Indexed OCR Text
Pages 521-540
(٦٦٦) باب من فضائل أبى موسى
وأبى عامر الأشعريين رضى الله عنهما
٥٥٧٥ - ١٢٦٤ عَنْ أَبِي مُوسَى ﴾(١٦٤) قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النّبِيِّ ◌َ﴿ّ. وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجِعْرَانَةِ بَيْنَ
مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ. وَمَعَهُ بِلالٌ. فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ: ﴿ رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ. فَقَالَ: أَلا تُنْجِزُ لِي، يَا مُحَمَّدُ!
مَا وَعَدْتَنِي؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: «أَبْشِرْ» فَقَالَ لَهُ الأَعْرَابِيُّ: أَكْفَرْتَ عَلَيَّ مِن «أَبْشِرْ»
فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ عَلَى أَبِي مُوسَى وَبِلالٍ، كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ. فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا قَدْ رَدَّ
الْبُشْرَى. فَاقْبَلا أَنْتُمَا» فَقَالا: قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ:﴿َ بِقَدَحِ فِيهِ مَاءٌ.
فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ وَمَجَّ فِيهِ. ثُمَّ قَالَ: «اشْرَبًا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَتُحُورٍ كُمَّا.
وَأَبْشِرَا» فَأَخَذَا الْقَدَحَ. فَفَعَلَا مَا أَمَرَهُمَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ. فَادَتْهُمَا أُمُّ سَلَمَةً مِن وَرَاءِ
السِّْرِ: أَفْضِلا لِأُمّكُمَا مِمَّا فِي إِنَائِكُمَا. فَأَفْضَلَا لَهَا مِنْهُ طَائِفَةً.
٥٥٧٦- ١٣٥ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَن أَبِيهِ(١٦٥) قَالَ: لَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ :﴿ مِن حُنَيْنٍ، بَعَثَ أَبَّا عَامِرٍ
عَلَى جَيْشٍ إِلَى أَوْطَاسٍ. فَلَفِيَ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ. فَقُتِلَ دُرَيْدٌ وَهَزَمَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ. فَقَالَ أَبُو
مُوسَى: وَبَعَثَنِي مَعَ أَبِي عَامٍ. قَالَ: فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فِي رُكْبُتِهِ. رَمَّاهُ رَجُلٌ مِن بَنِي جُشَمٍ
بِسَهْمٍ. فَأَقْبَتَهُ فِي رُكْيَتِهِ. فَانْتَّهَيْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا عَمِّ! مَنْ رَمَاكَ؟ فَأَشَارَ أَبُو عَامِرٍ إِلَى أَبِي
مُوسَى. فَقَالَ: إِنَّ ذَاكَ قَاتِي. تَرَاهُ ذَلِكَ الَّذِي رَمَانِي. قَالَ أَبُو مُوسَى: فَقَصَدْتُ لَهُ فَاعْتَمَدْتُهُ
فَلَحِقْتُهُ. فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى عَنِّيٍ ذَاهِيًّا. فَتْبَغْتُهُ وَجَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ: أَلا تَسْتَخِي؟ أَلَسْتَ عَرَبِيًّا؟ أَلا
تَثْبُتُ؟ فَكَفَّ. فَالْتَقَيْتُ أَنّا وَهُوَ. فَاخْتَفْنَا أَنَا وَهُوَ ضَرْبَتَيْنٍ. فَضَرَيْنُهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلْتُهُ. ثُمَّ رَجَعْتُ
إِلَى أَبِي عَامِرٍ فَقُلْتُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَتَلَ صَاحِبَكَ. قَالَ فَأَنْزِعْ هَذَا السَّهْمَ. فَزَعْتُهُ فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءُ:
فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي! انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَأَقْرِنْهُ مِنِّي السَّلامَ. وَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ أَبُو عَامِرٍ:
اسْتَغْفِرْ لِي. قَالَ: وَاسْتَعْمَلَنِي أَبُو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ. وَمَكّثَ يَسِيرًا ثُمَّ إِنَّهُ مَاتَ. فَلَمَّا رَجَعْتُ
إِلَى النّبِيِّ ◌َ دَخَلْتُ عَلَيْهِ. وَهُوَ فِي بَيْتٍ عَلَى سَرِيرٍ مُرْمَلٍ، وَعَلَيْهِ فِرَاشٌ، وَقَدْ أَثْرَ رِمَالُ
السَِّيرِ بِظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ وَجَنْبَيْهِ. فَأَخْبُرُهُ بِحَبَرِنَا وَخَبَرٍ أَبِي عَامِرٍ. وَقُلْتُ لَهُ: قَالَ: قُلْ لَهُ:
(١٦٤) حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرِ الأَشْعَرِيُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ جَمِيعًا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ أَبُو عَامِرٍ حَدََّا أَبُو أُسَامَةٌ حَدْقَنَا بُرَيْدٌ عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةً
عَنْ أَبِي مُوسَی
(١٦٥) خَّّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ أَبُو عَامِرٍ الأَشْعَرِيُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَاللَّفْظُ لِأَبِي عَامِرٍ فَالا حَدَّثَنَا أَبُوِ أُسَامَةً عَنْ بُرَيْدٍ
عَنْ أَبِي بُرْدَةً عَنْ أَبِيهِ
٥٢١
يَسْتَغْفِرْ لِي. فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ّ بِمَاءِ. فَتَوَضَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ! اغْفِرْ
◌ِعُبَيْدٍ، أَبِي عَامِرٍ» حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِنْطَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ! اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِن
خَلْقِكَ، أَوْ مِنَ النَّاسِ» فَقُلْتُ: وَلِي. يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَاسْتَغْفِرْ. فَقَالَ النّبِيُّ ◌َ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ
لِعَبْدِ اللَّهِ بْنٍ قَيْسٍ ذَنْبَهُ. وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُدْخَلا كَرِيمًا». قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: إِحَدَاهُمَا لأَبِي
عَامِرٍ. وَالأُخْرَى لِأَبِي مُوسَى.
٥٥٧٧- ٦لّ عَنْ أَبِي مُوسَى ◌َ﴾(١٦٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ لِ: «إِنِّي لأَغْرِفُ أَصْوَاتَ
رُفْقَةِ الأَشْعَرِيِّنَ بِالْقُرْآنِ، حِينَ يَدْخُلُونَ بِاللَّيْلِ، وَأَعْرِفُ مَنَازِلَهُمْ مِن أَصْوَاتِهِمْ، بِالْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ.
وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَرَ مَنَازِلَهُمْ حِينَ تَزَلُوا بِالنَّهَارِ. وَمِنْهُمْ حَكِيمٌ إِذَا لَقِيَ الْخَيْلَ - أَوْ قَالَ الْعَدُوَّ -
قَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَصْحَابِي يَأْمُرُونَكُمْ أَنْ تَنْظُرُوهُمْ)».
٥٥٧٨- ١٦٧ عَنْ أَبِي مُوسَى ◌َ﴾(١٦٧) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿: «إِنَّ الأَشْعَرِّينَ، إِذَا
أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَّوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ
اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ، بِالسَّوِيَّةِ. فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ».
المعنى العام
أراد أبو موسى الأشعريون معه - وكانوا نحو خمسين رجلا - أن يخرجوا من بلادهم
باليمن إلى المدينة، فركبوا سفينة فألقتهم الريح إلى الحبشة، فاجتمعوا هناك بجعفر، ثم
قدموا المدينة صحبته.
وأبو موسى هو عبد الله بن قيس، مشهور باسمه وكنيته معا، وأمه طيبة بنت وهب، أسلمت
وماتت بالمدينة، واستعمله النبى و8 على بعض اليمن، واستعمله عمر بن الخطاب على البصرة،
والأهواز، ثم أصبهان، ثم استعمله عثمان على الكوفة، إلى أن مات عثمان، فعزله على عنها، ثم كان
أحد الحكمين بصفين، ثم اعتزل الفريقين، ومات بالكوفة فى داره بها، وقيل: إنه مات بمكة سنة
أربع وأربعين، وقيل: سنة خمسين، وهو ابن ثلاث وستين.
