وفود اليمن عن أويس، حتى وجده، فنفذ
وصية رسول اللَّه ◌َ ﴾.
المباحث العربية
( عن أسير بن جابر) بضم الهمزة وفتح السين، ويقال: أسير بن عمرو.
(وفيهم رجل ممن كان يسخر بأويس ) فائدة ذكر هذا الرجل هنا ليعلم قيمة
أويس عند عمر.
والمعنى: وجاء أويس فى الوفد مع من يسخر منه، ويحتمل أن أويساً لم يأت مع هذا الوفد، وسأل
عنه عمر، وقال عنه ما قال، ليراجع الرجل الذى يسخر منه، ليراجع نفسه، ومعنى ((يسخر منه)) أى
يحتقره، ويستهزئ به، وهذا دليل على أنه كان يخفى حاله وصلاحه، ويكتم السر الذى بينه وبين ربه
عز وجل، ولا يظهر منه شيء يدل على ذلك، وهذا طريق العارفين وخواص الأولياء، رضى الله عنهم.
( فقال عمر: هل ههنا أحد من القرنيين ) أى من بنى قرن، بفتح القاف والراء، وهى بطن
من مراد، وهو قرن بن ردمان بن ناجية بن مراد. هذا هو الصواب، وفى صحاح الجوهرى أنه منسوب
إلى قرن المنازل، الجبل المعروف، ميقات الإحرام لأهل نجد، قال النووي: وهذا غلط فاحش.
( فجاء ذلك الرجل ) الظاهر أنه الرجل الذى يسخر بأويس، وكأن عمر كان قد علم أنه يسخر
منه، فقال ذلك ليرجع الرجل عن الاستهزاء به، ولعله أيضا من القرنيين.
٥٩٣
( كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أويس بن
عامر؟ ) الأمداد جمع مدد، أى الجماعات الغزاة، الذين يمدون جيوش الإسلام فى الغزو.
أى يسأل عن أويس فلا يجده فى الأمداد.
( حتى أتى على أويس ) فى الكلام قلب، والأصل: حتى أتى عليه أويس، أو لا قلب، والمعنى
أتى على الأمداد يسألهم فيجيبون بالنفى، حتى أتى فى سؤاله على وفد ردوا بالإيجاب.
( لو أقسم على الله لأبره) أى لاستجاب دعاءه.
( فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل) الخطاب من رسول اللّه لعمر. أى اطلب منه
أن يستغفر لك.
( فقال له عمر: أين تريد؟ ) أين تريد أن تقيم؟.
( قال: الكوفة ) مفعول لفعل محذوف، أى أريد الإقامة فى الكوفة.
( قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟ ) ليجلك ويكرمك كما تستحق؟.
( قال: أكون فى غبراء الناس أحب إلى) فلا تكتب لعاملك، ولا تكشف أمرى، وغبراء
الناس، بفتح الغين وسكون الباء، أى ضعفائهم وعامتهم الذین لا یؤبه لهم.
( فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم ) أى من أشراف القرنيين.
( فوافق عمر ) أى فقابل عمر.
( فسأله عن أويس ) أى حاله وتصرفاته وسلوكياته.
( قال: تركته رث البيت ) أى رديئه وبذيئه.
( قليل المتاع ) حقير المتاع والأثاث.
(فإن استطعت أن يستغفرلك فافعل) يحتمل أن يكون هذا من تتمة كلام الرسول وُ ل*،
يحكيه عمر، ويحتمل أن يراد به وصية من عمر للرجل.
( فأتى أويسا: فقال: استغفرلى قال: أنت أحدث عهداً بسفر صالح، فاستغفرلى )
أنت قال ذلك أويس تخفيا لحاله، ولم يرفض الاستغفار للرجل، فلما أصر الرجل على طلب استغفار
أويس، فهم أويس أنه قابل عمر، وسمع الحديث من عمر، فسأله:
( لقيت عمر؟ قال: نعم، فاستغفر له، ففطن له الناس ) وأخذوا يطلبون منه الاستغفار.
