Indexed OCR Text
Pages 381-400
ملفوفة فى أثواب وشرائح من حرير أبيض، وفى كتب اللغة: السرق بفتح السين والراء شقق الحرير،
أو أجوده، الواحدة سرقة. معرب.
( فيقول: هذه امرأتك ) أى زوجتك فى المستقبل.
(فأكشف عن وجهك فإذا أنت هى ) كأنها كانت ملفوفة بالحرير مغطاة الوجه، وقول
((أنت هى)) مبتدأ وخبر، أو خبر مقدم ومبتدأ مؤخر، أى فإذا صورتك هى التى كانت فى اللفافة، أو
فإذا التى كانت فى اللفافة تشبهك، وفى رواية ((لقد نزل جبريل بصورتى فى راحته، حين أمر رسول
اللَّه ◌َ﴿ أن يتزوجنى)) ويجمع بينهما بأن المراد أن صورتها كانت فى الخرقة، والخرقة فى راحته،
ويحتمل أن تكون نزل بالكيفيتين فى مرتين.
(فأقول: إن يك هذا من عند الله يمضه) أى فأقول بعد اليقظة تفسيرا للرؤيا، و((إن يك))
بحذف نون ((يكن)» تخفيفا، وبأن التى للشك، وقد استشكل بأن الرسول {$ لا يشك فى رؤياه، فهى
وحى، وأجيب باحتمال أن تكون قبل النبوة وقبل تخليص أحلامهم من الأضغاث، والمعنى إن
كانت رؤيا حق فسيمضيها الله.
وعلى فرض أنها بعد النبوة فالمراد: إن تكن الرؤيا على ظاهرها لا تحتاج إلى تعبير وتفسير،
فسيمضيها الله تعالى وينجزها، فالشك فى كونها على ظاهرها لا تحتاج إلى تعبير.
وقيل: إن قوله ((هذه امرأتك)» يحتمل أن المراد هذه امرأتك فى الآخرة، أو هذه امرأتك فى الدنيا،
فالشك فى كونها زوجة فى الآخرة فقط، أو هى ستكون زوجة فى الدنيا.
ويحتمل أنه لم يشك، ولكن الخبر على التحقيق، أى هو من عند اللَّه وسيمضيه، وأتى بصورة
الشك، كقوله ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدَى﴾ [سبأ: ٢٤] وهو نوع من البديع عند أهل البلاغة، ويسمونه
تجاهل العارف، وسماه بعضهم مزج الشك باليقين.
( إنى لأعلم إذا كنت عنى راضية ) أكد الكلام بإن واللام، لتنزيل عائشة منزلة المنكر للحكم،
وسبب هذا التنزيل إخفاؤها غضبها عنه صلى الله عليه وسلم، و((إذا)» ظرف لمفعول («أعلم)»
المحذوف، والتقدير: إنى لأعلم شأنك وحالك وقت رضاك عنى، وقد استدل ابن مالك بمثل هذا
الحديث على خروج ((إذا)) عن الظرفية، وإعرابها مفعول ((أعلم)) والجمهور على خلافه.
( ومن أين تعرف ذلك؟) أصل ((أين)) للمكان، والمراد هنا السببية، فكأنها قالت: بأى شيء
تعرف ذلك؟ والمشار إليه مفعول ((أعلم)).
( أما إذا كنت عنى راضية فإنك تقولين: لا. ورب محمد) ((لا)) حرف نفى، وقعت
جوابا عن كلام سابق، وجواب القسم محذوف، والتقدير: ورب محمد لم أفعل.
( قلت: أجل) بفتح الهمزة والجيم، حرف جواب، بمعنى ((نعم)) يكون تصديقا للمخبر، وإعلانا
للمستخبر، ووعدا للطالب.
( واللَّه - يا رسول اللَّه - ما أهجر إلا اسمك) عبرت بالقسم والقصر، لتأكيد مضمون
٣٨١
الجملة، وزيادة تقديره، فى ذهن الرسول﴿، وإنما كان غضبها من شدة غيرتها عليه، وقوة حبها له
عليه الصلاة والسلام.
( أنها كانت تلعب بالبنات عند رسول اللّه ◌َ ﴿) المراد بالبنات هنا لعب الأطفال التى
فى شكل البنات والآدميين والحيوانات وغيرها، وقيل: المعنى أنها كانت تلعب مع البنات، أى مع
الجوارى والقرينات القريبات منها فى السن، فالباء بمعنى ((مع)) ويرده ما جاء فى رواية بلفظ ((ولكن
جوارى، يأتين، فيلعبن بها معى)) وما جاء فى ملحق روايتنا بلفظ ((كنت ألعب بالبنات، وهن اللعب))
بضم اللام، جمع لعبة.
وعند أبى داود والنسائى عن عائشة، قالت: ((قدم رسول الله: ﴿ من غزوة تبوك، أو خيبر .. فكشف
ناحية الستر على بنات لعائشة، لعب، فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتى. قالت: ورأى فيها فرسا
مربوطا له جناحان، فقال: ما هذا؟ قلت: فرس. قال: فرس له جناحان؟ قلت: ألم تسمع أنه كان
لسليمان خيل، لها أجنحة؟ فضحك)).
(عند رسول اللّه) أى فى بيته كزوجة له، وفى ملحق روايتنا ((كنت ألعب بالبنات فى بيته)).
( وكانت تأتينى صواحبى ) جمع صاحبة، أى يأتين ليلعبن معى.
(فكن ينقمعن من رسول اللّه )) ((ينقمعن)) بفتح الياء وسكون النون وكسر الميم، أى
يتغيبن ويستخفين منه، حياء منه وهيبة، فيدخلن فى حجرة أخرى، أو يتسترن فى زاوية أو وراء ستر
حتى يمر، وأصله من قمع الثمرة، أى يدخلن فى الستر، كما تدخل الثمرة فى قمعها، وفى رواية
للبخارى ((يتقمعن)) بفتح التاء وتشديد الميم المفتوحة.
( فكان رسول اللَّه يسريهن إلى) ((يسربهن)) بضم الياء، وفتح السين وكسر الراء المشددة
بعدها باء، أى يرسلهن ويرجعهن إلى، ويطلب منهن أن يعدن إلى اللعب معى.
( أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة، يبتغون بذلك مرضاة رسول الله
﴿) هذه الرواية مقدمة، أو جزء من الرواية الخامسة، جمعها البخارى، وأوضح قصتها، فروى عن
عائشة رضى الله عنها ((أن نساء رسول اللّه ◌َ ﴾ كن حزبين، فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية
وسودة، والحزب الآخر أم سلمة وسائر نساء رسول اللَّه ﴿، أى بقيتهن، وهن زينب بنت جحش، وأم
حبيبة، وجويرية، وميمونة، رضى الله عنهن)). ((وكان المسلمون قد علموا حب رسول اللّه﴿ عائشة
فإذا كان عند أحدهم هدية، يريد أن يهديها إلى رسول اللّه أخرها، حتى إذا كان رسول اللّه ◌ُ لث فى
بيت عائشة، بعث صاحب الهدية هديته إلى رسول الله ﴿ ﴿ فى بيت عائشة)).
يقصدون بذلك اختيار وقت المسرة، ومكان المسرة ليزيد ذلك فى سرور المهدى إليه،
ومع أن رسول اللّه كان يشركهن فى الهدايا إلا أن خروج الهدية من بيت عائشة، ومن
يدها يوحى بفضل لها، وتميز فى وضعها على قريناتها، مما كان يؤلمهن، لدرجة أن بعضهم
كان يرفض الهدية ويردها، أنفة وإباء، وكان الأمر فى نظرهن يتنافى مع العدل بين
الزوجات، ذاك شأن الحزب المقابل، أما حزب عائشة فلم يكن عندهن غضاضة، لذلك كان
التجمع، والتظاهر، والتضرر، والشكوى من حزب أم سلمة.
٣٨٢
وعند ابن سعد ((كان الأنصار يكثرون إلطاف رسول اللّه *، سعد بن عبادة وسعد بن معاذ
وعمارة بن حزم وأبو أيوب، وذلك لقرب جوارهم من رسول الله ﴾
والتحرى دقة القصد يقال: تحرى الشيء إذا قصده دون غيره.
( أرسل أزواج النبي# فاطمة بنت رسول اللَّه ◌ِ﴿ إلى رسول اللَّه ◌ِ﴿) فى رواية
البخارى ((فكلم حزب أم سلمة، أم سلمة فقلن لها: كلمى رسول اللّهُ ﴾، يكلم الناس، فيقول: من أراد
أن يهدى إلى رسول الله﴿ هدية، فليهدها حيث كان من بيوت نسائه، فكلمته أم سلمة بما قلن، فلم
يقل لها شيئا، فسألنها، فقالت: ما قال لى شيئا، فقلن لها: كلميه حتى يكلمك)) أى حتى يجيبك على
طلبك ((فكلمته حين دار إليها أيضا)) أى حين جاءها فى ليلتها ((فلم يقل لها شيئاً فسألنها، فقالت:
ما قال لى شيئا، فقلن لها: كلميه حتى يكلمك، فدار إليها، فكلمته، فقال لها: لا تؤذينى فى عائشة،
فإن الوحى لم يأتنى وأنا فى ثوب امرأة إلا عائشة. قالت: أتوب إلى اللَّه من أذاك يا رسول اللَّه. ثم
إنهن دعون فاطمة بنت رسول اللّه﴿، فأرسلتها إلى رسول اللَّه ◌ِ ﴿.)).