وكان من أحسن الناس صوتا بالقرآن، قال فيه رسول اللّه وَ ل: ((لقد أوتى أبو موسى مزمارا من
(١٦٦) حَدَّثْنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا بُرَيْدٌ عَنْ أَبِي بُرْدَةً عَنْ أَبِي مُوسَى
(١٦٧) حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرِ الأَشْعَرِيُّ وَأَبُوِ كُرَّيْبٍ جَمِيعًا عَنْ أَبِي أُسَامَةً قَالَ أَبُو عَامِرٍ حَدَّثَنَا أَبُوَ أُسَامَةَ حَدَّثَنِي بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
أَبِي بُرْدَةَ عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَّةَ عَنْ أَبِي مُوسَى
٥٢٢
مزامير آل داود))، وهو الذى فقه أهل البصرى وأقرأهم، وكان عمر إذا رآه قال له: ((ذكرنا بربنا يا أبا
موسى))، وفى رواية ((شوقنا إلى ربنا)» فيقرأ عنده.
أما عمه أبو عامر فقد أسلم معه، وقدم المدينة معه، وقاد حملة أوطاس، واستشهد بها.
أما الأشعريون قبيلة أبى موسى وعمه فلهم فضائل كثيرة، وهم قبيلة من أهل اليمن، وقد قال
رسول اللّه فى وفدهم: ((أتاكم أهل اليمن، هم أضعف قلوبا، وأرق أفئدة، الفقه يمان، والحكمة
يمانية)». وقد ذكرت أحاديثنا نبذة من فضائلهم، رضى الله عنهم وأرضاهم.
وسيأتى بعد باب مزيد عن أبى موسى والأشعريين.
المباحث العربية
( كنت عند النبى * وهو نازل بالجعرانة ) بكسر الجيم وكسر العين وتشديد الراء، وقد
تسكن العين، وهى بين الطائف ومكة، وإلى مكة أقرب، قيل: بينها وبين مكة ثمانية عشر ميلا.
وكان نزوله صلى اللّه عليه وسلم الجعرانة مرتين. الأولى بعد أن نصره الله يوم حنين، وغنم
المسلمون الغنائم الكثيرة أودع رسول اللّه ل هذه الغنائم فى الجعرانة، ولم يقسمها، حتى يؤدب
ثقيفا بالطائف، فلما حاصرهم، قفل راجعا إلى الجعرانة لقسمة الغنائم.
( فأتى رسول اللَّه:﴿ رجل أعرابى،فقال: ألا تنجزلى يا محمد ما وعدتنى؟) لم
يقف العلماء على اسم الأعرابى، جريا على عادتهم فى الستر على المسيئين، والظاهر أن إتيان
الأعرابى للرسول{8/ كان بعد عودته من الطائف، وقد استبطأ حديثو العهد بالإسلام قسمة الغنيمة،
ومنهم هذا الأعرابى، والظاهر أن الرسول # كان قد وعده شيئا من الغنيمة قبل أن يذهب إلى
الطائف، فلما رجعوا تعجله وطلب إنجازه، ويحتمل أن يكون قد تعجل الوعد العام بقسمة الغنيمة،
وقال: ألا تنجز ما وعدتنى بقسمة الغنيمة، وإعطائى نصيبى منها عقب العودة من الطائف.
( فقال له رسول اللَّه ◌َ﴿: أبشر) بفتح الهمزة وسكون الباء وكسر الشين، أى أبشر بقرب
إنجاز وعدك، أو بقرب القسمة، أو بالثواب الجزيل من اللَّه على الصبر.
(فقال: قد أكثرت على من أبشر) ((أبشر)) هنا مقصود حكايتها فى محل جر بحرف ((من))
أى قلت لى هذه الكلمة كثيرا، دون إنجاز، وربما كان الأعرابى قد ألح فى الطلب أثناء هذه المدة،
وكان الجواب ((أبشر)) فقال: قد أكثرت على منها، والمعنى أنه لا يقبلها، ويريد العمل، لا البشرى.
والتعبير بالأعرابى لالتماس العذر في خشونته وجفائه ،وبعده عن الأدب، وحسن التعبير.
( فأقبل رسول اللَّه على أبى موسى وبلال - كهيئة الغضبان - فقال: إن هذا قد
رد البشرى، فاقبلا أنتما) ((أقبل الأولى معناها وجه وجهه نحوهما، مجانبا الأعرابى، و((أقبلا))
٥٢٣
أى تقبلا البشارة ووعد الخير. وقوله - كهيئة الغضبان - لما رأوا على وجهه صلى الله عليه وسلم من
13
أعراض انفعال الغضب، وعبر بالكاف لأن الغضب انفعال داخلى لا يجزم به لمجرد أعراضه.
( ثم دعا رسول اللَّه﴿ بقدح فيه ماء، فغسل يده ووجهه فيه، ومجه فيه، ثم قال:
اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما، وأبشرا، فأخذا القدح، ففعلا ما أمرهما به
رسول اللَّه، فنادتهما أم سلمة، من وراء الستر: أفضلا لأمكما مما فى إنائكما،
فأفضلالها منه طائفة) ((أم سلمة)) زوج النبى ول، أم المؤمنين، ولهذا قالت ((لأمكما)» وفضلة
النبى 28 مقصود بها هنا البركة والتبرك، وكأنها عوض عن البشرى بالأمور الدنيوية، أو مضافة إليها.
( لما فرغ النبى ® من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس ) أى لما فرغ من
حنين أمر بالغنائم تجمع فى الجعرانة، وكانت هوازن لما انهزموا صارت طائفة منهم إلى الطائف،
وطائفة إلى بجيلة، وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبى { عسكرا إلى من مضى إلى أوطاس، على
رأسهم أبو عامر الأشعرى، ثم توجه هو وعساكره إلى الطائف، و((أوطاس)) واد قريب من وادى حنين.
( فلقى دريد بن الصمة، فقتل دريد، وهزم اللَّه أصحابه) ((الصمة)) بكسر الصاد وتشديد
الميم، من بنى جشم بن معاوية بن بكربن هوازن، فالصمة لقب لأبيه، واسمه الحارث. قال الحافظ
ابن حجر: وقوله: ((فقتل)) رويناه على البناء للمجهول، واختلف فى قاتله، فقيل: ابن الدغنة، وقيل:
الزبير بن العوام، وكان ابن الصمة فى ستمائة نفس على أكمة، وكان من الشعراء الفرسان
المشهورين فى الجاهلية. ويقال: إنه يوم قتل كان ابن عشرين ومائة.
( قال أبو موسى: ويعثنى مع أبى عامر ) أى إلى من التجأ إلى أوطاس، وقيل: بعثه كمدد
لأبى عامر والأول هو المعتمد، فعند الطبرانى فى الأوسط ((لما هزم المشركين يوم حنين، بعث رسول
اللَّهِ﴿ على خيل الطلب أبا عامر الأشعرى وأنا معه)).
( فرمى أبو عامر فى ركبته، رماه رجل من بنى جشم بسهم، فأثبته فى ركبته )
((جشم)) بضم الجيم وفتح الشين، واختلف فى اسم هذا الجشمى، فقال ابن إسحاق: زعموا أن سلمة
ابن دريد بن الصمة هو الذى رمى أبا عامر بسهم، فأصاب ركبته، فقتله، وقال ابن هشام: إن الذى
رمى أبا عامر أخوان من بنى جشم، وهما أوفى والعلاء ابنا الحارث، فأصاب أحدهما ركبته، وقتلهما
أبو موسى الأشعرى، وذكر ابن إسحاق أن أبا عامر لقى يوم أوطاس عشرة من المشركين، إخوة،
فقتلهم واحدا واحداً، حتى كان العاشر فحمل عليه، وهو يدعوه إلى الإسلام وهو يقول: اللَّهم اشهد عليه
فقال الرجل: اللهم لا تشهد على، فكف عنه أبو عامر ظنا منه أنه أسلم، فقتله العاشر ثم أسلم بعد
وحسن إسلامه، وكان النبى 8* يسميه: شهيد أبى عامر. وهذا يخالف ما فى الصحيح من أن أبا
موسى قتل قاتل أبى عامر.
