Indexed OCR Text
Pages 561-580
سين مكسورة و((دوس)» قبيلة أبى هريرة، وهم ينتسبون إلى دوس بن عدثان بضم العين
وسكون الدال بعدها ثاء، ابن عبد الله ابن زهران، وينتهى نسبهم إلى الأزد، وكانوا فى
الجاهلية يعبدون صنما يقال له: ذو الخلصة.
والطفيل بن عمرو بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس، والقائل: ((إن
دوسا قد كفرت، وأبت، فادع اللَّه عليها)) هو الطفيل وأصحابه، وكان الطفيل قد أسلم بمكة، ورجع إلى
بلاد قومه، ودعا أبويه إلى الإسلام، فأسلم أبوه، ولم تسلم أمه، ودعا قومه، فأجابه أبو هريرة وحده، ثم
وافى النبى# فى عمرة القضاء، وقيل: قدم مع أبى هريرة بخيبر، فكان هذا القول منه، وكان هذا
الدعاء من رسول اللّه﴿، وأجاب الله الدعاء فجاء حبيب بن عمرو بن حثمة حاكم الدوس، ومعه
خمسة وسبعون رجلا من قومه، فأسلم وأسلموا.
( قال أبو هريرة: لا أزال أحب بنى تميم من ثلاث سمعتهن من رسول اللّه ◌ِ﴿) وفى
ملحق الرواية ((لا أزال أحب بنى تميم بعد ثلاث ... )) وعند البخارى ((مازلت أحب بنى تميم منذ
ثلاث ... )) أى من حين سمعت الخصال الثلاث، زاد أحمد ((وما كان قوم من الأحياء أبغض إلى منهم،
فأحببتهم)» وكان ذلك لما كان يقع بينهم وبين قوم أبى هريرة فى الجاهلية من العداوة.
(هم أشد أمتى على الدجال ) وفى الملحق الثانى للرواية ((هم أشد الناس قتالا فى الملاحم))
وهى أعم مما فى الرواية الأساسية، ويمكن أن يحمل العام فى ذلك على الخاص، فيكون المراد
بالملاحم أكبرها، وهو قتال الدجال، أو ذكر الدجال ليدخل غيره بالطريق الأولى. قاله ابن حجر.
(وجاءت صدقاتهم، فقال النبى *: هذه صدقات قومنا) قال العلماء: إنما نسبهم إليه،
لاجتماع نسبهم بنسبه صلى الله عليه وسلم فى إلياس بن مضر، وليس هذا القول بذاك، فما أكثر
القبائل التى يجتمع نسبها بنسبه، ولم يقل فيهم مثل ذلك، والأولى أن يقال: إنما نسبهم إليه تأليفا
لقلوبهم، فقد كانوا قوماً غلاظاً.
( وكانت سبية منهم عند عائشة ) أى من بطن من بطونهم، وعند الطبرانى أن عائشة كانت
نذرت أن تعتق محررًا من بنى إسماعيل، فلما قدم سبى بنى العنبر قال لها صلى الله عليه وسلم:
ابتاعى منهم، فإنهم ولد إسماعيل، وبنو العنبر بطن من بطون تميم، وفى رواية ((نسمة)) بدل ((سبية)).
فقه الحديث
يؤخذ من الأحاديث
١- جواز التفضيل بين القبائل، بهدف دينى، ولا يعد ذلك من الغيبة.
٢- فيها مناقب للقبائل التى فضلت.
٣- جواز استعمال الجناس، دون تكلف فإنه يلذ على السمع، لسهولته وانسجامه.
٥٦١
٤- أن الشرف يحصل للمجموع، إذا حصل لبعضه.
٥- أخذ بعضهم من قوله ((موالى)» فى الرواية السادسة والسابعة، النهى عن استرقاقهم، وأنهم لا
يدخلون تحت الرق. قال الحافظ ابن حجر: وهذا بعيد.
٦- ومن الرواية الرابعة جواز لعن الكفار جملة، أولعن طائفة منهم، بخلاف الواحد بعينه.
٧- وجواز ذلك فى القنوت فى الصلاة.
٨- ومن الرواية الحادية عشرة أن الإسلام يجب ما قبله.
٩- وجبر خاطر من وقع فى زلات، ورد اعتباره إليه بالإحسان اللاحق.
١٠- ومن الرواية الرابعة عشرة أن المسلم يسره ويفرحه قيام الآخرين بشعائر الإسلام.
١١ - ومن الرواية الخامسة عشرة استحباب الدعاء بالهداية للضالين، وإن طلب الدعاء عليهم.
١٢ - ومن الرواية السادسة عشرة أن الخصوصية لا تقتضى الأفضلية، فقد ذكرت خصوصيات لبنى
تميم وهم مع ذلك مفضولون.
١٣ - وفيها فضيلة ظاهرة لبنى تميم.
١٤ - وفيها دليل للجمهور فى صحة تملك العربى، وإن كان الأفضل عتق من يسترق منهم، وفرق
بعضهم بين عربى من ولد فاطمة رضى الله عنها، مثلا، فيجب إعتاقه، وبين عربى من ولد
إسماعيل عليه السلام فيستحب.
والله أعلم
٥٦٢
(٦٧٢) باب خيار الناس
٥٦١٤- ١٩ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٩٩)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: «تَجِدُونُ النَّاسَ مَعَادِنٌ.
فَخِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلامِ إِذَا فَقِهُوا. وَتَجِدُونَ مِن خَيْرِ النَّاسِ فِي هَذَا الأَمْرِ،
أَكْرَهُهُمْ لَهُ، قَبْلَ أَنْ يَقَعَ فِيهِ. وَتَجِدُونٌ مِن شِرَارِ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، الْذِي يَأْتِي هَؤُلاءٍ بِوَجْهٍ
وَهَؤُلاءِ بِوَجْهٍ».
٥٦١٥- وفى رواية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴾: «تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِن»
بِمِثْلٍ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ. غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي زُرْعَةَ وَالأَعْرَجِ: «تَجِدُونَ مِن خَيْرِ النَّاسِ فِي
هَذَا الشَّأْنِ، أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً، حَتَّى يَقَعَ فِيهِ».
المعنى العام
لاشك أن الناس قديما وحديثا كالمعادن منها النفيس، ومنها الخسيس، منها ما يساوى الفلس،
ومنها ما يساوى القنطار، والقبائل قبل الإسلام كانت معروفة الحسب والنسب، موزونة القدر
والقيمة، فمن كان منها شريفا قبل إسلامه، فأسلم وتفقه اتصل شرفه وعلا قدره، وبقى فى المسلمين
شريفاً مرموقا، كما كان بين الكافرين شريفاً مرموقاً، ومن كان شريفاً فى الكفر، فلم يسلم، فليس له
بين المسلمين شرف ولا قدر، ومن كان غير شريف فأسلم وتفقه شرف بالإسلام وبالفقه، وكان شرفه
أقل من شريف أسلم وتفقه فى الدين، وهكذا يسلم الكافر على ما كان من خير له، ويستصحب معه ما
قدم من مكارم الأخلاق، ومن سجايا الفضيلة والمعروف، كمن آمن بمحمد { من أهل الكتاب، فإنه
يؤتى أجره مرتین.
ومن خيار الناس من لا يسأل الإمارة، ولا يحرص عليها، فإن جاءته أعانه اللَّه عليها.
ومن شرار الخلق المنافق، ذو الوجهين الذى يثير الفتنة بين الناس، ويأتى هؤلاء بوجه وقول،
وهؤلاء بوجه وقول، والمعدن النفيس لا يجرى وراء الإمارة لئلا يقع فى مسئولياتها التى لا يقدر عليها،
ولا يكون أبدًا ذا وجهين ولا من المنافقين.
(١٩٩) حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسْيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
- حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عِمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةً عَنَّ أَبِي هُرَيْرَةَ حْ وَحَدََّا قُتْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ خَدَّثْنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِّي هُرَيْرَةً
٥٦٣
المباحث العربية
( تجدون ) الخطاب لسامعى الكلام من الصحابة، وغيرهم من غير الحاضرين
مخاطبون بما خوطبوا به على طريق القياس، ويحتمل أن يكون خطابا لكل من يتأتى
خطابه بذلك، فى كل زمان ومكان.