( فانطلق على وجهه ) وترك الديار، ومشى على غير قصد مكان، بل حسبما يوجهه
وجهه وطريقه.
( قال أسير: وكسوته بردة ) فقبلها ولبسها على غير عادة.
( فكان كلما رآه إنسان قال: من أين لأويس هذه البردة؟ ) استغرابا وتعجبا، حيث لا
يملك ثمن بردة، ولم يتعود لبس مثلها.
٥٩٤
فقه الحديث
فيه فضيلة أويس القرنى، ومعجزة للنبى 8، واستحباب طلب الدعاء والاستغفار من
أهل الصلاح، وإن كان الطالب أفضل منهم، وفيه أن أويس أفضل التابعين، ولا يتعارض هذا
مع قول أحمد بن حنبل وغيره: أفضل التابعين سعيد بن المسيب، إذ مرادهم أن سعيد بن
المسيب أفضل فى العلوم الشرعية، وأويس أفضل فى الصلاح والصلة باللّه.
وفيه فضيلة إيثار الخمول، وكتم حال الصلاح، وفضيلة برالوالدين، وفضيلة العزلة.
والله أعلم
٥٩٥
(٦٨٠) باب وصية النبي قل* بأهل مصر
٥٦٤٨- ٢٢٦ عَنْ أَبِي ذَرِّ ◌َِّ(٢٢٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ: «إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا
يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ. فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا. فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا. فَإِذَا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَقْتَعِلانِ
فِي مَوْضِعٍ لَبِنَّةٍ فَاخْرُجْ مِنْهَا» قَالَ فَمَرَّ بِرَبِيعَةً وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنَيْ شُرَحْبِيلَ ابْنِ حَسَنَةً.
يَتْنَازَعَانِ فِي مَوْضِعٍ لَبِنَّةٍ. فَخَرَجَ مِنْهَا.
٥٦٤٩- ٢٣٧ عَنْ أَبِي ذَرّ ◌َ﴾(٢١٧) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ: «إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ
مِصْرَ. وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيْرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا. فَإِنَّ لَهُمْ
ذِمَّةٌ وَرَحِمًا» أَوْ قَالَ: «ذِمَّةً وَصِهْرًا، فَإِذَا رَأَيْتَ رَجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فِيهَا فِي مَوْضِعٍ
لََِّةٍ، فَاخْرُجْ مِنْهَا» قَالَ: فَرَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شُرَحِيلَ بْنِ حَسَنَةً وَأَخَاهُ رَبِيعَةَ،
يَخْتَصِمَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ، فَخَرَجْتُ مِنْهَا.
المعنى العام
من رحمة الرسول و بأمة الدعوة، وشفقته عليها، ومن وضعه لأصحابه قواعد معاملة
غير المسلمين المنبثقة من الإحسان إلى من أساء، والعفو عمن ظلم، والأمر بالمعروف،
والإعراض عن الجاهلين.
من هذه السياسة الإسلامية الحكيمة يوصى صلى الله عليه وسلم صحابته بأهل مصر، حين
يفتحها المسلمون، ويتلمس علاقة ما ترغب فى الإحسان، وإن كانت لا تدفع إليه عند كثير من الناس.
إن لهم عندنا معشر المسلمين حقا وحرمة، فهم آل هاجر أم إسماعيل وأم العرب، وهم أهل مارية التى
تسراها رسول الله:﴿ وهى أم إبراهيم ابنِه عليه السلام، وصدق الله العظيم إذ يقول فى نبيه ﴿لَقَدْ
جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
المباحث العربية
( إنكم ستفتحون أرضاً) أى بلداً، وفى الرواية الثانية ((إنكم ستفتحون مصر)» والخطاب
للصحابة، وقد فتحوا مصر فى عهد عمر بن الخطاب رقظ له.
