Indexed OCR Text

Pages 581-600

قبل الأسماء كلها، فجاع وشبع، وعطش وشرب، وطهى طعامه على النار، والتقط فواكه من ثمار
الشجر، ومرض فعالج نفسه بما يتسر له، وما ألهمه من نبات الأرض، وتبعه أبناؤه، يعتمدون على
التجارب كثيرا، ويلهمون سبل الحياة أحيانا، وتتعلم الأجيال اللاحقة من الأجيال السابقة، ويترقى
كل جيل على من سبقه بالعلم والخبرة، ويبنى حضارة فوق حضارة، ويتغلب على مصاعب الحياة
بأسلوب بعد أسلوب، حتى يصل إلى درجة عليا من العلم والطب والفن فى بعض المناطق، كالفراعنة
فى مصر، والحضارات القديمة فى الصين والهند ومأرب وغيرها.
لكن إرادة الله شاءت لأهل الأرض أطوارا، كحياة الإنسان نفسه، ضعف، ثم من بعد ضعف قوة، ثم
من بعد قوة ضعفاً وشيبة، قامت الحضارات ثم ضعفت، ثم اندثرت، وجاء الإسلام فى بيئة لم تشهد
الحضارة منذ زمن بعيد، فكان طعام وشراب ولباس ومسكن وأمراض وأدوية هذه البيئة فى صورة
بدائية، بدوية، كانت الأمراض المعهودة ضغط الدم وفورانه، فعالجوه بشرطة محجم، تشق الجلد،
فيسيل بعض الدم، فى أى جزء من أجزاء الجسم، أو بفصد عرق لينزل منه قدر من الدم، ثم يحبس
بتراب حصير محروق، أو بطحين بُن محروق أو بتسخين حديدة على النار، ثم يكوى بها مكان القطع،
فيتوقف الدم. وكان من الأمراض المنتشرة الإسهال وآلام البطن، وعسر الهضم، فعالجوه بشرب
العسل، وكان منها ذات الجنب والمغص الناشئ عن تجميع الغازات وعدم انصرافها، فعالجوه
بالحبة السوداء أو الكمون أو الينسون، يغلى فيشرب ماؤه المنقوع، وكانت الجروح نتيجة المعارك
وغيرها، تورم وتفسد، والدمل يخرج فى الجسم ويتكاثر، فعالجوها بالرقى وبعض العقاقير وبالماء، و
كان المريض كأى مريض يكره الدواء، ولا يستسيغه، كان يلد، يفتح فمه، على الرغم منه، ثم يصب
الدواء المر أو الحامض فى جانب من حلقه، ثم يدفع إلى الداخل بالملعقة أو الإصبع، فيبتلعه رغم
أنفه، وكان مرضى التهاب الحلق واللوز، المعروف باسم الإنفلونزا، تتورم اللهاة، وتنقيح الغدة،
ونلتهب وتحتقن فتحة الحلق، وتسد مداخل الأنف بالبلغم، فعالجوه بالسعوط، وإدخال الدواء من
فتحتى الأنف إلى الحلق، وكانت العين والحسد والسموم والسحر، وعولجت بالرقى وغيرها، وسبقت
فى الباب السابق، وكانت الطيرة والطاعون والكهانة والعدوى والجذام، وسيأتى الكلام عنها فى
الأبواب اللاحقة.
أمراض فى بيئة، علاجها المتوارث من البيئة، فما نصيب الرسالة المحمدية فى هذه التركة؟ إن
محمداً : هو المستشار الوحيد فيما وما يجد، وقوله فصل لا مرد له، حتى فى أمورهم الخاصة، عملا
بقوله تعالى ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا
قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٢٥] إن رؤياه وحى، وإلهامه وحى، وجبريل ينزل بين الحين
والحين، وقد أوحى إليه أن الشاة التى مد يده إليها مسمومة، فرفع يده عنها، وأمر أصحابه بعدم
تناولها، فهل يتصور أن يصف لمريض دواء يضره فلا يوحى إليه بدفع الضرر عن الناس الذين أشار
عليهم به؟ لقد قال لهم: ((إن اللَّه أنزل لكل داء دواء، فتداووا، أيها الناس، ولا تتداووا بمحرم» وقال
لهم: ((إن كان فى أدويتكم خير - وشفاء - ففى شرطة محجم أو شربة عسل، أو لذعة بنار)» وأمر
الحجام أن يحجم زوجته أم سلمة رضى الله عنها، وأمر أحد أصحابه أن يكوى جريحا، وقام بنفسه
بكى أحد الصحابة، وقال ((الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء)) وقال: ((عليكم بالعود الهندى، فإن
٥٨١

فيه سبعة أشفية، منها ذات الجنب، ويسعط به من العذرة، ويلد من ذات الجنب)) وقال: ((ما من داء
إلا فى الحبة السوداء منه شفاء)) وقال لأخى الرجل المبطون: اسقه عسلا. ثلاث مرات، ثم قال له
((صدق اللَّه وكذب بطن أخيك)).
لا يشك مؤمن فى صدقه صلى الله عليه وسلم فيما قال، ولا يتصور مسلم أن يأمر صلى الله عليه
وسلم بأمر به ضرر للأمة، ولا يتصور مسلم أن ينزل جبريل، فيقر خطأً محمد # فيما أمر به الناس،
ولكنها الأدوية المتاحة للأمراض الحاصلة، وما كان لينتظر بالمرض حتى تتطور العقاقير وأساليب
العلاج، والرقى بالعمليات الجراحية، وإن ظروف الحكم وملابساته جزء من الحكم، لا تفترق عنه، ولو
أننا اليوم - ومع هذا التطور - لو حكمت علينا الظروف بما حكمت على محمد { وأصحابه لتداوينا
بمثل دوائهم، ولا تقاس ظروف يسيرة على ظروف عسيرة، ولا يطعن اليوم على دواء كان هو المتاح
بالأمس بحجة أنه لا يصلح اليوم، وإنما يسأل: هل كان هناك بالأمس أصلح مما وصف فلم يوصف؟
وهل حصل مما وصف ضرر كان بالإمكان تجنبه؟
نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وهو الصادق الأمين.
· المباحث العربية
(لكل داء دواء) الدواء بفتح الدال ممدود، وحكى جماعة فيه لغة بكسر الدال، قال القاضى: هى
لغة الكلاميين، وهى شاذة.
والداء خروج الجسم عن المجرى الطبيعى، والمداواة رده إليه، وحفظ الصحة بقاؤه عليه، بإصلاح
الأغذية والبعد عن أسباب المرض، ورده يكون بالموافق من الأدوية.
وهذا التعميم فى ((لكل داء دواء)) باق على عمومه، ولا يقال: نجد كثيرين من المرضى يداوون، فلا
يبرءون، فإنما ذلك لفقد العلم بحقيقة المداواة، لا لفقد الدواء، فدواء كل مرض موجود، لكنه قد يدق،
ويخفى على الأطباء.
(فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن اللَّه) أى إذا أصاب الدواء الداء نوعا وكيفية وكمية وزمانا
برأ الداء، ويحتمل برأ المريض، وهو وإن لم يسبق له ذكر، لكن دل عليه الداء والدواء، وفاعل الإصابة هو
اللّه تعالى أى إذا جعل الله الدواء مصيبا الداء برأ بإذن الله وإرادته وتقديره، وما الدواء إلا سبب.
وفى البخارى ((ما أنزل اللَّه داء إلا أنزل له شفاء)) والمراد إنزال علم الشفاء للبشرية فى الأرض،
لكن يعلمه من يعلمه، ويجهله من يجهله، فعند النسائى وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم ((ما
أنزل اللَّه داء، إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله)) وفى رواية زاد فى أوله ((يا أيها
الناس تداووا)) وعند أحمد ((إن الله حيث خلق الداء خلق الدواء فتداووا)) وعنده أيضا ((تداووا يا عباد
الله، فإن اللّه لم يضع داء، إلا وضع له شفاء، إلا داء واحدا الهرم)) أى ضعف الشيخوخة، ونقص
الصحة، فإن ذلك يقرب من الموت، ويفضى إليه، وفى رواية ((إلا السام)) والسام بتخفيف المبم
٥٨٢

الموت، أى المرض الذى قدر لصاحبه الموت منه، فلا دواء له، وفى رواية ((إن الله جعل لكل داء دواء،
فتداووا،، ولا تداووا بحرام».
(أنه عاد المقنع) بفتح القاف، ونشديد النون المفتوحة، وهو ابن سنان، تابعى، وفى الرواية
الثالثة ((جاءنا جابر بن عبد الله فى أهلنا)) أى فى بيتنا، يعود مريضاً ((ورجل)) من أهلنا («يشتكى
خراجا به، أو جراحا)) الخراج بضم الخاء وفتح الراء مخففة معروف ((فقال له: ما تشتكى؟ قال:
خراج بى، قد شق على)) أى صعب على تحمل ألمه ((فقال: يا غلام)) نادى خادم المقنع، وقال له
((ائتنى بحجام، فقال له)) المقنع ((ما تصنع بالحجام يا أبا عبد الله؟ قال: أريد أن أعلق فيه
محجما)) بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الجيم، وهو الآلة التى تجرح أو التى تمص الدم، والإناء الذى
يجمع فيه دم الحجامة، وضمير ((فيه)) للخراج.
(قال: والله إن الذباب ليصيبنى، أو يصيبنى الثوب، فيؤذينى، ويشق على)؟ أى
فكيف أتحمل حجامة فى هذا المكان؟
(ثم قال: لا أبرح حتى تحتجم، فإنى سمعت رسول اللَّه ◌َ ﴿ يقول: إن فيه شفاء) أى
فى الحجم شفاء، والحجم والحجامة بمعنى، وأصل الحجم المص، والمراد هنا شق الجلد، واستخراج
الدم بالمص، أما الفصد فهو قطع العرق، وقطع وريد ليسيل منه الدم، وفى الرواية الثالثة ((فلما رأى
تبرمه من ذلك)) أى تضجره وعدم رغبته فى الحجامة ((قال: إنى سمعت رسول اللَّه ﴿ يقول:))
(إن كان فى شيء من أدويتكم خير) أى شفاء.
(ففى شرطة محجم) بكسر الميم وفتح الجيم، أى شرطة آلة الحجامة، وهذا قياس
استثنائى متصل، حذفت منه الصغرى الاستثنائية، ومن المعلوم أن إثبات المقدم يلزمه
إثبات التالى، وصورته:
إن كان فى شيء من أدويتكم شفاء ففى شرطة محجم شفاء، لكن فى بعض أدويتكم شفاء إذن
فى شرطة محجم شفاء.
(أو شربة عسل) نحل، و((شربة)) بفتح الشين اسم مرة.
(أولذعة بنار) أى كى، واللذع بالذال والعين الخفيف من حرق النار، أما اللدغ بالدال والغين،
فهو الضرب أو العض من ذات السم،، والكى بالأشعة فى أيامنا يقوم مقام الحديدة المحمية فى النار،
آلة الكى آنذاك.
(وما أحب أن أكتوى) لما فى الكى من الألم الشديد، فيؤخر العلاج به، لذا قيل:
آخر الدواء الكى.
(فأمر أبا طيبة أن يحجمها) بفتح الطاء وسكون الياء.
٥٨٣