(الناس معادن ) أل فى ((الناس)) وإن صلحت للجنس، لكن الأولى هنا أن تكون للعهد الذهنى،
والمقصودون الناس الذين جمعوا بين الجاهلية والإسلام، وفى الجملة تشبيه بليغ، حذف منه الوجه
والأداة، أى أصول الناس وأحسابها كالمعادن فى اختلافها من نفيس إلى خسيس، والمعادن جمع
معدن، وهو الشيء المعروف المستقر فى الأرض.
( فخيارهم فى الجاهلية خيارهم فى الإسلام ) هذا التفريع تشبيه آخر، حذف منه الوجه
والأداة والمشبه به، لأن المعدن النفيس، فى باطن الأرض نفيس، فإذا استخرج بقيت نفاسته
وظهرت، وكذلك الأصول الشريفة فى الجاهلية، هى رءوس بالنسبة إلى أهل الجاهلية، فإن أسلم
الشريف استمر شرفه، وكان أشرف ممن أسلم من المشروفين فى الجاهلية، فالذهب إذا استخرج
وصنع سيفا، أشرف وأعظم قيمة من الحديد إذا استخرج وصنع سيفا.
( إذا فقهوا ) بضم القاف، ويجوز كسرها، وفيه إشارة إلى أن الشرف الإسلامى لا يتم إلا
بالتفقه فى الدين، فالتفقه فى الدين فى جانب المشبه يعدل الصنعة فى جانب المشبه به.
قال الحافظ ابن حجر: وعلى هذا فتنقسم الناس إلى أربعة أقسام، مع ما يقابلها:
الأول: شريف فى الجاهلية أسلم وتفقه (فهو كالذهب استخرج، وصنع حلية جميلة) ويقابله على
النقيض منه مشروف فى الجاهلية، لم يسلم، ولم يتفقه (فهو كالحديد الذى لم يستخرج).
الثانى: شريف فى الجاهلية، أسلم ولم يتفقه (فهو كالذهب استخرج، ولم يصنع) ويقابله على
النقيض مشروف فى الجاهلية، لم يسلم، وتفقه.
الثالث: شريف فى الجاهلية لم يسلم، ولم يتفقه (فهو كالذهب لم يستخرج) ويقابله مشروف فى
الجاهلية، أسلم، ثم تفقه (فهو كالحديد، استخرج وصنع صنعة جميلة).
الرابع: شريف فى الجاهلية، لم يسلم، وتفقه، ويقابله مشروف فى الجاهلية، أسلم، ولم يتفقه (فهو
كالحديد، استخرج، ولم يصنع).
قال: فأرفع الأقسام من شرف فى الجاهلية، ثم أسلم وتفقه.
ويليه من كان مشروفا، ثم أسلم وتفقه.
ويليه من كان شريفا فى الجاهلية، ثم أسلم، ولم يتفقه.
٥٦٤
ويليه من كان مشروفا فى الجاهلية، ثم أسلم، ولم يتفقه.
أما من لم يسلم فلا اعتبار به، سواء كان شريفا، أو مشرفا، وسواء تفقه، أولم يتفقه.
قال: والمراد بالخيار، فى قوله ((خيارهم)) ويقولنا ((شريف)) من كان متصفا بمحاسن الأخلاق،
من جهة ملاءمة الطبع ومنافرته خصوصا بالانتساب إلى الآباء المتصفين بذلك، كالكرم والعفة
والحلم والنجدة، متوقيا لمساويها كالبخل والفجور والظلم والخذلان وغيرها، ثم الشرف فى الإسلام
بالخصال المحمودة شرعا.
ولفظ ((الخيار)) جمع ((خير)) و((خير)) تصلح صفة مطلقة، وتصلح أفعل تفضيل، تقول خير
فيحتمل أن المعنى من كان فيه خير فى الجاهلية ففيه خير فى الإسلام، ويحتمل أن المعنى من
اتصف بالأخيرية فى الجاهلية، اتصف بها فى الإسلام.
( وتجدون من خير الناس فى هذا الأمر أكرههم له قبل أن يقع فيه ) وفى ملحق
الرواية ((تجدون من خير الناس فى هذا الشأن أشدهم له كراهية، حتى يقع فيه)) وعند البخارى
((وتجدون خير الناس)) وتقدير ((من)) فى روايته هذا ضرورية، لأن من اتصف بذلك لا يكون خير الناس
على الإطلاق.
واختلف فى المراد من الأمر أو الشأن، فقال الحافظ ابن حجر: المراد به الولاية والإمرة، لأن
الدخول فى عهدة الإمرة مكروه، من جهة تحمل المشقة فيه، وإنما تشتد الكراهة له ممن يتصف
بالعقل والدين، لما فيه من صعوبة العمل بالعدل، وحمل الناس على رفع الظلم، ولما يترتب عليه من
مطالبة الله تعالى للقائم به من حقوقه وحقوق عباده، ولا يخفى خيرية من خاف مقام ربه.
ثم قال: وأما قوله ((حتى يقع فيه)) فاختلف فى مفهومه، فقيل: معناه أن من لم يكن حريصا على
الإمرة، غير راغب فيها، إذا حصلت له بغير سؤال، تزول عنه الكراهة فيها، لما يرى من إعانة اللّه له
عليها، فيأمن على دينه مما كان يخاف عليه منها، قبل أن يقع فيها، ومن هنا أحب من أحب
استمرار الولاية، من السلف الصالح، حتى قاتل عليها، وصرح بعض من عزل منهم بأنه لم تسره الولاية،
بل ساءه العزل.
وقيل: المراد بقوله ((حتى يقع فيه)) أى فإذا وقع فيه لا يجوزله أن يكرهه، وقيل: معناه أن العادة
جرت بذلك، وأن من حرص على الشيء، ورغب فى طلبه قل أن يحصل له، ومن أعرض عن الشيء،
وقلت رغبته فيه يحصل غالبا.اهـ
وللقاضى عياض رأى آخر فى المراد من الأمر والشأن، فيقول: يحتمل أن المراد به الإسلام، كما
كان من عمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو،
وغيرهم من مسلمة الفتح، وغيرهم ممن كان يكره الإسلام، كراهية شديدة، فلما دخل فيه أخلص
وأحبه، وجاهد فيه حق جهاده. اهـ وما قاله الحافظ ابن حجر أولى بالقبول، وإن كان الترابط بين ما
قاله القاضى عياض وبين صدر الحديث قويا، والمناسبة ظاهرة، لكن لا يقال: إن عمرا وعكرمة
وسهيلا كانوا فى الإسلام خيرا من أبى بكر رضى الله عنهم أجمعين.
٥٦٥
( وتجدون من شرار الناس ذا الوجهين، الذى يأتى هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه ) وفى
رواية للبخارى ((تجدون شرالناس)) و((من)) فيها مقدرة، كما سبق، و((أل)) فى ((الناس)) هنا للجنس،
فذو الوجهين من أفحش الناس شرا، ويؤيده رواية ((من شرخلق الله ذو الوجهين)). قال القرطبى:
إنما كان ذو الوجهين شر الناس، لأن حاله حال المنافق، إذ هو متملق بالباطل وبالكذب، مدخل
للفساد بين الناس، ويحتمل أن تكون ((أل)) فى ((الناس)) للعهد، والمراد بهم أهل الطائفتين
المتضادتين، فإن كل طائفة منهما مجانبة للأخرى ظاهرا، فلا يتمكن من الاطلاع على أسرارها إلا
بما ذكر من خداعه الفريقين، ليطلع على أسرارهم، فهو شرهم كلهم. قال النووي: هو الذی یأتی کل
طائفة بما يرضيها، فيظهر لها أنه منها، ومخالف لضدها، وصنيعه نفاق ومحض كذب وخداع، وتحيل
على الاطلاع على أسرار الطائفتين. اهـ وجاء فى رواية الإسماعيلى ((الذى يأتى هؤلاء بحديث هؤلاء،
وهؤلاء بحديث هؤلاء)). وقال ابن عبد البر: حمله على ظاهره جماعة، وهو أولى، وتأوله قوم على أن
المراد به من يرائى بعمله، فيرى الناس خشوعا، واستكانة، ويوهمهم أنه يخشى الله، حتى يكرموه،
وهوفى الباطن بخلاف ذلك، قال: وهذا محتمل لواقتصر الحديث على صدره «وتجدون من شرار
الناس ذا الوجهين)) فإنه داخل فى مطلق ذى الوجهين، لكن بقية الحديث ترد هذا التأويل، وهى قوله
(( يأتى هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه)).