(٢٢٦) حَذََّنِي أَبُو الطَّاهِرِ أُخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَنِي حَرْمَلَةٌ حٍ وَ حَدَّثِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْآَيْلِيُّ حَدَّثْنَا ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ
وَهُوَ ابْنُ عِمْرَانُ الْتَّجِيُّ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا ذَرِّ يَقُولُ
(٢١٧) حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرَبٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالا حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّثْنَا أَبِي سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ الْمِصْرِيِّ يُحَدِّثُ عَن
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةً عَنْ أَبِي بَصْرَةَ عَن أَبِي ذَرٌ
٥٩٦
( يذكر فيها القيراط ) أى يستعمل فيها لفظ القيراط، وهو معيار فى الوزن والقياس،
واختلفت مقاديره باختلاف الأزمنة، وهو اليوم فى الوزن أربع قمحات، وفى وزن الذهب خاصة ثلاث
قمحات، وفى القياس جزء من أربعة وعشرين جزءا، ومن الفدان يساوى خمسة وسبعين ومائة متر.
( فاستوصوا بأهلها خيرا ) السين والتاء للطلب، أى ليطلب بعضكم من بعض الوصية بهم، أو
ليطلب كل منكم من نفسه ومن غيره الوصية بهم، والإحسان إليهم، وفى الرواية الثانية ((فإذا
فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها )».
( فإن لهم ذمة ورحما) الجملة تعليلية وفى الرواية الثانية ((فإن لهم ذمة ورحماً، أوقال: ذمة
وصهراً)) والذمة بكسر الذال العهد والأمان والكفالة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((المسلمون تتكافأ
دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم)). ومنه أهل الذمة، أى المعاهدون من أهل الكتاب، ومن جرى
مجراهم، والمعاهد هو الذى أعطى عهدا، يأمن به على نفسه وماله وعرضه ودينه، والمعنى عليه فإنهم
سيكون لهم ذمة وعهد، والأولى أن يراد بالذمة هنا الحق والحرمة، ويفسر هذا الحق بحق الرحم
وصلته، لكون هاجر أم إسماعيل وأم العرب منهم، والمراد بالصهر فى الرواية الثانية النسب لكون
مارية - أم إبراهيم- منهم، وكانت سرية له صلى الله عليه وسلم.
(فإذا رأيتم رجلين يقتتلان فى موضع لبنة فاخرج منها) فى الرواية الثانية ((فإذا
رأيت رجلين يختصمان فيها)) أى فى مصر، والمراد من المقاتلة المخاصمة والتنازع، ((فى موضع
لبنة فاخرج منها)) الخطاب والأمر بالخروج من مصر لأبى ذر، وهو مبنى على رؤيته هو ومن عساه يرى
معه خصومة رجلين فى موضع لبنة، وجمعها لبن بفتح اللام وكسر الباء، وهو المضروب من الطين
قوالب يبنى بها، دون أن تحرق. والخصومة فى مكانها من الأرض، قريبة من ملك هذا، أو من ملك
ذاك. وكان هذا فى ذلك الوقت من الأمور التافهة التى لا يتقاتل عليها لسعة الأرض وضعف قيمتها.
وكأن ذلك علامة على فساد الأحوال، وشيوع الخصومات وخص أبو ذر بذلك الخروج، لأن ذلك من
نقيض مبادئه التى تقول إن ما زاد على حاجتك ملك وحق لغيرك.
( قال: فمر بربيعة وعبد الرحمن، ابنى شرحبيل بن حسنة يتنازعان فى موضع لبنة،
فخرج منها) القائل ((فمر)) عبد الرحمن بن شماسة المهرى، الراوى عن أبى ذر، ويحتمل أنها من
كلام أبى ذر على التجريد، أى جرد من نفسه شخصا آخر يتحدث عنه، وصرح بدون تجريد فى الرواية
الثانية، ولفظها «فرأيت عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة، وأخاه ربيعة يختصمان فى موضع لبنة،
فخرجت منها)).
