Indexed OCR Text
Pages 141-160
فى رمضان أجود منه فى غيره. قال النووى: الرفع أشهر، والنصب جائز، قال الحافظ ابن حجر:
ويرجح الرفع وروده بدون ((كان)) عند البخارى فى الصوم.
(إن جبريل عليه السلام كان يلقاه ) الجملة مستأنفة استئنافا تعليليا، لبيان سبب
الأجودية المذكورة، ففى رواية للبخارى ((لأن جبريل كان يلقاه فى كل ليلة فى شهر رمضان)) وفى
رواية أخرى له ((وكان أجود ما يكون فى رمضان، حين يلقاه جبريل)» وفى آخر روايتنا «فإذا لقيه
جبريل كان رسول اللَّه * أجود بالخير من الريح المرسلة)».
( فى كل سنة فى رمضان، حتى ينسلخ ) أى شهر رمضان، أى حتى ينقضى، قال النووى:
هكذا فى جميع النسخ ((فى كل سنة)) ونقله القاضى عن عامة الروايات والنسخ، قال: وفى بعضها
((كل ليلة)) بدل ((كل سنة)) قال: وهو المحفوظ، لكنه بمعنى الأول، لأن قوله ((حتى ينسلخ)) بمعنى كل
ليلة اهـ. فالمراد من الروايتين: فى كل سنة فى كل ليلة من رمضان، أى بالإضافة إلى لقاءات أخرى
فى السنة، لأسباب أخرى.
(فيعرض عليه رسول اللّه القرآن) أى ما نزل منه، وفى هذه الرواية أن رسول اللّه ◌ُ لّ
هو الذى كان يعرض، وفى رواية للبخارى ((كان جبريل يعرض القرآن على النبى وُ ل﴾)) والمعنى
يستعرضه ما أقرأه إياه، فيحمل الأمر على أن كلا منهما كان يعرض على الآخر، ويؤيده رواية للبخارى
((فيدارسه القرآن)).
( فإذا لقيه جبريل كان رسول اللّه* أجود بالخير من الريح المرسلة) مبالغة فى
التشبيه، وذلك أنه أثبت له أولاً وصف الأجودية، ثم أراد أن يصفه بأزيد من ذلك، فشبه جوده بالريح
المرسلة، بل جعله أبلغ فى ذلك منها، لأن الريح قد تسكن، ووصفها بالمرسلة المبشرة بالخير، المطلقة
ليحترس بذلك عن الريح العقيم الضارة، والمرسلة يستمر إرسالها مدة إرسالها، وكذا كان عمله صلى
اللَّه عليه وسلم فى رمضان، ديمة لا ينقطع، فشبهه بريح الرحمة التى يرسلها الله تعالى، لإنزال الغيث
العام، الذى يكون سببا لإصابة الميتة وغير الميتة، أى فيعم خيره وبره من هو بصفة الفقر والحاجة،
ومن هو بصفة الغنى والكفاية، عموما أكثر من عموم الغيث الناشئ عن الريح المرسلة.
واستعمل أفعل التفضيل فى الإسناد الحقيقى والمجازى، لأن الجود من النبى {َ * حقيقة، والجود
من الريح مجاز، فكأنه استعار للريح جودا، باعتبار مجيئها بالخير، فأنزلها منزلة من جاد، وفى تقديم
معمول ((أجود)) وهو ((بالخير)) على المفضل عليه نكتة لطيفة، وهى أنه لو أخره، لظن تعلقه بالمرسلة،
وهذا وإن كان صحيح المعنى، إلا أنه تفوت به المبالغة، لأن المراد وصفه بزيادة الأجودية على الريح
المرسلة مطلقا. قاله الحافظ ابن حجر.
فقه الحديث
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- استحباب زيارة الصلحاء وأهل الخير فى رمضان.
١٤١
٢- وتكرار ذلك إذا كان المزور لا يكرهه.
٣- واستحباب الإكثار من القراءة فى رمضان، لأن رمضان موسم الخيرات، ونعم الله على عباده
زائدة فيه، وفيه تضاعف الحسنات.
٤- وأن قراءة القرآن أفضل من سائر الأذكار، إذ لوكان الذكر أفضل أو مساويا، لفعله رسول اللّه ◌ُ ل
وجبريل عليه السلام، فاجتمع بذلك أفضلية النازل، وأفضلية المنزول عليه، والمنزول به، والوقت.
٥- قال الحافظ ابن حجر:وفيه إشارة إلى أن ابتداء نزول القرآن كان فى شهر رمضان، لأن نزوله إلى
السماء الدنيا جملة واحدة كان فى رمضان، كما ثبت من حديث ابن عباس، فكان جبريل
يتعاهده فى كل سنة، فيعارضه بما نزل عليه، من رمضان إلى رمضان، فلما كان العام الذى توفي
فيه عارضه به مرتين، كما ثبت فى الصحيح.
٦- وفيه أن القرآن يطلق على بعضه، وعلى معظمه، كما يطلق على كلمه، لأن أول رمضان
من البعثة لم يكن نزل من القرآن إلا بعضه، ثم كذلك كل رمضان بعده إلى رمضان
الأخير، فكان قد نزل كله، إلا ما تأخر نزوله بعد رمضان المذكور، وكان فى سنة عشر،
إلى أن مات رسول الله # فى ربيع الأول سنة إحدى عشرة، ومما نزل فى تلك المدة
قوله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فإنها نزلت يوم عرفة، والنبىِرُ ◌ّ فى
عرفة، بالاتفاق، وكأن الذى نزل فى تلك الأيام لما كان قليلا بالنسبة لما تقدم اغتفر أمر
معارضته، قال الحافظ ابن حجر: فيستفاد من هذا أن القرآن يطلق على البعض مجازا،
ومن ثم لا يحنث من حلف: ليقرأن القرآن، فقرأ بعضه، إلا إن قصد الجميع، قال:
ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان يقسم ما نزل من القرآن فى كل سنة على ليالى
رمضان أجزاء، فيقرأ كل ليلة جزءا فى جزء من الليلة، ثم يشتغل فى ليلة بسوى ذلك من
تهجد بالصلاة ومن راحة بدن، ومن تعاهد أهل، ولعله كان يعيد الجزء مرارا، وبتعدد
الحروف المأذون فى قراءتها، لتستوعب بركة القرآن جميع الشهر، ولولا التصريح بأنه
كان يعرضه مرة واحدة، وفى السنة الأخيرة عرضه مرتين، لجاز أنه كان يعرض جميع
ما نزل عليه كل ليلة، ثم يعيده فى بقية الليالى، وفى هذه المعارضة يحكم الله ما يشاء،
وينسخ ما يشاء.
٧- وفيه أن مداومة تلاوة القرآن توجب زيادة الخير.
٨- وفيه المذاكرة مع الفاضل فى القرآن والعلم، وإن كان الفاضل لا يخفى عليه ما يذاكره للعبادة،
وزيادة الاتعاظ.
٩- وفيه أن فضل الزمان إنما يحصل بزيادة العبادة فيه.
١٠ - وأن ليل رمضان أفضل من نهاره.
١١ - وأن المقصود من التلاوة الحضور والفهم، لأن الليل مظنة ذلك، لما فى النهار من الشواغل
والعوارض الدنيوية والدينية.
١٤٢
١٢ - وفيه جواز قول ((رمضان)) من غير ((شهر)).
١٣ - وفيه الحث على الجود فى كل وقت.
١٤ - واستحباب زيادة الجود فى رمضان، وعند الاجتماع بأهل الصلاح.
١٥ - وفيه تشبيه المعقول بالمحسوس، لتقريبه إلى الأذهان.
١٦ - وفيه جوده صلى اللّه عليه وسلم.
١٧ - وفيه استحباب تكثير العبادة فى آخر العمر.
وسيأتى بعد باب واحد أمثلة ووقائع
من جوده صلى الله عليه وسلم
١٤٣
(٦١٢) باب حسن خلقه صلى الله عليه وسلم
٥٢٣٩- ٥١ْ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَ﴾(٥١) قَالَ: خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ عَشْرَ سِبِينَ. وَاللَّهِ! مَا
قَالَ لِي: أَقَّا قَطُ. وَلا قَالَ لِي لِشَيْءٍ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا؟ وَهَلَا فَعَلْتَ كَذَا؟ زَادَ أَبُو الرَّبِيعِ لَيْسَ
مِمَّ يَصْنَعُهُ الْخَادِمُ وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ وَاللَّهِ.