(قال: حسبت أنه قال: كان أخاها من الرضاعة، أوغلاما لم يحتلم) أى يقول
أبو الزبير الراوى عن جابر، أظن أن جابرا علل كشف الحجام لها بأنه كان أخاها من الرضاع، أو كان
صغيرا لم يحتلم، ويحتمل أن ذلك كان قبل نزول الحجاب.
(بعث رسول اللَّه: إلى أبي بن كعب طبيبا، فقطع منه عرقا، ثم كواه عليه) فى
الرواية السادسة («رمى أبى يوم الأحزاب على أكحله، فكواه رسول اللّه ((أى أمر الطبيب بكيه،
والمراد من الطبيب الحاذق فى أمور العلاج، حسب فهمهم وقدراتهم.
و((أبى)) فى الرواية السادسة بضم الهمزة وفتح الباء وتشديد الياء، قال النووى: وهكذا صوابه،
وكذا هو فى الروايات والنسخ، وهو أبى بن كعب، المذكور فى الرواية التى قبل هذه، وصحفه بعضهم
فقال: بفتح الهمزة وكسر الباء وتخفيف الياء، وهو غلط فاحش، لأن أبا جابر استشهد يوم أحد، قبل
الأحزاب بأكثر من سنة، قال: وأما الأكحل فهو عرق معروف، قال الخلبل: هو عرق الحياة، ويقال: هو
نهر الحياة، ففى كل عضو منه شعبة، وله فيها اسم منفرد، فإذا قطع فى اليد لم يرقأ الدم، وقال غيره:
هو عرق واحد، يقال له فى اليد: الأكحل، وفى الفخذ النسا، وفى الظهر الأبهر.اهـ. وفى المعجم
الوسيط: الأكحل وريد فى وسط الذراع، يفصد أو يحقن. اهـ والمعنى أن أبى بن كعب أصابته رماية
بسهم من المشركين فى وريد يده، فكتم الدم من غير نظافة، فذهب إلى الطبيب ففصد العرق من
جديد، ونظف الجرح وكواه، والكى يقطع سيلان الدم.
(رمى سعد بن معاذ فى أكحله) يوم الخندق، فأمر رسول الله أن يضرب له فسطاط فى
المسجد، وكان يعوده فى كل يوم، ومات من جرحه بعد شهر من الخندق، وبعد يوم واحد من بنى
قريظة، فقال صلى الله عليه وسلم ((اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ)).
يقال: («رمى على أكحله» كما فى الرواية السادسة، أى استعلى السهم وتمكن من العرق، ورمى
فى أكحله إذا قصد دخول السهم فى العرق.
(فحسمه النبى { بيده) أى فكواه، ليقطع دمه، والحسم فى الأصل القطع.
(بمشقص) أى بسهم ذى نصل عريض، حماه فى النار، ثم كواه به.
(ثم ورمت) أى الجراحة.
(فحسمه الثانية) أى فكواه المرة الثانية، وخرجٍ صلى الله عليه وسلم إلى بنى قريظة، وفى
رواية «فانتفخت يده، ونزفه الدم، فلما رأى ذلك قال: اللهم لا تخرج نفسى، حتى تقرعينى فى بنى
قريظة، فاستمسك عرقه، فما قطرت قطرة، حتى نزل بنو قريظة على حكمه.
(واستعط) بسكون السين وفتح التاء والعين، أى استعمل السعوط، قال الحافظ ابن حجر: وهو
أن يستلقى على ظهره، ويجعل بين كتفيه ما يرفعهما، لينحدر راسه، ويقطر فى أنفه ماء، أو دهن فبه
دواء مفرد أو مركب، ليتمكن بذلك من الوصول إلى دماغه، لاستخراج ما فيه من الداء بالعطاس.اهـ
أقول: وليست هذه الكيفية بمتعينة، فقد رأينا أناسا يأخذون السعوط بين السبابة والإبهام،
٥٨٤

فيسدون بهما فتحتى الأنف، ويستنشقون بقوة، والسعوط قد يكون دواء، يدخل فى الأنف، وقد يكون
طحين التبغ، يوضع فى الأنف، وهو المعروف بالنشوق، وسيأتى فى الرواية التاسعة عشرة أنه كان
يسعط بالعود الهندى من العذرة.
(الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء) ((فيح جهنم)) بفتح الفاء وسكون الياء، وفى رواية
((من فوح جهنم)) بالواو، وفى روايتنا السادسة عشرة والسابعة عشرة ((من فورجهنم)) وكلها بمعنى
واحد، والمراد سطوع حرها ووهجه، واختلف فى نسبتها إلى جهنم، فقيل: حقيقة، واللهب والحرارة
الحاصلة فى جسم المحموم قطعة من جهنم، وقدر الله ظهورها بأسباب تقتضيها، ليعتبر العباد بذلك،
كما أن أنواع الفرح واللذة من نعيم الجنة، أظهرها فى هذه الدار عبرة ودلالة، وفى رواية ((الحمى حظ
المؤمن من النار)) قال الحافظ ابن حجر: وهذا كما تقدم فى حديث الأمر، بالإبراد بصلاة الظهر، من
أن شدة الحر من فيح جهنم، وأن اللَّه أذن لها بنفسين.
وقيل: الحديث هنا ورد مورد التشبيه، والمعنى أن حرارة الحمى شبيهة بحرارة جهنم، تنبيها
للنفوس على شدة حرجهنم.اهـ
قال النووى: وأما ((ابردوها))، فى ((فابردوها بالماء)) فبهمزة وصل، وبضم الراء، يقال: بردت
الحمى، أبردها، بردا، على وزن قتلتها أقتلها قتلا، أى أسكنت حرارتها، كما قال فى الرواية الأخرى
((فأطفئوها بالماء)) قال: وهذا الذى ذكرناه، من كونه بهمزة وصل وضم الراء، هو الصحيح الفصيح
المشهور فى الروايات وكتب اللغة وغيرها، وحكى القاضى عياض فى المشارق: أنه يقال بهمزة قطع
وكسر الراء فى لغة قد حكاها الجوهرى، قال: وهى لغة رديئة.اهـ. وفى رواية عند ابن ماجه ((بالماء
البارد)» وفى رواية ((بماء زمزم)).
(كانت تؤتى بالمرأة الموعوكة) أى المحمومة ، والوعكة المرضة، ووعكة الحمى، يقال: وعك
المرض فلانا، أذاه وأوجعه، ووعكته الحمى، آلمته.
(فتدعو بالماء، فتصبه فى جيبها) جيب القميص والجلباب الفتحة التى يدخل منه الراس
عند لبسه، والجمع جيوب وأجياب، وفى القرآن الكريم ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]
فالمعنى فتصب الماء من فتحة قميصها على صدرها، وفى ملحق الرواية ((صبت الماء بينها وبين
جيبها)» أى بين جسد الموعوكة وبين فتحة قميصها، ولا يعرف لهذا الوضع من حكمة، ولعله من قبيل
النشرة، التى سبق الكلام عنها قريبا.
(لددنا رسول اللَّه فى مرضه) الذى مات فيه، واللدود بفتح اللام هو الدواء الذى يصب
فى أحد جانبى فم المريض بغير اختياره، واللدود بالضم الفعل، أى صب الدواء فى جانب فم
المريض، أو إدخال إصبع فى فمه لدفع الدواء، يقال: لددت المريض، وألده، وحكى الجوهرى، أيضا
ألددته، رباعیا.
ووقع عند الطبرانى ((أنهم أذابوا قسطا بزيت، فلدوه به)) والقسط العود الهندى وسيأتى قريبا.
٥٨٥