فقه الحديث
فيه وصية بأهل مصر والوصية بالخير لكل البلاد مطلوبة، لكنها مطلوبة بدرجة أكبر لأهل مصر لأن
لهم عند المسلمين يداً وفضيلة.
وفيه معجزات لرسول اللّه # ظاهرة، ومنها:
٥٩٧
إخباره بأن الأمة تكون لها قوة وشوكة بعده، بحيث يقهرون العجم والجبابرة.
وأنهم يفتحون مصر.
ومنها تنازع الرجلين فى موضع اللبنة.
ومنها تواجد أبى ذر بمصر، وخروجه منها.
وقد وقع كل ذلك، وللَّه الحمد والمنة.
والله أعلم
٥٩٨
(٦٨١) باب فضل أهل عمان
٥٦٥٠- ٢٢٨ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ عَ﴾(٢٢٨) قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ رَجُلا إِلَى حَيٍّ مِن أَحْيَاءِ
الْعَرَبِ. فَسَبُّهُ وَضَرَبُوهُ. فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ِ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ: «لَوْ أَنَّ
أَهْلَ عُمَانَ أَتَيْتَ، مَا سَبُّوكَ وَلا ضَرَبُوكَ».
المعنى العام
المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وتلك فضيلة، لكنها لا تصل فى الفضل إلى الإحسان
باللسان واليد، لكن حينما يكثر الأذى، ويشيع الظلم، والسب والشتم واللعن والضرب باليد وغيرها،
وأكل أموال الناس بالباطل تظهر فضيلة السلامة من اللسان واليد كفضيلة كبرى.
وهكذا كان أهل عمان فى هذا الزمن أرق أفئدة، وأنقى لساناً، وأنظف يداً من كثير من أحياء
العرب. فأثنى عليهم صلى الله عليه وسلم، ليقتدى بهم من عاصرهم، ومن يسمع بحسن أخلاقهم.
المباحث العربية
( بعث رسول اللَّه:﴿ رجلاً إلى حي من أحياء العرب) ليدعوهم إلى الإسلام بالحسنى،
وأُبهِمَ هذا الحى جريا على عادتهم فى عدم التصريح بالمذموم للستر عليه.
( لو أن أهل عمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك) ((عمان)» فى هذا الحديث بضم العين
وتخفيف الميم، وهى عاصمة البحرين، وحكى القاضى عياض أن من العلماء من ضبطه بفتح العين
وتشديد الميم، وهذا غلط.
فقه الحديث
فيه منقبة وفضل لأهل عمان بالثناء عليهم.
وفيه فضيلة سلامة المسلمين من الأذى.
وفيه ما لاقى حاملو الدعوة من العنت والأذى.
وما كان عليه بعض أحياء العرب من الغلظة والعنف والإيذاء.
والله أعلم
(٢٢٨) حَدَّا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ عَنْ أَبِي الْوَازِعِ جَابِرِ بْنِ عَمْرِو الرَّاسِيِّ سَمِعْتُ أَبَا بَرْزَةَ يَقُولُ
٥٩٩
(٦٨٢) باب ذكر كذاب ثقيف
٥٦٥١ - ٢٢٩ عَن أَبِي نَوْفَلٍ (٢٢٩) رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى عَقَبَةِ الْمَدِينَةِ. قَالَ: فَجَعَلَتْ
قُرَيْشٌ تَمُرُّ عَلَيْهِ وَالنَّاسُ. حَتَّى مَرَّ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. فَوَقَفَ عَلَيْهِ. فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ،
أَبَا خُبَيْبٍ! السَّلامُ عَلَيْكَ، أَبَا خُبَيْبٍ! السَّلامُ عَلَيْكَ، أَبَا خُبَيْبٍ! أَمَا وَاللَّهِ! لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ
عَنِ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ! لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنِ هَذَا. أَمَا وَاللَّهِ! لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنِ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ!