( قال أبوموسى: فانتهيت إليه، فقلت: يا عم، من رماك؟ فأشار أبو عامر إلى أبى
٥٢٤
موسى، فقال: إن ذاك قاتلى. تراه ذلك الذى رمانى ) أى أشار أبو عامر إلى شخص، وقال
لأبى موسى: إنه هو هذا الذى رمانى. وأعتقد أنه هو الذى قتلنى. فقوله ((تراه)) بفتح التاء.
( قال أبو موسى: فقصدت له فاعتمدته، فلحقته ) أى وكان يمشى الهوينى، غير خائف،
لبعده عن الميدان.
( فلما رآنى ولى عنى ذاهبا ) مفعول مطلق من معنى الفعل.
( فاتبعته، وجعلت أقول له: ألا تستحيى؟ ألست عربياً) والعربى غير جبان، لا يجرى؟.
( ألا تثبت ) وتقاتل؟.
( فكف ) عن الجرى، ووقف للقتال.
( فالتقيت أنا وهو) يضرب كل منا الآخر.
( فاختلفنا أنا وهو ضربتين فضربته بالسيف، فقتلته ) هو ضربنى ضربة،
وضربته ضربة، فقتلته.
( ثم رجعت إلى أبى عامر. فقلت: إن اللَّه قد قتل صاحبك. قال. فانزع هذا السهم )
من ركبتى، وكان السهم ثابتا فيها، يسد السائل والدم.
( فنزعته، فنزا منه الماء ) أى ظهر الدم السائل من الجرح، وجرى، ولم ينقطع.
( واستعملنى أبو عامر على الناس ) أى أعطاه الراية، واستخلفه قائدا على
العسكر، فنصره اللّه.
( فلما رجعت إلى النبى 8# دخلت عليه، وهو فى بيت على سرير مرمل، وعليه
فراش، وقد أثر رمال السرير بظهر رسول اللَّه# وجنبيه) فى رواية ((فلما رآنى رسول الله
﴿﴿ معى اللواء، قال: يا أبا موسى، قتل أبو عامر؟)).
السرير المرمل بضم الميم وفتح الراء، وفتح الميم الثانية مشددة، أى معمول بالرمال، وهو حبال
الحصر، التى تضفر بها الأسرة، وقوله ((عليه فراش)) أنكره بعضهم، وقال: الصواب ((ما عليه فراش))
فسقطت «ما)» وتعقبه الحافظ ابن حجر، بأنه لا يلزم من كونه على غير فراش- كما فى قصة عمر -
أن لا يكون على سريره دائما فراش. اهـ. وفى هذا التعقيب نظر لأن من أنكر عبارة ((عليه فراش)»
وصوبها بعبارة ((ما عليه فراش)» لم يقصد مشابهة هذه الحالة بحالة لقاء عمره، فى قصة اعتزال
الرسول 8 نساءه، وإنما قصد أن تأثير السرير المرمل فى الظهر والجنبين إنما يناسبه أن لا يكون
بينه وبين الرمال فراش، إذ لو كان هناك فراش ما أثر غالبا، والهدف إظهار تأثير رمال السرير، وعبارة
((عليه فراش)) تصبح مناقضة للمطلوب، والعبارة المناسبة ((ما عليه فراش)).
٥٢٥
( فأخبرته بخبرنا ) أى بخبر الجيش والنصر.
( وخبر أبى عامر) من إصابته بالسهم، ووصيته عند موته.
( وقلت له: قال: قل له يستغفر لى) ... اللَّهم اغفر لعبيد أبى عامر.
اختلف فى اسمه، فقيل: إن اسمه هانىء بن قيس، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: عباد، وقيل: عبيد.
وهذا الحديث يرجح القول الأخير.
( حتى رأيت بياض إبطيه ) من شدة رفع اليدين.
( اللَّهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك - أو من الناس ) أى فى المرتبة، وفى
رواية ((فى الأكثرين يوم القيامة)».
( إنى لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن ) الرفقة الجماعة المترافقون، والراء
مثلثة، والأشهر ضمها، و((بالقرآن)» يتعلق بأصوات.
( حين يدخلون بالليل) ((يدخلون)) بالدال والخاء، لجميع رواة البخارى ومسلم، وحكى عياض
عن بعض رواة مسلم ((يرحلون)) بالراء والحاء، وصوبها الدمياطى فى البخارى، وهو عجيب منه، فإن
الرواية بالدال والخاء، والمعنى صحيح، فلا معنى للتغيير، وقد نقل عياض عن بعض الناس اختيار
الرواية التى بالراء والحاء، قال النووى: والرواية الأولى صحيحة أو أصح، والمراد يدخلون منازلهم
عائدين من المسجد، أو من شغل آخر.
(ومنهم حكيم ) قيل: هو صفة لرجل منهم، أى ومن الأشعريين رجل حكيم، وقيل: هو اسم على
رجل من الأشعريين، أى ومن الأشعريين رجل اسمه حكيم.
( إذا لقى الخيل - أوقال: العدو- قال لهم: إن أصحابى يأمرونكم أن تنظروهم) أى
تنتظروهم من الانتظار، ومنه قوله تعالى ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] ومعناه أنه لفرط
شجاعته كان لا يفر من العدو، بل يواجههم، ويقول لهم - إذا أرادوا الانصراف مثلا - انتظروا
الفرسان حتى يأتوكم، ليثبتهم على القتال، فكأنه لايتمنى انصراف العدو، بل يتمنى انتظاره ولقاءه،
فهو يحرض العدو على الثبات والبقاء، لا على الانصراف، هذا على رواية ((العدو)) أما على رواية
((الخيل)) فيحتمل أن يراد به خيل العدو، فيكون المعنى كالسابق، ويحتمل أن يريد بها خيل
المسلمين، ويشير بذلك إلى أن أصحابه كانوا رجالة، فكان هو يأمر بالفرسان أن ينتظروا المشاة،
ليسيروا إلى العدو جميعا، قال الحافظ ابن حجر: وهذا أشبه بالصواب، قال ابن التين: معنى كلامه
أن أصحابه يحبون القتال فى سبيل الله، ولا يبالون بما يصيبهم.
( إن الأشعريين إذا أرملوا فى الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة) ((إذا أرملوا)) أى
فنى زادهم وأصله من الرمل، كأنهم لصقوا بالرمل من القلة، كما قيل فى الرواية ((ذا متربة)) وقوله
٥٢٦
((تربت يداك)) وأصل الشركة فى الطعام تكون غالبا فى السفر، لكن قد تتفق رفقة فيقيمونها فى
الحضر بالمدينة.
( جمعوا ما كان عندهم فى ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم فى إناء واحد بالسوية )
قال النووي: ليس المراد بهذا القسمة المعروفة فى كتب الفقه بشروطها، حتى تمنع فى الربويات،
وإنما المراد هنا إباحة بعضهم بعضا، ومواساتهم بالموجود.
( فهم منى، وأنا منهم) ((من)) هذه تسمى الاتصالية، أى هم متصلون بى، وأنا متصل بهم، أى
هم فعلوا فعلى فى هذه المواساة، وأنا أفعل مثل ما يفعلون، وقال النووى: معناه المبالغة فى اتحاد
طريقهما، واتفاقهما فى طاعة اللَّه.
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١- من الرواية الأولى سماحة النبى و ورأفته بالأعراب، وتقديره لغلظتهم، حيث لم يعنف الأعرابى
على سوء أدبه، واكتفى بالإعراض عنه، والتوجه لغيره، قال القاضى: لوصدر هذا من مسلم - أى
غير معذور - كان ردة، لأن فيه تهمة للنبى ®، واستخفافا بصدق وعده، وإنما صدر ممن لم يتمكن
الإسلام من قلبه، ممن كان يستألف من أشراف العرب، وجاء أنه من بنى تميم، وهم الذين نادوا
الرسول 8 من وراء الحجرات، ونزل فيهم ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤].
٢ - وفى الحديث فضيلة ظاهرة لأبى موسى وبلال وأم سلمة رضى الله عنهم.
٣- وفيه استحباب البشارة.
٤- واستحباب الازدحام فيما يتبرك به، وطلبه ممن هو معه، والمشاركة فيه.
٥- ومن الرواية الثانية فضيلة ظاهرة لأبى عامر الأشعرى، وكفاءته للقيادة، ولم يكن مضى على
إسلامه أكثر من عام.
٦- وطلب الدعاء من الصالحين.