٥٢٤٠ - ٣َّمْ عَنْ أَنَسِ رَ﴾(٥٢) قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ الْمَدِينَةَ، أَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي.
فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَنَسًا غُلامٌ كَيِّسٌ فَلْيَخْدُمْكَ. قَالَ:
فَخَدَمْتُهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، وَاللَّهِ! مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا؟ وَلا
لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ: لِمَ لَمْ تَصْنَّعْ هَذَا هَكَذَا؟.
٥٢٤١- ٣° عَنْ أَنْسِ رَ﴾ (٥٣) قَالَ: خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ْ تِسْحَ سِنِينَ. فَمَا أَعْلَمُهُ قَالَ لِي
قَطُّ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا؟ وَكَذَا وَلا عَابَ عَلَيَّ شَيْئً قَطُ.
٥٢٤٢- ٤°ْ عَنْ أَنَسٌّ ◌َ﴾(٥٤): كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ مِن أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا. فَأَرْسَلَيِي يَوْمًا
لِحَاجَةٍ. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ! لا أَذْهَبُ. وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَِّي بِهِ نَبِيُّ اللّهِ ﴿ فَخَرَجْتُ
حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ. فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ :﴿ قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِن
وَرَائِي. قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ: فَقَالَ«يَا أَنَيْسُ أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرُّنُكَ؟» قَالَ: قُلْتُ:
نَعَمْ. أَنَا أَذْهَبُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ.
- قَالَ أَنَسٌ: وَاللَّهِ! لَقَدْ خَدَمْتُهُ تِسْعَ سِنِينَ. مَا عَلِمْتُهُ قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا
وَكَذَا؟ أَوْ لِشَيْءٍ تَرَكُْهُ: هَلَا فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا.
٥٢٤٣-°°ْ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَ﴾(٥٥) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا.
(٥١) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورِ وَأَبُو الرَّبِيعِ قَالا حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ ثَابِتِ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
- وحَدَّثْنَاه شَيْبَانُ بْنُ فَرَّوْخَ حَدَّثَّاَ سَّلَامُ بْنُ مِسْكِينٍ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَّسٍ بِمِثْلِهِ.
(٥٢) وحَدَّثَنَاهَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعًا عَن إِسْمَعِيَلَ وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ قَلاَ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا عَبْدُ
الْعَزِيزِ عَن أُنَس
(٥٣) حَدَّثَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ حَدْقَا زَكَرِيَّاءُ حَدَّثَنِي سَعِيدٌ وَهُوَ ابْنُ أَبِي بُرْدَةً عَنْ أَنَسٍ
(٥٤) حَدَّثَنِي أَبُو مَغَنِ الرَّقَّاشِيُّ زَيْدُ بْنُ يَزِيدٌ أَخْبَرَنَا عُمَّرُ بْنُ يُونُسَ حَدْثَّا عِكْرِمَةُ وَّهُوَ اِبْنُ عَمَّارٍ قَالَ قَالَ إِسْحَقُ قَالَ أَنَسٍ
(٥٥) وحَدَّثَّا شَيْئَاتُ بَّنُ فَرُّوعٌ وَأَبُو الرَّبِيَعِ قَالا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَن أَبِي النَّاحِ عَنْ أَنَسٍ
١٤٤
المعنى العام
يقول صلى الله عليه وسلم ((خير ما أعطى الناس خلق حسن)) ويقول ((إن أفضل شيء فى الميزان
الخلق الحسن)) ويقول ((إن لكل دين خلقا، وخلق الإسلام الحياء)) ويقول ((إن خياركم أحسنكم خلقا))
ويقول ((إن أحبكم إلى، وأقربكم منى مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، الموطئون أكنافا، الذين
يألفون ويؤلفون)) ويقول ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)).
وكان صلى الله عليه وسلم على قمة مكارم الأخلاق، حتى قال عنه ربه عز وجل ﴿وَإِنََّ لَعَلى خُلُق
عَظِيمِ﴾ [القلم: ٤] وأبرز المواطن التى تظهر فيها الأخلاق المحمودة، والمذمومة مواطَن التعامل معٌ
الخلقُّ، وأبرز هذه المواطن معاملة السيد للخادم.
ومن هنا ساق العلماء - دليلا على حسن خلقه صلى الله عليه وسلم - أحاديث معاملته صلى اللَّه
عليه وسلم لخادمه أنس، فقد هاجر رسولِ الله ﴿ إلى المدينة ولا خادم له، وأسلمت أم سليم، أم أنس
وهو ابن عشر سنين، ومن حبها لرسول اللّه *، ورغبة منها فى توثيق العلاقة والصلة به، قدمت ابنها
هذا لرسول اللّه خادما، فكان نعم الخادم، عند خير مخدوم. خدم عشر سنين، فرأى رسول اللّه وقل
لم يضرب بيده الكريمة امرأة ولا خادما قط، بل كان عف اللسان، ليس فاحشاً ولا متفحشا، ولا سبابا،
ولا لعانا، حتى عند الغضب، وعند وقوع ما يستحق اللوم والعقاب، وعند رؤيته ما يكره، لدرجة أنه ما
عاب طعاما قط، بل كان إذا اشتهاه أكله، وإن عافه تركه، وما أنّب خادمه يوما، وما زجره، أو عنفه،
بل ما قال له يوما عن شيء فعله وهو غير مرضى: لم فعلت كذا؟ وما قال له يوما عن شيء لم يفعله،
وهو مطلوب: لم لم تفعل كذا؟ بل كان يبتسم و يوجه، ويألف ويؤلف، ويحلم ويتواضع، ويعفو ويحسن
صلى الله عليه وسلم.
المباحث العربية
(خدمت رسول الله# عشر سنين) فى الرواية الثالثة وملحق الرابعة «خدمت رسول اللَّه
** تسع سنين)) ولا تعارض، لأن ابتداء خدمته له صلى الله عليه وسلم كان بعد قدومه المدينة، وبعد
تزويج أم سليم بأبى طلحة، أى بعد قدومه صلى الله عليه وسلم ببضعة أشهر، فرواية العشر جبرت
الكسر، ورواية ((التسع)) ألغت الكسر، والحقيقة تسع سنين وبضعة أشهر.
وفى الرواية الثانية ((لما قدم رسول اللَّه ◌َ﴾ المدينة أخذ أبو طلحة بيدى، فانطلق بى إلى رسول
اللَّهِ وَ﴿ّ، فقال: يارسول الله، إن أنسا غلام كيس)) - بفتح الكاف وتشديد الياء المكسورة أو المخففة
الساكنة بعدها سين، أى عاقل فطن، متوقد الذكاء، ضد الأحمق - ((فليخدمك، قال: فخدمته فى
السفر والحضر)» وأشار بالسفر إلى ما حصل من أنه خرج معه صلى الله عليه وسلم إلى خيبر يخدمه،
ففى البخارى ((أن النبى * طلب من أبى طلحة - لما أراد الخروج إلى خيبر - من يخدمه، فأحضر
له أنسا)) أى طلب من أبى طلحة من يكون أسن من أنس، وأقوى على الخدمة فى السفر، وكان أنس
إذ ذاك ابن ست عشرة سنة، فعرف أبو طلحة من أنس القوة على ذلك فأحضره له، فخرج معه، فلهذا
١٤٥
قال: خدمته فى الحضر والسفر، وفى رواية للبخارى أيضا عن أنس ((كنت ابن عشر سنين، مقدم
رسول اللَّه ◌َ ﴿ المدينة، فكان أمهاتى - يقصد أمه وخالته ومن فى معناهما - يواظبننى - أى يرغبننى
ويحثثننى - على خدمة النبى ®، فقدمته أمه، أم سليم للنبى 3 ﴾.
( والله ما قال لى: أفا قط ) قال الراغب: أصل الأف كل مستقذر من وسخ، كقلامة الظفروما
يجرى مجراها، ويقال ذلك لكل مستخف به، ويقال أيضا عند تكره الشيء، وعند التضجر من الشيء،
واستعملوا منها الفعل، يقولون: أففت بفلان.