إِنْ كُنْتَ، مَا عَلِمْتُ، صَوَّامًا، قَوَّامًا، وَصُولا لِلرَّحِمِ. أَمَا وَاللَّهِ! لأمَّةٌ أَنْتَ أَشَرُّهَا لأمَّةٌ خَيْرٌ. ثُمَّ
تَفَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ مَوْقِفُ عَبْدِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأَنْزِلَ عَنْ جِذْعِهِ.
فَأَلْقِيَ فِي قُبُورِ الْيَهُودِ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ. فَأَبَتْ أَنْ تَأْتِيَهُ. فَأَعَادَ عَلَيْهَا
الرَّسُولَ: لَتَأْتِيَنِي أَوْ لأَبْعَثَنَّ إِلَيْكِ مَنْ يَسْحَبُكِ بِقُرُونِكِ. قَالَ فَأَبَتْ وَقَالَتْ: وَاللَّهِ! لا آتِيكَ
خَّى تَبْعَثَ إِلَيَّ مَنْ يَسْحَبُنِي بِقُرُونِي. قَالَ فَقَالَ: أَرُونِي سِبْتَيَّ. فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ. ثُمَّ انْطَلَقَ يَتَوَذِّفُ،
حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا. فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتِي صَنَعْتُ بِعَدُوِّ اللَّهِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ،
وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ. بَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ لَهُ: يَا ابْنَ ذَاتِ النّطَاقَيْنِ! أَنَا وَاللَّهِ ذَاتُ النّطَاقَيْنِ.
أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكُنْتُ أَرْفَعُ بِهِ طَعَامَ رَسُولِ اللَّهِوَ﴿ِ، وَطَعَامَ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الدَّوَابِّ. وَأَمَّا الآخَرُ
فَبِطَاقُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لا تَسْتَغْنِي عَنهُ. أَمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ: حَدَّثَنَا: «أَنَّ فِي تَقِيفٍ كَذِّبًا
وَمُبِيرًا» فَأَمَّا الْكَذَّبُ فَرَأَيْنَاهُ. وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلا إِخَالُكَ إِلا إِيَّاهُ. قَالَ: فَقَامَ عَنْهَا وَلَمْ يُرَاجِعْهَا.
المعنى العام
عبد الله بن الزبير بن العوام، ابن أسماء بنت أبى بكر، هاجرت أمه وهى حامل به، فولدته بقباء،
وكان أول مولود للمهاجرين بالمدينة سنة ثنتين من الهجرة، ففرحوا به فرحاً شديداً، وذلك أنهم قيل
لهم: إن اليهود قد سحرتكم، فلا يولد لكم. شهد الجمل مع أبيه وخالته عائشة، وكان شهماً ذا أنفة،
بويع له بالخلافة سنة أربع وستين، وكانت بيعته بعد موت معاوية بن يزيد، واجتمع على طاعته أهل
الحجاز واليمن والعراق وخراسان، وحج بالناس ثمانى حجج، فلما تولى عبد الملك بن مروان غلب
على العراق، ثم جهز الحجاج بن يوسف الثقفى إلى ابن الزبير، فقاتله إلى أن قتل ابن الزبير فى
جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، ثم صلبه الحجاج أياماً، وكان هذا الحديث عن الحجاج بن
يوسف جبار ثقيف وموقفه من ابن الزبير وأمه.
(٢٢٩) حَدَّثَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمِ الْعَمِّيُّ حَدَّثْنَا يَعْقُوبُ يَعْنِي ابْنَ إِسْحَقَ الْحَضْرَ بِيَّ أَخْبُرَنَا الأَسْوَدُ بْنُ شَيْئَانَ عَنْ أَبِي نَوْقَلٍ
٦٠٠