٧- واستحباب الدعاء لمن طلبه، بما طلب.
٨- واستحباب التطهر لإرادة الدعاء.
٩- ورفع اليدين عند الدعاء، قال النووى: أما الحديث الذى رواه أنس، وأنه لم يرفع يديه، إلا فى ثلاث
مواطن، فهو محمول على أنه لم يره، وإلا فقد ثبت الرفع فى مواطن كثيرة، فوق ثلاثين موطنا.
١٠- وفيه ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الزهادة فى الدنيا، والعيش الخشن، حتى إن سريره
المصنوع من حبال الليف لم يكن عليه فراش، حتى إن الحبال تؤثر فى ظهره وجنبيه.
٥٢٧
١١- وفى الرواية الثالثة فضيلة ظاهرة للأشعريين، وجهرهم بالقرآن.
١٢ - وفيها أن الجهر بالقرآن فى الليل فضيلة، قال النووى: إذا لم يكن فيه إيذاء لنائم أو لمصل أو
غيرهما، ولم يكن هناك ریاء.
١٣- ومن الرواية الرابعة فضيلة أخرى للأشعريين.
١٤- وفضيلة الإيثار والمواساة.
١٥- وفضيلة خلط الأزواد فى السفر.
١٦- وفضيلة جمعها فى شيء عند قلتها فى الحضر، ثم تقسم.
١٧ - وبوب له البخارى بباب الشركة فى الطعام والنهد - بكسر النون وبفتحها - وهو إخراج القوم
نفقاتهم على قدر عدد الرفقة، قال الحافظ ابن حجر: والذى يظهر أن أصله فى السفر، وقد تتفق
رفقة، فيضعونه فى الحضر، كفعل الأشعريين. قال وهل يجوز قسمته مجازفة، أو لا بد من الكيل
فى المكيل، والوزن فى الموزون؟. وعن الحسن: أخرجوا نهدكم، فإنه أعظم للبركة، وأحسن
لأخلاقکم.
١٨ - وفى تحديث أبى موسى بهذه الأحاديث جواز تحديث الرجل بمواهبه ومفاخره.
والله أعلم
٥٢٨
(٦٦٧) باب من فضائل أبى سفيان صخر بن حرب څه
٥٥٧٩ - ٨ ١٦ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١٦٨) قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ لا يَنْظُرُونُ إِلَى
أَبِي سُفْيَانَ وَلا يُقَاعِدُونَهُ. فَقَالَ لِلنَِّيِّلِ ﴾: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! ثَلاثٌ أَعْطِهِنَّ. قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ:
عِنْدِي أَحْسَنُ الْعَرَبِ وَأَجْمَلُهُ، أُمُّ حَبِبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانِ، أُزَوِّجُكَهَا. قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ:
وَمُعَاوِيَةٌ، تَجْعَلُهُ كَاتِبًا بَيْنَ يَدَيْكَ. قَالَ: «نَعَمْ﴾ قَالَ: وَتُؤْمِّرُبِي حَتَّى أُقَاتِلَ الْكُفَّارَ، كَمَا كُنْتُ
أُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: «نَعَمْ)) قَالَ: أَبُو زُمَيْلٍ: وَلَوْلا أَنَّهُ طَلَبَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ:﴿هَ مَا أَعْطَاهُ
ذَلِكَ. لَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُسْأَلُ شَيْئًا إِلاَ قَالَ: «نَعَمْ)».
المعنى العام
أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشى الأموى، مشهور باسمه،
وكنيته، وكان يكنى أيضا أبا حنظلة، اسم ابن له قتله على يوم بدر كافرا، وأمه صفية بنت حرب
الهلالية، عمة ميمونة بنت الحارث الهلالية، زوجة رسول اللّه ، وكان أسن من النبى{ * بعشر
سنين، وهو والد معاوية، أسلم عام الفتح، وشهد حنينا والطائف، وكان من المؤلفة قلوبهم، وكان قبل
ذلك رأس المشركين يوم أحد والخندق، وتزوج النبى * ابنته أم حبيبة، وكانت قد أسلمت قديما
وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها الذى مات هناك.
كان أبو سفيان رجلا يحب الفخر، وفى فتح مكة قال رسول الله محلل: ((من دخل دار
أبى سفيان فهو آمن)»، وفى يوم الطائف أصيبت عينه، فأصبح بعين واحدة، ويقال: إنه فقد
عينه الثانية فى غزوة اليرموك.
أعطاه رسول اللَّه ◌َ﴿ من غنائم حنين مائة بعير وأربعين أوقية، كما أعطى سائر المؤلفة قلوبهم،
وأعطى ابنيه يزيد ومعاوية، فقال له أبو سفيان: والله إنك لكريم، فداك أبى وأمى، واللَّه لقد حاربتك،
فنعم المحارب كنت، ولقد سالمتك، فنعم المسالم أنت، جزاك الله خيرا.
وتوفى بالمدينة سنة ثلاثين، وفى الصحيحين حديثه مع هرقل، يشهد للنبى 8# صادقا
قبل أن يسلم.
رضى الله عنه وأرضاه.
(١٦٨) حَدَّثِّي عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ الْمَعْقِرِيُّ قَالا حَدََّا النَّصْرُ وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْيَمَامِيُّ حَدََّا عِكْرِمَةُ
حَدََّا أَبُوْ زُمَّيْلٍ حَدَّقَيِي ابْنُ عَّاسٍ
٥٢٩
المباحث العربية
( كان المسلمون لا ينظرون إلى أبى سفيان ) أى لا ينظرون إليه نظرة رضا، أى بعد
إسلامه، لما لابس تاريخه فى الكفر من عداوة للإسلام ورسوله.
( ولا يقاعدونه ) نفوراً من مجالسته، استصحابا لماضيه.
( ثلاث أعطنيهن ) أى تكرم على بثلاث مكرمات.
( قال: نعم ) أى سأتكرم عليك بما تطلب. فاسأل.
( عندى أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبى سفيان، أزوجكها. قال: نعم ) كان
الأصل أن يقول: وأجملهم، لكن العرب يتكلمون بها مفردا، قال النحويون: معناه: وأجمل من هناك.
قال النووى: اعلم أن هذا الحديث من الأحاديث المشهورة بالإشكال، ووجه الإشكال أن أبا
سفيان إنما أسلم يوم فتح مكة، سنة ثمان من الهجرة، وهذا مشهور، لا خلاف فيه، وكان النبى صل قد
تزوج أم حبيبة قبل ذلك بزمان طويل، قال الجمهور: تزوجها سنة ست، وقيل: سنة سبع، قال القاضى
عياض: واختلفوا أين تزوجها؟ فقيل: بالمدينة، بعد قدومها من الحبشة، وقال الجمهور: بأرض
الحبشة، قال: واختلفوا فيمن عقد له عليها هناك، فقيل: عثمان، وقيل: خالد بن سعيد بن العاص
بإذنها، وقيل: النجاشى، لأنه كان أمير الموضع وسلطانه، قال القاضى: والذى فى مسلم هنا أنه
زوجها أبو سفيان غريب جدا، وخبرها مع أبى سفيان حين ورد المدينة فى حال كفره مشهور.
وقال ابن حزم: هذا الحديث وهم من بعض الرواة، لأنه لا خلاف بين الناس أن النبى وَ * تزوج أم
حبيبة قبل الفتح بدهر، وهى بأرض الحبشة، وأبوها كافر، وفى رواية عن ابن حزم أيضا أنه قال: هذا
الحديث موضوع، قال: والآفة فيه عن عكرمه بن عمار، الراوى عن أبى زميل، وأنكر الشيخ أبو عمرو بن
الصلاح - رحمه الله تعالى - هذا على ابن حزم، وبالغ فى الشناعة عليه، قال: وهذا القول من جسارته،
فإنه كان هجوما على تخطئة الأئمة الكبار، وإطلاق اللسان فيهم. قال: ولا نعلم أحدا من أئمة
الحديث نسب عكرمة بن عمار إلى وضع الحديث، وقد وثقه وكيع ويحيى بن معين وغيرهما، وكان
مستجاب الدعوة، قال: وما توهمه ابن حزم من منافاة هذا الحديث لتقدم زواجها غلط منه وغفلة،
لأنه يحتمل أنه سأله تجديد عقد النكاح، تطييبا لقلبه، لأنه كان ربما يرى عليها غضاضة من رياسته
ونسبه، أن تزوج بنته بغير رضاه، أو أنه ظن أن إسلام الأب فى مثل هذا يقتضى تجديد العقد، وقد
خفى أوضح من هذا على من هو أكبر مرتبة من أبى سفيان، ممن كثر علمه، وطالت صحبته. هذا كلام
أبى عمرو - رحمه الله - وليس فى الحديث أن النبى و﴿ جدد العقد، ولا قال لأبى سفيان: أنه يحتاج
إلى تجديده، فلعله صلى الله عليه وسلم أراد بقوله: نعم. أن مقصودك يحصل، وإن لم يكن
بحقيقة عقد. اهـ
٥٣٠
والحق أن الدفاع عن الرواية ضعيف وبعيد عن المعقول، سواء فى ذلك توجيه أبى عمرو - رحمه
اللَّه - أو توجيه النووى رحمه اللّه، وتغليط الرواية أخف من تأويل ظاهر التمحل. والله أعلم.