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١ - أن الحسب له قيمته فى الإسلام.
٢- أن الفقه والعلم بأمور الشريعة ركن متمم للإسلام.
٣ - ذم السعى وراء الإمارة، ومدح من يعف عنها، ويزهد فيها.
٤- ذم النفاق والسعى بين الناس بالفساد، ونقل الحديث والأخبار، قال النووي: أما من يقصد بذلك
الإصلاح بين الطائفتين فهو محمود. وقال بعضهم: الفرق بينهما أن المذموم من يزين لكل طائفة
عملها، ويقبحه عند الأخرى، ويذم كل طائفة عند الأخرى، والمحمود أن يأتى لكل طائفة بكلام
فيه صلاح الأخرى، ويعتذر لكل واحدة عن الأخرى، وينقل ما يمكنه من الجميل، ويستر القبيح.
والله أعلم
٥٦٦
(٦٧٣) باب من فضائل نساء قريش
٥٦١٦- ٢٩٠ْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٢٠٠) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴾: «» خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِيْنَ
الإِبِلَ (قَالَ أَحَدُهُمَا: صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ. وَقَالَ الآخَرُ: نِسَاءُ قُرَيْشٍ) أَحْنَاهُ عَلَى يَتِيمٍ فِي
صِغَرِهِ. وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ».
٥٦١٧ - - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾. يَبْلُغُ بِهِ النّبِيَّ ◌َ﴾. وَابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ يَبْلُغُ بِهِ الْنِّيَّ ◌َ﴾﴾.
بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «أَرْعَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ» وَلَمْ يَقُلْ: يَتِيمٍ.
٥٦١٨ - لْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً عَ﴾(٢٠١) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: «نِسَاءُ قُرَيْشٍ
خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِيْنَ الإِبِلَ. أَخْنَاهُ عَلَى طِفْلٍ. وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ». قَالَ: يَقُولُ أَبُو
هُرَيْرَةً عَلَى إِثْرٍ ذَلِكَ: وَلَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانُ بَعِيرًا قَطُّ.
٥٦١٩ - - وَفِي رواية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَهِ، أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ خَطَبَ أُمَّ هَانِيٍ، بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ.
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ. وَلِي عِيَالٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ِ: «خَيْرُ نِسَاءِ رَكِيْنَ»
ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلٍ حَدِيثٍ يُونُسَ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «أَخْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ».
٥٦٢٠ - ٢٨٢ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٢٠٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿: «خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِيْنَ الإِبِلَ،
صَالِحُ نِسَاءِ فُرَيْشٍ، أَخْتَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ».
المعنى العام
فضل اللَّه بعض الأزمنة على بعض، وفضل بعض الأمكنة على بعض، وفضل بعض الناس على
(٢٠٠) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حِ وَعَنِ ابْنِ طّاوُسٍ عَن
أَبِيهِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٢٠١) حَدَّثَنِيَ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَتِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةً
- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ ابْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ عَبْدٌ أَخْبُرَنَا وَقَالَ ابْنُ وَافِعٍ حَدََّنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ
ابْنِ الْمُسَيَّبِ عن أبى هريرة
(٢٠٢) حَدَّقَيِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ابْنُ رَافِعٍ حَدْثَنَا وَ قَالَ عَبْدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنٍ طَاوُسٍ
عَنْ أَبِيهِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةً حٌ وَحَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
- حَدَّثَنِي أَخْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمِ الأَوْدِيُّ حَدَّثْنَا خَالِدٌ يَعْنِي أَبْنَ مَخْلَدٍ حَدَّثَيِي سُلَيْمَانُ وَهُوَ ابْنُ بِلالٍ حَدَّثَنِي سُهَيْلٌ عَن
أَبِهِ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّنَلَ بِمِثْلٍ حَدِيثِ مَعْمَرٍ هَذَا سَوَاءٌ .
٥٦٧
بعض، وفضل بعض الرسل على بعض، وفضل بعض الرجال على بعض، وفضل بعض النساء على
بعض، ولكل تفضيل جهة فضل، وليست هناك أفضلية من جميع الجهات.
وهذا الحديث يفضل نساء قريش على نساء العرب من زاوية معينة، هى زاوية العطف على الولد،
وحسن رعايته وتربيته إذا فقد أباه، وآية هذا الحنان تظهر عند اشتداد الحاجة إليه، وتشتد الحاجة
إليه عند فقد المربى الأول، والراعى الأول للأولاد، وهو الأب، وآية حنان الأم، أن تقيم على أولادها،
وتمنحهم كل مشاعرها وعطفها، فإن هى تزوجت رجلا غير أبيهم، فقدت بعض عطفها عليهم، بل قد
تفقد كل عطفها عليهم.
كما يفضل الحديث نساء قريش من زاوية أخرى هى زاوية رعاية الزوج فى ماله، وحفظه فى بيته،
وحسن تبعله، أما نساء الأنصار، فقد فضلن من زاوية أخرى ((نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن
الحياء أن يتفقهن فى الدين)» ..
المباحث العربية
( خير نساء ركبن الإبل نساء قريش) وفى الرواية الثالثة ((صالح نساء قريش)) وهذا القيد
مراد فى الرواية الأولى، قال النووى: ومعنى ((ركبن الإبل)) نساء العرب. وقال القرطبى: هذا تفضيل
لنساء قريش على نساء العرب خاصة، لأنهم أصحاب الإبل غالبا، وقد عرف أن العرب خير من غيرهم
مطلقا فى الجملة، فكأنه قال: خير النساء نساء قريش، أو صالح نساء قريش. وفى رواية ((صلح نساء
قريش)) بضم الصاد وفتح اللام المشددة، بصيغة الجمع، والمراد بالصلاح هنا صلاح الدين وحسن
المخالطة مع الزوج ونحو ذلك.
وفى ملحق الرواية الثانية بيان سبب ورود هذا الحديث، وفيه ((أن النبى * خطب أم هانئ بنت
أبى طالب فقالت: يا رسول اللَّه، إنى قد كبرت، ولى عيال. فقال رسول الله ﴾: خير نساء ركبن
الإبل ... )) ويذكر الحافظ ابن حجر فى الإصابة وابن عبد البرفى الاستيعاب أن النبى 18 خطب أم
هانئ من أبيها عمه أبى طالب، وكان اسمها فاختة، وقيل: فاطمة، وقيل: هند وهى شقيقة على،
وخطبها فى الوقت نفسه هبيرة ابن عمرو بن عائذ المخزومى، فزوج هبيرة، واعتذر للنبى . *، ثم فرق
الإسلام بين أم هانئ وبين هبيرة، لأن هبيرة لم يسلم، ولما فتحت مكة هرب إلى نجران، وقال معتذرا
عن فراره:
وأصحابه جبنا ولا خيفة القتل
لعمرك ما وليت ظهرى محمدا
لسيفى غناء - إن ضربت - ولا نبلى
ولكننى قلبت أمرى فلم أجد
رجعت لعود كالهزبر أبى الشبل
وقفت فلما خفت ضيعة موقفى
ولما علم هبيرة بإسلام أم هانئ قال فيها شعرا، منه قوله يخاطبها:
٥٦٨
وعطفت الأرحام منك حبالها
لئن كنت قد تابعت دين محمد
ممنعة لا تستطاع قلالها
فكونى على أعلى سحيق بهضبة
على أى حال أصبح القوم حالها
فإنى من قوم إذا جد جدهم
إذا كثرت تحت العوالى مجالها
وإنى لأحمى من وراء عشيرتى
ولدت أم هانئ لهبيرة عمرا وهانئا ويوسف وجعدة، فلما فرق الإسلام بين أم هانئ وبين هبيرة
خطبها النبى ®*، فقالت: يا رسول الله. والله، إنى كنت لأحبك فى الجاهلية فكيف فى الإسلام،
ولأنت أحب إلى من سمعى وبصرى، وحق الزوج عظيم، وأنا أخشى أن أضيع حق الزوج، وأنا امرأة
مصبية، فأكره أن يؤذوك، فقال ﴿: ((خير نساء ركبن الإبل .... )) الحديث.