وفى ((أف)) عدة لغات: الحركات الثلاث للهمزة مع تشديد الفاء، بغير تنوين، وبالتنوين، وهى فى
روايتنا ((أفا)) بالنصب والتنوين، على المصدرية، وهى موافقة لبعض القراءات الشاذة، وهى هنا مع
ضم الهمزة والتشديد، وعلى ذلك اقتصر بعض الشراح، وذكر أبو الحسن الرمانى فيها لغات كثيرة،
بلغها تسعا وثلاثين، ونقلها ابن عطية، وزاد واحدة، أكملها أربعين، ومنها الستة المتقدمة، وبتخفيف
الفاء كذلك ستة أخرى، وبالسكون مشددا ومخففا، وبزيادة هاء ساكنة فى آخره مشددا ومخففا، و
((أفى)) بالإمالة، وبين بين، وبلا إمالة ... إلخ.
وساقها الحافظ ابن حجر، فمن أرادها فليطلبها.
وأما ((قط)) ففيها لغات: بفتح القاف وضمها، مع تشديد الطاء المضمومة، وبفتح
القاف وكسر الطاء المشددة، ويفتح القاف وإسكان الطاء، ويفتح القاف وكسر الطاء
المخففة، وهى لتوكيد نفى الماضى.
( ولا قال لى لشيء: لم فعلت كذا؟ وهلا فعلت كذا؟ ليس مما يصنعه الخادم ) أى
هذا الذى صنعت ليس مما يقبل من الخادم وفى الرواية الثانية ((والله ما قال لى لشيء صنعته: لم
صنعت هذا هكذا ؟ ولا لشيء لم أصنعه: لم لم تصنع هذا هكذا؟ وفى الرواية التالية ((فما أعلمه قال لى
قط: لم فعلت كذا وكذا ؟ ولا عاب على شيئا قط)) وفى الرواية الرابعة ((فما أعلمه قال لى قط: لم
فعلت كذا وكذا؟ ولا عاب على شيئا قط)) وأما قوله فى الرواية الثالثة ((أذهبت حيث أمرتك))؟
فليس من قبيل ما نفاه، لأن الاستفهام هنا، وإن كان إنكاريا توبيخيا، ومعناه ما كان ينبغى أن لا
تذهب، لكنه ظاهر فى العتب برفق، ويحتمل أن المراد ما قال لى كذا وكذا بغضب. بخلاف ما فى
الرواية الثالثة، فقد قال وهو يضحك، فالمنفى اللوم والتأنيب كما يفعل مع الخادم، والمثبت الحض
والعرض والتوجيه، كما يفعل مع الأبناء والأحبة.
( كان رسول اللَّه ﴿ من أحسن الناس خلقا) بضم الخاء واللام، ويجوز إسكان اللام، قال
الراغب: الخلق بفتح الخاء، والخلق بضمها، فى الأصل بمعنى واحد، كالشرب والشرب، لكن خص
الخلق بالفتح، بالهيئات والصور المدركة بالبصر، وخص الخلق بالضم، بالقوى والسجايا، المدركة
بالبصيرة، اهـ وقد كان النبى ®20 يقول: ((اللهم كما حسنت خلقى فحسن خلقى)» وقال القرطبى فى
المفهم: الأخلاق أوصاف الإنسان التى يعامل بها غيره، وهى محمودة ومذمومة، فالمحمودة على
١٤٦
الإجمال أن تكون مع غيرك على نفسك، فتنصف منها، ولا تنصف لها، وعلى التفصيل العفو والحلم
والجود والصبر وتحمل الأذى والرحمة والشفقة وقضاء الحوائج والتوادد ولين الجانب، ونحو ذلك،
والمذموم منها ضد ذلك.
( فأرسلنى يوما لحاجة ) أى لأقضى حاجة له.
(فقلت: واللَّه لا أذهب) الآن عاجلا، أى قلت فى نفسى ذلك، رغبة منى فى اللعب قليلا، فقد
كان فوق العاشرة بقليل.
( وفى نفسى أن أذهب لما أمرنى به نبى اللَّه ◌َي) أى لم يكن موقفى عصيان الأمر، وعدم
تنفيذه، بل تأجيله قليلا وتأخيره، مع عزمى أن أنفذه.
( فخرجت حتى أمر على صبيان، وهم يلعبون فى السوق ) أى فلعبت معهم، وانشغلت
بلعبهم، وفى قوله ((حتى أمر)) تعبير عن الماضى بالمضارع، استحضاراً للصورة، والأصل: حتى مررت،
وفى ذلك إشارة إلى أنه لم يقصد اللعب ابتداء ، بل وقع ذلك مصادفة فى مروره بهم، وهو فى طريقه
لقضاء الحاجة.
( يا أنيس: أذهبت حيث أمرتك؟ قال: قلت: نعم. أنا أذهب يا رسول اللَّه) الآن،
فذهب و((أنيس)) بضم الهمزة وفتح النون، تصغير ((أنس)) والجواب نعم تصديق للمخبر بنفى أو
إيجاب، والاستفهام التقريرى خبر موجب، والمعنى هنا: أقر بأنك لم تذهب، فيكون الجواب نعم. أقر
أننى لم أذهب، وسأذهب الآن، ((وحيث)) هنا ظرف مكان، مبنى على الضم فى محل نصب، كما فى
قوله تعالى ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].
فقه الحديث
اختلف العلماء فى: هل حسن الخلق غريزة ؟ أو مكتسب ؟ فذهب جماعة إلى أنه غريزة،
واستدلوا بحديث ابن مسعود ((إن اللَّه قسم أخلاقكم، كما قسم أرزاقكم)) رواه البخارى، فى الأدب
المفرد، وقال القرطبى فى المفهم: الخلق جبلة فى نوع الإنسان، وهم فى ذلك متفاوتون، فمن غلب
عليه شيء منها، إن كان محمودا فحسن، وإلا فهو مأمور بالمجاهدة فيه، حتى يصير محموداً، وكذا
إن كان ضعيفا، فيرتاض صاحبه، حتى يقوى. اهـ
وذهب جماعة إلى أن الخلق مكتسب، لأنه يقوم، وهو بالسلوك والتعود يصبح سجية وذهب
المحققون إلى أن منه ما هو غريزة، ومنه ما هو مكتسب، ويؤيدهم ما رواه أحمد والنسائى والبخارى
فى الأدب المفرد وصححه ابن حبان ((أن النبى 8 قال لأشج عبد القيس: إن فيك لخصلتين،
يحبهما اللَّه. الحلم والأناة، فقال: يا رسول اللَّه، قديما كانا فى ؟ أو حديثاً؟ فقال: قديما، قال: الحمد
لله الذى جبلنى على خلقين يحبهما» فترديده السؤال، وتقريره عليه، يشعر بأن فى الخلق ما هو
جبلى، وما هو مكتسب.
١٤٧
ويؤخذ من الحديث
١- بيان كمال خلقه صلى الله عليه وسلم، وحسن عشرته، وحلمه وصفحه.
٢- وترك العقاب على ما فات، لأن هناك مندوحة عنه باستئناف الأمر به، إذا احتيج إليه.
٣- وتنزيه اللسان عن الزجر واللوم والذم.
٤- واستئلاف خاطر الخادم.
قال الحافظ ابن حجر: وكل ذلك فى الأمور التى تتعلق بحظ الإنسان، وأما الأمور اللازمة شرعا،
فلا يتسامح فيها، لأنها من باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
والله أعلم
١٤٨
(٦١٣) باب فى سخائه صلى اللّه عليه وسلم
٥٢٤٤- ٥٦ْ عَنَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٥٦) قَالَ: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿َ شَيْئًا
قَطُّ، فَقَالَ: لا.
٥٢٤٥- ٣ْ عَن مُوسَى بْنِ أَنَسِ رَّهِ عَن أَبِيهِ(٥٧) قَالَ: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ عَلَى الإِسْلامِ
شَيْئًا إِلا أَعْطَاهُ. قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنٍ. فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمٍ،
أَسْلِمُوا. فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءٌ لا يَخْشَى الْفَاقَةَ.
٥٢٤٦- ثُبْ عَنْ أَنْسِ ضَ﴾(٥٨) أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النّبِيِّ﴿َّ غَدَمًّا بَيْنَ جَبَلَيْنِ. فَأَعْطَاهُ
إِيَّاهُ. فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ: أَيْ قَوْمٍ، أَسْلِمُوا، فَوَاللَّهِ! إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطّاءً مَا يَخَافُ
الْفَقْرَ. فَقَالَ أَنَسّ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلا الدُّنْيَا. فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُون
الإِسْلامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا.
٥٢٤٧- ٢٩ْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ(٥٩) قَالَ: غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ْ غَزْوَةَ الْفَتْحِ، فَتْحٍ مَكَّةَ. ثُمَّ خَرَجَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فَاقْتَتَلُوا بِحُنَيْنٍ. فَنَصَرَ اللَّهُ دِينَهُ وَالْمُسْلِمِينَ. وَأَعْطَى.