( فاستأذنت عليه، وهو مضطجع معى فى مرطى، فأذن لها ) أى ولم يغير من وضعه مع
عائشة، والتحافه وإياها فى لحاف واحد مضطجعا، والمرط كساء من خز أوصوف أو كتان، يؤتزر به
وتتلفع به المرأة.
( فقالت: يا رسول الله، إن أزواجك أرسلننى إليك، يسألنك العدل فى ابنة أبى
قحافة، وأنا ساكتة ) أى وظلت ساكتة، لم تتكلم عن فاطمة بشيء، وعائشة ابنة ابن أبى قحافة،
فأضافتها إلى جدها، وحذفت أباها. وعند ابن سعد أن النبى # سألها «أرسلتك زينب؟ قالت: هى
وغيرها، قال: أهى التى وليت ذلك؟ قالت: نعم».
وفى رواية للبخارى ((إن نساءك ينشدنك العدل فى بنت أبى بكر)) أى يطلبن منك العدل، وفى
رواية ((يناشدنك الله العدل: أى يسألنك بالله العدل)».
( أى بنية ) يعنى يا بنية، والتصغير للتمليح والتلطف.
( ألست تحبين ما أحب؟ ) التعبير بما، دون ((من)) ليشمل العاقل وغير العاقل، والاستفهام
تقريرى، أى قرى بأنك تحبين ما أحب.
(قال: بلى. قال: فأحبى هذه، فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول اللّه ◌َل﴾.
فرجعت إلى أزواج النبي (#) أى إلى الفريق الذى أرسلها.
( فأخبرتهن بالذى قالت: وبالذى قال لها رسول اللَّه ◌َ ، فقلن لها: ما نراك أغنيت
عنا من شيء، فارجعى إلى رسول اللّه ، فقولى له: إن أزواجك ينشدنك العدل فى
ابنة أبي قحافة، فقالت فاطمة: والله لا أكلمه فيها أبدا) وفى رواية البخارى ((فأبت
أن ترجع».
(فأرسل أزواج النبي# زينب بنت جحش، زوج النبى ، وهى التى كانت
تسامينى منهن فى المنزلة عند رسول اللّه #) أى تعادلنى وتضاهينى فى الحظوة والمنزلة
٣٨٣
الرفيعة، مأخوذ من السمو، وهو الارتفاع، والمراد أنها كانت تعتز بقرابتها من رسول اللَّه ﴿، فهى
ابنة عمته، وأن اللَّه هو الذى زوجها رسول اللّه # صراحة وأمراً، بخلاف عائشة، فإن كون تزويجها
من اللَّه كان رؤيا وإشارة، وأنها كانت شابة وجميلة، وكان رسول اللَّه * يحبها وإن كان بالدرجة
الثانية بعد عائشة، فالمراد أنها كانت تنافس عائشة على حبه وتقديره صلى اللّه عليه وسلم، وفى
الكلام قصر، طريقه تعريف الطرفين «هى التى)) أى دون غيرها من نسائه صلى الله عليه وسلم.
( ولم أرامرأة قط خيراً فى الدين من زينب، وأتقى للَّه، وأصدق حديثا، وأوصل
للرحم، وأعظم صدقة وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذى تصدق به، وتقرب به إلى الله
تعالى ) المفضل فى كل تفضيل مقدر، أى أتقى لله من زينب، وأصدق حديثا من زينب ... إلخ. وأصل
((تصدق)) و((تقرب)) تتصدق وتتقرب.
وهذا المدح والثناء من عائشة وفاء وشكر لجميل موقف زينب من عائشة فى حديث الإفك، إذ
قالت: والله ما علمت عنها إلا خيرا.
( ما عدا سورة من حدة، كانت فيها، تسرع منها الفيئة ) قال النووى: هكذا هو فى معظم
النسخ ((سورة من حد)) بفتح الحاء، بلا هاء، وفى بعضها ((من حدة)) بكسر الحاء وبالهاء، وقوله
((سورة)) هى بالسين المفتوحة ثم واو ساكنة ثم راء ثم تاء، وهى الثوران وعجلة الغضب وأما الحدة
فهى شدة الخلق وثورانه، قال: ومعنى الكلام أنها كاملة الأوصاف، إلا أن فيها شدة خلق، وسرعة
غضب، والفيئة بفتح الفاء، والهمزة الرجوع، أى إذا وقع ذلك منها رجعت عنه سريعا، ولا تصر عليه،
وقد صحف صاحب التحرير فى هذا الحديث تصحيفا قبيحا جداً، فقال: ((ما عدا سودة)) بالدال،
وجعلها سودة بنت زمعة، وهذا من الغلط الفاحش. نبهت عليه لئلا يغتر به.
( فاستأذنت على رسول اللَّه ◌َه، ورسول الله :﴿ مع عائشة فى مرطها، على الحالة
التى دخلت فاطمة عليها، وهوبها ) تشير بذلك إلى سرعة إرسالهن الرسل، وإلى طول مقام
الرسول # معها فى مرطها مضاجعا.
(فأذن لها رسول اللَّه ◌َ﴿) فى رواية ((فذهبت زينب حتى استأذنت، فقال: ائذنوا لها».
( قالت: ثم وقعت بى، فاستطالت على) فى رواية ((فقالت: حسبك إذا برقت لك بنت ابن
أبى قحافة ذراعيها)) أى إذا كشفت لك ذراعيها، مال قلبك نحوها، وانصرف قلبك عنا، ومعنى
((وقعت بى)) أى عابتنى، يقال: وقع بفلان، ووقع فى فلان، إذا سبه وعابه، أو اغتابه.، ومعنى
((استطالت على)) أى تطاولت على، وتكبرت على، وترفعت على، وأصله من مد العنق، ليراه غيره،
وليبدو أطول، وفى رواية البخارى ((فأغلظت)).
(وأنا أرقب رسول اللَّه:﴿، وأرقب طرفه، هل يأذن لى فيها؟) ((أرقب)) أى ألاحظ
وأرصد وأنتظر، والطرف العين أى أرصد حركاته، وإشاراته وما تعبر عنه عينه، هل يأذن لى بالرد
عليها؟ والوقوع فيها، كما وقعت فى؟.
( فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول اللّه لا يكره أن أنتصر) أى فلم
٣٨٤
تغادر المكان، أولم تتوقف عن مهاجمتى والإساءة إلى، حتى فهمت أن رسول اللّه ◌ُ ل لا
يكره أن أرد عليها.
قال النووى: وليس فيه دليل على أن النبى ₪ أذن لعائشة، ولا أشار بعينه ولا غيرها، بل لا يحل
اعتقاد ذلك، فإنه صلى الله عليه وسلم تحرم عليه خائنة الأعين، وإنما فيه أنها انتصرت لنفسها، فلم
ینھھا. اهـ
لكن روى النسائي وابن ماجه مختصرا، عن عائشة قالت: «دخلت على زينب بنت جحش،
فسبتنى، فرد عليها النبى {®، فأبت، فقال: سبيها، فسببتها، حتى جف ريقها فى فمها» قال الحافظ
ابن حجر: فيمكن أن يحمل على التعدد. اهـ قلت: وعلى أى حال فإنه يرد قول النووى رحمه اللّه،
وانتصار المظلوم مشروع، والإذن له بالانتصار مشروع وليس ذلك من قبيل خائنة الأعين، بل من أمينة
الأعين، وعادلة الأعين.
( قالت: فلما وقعت بها لم أنشبها، حتى أنحيت عليها) ((لم أنشبها)) أى لم أمهلها،
وفى لسان العرب: يقال: لم ينشب أن فعل كذا، أى لم يلبث، وحقيقته: لم يتعلق بشيء غيره، ولا
اشتغل بسواه، ومثل بحديث عائشة وزينب، ويقول عائشة فى رواية ((لم أنشب أن أثخنت عليها))
وفى ملحق راويتنا الخامسة ((فلما وقعت بها لم أنشبها أن أثخنتها)) أى بالغت فى جراحها وغلبتها.
قال النووى: ((حين أنحيت عليها)) فى بعض النسخ ((حتى أنحيت عليها، وهو صحيح، ورجح
القاضى ((حين)) بالنون، ومعنى أنحيت عليها بالنون والحاء، أى حتى قصدتها واعتمدتها بالمعارضة.
(فقال رسول اللَّه ﴿ وتبسم: إنها ابنة أبى بكر) أى أنها شريفة، عاقلة، عارفة، كأبيها،
وفى روية النسائى ((فرأيت وجهه يتهلل)).
(إن كان رسول الله# ليتفقد) يومى، ويسأل عنه استبطاء له، وتشوقاً إليه، و ((إن))
مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن والحال محذوف، وجملة ((كان)) خبرها.
( يقول: أين أنا اليوم؟ أين أنا غدا؟ ) أى يقول ذلك فى مرضه لزوجاته، زاد فى رواية
البخارى ((حرصا على بيت عائشة، فلما كان يومى سكن)) وفى رواية للبخارى ((كان يسأل فى مرضه
الذى مات فيه: أين أنا غدا. أين أنا غدا -يريد يوم عائشة - فأذن له أزواجه، يكون حيث شاء، فكان
فى بيت عائشة، حتى مات عندها)) وفى رواية له ((لما ثقل على النبى { *، واشتد به وجعه، استأذن
أزواجه أن يمرض فى بيتى، فأذن له)) وعند أحمد ((أنه * قال لنسائه: إنى لا أستطيع أن أدور
بيوتكن، فإذا شئتن أذنتن لى)) وعند ابن سعد بإسناد صحيح ((أن فاطمة هى التى خاطبت أمهات
المؤمنين بذلك، فقالت لهن: إنه يشق عليه الاختلاف)).