فلما أدرك بنوها عرضت نفسها على النبى8 2، فقال: أما الآن فلا، لأن اللَّه أنزل عليه قوله
﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتٍ خَالاتِكَ اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] ولم
تكن من المهاجرات. عاشت رضى الله عنها بعد على حظ.
( أحناه على يتيم فى صغره، وأرعاه على زوج فى ذات يده) فى ملحق الرواية ((أرعاه
على ولد فى صغره)) وفى الرواية الثانية ((أحناه على طفل)) و((أحناه)) بسكون الحاء، أى أكثره شفقة،
وعطفا من الحنو، يقال: حنا يحنو ويحنى، من الثلاثى، وأحنى يحنى من الرباعى، والحانية التى
تقوم بولدها بعد موت الأب، قال ابن التين: وحنت المرأة على ولدها إذا لم تتزوج بعد موت الأب،
فإن تزوجت فليست بحانية.
و ((أرعاه على زوج)) أى أحفظه، وأصونه لماله، بالأمانة فيه، والصيانة له، وترك التبذير فى
الإنفاق، من الرعاية، وكان حقه أن يقول: أحناهن، وأرعاهن، أى أحنى النساء، لكن العرب تكلموا
بالضمير مفردا مذكرا، على إرادة اللفظ أو الجنس أو الشخص أو الإنسان، وجاء نحو ذلك فى حديث
((كان النبى ﴿ أحسن الناس وجها، وأحسنه خلقا)» بالإفراد فى ((أحسنه)) الثانية، أى أحسن الجنس
خلقا، ومرعلينا قريبا حديث أبى سفيان، وقوله ((عندى أحسن العرب وأجمله، أم حبيبة)) بالإفراد
والتذكير فى ((أجمله)) قال أبو حاتم السجستانى: لا يكادون يتكلمون به إلا مفردا.
ومعنى ((فى ذات يده)) أى فى ماله ومكسبه المضاف إليه، ومنه قولهم: فلان قليل ذات اليد، أى
قليل ما ملكت يداه، أى قليل المال، ووضعت المرأة ذات بطنها، أى ولدت، وأصل ((ذات)) مؤنث
((ذو)) بمعنى صاحب، فهى صفة لموصوف مؤنث محذوف، وأصل ((أرعاه فى ذات يده)) أى أرعى
النساء فى الأموال صاحبة يده، ووضعت المرأة ذات بطنها، أى وضعت نفسا صاحبة بطنها، وقابلته
ذات يوم، أى مقابلة صاحبة يوم، أى فى يوم، وما كلمته ذات شفة، أى ما كلمته كلمة صاحبة شفة،
أى خارجة من شفة، وإصلاح ذات البين، أى إصلاح الشأن والحال صاحبة الفرقة، وجلس ذات
اليمين، وذات الشمال، أى الجهة صاحبة اليمين والجهة صاحبة الشمال.
٥٦٩
( يقول أبو هريرة على إثر ذلك: ولم تركب مريم بنت عمران بعيراً قط ) يشير بذلك
إلى أن ((مريم)) لم تدخل فى هذا العموم، لأنه قيد أصل الفضل بمن يركبن الإبل، ومريم لم تركب بعيرا
قط، وقد اعترض بعضهم، فقال: كأن أبا هريرة ظن أن البعير لا يكون إلا من الإبل، وليس كما ظن، بل
يطلق البعير على الحمار، وهذا الاعتراض ساقط، لأنه على فرض إطلاق البعير على الإبل وعلى الحمار،
فنفى ركوبه يخرج ((مريم)) من عموم التفضيل. والظاهر أن أبا هريرة علم ذلك عن طريق النبى {قلده
فعند أحمد ((وقد علم رسول اللّه # أن مريم لم تركب بعيرا قط)).
فقه الحديث
فهم بعضهم أن أبا هريرة يرى أن مريم أفضل النساء مطلقا، وهذا مقبول على القول بأنها كانت
نبية، وقد استدل على أنها كانت نبية بقوله تعالى ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءَ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢]
وأنها ذكرت فى سورة مريم بمثل ما ذكر به الأنبياء، قالوا: ولا يمنع وصفها بأنها صديقة من كونها
نبية، فإن يوسف عليه السلام وصف بذلك مع كونه نبيا، وقد نقل الأشعرى أن فى النساء نبيات، وجزم
ابن حزم بنبيات ست: حواء، وسارة، وهاجر، وأم موسى وآسية ،ومريم، ولم يذكر القرطبى سارة ولا
هاجر، ونقله السهيلى فى آخر الروض عن أكثر الفقهاء، وقال القرطبى: الصحيح أن مريم نبية، وقال
عياض: الجمهور على خلافه، وذكر النووى فى الأذكار عن إمام الحرمين أنه نقل الإجماع على أن مريم
ليست نبية، ونسبه فى شرح المهذب لجماعة، وجاء عن الحسن البصرى: ليس فى النساء نبية، ولا فى
الجن. وقال السبكى: اختلف فى هذه المسألة، ولم يصح عندى فى ذلك شيء. اهـ وإخراج أبى هريرة
((مريم)) من المفاضلة لا يلزم منه أن تكون أفضل النساء مطلقا، لأن المفاضلة بين راكبات الإبل،
والكثيرات من النساء لم يركبن الإبل فى سابق العصور ولاحقها، على أن ((من)) مقدرة، كما ذكرنا
سابقا، لأن من اتصفت بذلك فقط لا تكون خير النساء على الإطلاق، فإخراج مريم من المفاضلة لا
يمنع من إخراج غيرها، ولا يفيد تفضيل مريم على غيرها من النساء، وقد قالوا فى تفسير قوله تعالى:
﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءَ الْعَالَمِينَ﴾ قالوا: على عالمى زمانها، وقد سبقت المسألة فى كتاب فضائل
الصحابة أبواب من فضائل خديجة وعائشة وفاطمة رضى اللَّه عنهن.
وفى الحديث منقبة لنساء قريش، وأن غير القرشيات لسن كفئا لهن، واستحباب تخير الزوجة،
ذكره الحافظ ابن حجر.
وفى الحديث فضل الحنو والشفقة، وحسن التربية والقيام على الأولاد، وحفظ مال الزوج وحسن
التدبير فيه، ومشروعية إنفاق الزوج على زوجته.
والله أعلم
٥٧٠
(٦٧٤) باب مؤاخاة النبى قل بين أصحابه، رضى الله عنهم
٥٦٢١ - ٢٠٣ عَنْ أَنَسِ رَ﴾(٢٠٣) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ْ آخَى بَيْنَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّحِ وَبَيْنَ
أَبِي طَلْحَةً.
٥٦٢٢ - ٤َهْ عَنْ عَاصِمِ الأَخْوَلِ(٢٠٤) قَالَ: قِيلَ لِأَنْسِ بْنِ مَالِكٍ: بَلَغَكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهَِ
قَالَ: «لا حِلْفَ فِي الإِسْلامِ»؟ فَقَالَ أَنْسّ: قَدْ حَالَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ،
فِي دَارِهِ.