رَسُولُ اللَّهِ لَ﴿ يَوْمَئِذٍ صَفْوَانُ بْنَ أُمَيَّةَ مِائَةٌ مِنَ النَّعَمِ، ثُمَّ مِائَةٌ، ثُمَّ مِائَةً. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ:
حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ صَفْوَانَ قَالَ: وَاللَّهِ! لَقَّدْ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ﴿ مَا أَعْطَانِي،
وَإِنَّهُ لِأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ. فَمَا بَرِعَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ.
٥٢٤٨- ٠ْ عَنْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا (٦٠) وَزَادَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿: «لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُّ الْبَحْرَيْنِ لَقَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» وَقَالَ بِيَدَيْهِ
جَمِيعًا. فَقُبِضَ النَّبِيُّ: ﴿ قَبْلَ أَن يَجِيءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ. فَقَدِمَ عَلَى أَّبِي بَكْرٍ بَعْدَهُ. فَأَمَرَ مُنَادِيًّا
(٥٦) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَعَمْرٌو النَّقِدُ قَالا حَدَّثَّا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَّدِرِ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ
- وحّدَّثَنَا أَبُو ◌َكُرِّيْبَ حَدَّثَنَا الأَشْجَعِيُّ ح وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنًا عَبَّدُ الرَّحْمَنِّ يَعْنِي ابْنَّ مَهْدِيِّ كِلاهُمَا عَنِ سُفْيَانٌ
عَن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ يَقُولا مِثْلَهُ سَوَاءً.
(٥٧) وحَدَّثَنَا عَاصَمُ بْنُ النّصْرِ التَّيْمِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ مُوسِى بْنِ أَنَسٍ ﴾، عَن أَبِهِ
(٥٨) حَدَّثَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيَِّةً حَدَّثْنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ حَمَّادٍ بْنِ سَلَمَةً عَنِ ثَابِتٍ عَنِ أَنَسٍ
(٥٩) وحَدَّثَتِي أَبُو الَطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِوَ بْنِ سَرْحٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بَنُ وَهْبٍ أَخْبَرَّنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ
(٦٠) حَدَّثَنَا عَمْرٌو النّاقِذُ حَدَّثَا سُفْيَانُ بَنُ عُيَيْنَةَ عَنِّ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَ وَخَدَّثَنَا إِسْحَقُ أَخْبُرَنَا سُفْيَاهُ عَنِ
ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنِ جَابِرٍ وَعَنِ عَمْرٍو عَنِ مُحَمَّدٍ بَّنِ عَّلِيَ عَن جَّابِرٍ أَحَدُهُمَا يَزِيدٌ عَلَى الآخَرِ ح وحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ وَاللَّفْظُ لَةَ
قَالَّ قَالَ سُفْتَّهُ سَمِغَتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكّدِرِ يَقُولَّ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سُفْيَاهُ وَسَمِعْتُ أَيْضًا عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ يُحَدِّثُ
عَن مُحَمَّدٍ بْنِ عَلِيِّ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ
١٤٩
فَنَادَى: مَنْ كَانَتْ لَهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ ﴿ِ عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِ. فَقُمْتُ فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَِّ﴿ قَالَ: «لَوْ
قَدْ جَاءَنَا مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَعْطَيُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» فَحَثَى أَبُو بَكْرٍ مَرَّةً. ثُمَّ قَالَ لِي: عُدَّهَا.
فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ فَقَالَ: خُذْ مِثْلَيْهَا.
٥٢٤٩ - ٦١ْ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٦١) قَالَ: لَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ :﴿ِ جَاءَ أَبًا
بَكْرٍ مَالٌ مِن قِبَلِ الْعَلاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى النّبِيِّ ◌ِ ﴿ْ دَيْنٌ، أَوْ
كَانَتْ لَهُ قِبَلَهُ عِدَةٌ، فَلْيَأْتِنًا. بِنَحْوٍ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةً.
المعنى العام
الجود والكرم والسخاء، خلق أصيل من أخلاق العرب قبل الإسلام، كانوا يتفاخرون به،
ويتنافسون فيه، حتى قال شاعرهم:
أوقد فإن الليل ليل قر
والريح يا غلام ريح صر
لعل أن يبصرها المعتر
إن جلبت ضيفا فأنت حر
لكنهم كانوا يتخلقون بهذا الخلق للرياء والسمعة والفخر والثناء الجميل، لا بقصد الثواب
الأخروى، ولا بقصد رفعة الإسلام، لذلك يقول الطائى.
ويبقى من المال الأحاديث والذكر
أماوى إن المال غاد ورائح
أماوى إنى لا أقول لسائل
إذا جاء يوما حل فى مالى الدهر
وقد ضرب رسول اللّه ولله المثل الأعلى فى السخاء والعطاء، يعطى عطاء من لا يخشى الفقر، لأنه
معتمد متوكل على ربه، يجيئه الكثير، فلا يبقى منه شيئا بل يخاف أن يبيت عنده ثلاثة دنانير للغد،
تنتظر الإنفاق فيخشى أن يموت فى ليلة وهى فى بيته، فينصرف من صلاة العشاء، فزعا لينفقها على
الفقراء، كان معطاء للمستحقين من الأمة، حاشا أهله الذين كانوا يمر عليهم الشهر والشهران، ثلاثة
أهلة فى شهرين، وما توقد فى بيت من بيوته نار، لعدم وجود ما يطهى بالنار، بينما يعطى بالمائة
بعير، والمائتى بعير، وبالثلاثمائة بعير، هل رأيتم من يستدين ليتصدق ويعطى؟ كان محمد وال#
يستدين ليتصدق ويعطى، هل رأيتم من يخنقه السائل ليعطيه، ويأمره بغلظة وجفاء وقلة أدب،
فيبتسم للسائل ويعطيه؟ كان محمد * يفعل ذلك، يروى البخارى عن أنس به قال: «كنت أمشى
مع النبى {*، وعليه برد نجرانى غليظ الحاشية، فأدركه أعرابى فجذبه جذبة شديدة، حتى نظرت إلى
صفحة عاتق النبى *، قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال: مرلى من مال اللَّه الذى
عندك، فالتفت إليه صلى الله عليه وسلم، فضحك، ثم أمرله بعطاء)).
(٦١) مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ أَخْبُرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبُرَبِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَن مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَن جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ قَالَ وَأَخْبُرَنِي مُحَمِّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ
١٥٠
ويروى البخارى أيضا عن جبير بن مطعم أنه بينما هو مع رسول الله﴿، ومعه الناس، مقبلا من
حنين، تعلقت الأعراب برسول اللَّهُ﴾، يسألونه أن يعطيهم، حتى اضطروه إلى أن يحتمى بشجرة،
فخطفوا رداءه، فوقف رسول اللَّه ◌َ *، فقال: أعطونى ردائى، فلوكان عندى عدد هذه الأشجار إبلا
لقسمته بينكم، ثم لا تجدوننى بخيلا، ولا كذوبا، ولا جبانا)».
ويروى البخارى عن سهل بن سعد ه قال: جاءت امرأة إلى النبى و * ببردة، فقالت: يارسول
الله، أكسوك هذه، فأخذها النبى {®، محتاجا إليها، فلبسها، فرآها عليه رجل من الصحابة، فقال:
يارسول اللَّه، ما أحسن هذه، فاكسنيها. فقال نعم، فأعطاها له، فلما قام النبى ﴿ لامه أصحابه،
فقالوا ما أحسنت حين رأيت النبى و38 أخذها محتاجا إليها، ثم سألته إياها، وقد عرفت أنه لا يسأل
شيئا فيمنعه، فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبى ول﴾، لعلى أكفن فيها)) صلى الله وسلم وبارك
على هذا الجواد الكريم.
المباحث العربية
( سخاؤه صلى الله عليه وسلم) قال أهل اللغة: السخاوة والسخاء والجود، والسخى الجواد،
يقال: سخا يسخو، وسخى بكسر الخاء وفتح الياء، يسخى بفتح الخاء، وسخو الرجل بضم الخاء وفتح
الواو يسخو سخاء.