(فأشار أن لا تلدونى) ((أن لا تلدونى)) تفسير للإشارة، وعند البخارى ((فجعل يشير
إلينا أن لا تلدونى)».
(فقلنا: كراهية المريض للدواء) قال عياض: ضبطناه بالرفع، أى هذا منه كراهية، وقال أبو
البقاء: هو خبر مبتدأ محذوف، أى هذا الامتناع كراهية، ويحتمل النصب على أنه مفعول له، أى نهانا
لكراهية الدواء، ويحتمل أن يكون مصدرا، أى كرهه كراهية الدواء، قال عياض: والرفع أوجه من
النصب على المصدر.
(فلما أفاق) من شدة الألم، ومن غيبوبته التى أعقبت اللدود.
(لا يبقى أحد منكم إلا لد) خبر فى معنى الأمر، أى لدوا أنفسكم جميعا، وفى رواية البخارى
((لا يبقى أحد فى الببت إلا لد وأنا أنظر)) أراد بذلك تأديبهم، لئلا يعودوا، وقد جاءت روايات تعين
بعض من كن فى البيت، فعند ابن سعد ((كانت تأخذ رسول اللّه* الخاصرة فاشتدت به، فأغمی
عليه، فلددناه، فلما أفاق قال: هذا من فعل نساء جئن من هنا - وأشار إلى الحبشة .... واللَّه لا يبقى
أحد فى البيت إلا لد، ولددنا ميمونة، وهى صائمة، وفى رواية ((أن أم سلمة وأسماء بنت عميس
أشارتا بان یلدده )».
(غير العباس، فإنه لم يشهدكم) أى فكان العباس حاضرا ساعة أن أمر صلى الله عليه وسلم
باللدود ولم يكن موجودا ساعة اللدود.
(دخلت بابن لى على رسول اللَّه لم يأكل الطعام .. قالت: ودخلت عليه بابن لى،
قد أعلقت عليه من العذرة) هوابن واحد، ودخول واحد، والعبارة توهم أنهما ابنان، وكان حقها
أن تقول: دخلت عليه به وقد أعلقت عليه من العذرة، والعذرة بضم العين وسكون الذال هو وجع
الحلق، وهو الذى يسمى سقوط اللَّهاة، وقيل: هو اسم اللَّهاة، والمراد وجعها، سمى باسمها، وقيل:
العذرة موضع قريب من اللّهاة، واللّهاة بفتح اللام اللحمة البارزة التى فى أقصى الحلق، وقد يلتهب
هذا المكان ويحتقن بالدم، أو تخرج به قرحة عند الصبيان غالبا، وعادة النساء فى معالجة العذرة أن
تأخذ المرأة خرقة فتفتلها فتلا شديدا، وندخلها فى أنف الصبى، وتطعن ذلك الموضع، فينفجر منه دم
أسود، وذلك الطعن يسمى دغرا، بفتح الدال وسكون الغين، وغدرا، وغمزا.
قال النووي: وأما قولها ((أعلقت عليه من العذرة)) هكذا هو فى جميع نسخ مسلم ((عليه)» ووقع فى
صحيح البخارى ((فأعلقت عليه)) كما هنا، وفى رواية له ((أعلقت عنه)) بالنون، وهذا هو المعروف عند
أهل اللغة، قال الخطابي: المحدثون يروونه ((أعلقت عليه)) والصواب ((عنه)) وكذا قاله غيره، و
حكاهما بعضهم لغتين، أعلقت عنه وعليه، ومعناه عالجت وجع لهاته بأصبعى.
(علام تدغرون أولادكن بهذا العلاق) بفتح التاء والغين، بينهما دال ساكنة، والراء ساكنة،
والخطاب للنسوة، قال النووى:))العلاق)) بفتح العين، وفى الرواية العشرين، ((بهذا الإعلاق)» وهو
٥٨٦

الأشهر عند أهل اللغة، حتى زعم بعضهم أنه الصواب، وأن العلاق لا يجوز، قالوا: والإعلاق مصدر
أعلقت عنه، ومعناه أزلت عنه العلوق، وهى الآفة والداهية، والأعلاق هو معالجة عذرة الصبى، قال ابن
الأثير: ويجوز أن يكون العلاق هو الاسم منه.اهـ
والمعنى لماذا تغمزن حلق الصبى؟ وتفجرن دم لهاته؟ وفى الرواية العشرين ((علامه)) قال
النووى: هكذا هو فى جميع النسخ («علامه)» وهى هاء السكت، ثبتت هنا فى الدرج.
(عليكن بهذا العود الهندى) فى الرواية العشرين ((عليكم)) والعود الهندى يقال له: القسط
والكست، أى بالقاف المضمومة والطاء، أو بالكاف المضومة والتاء، لقرب كل من المخرجين بالآخر،
والعرب تقول: كافور وقافور، وكشط وقشط، وعند أحمد وأصحاب السنن ((أيما امرأة أصابت ولدها
عذرة، أو وجع فى رأسه، فلتأخذ قسطا هنديا، فتحكمه بماء، ثم تسعطه إياه)) وعند البخارى ((إن أمثل
ما تداويتم به الحجامة والقسط البحرى، وقال: لا تعذبوا صبيانكم بالغمز من العذرة، وعلبكم بالقسط))
والقسط صنفان، بحرى وهندى، والبحرى هو القسط الأبيض، وهو أكثر من صنفين، ونص بعضهم أن
البحرى أفضل من الهندى، وهو أقل حرارة منه، وقيل هما حاران يابسان فى الدرجة الثالثة، والهندى
أشد حرا فى الجزء الثالث من الحرارة. وهو معروف عند العطارين.
(فإن فيه سبعة أشفية) السبعة كناية عن الكثرة فى الآحاد، وحاول النووى: أن يجمعها من
كتب الطب، فذكر أنه يدر الطمث والبول، وينفع من السموم، ويحرك شهوة الجماع، ويقتل الدود
وحب القرع فى الأمعاء، إذا شرب بعسل، ويذهب الكلف إذا طلى عليه، وينفع من برد المعدة والكبد،
وغير ذلك، وقال: اتفق العلماء على هذه المنافع التى ذكرناها فى القسط، فصار ممدوحا شرعا وطبا.
(منها ذات الجنب) ذات الجنب تطلق بإزاء مرضين، أحدهما ورم حار، يعرض فى الغشاء
المستبطن، ويحتمل أنه المعروف بالزائدة- والآخرريح محتقن بين الأضلاع، وبين الصفافات
والعضل، فتحدث ألما ووجعا، ويحدث بسببه خمسة أعراض: الحمى والسعال والنخس وضيق النفس
والنبض المنشارى ويقال لذات الجنب أيضا وجع الخاصرة، والقسط وهو العود الهندى هو الذى
تداوى به الريح الغليظة، وقد أشارت الرواية فى آخرها إلى طريقة استعماله، بقولها، ((ويلد من ذات
الجنب)) أى يلد به، ويصب فى جانب الحلق للمريض بذات الجنب، كما بينت طريقة استعماله فى
علاج العذرة بأنه يسعط.
(إن فى الحبة السوداء شفاء من كل داء، إلا السام) وفى الرواية الثانية والعشرين ((ما
من داء إلا فى الحبة السوادء منه شفاء، إلا السام)) وقد فسر الراوى ((السام)) بالموت، فالموت داء،
والشاعر يقول: وداء الموت ليس له دواء، والداء الذى يقع به الموت، أى مرض الموت، والعموم فى
قوله ((من كل داء)) مراد به الخصوص، لأنه ليس فى طبع شيء من النباتات ما يجمع جميع الأمور،
التى تقابل الطبائع المختلفة، فالمراد أنها شفاء من كل داء يحدث من الرطوبة، قال أبو بكربن
العربى: العسل عند الأطباء أقرب إلى أن يكون دواء من كل داء، من الحبة السوداء، ومع ذلك فإن من
الأمراض ما لو شرب العسل لتأذى به، فإن كان المراد من قوله فى العسل ((فيه شفاء للناس)» الأكثر
والأغلب، فحمل الحبة السوداء على ذلك أولى، وقال غيره: كان النبى # يصف الداوء بحسب ما
٥٨٧

يشاهده من حال المريض، فلعل قوله فى الحبة السوداء وافق مرض من مزاجه بارد، فيكون معنى
قوله ((شفاء من كل داء)) أى من هذا الجنس الذى وقع القول فيه، والتخصيص بالحيثية كثير
شائع.اهـ ومال الحافظ ابن حجر إلى إبقاء العموم، على أن يلاحظ اختلاف الأفراد والأزمنة
والكميات والتركيبات، قال: ولا محذور فى ذلك، ولا خروج عن ظاهر الحديث.
وقد فسر الراوى ((الحبة السوداء)) بالشونيز، قال النووى: وهذا هو الصواب المشهور
الذى ذكره الجمهوراهـ
قال الحافظ ابن حجر: والشونيز بضم الشين وسكون الواو، وكسر النون وسكون الياء، وقال
القرطبى: قيد بعض مشايخنا الشين بالفتح، وحكى القاضى عياض عن ابن الأعرابى أنه كسرها،
فأبدل الواو ياء، فقال: الشينيز، ونفسير الحبة السوداء بالشونيز لشهرة الشونيز عندهم إذ ذاك، وأما
الآن فالأمر بالعكس، والحبة السوداء أشهر عند أهل هذا العصر من الشونيز بكثير، والشونيز هو
الكمون الأسود، ويقال له أيضا: الكمون الهندى، ونقل عن الحسن البصرى أنها الخردل، وقيل: هى
الحبة الخضراء، وهى البطم، والعرب تسمى الأخضر أسود، والأسود أخضر، وقال الجوهرى: هو صمغ
شجرة تدعى الكمكام، تجلب من اليمن، ورائحتها طيبة، وتستعمل فى البخور، قال الحافظ: وليس
هذا مرادا هنا جزما، وقال القرطبى تفسيرها بالشونيز أولى من وجهين: أحدهما أنه قول الأكثر،
والثانى كثرة منافعها، بخلاف الخردل وغيره.
(التلبينة مجمة لفؤاد المريض) ((التلبينة)) بفتح التاء وسكون اللام وكسر الباء، وسكون
الياء، بعدها نون ثم هاء، وقد يقال بدون هاء، قال الأصمعى: هى حساء يعمل من دقيق، أو نخالة،
ويجعل فيه عسل، قال غيره: أو لين، سميت تلبينة تشبيها لها باللبن فى بياضها ورقتها، أو لمخالطة
اللبن لها، وقيل: هى دقيق بحت، وقيل: بل فيه شحم، وقيل: حساء فى قوام اللبن، يعمل من الدقيق
النضيج المحمر، لا النيئ ولعل صناعتها تختلف باختلاف البلاد والعادات، و((مجمة)) بفتح الميم
والجيم وتشديد الميم الثانية، هذا هو المشهور، وروى بضم أوله وكسر ثانيه، وهما بمعنى، يقال: جم
وأجم، والمعنى أنها تريح فؤاده، وتزيل عنه الهم، وتنشطه، والجام بتشديد الميم المستريح، والمصدر
الجمام والإجمام، وحكى ابن بطال أنه روى ((تخم فؤاد المريض)» بالخاء، قال: والمخمة المكنسة.
(إن أخى استطلق بطنه) ((بطنه)) بالرفع فاعل ((استطلق)) بفتح التاء وسكون الطاء، أى
انطلق بطنه، فكثر خروج ما فيه، يريد الإسهال، وضبطه الحافظ ابن حجر بضم التاء، وسكون الطاء.
وكسر اللام، مبنى للمجهول، فبطنه نائب فاعل، أى جعل اللَّه بطنه تنطلق، أو جعل المرض بطنه
تنطلق بالإسهال، وفى ملحق الرواية ((إن أخى عرب بطنه)) بفتح العين وكسر الراء، أى فسد هضمه،
لاعتلال المعدة، ومثله ذرب، بالذال بدل العين وزنا ومعنى.
(اسقه عسلا) فى رواية ((اسقه العسل)) والمراد عسل النحل، وهو مشهور عندهم، وظاهره الأمر
بسقيه العسل صرفا، ويحتمل أن يكون ممزوجا بغيره.
(صدق اللَّه وكذب بطن أخيك) قال النووى: والمراد قوله تعالى ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ
مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] وهو العسل، وهذا تصريح منه صلى الله عليه وسلم بأن
٥٨٨