( قال: ومعاوية، تجعله كاتبا بين يديك) للوحى وغيره، ((قال: نعم)». وجعله فعلا كاتبا له.
( وتؤمرنى ) بضم التاء وفتح الهمزة وكسر الميم المشددة، أى تعيننى أميرا وقائدا
لجيش المسلمين.
( كما كنت أقاتل المسلمين ) أى كما كنت قائدا لجيش الشرك ضد المسلمين.
( لأنه لم يكن يسأل شيئا إلا قال: نعم) أى لأن النبى ® إنما أجاب أبا سفيان لطلبه لأن
سجية رسول اللَّه* نعم، لا يرد أحدا، فأجاب بذلك على سجيته، لا حبا، ولا تقديرا لأبى سفيان.
فقه الحديث
فيه فضيلة لأبى سفيان
وفيه كرم خلقه ®، وعفوه عمن آذاه، بل فيه تكريم من كان يؤذيه. صلى الله عليه وسلم.
والله أعلم
٥٣١
(٦٦٨) باب من فضائل جعفر بن أبى طالب
وأسماء بنت عميس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
٥٥٨٠- ١٦٩ عَنْ أَبِي مُوسَى ﴾(١٦٩) قَالَ: بَلَغَنَا مَخْرَجُ رَسُولِ اللَّهِوَ﴿ وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ.
فَخَرَجْنَا مُهَاجِرِينَ إِلَيْهِ، أَنَا وَأَخَوَانٍ لِي. أَنَا أَصْغَرُهُمَا، أَحَدُهُمَا أَبُو بُرْدَةَ وَالآخَرُ أَبُو رُهْمٍ - إِمَّا
قَالَ: بِضْعًا وَإِمَّا قَالَ: ثَلاثَةً وَخَمْسِينَ أَوِ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ رَجُلا مِن قَوْمِي - قَالَ: فَرَكِيْنَا سَفِينَةٌ.
فَلْقَتْنَاَ سَفِيَتْنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالْحَبَشَةِ. فَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابَهُ عِنْدَهُ. فَقَالَ
جَعْفَرٌ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿هَ بَعَثْنَا هَاهُنَا. وَأَمَرَنَا بِالإِقَامَةِ. فَأَقِيمُوا مَعَنَا فَقَمْنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا
جَمِيعًا، قَالَ: فَوَافَقْنَا رَسُولَ اللَّهِلِ﴿ِ حِينَ افْتَحَ خَيْبَرَ. فَأَسْهَمَ لَنَا، أَوْ قَالَ أَعْطَانَا مِنْهَا. وَمَا
قَسَمَ لِأَحَدٍ غَابَ عَنْ فَتْحٍ خَيْبَرَ مِنْهَا شَيْئًا، إِلا لِمَنْ شَهِدَ مَعَهُ، إِلا لِأَصْحَابِ سَفِينَتْنَا مَعَ جَعْفَرٍ
وَأَصْحَابِهِ. فَسَمَ لَهُمْ مَعَهُمْ. قَالَ: فَكّانَ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ يَقُولُونَ لَنَا - يَعْنِي لأَهْلِ السَّفِينَةِ -:
نَحْنُ سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ. قَالَ: فَدَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَهِيَ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَنَا عَلَى حَفْصَةَ
زَوْجِ النِّبِيِّ ◌َ﴿َ زَائِرَةً. وَقَدْ كَانَتْ هَاجَرَتْ إِلَى النَّجَاشِيِّ فِيمَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِ. فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى
حَفْصَةَ، وَأَسْمَاءُ عِنْدَهَا. فَقَالَ عُمَرُ حِينَ رَأَى أَسْمَاءَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ: أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَّيْسٍ.
قَالَ عُمَرُ: الْحَبَشِيَّةُ هَذِهِ؟ الْبَحْرِيَّةُ هَذِهِ؟ فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: نَعَمْ: فَقَالَ عُمَرُ: سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ.
فَنَحْنُ أَحَقُّ بِرَسُولِ اللّهِلَّ مِنْكُمْ. فَغَضِبَتْ. وَقَالَتْ كَلِمَةً: كَذَبْتَ، يَا عُمَرًا كَلا. وَاللَّهِ!
كُنْتُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ يُطْعِمُ جَائِعَكُمْ، وَيَعِظُ جَاهِلَكُمْ. وَكُنَّا فِي دَارٍ، أَوْ فِي أَرْضٍ، الْبُعَدَاءِ
الْبُغَضَاءِ فِي الْحَبَشَةِ. وَذَلِكَ فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِهِ. وَايْمُ اللَّهِ: لا أَطْعَمُ طَعَامًا وَلا أَشْرَبُ شَرَابًا
حَتَّى أَذْكُرَ مَا قُلْتَ لِرَسُولِ اللَّهِعَ﴿. وَنَحْنُ كُنَّا نُؤْذَى وَنُخَافُ. وَسَأَذْكُرُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ
﴿ وَأَسْأَلُهُ. وَ وَاللَّهِ! لا أَكْذِبُ وَلا أَزِيغُ وَلا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ:﴿ قَالَتْ:
يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنَّ عُمَرَ قَالَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَِ: «لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ. وَلَهُ
وَلأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ. وَلَكُمْ أَنْتُمْ، أَهْلَ السَّفِينَةِ، هِجْرَتَانٍ» قَالَتْ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى
وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ يَأْتُونِي أَرْسَالا. يَسْأَلُونِي عَنِ هَذَا الْحَدِيثِ. مَا مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ هُمْ بِهِ أَفْرَعُ
وَلا أَعْظَمُ فِي أَنْفُسِهِمْ مِمَّا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ِ. قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ
أَبًا مُوسَى، وَإِنَّهُ لَيَسْتَعِيدُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنِّي.
(١٦٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادِ الأَشْعَرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ قَالا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنِي بُرَيْدٌ عَنْ أَبِي بُرْدَةً
عَنْ أَبِي مُوسَى
٥٣٢
المعنى العام
جعفر بن أبى طالب، ابن عم النبى ®، كان أشبه الناس خلقا وخلقا برسول اللَّهِ وَ﴾
وكان أكبر من على أخيه بعشر سنين، وكان عقيل أكبر من جعفر بعشر سنين، وكان طالب
أكبر من عقيل بعشر سنين. كان جعفر من المهاجرين الأولين، هاجر إلى أرض الحبشة فى
الهجرة الثانية، وقدم منها على رسول اللّه* عقب انتصار خيبر، فتلقاه رسول اللّه ◌َ ﴾.
واعتنقه، وقال: ((ما أدرى بأيهما أنا أشد فرحاً؟ بقدوم جعفر؟ أم بفتح خيبر؟)) ثم غزا غزوة
مؤتة قائدا لها، فى سنة ثمان من الهجرة، فقتل. قاتل حتى قطعت يداه، فقال رسول اللّه
﴿: ((إن اللَّه أبدله بيديه جناحان يطير بهما فى الجنة، حيث شاء)» فمن هنا قيل له:
جعفر ذو الجناحين، روى أنه وجد فى صدره تسعون جراحة، ما بين ضربة بالسيف وطعنة
بالرمح، ولما بكى أهله عليه، قال صلى الله عليه وسلم: ((على مثل جعفر فلتبك البواكى».