وعلى هذا فذكر باب سخائه صلى الله عليه وسلم بعد باب جوده تفنن، وكأنه ذكر فى الباب الأول
إثبات صفة الجود، وفى الباب الآخر أمثلة لهذا الجود، وقال الحافظ ابن حجر: والسخاء بمعنى
الجود، وهو بذل ما يقتنى بغير عوض، وضده البخل، وهو منع ما يطلب مما يقتنى، وشره ما كان
طالبه مستحقا، ولاسيما إن كان من غير مال المسئول.
(ما سئل رسول اللّه# شيئا قط فقال: لا) فى رواية للبخارى ((ما سئل النبى ◌ُ عن
شيء قط فقال: لا)) قال الكرمانى: معناه ما طلب منه شيء من أمر الدنيا، فمنعه، قال الحافظ ابن
حجر: وليس المراد أنه يعطى ما يطلب منه جزما، بل المراد أنه لا ينطق بالرد، بل إن كان عنده
أعطاه، إن كان الإعطاء سائغا، وإلا سكت، فعند ابن سعد ((إذا سئل فأراد أن يفعل قال: نعم، وإذا لم
يرد أن يفعل سكت)) وهو قريب من حديث أبى هريرة، الماضى فى الأطعمة ((ما عاب طعاما قط، إن
اشتهاه أكله، وإلا تركه)».
وقال العزبن عبد السلام: معناه لم يقل: لا. منعا للعطاء، ولا يلزم من ذلك أن لا يقولها اعتذارا كما
فى قوله تعالى قلت ﴿لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢] ولا يخفى الفرق بين قوله ﴿لا أُجِدُ مَا
أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾، وبين لا أحملكم. اهـ وقول الفرزدق: ما قال: لا. قط إلا فى تشهده- أى فى قوله: أشهد
أن لا إله إلا الله - من مبالغات للشعراء.
قال الحافظ ابن حجر: وفهم بعضهم من لازم عدم قول ((لا)) إثبات ((نعم)) وليس كذلك. وسيأتى
مزيد لهذه المسألة فى فقه الحديث، عند الكلام على حكم البخل.
١٥١
( ما سئل رسول اللّه على الإسلام شيئا إلا أعطاه) أى ما سئل فى مقابل الإسلام
مالا إلا أعطاه، تأليفا لقلوب الضعفاء، الذين يهمهم المال فوق أى شيء، وقد كان يعلم - بعلم من اللَّه
- أن هذا الذى يعطى من أجل أن يسلم سيشرح الله صدره للإسلام بعد أن يسلم، وهذا معنى قول أنس
فى الرواية الثالثة ((إن كان الرجل ليسلم، ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه
من الدنيا وما عليها)) أى فما يلبث بعد إسلامه إلا يسيراً، حتى يكون الإسلام أحب إليه، والمراد أنه
يظهر الإسلام أولا للدنيا، لا بقصد صحيح بقلبه، ثم من بركة النبى 348، ونور الإسلام، لا يلبث إلا قليلا،
وينشرح صدره بحقيقة الإيمان، ويتمكن من قلبه، فيكون حينئذ أحب إليه من الدنيا وما فيها،
قال النووى: هكذا هو فى معظم النسخ (فما يسلم» وفى بعضها ((فما يمسى)) وكلاهما صحيح. اهـ
وتصديقا لهذا يصرح صفوان - فى الرواية الرابعة - بأن إعطاء رسول اللّه * له، بدأ ومحمد
أبغض الناس إليه، ولم ينته حتى كان محمد أحب الناس إليه .
( فجاءه رجل، فأعطاه عنما بين جبلين ) أى فجاءه رجل ليسلم فى مقابل غنم، فأعطاه
غنما كثيراً، تشغل وتملأ ما بين جبلين، فالكلام كناية عن الكثرة، وفى الرواية الثالثة ((أن رجلا سأل
النبى غنما بين جبلين، فأعطاه إياه)» كان الظاهر أن يقول ((إياها)» لأن الغنم اسم مؤنث، موضوع
للجنس يقع على الذكور، وعلى الإناث، وعليهما جميعا، فإذا صغرتها أدخلت الهاء، فقلت: غنيمة، لأن
أسماء الجموع التى لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير الآدميين، فالتأنيث لها لازم، يقال: له
خمس من الغنم ذكور، فيؤنث العدد، وإن قصدت الكباش، إذا كان يليه ((من الغنم)) لأن العدد يجرى
فى تذكيره وتأنيثه على اللفظ، لا على المعنى، والإبل كالغنم فى جميع ما ذكر، كذا فى لسان العرب،
فتذكير الضمير فى الحديث باعتباره قطيعا، فالغنم القطيع من العنز والضأن.
( فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم، أسلموا، فإن محمدًا يعطى عطاء، لا يخشى
الفاقة) فى الرواية الثالثة ((فأتى قومه، فقال: أى قوم. أسلموا، فوالله. إن محمداً ليعطى عطاء، ما
يخاف الفقر)».
( وأعطى رسول اللّه يومئذ صفوان بن أمية .... ) كانت غنيمة حنين أربعة وعشرين
ألفاً من الإبل، وأربعين ألفا من الغنم، وكان صفوان بن أمية ممن خرج إلى حنين وهو لم يسلم بعد،
وأعطاه رسول اللَّه ﴿ من الفيء تأليفا لقلبه، ليسلم، كما أعطى بعض كبراء قريش، قريبى عهد بكفر،
فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة، وأعطى عيينة بن حصن مائة، وأعطى مالك بن عوف مائة، وأعطى
الأقرع بن حابس مائة، وأعطى علقمة بن علاثة مائة وأعطى العباس بن مرداس مائة.
وصفوان بن أمية بن خلف. قتل أبوه يوم بدر كافراً، قالوا: إنه هرب يوم فتح مكة،
وأسلمت امرأته، فأخذ له ابن عمه أمانا من النبى ®، فحضر، وحضر وقعة حنين قبل أن
يسلم، قال يوم حنين: لأن يرينى رجل من قريش أحب إلى من أن يرينى رجل من هوازن،
وكان صفوان أحد العشرة الذين انتهى إليهم شرف الجاهلية، ووصله لهم الإسلام من عشر
بطون، ونزل صفوان - بعد حنين - على العباس بالمدينة، ثم أذن له النبى ◌ُ 8 فى الرجوع
إلى مكة، فأقام بها، حتى مات بها، مقتل عثمان #
٠ ١٥٢
( لوقد جاءنا مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا، وقال بيديه جميعا )
أى وأشار بكفيه، وهو يقول: هكذا، والمقصود من مال البحرين مال الجزية، فقد كان رسول اللّه ◌ُ ﴾.
قد صالح أهل البحرين، وأمر عليهم العلاء بن الحضرمى، وكان من أهل حضرموت، وكان ذلك سنة
الوفود، سنة تسع، وبعث صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح، فأتى بمال الجزية، فوزعه صلى
الله عليه وسلم، ثم وعد جابراً أن يعطيه من جزية العام القابل.
( فقبض رسول اللَّه﴿ قبل أن يجيء مال البحرين ) الموعود به.
(فقدم على أبى بكر بعده) أى فقدم مال البحرين على أبى بكر، بعد وفاة رسول اللّهِ﴾، من
أميرها العلاء بن الحضرمى.
( فأمر مناديا فنادى: من كانت له على النبى 8# عدة أو دين فليأت ) العدة الوعد، وفى
الرواية السادسة ((من كان له على النبى{ دين، أو كانت له قبله)) بكسر القاف وفتح الباء، أى
جهته ((عدة فليأتنا)».
( فقمت فقلت ... إلخ ) أى قال جابر: فذهبت إلى أبى بكر، فقلت له كذا وكذا.
( فحثى أبوبكر مرة ) أى حثوه، يقال: حثا التراب يحثوه، حثوا، وحتى التراب يحثيه حثيا،
والحثوة والحثية الغرفة والحفنة.
( خذ مثليها ) عدا، لا حفنا وحثيا، فيكون مجموع ما أعطى جابر ألف وخمسمائة، وفى رواية
للبخارى ((قال جابر: فعد فى يدى خمسمائة، ثم خمسمائة، ثم خمسمائة)).
فقه الحديث
ويؤخذ من أحاديث الباب
١- جود النبى ₪ وسخاؤه، وعدم رده للسائل، قال الحافظ ابن حجر: لكن يشكل عليه أن فى حديث
الأشعرى، لما سأل الأشعريون الحملان، قال النبى ₪ ((والله لا أحملكم)) قال: فيمكن أن يخص
من عموم حديث جابر، بما إذا سئل ما ليس عنده، والسائل يتحقق أنه ليس عنده ذلك، أو حيث
كان المقام لا يقتضى الاقتصار على السكوت، من الحالة الواقعة، أو من حال السائل، كان يكون
لم يعرف العادة، فلواقتصر فى جوابه على السكوت، مع حاجة السائل، لتمادى على السؤال مثلا،
ويكون القسم على ذلك تأكيدا لقطع طمع السائل.