الضمير فى قوله ﴿فِيهِ شِفَاءٌ﴾ يعود إلى الشراب الذى هو العسل، وهو الصحيح وهو قول ابن مسعود
وابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم، وقال مجاهد: الضمير عائد إلى القرآن، وهذا ضعيف، مخالف
لظاهر القرآن، ولصريح هذا الحديث الصحيح، قال بعض العلماء: الآية على الخصوص، أى شفاء من
بعض الأدواء، ولبعض الناس، وكان داء هذا المبطون مما يشفى بالعسل، وليس فى الآية تصريح بأنه
شفاء من كل داء، ولكن علم النبى 18 أن داء هذا الرجل مما يشفى بالعسل. واللَّه أعلم.
فقه الحديث
يؤخذ من أحاديث الباب، من الرواية الأولى وما بعدها
١- مشروعية التداوى، قال النووى: فيه استحباب الدواء، وهو مذهب أصحابنا وجمهور
السلف وعامة الخلف، وفيه رد على من أنكر التداوى من غلاة الصوفية، وقال: كل شيء
بقضاء وقدر، فلا حاجة إلى التداوى، قال: وحجة العلماء هذه الأحاديث، ويعتقدون أن
الله تعالى هو الفاعل، وأن التداوى هو أيضا من قدر الله، وهذا كالأمر بالدعاء، وكالأمر
بقتال الكفار، وبالتحصن، ومجانبة الإلقاء باليد إلى التهلكة، مع أن الأجل لا يتغير،
والمقادير لا تتأخر ولا تتقدم عن أوقاتها، ولابد من وقوع المقدرات.اهـ
ويقول الحافظ ابن حجر: فى قوله صلى اللَّه عليه وسلم - فى الرواية الأولى - ))فإذا
أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز وجل)) الإشارة إلى أن الشفاء متوقف على الإصابة
بإذن الله، وذلك أن الدواء قد يحصل معه مجاوزة الحد فى الكيفية، فلا ينجع، بل ربما
أحدث داء آخر، وفيها كلها إثبات الأسباب، وأن ذلك لا ينافى التوكل على اللَّه، لمن
اعتقد أنها بإذن اللَّه، ويتقديره، وأنها لا تنجح بذواتها، بل بما قدره الله تعالى فيها، وأن
الدواء قد ينقلب داء إذا قدر اللَّه ذلك، فالمدار كله على تقدير اللَّه وإرادته، والتداوى لا
ينافى التوكل، كما لا ينافى دفع الجوع والعطش بالأكل والشرب، وقد يقع لبعض
المرضى أنه يتداوى من داء بدواء، فيبرأ، ثم يعتريه ذاك الداء بعينه، فيتداوى بذلك
الدواء بعينه، فلا ينجع، والسبب فى ذلك الجهل بصفة من صفات الدواء، فرب مرضين
تشابها، ويكون أحدهما مركبا، لا ينجع فيه ما ينجع فى الذى ليس مركبا، فيقع الخطأ
من هنا، وقد يكون متحدا، لكن يريد الله أن لا ينجع فلا ينجع، من هنا قال: قلت: يا
رسول اللَّه، أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، هل يرد من قدر الله شيئا؟ قال:
((هى من قدر الله تعالى)).
٢- ومن الرواية الثانية والثالثة استحباب عيادة المريض.
٣- وسؤاله عن مرضه، واقتراح ما يراه من علاج، والتمسك بالتنفيذ إذا كان أهلا لذلك.
٤- وأن شكوى المريض من مرضه، وآلامه لا يعد اعتراضا على القدر . .
٥- ورجوع الصحابة لحديث رسول اللّه®، والتزامهم به، وإن شق عليهم أمره.
٥٨٩

٦- واستحباب التداوى بالحجامة، وتكون فى أجزاء مختلفة من الجسم، تكون فى الرأس، وفى
وسطه، وعلى الكاهل والخدين وتحت الذقن، وعلى ظهر القدم، وأسفل الصدر، قال الحافظ ابن
حجر: ومحل ذلك كله إذا كان عن دم هائج، وصادف وقت الاحتياج إليه، وقد ترجم البخارى
بباب الحجامة من الشقيقة والصداع، والشقيقة وجع فى أحد جانبى الرأس أو فى مقدمه.
٧- واستحباب التداوى بشربة العسل، قال المازري: اعترض بعض الأطباء، فقال: الأطباء مجمعون
على أن العسل مسهل، فكيف يوصف لمن به الإسهال؟- يقصد روايتنا الرابعة والعشرين - قال
المازري: هذا الذى قاله المعترض جهالة بينة، وهو فبها كما قال اللَّه تعالى ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَالَمْ
يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩].
وقال النووى: إن علم الطب من أكثر العلوم احتياجا إلى التفصيل، حتى إن المريض يكون
الشيء دواءه فى ساعة، ثم يصير داء له فى الساعة التى تليها بعارض يعرض، من غضب يحمى
مزاجه، فيغير علاجه، أو هواء يتغير، أو غير ذلك مما لا نحصى كثرته، فإذا وجد الشفاء بشيء فى
حالة بالشخص لم يلزم منه الشفاء به فى سائر الأحوال، وجميع الأشخاص والأطباء مجمعون
على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والزمان والعادة والغداء والتدبير المألوف
وقوة الطباع، ثم قال: فإذا عرفت ما ذكرناه فاعلم أن الإسهال يحصل من أنواع كثيرة، منها
الإسهال الحادث من التخم، وقد أجمع الأطباء فى مثل هذا على أن علاجه بأن يترك الطبيعة
وفعلها، وإن احتاجت إلى معين على الإسهال أعينت، ما دامت القوة باقية، فأما حبسها فضرر
عندهم، فيحتمل أن يكون هذا الإسهال للشخص المذكور فى الحديث أصابه من امتلاء، فدواؤه
ترك إسهاله على ما هو، أو تقويته، فأمره صلى الله عليه وسلم بشرب العسل فرآه إسهالا، فزاده
عسلا، إلى أن فنيت المادة، فوقف الإسهال.اهـ
وقد ذكر الموفق البغدادى وغبره كثيرا من منافع العسل، منها أنه يجلو الأوساخ التى فى العروق
والأمعاء، ويدفع الفضلات، ويسخن المعدة تسخينا معتدلا، ويفتح أفواه العروق، ويشد المعدة
والكيد والكلى والمثانة، وتنقية الكبد والصدر، وإدرار البول والطمث، وينفع من السعال الكائن من
البلغم، وإذا أضيف إليه الخل نفع أصحاب الصفراء، وإذا شرب وحده بماء نفع من عضة الكلب،
وإذا جعل فيه اللحم الطرى حفط طراوته ثلاثة أشهر، وكذلك الخيار والقرع والليمون ونحو ذلك،
ويطول الشعر ويحسنه وينعمه، وإن استن به صقل الأسنان وحفظ صحتها، وهو عجبب فى حفظ
جثث الموتى، فلا يسرع إليها البلى، ولم يكن يعول قدماء الأطباء فى الأدوية المركبة إلا
عليه. والله أعلم.
٨- استحباب التداوى بالكى فى بعض الأمراض، كعلاج أخير، قال العلماء: وإنما نهى عنه، مع
إثباته الشفاء فيه، إما لكونهم كانوا يرون أنه يحسم المادة بطبعه، فكرهه لذلك، وإما لأنهم كانوا
يبادرون إليه قبل العلاج بالأدوية، ظنا منهم أنه يحسم الداء، فيتعجل الذى يكتوى التعذيب
بالنار، لأمر مظنون، قالوا: ويؤخذ من الجمع بين كراهته صلى الله عليه وسلم للكى، وبين
استعماله له، أنه لا يترك مطلقا، بل يستعمل عند تعبنه طريقا إلى الشفاء، مع مصاحبة اعتقاد
٥٩٠