أما أسماء بنت عميس بن معد - على وزن سعد - أسلمت قديما، قبل دخول دار الأرقم، وبايعت
وهاجرت مع زوجها جعفر بن أبى طالب إلى الحبشة، فولدت له هناك عبدالله ومحمدا وعونا، ثم
هاجرت مع زوجها إلى المدينة، فلما استشهد جعفر فى غزوة مؤتة تزوجها أبو بكر الصديق ظله يوم
حنين، فولدت له محمدا، ثم مات عنها، فتزوجها على بن أبى طالب ظه، فولدت له يحيى بن على بن
أبى طالب. رضى الله عنها.
المباحث العربية
(بلغنا مخرج رسول الله#، ونحن باليمن ) أى خروجه من مكة إلى المدينة، أى هجرته
*، وليس المراد: بلغنا مبعثه، إذ يبعد كل البعد أن يتأخر علم مبعثه إلى مضى نحو عشرين سنة، ومع
الحمل على مخرجه إلى المدينة، فلابد من زيادة: واستقراره فيها، وانتصافه ممن عاداه، ونحو ذلك،
لأن هجرة أبى موسى المتحدث عنها كانت بعد اطمئنان المهاجرين فى إقامتهم بالمدينة. وبعد ست
سنين من هجرته صلى الله عليه وسلم، ويبعد أيضا أن يخفى عنهم أحوال المؤمنين فى هذه المدة،
وقوله ((ونحن باليمن)) أى فى ديارنا باليمن.
( فخرجنا مهاجرين إليه ) الضمير لأبى موسى ومن خرج معه، وأبدل من هذا الضمير.
( أنا وأخوان لى، أنا أصغرهما، أحدهما أبو بردة، والآخر أبورهم) قال النووى: هكذا
هو فى النسخ ((أصغرهما)) والوجه ((أصغر منهما)) وفى رواية للبخارى ((أنا أصغرهم))، وأبو بردة اسمه
عامر، وأبورهم بضم الراء وسكون الهاء، اسمه مجدى بفتح الميم وسكون الجيم، وقيل: اسمه محمد،
وقيل: اسمه مجيلة، بكسر الجيم.
٥٣٣
( إما قال: بضعا - وإما قال: ثلاثة وخمسين، أواثنين وخمسين رجلا من قومى )
شك الراوى فى خبر أبى موسى. هل قال: بضعاً وخمسين رجلا من قومى؟ أو قال: ثلاثة وخمسين؟ أو
قال: اثنين وخمسين؟ وفى رواية للبخارى ((أنهم كانوا خمسين))، فلعل الزائد على ذلك هو وأخواه،
وأخرج البلاذرى أنهم كانوا أربعين رجلا، ويجمع بين الروايات بالحمل على الأصول مرة، وعلى
الأصول والأتباع أخرى.
( فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشى بالحبشة ) الحبشة واليمن متقابلان،
بينهما البحر الأحمر، وكانوا يقصدون بسفينتهم «ينبع)) أو شاطئا قريبا من المدينة، لكن الرياح
والعواصف ألجأت السفينة إلى ساحل الحبشة، على غير رغبة منهم.
( فوافقنا جعفربن أبى طالب وأصحابه عنده ) أى عند النجاشى، فشرحنا له
حالنا ومقصودنا.
(فقال جعفر: إن رسول اللَّه بعثنا ههنا، وأمرنا بالإقامة ) هنا، حتى يأذن لنا
بالهجرة إلى المدينة.
(فأقيموا معنا فأقمنا معه، حتى قدمنا جميعا) ذكر ابن إسحاق أن النبى و8 * بعث عمرو
ابن أمية إلى النجاشى، يطلب منه أن يجهز إليه جعفربن أبى طالب، ومن معه، فجهزهم، وأكرمهم،
وقدم بهم عمرو بن أمية. وذكر ابن إسحاق أسماء من قدم مع جعفر، وهم ستة عشر، منهم امرأة جعفر،
أسماء بنت عميس وخالد ابن سعيد بن العاص وامرأته، وأخوه عمرو بن سعيد، ومعيقيب بن أبى
فاطمة.
( فوافقنا رسول اللَّه# حين افتتح خيبر) أى وصلوا بعد انتصار المسلمين فى خيبر،
وبعد حوز الغنائم، وقبل قسمتها.
( فأسهم لنا، أو قال: أعطانا منها، وما قسم لأحد، غاب عن فتح خيبر، منها شيئا،
إلا لمن شهد معه، إلا لأصحاب سفينتنا، مع جعفر وأصحابه، قسم لهم معهم ) سيأتى
فى فقه الحديث بيان كون هذا الإعطاء من الغنيمة، أو من الخمس، بإذن الغانمين، أو بدون إذنهم.
( قال: فكان ناس من الناس يقولون لنا - يعنى لأهل السفينة - نحن سبقناكم
بالهجرة) سمى من الناس فى الرواية نفسها عمر بن الخطاب نظخه، وفى رواية للبخارى ((وكان أناس
من الناس ».
( قال: فدخلت أسماء بنت عميس - وهى ممن قدم معنا - على حفصة زوج النبى
* زائرة ) لحفصة، أيام أن أكثر الناس من قولهم إننا تأخرنا فى الهجرة، وأنهم سبقونا بالفضل.
٥٣٤
( وقد كانت هاجرت إلى النجاشى، فيمن هاجر إليه ) الهجرة الثانية إلى الحبشة،
وكانوا يزيدون على ثمانين رجلا، سوى نسائهم وأبنائهم.
( فدخل عمر على حفصة، وأسماء عندها، فقال عمر - حين رأى أسماء - من هذه؟)
أى قال لابنته، فيما بينه وبينها، وأسماء تسمع: من هذه؟.
( قالت: أسماء بنت عميس ) وكان يعرفها، ويعرف بعض حياتها.
( قال عمر: الحبشية هذه؟ ) نسبها إلى الحبشة لسكناها فيهم، وفى رواية للبخارى
((الحبشية هذه؟)) بهمزة الاستفهام.
( البحرية هذه؟ ) بهمزة الاستفهام أيضا عند البخارى، ونسبها إلى البحر، لركوبها إياه، وفى
رواية ((البحيرية هذه)»؟ بالتصغير، للتمليح.
( فقالت أسماء: نعم ) تفخر بأنها هاجرت بدينها إلى الحبشة.
( فقال عمر: سبقناكم بالهجرة ) إلى المدينة، فلنا فضل السبق. يرد على فخرها بفخر.
( فنحن أحق برسول اللَّه# منكم) أى فنحن أقرب من رسول اللّه# منكم دينا ومكانة
فى الإسلام.
( فغضبت، وقالت كلمة ) أى ظهر عليها الغضب والانفعال، والمراد من الكلمة الكلام الكثير
الآتى فيما بعد، بداية من قولها:
(كذبت يا عمر، كلا والله) قال النووى: ((كذبت)) أى أخطأت، وقد استعملوا ((كذب)» بمعنى
أخطأ أى أقسم بالله أنكم لستم أحق برسول اللَّه﴿ منا، وفى رواية ((فقالت)) أى لعمر لقد صدقت.
كنتم مع رسول اللَّه ﴿ ... )) إلخ تقول ذلك على سبيل التهكم، وبدأت تعلل لماذا هى ومن كان معها
أحق. فقالت:
( كنتم مع رسول اللَّه ﴿، يطعم جائعكم) وكنا نجوع فى سبيل الله، ولا نجد من يطعمنا.
( ويعظ جاهلكم ) وكنا نتشوف لمعرفة ديننا، ونحتاج المواعظ والتشريعات، ونفتقدها فى
سبيل الله، وكنت متمتعين به، ونحن محرومون من المصدر الإلهى.
( وكنا فى دار - أو فى أرض - البعداء البغضاء فى الحبشة) ((البعداء)) بضم الباء وفتح
العين جمع بعيد، و(البغضاء)) بضم الباء وفتح الغين، جمع بغيض، وفى رواية ((البعداء أو البغضاء))
بأو، وفى رواية ((البعد)) بضم الباء والعين، وفى رواية ((وكنا البعداء والطرداء)).
( وذلك فى اللَّه وفى رسوله ) أى فى جميع ما تحملنا من مشاق ابتغاء وجه الله تعالى.