( فلما كان يومى قبضه الله بين سحرى ونحرى ) أى فلما كان يومها الأصيل، بحسب
الدور والقسم، وإلا فقد صارت جميع الأيام فى بيتها، والسحر بفتح السين وضمها، وإسكان الحاء، هى
الرئة وما تعلق بها، قيل والمراد به الصدر، قال القاضى: وقيل: إنما هو ((شجرى)) بالشين والجيم،
وشبك هذا القائل أصابعه، وأومأ إلى أنها ضمته إلى نحرها، مشبكة يديها عليه. قال: والصواب
٣٨٥
المعروف الأول. اهـ وفى رواية للبخارى عن عائشة رضى الله عنها: ((أنها كانت تقول: مات ورأسه
بين حاقنتى وذاقنتى)» والحاقنة ما سفل من الذقن، والذاقنة ما علا منه، أو الحاقنة نقرة الترقوة،
وقيل: ما دون الترقوة من الصدر، وقيل: هى تحت السرة، والذاقنة طرف الحلقوم، قال الحافظ ابن
حجر: والحاصل أن ما بين الحاقنة والذاقنة هو ما بين السحر والنحر، والمراد أنه مات ورأسه بين
حنكها وصدرها صلى الله عليه وسلم، ورضى عنها، قال: وهذا لا يغاير حديثها الذى فيه ((أن رأسه كان
على فخذها)» لأنه محمول على أنها رفعته من فخذها إلى صدرها.
قال الحافظ: وهذا الحديث يعارض ما أخرجه الحاكم وابن سعد، من طرق، ((أن النبى {20 مات
ورأسه فى حجر على)) وكل طريق منها لا يخلو من شيعى، فلا يلتفت إليهم، ثم ساق الأحاديث وبين
ما فيها من ضعف أو توجیه.
( وهو مسند إلى صدرها) فى الأصول ((مسند)) بكسر النون، أى مسند رأسه إلى صدرها.
( ألحقنى بالرفيق الأعلى ) فى الرواية الثامنة ((وأخذته بحة، يقول: مع الذين أنعم الله عليهم
من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا)» وفى الرواية التاسعة ((فكانت تلك
آخر كلمة تكلم بها رسول اللّه ﴿، قوله: اللَّهم. الرفيق الأعلى)» قال النووي: الصحيح الذى عليه
الجمهور أن المراد بالرفيق الأعلى الأنبياء الساكنون أعلى عليين، ولفظة ((رفيق)» تطلق على الواحد
والجمع، قال تعالى ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] وقيل: هو اللَّه تعالى، يقال اللَّه رفيق بعباده،
من الرفق والرأفة، فهو فعيل بمعنى فاعل، وفى الحديث ((إن الله رفيق يحب الرفق)) وأنكر الأزهرى
هذا القول، مستشكلا برواية ((مع الرفيق)» ورواية ((فى الرفيق)» قال الحافظ ابن حجر: ولا وجه
لتغليطه من هذه الجهة، لأن تأويله على ما يليق باللّه سائغ. اهـوقيل: أراد مرتفق الجنة. اهـ
وعند النسائى وصححه ابن حبان ((فقال: أسألك اللَّه الرفيق الأعلى الأسعد، مع جبريل وميكائيل
وإسرافيل» وظاهره المكان الذى تحصل فيه المرافقة مع المذكورين، وفى الرواية السابعة ((قال: اللَّهم
اغفرلى، وارحمنى، وألحقنى بالرفيق)» وفى رواية ((فجعل يقول: فى الرفيق الأعلى حتى قبض)) وقال
الجوهرى: الرفيق الأعلى الجنة.
قال السهيلى: والحكمة فى اختتام كلام المصطفى بهذه الكلمة كونها تتضمن التوحيد والذكر
بالقلب، وفى الرواية التاسعة ((فلما نزل برسول الله:﴿، ورأسه على فخذى، غشى عليه ساعة، ثم
أفاق، فأشخص بصره إلى السقف)) أى رفعه إلى السماء، ولم يطرف ((ثم قال: اللّهم الرفيق الأعلى)).
( كان رسول اللّه ◌ِ﴿ إِذا خرج ) أى من المدينة مسافرا.
( أقرع بين نسائه ) أى ضرب القرعة بينهن، بأن كتب اسم كل واحدة منهن على سهم،
فخلطها، فأخرج من السهام سهما، وإذا أراد خروج اثنتين معه أخرج سهمين.
( فتنظرين وأنظر) أى فتنظرين لما يعاملك به على أنك أنا، وأنظر إلى ما يعاملنى به على
أننى أنت، والظاهر أنها كانت تريد أن تطلع حفصة على الإدلال والرقة وعبارات الحب التى تعامل
بها عائشة، مغايرة لحفصة، وكانت عائشة تريد أن تطلع هى على موضوع أحاديثه مع حفصة.
٣٨٦
( قالت: بلى ) قبلت عائشة هذا الاقتراح مسرعة من غير روية، اندفاعا بحب الاستطلاع، فلما
فكرت فى الأمر، ونفذت الفكرة أحست بآلامها وغيرتها.
( فلما نزلوا جعلت تجعل رجلها بين الإذخر، وتقول: يا رب سلط على عقريا أو حية
تلدغنى) ((جعلت)) أى صارت ((تجعل رجلها)) أى تضع رجلها، والإذخر نبات دقيق الساعد يكثر فى
الصحراء، تختفى فيه الهوام غالبا، ودعاؤها هذا ليس مقصوداً، فإجابته لن تدفع ما أصابها، وكأنها
تقصد عقوبة نفسها على قبولها اقتراح حفصة، وإنما قالته من شدة الغيظ . .
(رسولك. ولا أستطيع أن أقول له شيئا) («رسولك)) خبر مبتدأ محذوف، أى هذا رسولك،
بجوار حفصة، قريب منى، لا أتحمل بعده عنى، لكن ماذا أفعل؟ لا أستطيع أن أكشف الحيلة، خوفا
من غضبه صلى الله عليه وسلم.
( يا عائش ) منادى على الترخيم، وهو حذف آخر المنادى، وفيه لغتان. لغة من ينتظر فيبقى
الحرف الذى قبل الآخر على حركته قبل الحذف، وعلامة إعرابه على الحرف المحذوف، ولغة من لا
ينتظر فيحرك الحرف الذى قبل الآخر بحركات الإعراب.
( هذا جبريل ) يشير إليه، وهو حاضر.
( يقرأ عليك السلام، قالت: فقلت: وعليه السلام ورحمة الله. قالت: وهو
يرى ما لا أرى) أى ورسول الله: # يرى جبريل، ولا أراه، وفى رواية البخارى ((ترى ما لا
أرى، أريد رسول اللَّهِ ﴿)).
فقه الحديث
يؤخذ من روايات الباب
١ - من الرواية الأولى فضيلة لعائشة رضى الله عنها.
٢- واستدل به البخارى على جواز النظر إلى المرأة قبل التزويج. قال ابن المنير: يحتمل أن يكون رأى
منها ما يجوز للخاطب أن يراه، قال الحافظ ابن حجر: كأنه حمله على ذلك أن رؤيا الأنبياء
وحى، وأن عصمتهم فى المنام كاليقظة.
قال ابن المنير: واستدلال البخارى بهذا الحديث على ما استدل به فيه نظر، لأن عائشة كانت إذ
ذاك فى سنة الطفولية، فلا عورة فيها البتة، ولكن يستأنس به فى الجملة على أن النظر إلى المرأة
قبل العقد فيه مصلحة، ترجع إلى العقد.
قال الجمهور: لا بأس أن ينظر الخاطب إلى المخطوبة، قالوا: ولا ينظر إلى غيروجهها وكفيها،
وقال الأوزاعى: يجتهد، وينظر إلى ما يريد منها، إلا العورة، وقال ابن حزم: ينظر إلى ما أقبل وما
أدبر منها، وعن أحمد فى رواية عنه: ينظر إلى ما يظهر غالبا، وفى رواية عنه: ينظر إليها متجردة،
وقال الجمهور أيضًا: يجوز أن ينظر إليها، إذا أراد ذلك بغير إذنها، وعن مالك فى رواية: يشترط
٣٨٧
. إذنها، ونقل الطحاوى عن قوم أنه لا يجوز النظر إلى المخطوبة قبل العقد بحال، لأنها حينئذ
أجنبية، ورد عليهم بالأحاديث الصحيحة.
٣- واستدل البخارى بالرواية الثانية على غيرة النساء ووجدهن.
٤- ومن قوله ((إنى لأعلم إذا كنت عنى راضية، وإذا كنت على غضبى .. إلخ)) استقراء الرجل حال
المرأة من فعلها وقولها، فيما يتعلق بالميل إليه، وعدمه.
٥- والحكم بما تقتضيه القرائن فى ذلك، لأنه* جزم برضا عائشة وغضبها بمجرد ذكرها لاسمه
وسكوتها، فبنى على تغير الحالتين من الذكر والسكوت تغير الحالتين من الرضا والغضب.
٦- وفى جواب عائشة ما يشهد لها بالأدب والذكاء والرقة وحسن العشرة، قال الطيبى: الحصر فى
قولها ((ما أهجر إلا اسمك)» حصر لطيف جدا، لأنها أخبرت أنها إذا كانت فى حال الغضب الذى
يسلب العاقل اختياره لا تتغير عن المحبة المستقرة، فهو كما قيل:
إنى لأمنحك الصدود وإننى .. قسما. إليك مع الصدود لأميل
وقال ابن المنير: مرادها أنها كانت تترك التسمية اللفظية، ولا يترك قلبها التعلق بذاته الكريمة،
مودة ومحبة.