أن الشفاء بإذن الله تعالى، وعلى هذا التفسير يحمل حديث المغيرة، رفعه ((من اكتوى أو استرقى
فقد برئ من التوكل)» أخرجه الترمذى والنسائى وصححه ابن حبان والحاكم.
٩- ومن الرواية الثامنة والتاسعة الرخصة فى مهنة الحجامة، وأن أجرها حلال، وقد سبقت المسألة
فى الإجارة.
١٠- ومن الرواية العاشرة إلى السابعة عشرة علاج الحمى، وإطفاء حرها بالماء، قال الخطابى ومن
تبعه: اعترض بعض سخفاء الأطباء على هذا الحديث، فقال: اغتسال المحموم بالماء خطر،
يقربه من الهلاك، لأنه يجمع المسام، ويحقن البخار، ويعكس الحرارة إلى داخل الجسم، فيكون
ذلك سببا للتلف، والجواب أن هذا الإشكال صدر عن صدر مرناب فى صدق الخبر، فيقال له أولا:
من أين حملت الأمر على الاغتسال؟ وليس فى الحديث الصحيح بيان الكيفية، فضلا عن
اختصاصها بالغسل؟ وإنما فى الحديث الإرشاد إلى تبريد الحمى بالماء، واستعمال الماء على
وجه ينفع، وأولى ما يحمل عليه كيفية تبريد الحمى ما صنعته أسماء بنت الصديق، فإنها كانت
ترش على بدن المحموم شيئا من الماء، بين يديه وثوبه، فيكون ذلك من باب النشرة المأذون فيها
- أى كالرقى - والصحابى - ولا سيما مثل أسماء، التى هى ممن كان يلازم بيت النبى { / - أعلم
بالمراد من غيره.اهـ
وقد سبق كلام المازرى فى العسل، وهو سائغ هنا، وفيما ذكر من الأدوية فى هذا الباب، وقد نقل
الخطابى عن ابن الأنبارى أنه قال: المراد بقوله («فأبردوها بالماء)» الصدقة به، قال ابن القيم:
أطن الذى حمل قائل هذا أنه أشكل عليه استعمال الماء فى الحمى، فعدل إلى هذا، وله وجه
حسن، لأن الجزاء من جنس العمل، فكأنه لما أحمد لهيب العطشان بالماء أحمد اللَّه لهيب
الحمى عنه، قال: لكن هذا يؤخذ من فقه الحديث وإشارته، وأما المراد به بالأصل فهو استعماله
فى البدن حقيقة، والله أعلم.
١١- ومن الرواية قبل السادسة عشرة أن جهنم مخلوقة، قال النووى: فيه دليل لأهل السنة أن جهنم
مخلوقة الآن، وموجودة.
١٢- ومن الرواية السابعة عشرة، من إشارته صلى الله عليه وسلم أن لا يلدوه، أن الإشارة المفهمة تقوم
مقام صريح العبارة.
١٣- وفى الأمر باللدود لمن فى البيت تعزيرالمعتدى بنحو من فعله الذى تعدى به، وقال بعضهم: فيه
مشروعية القصاص فى جميع ما يصاب به الإنسان عمدا، قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، لأن
الجميع لم يتعاطوا ذلك، وإنما فعل بهم ذلك عقوبة لهم، لتركهم امتثال نهيه عن ذلك، أما من
باشره فظاهر، وأما من لم يباشره فلكونهم تركوا نهيهم عما نهاهم هو عنه.
١٤ - قال بعضهم: ويستفاد منه أن التأويل البعيد لا يعذر به صاحبه. قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر
أيضا، لأن الذى وقع كان فى معارضة النهى، قال ابن العربى: أراد أن لا يأتوا يوم القيامة وعليهم
حقه، فيقعوا فى خطب عظيم، وتعقب بأنه كان يمكن أن يعفو، لأنه كان لا ينتقم لنفسه، قال:
والذى يظهر أن ذلك لقصد تأديبهم، لئلا يعودوا، فكان ذلك تأديباً، لا قصاصاً، ولا انتقاماً.
٥٩١

١٥ - ومن الرواية التاسعة عشرة أن بول الصبى الذى لم يبلغ الطعام لا يجب غسله، ويكفى الرش
ونضح الماء عليه.
١٦ - وتواضعه صلى اللّه عليه وسلم ورفقه ورأفته.
١٧ - واستحباب استعمال العود الهندى.
١٨ - ومن الرواية الواحدة والعشرين والثانية والعشرين فضيلة الحبة السوداء فى التداوى بها، وقد ذكر
الأطباء استعمالها فى علاج الزكام، العارض معه عطاس كثير، وقالوا: تقلى الحبة السوداء ثم
تدق ناعما، ثم تنقع فى زيت، ثم يقطر منه فى الأنف ثلاث قطرات، وربما استعملت مفردة،
وربما استعملت مركبة، وربما استعملت مسحوقة وغير مسحوقة، وربما استعملت أكلا وشربا
وسعوطا وضمادا وغير ذلك، وقال أهل العلم بالطب: إن طبع الحبة السوداء حار يابس، وهى
مذهبة للنفخ، نافعة للبلغم، مفتحة للسدد والريح، وإذا دقت وعجنت بالعسل وشبت بالماء الحار
أذابت الحصاة، وأدرت البول والطمث إلى غير ذلك من الفوائد الكثيرة.
واللَّه أعلم
٥٩٢

(٥٩٧) باب الطاعون
٥٠٣٨-٩٢ عَن عَامِرٍ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍ عَن أَبِهِ (٩٢) أَنَّهُ سَمِعَهُ يَسْأَلُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ،
مَاذَا سَمِعْتَ مِن رَسُولِ اللَّهِ﴿َ فِي الطَّاعُونِ؟ فَقَالَ أسَامَةُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ: «الطَّاعُونُ
رِجْزٌ أَوْ عَذَابٌ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسرائيل أَوْ عَلَّى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلا
تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» وقَالَ أَبُو النِّضْرِ. لا
يُخْرِجُكُمْ إِلا فِرَارٌ مِنْهُ.
٥٠٣٩- ٣ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ﴾(١٣) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴾: «الطَّاعُونُ آيَةُ الرِّجْزِ
ابْتَلَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ نَاسًا مِن عِبَادِهِ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ
بِهَا فَلا تَفِرُّوا مِنْهُ» هَذَا حَدِيثُ الْقَغْنَبِيِّ وَقُتْبَةَ نَحْوُهُ.
٥٠٤٠- ١٤ْ عَنْ أُسَامَةً ضَيْ(٩٤) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿: «إِنَّ هَذَا الطَّاعُونِ رِجْزٌّ سُلّطَ عَلَى
مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَوْ عَلَى بَّنِي إِسرائيل، فَإِذَا كَانَ بِأَرْضٍ فَلا تَخْرُجُوا مِنْهَا فِرَارًا مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ
بِأَرْضٍ فَلا تَدْخُلُوهَا».
٥٠٤١-١٥ عَن عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ(٩٥) أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ الطَّاعُونِ. فَقَالَ
أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: أَنَا أُخْبِرُكَ عَنْهُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿: «هُوَ عَذَابٌ أَوْ رِجْزٌ أَرْسَلَهُ اللَّهُ عَلَى
طَائِفَةٍ مِن بَنِي إِسرائيل أَوْ نَاسٍ كَانُوا قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلا تَدْخُلُوهَا عَلَيْهِ، وَإِذَا
دَخَلْهَا عَلَيْكُمْ فَلا تَخْرُجُوا مِنْهَا فِرَارًا».
٥٠٤٢-٢٦ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﴾(١٦)، عَنِ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴾: «أَنْهُ قَالَ إِنَّ هَذَا
الْوَجَعَ أَوِ السَّقَمَ رِجْزٌ غُذِّبَ بِهِ بَعْضُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ، ثُمَّ بَقِيَ بَعْدُ بِالأَرْضِ فَيَذْهَبُ
(٩٢) حَدَّا يَحْتِى بْنُ يَحْتَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدٍ بِنِ الْمُنْكَدِرِ وَأَبِي النَّصْرِ مَوْلَى عُمْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ عَامِرِ بْنٍ سَعْدٍ
(٩٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنٍ فَعْتَبٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالاَ أَخْبُرَنَا الْمَّغِيرَةُ وَنَسَبَّهُ أَبْنُ قَغْنَبٍ فَقَالَّ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَئِيُّ
عَن أَبِي النَّصْرِ عَن عَامِرٍ بْنِ سَغَّدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصِ عَن أُسَامَةً بْنِ زَيْدٍ
(٩٤) وَخَّدْقَنَا مُحَّمَّدُ بْنُ عَبَّدِ اللهِ بْنِ ثُمَّرِ حَدْقًا أَبِّي حَدْقَنَا سُفْيَانُ عَنِ مُحَمَّدٍ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنِ عَامِرٍ بْنٍ سَعْدٍ عَنِ أُسَامَةٌ بْنِ زَيْدٍ
(٩٥) حَدَّثَيِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرَ أَخْبُرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَمَّرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ عَامِّرَ بْنَ سَعْدٍ أَخْرَهُ أَنْ رَجُلا
- وِحَدْثََّا أَبُو الرَّبِعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ وَقُقَيْبَةٌ بْنُ سَعِيدٍ قَالا حَدَّثَنَا حَمَّدٌ وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍح وحَدَّقََّا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُّ غَيْئَةَ كِلَاهُمَا عَنِ عَمْرِو بْنِ دِينَارِ بِإِسْنَادِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَ حَدِیثِهِ.
(٩٦) حَدََّتِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍوٍ وَخَّرْ مَلَّةُ بْنُ يُخْتَى قَالا أَحْبُوَلَا اِبَّنُ وَهْبٍ أَخْبَرَتِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ هِهَابٍ أُخْرَتِي عَامِرُ بْنُ
سَعْدٍ عَنِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ.
- وحَدَّاه أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ يإِسْنَادٍ يُونُسَ نَخُوّ حَدِيثِهِ.
٥٩٣