٢- استنبط بعضهم من الحديث تحريم البخل، لأنه من لازم عدم قول لا: إثبات نعم، ومن القواعد أنه
صلى الله عليه وسلم إذا واظب على شيء، أن ذلك علامة وجوبه، فواظب على قول نعم، أو على
عدم ((لا)) فالبخل حرام، لكن هذا الاستنباط لا يتم، لأن الذى يحرم من البخل ما يمنع الواجب،
ولو سلمنا أنه يدل على الوجوب، فلنا أن نقول: إنه يختص بالنبى ﴾، والتحقيق أن من البخل
ما يحرم، ومنه ما يكره، ومنه ما يباح بل منه ما يستحب، بل ما قد يجب. والله أعلم.
١٥٣
٣- ومن الرواية الثانية والثالثة والرابعة إعطاء المؤلفة قلوبهم، وقد سبق، قال النووى: ولا خلاف فى
إعطاء مؤلفة المسلمين، لكن هل يعطون من الزكاة؟ فيه خلاف، والأصح عندنا أنهم يعطون من
الزكاة، ومن بيت المال، والثانى: لا يعطون من الزكاة، بل من بيت المال خاصة، أما مؤلفة الكفار
فلا يعطون من الزكاة، وفى إعطائهم من غيره خلاف، الأصح عندنا لا يعطون، لأن اللَّه تعالى قد
أعز الإسلام عن التألف، بخلاف أول الأمر، ووقت قلة المسلمين.
٤- ومن الرواية الخامسة أخذ البخارى أن من تكفل عن ميت دينا، فليس له أن يرجع عن الكفالة،
وقد استقر الحق فى ذمته، وذلك أن أبا بكر لما قام مقام النبى * تكفل لما كان عليه، من واجب
أو تطوع، فلما التزم ذلك لزمه أن يوفى جميع ما عليه من دين أو عدة، وكان صلى اللّه عليه وسلم
يحب الوفاء بالوعد، فنفذ أبو بكر ذلك.
وقد عد بعض الشافعية من خصائصه صلى اللّه عليه وسلم وجوب الوفاء بالوعد، أخذاً من هذا
الحديث، قال المهلب: إنجاز الوعد مأمور به، مندوب إليه عند الجميع، وليس بفرض. وقال ابن
عبد البر: أجل من قال بوجوبه عمر بن عبد العزيز، وعن بعض المالكية إن ارتبط الوعد بسبب،
وجب الوفاء به، وإلا فلا، فمن قال لآخر: تزوج ولك كذا، فتزوج لذلك وجب الوفاء به، وخرج بعضهم
الخلاف على أن الهبة هل تملك، بالقبض، أو قبله؟
٦ - وفيه قبول خبر الواحد المعدل من الصحابة، ولوجر ذلك نفعا لنفسه، لأن أبا بكرلم يطلب من
جابر شاهداً على صحة دعواه.
٧- قد يستدل به على جواز حكم الحاكم بعلمه، على احتمال أن أبا بكركان يعلم هذه العدة،
فحكم بعلمه.
٨- وفيه فضيلة عظمى لأبى بكر، لتحمله ما تحمل صلى الله عليه وسلم، ووفائه بالوعد الذى وعده صلى
الله عليه وسلم.
والله أعلم
١٥٤
(٦١٤) باب رحمته صلى الله عليه وسلم الصبيان والعيال،
وتواضعه وفضل ذلك
٥٢٥٠- ٦٣ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(٦٢) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ،﴿ وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ غُلَامٌ فَسَمَّيْتُهُ
بِسْمٍ أَبِي إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى أُمِّ سَيْفِ امْرَأَةٍ قَيْنِ يُقَالُ لَهُ أَبُو سَيْفٍ فَانْطَلَقَ يَأْتِيهِ وَالْبَعْتُهُ
فَانْتَهَيْنَا إِلَى أَبِي سَيْفٍ وَهُوَ يَنْفُخُ بِكِيرِهِ قَدِ امْتَلأَ الْبَيْتُ دُخَانًا فَأَسْرَعْتُ الْمَشْيَ بَيْنَ يَدَيْ
رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَقُلْتُ يَا أَبَا سَيْفٍ أَمْسِكْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ فَأَمْسَكَ فَدَعَا النَّبِيُّ وَهُ بِالصَّبِيِّ
فَضَمَّهُ إِلَيْهِ وَقَالَ مّا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ فَقَالَ أَنَسٌ لَقَدْ رَأَيْتُهُ وَهُوَ يَكِيدُ بِنَفْسِهِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ
اللَّهِ ﴿ فَدَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ فَقَالَ تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ وَلا تَقُولُ إِلا مَا يَرْضَى
رَبُّنَا وَاللَّهِ يَا إِنْرَاهِيمُ إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ.
٥٢٥١- ٣ٍّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(٦٣) قَالَ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِن
رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ قَالَ كَانُ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضِعًا لَهُ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ فَكَانَ يَنْطَلِقُ
وَنَحْنُ مَعَهُ فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ وَإِنْهُ لَيُدَّخَنُ وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ قَالَ
عَمْرُو فَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ايْنِي وَإِنْهُ مَاتَ فِي الثَّدْيِ
وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ تُكَمِّلانِ رَضَاعَةُ فِي الْجَنَّةِ.
٥٢٥٢- خُبٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٦٤) قَالَتْ قَدِمَ نَاسٌ مِنَ الأَعْرَابِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ
﴿ فَقَالُوا أَنْقَبِّلُونُ صِبْيَانَكُمْ فَقَالُوا نَعَمْ فَقَالُوا لَكِنَّا وَاللَّهِ مَا تُقَبِّلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ وَأَمْلِكُ
إِن كَانَ اللَّهُ نَزَعَ مِنْكُمُ الرَّحْمَةَ وقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ مِن قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ.
٥٢٥٣- °ٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(٢٥) أَنَّ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ أَبْصَرَ النَّبِيِّلَ يُقَبِّلُ
(٦٢) حَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ كِلَاهُمَا عَنِ سُلَيْمَانُ وَاللَّفْظُ لِشَيْبَانَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ حَدَّثَا ثَّابِتٌ الْنَانِيُّ
عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
(٦٣) حَدَّثَنَاَزُهَيَّرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ تُمَيْرٍ وَاللَّفْظُ لِرُهَيْرٍ قَالَا حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ عَن أَيُّوبَ عَنْ عَمْرٍو
ابْنِ سَعِيدٍ عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
(٤ ٦) خَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنَّ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ نُمَيْرِ عَنِ هِشَامٍ عَن أَبِهِ عَنِ عَائِشَةً
(٦٥) وحَدَّثَنِي عَمْرٌوَ النَّاقِّدُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ جَمِيعًا عَنِ سُفْيَانَ قَالَ عَمْرٌو حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَن أَبِي سَلَمَةَ عَن
أَبِي هُرَيْرَةَ
- حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ أَخْبُرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً عَنِ النّبِيِّ ◌َ﴾ٌ بِمِثْلِهِ
١٥٥
الْحَسَنَ فَقَالَ إِنَّ لِي عَشْرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ إِنَّهُ
مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ.
٥٢٥٤- ٢٥٦ْ عَن جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (٦٦) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ مَنْ لا يَرْحَمِ النَّاسَ لا
يَرْحَمْهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
المعنى العام
أنجب صلى الله عليه وسلم من خديجة رضى الله عنها سبعة، ثلاثة ذكور، وأربع إناث، أما الذكور
فهم القاسم، وبه كان يكنى، والطاهر والطيب، وقيل: إن الطاهر هو الطيب، وأما الإناث فهن فاطمة
وزينب ورقية وأم كلثوم، وقد مات الذكور صغارا بمكة فى عهد أمهم، ومات الإناث كلهن قبله، إلا
فاطمة، التى عاشت بعده ستة أشهر، ولما أهديت إليه مارية القبطية أسكنها عوالى المدينة
وضواحيها بعيدة عن نسائه، ولم يقسم لها، بل كان يأتيها بدون قسم، فهى مملوكة، وشاء اللَّه أن لا تلد
له امرأة من التسع، مع أن بعضهن كانت ولوداً عند غيره، وشاء الله أن تلد الأمة ولداً، قبل وفاته صلى
الله عليه وسلم بعامين، وكأى بشر كبير السن، ليس له ولد حى، فرح بالولد الجديد، فرحا كفرح زكريا
بيحيى، أو كفرح إبراهيم بإسماعيل، وفى أول ليلة بشربه سماه إبراهيم، واختار له مرضعة بجوار
سكن أمه، وكانت المرضعة زوجة حداد، يملأ بيته دائما بالدخان، ونفخ الكير، وأخذ رسول الله قال:
يزورابنه هذا بين الحين والحين، فيأخذه، فيشمه ويضمه ويقبله، ثم يسلمه لمرضعته، ويعود إلى
المدينة، وكثيراً ما كان يأخذ معه أنس بن مالك خادمه، أو بعض الصحابة كعبد الرحمن بن عوف.