وقال الحافظ ابن حجر: وفى اختيار عائشة ذكر إبراهيم عليه الصلاة السلام، دون غيره
من الأنبياء دلالة على فريد فطنتها، لأن النبى و# أولى الناس به، كما نص عليه القرآن،
فلما لم يكن لها بد من هجر الاسم الشريف، أبدلته بمن هو منه بسبيل، حتى لا تخرج
عن دائرة التعلق فى الجملة.
٧- قال المهلب: يستدل بقول عائشة على أن الاسم غير المسمى، إذ لوكان الاسم عين المسمى
لكانت بهجره تهجر ذاته، وليس كذلك. اهـ وقال النووى: هذا فى حق المخلوقين، وأما فى حق
الله تعالى فالاسم هو المسمى، اهـ. وفى هذا بحث طويل يطلب من محله.
٨- مغاضبة الزوجة لزوجها معفو عنها، وإن كانت ذات قدر كبير، قال القاضى: مغاضبة عائشة للنبى
وُ ل هى مما سبق من الغيرة، التى عفى عنها للنساء فى كثير من الأحكام لعدم انفكاكهن منها،
حتى قال مالك وغيره من علماء المدينة: يسقط عنها الحد، إذا قذفت زوجها بالفاحشة على جهة
الغيرة. قال القاضى: ولولا ذلك لكان على عائشة فى ذلك من الحرج ما فيه، لأن الغضب على
النبى * وهجره كبيرة عظيمة.
٩- ومن الرواية الثالثة جواز اللعب بالبنات، قال القاضى: وهو مخصص من الصور المنهى عنها، لهذا
الحديث، ولما فيه من تدريب النساء فى صغرهن لأمر أنفسهن وبيوتهن وأولادهن، قال: وقد أجاز
العلماء بيعهن وشراءهن، روى عن مالك كراهة شرائهن، وهذا محمول على كراهة الاكتساب بها،
وتنزيه ذوى المروءات عن تولى بيع ذلك، لا كراهة اللعب، قال: ومذهب جمهور العلماء جواز
اللعب بهن، وقالت طائفة: هو منسوخ بالنهى عن الصور.
٣٨٨
١٠- من قولها: ((وكانت تأتينى صواحبى فكن ينقمعن من رسول اللَّه ﴿)) حياء نساء الأنصار حتى
الصغيرات منهن، وهيبتهن رسول اللّه ◌ُ ل﴾.
١١- ومن قولها ((فكان رسول اللَّه﴿ يسربهن إلى)) لطفه صلى اللَّه عليه وسلم
وحسن خلقه ومعاشرته.
١٢ - واستدل به البخارى على استحباب الانبساط إلى الناس.
١٣- ومن الرواية الخامسة من قولها ((يسألنك العدل فى ابنة أبي قحافة)» إلخ قال النووي: كان صلى
اللّه عليه وسلم يسوى بينهن فى الأفعال والمبيت ونحوه، أما محبة القلب فكان يحب عائشة
أكثر منهن، وأجمع المسلمون على أن محبتهن لا تكليف فيها، ولا يلزمه التسوية فيها، لأنه لا قدرة
لأحد عليها، إلا اللّه سبحانه وتعالى، وإنما يؤمر بالعدل فى الأفعال.
قال: وقد اختلف أصحابنا وغيرهم من العلماء، فى أنه صلى الله عليه وسلم. هل كان يلزمه القسم
بينهن فى الدوام، والمساواة فى ذلك؟
قال الحافظ ابن حجر: فى هذا الحديث أنه لا حرج على المرء فى إيثار بعض نسائه بالتحف،
وإنما اللازم العدل فى المبيت والنفقة ونحو ذلك من الأمور اللازمة، كذا قرره ابن بطال عن
المهلب وتعقبه ابن المنير بأن النبى ® لم يفعل ذلك، وإنما فعله الذين أهدوا له، وهم باختيارهم
لأنه ليس من كمال الأخلاق أن يتعرض الرجل إلى الناس بمثل ذلك، لما فيه من التعرض لطلب
الهدية، وأيضا فالذى يهدى لأجل عائشة كأنه ملك الهدية بشرط، والتميك يتبع فيه تحجير
المالك، مع أن الذى يظهر أنه صلى الله عليه وسلم كان يشركهن فى ذلك، وإنما وقعت المنافسة
لكون العطية تصل إليهن من بيت عائشة.
١٤ - وفيه قصد الناس بالهدايا أوقات المسرة ومواضعها، ليزيد ذلك فى سرور المهدى إليه.
١٥- وفيه تنافس الضرائر وتغيرهن على الرجل.
١٦ - وأن الرجل يسعه السكوت إذا تقاولن، ولا يميل مع بعض على بعض.
١٧ - وفيه جواز التشكى والتوسل فى ذلك.
١٨ - وما كان عليه أزواج النبي / من مهابته والحياء منه، حتى راسلنه بأعز الناس عنده، فاطمة
رضى اللَّه عنها.
١٩ - وفيه سرعة فهمهن ورجوعهن إلى الحق، والوقوف عنده.
٢٠ - وفيه إدلال زينب بنت جحش على النبى ®، لكونها ابنة عمته.
٢١ - وفيه عذر النبى * لزينب، فقد سكت عن طلبها العدل، مع أنه أعدل الناس، ولم يؤاخذها،
وتناولت عائشة طويلا، وهو ساكت، وقالت عنها عائشة: ((وهى التى كانت تسامينى منهن فى
المنزلة عند رسول اللّه ◌ِ ﴿)).
٣٨٩
٢٢- وفيه منقبة عظيمة لزينب بنت جحش.
٢٣ - وفيه حرص عائشة على الحق والتصريح به، والثناء على صاحبته، وإن كانت ضرة.
٢٤- وفى قولها ((وأنا أرقب رسول الله﴿، وأرقب طرفه ... )) جواز العمل بما يفهم من القرائن.
٢٥- وفيه انتصار الظالم .
٢٦ - وفيه منقبة وفضيلة لعائشة.
٢٧- ومن الرواية السادسة أن القسم يسقط بإذن الأزواج، فكأنهن وهبن أيامهن.
٢٨- افتخار عائشة بأن النبى {* مات فى يومها وفى بيتها وعلى صدرها، وفى رواية البخارى ((وجمع
اللَّه بين ريقه وريقها فى آخر لحظة من حياته».
٢٩- ومن الرواية التاسعة تخيير الرسل بين الموت والحياة، قبل موتهم.
٣٠- من قوله فى آخركلامه ((اللَّهم اغفرلي وارحمنى وألحقنى بالرفيق الأعلى)» يستفاد الرخصة لغيره
فى أنه لا يشترط أن يكون ذكر الشهادتين باللسان، لأن بعض الناس قد يمنعه من النطق مانع،
فلا يضره إذا كان قلبه عامرا بالذكر. قاله السهيلى.
٣١- ومن الرواية العاشرة صحة الإقراع فى القسم بين الأزواج، وفى الأموال، وفى العتق، ونحو ذلك،
مما هو مقرر فى كتب الفقه، مما فى معنى هذا. قال النووي: وبإثبات القرعة فى هذه الأشياء قاله
الشافعى وجماهير العلماء.
٣٢- وفيه أن من أراد سفراً ببعض نسائه أقرع بينهن كذلك، قال النووى: وهذا الإقراع عندنا
واجب، فى حق غير النبى (8، وأما النبى وَ* ففى وجوب القسم فى حقه خلاف، فمن
قال بوجوب القسم جعل إقراعه واجبا، ومن لم يوجبه يقول: إقراعه صلى اللَّه عليه وسلم
من حسن عشرته، ومكارم أخلاقه.
٣٣- قال المهلب فى قول حفصة لعائشة: ألا تركبين بعيرى وأركب بعيرك)»؟ وموافقة عائشة دليل
على أن القسم لم يكن واجبا عليه صلى الله عليه وسلم، فلهذا تحيلت حفصة على عائشة بما
فعلت، ولو كان واجبا لحرم ذلك على حفصة. اهـ قال النووى: وهذا الذى ادعاه ليس بلازم، فإن
القائل بأن القسم واجب عليه لا يمنع حديث الأخرى فى غير وقت عماد القسم، قال: قال
أصحابنا: يجوز أن يدخل فى غير وقت عماد القسم إلى غير صاحبة النوبة، فيأخذ المتاع، أو
يضعه، أو نحو ذلك من الحاجات، وله أن يقبلها ويلمسها من غير إطالة، وعماد القسم فى حق
المسافر هو وقت النزول، فحالة السير ليست منه، سواء كان ليلا أو نهارا.
٣٤ - ومن الرواية الحادية عشرة فضيلة لعائشة، وقد تقدم ما قيل فى التفاضل بين الأزواج.
٣٥- ومن الرواية الثانية عشرة والثالثة عشرة فضيلة ظاهرة لعائشة رضى الله عنها.
٣٦ - واستحباب بعث السلام.
٣٩٠
٣٧- وأنه يجب على الرسول به أن يبلغه.
٣٨- وفيه بعث الأجنبى السلام إلى الأجنبية الصالحة، إذا لم يخف ترتب مفسدة. قاله النووى.
٣٩- وأن الذى يبلغه السلام يرد عليه. قال النووي: قال أصحابنا: وهذا الرد واجب على الفور، وكذا لو
بلغه سلام فى ورقة من غائب، لزمه أن يرد السلام عليه باللفظ على الفور، إذا قرأه.
٤٠- وفيه أنه يستحب فى الرد أن يقول: وعليك، أو وعليكم السلام، بالواو، فلو قال: عليكم السلام، أو
عليكم، أجزأه على الصحيح، وكان تاركا للأفضل، وقال بعض الشافعية: لا يجزيه.