الْمَرَّةَ وَيَأْتِي الأُخْرَى، فَمّنْ سَمِعَ بِهِ بِأَرْضٍ فَلا يَقْدَمَنَّ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَقَعَ بِأَرْضٍ وَهُوَ
بِهَا فَلا يُخْرِجَنْهُ الْفِرَارُ مِنْهُ».
٥٠٤٣-١٢ عن حَبِيبٍ(١٧) قَالَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ فَبَلَغَيِي أَنَّ الطَّاعُونَ قَدْ وَقَعَ بِالْكُوفَةِ. فَقَالَ لِي
عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَغَيْرُهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: «إِذَا كُنْتَ بِأَرْضٍ فَوَقَعَ بِهَا فَلا تَخْرُجْ مِنْهَا،
وَإِذَا بَلَفَكَ أَنَّهُ بِأَرْضٍ فَلا تَدْخُلْهَا» قَالَ: قُلْتُ: عَمَّنْ؟ قَالُوا: عَنِ عَامِرٍ بْنِ سَعْدٍ يُحَدِّثُ بِهِ.
قَالَ: فَأَنْيُهُ. فَقَالُوا: غَائِبٌ. قَالَ: فَلَقِيتُ أَخَاهُ إِبْرَاهِيمٌ بْنَ سَعْدٍ، فَسَأَلْتُهُ. فَقَالَ: هَهِدْتُ أُسَامَةً
يُحَدِّثُ سَعْدًا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ يَقُولُ: «إِنْ هَذَا الْوَجَعَ رِجْزٌ أَوْ عَذَابٌ أَوْ بَقِيَّةُ
عَذَابٍ عُذِّبَ بِهِ أَنَاسٌ مِن قَبْلِكُمْ، فَإِذَا كَانَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا مِنْهَا، وَإِذَا بَلَعَكُمْ أَنْهُ
بِأَرْضٍ فَلا تَدْخُلُوهَا».
- قَالَ حَبِيبٌ فَقُلْتُ: لِإِبْرَاهِيمَ أنْتَ سَمِعْتَ أُسَامَةَ يُحَدِّثُ سَعْدًا وَهُوَ لا يُنْكِرُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
٥٠٤٤ -- وفي رواية عَنْ شُعْبَةُ() بِهَذَا الإِسْنَادٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ عَطَّاءِ بْنِ يَسَارٍ فِي
أَوَّلِ الْحَدِيثِ.
٥٠٤٥- ٩ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٩٨)، أَنَّ عُمَرَ بْنَّ الْخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى
الشَّامِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْعَ لَقِيّهُ أَهْلُ الأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّحِ وَأَصْحَابُهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنْ
الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَالَ عُمَّرُ: ادْعُ لِيَّ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ. فَدَعَوْتُهُمْ.
فَاسْتَشَارَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ، فَاخْتَلَقُوا. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ خَرَجْتَ لِأَمْرٍ وَلا
نَرَى أَن تَرْجِعَ عَنْهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ:﴿ وَلا نَرَى أَنْ
تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّيٍ. ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِيَّ الأَنْصَارِ. فَدَعَوْتُهُمْ لَهُ،
فَاسْتَشَارَهُمْ. فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ، وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلافِهِمْ. فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّيٍ. ثُمَّ قَالَ:
ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِن مَشْيَخَةٍ فُرَيْشٍ مِن مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ. فَدَعَوَّتُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ
(٩٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّقْنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ عَن شُعْبَةً عَن حَبِيبٍ
" وَحَدَّثَّاهَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثََّا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ
- وحَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَّا وَكِيعٌ عَن سُفْيَانَ عَنِ حَبِيبٍ عَنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَن سَعْدِ بْنِ مّالِكٍ وَخُرَيْمَةٌ بْنِ ثَابِتٍ
وَأُسَامَةٌ بْنِ زَيْدٍ قَالُوا قَالَّ رَسُولُ اللَّهِ فَهِ بِمَعْنَى حَدِيثٍ شُعْبَةٌ وَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَإِسْحَقُ بَنُ إِبْرَاهِيمَ كِلَاهُمَّا عَنْ
جَرِيرٍ عَنِ الأَغْمَشِ عَن حَبِيبٍ عَنِ إِبْرَاهِيمَّ بْنِ سَعْدٍ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ كَانِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَسَّعْدٌ جَالِسَيْنٍ يَتْحَدَّثَانِ فَقَالا قَالَ
رَسُّوْلُ اللَّهِ وَ بِتَخْوِ حَدِيثِهِمْ وِ حَدََّتِهِ وَهْبٌّ بْنُ بَقِيَّةً أُخْبَرَنَا خَالٌِّ يَعْنِي الطَّحَّانِ عَنِ الشََّالِيِّ عَنْ حَبِيبٌ بْنِ أَبِيَ ثَابِتٍ عَن
إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدَ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النّبِيِّ ﴿ بِّحْوِ حَدِيثِهِمْ.
(٩٨) حَدَّثَنَا يَخْتِى بْنُ يَخْتِى الْتَمِيمِيُّ قَالَّ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكَ عَنِ اَبَّنِ شِهَابٍ عَن عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنٍ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ
عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ تَوْقَلٍ عن عبد الله بن عباس.
٥٩٤

رَجُلاَنٍ. فَقَالُوا: نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَتَادَى عُمَّرُ فِي النَّاسِ:
إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ. فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ: أَفِرَارًا مِن قَدَرِ اللَّهِ؟ فَقَالَ
عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَّا عُبَيْدَةَ - وَكَانْ عُمَرُ يَكْرَهُ خِلاَفَةُ - تَعَمْ تَفِرُّ مِن قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرٍ
اللّهِ: أَرَّأَيْتَ لَوْ كَانَتْ لَكَ إِيلٌّ فَهَبَطَتْ وَادِيًّا لَهُ عُدْوَتَانِ إِحْدَاهُمَا خَصْبَةٌ وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ أَلَيْسَ
إِنْ رَعْتَ الْخَصْبَةَ رَعَبْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ وَإِنْ رَغَيْتَ الْجَدْبَةَ، وَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ؟.
قَالَ: فَجَاءً عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَكَانَ مُتَغًَّا فِي بَعْضٍ حَاجَتِهِ، فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي مِن
هَذَا عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ﴿ يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ
بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا لِرَارًا مِنْهُ». قَالَ: فَحَمِدَ اللَّةَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ثُمَّ الْصَرَفَ.
٥٠٤٦-١٩ عَنْ مَعْمَرِ (٩٩) قَالَ: وَقَالَ لَهُ أَيْضًا: أَرَأَيْتَ أَنَّهُ لَوْ رَعَى الْجَدْبَةَ وَتَرَكَ الْخَصْبَةَ
أَكْنتَ مُعَجِّزَةُ؟ قَالَ: لَعَمْ. قَالَ: فَسِرْ إِذًا. قَالَ: فَسَارَ خَبِّى أَتَى الْمَدِينَةَ. فَقَالَ: هَذَا الْمُجِلُّ، أَوْ
قَالَ: هَذَا الْمَنْزِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
٥٠٤٧- ١١٠ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عَامِرٍ بْنِ رَبِعَةً(١٠٠) أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا جَاءَ سَرْغَ
بَلَّهُ أَنَّ الْوَّبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ. فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: «إِذَا
سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» فَرَجْعَ
عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ سَرْغَ. وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَن سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا انْصَرَفَ
بِالنَّاسِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
المعنى العام
من المعلوم أن الأمراض ابتلاء من اللَّه تعالى لمخلوقاته، واختبارلهم أيصبرون؟ أم
يتبرمون؟ أيشكرون على الضراء؟ أم يسخطون، أيذكرون فضل نعمة الصحة؟ أم يتناسون
وينسون؟ أيلجئون إلى الله تعالى؟ فيطلبون منه رفع البلاء؟ أم يلجئون إلى معلوماتهم
البسيطة وأعشابهم وأطبائهم؟ أيلجئون إلى الأسباب العادية وحدها؟ أم يلجئون إلى
مسبب الأسباب، ورب السبب والمسبب جميعا؟
(٩٩) و حَدَّنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمِّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ قَالَ ابْنُ رَافِعٍ حَدََّا وَقَالَ الآخَرَانِ أَخْبُرَّنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُرَنّا
مَعْمَرٌ بِهَذَاَ الإِسْنَادِ نَخْوَ حَدِيثٍ مَالِكٍ وَزَادَ فِي حَدِيثٍ مَعْمَرٍ.
- وحَّدْقَيْهِ أَبَِّ الطَّاهِرِ وَحِرْمَلَةُ بْنُ يَخْتِى فَإِلا أُخْبَرَنَا ابْنٍ وَهَّبٍ أَخْبُرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ حَدَّقَهُ وَلَمْ يَقُلْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ.
(١٠٠) وحَدََّا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى قَالَ فَرَأْتُ عَلَى مَالِكَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ.
٥٩٥