وشاء القدر أن لا تطول فرحة الأب بابنه، فقد مرض الطفل وعمره ثمانية عشر شهرا، وشق
على الوالد مرض ولده، فذهب إليه وهو يحتضر، فأخذه وضمه وشمه وقبله، ونفسه فى حشرجة الموت،
يعلو فى صدره وينخفض، إن قلب الأب يتقطع، فهو بشر، ولا يملك لفلذة كبده شيئا، وهو أرحم الناس
بالناس، فكيف بابنه الوليد، لقد سقطت دمعتان من عينيه أمام أصحابه، وكان عبد الرحمن بن عوف
قد سمعه ينهى عن البكاء عند الميت، فقال له: رسول اللَّه. ما هذا الذى أرى؟ أنت تبكى؟ وكنت
تنهى عن البكاء؟ فأتبع رسول اللّه* الدمعتين بدمعتين أخريين، وقال: إنما هذه رحمة، وشفقة، لا
سخط ولا اعتراض على قدر، لكنه حزن الإنسان، الذى لا يملك دفعه أو كتمانه، وحزنى على موت
(٦٦) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرِ حٍ وَ حَدَّثَنَا إِسْحَقُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالا أَخْبُرَنَا
عِيسَى بْنُ يُونُسَ ح وحَدََّا أَبُو كُرَيِّبٍ مُحْمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّنَا أَبُو مُعَاوِيَّةً ح وَحَدَّثَنَاَ أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ حَدَّثَنَاْ حَفْصٌ يَعْنِي
ابْنَ غِيَاثٍ كُلَّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ عِنْ زَيْدٍ بْنِ وَهْبٍ وَأَبِيٍ ظَنْيَانَ عَنِ جَرِيرٍ بَّنِ عَبْدِ اللّهِ
- وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بَّنُ أَبِي شَيََّةً حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ عَنَ إِسْمَعِيلَ عَنْ قَيْسِ عَن جَرِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ* ح وحَدَّثَنَا أَبُو
بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَابْنُ أَّبِي عُمَرَ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ قَالُوا حَدَّثَنَا سُّفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَن نَاقِعٍ بْنِ جُبِّيْرٍ عَنَ جَرِيرٍ عَنِ الْبِيِّ ﴾
بِمِثْلٍ حَدِيثِ الأَعْمَشِ
١٥٦
إبراهيم شديد، وعاش صلى الله عليه وسلم بعده ثلاثة أشهر، وكان صلى الله عليه وسلم عطوفا رحيما
بالأطفال، لدرجة تلفت النظر، فى البيئة العربية، يصحب معه فى المسجد أمامة بنت أبى العاص،
ابنة ابنته زينب، تقام الصلاة، فيحملها ويقف، ويقرأ فإذا ركع وضعها على أرض المسجد، يخشى
عليها أن تقع منه عند الركوع، ويسجد بجوارها، فإذا قام للركعة الثانية حملها، وهكذا حتى يكمل
صلاته، وابنة ابنته على كتفه وصدره، وأمام الوفود، وأكابر القوم يقبل الحسن والحسين، ابنى فاطمة،
فيعجب الكبراء ويقولون: أهكذا تقبلون أطفالكم؟ فيقول: نعم، فيقول أحدهم: إن لى عشرة من
الأبناء، ما قبلت واحداً منهم، فيقول صلى الله عليه وسلم: وماذا أفعل؟ وما ذنبى، إذا كان الله قد نزع
من قلوبكم الرحمة؟ أما نحن فقد غرس اللَّه الرحمة فى قلوبنا، صلى الله عليه وسلم.
المباحث العربية
( ولد لى الليلة غلام، فسميته باسم أبى إبراهيم ) وكان إبراهيم من مارية القبطية، قال
الحافظ ابن حجر: على أنه ولد فى ذى الحجة، سنة ثمان.
( ثم دفعه إلى أم سيف امرأة قين، يقال له: أبو سيف ) فى الكلام مجاز المشارفة، أى
أراد أن يدفعه إلى مرضعة، تسمى أم سيف، وزوجها يقال له: أبو سيف، وكان حدادا، ينفخ للحديد
فى كير، والقين بفتح القاف، وسكون الياء بعدها نون، هو الحداد، ويطلق على كل صانع، ولكن المراد
هنا الحداد، وأم سيف اسمها أم بردة خولة بنت المنذر، من بنى عدى بن النجار، وعند ابن سعد فى
الطبقات ((لما ولد إبراهيم للنبى * تنفاست فيه نساء الأنصار، أيتهن ترضعه؟ فدفعه صلى الله عليه
وسلم إلى أم بردة)).
( فانطلق يأتيه، واتبعته) الظاهر أن جارية حملته، وسارت مع رسول اللَّه ◌َ﴿ ومعهما أنس
ابن مالك.
( فانتهيا إلى أبى سيف ) أى قربنا من بيت أبى سيف.
( وهو ينفخ بكيره، قد امتلأ البيت دخانا ) هكذا رأوه قبل أن يدخلوا.
( فأسرعت المشى بين يدى رسول اللَّه ◌َ﴿) لأوقف أبا سيف عن العمل، ليخف الدخان،
حتى يدخل رسول اللّه ◌ُ ﴾.
( فقلت: يا أبا سيف، أمسك ) عن نفخ الكير، وإثارة الدخان.
( فدعا النبى # بالصبى ) من حاملته.
( فضمه إليه ) أى سلمه لأبى سفيان، لترضعه أم سيف، وليبقى فى بيتها مدة إرضاعه.
وفى الرواية الثانية ((كان إبراهيم مسترضعا له فى عوالى المدينة)) وهى قرى على مشارف
المدينة، وكانت مارية تسكنها ((فكان ينطلق)) صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى هذه العوالى بين
الحين والحين، ليرى ابنه ((ونحن معه، فيدخل البيت، وإنه ليدخن، وكان ظئره قينا)) أى وكان زوج
١٥٧
المرأة التى ترضعه حدادا، والظئر بكسر الظاء وسكون الهمزة بعدها راء هو المرضع، وأطلق عليه ذلك
لأنه كان زوج المرضعة، وأصل الظئر من ظأرت الناقة، إذا عطفت على غير ولدها، فقيل ذلك للتى
ترضع غير ولدها، وأطلق ذلك على زوجها، لأنه يشاركها فى تربيته غالبا، فلفظة ((الظئر)» تطلق على
الأنثى والذكر ((فيأخذه، فيقبله، ثم يرجع)) إلى المدينة.
( قال أنس: لقد رأيته - أى رأيت إبراهيم - وهو يكيد بنفسه، بين يدى رسول الله
(#) فى رواية للبخارى ((قال أنس: ثم دخلنا عليه بعد ذلك، وإبراهيم يجود بنفسه)) أى يموت، أى
يخرج نفسه، ويدفعها، كما يدفع الإنسان ماله، ومعنى ((وهو يكيد بنفسه)) أى يسوقها.
(فدمعت عينا رسول اللَّه ) فى رواية للبخارى ((فجعلت عينا رسول اللّهِ ﴾ ﴿ تذرفان)) أى
يجرى دمعهما،. وعند البخارى ((فقال له عبد الرحمن بن عوف رض ه: وأنت يارسول الله؟ ((أى الناس
لا يصبرون على المصيبة، وأنت تفعل كفعلهم؟ كأنه تعجب من ذلك، مع عهده منه أنه يحث على
الصبر، وينهى عن الجزع.