والله أعلم
٣٩١
(٦٤٤) تابع باب فضائل عائشة، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، حديث أم زرع
٥٤٨٤- ٩٢ْ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا (٩٢)، أَنَّهَا قَالَتْ: جَلَسَ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً. فَتَعَاهَدْنَ
وَتَعَاقَدْنَ أَنْ لا يَكْتُمْنَ مِن أَخْبَارٍ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئًا. قَالَتِ الأُولَى: زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَثِّ. عَلَى
رَأْسٍ جَبْلٍ وَعْرٍ. لا سَهْلٌ فَيُرْتَقَى، وَلَا سَمِينٌ فَيْتَقَالَ. قَالَتِ الثَّانِيَةُ: زَوْجِي لا أَبُثُّ خَبَرَهُ. إِنِّي
أَخَافُ أَنْ لا أَذَرَهُ. إِنْ أَذْكُرْهُ أَذْكُرْ عُجَرَهُ. وَبُجَرَهُ قَالَتِ الثَّالِئَةُ: زَوْجِي الْعَشَنْقُ. إِنْ أَنْطِقْ.
أُطَلِّقْ وَإِنْ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ. قَالَتِ الرَّابِعَةُ: زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ. لا حَرَّ وَلا قُرَّ. وَلا مَخَافَةَ وَلا
سَآمَةَ. قَالَتِ الْخَامِسَةُ: زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِدَ. وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ. وَلا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ. قَالَتِ
السَّادِسَةُ: زَوْجِي إِنْ أَكَلَ لَفَّ، وَإِنْ شَرِبَ اشْتَفَّ، وَإِنِ اضْطَجَعَ الْتَفَّ. وَلا يُولِجُ الْكَفَّ.
لِيَعْلَمَ الْبَثْ قَالَتِ السَّابِعَةُ: زَوْجِي غَيَايَاءُ أَوْ عَيَايَاءُ طَبَاقَاءُ. كُلُّ دَاءِ لَهُ دَاءٌ. شَجَّكِ أَوْ فَلِّكِ. أَوْ
جَمَعَ كُلالَكِ. قَالَتِ الثَّامِنَةُ: زَوْجِي الرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ وَالْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ. قَالَتِ التَّاسِعَةُ:
زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ، طَوِيلُ النّجَادِ، عَظِيمُ الرَّمَادٍ، قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنَ النَّادِي. قَالَتِ الْعَاشِرَةُ:
زَوْجِي مَالِكٌ. وَمَا مَالِكٌ؟ مَالِكٌ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ. لَهُ إِيلٌ كَثِيرَاتُ الْمَبَارِكِ. قَلِيلاتُ الْمَسَارِحِ؟
إِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنْهُنَّ هَوَالِكُ. قَالَتِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ. فَمَا أَبُو
زَرْعِ؟ أَنَاسَ مِن حُلِيٍّ أُذُنَيَّ. وَمَلأْ مِن شَخْمٍ عَضُدَيَّ، وَبَجَّحَنِي فَبَجَحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي. وَجَدَّنِي
فِي أَهْلٍ غَيْمَةٍ بِشِقٌ. فَجَعَلَنِي فِي أَهْلٍ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ، وَدَائِسٍ وَمُنَقٌ. فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلا أَقَّحُ.
وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبِّحُ. وَأَشْرَبُ فَأَتْقَبِّحُ. أُمُّ أَبِي زَرْعٍ. فَمَّا أُمُّ أَبِي زَرْعٍ؟ عُكُومُهَا رَدَاحٌ. وَيْتُهَا
فَسَاحٌ. ابْنُ أَبِي زَرْعٍ. فَمَا ابْنُ أَبِي زَرْعٍ؟ مَضْجَعُهُ كَمَسَلٌ شَطْبَةٍ. وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ. بِنْتُ
أَبِي زَرْعِ؟ فَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ؟ طَوْعُ أَبِهَا وَطَوْعُ أُمِّهَا. وَمِلْءُ كِسَائِهَا وَغَيْظُ جَارَتِهَا. جَارِيَةٌ
أَبِي زَرْعٍ. فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ؟ لا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِثًا، وَلا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْفِيقًا. وَلا تَمْلأُ بَيْتَنَا
تَعْشِيشًا، قَالَتْ: خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ وَالأَوْطَابُ تُمْخَضُ. فَلَقِيَ امْرَأَةٌ مَعَهَا وَلَدَانٍ لَّهَا كَالْفَهْدَيْنِ.
يَلْعَبَانِ مِن تَحْتِ خَصْرِهَا بِرُمَّالَيْنٍ. فَطَلْقَبِي وَنَكَحَهَا. فَتَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلاً سَرِيًّا. رَكِبَ شَرِيًّا.
وَأَخَذَ خَطَيًّا، وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَمَّا ثَرِبًّا، وَأَعْطَانِي مِن كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجًا، قَالَ: كُلِي أُمَّ زَرْعٍ وَمِيرِي
أَهْلَكِ. فَلَوْ جَمَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَانِي مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةٍ أَبِي زَرْعٍ. قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ لِي
رَسُولُ اللَّهِعَ﴾: «كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ».
(٩٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ جَنَابٍ كِلاهُمَا عَنِ عِيسَى وَاللَّفْظُ لابْنِ حُجْرٍ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا هِشَامُ
ابْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَخِيهِ عَبَّدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةً عَنْ عَائِشَةً
٣٩٢
٥٤٨٥ - - وفِي رواية عَن هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً()، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: عَيَايَاءُ طَبَاقَاءُ.
وَلَمْ يَشُكَّ. وَقَالَ: قَلِيلَاتُ الْمَسَارِحٍ. وَقَالَ: وَصِفْرُ رِدَائِهَا، وَخَيْرُ نِسَائِهَا. وَعَقْرُ جَارَتِهَا.
وَقَالَ: وَلا تَنْقُثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيْئًا وَقَالَ: وَأَعْطَانِي مِن كُلِّ ذَابِحَةٍ زَوْجًا.
المعنى العام
عائشة وفاطمة - رضى الله عنهما - كانتا فى سن متقاربة، وكانت غيرة النساء تدفع كلا منهما
أن تنافس وتناقش الأخرى، ودخل رسول الله فى يوم، فسمع عائشة تفخر بأبيها، وبمال أبيها،
فقد كان من أغنياء مكة، وتفخر بإنفاق أبيها ماله كله فى سبيل الدعوة، حتى نفقة الهجرة كانت
من ماله دينا على رسول اللّه *، ولم تجد فاطمة ما ترد به دعوى عائشة، فوقعت فى شبه إفحام
وخجل، ورأى رسول اللَّه ﴿ أن يدفع عن ابنته، وأن يبرز الحقيقة الساطعة، وهى أن المنة لله ورسوله،
فقال مخاطباً عائشة: ما أنت بمنتهية يا حميراء عن ابنتى؟ إن مثلي ومثلك كأبى زرع لأم زرع،
وبسرعة، وبذكاء مفرط، وبخفة روح، وبأدب ورقة، حولت عائشة جو المناقشة إلى جوالحب والمرح
والمداعبة، فقال: بأبى أنت وأمى أفديك يا رسول اللَّه، وما قصة أبى زرع وأم زرع؟ فبدأ يقص قصة
حدثت منذ زمن بعيد، فى أرض بعيدة عن أرضه، لا سبيل له بعلمها إلا عن طريق الوحى، وعلام
الغيوب، قال: كان فى الزمن الغابر، فى قرية من قرى اليمن اجتمع نساء من أهل القرية فى بيت
إحداهن - وكما هى عادة النساء إذا اجتمعن تحدثن عن أزواجهن، وأحوالهن فى معاشرتهم،
فاقترحت زعيمتهن أن تتكلم كل واحدة منهن بإيجاز شديد عن زوجها، تصفه بما فيه، بل بأبرزما
فيه، من خير أو شر، وتعاهدن وتعاقدن على أن لا يكتمن ولا يكذبن، لكن لا عليهن أن يتكلمن بالكناية
والإشارة، إن خفن الإفصاح والتصريح بالتجريح.
قالت الأولى: زوجى لحم جمل، لا لحم ضأن، بل لحم جمل غث ردىء، ومع ذلك فهو بعيد المنال،
صعب المعاملة، ليس سهلا فتصل الزوجة إلى قلبه، وتعمل على مرضاته ابتغاء خير ولو قل، وليس فيه
خير يطمع فيه فيسعى إليه، ولو بمشقة. فهو حقير بعيد المنال.
وقالت الثانية: زوجى لا حسن فيه، لا أجد ما أذكره به، كله عجر وبجر وعيوب، وأخاف إن
فسرتها وبلغه قولى طلقنى، وأنا لا أستطيع العيشة بدونه.
وقالت الثالثة: زوجى مفرط فى الطول المذموم، سيئ الخلق، أنا معه بين نارين، إن نطقت
بكلمة أطلب فيها حقى ضربنى وطلقنى، وإن سكت على حقوقى، وعلى إهانته واحتقاره لى أكن
كالمعلقة، لا هى زوجة ولا هى مطلقة.
وقالت الرابعة: زوجى سهل طيب مريح، كالنسيم العليل فى ليالى الصيف، فى منطقة تهامة، لا
أخاف شره، ولا أسأم من جواره.
(-) وحَدَّثَِّيهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَعِيلَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ سَلَمَةً عَنِ هِشَامِ
٣٩٣
وقالت الخامسة: زوجى حسن المعاشرة، رقيق حنون حين يدخل بيتى، خفيف الحركة، كثير
الوقاع، يتغافل عما لا يرضيه من أحوالى، يتجاهل سوء تصرفى، لا يسألنى ماذا فعلت؟ ولا لماذا
فعلت؟ ولا لم لم تفعلى؟ وليس ذلك فيه غفلة وضعفا واستكانة وذلة، فهو مع الناس خارج البيت أسد
جسور، يحسب له كل حساب.