إن العرب قبل الإسلام كانوا إذا مسهم الضر فى البحر، ضل من يدعون إلا إياه، فلما ينجيهم إلى
البريكفرون، وإن فرعون وقومه لما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك، لئن
كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بنى إسرائيل، فلما كشف عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه
إذا هم ينكثون.
جاء الإسلام حريصا على أن يربط العبد بربه فى السراء والضراء، وأن يؤكد له أن المرض والشفاء
بيد الله، وأن الأسباب إنما هى من اللَّه، ونتائجها بقدر الله، فلا يعتمدوا الأسباب وحدها، ولا
يتواكلوا ويبعدوا عن اتخاذها بل عليهم أن يتداووا، ثم يتوكلوا على الله ويدعوه، كما جاء فى حديث
((اعقلها وتوكل)) عليهم أن لا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، وأن يحذروا مواطن الضرر، وأن يفوضوا مع
ذلك نتائج الأمور كلها إلى اللَّه.
كانت الجرعة التى سقاهم إياها الإسلام، ليسندوا الأشياء إلى اللَّه كبيرة ((لا عدوى ولا طيرة، ولا
هامة ولا صفر» («من أعدى الأول)»؟ ((يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب، لا يسترقون، ولا يكتوون،
ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون)) فغلب كثير من السابقين جانب التوكل، والتفويض إلى قدر الله،
على جانب الحذر والحيطة والأخذ بالأسباب، وغلب الآخرون الجانب الآخر.
ظهر هذان الانجاهان حين خرج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ته إلى الشام لزيارتها، بعد أن
فتحها جند الإسلام، وقسمت إمارات: الأردن وحمص، ودمشق، وفلسطين، وإجنادين، وأمر عليها أبا
عبيدة بن الجراح، وعمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، ويزيد بن أبى سفيان، وشرحبيل بن حسنة.
خرج الأمراء ووجهاء البلاد لاستقبال أمير المؤمنين خارج البلاد، فى مدينة تسمى ((سرخ)) وكان
وباء الطاعون قد انتشر كالنار فى الهشيم، بين الناس فى الشام، فأخبر أمراء الشام أمير المؤمنين
بذلك، ونصحه بعضهم بالعودة إلى المدينة وعدم دخول الشام، هو ومن معه من صفوة الصحابة
وسابقيهم من مهاجرين وأنصار، خوفا عليهم من العدوى، وحذرا من الإلقاء بهم إلى التهلكة، وأشار
عليه آخرون بالدخول، وإنجاز ما قدم لأجله، والتوكل على الله فكل شيء بأمره وقدره.
وضرب عمر المثل فى الشورى، فلم يقطع برأى، ونادى عبد الله بن عباس، وأمره أن يدعو إليه
المهاجرين الأولين، فدعاهم إليه، فاستشارهم فى الأمر، فأشار بعضم بعدم الدخول، وأشار بعضهم
بالدخول، فأغضب عمر اختلافهم، فصرفهم، وأمرابن عباس أن يدعو إليه الأنصار، فدعاهم إليه،
فاستشارهم، فاختلفوا كما اختلف المهاجرون، قال بعضهم: قد جئت لأمر، فلا ترجع عنه وامض لما
جئت به، وادخل، وتوكل على الله، وقال بعضهم: إن معك خيرة الصحابة وكبارهم، فلا تعرضهم للوباء،
ولا تدخل بهم عليه، فازداد عمر غضبا لاختلافهم، فصرفهم، وأمرابن عباس أن يدعو إليه كبار قريش
الذين أسلموا حديثًا، عند فتح مكة، فدعاهم إليه، فاستشارهم، فأجمعوا جميعا على الرجوع، لم يشذ
منهم أحد، فقرر عمر طه الرجوع بمن جاء معه، وأمر المنادى أن ينادى فى الناس: إن أمير المؤمنين
قد عزم على العودة إلى المدينة فى الصباح، فاستعدوا للسفر، وكان أبو عبيدة قد رجح عنده أن
الدخول أفضل، فقال لعمر: أترجع خوفا من الوباء؟ وفرارا من قدر الله؟ وكان عمر قويا فى الحق،
حازما فى اتخاذ القرار، لا يحب أن يخالفه أحد، فأجاب بشدة: لو غيرك قال هذا يا أبا عبيدة لأدبته،
٥٩٦

كيف يخفى عليك وأنت من أنت أمر الحيطة والحذر وعدم إلقاء النفس إلى التهلكة، نعم نفر من قدر
اللَّه إلى قدر الله، فإن دخلنا فبقدر الله، وإن رجعنا وبقدر الله، أخبرنى يا أبا عبيدة: لو نزلت بإبلك
فى أرض، يمينها خصبة، وشمالها جدبة، إن وجهت إبلك إلى الخصبة رعيت بقدر اللَّه، وإن وجهتها
إلى الجدبة لم ترع، وبقدر الله، ولم يكن أحد يحفظ الحديث الذى يقطع النزاع، والذى جاء به عبد
الرحمن بن عوف فى الليل، وكان حين المنازعة غائبا، فلما جاء فى الليل قال لعمر وصحابته: إن
عندى علما من رسول الله بما يفصل فى القضية: سمعت رسول اللّه يقول: إن الطاعون عذاب
بعثه الله على من كان قبلكم، فإذا انتشر بأرض فلا يخرج منها من كان فيها، ولا يدخلها من
کان خارجها.
ورجع أبو عبيدة وأصحابه إلى بلادهم بلاد الوباء، ورجع عمر بأصحابه إلى المدينة، وكان قدر الله،
توفى فى هذا الطاعون طاعون عمواس أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وامرأته وابنه، وخمسة
وعشرون ألفا، وفيهم من الصحابة كثيرون. رضى الله عنهم أجمعين.
المباحث العربية
(عن عامر بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد) ظاهر
هذه الرواية أن سعد بن أبى وقاص هو الذى سأل أسامة عما سمع، وفى الرواية الرابعة «أن رجلا سأل
سعد بن أبى وقاص عن الطاعون؟ فأجاب أسامة الرجل، وفى الرواية السادسة ((أن أسامة حدث
سعدا)) وفى ملحقها ((أن أسامة وسعدا تحدثا)) ولا تعارض، فالرجل سأل سعدا، يظنه العليم بالخبر،
فتطوع أسامة بالجواب للرجل ولسعد، ووافق سعد أسامة وصدقه، فبسب إلى كل منهما الجواب،
ونسب إلى سعد وإلى الرجل السؤال.
(ماذا سمعت من رسول اللّه# فى الطاعون)؟ أى فى الدخول والخروج إلى ومن بلد
الطاعون؟ والطاعون فاعول من الطعن، يقال: طعن فهو مطعون وطعين، أى أصابه الطاعون.
والطاعون وباء معين، لأن الوباء هو المرض الذى يعم الكثيرين من الناس فى جهة من الجهات،
مغاير المعتاد، فالمعتاد أمراض مختلفة، أما الوباء فهو مرض واحد ينتشر بكثرة بشكل واحد،
وأعراض واحدة، وقد كثر إطلاق الوباء على الطاعون، كأنهما مترادفان، حتى كانت عبارة اللغويين
توهم ذلك. قال الخليل: الطاعون الوباء، والصحيح أن الوباء يعم أمراضا، إن سميت طاعونا فمن
حيث شبهها به فى الهلاك، فكل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعونا، وهذا التشابه فى الإطلاق هو
الذى جعل العلماء يطلقون الطاعون على أمراض ذات أعراض مختلفة، فصاحب النهاية يقول:
الطاعون المرض العام، الذى ينسد له الهواء، وتفسد به الأمزجة والأبدان. وأبو بكر بن العربى يقول:
الطاعون الوجع الغالب، الذى يطفئ الروح، كالذبيحة، سمى بذلك لعموم مصابه، وسرعة قتله.
والداودى يقول: الطاعون حبة تخرج من الأرقاع، وفى كل طي من الجسد. والقاضى عياض يقول:
الطاعون فى الأصل القروح الخارجة فى الجسد. وابن عبد البريقول: الطاعون غدة، تخرج فى المراق
- أى فى الأجزاء الرقيقة اللينة الجلد - والآباط، وقد تخرج فى الأيدى، والأصابع وحيث شاء اللّه.
٥٩٧

والنووى فى الروضة يقول: قيل: الطاعون انصباب الدم إلى عضو، وقال آخرون: هو هيجان الدم
وانتفاخه. والمتولى يقول: هو قريب من الجذام، من أصابه تآكلت أعضاؤه، وتساقط لحمه. والغزالى
يقول: هو انتفاخ فى جميع البدن من الدم مع الحمى، أو انصاب الدم إلى بعض الأطراف، فينتفخ
ويحمر، وقد يذهب ذلك العضو، والنووى يقول فى التهذيب: هو بثر وورم مؤلم جدا، يخرج مع لهب،
ويسود ما حواليه، أو يخضرن أو يحمر حمرة شديدة بنفسجية كدرة، ويحصل معه خفقان وقىء،
ويخرج غالبا فى المراق والآباط، وقد يخرج فى الأيدى والأصابع وسائر الجسد، وقال جماعة من
الأطباء، منهم أبو على بن سينا: الطاعون مادة سمية تحدث ورما قتالا، يحدث فى المواضع الرخوة
والمغابن من البدن، وأغلب ما تكون تحت الإبط، أو خلف الأذن، أو عند الأرنبة، قال: وسببه دم ردئ،
مائل إلى العفونة والفساد، يستحيل إلى جوهر سمى، يفسد العضو، ويغير ما يليه، ويؤدى إلى القلب
كيفية رديئة، فيحدث القىء والغثيان والغشى والخفقان، وهو لرداءته لا يقبل من الأعضاء، إلا ما كان
أضعف بالطبع، وأردؤه ما يقع فى الأعضاء الرئيسية، والأسود منه قل من يسلم منه، وأسلمه الأحمر،
ثم الأصفر.اهـ
قال الحافظ ابن حجر: هذا ما بلغنا من كلام أهل اللغة وأهل الفقه والأطباء فى تعريفه،
والحاصل أن حقيقته ورم، ينشأ عن هيجان الدم، أو انصباب الدم إلى عضو فيفسده، وإن غير ذلك من
الأمراض العامة الناشئة عن فساد الهواء، يسمى طاعونا بطريق المجاز، لاشتراكهما فى عموم
المرض، أو كثرة الموت.اهـ
ثم حاول الحافظ ابن حجر أن يوفق بين ما قاله عن حقيقة الطاعون ومنشئه وبين حديث ((فناء
أمتى بالطعن والطاعون. قيل: يا رسول الله، هذا الطعن قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: وخز أعدائكم
من الجن)) أخرجه أحمد، والحاكم وابن خزيمة وصححاه والطبرانى، ودافع عن صحة الحديث بما لا
يسلم له، وقال: كون الطاعون من طعن الجن لا يخالف ما قال الأطباء، من كونه ينشأ عن هيجان
الدم أو انصبابه، لأنه يجوز أن يكون ذلك يحدث عن الطعنة الباطنة، فتحدث منها المادة السمية،
ويهيج الدم بسببها أو ينصب وإنما لم يتعرض الأطباء لكونه من طعن الجن لأنه أمر لا يدرك بالعقل،
وإنما يعرف من الشارع، فتكلموا فى ذلك على ما اقتضته قواعدهم. قال الكلابانى فى معانى الأخبار:
يحتمل أن يكون الطاعون على قسمين، قسم يحصل من غلبة بعض الأخلاط، من دم أو صفراء
محترقة، أو غير ذلك وقسم يكون من وخز الجني، كما تقع الجراحات من القروح التى تخرج فى البدن
من غلبة بعض الأخلاط، وإن لم يكن هناك طعن، وتقع الجراحات أيضا من طعن الإنس.اهـ قال:
ومما يؤيد أن الطاعون إنما يكون من طعن الجن وقوعه غالبا فى أعدل الفصول، وفى أصح البلاد
هواء، وأطيبها ماء، ولأنه لوكان بسبب فساد الهواء لدام فى الأرض، لأن الهواء يفسد تارة ويصح
أخرى، وهذا يذهب أحيانا، ويجىء أحيانا، ويجىء أحيانا على غير قياس ولا تجربه، فربما جاء سنة
على سنة، وربما أبطأ سنين، وبأنه لوكان كذلك لعم الناس والحيوان والموجود بالمشاهدة أنه يصيب
الكثير، ولا يصيب من هم بجانبهم ممن هو فى مثل مزاجهم، ولو كان كذلك لعم جميع البدن، وهذا
يختص بموضع من الجسد، ولا يتجاوزه، ولأن فساد الهواء يقتضى تغير الأخلاط، وكثرة الأسقام، وهذا
فى الغالب يقتل بلا مرض، فدل على أنه من طعن الجن.اهـ
٥٩٨