(فقال: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا والله - يا إبراهيم -
إنا بك لمحزونون) ((ما يرضى)) بفتح الياء وسكون الراء وفتح الضاد، و((ما)» موصولة، والعائد
مفعول ((يرضى)) محذوف، أى ما يرضاه ربنا وفى رواية للبخارى ((فقال يا ابن عوف. إنها رحمة - أى
الحالة التى شاهدتها منى هى رقة القلب على الولد، لا ما توهمته من الجزع - "أى أتبع الدمعة الأولى
بدمعة أخرى)) وقيل: أتبع الكلمة الأولى المجملة، وهى قوله ((إنها رحمة)) بكلمة أخرى مفصلة، وهى
قوله ((إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون))
وفى رواية ((قال عبد الرحمن ابن عوف: تبكى يا رسول الله؟ أولم تنه عن البكاء؟ وزاد فيها)) قال
صلى الله عليه وسلم: إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين. صوت عند نغمة لهو، ولعب ومزامير
الشيطان، وصوت عند مصيبة، خمشة وجوه، وشق جيبوب، ورنة شيطان)) قال: إنما هذا رحمة، ومن
لايرحم لا يرحم)) وفى رواية ((إنما أنا بشر)) وفى رواية ((أنهى الناس عن النياحة، أن يندب الرجل بما
ليس فيه)) وفى رواية ((ولانقول ما يسخط الرب)) فى رواية ((لولا أنه أمرحق، ووعد صدق، وسبيل
نأتيه، وإن آخرنا سيلحق بأولنا، لحزنا عليك حزنا هو أشد من هذا )».
( فيدخل البيت وإنه ليدخن ) بضم الياء وتشديد الدال المفتوحة وفتح الخاء، يقال: ادخنت
النار البيت، بهمزة وصل وتشديد الدال المفتوحة وفتح الخاء والنون أى ملأته دخانا.
( إن إبراهيم ابنى، وإنه مات فى الثدى، وإن له لظئرين، تكملان رضاعه فى الجنة)
مات إبراهيم وهو ابن ثمانية عشر شهراً، وجزم الواقدى بأنه مات يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون من
شهر ربيع الأول سنة عشر، وقال ابن حزم: مات قبل النبى ® بثلاثة أشهر، ومعنى («وإنه مات فى
الثدى)) أى فى سن رضاع الثدى، أو فى حال تغذيه بلبن الثدى، ومعنى ((وإن له لظئرين تكملان رضاعه
فى الجنة)) أى إن له مرضعتين تتمان رضاعه سنتين، فإنه تمام الرضاعة بنص القرآن، قال صاحب
التحرير: وهذا الإتمام لإرضاع إبراهيم طه يكون عقب موته، فيدخل الجنة، متصلا بموته، فيتم
رضاعه، كرامة له ولأبيه صلى الله عليه وسلم.
١٥٨
( قدم ناس من الأعراب على رسول اللَّه ﴿، فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ فقالوا: نعم.
فقالوا: لكنا - والله - ما نقبل) وفى الرواية الرابعة ((أن الأقرع بن حابس أبصر النبى ◌ُ * يقبل
الحسن، فقال: إن لى عشرة من الولد، ما قبلت واحدا منهم)) وعند البخارى ((قبل رسول اللّه ولد
الحسن بن على، وعنده الأقرع بن حابس التميمى جالساً، فقال الأقرع: إن لى عشرة من الولد، ما قبلت
منهم واحداً)) وفى رواية للبخارى ((جاء أعرابى إلى النبى {®، فقال: تقبلون الصبيان؟ فما نقبلهم))
قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون المراد بالأعرابى الأقرع المذكور فى الحديث الذى قبله،
ويحتمل أن يكون المراد به قيس ابن عاصم التميمى السعدى، فقد أخرج أبو الفرج الأصبهانى فى
الأغانى ما يشعر بذلك، ووقع نحو ذلك لعيينه بن حصن بن حذيفة الفزارى، أخرجه أبو يعلى فى
مسنده بسند رجاله ثقات، ويحتمل أن يكون قد وقع ذلك لجميعهم - فرادى أو مجتمعين - فقد روى
مسلم ((قدم ناس من الأعراب، فقالوا .... "
( وأملك؟ إن كان اللَّه نزع منكم الرحمة ) الكلام على الاستفهام الإنكارى، بمعنى النفى،
وحذفت أداة الاستفهام، وأصلها: أو أملك؟ بفتح الواو والهمزة الأولى، كما هى فى رواية البخارى، أى
ماذا أملك لك؟ أى لا أملك لك شيئا، وقد نزع الله الرحمة من قلبك، أى لا أقدر أن أجعل الرحمة تملأ
قلبك، بعد أن نزعها الله منه، وفى رواية ((وما أملك))؟ وفى رواية ((ما ذنبى إن كان .. ))؟ وفى روايتنا
((إن كان اللَّه نزع منكم الرحمة)) بكسر همزة ((إن)) وهى أداة شرط، وما بعدها فعل الشرط، وجوابه
محذوف، دل عليه ما قبله، أى إن كان اللَّه قد نزع منكم الرحمة فلا أملك لكم شيئا.
وفى رواية للبخارى ((أن نزع اللَّه من قلبك الرحمة)) بفتح همزة ((أن)) مصدرية،
والمصدر مفعول ((أملك)).
(من لا يرحم لا يرحم) وفى الرواية الخامسة ((من لا يرحم الناس لا يرحمه الله عزوجل "قال
القاضى عياض: هو الأكثر بالرفع فيهما على الخبر، فمن موصولة، وقال أبو البقاء: يجوز أن تكون
شرطية، فيقرأ بالجزم فيهما، قال السهيلى: جعله على الخبر أشبه بسياق الكلام، لأنه سيق للرد على
من قال: إن لى عشرة من الولد ... إلخ)) أى الذى يفعل هذا لا يرحم، ولو كانت شرطية لكان فى الكلام
بعض انقطاع، لأن الشرط وجوايه كلام مستأنف، قال الحافظ ابن حجر: لكن الشرط أولى من جهة
أخرى، لأنه يصير من نوع ضرب المثل، ورجح بعضهم كونها موصولة، لكون الشرط إذا أعقبه نفى
ينفى غالبا بلم، قال الحافظ: وهذا لا يقتضى ترجيحا إذا كان المقام لائقا لكونها شرطية.
فقه الحديث
يؤخذ من أحاديث الباب
١- من الرواية الأولى جواز تسمية المولوديوم ولادته.
٢- وجواز التسمية بأسماء الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام.
٣- ومن الأولى والثانية استتباع العالم الكبير بعض أصحابه، إذا ذهب إلى منزل قوم ونحوه.
١٥٩
٤- من قول أنس ((واتبعته)) الأدب مع الكبار.
٥- ومن قوله فى الرواية الثانية («فيأخذه فيقبله» مشروعية تقبيل الأطفال الرضع.
٦ - ومن الروايتين مشروعية الرضاع بغير الأم.
٧- وعيادة الصغير.
٨- والحضور عند المحتضر.
٩- والرحمة بالعيال.
١٠ - قال ابن بطال وغيره: هذا الحديث يفسر البكاء المباح، والحزن الجائز، وهو أبين شيء وقع فى
هذا المعنى.
١١ - وفيه جواز الإخبار عن الحزن، وإن كان الكتمان أولى.
١٢- ومن مخاطبة الرسول ﴾ ولده، مع أنه فى تلك الحالة لم يكن ممن يفهم الخطاب، لصغره
واحتضاره مخاطبة الإنسان وإرادة غيره بذلك الخطاب.
١٣ - قال بعضهم: فيه دليل على تقبيل الميت، ورده ابن التين بأن القصة إنما وقعت قبل الموت.
١٤ - وفيه فضيلة وخاصة لإبراهيم طه، لتكملة إرضاعه فى الجنة بمرضعتين.
١٥- ومن الرواية الثالثة وما بعدها جواز تقبيل الولد الصغير فى كل عضو منه، قال ابن بطال: كذا
الكبير عند أكثر العلماء، ما لم يكن عورة، فقد ثبت أن النبى # كان يقبل فاطمة، وكذا كان أبو
بكر يقبل عائشة رضى الله عنهم.
١٦- قال الحافظ ابن حجر: وفى جواب النبى # للأقرع إشارة إلى أن تقبيل الولد وغيره من الأهل
والمحارم وغيرهم من الأجانب إنما يكون للشفقة والرحمة، لا للذة والشهوة، وكذا الضم والشمة
والمعانقة اھـ
أى إن كان للشفقة والرحمة جاز، وإلا منع.
واللَّه أعلم
١٦٠