قالت السادسة: زوجى شره، أكول، كثير النوم، قليل الوصال، يأكل، ويشرب، ينام، ولا يمد يده
نحوى بالمداعبة، ولا يحاول مداخلتى، ولا إرضائى، ولا معرفة همومى وأحزانى.
قالت السابعة: زوجى مظلم الأخلاق، ضال لا يهتدى، أموره كلها مغلقة عليه، لا يكاد يبين، فإن
تكلم ظهر حمقه، يضربنى، فيكسر عظامى، أو يشق لحمى، أو يجمع بين الكسر والشق، كل داء عند
الناس هو فيه.
قالت الثامنة: زوجى ناعم الملمس كالأرنب، رقيق المشاعر، لين الخلق، طيب الريح.
قالت التاسعة: زوجى رفيع العماد، شجاع كريم، يقصده الناس، فيكسب المعدوم، ويقرى الضيف،
ويعين على نوائب الدهر، ويسكن فى أبرز مكان، وفى أقرب مكان للمحتاجين.
قالت العاشرة: زوجى اسمه مالك، وله من اسمه نصيب، فهو غنى مالك، وهو خير من كل من
مدحتن من أزواج، يملك من الإبل الكثير، ويذبح منها للضيفان ذبح من لا يخشى الفقر، حتى
أصبحت إبله الحية تترقب الموت، وتنتظر النحر، لما رأت من ذبح أختها بين الحين والحين.
قالت الحادية عشرة: وهى أم زرع - وقد كنيت بزرع ابن زوجها - زوجى غنى سخى حسن العشرة،
احتضننى وأكرمنى، ورفعنى، وأعزنى، كنت من قوم فقراء، يعيشون على غنيمات بشق الأنفس،
أجسامهم نحيلة من الجوع، ثيابهم خلقة من الفقر، لا يملكون زينة لنسائهم، فأثقل أذنى وصدرى
وساعدى بالذهب والحلى، وأشبعنى بأصناف المأكولات والمشروبات حتى سمنت، واحترمنى،
وعظمنى، فعظمت نفسى إلى نفسى، وشعرت عنده بالعزة والكرامة، إذا تكلمت سمع قولى، ونفذ
أمرى، وإذا نمت نمت نوم العروس، نوم هناء لا إزعاج فيه، إذا أكلت أكلت ما أشتهى من ألوان
الطعام حتى أشبع، وإذا شربت شربت من أصناف المشروبات حتى أروى.
وهكذا شعرت أم زرع عند أبى زرع بالسعادة والحب، وحب الشخص يسرى إلى حب من حوله،
حتى الجماد الذى يحيط به، وقديما قال الشاعر:
أقبل ذا الجدار وذا الجدار
أمر على الديار ديار ليلى
ولكن حب من سكن الديارا
وما حب الديار شغفن قلبى
وقال الآخر:
فأحبها وتحبنى .. ويحب ناقتها بعيرى
لذا نجدها تصف حماتها أم زوجها بالغنى وكثرة الخير وتصف ابن زوجها بالرقة
والحسن، وتصف ابنة زوجها بالجمال والحسن، ونقاء الطبع، حتى جارية أبى زرع تصفها
بالأمانة والنظافة والطاعة.
٣٩٤
كل هذه الأوصاف تقولها على الرغم من أن أبا زرع طلقها وتزوج غيرها، وتزوجت غيره من أهل
الثراء، لكن صدق القائل: وما الحب إلا للحبيب الأول.
وهكذا ذكر رسول اللّه ◌َ ﴿ هذه القصة ليقول فى آخرها ما قاله فى أولها: كنت لك كأبى زرع لأم
زرع، فتقول عائشة رضى الله عنها - وعلى شفتيها ابتسامة الحب والاعتذار - بل أنت يا رسول الله،
خير لى من أبى زرع لأم زرع.
المباحث العربية
( عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: جلس إحدى عشرة امرأة ) ظاهر هذا أن
الحديث موقوف، غير مرفوع، قال الحافظ ابن حجر: المرفوع منه فى الصحيحين، قوله صلى الله
عليه وسلم «كنت لك كأبى زرع لأم زرعٍ» وباقيه من قول عائشة، وجاء خارج الصحيحين مرفوعا كله
فعند النسائى بلفظ ((قال لى رسول اللّه ◌َ﴾: كنت لك كأبى زرع لأم زرع. قالت عائشة بأبى وأمى يا
رسول اللَّه، ومن كان أبو زرع؟ قال: اجتمع نساء ... )) فساق الحديث كله.
وأما قوله ((جلس إحدى عشرة امرأة)) فهو هكذا فى معظم نسخ مسلم، قال ابن التين: التقدير:
جلس جماعة، إحدى عشرة امرأة، وهو مثل قوله تعالى ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [يوسف: ٣٠]اهـ
أى كان حق الفعل أن يؤنث، لأن الفاعل حقيقى التأنيث، وفى رواية أبى عوانة ((جلست إحدى عشرة
امرأة)) وفى رواية ((اجتمع إحدى عشرة امرأة)) وفى بعض نسخ مسلم وفى رواية أبى يعلى ((اجتمعن
إحدى عشرة امرأة)) قال القرطبى: زيادة النون على لغة ((أكلونى البراغيث)) وقد أثبتها جماعة من
أئمة العربية، أى أثبتوا لحوق علامة الجمع والتثنية والتأنيث فى الفعل إذا تقدم على الأسماء،
واستشهدوا لها بقوله تعالى ﴿وَأَسَرُّوا النّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣] وحديث ((يتعاقبون فيكم
ملائكة)» وقد تكلف بعض النحاة رد هذه اللغة إلى اللغة المشهورة، وهى أن لا يلحق علامة الجمع أو
التثنية أو التأنيث فى الفعل، إذا تقدم على الأسماء، وخرج لها وجوها وتقديرات فى غالبها نظر، ولا
يحتاج إلى ذلك، بعد ثبوتها نقلا، وصحتها استعمالا.
وقال عياض: الأشهر ما وقع فى الصحيحين، وهو توحيد الفعل مع الجمع.
ومن التوجيهات التى ذكروها فى رواية ((جلسن)) أى يكون ((إحدى عشرة)) بدلا من الضمير، فى
((جلسن)»، والنون على هذا ضمير، لا حرف علامة، أو أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قيل: من هن؟
فقيل: إحدى عشرة امرأة، أو مفعول به منصوب، بإضمار أعنى.
وسميت أسماؤهن فى روايات ضعيفة لا يعتد بها، ولم يسم - فى رواية من الروايات - أزواجهن،
ولا ابنة أبي زرع، ولا أمه، ولا الجارية، ولا المرأة التى تزوجها أبو زرع، ولا الرجل الذى تزوجته أم زرع.
وقد اختلف ترتيبهن فى بعض الروايات فى غير الصحيحين، عنها فى الصحيحين، ولا ضير فى
ذلك، ولا أثر للتقديم والتأخير.
وفى سبب سياق هذا الحديث أخرج أبو القاسم عبد الحكيم بن حيان، بسند له مرسل ((دخل
٣٩٥
رسول اللَّه# على عائشة وفاطمة - وقد جرى بينهما كلام - فقال: ما أنت بمنتهية يا حميراء عن
ابنتى؟ إن مثلي ومثلك كأبى زرع مع أم زرع. فقالت: يا رسول الله، حدثنا عنهما، فقال: كانت قرية،
فيها إحدى عشرة امرأة، وكان الرجال خلوفا، فقلن: تعالين، نتذاكر أزواجنا بما فيهم، ولا نكذب)).
وأخرج النسائى عن عائشة قالت: فخرت بمال أبى فى الجاهلية، وكان ألف ألف أوقية، وفيه،
فقال صلى الله عليه وسلم: ((اسكتی يا عائشة، فإنی کنت لك کأبی زرع لأم زرع)).
وفى رواية الزبير بن بكار عن عائشة رضى الله عنها قالت: دخل على رسول اللَّهِمَ ﴿، وعندى بعض
نسائه، فقال - يخصنى بذلك - يا عائشة، أنا لك كأبى زرع لأم زرع. قلت: يارسول الله، ما حديث أبى
زرع وأم زرع؟ قال: ((إن قرية من قرى اليمن، كان بها بطن من بطون اليمن، وكان منهن إحدى عشرة
امرأة، وأنهن خرجن إلى مجلس، فقلن: تعالين فلنذكر بعولتنا بما فيهم، ولا نكذب)) لكن فى رواية
الهيثم أنهن كن بمكة، والراجح الأول، فقد أفاد أبو محمد بن حزم فيما نقله عياض أنهن كن من
خثعم، وهم من أهل اليمن، ووقع فى رواية عند النسائى أنهن كن فى الجاهلية.
قال الحافظ ابن حجر: وحكى عياض ثم النووى قول الخطيب فى المبهمات: لا أعلم أحدا سمى
النسوة المذكورات فى حديث أم زرع إلا من طريق الزبير بن بكار، وهو غريب جدا. وذكر أسماء لا
فائدة من ذكرها هنا. وترتيبهن فى رواية الزبير غير ترتيبهن فى روايات الصحيحين، فالأولى فيها هى
الرابعة فى الصحيحين، والثانية فيها هى الثامنة فى الصحيحين، والثالثة فيها هى العاشرة، والرابعة
فيها هى الأولى، والخامسة فيها هى التاسعة، والسادسة فيها هى السابعة، والسابعة فيها هى
الخامسة، والثامنة فيها هى السادسة، والتاسعة فيها هى الثانية، والعاشرة فيها هى الثالثة، وقد
اختلف كثير من الرواة فى ترتيبهن، قال الحافظ: ولا ضير فى ذلك، ولا أثر التقديم والتأخير فيه.
( فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا ) أى ألزمن أنفسهن عهدًا،
وعقدن على الصدق من ضمائرهن عقدا، أن لا يكتمن من محاسن أو مساوئ أزواجهن شيئا من الأمور
المهمة، وفى رواية ((أن يتصادقن بينهن، ولا يكتمن)) وفى رواية ((أن ينعتن أزواجهن ويصدقن)) وفى
رواية ((فتبايعين على ذلك)).
( قالت الأولى: زوجى لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا
سمين فينتقل ) ((الغث)) بفتح الغين، وتشديد الثاء، الهزيل، الذى يستغث من هزاله، أى يستترك
ويستكره، وكثر استعماله فى مقابلة السمين، فيقال للحديث المختلط: فيه الغث والسمين، و((غثْ))
هنا يجوز جره، صفة للجمل، ورفعه صفة للحم، والمشهور فى الرواية الخفض، والوعر الصعب فى
الوصول إليه، لكثرة عوائق الصعود، وفى رواية ((وعث)) بالثاء بدل الراء، وهى أوفق للسجع، أى صعب
المرتقى، بحيث توحل فيه الأقدام، فلا يتخلص منه، ويشق فيه المشى، ومنه وعثاء السفر، وقولها ((لا
سهل)) بالفتح بدون تنوين، ويجوز فيه الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أى لا هو سهل ويجوز الجر
على أنه صفة جمل وجبل، والأمر نفسه فى قوله ((ولا سمين)» وعند النسائى ((لا سهلا ولا سمينا)»
وعنده أيضاً ((لا بالسمين ولا بالسهل)) قال القاضى عياض: أحسن الأوجه عندى الرفع فى الكلمتين،
من جهة سياق الكلام وتصحيح المعنى، لا من جهة تقديم اللفظ، وذلك أنها أودعت كلامها تشبيه
٣٩٦
شيئين بشيئين، شهبت زوجها باللحم الغث، وشبهت سوء خلقه بالجبل الوعر، ثم فسرت ما أجملت،
فكأنها قالت: لا الجبل سهل، فلا يشق ارتقاؤه لأخذ اللحم ولو كان هزيلا، لأن الشيء المزهود فيه قد
يؤخذ، إذا وجد بغير نصب، ثم قالت: ولا اللحم سمين، فتتحمل المشقة فى صعود الجبل،
لأجل تحصيله. اهـ
وقولها ((ولا سمين فينتقل)» من الانتقال، أى أنه لهزاله لا يرغب أحد فى الانتقال إليه، وفى رواية
((فينتقى)) أى ليس له نقى يستخرج، بكسر النون وسكون القاف، والنقى المخ، يقال: نقوت العظم،
ونقيته، وانتقيته، إذا استخرجت مخه، وقد كثر استعماله فى اختيار الجيد من الردىء، قال القاضى
عياض: أرادت أنه ليس له نقي، فيطلب لأجل ما فيه من النقى، وليس المراد أنه فيه نقى لا يطلب
استخراجه، قالوا: آخر ما يبقى فى الجمل مخ عظم المفاصل ومخ العين، وإذا نفدا لم بيق فيه خير،
قالوا: وصفته بقلة الخير، وبعده مع القلة، فشبهته باللحم الذى صغرت عظامه عن النقى، وخبث
طعمه وريحه، مع كونه فى مرتقى، يشق الوصول إليه، فلا يرغب أحد فى طلبه لينقله إليه، مع توفر
دواعى أكثر الناس على تناول الشيء المبذول مجانا.
وقال النووى: فالمعنى أنه قليل الخير من أوجه، منها: كونه لحم جمل، لا لحم ضأن - يقول
بعضهم: ليس فى اللحوم أشد غثاثة من لحم الجمل، لأنه يجمع خبث الطعام وخبث الريح - ومنه أنه
مع ذلك الغث المهزول الردىء من لحوم الجمال، ومنها أنه صعب التناول، لا يوصل إليه إلا بمشقة
شديدة، وقال الخطابى: إن التشبيه بالجبل الوعر إشارة إلى سوء خلقه، وأنه يترفع ويتكبر، ويسمو
بنفسه فوق موضعها، فيجمع البخل وسوء الخلق.
( قالت الثانية: زوجى لا أبث خبره، إنى أخاف أن لا أذره، إن أذكره أذكر عجره
وبجره ) («لا أبث خبره)) بالباء والثاء، أى لا أنشر خبره، ولا أشيعه، وفى رواية ((لا أنت خبره)) بالذون
بدل الباء، أى لا أذيح شره، وفى رواية ((لا أنم خبره)) من النميمة، ((إنى أخاف أن لا أذره)) قال
النووى: فيه تأويلان: أحدهما لابن السكيت وغيره، أن الهاء عائدة على ((خبره)) أى إنى أخاف - إن
شرعت فى تفصيل خبره - أن لا أقدر على إتمامه لطوله وكثرته، ثانيهما أن الهاء عائدة على الزوج،
وتكون «لا» زائدة، كما فى قوله تعالى ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] اهـ ومعناه: إنى أخاف
أن يطلقنى، فأذره، كأنها خشيت - إذا ذكرت ما فيه - أن يبلغه، فيفارقها، وهي لا تقدر على تركه
لعلاقتها به وبأولادها منه، فاكتفت بالإشارة إلى أن له معايب، وفاء لما التزمته من الصدق، وسكتت
عن تفسيرها، للعذر الذى ذكرته. ((والعجر)) بضم العين وفتح الجيم، جمع عجرة، وهى تعقد العصب
والعروق فى الجسد، حتى تصير ناتئة، وقال ابن الأعرابى: هى نفخة فى الظهر، وقال بعضهم: العجر
العقد التى تكون فى البطن واللسان، وقيل: فى الجنب والبطن، أما ((البجر)) فبضم الباء وفتح الجيم،
وجمع بجرة بضم الباء وسكون الجيم، وهى النفخة فى السرة، أو فى البطن ثم استعملا فى الهموم
والأحزان، وفيما يكتمه المرء ويخفيه عن غيره، وقال الخطابى: أرادت عيوبه الظاهرة وأسراره
الكامنة، قال: ولعله كان مستور الظاهر، ردىء الباطن، وقال بعضهم: عنت أن زوجها كثير
المعايب، متعقد النفس عن المكارم.
٣٩٧
(قالت الثالثة: زوجى العشق، إن أنطق أطلق، وإن أسكت أعلق) ((العشنق)) بعين
مفتوحة، وشين مفتوحة ونون مشددة مفتوحة بعدها قاف، وهو الطويل، وقيل: هو المذموم الطول،
وقيل: هو طويل العنق، قال الأصمعى: أرادت أنه ليس عنده أكثر من طوله، من غير نفع، وقيل: ذمته
بالطول، لأن الطول فى الغالب دليل السفه، وعلل ببعد الدماغ عن القلب، وأغرب من قال: مدحته
بالطول، لأن العرب تمتدح بذلك، وتعقب بأن سياقها يقتضى أنها ذمته، وأجيب عن التعقيب
باحتمال أنها أرادت مدح خلقه، وذم خلقه، فكأنها قالت: له منظر بلا مخبر، وهو محتمل.
وقيل: العشنق الطويل النجيب الذى يملك أمر نفسه، ولا تتحكم النساء فيه، بل يحكم فيهن بما
يشاء، فزوجته تهابه أن تنطق بحضرته، فهى تسكت على مضض.
وقيل: هو المقدام على ما يريد، الشرس فى أموره، وقيل: السيئ الخلق.
وقولها ((إن أنطق أطلق، وإن أسكت أعلق)» معناه أنها إذا ذكرت عيوبه فيبلغه طلقها وإن
سكتت عن ذكر عيوبه فهى عنده كالمعلقة، ليست ذات زوج، ولا خالية من الزوج، أى لست ذات زوج،
فانتفع به، ولا مطلقة، فأتفرغ لغيره، قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون قولها ((أعلق)) مشتقا
من علاقة الحب، أو من علاقة الوصلة، أى إن نطقت طلقنى وإن سكت استمربى زوجة، وأنا لا أؤثر
تطليقه لى، فلذلك أسكت.
( قالت الرابعة: زوجى كليل تهامة، لا حرولا قر، ولا مخافة ولا سآمة) ما بعد ((لا))
بالفتح من غير تنوين، مبنى مع ((لا)) على الفتح، وجاء الرفع مع التنوين فيها، على أن ((لا)) عاملة عمل
((ليس)) وخبرها محذوف، أى ليس فيه حر، كذا فى القراءات المشهورة فى مثل قوله تعالى ﴿لا بَيْعٌ
فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] و﴿فَلَا رَفَتَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] وعند
النسائى ((ولا برد)) بدل ((ولا قر)) وزاد فى رواية الزبير بن بكار «والغيث غيث غمامة)» وقد ضربوا المثل
بليل تهامة فى الطيب، لأنها بلاد حارة فى غالب الزمان، وليس فيها رياح باردة، فإذا كان الليل كان
وهج الحر ساكنا، فيطيب الليل لأهلها بالنسبة لما كانوا فيه من أذى حر النهار، أما أن ليل تهامة لا
مخافة فيه على أهلها، فلأنهم محصنون بجبالها. فوصفت زوجها بجميل العشرة، واعتدال الحال،
وسلامة الباطن، فكأنها قالت: لا أذى عنده ولا مكروه، وأنا آمنة منه، فلا أخاف من شره، ولا ملل
عندى منه، ولا عنده منى، فأسأم عشرته، أو يسأم عشرتى، لأنه ليس بسيىء الأخلاق، فأنا لذيذة العيش
عنده، كلذة أهل تهامة بليلهم المعتدل، وقيل: أرادت بنفى الخوف وصف زوجها بأنه حامى الذمار،
مانع لداره وجاره، ولا مخافة عند من يأوى إليه، ثم أرادت وصفه بالجود بنفى سامة من يأوى إليه،
ونفى سامته من كثرة الأضياف واللاجئين.