٥٦٢٣- ٥ ٢٥ عَن أَنَسِ ﴾(٢٠٥) قَالَ: حَالَفَ رَسُولُ اللَّهِ وَ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ، فِي
دَارِهِ الْتِي بِالْمَدِينَةِ.
٥٦٢٤- ٢٢٦ عَن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رَ﴾ِ(٢٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ لِ: «لا حِلْفَ فِي
الإِسْلامِ. وَأَيُّمَا حِلْفٍ، كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، لَمْ يَزِدْهُ الإِسْلامُ إِلا شِدَّةً».
المعنى العام
التحالف والتعاهد على الخير عرف قبل الإسلام، وعرفته العرب، قالوا: وأول حلف بمكة حلف
الأحابيش، سمى بذلك لتحالفهم عند حبش - جبل على سبعة أميال من مكة، وقيل: لتحبشهم أى
تجمعهم، تحالفوا على أن يكونوا يدا على غيرهم مارسى حبش مكانه، ثم كان حلف قريش وثقيف
ودوس على أن لا يعتدى بعضهم على بعض، ثم كان حلف المطيبين وأزد، وفى الحديث «ما شهدت
من حلف إلا حلف المطيبين، وما أحب أن أنكثه وأن لى حمر النعم)) وفى رواية ((شهدت وأنا غلام
حلفا مع عمومتى المطيبين)» ثم كان حلف الفضول - وهم فضل وفضالة ومفضل، وكان حلفهم ألا
يعين أحد ظالما، وأن يعان المظلوم، وظهر الإسلام على ذلك، فوقعت المؤاخاة فى الإسلام، وهى
أحلاف بين أشخاص، وتعاون على البروالتقوى، وقد ضرب الأنصار فى ذلك المثل الأعلى، حتى نزل
فيهم ﴿وَلَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَيْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً
مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].
(٢٠٣) حَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثْنَا حَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةً عَنِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ
(٢٠٤) حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بَنُ الصََّّاحِ حَدْثَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا عَاصِمُ الأَحْوَلَ قَالَ
(٢٠٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَمُحَمَّذٌ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ نُمَيْرٍ قَالا حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانْ عَنِ عَاصِمٍ عَنْ أَنَسِ
(٢٠٦) حَدَّثَنَا أَبُوِ بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةً عَنْ زَكْرِيَّاءَ عَن سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ عَنْ أَبِهِ عَن
جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ
٥٧١
المباحث العربية
( أن رسول اللّه{ آخى بين أبى عبيدة بن الجراح، وبين أبى طلحة) المؤاخاة رباط
بين طرفين فى حقوق معينة، ليس بينهما أخوة نسب، قال ابن عبد البر: كانت المؤاخاة مرتين، مرة
بين المهاجرين خاصة بمكة، ومرة بين المهاجرين والأنصار. اهـ وهى المقصودة هنا، وكان ابتداؤها
بعد الهجرة بخمسة أشهر، وقيل: بتسعة أشهر، وقيل: بسنة وثلاثة أشهر، قبل بدر، والتحقيق أن ابتداء
المؤاخاة كان أوائل قدومه المدينة، واستمر يجددها بحسب من يدخل فى الإسلام، أو يحضر إلى
المدينة، والتحقيق أيضا أن بعض المؤاخاة كانت بين المهاجرين، بعضهم مع بعض، وبين بعضهم
والأنصار، فعند الحاكم ((آخى رسول اللَّه ﴿ ﴿ بين أبى بكر وعمر، وبين طلحة والزبير، وبين عبد الرحمن
بن عوف وعثمان)) وفيه ((آخى النبى {# بين الزبير وابن مسعود)» وقد ثبت أيضا أن كل واحد من
هؤلاء قد آخى النبى * بينه وبين رجل من الأنصار، ولا مانع فى ذلك، فقد يكون للواحد عدد من
الإخوة من النسب، والمقصود من المؤاخاة إرفاق بعضهم ببعض، وتأليف قلوب بعضهم على بعض،
وقد يكون البعض أقوى فى المال أو العشيرة أو الجاه، فيستعين الأعلى بالأدنى، ويفيد الأدنى من
الأعلى، قال السهيلى: آخى بين أصحابه، ليذهب عنهم وحشة الغربة، ويأتنسوا من مفارقة الأهل
والعشيرة ويشد بعضهم أزر بعض، فلما عز الإسلام، واجتمع الشمل، وذهبت الوحشة، أبطل الإرث
بالأخوة، وجعل المؤمنين كلهم إخوة يعنى فى التواد، وشمول الدعوة اهـ
وقد ذكرابن سعد ((لما قدم النبى 18 المدينة آخى بين المهاجرين، وآخى بين المهاجرين
والأنصار، على المواساة، وكانوا يتوارثون، وكانوا تسعين نفسا، بعضهم من المهاجرين وبعضهم من
الأنصار، فلما نزل ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامٍ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب: ٦] بطلت المواريث بالمؤاخاة،
وبقى بها المعاونة والمواساة.
وفى البخارى ((كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث الأنصارى المهاجرى، دون ذوى رحمه،
للأخوة التى آخى النبى {31 بينهم ... )».
وأبو عبيدة بن الجراح مهاجر، خصص لبعض فضائله باب مستقل، قبل خمسة وثلاثين بابا، وأبو
طلحة أنصارى، زوج أم سليم، والدة أنس بن مالك.
( قيل لأنس: بلغك أن رسول اللَّه ◌ُ* قال: لا حلف فى الإسلام؟) الكلام على
الاستفهام، مع حذف الأداة، وهى مذكورة فى رواية البخارى، والحلف بكسر الحاء وسكون اللام،
العهد، وكأن السائل يشير بذلك السؤال إلى روايتنا الرابعة.
( فقال أنس: قد حالف رسول اللّهَ # بين قريش والأنصار فى داره ) قال ابن عيينة:
حالف بينهم، أى آخى بينهم. اهـ فمعنى الحلف فى الجاهلية معنى الأخوة فى الإسلام، لكنه فى
الإسلام يجرى على أحكام الدين وحدوده، وحلف الجاهلية كان يجرى على ما كانوا يضعونه بينهم
٥٧٢
بآرائهم، فبطل من حلف الجاهلية ما خالف حكم الإسلام، وبقى ما عدا ذلك على حاله، وفى الرواية
الثالثة ((حالف رسول اللَّه* بين قريش والأنصار فى داره التى بالمدينة)» وفى بعض النسخ ((فى
دارى التى بالمدينة)) وعند البخارى ((بين قريش والأنصار فى دارى)) ولا إشكال، فقد تعددت
المؤاخاة كما ذكرنا.
وقد جمع العلماء بين إثبات المحالفة هنا، وبين نفيها فى روايتنا الرابعة، بلفظ ((لا حلف فى
الإسلام)) فحملوا الحلف المثبت على حلف التناصر فى الدين، والتعاون على البر والتقوى، وإقامة
الحق، والحلف المنفى على حلف التوارث، والحلف على ما منع الشرع منه. كذا قيل: لكن الحلف
المثبت هنا كان يشمل التوارى، فالأولى القول بالنسخ فيما يخص التوارث، فالنفى يراد به التوارث،
أى لاتوارث بالتآخى، وقد نسخ ما كان فى الحلف المثبت.
قال الطبرى: ما استدل به أنس على إثبات الحلف، لا ينافى حديث جبير بن مطعم - روايتنا
الرابعة - فى نفيه، فإن الإخاء المذكور كان فى أول الهجرة، وكانوا يتوارثون به، ثم نسخ من ذلك
الميراث، وبقى ما لم يبطله القرآن، وهو التعاون على الحق، والنصر، والأخذ على يد الظالم، كما قال
ابن عباس: إلا النصر والنصيحة والرفادة، ويوصى له، وقد ذهب الميراث. اهـ
والمراد من قوله ((وأيما حلف كان فى الجاهلية، لم يزده الإسلام إلا قوة)) أى ما كان من أحلاف
الجاهلية موافقاً لشريعة الإسلام.