٥٣٥
(وإيم اللَّه) الواو للاستئناف، و((ايم)) بألف الوصل، وأصلها ((ايمن)» حذفت النون لغة،
وأضيفت إلى لفظ الجلالة. وهو مرفوعة على الابتداء، والخبر محذوف، والتقدير ((ايمن اللَّه قسمى))
وليست جمع يمين، فذاك همزته همزة قطع.
( لا أطعم طعاما، ولا أشرب شرابا، حتى أذكر ما قلت لرسول اللّه ) المقصود بهذه
الجملة حتمية تحقيق المقسم عليه، وسرعته.
( ونحن كنا نؤذى، ونخاف ) بضم النون فيهما، مبنى للمجهول، ولم تقل: وأنتم كنتم فى
سلامة وأمن، لأنهم كانوا كذلك يؤذون ويخافون، وكأنها تقول: وشاركناكم الأذى والخوف، بعد أن
زدنا عنكم الجوع والجهل والبعد عن مصدر السعادة والعلم.
( وسأذكر ذلك لرسول اللَّه :﴿، وأسأله) عن الحق، أهو فى قولك؟ أو فى قولى؟.
(واللَّه لا أكذب، ولا أزيغ، ولا أزيد على ذلك) أى وواللَّه لن أكذب عليك وأدعى عليك
خلاف ما قلت، ولن أحرف ما قلت، ولن أزيد شيئا على ما قلت.
( فلما جاء النبي ) الظاهر أنها ظلت مع حفصة حتى جاءها رسول اللَّه مَ # فى
مروره على كل واحدة من نسائه كل يوم، حتى يصل إلى صاحبة الليلة، فيقيم عندها، أو
صادفت زيارة أسماء ليلة حفصة.
(قالت: يا نبى الله، إن عمر قال كذا وكذا ) الظاهر أن عمر كان قد انصرف، ولم يحضر
الشكوى، وفى رواية للبخارى ((قال: فما قلت له؟ قالت: قلت له كذا وكذا)).
( قال: ليس بأحق بى منكم) لم يقل: كذب، صيانة للسانه من العيب، ونفى الأحقية يحتمل
إثباتها لأسماء وأصحابها، أى أنتم أحق بى منهم، ويحتمل المساواة، أى وأنتم وهم فى أحقيتكم بى
سواء، لكن ظاهر التعليل أن المراد الأول.
( له ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان) ((أهل)) منصوب على
الاختصاص، أو على النداء بحذف أداته، ويجوز جره على البدل من الضمير، والمقصود من ((أهل
السفينة)) ركابها الذين هاجروا من الحبشة إلى المدينة بواسطتها، زاد فى رواية ((هاجرتم مرتين،
هاجرتم إلى النجاشى، وهاجرتم إلى)) وعند ابن سعد ((قالت أسماء بنت عميس: يا رسول اللّه، إن
رجالا يفخرون علينا، ويزعمون أنا لسنا من المهاجرين الأولين؟ فقال: بل لكم هجرتان، هاجرتم إلى
أرض الحبشة، ثم هاجرتم بعد ذلك)».
( قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة، يأتونى أرسالا، يسألونى عن هذا
الحديث ) قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون هذا من رواية أبى موسى عنها، فيكون من رواية
٥٣٦
صحابى عن مثله، ويحتمل أن يكون من رواية أبى بردة عنها، ومعنى ((أرسالا)) بفتح الهمزة، أى
أفواجًا، أى يجيئون إليها ناسًا بعد ناس، يستعيدون منها هذا الحديث، سرورًا به.
( ما من الدنيا شيء هم به أفرح، ولا أعظم فى أنفسهم، مما قال لهم رسول اللَّه لَ﴾ )
أى هذا الحديث كان أعظم شيء فى نفوسهم، لم يعادله شيء يسرهم فى الدنيا.
فقه الحديث
قال ابن المنير: ظاهر الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قسم لهم من أصل الغنيمة، لا من الخمس،
إذ لو كان من الخمس لم يكن لهم بذلك خصوصية، والحديث ناطق بها، إذ يجوز للإمام أن يجتهد،
وينفذ اجتهاده فى الأخماس الأربعة، المختصة بالغانمين، فيقسم منها لمن لم يشهد الوقعة.
وقال ابن التين: يحتمل أن يكون أعطاهم من الغنيمة برضا بقية الجيش، قال النووي: وفى رواية
البيهقى ما يؤيده، إذ فيها التصريح ((بأن النبى {َ ﴾، كلم المسلمين، فشركوهم فى سهمانهم)) وقال
الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون إنما أعطاهم من الخمس، وبهذا جزم أبو عبيد فى كتاب
الأموال. ثم قال الحافظ: وأما قول ابن المنير: لوكان من الخمس لم يكن هناك تخصيص فظاهر،
لكن يحتمل أن يكون من الخمس، وخصهم بذلك، دون غيرهم، ممن كان من شأنه أن يعطى من
الخمس، ويحتمل أن يكون أعطاهم من جميع الغنيمة، لكونهم وصلوا قبل قسمة الغنيمة، وبعد حوزها،
وهو أحد القولين للشافعى، وهذا الاحتمال يترجح بقوله ((أسهم لنا)) لأن الذى يعطى من الخمس، لا
يقال فى حقه ((أسهم له)) إلا تجوزا، ولأن سياق الكلام يقتضى الافتخار، ويستدعى الاختصاص بما لم
يقع لغيرهم. والله أعلم.
وفى الحديث مناقب جعفر بن أبى طالب وأسماء بنت عميس وأصحاب هجرة الحبشة
وأصحاب السفينة.
وفى الحديث قوة المرأة العربية فى ردها على من ينال منها.
واللَّه أعلم
٥٣٧
(٦٦٩) باب من فضائل سلمان وبلال وصهيب
٥٥٨١- ٠الإِ عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرِو(١٧٠)، أَنَّ أَبَّا سُفْيَانَ أَتَّى عَلَى سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَبِلالِ فِي
نَفَرٍ. فَقَالُوا: وَاللَّهِ! مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ اللَّهِ مِن عُنُقٍ عَدُوَّ اللَّهِ مَأْخَذَهَا، قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:
أَتْقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ فُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ؟ فَأَتَّى الَِّيَّلَ﴿ فَأَخْبُرَهُ. فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ لَعَلِّكَ
أَغْضَبْتَهُمْ. لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ». فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهْ!
أَغْضَبْتُكُمْ؟ قَالُوا: لا. يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَخِي.
المعنى العام
سلمان الفارسى ، أبو عبد الله، يقال: إنه مولى رسول اللّه﴿، كان ابن ملك من ملوك فارس،
وكان من هرمز، وقيل: كان أصله من أصبهان، وكان من صغره يطلب دين الله، ويتبع من يرجو ذلك
عنده، فدان بالنصرانية وغيرها، وقرأ الكتب، وصبر فى ذلك على مشقات، وخرج من بلاده يطلب
الدين الحق ويسأل عنه، انتقل من عابد إلى عابد، حتى وصل المدينة، وأخذ رقيقا، وانتقل من سيد
إلى سيد، حتى تداوله بضعة عشر سيدا، واشتراه صلى اللّه عليه وسلم وأعتقه، وكان ولاؤه لأهل بيت
النبى وَ ﴾، وآخى النبى {* بينه وبين أبى الدرداء، وكان زاهدا، له عباءة، يفترش بعضها، ويلبس
بعضها، وكان يعمل الخوص بيده، فيبيعه، فيعيش منه، ولا يقبل من أحد شيئا، وكان عطاؤه فى زمن
عمر خمسة آلاف، فكان إذا خرج عطاؤه تصدق به كله، وأكل من عمل يده، عمل الخوص الذى تعلمه
عن بعض مواليه بالمدينة، وأول مشاهده الخندق، وهو الذى أشار بحفره، وقيل: إنه شهد بدرا وأحدا،
إلا أنه كان عبدا يومئذ وكانوا يشبهونه بلقمان، علما وحكمة، ويعرف بسلمان الخير، وكان إذا قيل له:
ابن من أنت؟ قال: أنا سلمان ابن الإسلام من بنى آدم، وقال النبى وقال: ((أمرنى ربى بحب أربعة،
وأخبرنى أنه سبحانه يحبهم، على، وأبو ذر، والمقداد، وسلمان)). توفى بالمدائن فى خلافة عثمان.