قال النووي: وهذا مدح بليغ.
(قالت الخامسة: زوجى إن دخل فهد، وإن خرج أسد، ولا يسأل عما عهد) ((فهد))
بفتح الفاء وكسر الهاء، فعل ماض، مشتق من الفهد، شبهته بالفهد فى كثرة النوم، يقال: أنوم من
فهد، وفى كثرة الغفلة فى منزله عن تعهد ما ذهب من متاعه وما بقى، وقوله ((أسد)) بفتح الهمزة،
وكسر السين، مشتق من الأسد، أى يصير بين الناس مثل الأسد؛ وكلاهما يحتمل المدح والذم، وأكثر
٣٩٨
الشراح شرحوه على المدح، فقال بعضهم، وصفته بكثرة الجماع لها إذا دخل، فهى محبوبة لديه،
بحيث لا يصبر عنها إذا رآها، وإذا خرج كان فى الإقدام مثل الأسد، وبأنه شديد الكرم، وكثير
التغاضى، لا يتفقد ما ذهب من ماله، وإذا جاء بشيء لبيته، لا يسأل عنه بعد ذلك، أو لا يلتفت إلى ما
يرى فى البيت من المعايب، بل يسامح ويغضى.
وقال بعضهم: شبهته بالفهد فى دخوله بالرزق الوفير، لأنهم قالوا فى المثل: أكسب من فهد،
وأصله أن الفهود الهرمة تجتمع على فهد منها فتى، فيتصيد عليها كل يوم، حتى يشبعها، فكأنها
قالت: إذا دخل المنزل دخل بالكسب لأهله، كما يجىء الفهد لمن يلوذ به من الفهود الهرمة، ثم
رفعت ما قد يحتمل الذم من جهة كثرة النوم بوصفها له بالأسد، فأفصحت أن الأول سجية كرم،
ونزاهة شمائل، ومسامحة فى العشرة، لا سجية جبن وخور فى الطبع.
وزاد فى رواية الزبير بن بكار ((ولا يرفع اليوم لغد» يعنى لا يدخر -لكرمه- ما حصل عنده اليوم من
أجل غد، فكنت بذلك عن غاية جوده، أو المراد وصفه بالحزم فى جميع أموره، فلا يؤخر ما يجب عليه
اليوم إلى الغد.
وبعض الشراح شرحوه على الذم، فقال بعضهم: شبهته بالفهد من جهة أنه غليظ الطبع، ليست
عنده مداعبة ولا ملاعبة قبل المواقعة، بل يثب وثوبا كالوحش، أو من جهة سوء الخلق، وأنه يبطش
بها، ويضربها، وإذا خرج على الناس كان أمره فى العنف أشد قسوة، ولا يسأل عن أحوالها إذا دخل
بعد غيبة، حتى لو عرف أنها مريضة أو معوزة لا يسأل عن شيء من ذلك، ولا يتفقد حال أهله ولا بيته.
قال عياض: وقد قلب الوصف بعض الرواة، فقال ((إذا دخل أسد، وإذا خرج فهد)) قال: فإن كان
محفوظا فمعناه أنه إذا خرج إلى مجلسه كان على غاية من الرزانة والوقار وحسن السمت، أوكان
على غاية من تحصيل الكسب، وإذا دخل كان متفضلا مواسيا، لأن الأسد يوصف بأنه إذا افترس أكل
من فريسته بعضا، وترك الباقى لمن حوله من الوحوش، ولم يهاوشهم عليها. اهـ.
وفى الكلام مطابقة أو مقابلة لفظية بين ((دخل)) و((خرج)) ومقابلة معنوية بين ((فهد)) و((أسد)).
( قالت السادسة: زوجى إن أكل لف، وإن شرب اشتف، وإن اضطجع التف، ولا
يولج الكف، ليعلم البث ) قال النووى: قال العلماء: اللف فى الطعام الإكثار منه، مع التخليط من
صنوفه، حتى لا يبقى منها شيء، والاشتفاف فى الشرب أن يستوعب جميع ما فى الإناء، مأخوذ من
الشفافة، بضم الشين، وهى ما بقى فى الإناء من الشراب، فإذا شربها قيل اشتفها وتشافها، وقولها
((ولا يولج الكف ليعلم البث)) قال أبو عبيد: أحسبه كان بجسدها عيب أو داء، كنت به، لأن البث
الحزن، فكان لا يدخل يده فى ثوبها، ليمس ذلك لئلا يشق عليها، فوصفته بالمروءة وكرم الخلق، وقد
رد ابن قتيبة على أبى عبيد تفسيره، وقال: كيف تمدحه بهذا، وقد ذمته فى صدر الكلام؟ ورد ابن
الأنبارى على ابن قتيبة بأن النسوة تعاقدن أن لا يكتمن شيئا من أخبار أزواجهن، فمنهن من كانت
أوصاف زوجها كلها حسنة، فوصفتها، ومنهن من كانت أوصاف زوجها قبيحة، فذكرتها ومنهن من
كانت أوصافه فيها حسن وقبيح، فذكرتهما.
٣٩٩
وقال ابن الأعرابى: هذا ذم له، أرادت: وإن اضطجع ورقد التف فى ثيابه فى ناحية، ولم
يضاجعها، ليعلم ما عندها من محبته، قال: ولا بث هناك إلا محبتها الدنو من زوجها.
وقال آخرون: أرادت أنه لا يتفقد أمورى، ومصالحی.
وعند النسائى ((إذا أكل اقتف)) أى جمع واستوعب، ومنه سميت القفة، لجمعها ما
وضع فيها. وزاد ((وإذا ربح اغتث)) أى تحرى الغث الهزيل، وفى رواية ((أستف)) بالسين
بدل الشين، وهى بمعناها.
( قالت السابعة: زوجى غياياء، أو عياياء، طباقاء، كل داء له داء، شجك أو فلك، أو
جمع كلالك ) قال النووى: هكذا وقع فى هذه الرواية ((غياياء)) بالغين ((أو عياياء)) بالعين، وفى أكثر
الروايات بالغين، وأنكرها أبو عبيدة وغيره، وقالوا: الصواب بالعين، وهو الذى لا يلقح، وقيل: هو
العنين الذى تعييه مباضعة النساء، ويعجز عنها، وقال القاضى وغيره: غياياء بالغين صحيح، وهو
مأخوذ من الغياية، وهى الظلمة، وكل ما أظل الشخص، ومعناه لا يهتدى إلى مسلك، أو أنها وصفته
بثقل الروح، وأنه كالظل المتكاثف المظلم، الذى لا إشراق فيه، أو أنها أرادت أنه غطيت عليه أموره،
أو يكون ((غياياء)) من الغى، وهو الانهماك فى الشر، أو من الغى الذى هو الخيبة، قال الله تعالى
﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، وأما ((طباقاء)) فمعناه المطبقة عليه أموره حمقا، وقيل: هو الذى
يعجز عن الكلام، فتنطبق شفتاه، وقيل: هو العيى الأحمق, وقال ابن فارس: ((الطباقاء)» الذى لا
يحسن الضراب، فعلى هذا يكون تأكيدا، لاختلاف اللفظ، كقولهم: بعدا وسحقا. وقولها ((شجك)) أى
جرحك فى الرأس، فالشجاج جراحات الرأس، وقيل: الجراحات فيه وفى الجسد، والفل الكسر
والضرب، ومعناه أنها معه بين شج رأس وضرب وكسر عضو، أو جمع بينهما، زاد فى رواية ((أو بجك))
بالباء والجيم، أى طعنك فى جراحتك، فشقها، والبج شق القرحة، ووقع فى رواية الزبير ((إن حدثته
سبك، وإن مازحته فلك، وإلا جمع كلالك)).، وقيل: المراد بالفل هنا الخصومة، وقولها ((كل داء له داء))
أى جمع أدواء الناس وعيوبهم مجتمعة فيه. اهـ.
و ((أو)) فى ((غياياء)) أو ((عياياء)) شك من الراوى، و((أو)) فى شجك، أو فلك، أو جمع كلالك
للتقسيم، لا للتخيير.
( قالت الثامنة: زوجى الريح ريح زرنب، والمس مس أرنب ) فى رواية البخارى
((زوجى المس من أرنب، والريح ريح زرنب)) وزاد فى رواية الزبير ((وأنا أغلبه والناس يغلب)).
والزرنب نبت طيب الريح، وقيل: هو شجرة عظيمة بالشام بجبل لبنان، لها ورق بين
الخضرة والصفرة وقيل: هو حشيشة دقيقة طيبة الرائحة، وليست ببلاد العرب، وإن كانوا
قد ذكروها فى أشعارهم.
والأرنب دويبة معروفة، لينة المس، ناعمة الوبر جدا. واللام فى ((المس)) و((الريح)) نائبة عن
الضمير، أى مسه وريحه، وصفته بأنه لين الجسد ناعمه، ويحتمل أن تكون كنت بذلك عن حسن خلقه
ولين جانبه، وبأنه طيب العرق، لكثرة نظافته، واستعماله الطيب تظرفا، ويحتمل أن تكون كنت بذلك
٤٠٠