واختلف الصحابة فى الحد الفاصل بين الحلف الواقع فى الجاهلية، وحلف الإسلام، فقال ابن
عباس: ما كان قبل نزول الآية المذكورة جاهلى، وما بعدها إسلامى. وعن على: ما كان قبل نزول
﴿لإيلافٍ قُرَيْش﴾ [قريش: ١] جاهلى. وعن عثمان: كل حلف كان قبل الهجرة جاهلى، وما بعدها
إسلامى. وعن عمر: كل حلف كان قبل الحديبية فهو مشدود، وكل حلف بعدها منقوض. قال الحافظ
ابن حجر: وأظن قول عمر أقواها.
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١- استحباب المؤاخاة، والتحالف على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان.
٢- وفيه منقبة ظاهرة للمهاجرين والأنصار.
٣- وكيف آخى النبى وَّ بين أصحابه، وقد أنكر ابن تيمية المؤاخاة بين المهاجرين وخصوصا
مؤاخاة النبى * لعلى، قال: لأن المؤاخاة شرعت لإرفاق بعضهم بعضا، ولتأليف قلوب بعضهم
على بعض، فلا معنى المؤاخاة النبى 8 لأحد منهم، ولا لمؤاخاة مهاجرى لمهاجرى، قال الحافظ
ابن حجر: وهذا رد للنص بالقياس، وإغفال عن حكمة المؤاخاة، لأن بعض المهاجرين كان أقوى
من بعض، بالمال والعشيرة والقوى، فآخى بين الأعلى والأدنى، ليرتفق الأدنى بالأعلى، ويستعين
٥٧٣
الأعلى بالأدنى، وبهذا تظهر مؤاخاته صلى الله عليه وسلم لعلى، لأنه هو الذى كان يقوم به من
عهد الصبا، من قبل البعثة، واستمر، وكذا مؤاخاة حمزة وزيد بن حارثة، لأن زيداً مولاهم.
٤- استدل به بعضهم إلى أن الكفالة التزام مال بغير عوض تطوعا، فيلزم، كما لزم استحقاق الأخ
بالحلف الذى عقد على وجه التطوع.
(إضافة) ذكر ابن إسحق المؤاخاة، فقال: قال رسول الله﴾ لأصحابه - بعد أن هاجر - تآخوا.
أخوين. أخوين. فكان هو وعلى أخوين، وحمزة وزيد بن حارثة أخوين، وجعفر بن أبى طالب
ومعاذ بن جبل أخوين، (وتعقبه ابن هشام بأن جعفرا كان يومئذ بالحبشة، ووجهه العماد بن
كثير بأنه أرصده لأخوته حتى يقدم، وفى تفسير سنيد: آخى بين معاذ وابن مسعود) وأبو بكر
وخارجة بن زيد أخوين وعمروعتبان بن مالك أخوين، ومصعب بن عمير وأبو أيوب أخوين، وأبو
حذيفة بن عتبة وعباد بن بشر أخوين، وأبو ذر والمنذربن عمرو أخوين، وحاطب بن أبي بلتعة
وعويم بن ساعدة أخوين، وسلمان وأبو الدرداء أخوين.
والله أعلم
٥٧٤
(٦٧٥) باب بيان أن بقاء النبى % أمان لأصحابه،
وبقاء أصحابه أمان للأمة
٥٦٢٥ - ٢٠٧ عَنْ أَبِي بُرْدَةً(٢٠٧) عَنْ أَبِيهِ ظُ قَالَ: صَلَيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿. ثُمَّ
قُلْنَ: لَوْ جَلَسْنَا حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءً! قَالَ: فَجَلَسْنَا فَخَرَجَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: «مَا زِلْتُمْ هَاهُنَا؟»
قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! صَلَّيْنَا مَعَكَ الْمَغْرِبَ. ثُمَّ قُلْنَا: نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَكَ الْعِشَاءَ، قَالَ:
«أَحْسَنْتُمْ أَوْ أَصَبْتُمْ» قَالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَانُ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ.
فَقَالَ: «النِّجُومُ أَمَّنَةٌ لِلسَّمَاءِ. فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ. وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي.
فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ. وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي. فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى
أُمَّتِي مَا يُوعَدُون».
المعنى العام
يقول الله تعالى ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] سبحانه هيأ الأسباب للمسببات،
وجعل للنتائج مقدمات وجعل للساعة أشراطا وعلامات، فانتثار الكواكب، وتكوير الشمس، وانكدار
النجوم، كل ذلك من علامات الساعة، وهناك علامات لا نراها، ربطها الإسلام بما نراه، فإذا رأينا
النجوم قد ذهبت من السماء فى الليلة المظلمة الخالية من السحاب علمنا أن السماء انفطرت
وانشقت، وطالما كانت النجوم موجودة ظاهرة لنا آمنا أن السماء موجودة كذلك، وحصل لنا
اطمئنان على الحياة الدنيا.
والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا فى أمن وأمان من وقوع عذاب جماعى بهم، مادام
الرسول ﴿ بينهم، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] وعلم
حذيفة وعمر وبعض الصحابة من رسول اللَّه# أن وجود أبى بكر وعمر فى حياتهم باب حائل بينهم
وبين الفتن التى تموج موج البحر، وقد حصل كل ذلك، وسبحان علام الغيوب.
المباحث العربية
( فرفع رأسه إلى السماء ) لأنه سيتكلم عنها.
(٢٠٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانَ كُلُّهُمْ عَنْ حُسَيْنٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ
ابْنُ عَلِيِّ الْجُعْفِيُّ عَن مَّجَمَّعِ بْنِ يَحْتَى عَن سَعِيدِ بْنِ أَبِي يُرْدَةَ عَنْ أَبِي بُرْدَّةً
٥٧٥
( وكان كثيرا مما يرفع رأسه إلى السماء ) فى أصول مسند أحمد ((وكان كثيرا ما يرفع
رأسه إلى السماء)) بدون ((من)) وهى أظهر، فإن ((ما)) مصدرية، والمصدر اسم ((كان)) والتقدير: وكان
رفعه رأسه إلى السماء كثيرًا.
(النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد ) بفتح الهمزة والميم
والنون. قال العلماء: الأمنة والأمن والأمان بمعنى يقال: أمن بكسر الميم، يأمن بفتحها، أمنا وأمانا
وأمانة، وأمنا بفتح الميم، وإمنا بكسر الهمزة وسكون الميم، وأمنة. اطمأن ولم يخف، والمعنى وجود
النجوم فى السماء علامة من علامات بقائها، لأن السماء نفسها غير مرئية، فما دامت النجوم باقية
فالسماء باقية، فإذا النجوم انكدرت وتناثرت كشطت السماء وانشقت وانفطرت وذهبت.
( وأنا أمنة لأصحابى، فإذا ذهبت أتى أصحابى ما يوعدون ) من الفتن والحروب،
وارتداد من ارتد من الأعراب، واختلاف القلوب، ونحو ذلك مما أنذر به صريحا، وقد وقع كل ذلك.
( وأصحابى أمنة لأمتى، فإذا ذهب أصحابى أتى أمتى ما يوعدون ) من ظهور البدع
فى الدين والفتن فيه، وطلوع قرن الشيطان، وظهور الروم وغيرهم عليهم، وانتهاك المدينة ومكة، وهذه
كلها من معجزاته صلى الله عليه وسلم، كذا قال النووى. وفيه نظر، لأن كل ما ذكره حصل والصحابة
أحياء، لم يذهبوا، ولم يكن وجود الصحابة مانعا من الردة، ولا من قتل عثمان طه، ولا من قتل عشرة
آلاف من كبارهم فى معركة الجمل وحدها، ولا من انتهاك مكة والمدينة على يد الحجاج، ولا من
ظهور الخوارج.
ولعل المراد من أصحابه أصحاب معينون - أبوبكر وعمر رضى الله عنهما، كحديث حذيفة عن
الفتنة وأن عمر كان الباب الذى يغلقها، وأن هذا الباب ينكسر بموته رضى الله عنه.