سنة خمس وثلاثين. رضى الله عنه وأرضاه.
أما بلال بن رباح الحبشى، مؤذن رسول اللَّه: ﴿، كان عبدا، فأسلم، يقال: كان أول من أظهر
الإسلام سبعة: رسول اللَّه ◌َ ل)، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد، كان المشركون
- وعلى رأسهم أمية بن خلف، يخرجونه، إذا حميت الظهيرة، فيطرحونه على ظهره فى بطحاء مكه،
ثم يأمرون بالصخرة العظيمة على صدره، ثم يقولون: لا يزال هذا بك حتى تموت أو تكفر بمحمد، فلا
يزيد على قوله: أحد. أحد. وكانوا يعطونه للولدان يطوفون به فى شعاب مكة والسلسلة فى رقبته،
(١٧٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ حَدَّثَنَا بَهْزٌ حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةً عَنْ ثَابِتٍ عَنْ مُعَاوِيَةً بْنِ قُرَّةَ عَنْ عَائِذٍ بْنِ عَمْرٍو
٥٣٨
فاشتراه أبوبكر بسبع أواق، وأعتقه، ثم كان مؤذن رسول اللّه*، وخازن بيت المال وشهد مع رسول
اللَّه ◌َ﴾ المشاهد كلها، ولما مات رسول اللّه ﴿ كان مؤذن أبى بكر وخازن بيت ماله، لكنه استاذنه
فى أن يخرج للجهاد، وروى لأبى بكر حديث رسول اللّه﴿، وأنه قال له: ((يا بلال، ليس عمل أفضل
من الجهاد فى سبيل الله))، فقال أبو بكر: بل تكون عندى، فقال: إن كنت أعتقتنى لنفسك فاحبسنى،
وإن كنت أعتقتنى للَّه عز وجل، فذرنى أذهب إلى اللَّه عزوجل، فقال: اذهب، فذهب إلى الشام، وطلبه
عمر أن يؤذن له، فاعتذر، فقال له: ما يمنعك أن تؤذن لى؟ قال: إنى أذنت لرسول اللّه، * حتى
قبض، وأذنت لأبى بكر لأنه ولى نعمتى، وأريد الجهاد فى سبيل اللَّه، فتركه، وبقى فى الشام حتى
مات بها فى طاعون عمواس سنة عشرين، وهوابن ثلاث وستين سنة، ودفن بحلب.
وأما صهيب بن سنان: من العرب، من النمر بن قاسط، كان أبوه سنان بن مالك عاملا
لكسرى على الأيلة، وكانت منازلهم بأرض الموصل، فى قرية على شط الفرات، فأغارت
الروم على تلك الناحية، فسبت صهيبا، وهو غلام صغير، فنشأ صهيب بالروم، فصار ألكن،
فاشترته منهم قبيلة كلب، ثم قدمت به مكة، فاشتراه عبد الله بن جدعان، فأعتقه، فأقام
معه بمكة، حتى هلك عبد الله بن جدعان، وبعث النبى { *، فأسلم هو وعمار فى يوم واحد،
بعد بضعة وثلاثين رجلا، يروى عن عماربن ياسر أنه قال: لقيت صهيب بن سنان على
باب دار الأرقم، ورسول الله :* فيها، فقلت له، ما تريد؟ فقال لى: ما تريد أنت؟ فقلت:
أردت الدخول إلى محمد ل﴾، فأسمع كلامه، قال: فأنا أريد ذلك، قال: فدخلنا عليه، فعرض
علينا الإسلام، فأسلمنا، ثم مكثنا يومنا، حتى أمسينا، ثم خرجنا مستخفين، ولما هاجر
النبى وال﴾ إلى المدينة لحقه صهيب، فتبعه نفر من قريش: ليردوه فقال: يا معشر قريش إنى
من أرماكم، ولا تصلون إلى حتى أرميكم بكل سهم معى، ثم أضربكم بسيفى، قالوا: لا
تفجعنا بنفسك ومالك. قال: إن كنتم تريدون مالى دللتكم عليه، فرضوا، وتعاهدوا، فدلهم،
فرجعوا، فأخذوا ماله، فلما جاء إلى النبي:{®، وهو ما زال بقباء، أخبره الخبر، فقال له
النبى ◌َل: ((ربح البيع أبا يحيى)). فأصبح يكنى أبا يحيى، وأنزل اللّه تعالى فى أمره ﴿وَمِنَ
النّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] وقالِبُّ: ((صهيب سابق الروم،
وسلمان سابق فارس، وبلال سابق الحبشة)».
وروى عن صهيب أنه قال: «لم يشهد رسول اللَّه ◌َ مشهدا قط إلا كنت حاضره، ولم يبايع بيعة
قط إلا كنت حاضره، ولم يسر سرية قط إلا كنت حاضرها، ولا غزا غزوة إلا كنت فيها عن يمينه أو
شماله، وما جعلت رسول اللَّه ﴿ بينى وبين العدو قط، حتى توفى)).
وكان عمر ظُه يحبه، ويداعبه، ولما مات عمر أوصى أن يصلى عليه صهيب، وأن يصلى بالناس،
حتى يجتمع الناس على إمام بعده، ومات صهيب بالمدينة، ودفن بالبقيع، فى شوال سنة ثمان
وثلاثين، وهو ابن سبعين سنة على المشهور.
٥٣٩
المباحث العربية
( أن أبا سفيان ) صخر بن حرب.
( أتى على سلمان وصهيب وبلال فى نفر) أى مربهم، وهم جلوس فى مجلس،
وكان هذا المرور، وهو كافر، فقد زار المدينة، وزار ابنته أم حبيبة زوجة الرسول { * بعد صلح
الحديبية، أثناء الهدنة.
(فقالوا: والله ما أخذت سيوف اللَّه من عنق عدو اللَّه مأخذها) أسلوب يفيد التحسر
على أن سيوف حزب الله لم تقتل هذا الكافر، ولم تنل منه فى الحروب السابقة بين المسلمين
والمشركين، ويحمل التمنى أن تنال هذه السيوف من هذا العدو فى المستقبل.
( فقال أبوبكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ ) الظاهر أن أبا بكر كان جالسا
معهم، وإن لم يذكر فى الجالسين، والاستفهام إنكارى توبيخى، أى لا ينبغى أن تقولوا هذا، ووصفه
بأوصاف السيادة استنكارا لتمنيهم القتل له، والمؤمن يسأل الله العافية والهداية أولى من أن يسأل
للعدو القتل.
( فأتى النبي ◌َ*، فأخبره، فقال: يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم) وزدت فى الإنكار على هذا
القول. آمل أن لا تكون فعلت ذلك.
( لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك) لأنهم لم يقولوا نكرا ولا هجرا، بل هى
منهم كلمة حق وصدق، وفيها تحمس للإسلام وعز أهله، وكبت أعدائه وقد دعا رسول اللّه
31 على صناديد قريش.
( فأتاهم أبو بكر) ليتأكد منهم أنه لم يغضبهم، وليستسمحهم إن كانوا قد غضبوا، ولا يلزم من
إتيانه إياهم أن يكونوا كما كانوا فى مجلسهم، فقد يأتيهم واحدا واحدا، ويسأله، ويجيب، لكن ظاهر
سؤاله وجوابهم أنهم كانوا مجتمعين، فى جلستهم، أو فى جلسة أخرى.
( ياإخوتاه ) لغة فى: يا إخوتى، قال ابن مالك
واجعل منادى صح إن يضف ليا .. كعبد عبدى عبد عبدا عبديا
وناداهم بهذا النداء الرقيق استعطافا لهم أن يتسامحوا.
( أغضبتكم؟ ) بقولى لكم: أتقولون هذا الشيخ قريش وسيدهم؟.
( قالوا: لا يغفر الله لك ) البلاغة لا تستحسن هذا الأسلوب، لأن صورته صورة نفى الدعاء،
حيث لا فاصل بين ((لا)) وبين الدعاء، وإن كانت ((لا)) هنا نفى لجملة سابقة، أى لا. لم تغضبنا،
٥٤٠