وهذا الذى قاله الحافظ ابن حجر - رحمه الله - غير مقبول، وما استدل به مردود معارض، والجن
المشهور اصطلاحا بأنه خلق من خلق الله، وجنس من مخلوقاته كالإنس، وأنه يرانا من حيث لا نراه،
وأنه يعيش معنا، وعلى أرضنا، لا سلطان له علينا إلا بالوسوسة، وصدق الله العظيم إذ يقول ﴿وَقَالَ
الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَهَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانِ إِلا
أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِيَ فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] ولو أن للجن أن يطعن الإنْسَ
بغير سلاح لكتموا أنفاس بنى آدم جميعا فى لحظات، ولو أن للجن قدرة على طعن الإنس لطعن فى
أصعب الفصول كأعدلها، وفى أفسد البلاد هواء كأصحها، وفى أخبث الماء كأطيبه، إذ لا فرق عنده،
ولدام فى الأرض بدوام عبث الجن وإفساده، ولعم الناس والحيوان، لأن الجن إذا قدروا على طعن
الإنسان قدروا على طعن الحيوان، وعلى طعن الإنسان فى كل مكان لا مكان دون مكان، فكل ما قاله
الحافظ كدليل، لا ينتج الدعوى، ولا يفيد فى الاستدلال، ولو أنه حين ردد أسبابا للمرض غير معقولة،
وغير منتجة رد ذلك كله إلى قدرة اللَّه تعالى لكان خيرا.
ثم إن الحديث الذى حاول الحافظ تصحبحه غير صحيح ولا يعمل بمثله فى العقائد، وعلى فرض
صحته فالجن فى اللغة كل ما استتر، والميكروب أو الفبروس مخلوقات خفية، لا ترى بالعين
المجردة، وهى فى الطب والعقل والإدراك هى سبب الآلام والوخز، وكون الوباء ينتشر فى الكثيرين له
أسبابه المعروفة بالعدوى، وكونه يصيب شخصا ولايصيب من بجواره له تعليله الطبى والعقلى
وسيأتى مزيد لهذه المسألة عند الكلام على أنه عذاب من عند الله، وأنه لا يدخل إليه خارج عنه، ولا
يخرج عنه من هو داخل فيه.
(الطاعون رجز - أو عذاب- أرسل على بنى إسرائيل - أوعلى من كان قبلكم)
الرجز، ووقع ((رجس)) بالسين، وبالزاى هو المعروف، وهو العذاب، وبالسين هو الخبيث أو النجس أو
القذر، وجزم الفارابى والجوهرى بأنه بالسين يطلق على العذاب أيضا، ومنه قوله تعالى ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ
اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥] وحكاه الراغب أيضا، والرواية هنا على الشك من
الراوى فيما سمع، هل سمع لفظ ((رجز)) أولفظ ((عذاب)) وفى الرواية الثالثة ((إن هذا الطاعون رجز))
بدون شك، وفى الرواية الثانية ((الطاعون آية الرجز)) أى علامة العذاب، على معنى أن آلامه والموت
به عذاب على العاصين، والمرض نفسه علامة على هذا الألم، ففى الرواية الخامسة ((إن هذا الوجع أو
السقم رجز».
والرواية هنا ((أرسل على بنى إسرائيل، أو على من كان قدلكم)) بالشك من الراوى، وينو إسرائيل
كانوا قبلنا، لكنهم بعض من كان قبلنا، فالتنصيص على بنى إسرائيل أخص، والمراد أيضا بعض بنى
إسرائيل، لا كلهم، ففى الرواية الرابعة ((أرسله الله على طائفة من بنى إسرائيل)) وفى الرواية
الخامسة ((عذب به بعض الأمم قبلكم» أى بعض أمة من الأمم قبلكم ((ثم بقى بعد)» أى بعد هذا
الابتلاء، أى بقى ميكروبه غير مصيب ومؤثر على أحد، أوبقى أمره والابتلاء به متوقعا بأهل الأرض
((فيذهب)) كوباء من الأرض ((المرة، ويأتى)) كوباء ((الأخرى)) والظاهر أن المراد بقاء ميكروبه، ففى
الرواية السادسة ((إن هذا الوجع رجز، أو عذاب، أو بقية عذاب، عذب به أناس من قبلكم)) ويرى بعض
العلماء أن الإشارة إلى من قبلنا من غير بنى إسرائيل إشارة إلى ما وقع فى قوم فرعون، أيام موسى
٥٩٩

عليه السلام، إذ أخرج الطبرى وابن أبى حاتم من طريق سعيد بن جبير قال ((أمر موسى بنى إسرائيل
أن يذبح كل رجل منهم كبشا، ثم ليخضب كفه فى دمه، ثم ليضرب به على بابه، ففعلوا، فسألهم
القبط عن ذلك؟ فقالوا: إن اللَّه سيبعث عليكم عذابا، وإنما ننجو منه بهذه العلامة، فأصبحوا وقد
مات من قوم فرعون سبعون ألفا، فقال فرعون عند ذلك لموسى ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ
كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] الآية فدعا، فكشفه اللَّه عنهم «قال الحافظ ابن حجر:
وهذا الخبر مرسل جيد الإسناد، وأخرج عبد الرزاق فى تفسيره، والطبرى من طريق الحسن، فى قوله
تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أَلُوفٌ حَذَّرَ الْمَوْتٍ﴾ قال: فروا من الطاعون ﴿فَقَالَ لَهُمُ
اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] ليكملوا بقية آجالهم)).
والإشارة إلى بنى إسرائيل إشارة إلى ما جاء فى قصة بلعام، اعتمادا على ما أخرج
الطبرى، من طريق سليمان التيمى أحد صغار التابعين، عن سيار: أن رجلا كان يقال له
بلعام، كان مجاب الدعوة، وأن موسى أقبل فى بنى إسرائيل، يريد الأرض التى فيها بلعام،
فأتاه قومه، فقالوا له: ادع الله عليهم.
فقال: حتى أوامرربى، فمنع، فأتوه بهدية فقبلها، وسألوه ثانيا، فقال: حتى أوامر ربى، فلم يرجع
إليه بشيء، فقالوا: لوكره لنهاك، ادع عليهم، فدعا عليهم، فصار يجرى على لسانه ما يدعوبه على بنى
إسرائيل فينقلب على قومه، فلاموه على ذلك، فقال: سأدلكم على ما فيه هلاكهم، أرسلوا النساء، فى
عسكرهم، ومروهن أن لا يمتنعن من أحد، فعسى أن يزنوا فيهلكوا، ففعلوا، فوقع الطاعون فى بنى
إسرائيل، فمات منهم سبعون ألفا فى يوم، والمقلل يقول: عشرون ألفا. وذكر ابن إسحق أن الله أوحى
إلى داود عليه السلام، أن بنى إسرائيل كثر عصيانهم، فخيرهم بين ثلاث: إما أن يبتليهم بالقحط، أو
بالعدو، أو بالطاعون ثلاثة أيام، فأخبرهم، فقالوا: اخترلنا، فاختار الطاعون، فمات منهم - إلى أن
زالت الشمس - سبعون ألفا، وقيل: مائة ألف، فتضرع داود إلى اللَّه تعالى، فرفعه.
فيحتمل أن تكون «أو(( بمعنى الواو، من قبيل عطف المغاير، ويراد بمن قبلنا، من غير بنى
إسرائيل ويكون المعنى: أرسل على بنى إسرائيل، وعلى أقوام غيرهم ممن كان قبلنا.
(فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا
تخرجوا فرارا منه) الصحيح أن علة النهى عن القدوم عليه التحرز من العدوى. فإن
السليم إذا دخل أرض وباء معد، لعرض نفسه للعدوى والإصابة، والنهى عن خروح من وقع
الطاعون بأرض هو بها، عدم نقل العدوى من مكان الوباء إلى غيره، ومنع انتشاره، وهذا هو
المعروف فى عرف الطب فى أرقى العصور بالعزل الصحى، أو الحجر الصحى، أى محاصرة
المرض المعدى فى أضيق حدوده، وهذا لا يتعارض مع الإيمان بالقضاء والقدر، ولا مع أن
العدوى لا تؤثر بنفسها، بل بإرادة الله تعالى، وسيأتي مزيد لهذه المسألة.
وقيل: إن حكمة النهى عن القدوم عليه أن لا يندم من قدم عليه فأصيب بتقدير الله تعالى، فبقول:
لولا أنى قدمت هذه الأرض لما أصابنى، يا لبتنى لم أقدم إليها، مع أنه ربما لو أقام فى الموضع الذى
كان فيه لأصابه، فأمر أن لا يقدم عليه حسما لهذا الندم، لا للوقاية الفعلية، ونهى من وقع وهو بها أن
٦٠٠