فقه الحديث
فى الحديث معجزة ظاهرة من معجزاته صلى الله عليه وسلم.
وفيه فضيلة لصحابته رضى الله عنهم.
وأن ذهاب النجوم، وانتثار الكواكب، مرتبط بانفطار السماء، وقيام الساعة.
وما كان عليه الصحابة من انتظار الصلاة بعد الصلاة.
واستحباب ذلك، من إقراره صلى اللّه عليه وسلم لهم، وتحسينه فعلهم.
وأن وجود النبى ﴿ وحياته أمان لأمته، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣].
واللَّه أعلم
٥٧٦
(٦٧٦) باب فضل الصحابة، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم
٥٦٢٦- ٢٢٨ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ◌َ﴾(٢٠٨)، عَنِ النَّبِيِّ ﴿ قَالَ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ
زَمَالٌ. يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ. فَيُقَالُ لَهُمْ. فِيَكُمْ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِوَ﴿ِ؟ فَقُولُونَ: نَعَمْ: فَيُفْتَحُ
لَهُمْ. ثُمَّ يَغْزُو فِشَامٌ مِنَ النّاسِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: فِيَكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ؟
فَيَقُولُونَ: نَعَمْ: فَيُفْتَحُ لَهُمْ. ثُمَّ يَغْزُو فِنَامٌ مِنَ النَّاسِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ
مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﴿؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ: فَيُفْتَحُ لَهُمْ.
٥٦٢٧ - ٩ْ عَنْ جَابِرٍ﴾(٢٠٩) قَالَ: زَعَمَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَّ:
«يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَاٌ. يُبْعَثُ مِنْهُمُ الْبَعْثُ فَيَقُولُونَ: انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ فِيكُمْ أَحَدًّا مِن
أَصْحَابِ النّبِّ ◌ِ﴿؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ. فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ. ثُمَّ يُبْعَثُ الْبَعْثُ الثَّانِي فَيَقُولُونَ: هَلْ فِيهِمْ
مَنْ رَأَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ وَ﴿؟ فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ. ثُمَّ يُبْعَثُ الْبَعْثُ الثَّالِثُ فَيُقَالُ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنُ
فِيهِمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَأَى أَصْحَابَ النّبِيِّ نَّه؟ ثُمَّ يَكُونُ الْبَعْثُ الرَّابِعُ فَيْقَالُ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنُ
فِيهِمْ أَحَدًا رَأَى مَنْ رَأَى أَحَدًا رَأَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ لَهِ؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ. فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ».
٥٦٢٨- ٠ ١ّ عَن عَبْدِ اللَّهِ ﴾(٢١٠) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴾: «خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْلُ الَّذِينَ
يَلُونِي. ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ. وَيَمِينُهُ
شَهَادَتَهُ» لَمْ يَذْكُرْ هُنَادٌ الْقَرْنَ فِي حَدِيثِهِ. وَ قَالَ قُتِبَةُ: «ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ».
٥٦٢٩- ٢١ عَن عَبْدِ اللَّهِ ﴾(٢١) قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِع ◌َ﴿ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ:
«قَرْنِي. ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَبْدُرُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَبْدُرُ
يَمِينُهُ شَهَادَتَهُ». قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانُوا يَنْهَوْنَنَا، وَنَحْنُ غِلْمَانٌ، عَنِ الْعَهْدِ وَالشَّهَادَاتِ.
(٢٠٨) حَدَّثَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ قَالا حَدَّثَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْئَةً قَالَ سَمِعَ عَمْرُو جَابِرًا
يُخْبِرُ عَنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
(٢٠٩) حَدَّتِي ◌َسَّعِيدُ بْنُ يَحْتِىَ بْنِ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ حَدَّثَنَا أَبِيٍ حَدََّا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنِ جَابِرٍ
(٢١٠) حَدَّثَنَا قَتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَهَنَادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالا حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ عَن مَنْصُورٍ عَن ◌ِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ عَن عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ عَن
عَبْدِ اللَّهِ
(٢١١) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ قَالَ إِسْحَقُّ أَخْبُرْنَا وقَالَ عُثْمَانُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَن مَنْصُورٍ عَن
إِبْرَاهِيمَ عَن عَبِيدَةَ عَنَ عَبْدِ اللَّهِ
ــ وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةٌ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالا
حَدَّثْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ كِلاهُّمَا عَن مَنْصُورٍ بِسْنَادٍ أَبِي الْأَخْوَصِ وَجَرِيرٍ بِمَغْنَى حَدِيثِهِمَا وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَاً سُئِلَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾.
٥٧٧
٥٦٣٠- ٢ ٢١ْ عَن عَبْدِ اللَّهِ ﴾(٢١٢)، عَنِ النَّبِيِّ ﴿ قَالَ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِيٍ. ثُمَّ الَّذِينَ
يَلُونَهُمْ. ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». فَلا أَدْرِي فِي الثَّالِفَةِ أَوْ فِي الرَّابِعَةِ قَالَ: «ثُمَّ يَتَخَلِّفُ مِن بَعْدِهِمْ
خَلْفٌ. تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَهُ».
٥٦٣١ - ٢١٣ْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٢١٣) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ: خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْدُ الَّذِينَ
يُعِثْتُ فِيهِمْ. ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لا. قَالَ: ثُمَّ يَخْلُفُ قَوْمٌ يُحِبُّونَ
السَّمَانَةَ. يَشْهَدُونَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدُوا».
٥٦٣٢ - - وَفِي روايةٍ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَلا أَدْرِي مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً.
٥٦٣٣- ٢١٤ عَنِ عِمْرَانُ بْنِ حُصَيْنِ ﴾(٢١٤)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: «إِنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي.
ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ. ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ. ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» قَالَ عِمْرَانُ: فَلا أَدْرِي أَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَلَّهِ بَعْدَ قَرْنِهِ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثَةَ: «ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلا يُسْتَشْهَدُونَ. وَيَخُونُونَ
وَلا يُؤْتَمِّنُونُ وَيَنْذِرُونَ وَلا يُوفُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ».
٥٦٣٣- وفى رواية عَنْ شُعْبَةً. بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِي حَدِيثِهِمْ: قَالَ: لا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ
قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٌ. وَفِي حَدِيثِ شَبَابَةً قَالَ: سَمِعْتُ زَهْدَمَ ابْنَ مُضَرِّبٍ، وَجَاءَنِي فِي حَاجَةٍ عَلَى
فَرَسٍ، فَحَدَّثَنِي، أَنَّهُ سَمِعَ عِمْرَانَ ابْنَ حُصَيْنٍ: وَفِي حَدِيثٍ يَحْيَى وَشَبَابَةَ: «يَنْذُرُونَ وَلا
يَقُونَ». وَفِي حَدِيثِ بَهْزٍ: «يُوفُونَ كَمَا قَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ».
٥٦٣٥- ٢١٥ عَنِ عِمْرَانُ بْنِ حُصَيْنٍ ﴾(٢١٥)، عَنِ النّبِيِّوَّ. بِهَذَا الْحَدِيثِ: «خَيْرُ هَذِهِ
الأُمَّةِ الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِنْتُ فِيهِمْ. ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ قَالَ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(٢١٢) وحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدِ السَّمَّانُ عَنِ ابْنِ عَوْنِ عَنِ إِبْرَاهِيمَ عَن عَبِيدَةَ عَنِ عَبْدِ اللهِ
(٢١٣) حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَن أَبِي بِشْرِ حِ وحَدَّثَنِي إِسَّمَعِيَلُ بْنُ ◌ّسَالِمٍ أَخْبُرَنَا هُشَيْمٌ أَخْبُرَنَا أَبُو بِشْرٍ عَن
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حِ وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ حَدَّثّا غُنْدَرٌ عَنِ شُعْبَةً حْ وِ حَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ
الشَّاعِرِ حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةً كِلاهُمَّا عَنِ أَبِي بِشْرِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنْ فِي حَدِيثِ شَعْبَةً
(٢١٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَابْنَ بْشَّارٍ جَمِيعًا عَنْ غُنْدَرِ قَالَ ابْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ سَمِعْتُ أَبًا جَمْرَةٌ حَدَّثَنِي زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبٍ سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ خُصَيْنِ يُحُدِّثُ
- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم حَدَّثَنَا يَخْتَى بْنُ سَعِيدٍ ح وحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بُّنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ حَدَّثَنَا بَهْزٌ ح و حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ
رَافِعٍ حَدَّثْتَا شَبَابَةُ كُلُّهُمْ عُنْ شُعْبَةً
(٢١٥) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الأُمَوِيُّ قَالا حَدَّثَا أَبُو عَوَالَةً حِ وَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ قَالا
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنَا أَبِي كِلَاهُمَا عَن قَتَادَةَ عَنْ زَرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ
٥٧٨
أَذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لا. بِمِثْلِ حَدِيثِ زَهْدَمٍ عَنِ عِمْرَانَ. وَزَادَ فِي حَدِيثِ هِشَامٍ عَنْ قَتَادَةَ
«وَيَحْلِفُونَ وَلا يُسْتَحْلَفُونَ».
٥٦٣٦ - ٢١٦ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٢١٦) قَالَتْ: سَأَلَ رَجُلُ النَّبِيِّ ◌ِ لُ: أَيُّ النَّاسِ
خَيْرٌ؟ قَالَ: «الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا فِيهِ. ثُمَّ الثَّانِي. ثُمَّ الثَّالِثُ».
المعنى العام
الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين هم الذين حموا دعوة الإسلام، وحملوها ونشروها، وكان لهم
الفضل الأول والأكبر فى تحمل أعبائها وأخطار الدفاع عنها ونشرها، باعوا أنفسهم وأموالهم بأن لهم
الجنة، يقاتلون في سبيل الله، فيقتلون ويقتلون، قاتلوا، وهم قلة، وأنفقوا. وبهم خصاصة، والرسول ﴾
يقول: ((سبق درهمٍ ألف درهم)) فرجل يملك درهمين أنفق أحدهما فى سبيل اللَّه يسبق ألف درهم
ينفقها فى سبيل الله رجل يملك الملايين. والرسول الكريم يقول: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما
بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) يعنى ما عادل حفنة من طعام أنفقها أحد الصحابة فى صدر الإسلام، بل
ما أنفقوا هم قبل فتح مكة وقتالهم قبل فتح مكة أعظم أجرا ودرجة مما أنفقوه بعد الفتح ومما قاتلوه
بعد الفتحِ، مصداقا لقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الصَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِيَنَ دَرَجَةٌ وَكُلا وَعَدَ
اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمَّجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥] ﴿لا يَسْتَوِيٍ مِنْكُمْ مَنْ
أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديدِ: ١٠] ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَوْا
وَنَصَرَّوَا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٤]. ﴿الَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا
وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمَّ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِرُونَ ﴾ يُبَشّرُهُمْ رَتُّهُمْ
بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانَ وَجَنَّاتٍ لَهُمَّ فِيهَا نَعِيَمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١،٢٠].
بهذا فضل الله الصحابة على غيرهم، وجعلهم خير القرون فى هذه الأمة، وجعل التابعين يلونهم
فى الفضل، وتابعى التابعين يلون التابعين، وهكذا تتوالى الأجيال، وبقدر تمسكها بشريعتها، ودفاعها
عن دينها يكون فضلها وسبقها، حتى تصل الأجيال فى ضعفها الدينى إلى أنهم يخونون ولا يؤتمنون،
وينذرون ويعدون ولا يوفون، ويصابون بالنهم والجرى وراء الدنيا وشهواتها، حتى يسمنوا ثم لا
يشبعون، ويتسابقون لشهادة الزور والباطل ويحلفون، يأكلون أموالهم بينهم بالباطل ويظلمون، لا
يتناهون عن منكر فعلوه، بل يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، ويصبح المنكر عندهم معروفاً،
والمعروف منكرًا، وأولئك شرار الخلق، وعليهم تقوم الساعة، والعياذ بالله رب العالمين.
(٢١٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَشَجَاعُ بْنُ مَخْلَدٍ وَاللَفْظُ لَبِي بَكْرٍ قَالا حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ وَهُوَ ابْنُ عَلِيِّ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةً عَنٍ
السُّدِّيِّ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَّهِيِّ عَن عَائِشَةً
٥٧٩
المباحث العربية
( يأتى على الناس زمان، يغزو فئام من الناس ) بكسر الفاء، ويجوز فتحها، بعدها همزة،
ويجوز تسهيلها، والمشهور الأول، أى جماعة من الناس، والفعل ((يغزو)) منزل منزلة اللازم، أى يحصل
منهم الغزو. وفى الرواية الثانية ((يبعث منهم البعث)) أى الجيش.
( فيقال لهم: فيكم من رأى رسول اللَّه؟) الكلام على الاستفهام بحذف
الأداة، وفى الرواية الثانية ((فيقولون: انظروا. هل تجدون فيكم أحدا من أصحاب رسول اللّه
﴿)»؟ القائلون بعض أفراد البعث لبعض يسألون ليتبركوا بهم. وذلك عندما يقل، أويندر
الصحابة، ويكون الجيش من التابعين.
( فيقولون: نعم ) فينا فلان، فيتبركون به.
( فيفتح لهم ) فى الرواية الثانية ((فيفتح لهم به)) أى ببركته.
( ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسول اللَّه ◌َ ﴿.؟
فيقولون: نعم، فيفتح لهم ) وذلك عندما يقل التابعون، أو يندر وجودهم فى الجيش، ويكون
الجيش من أتباع التابعين، فيفتح لهم ببركة التابعى الموجود فى الجيش، وفى الرواية الثانية ((ثم
يبعث البعث الثانى، فيقولون: هل فيهم (فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة ) من رأى أصحاب
النبى{*؟ (أى فيقولون: نعم، فيتبركون به) فيفتح لهم به)»، أى ببركته.
( ثم يغزوفئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب
رسول الله *؟، فيقولون: نعم. فيفتح لهم) فى الرواية الثانية ((ثم يبعث البعث الثالث،
فيقال: انظروا. هل ترون فيهم من رأى من رأى أصحاب النبى ﴿؟)).
( ثم يكون البعث الرابع، فيقال: انظروا. هل ترون فيهم أحدا رأى من رأى أحدا
رأى أصحاب النبى ، فيوجد الرجل، فيفتح لهم به ) كذا بالرواية الثانية، مشيرا إلى أتباع
أتباع التابعين، وقد اقتصرت الرواية الأولى وروايات البخارى على البعث الثالث، أتباع التابعين.
( خير أمتى القرن الذين يلونى ) المراد من القرن هنا أهل القرن، ولذلك عاد الضمير فى
((يلونى)) جمعا مذكرا، والمراد قرنه صلى الله عليه وسلم باعتبارهم أتباعا له صلى الله عليه وسلم، ففى
الرواية الرابعة ((سئل صلى الله عليه وسلم: أى الناس خير؟ قال: قرنى، ثم الذين يلونهم)) وفى الرواية
الخامسة ((خير الناس قرنى، ثم الذين يلونهم)) وفى الرواية السادسة ((خير أمتى القرن الذين بعثت
فيهم، ثم الذين يلونهم)) وفى الرواية السابعة ((إن خيركم قرنى، ثم الذين يلونهم)) وفى ملحق الرواية
السابعة ((خير هذه الأمة القرن الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم)) وفى الرواية الثامنة ((أى الناس
خير؟ قال: القرن الذى أنا فيه، ثم الثانى، ثم الثالث)».
والقرن فى الأصل أهل زمان واحد متقارب، اقترنوا، واشتركوا فى أمر من الأمور المقصودة،
وخصه بعضهم بما إذا اجتمعوا فى زمن نبى، أو رئيس يجمعهم على ملة أو مذهب أو عمل.
٥٨٠