Indexed OCR Text
Pages 501-520
٤٩٥٧ - ٢٤ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ خُيَّيِّ رَضِي اللَّهِ عَنْهَا (٢٤) قَالَتْ: كَانَ النّبِيُّلَ مُعْتَكِفًا، فَأَيْتُهُ
أَزُورُهُ لَيْلًا فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ لِأَنْقَلِبٌ فَقَامٌ مَعِيَ لِيَقْلِي، وَكَانَ مَسْكُنُهَا فِي دَارٍ أُسَامَةً بْنِ زَيْدٍ.
فَمَرَّ رَجُلانٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّفَ أَسْرَعًا، فَقَالَ الْبِيُّ ◌َ: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا
صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيِّيٍّ» فَقّالا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانِ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ
مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا أَوْ قَالَ شَيْئًا».
٤٩٥٨- ٥ْ عَنْ صَفِيَّةَ زَوْجِ النّبِيِّ:﴿ رَضِي اللَّهِ عَنْهَا(٢٥)؛ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ◌ِ ◌ْ تَزُورُهُ
فِي اغْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةٌ، ثُمَّ قَامَتْ
تَنْقَلِبُ وَقَامَ النَّبِيِّ ◌َِ يَقْلِيُهَا. ثُمَّ ذَكَرَ بِمَغْنَى حَدِيثٍ مَعْمَرٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ «إِنَّ
الشَّيْطَانِ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ» وَلَمْ يَقُلْ: يَجْرِي.
المعنى العام
كانت المرأة قبل الإسلام عند العرب تخالط الرجال الأجانب، وتجالسهم، ويدخلون عليها بيتها،
فى حضرة زوجها، أو أهلها، أو بدون حضورهم، ولم نكن ملزمة بالتحشم فى اللباس، ولا فى القول،
فكان يطمع فيها من فى قلبه مرض، ويقع الفسق والفجور بسهولة، وبدون غيرة ولا أنفة عند الكثيرين،
حتى كان هناك البغايا المعلنات، وهناك نكاح الاستبضاع، وهو نوع من الزنا، وهناك المرأة تتخذ
الأخلاء، فتحمل، فتلحق ولدها من تشاء منهم، كما تصور ذلك السيدة عائشة رضى الله عنها فى
حديث البخارى.
جاء الإسلام فعظم من جريمة الزنا، وعنف فى عقابها إلى حد القتل بالرجم وكان لابد -والحالة
هذه- من سد المنافذ المؤدية إليه، وإغلاق الطرق الموصلة للوقوع فيه، فنهى القرآن الكريم عن
المقدمات بقوله ﴿وَلا تَقْرَبُوا الرَّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةٌ وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢] نعم نهى عن القرب
منه، وليس عن الوقوع فيه فحسب، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ونص على كثير من هذه
المقدمات، يغلق بابها، وفى سورة النور وسورة الأحزاب كثير، نقرأ منها قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ
يَغُضُّوا مِن أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَرْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتٍ
يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَّهُنَّ إِلا مَا ظَهَّرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِيْنَ بِخُمُرهِنَّ عَلَى
جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْءَابَائِهِنَّ أَوْ ءَابَاء بَعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَّائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ
إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخْوَاتِهِنَّ أَوْنِسَّائِمِنَّ أَوْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِيَنَ غَيْرِ أُولِي
(٢٤) وحَدََّا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمّيْدٍ وَتَقّارَبًا فِي اللَّفْظِ قَالا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّرَّاقِ أَخْبُرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الرُّهْرِيِّ عَن عَلِيِّ نْنٍ
حُسَيْنِ عَنْ صَفِيَّةً
(٢٥) وحدَّثنيه عبد الله بن عبد الرحمن الدارمى. أخبرنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهرى. أخبرنا على بن حسين أَنْ صَفِيَةً
زَوْجَ النّبِّ ◌َ أَخْبُرَتْهُ
٥٠١
الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِيْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ
مِنَ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١،٣٠]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَّكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا
الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاء
ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور: ٥٨]. ﴿وَإِذَا بَلَغَ اَلْأَطْقَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ﴾ [النور: ٥٩]. ﴿وَالْقَوَاعِدَّ
مِنَ النِّسَاءِ اللَاتِيِ لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبِّرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ
يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌلَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيِّ قُلْ لَأَرْوَاجِكَ وَبَنَّاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهنَّ مِن
جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْهَنَّ فِي ءَآبَائِهِنَّ وَلا أَبَّنَائِهنَّ
وَلا إِخْوَنِهِنَّ وَلا أَبْنَاء إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَّكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَأَتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ
اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيَّءٍ شَهِيدً﴾ [الأحزاب: ٥٥].
ومن المعلوم أن الوقاية خير من العلاج، وليس فى اتخاذ الحيطة والحذراتهام أو إساءة للرجال
أو النساء فحماية المرأة من الأخطار لا ينقصها بل يرفع من شأنها وقيمتها، فالجوهرة الثمينة هى
التى يحافظ عليها، وتتخذ الوسائل لوقايتها، حتى من أعبن الناظرين، والمهملات هى التى لا يهتم
بها وتلقى فى السلة وفى الطرقات، ولذلك وصف الله نساء الجنة والحور بأنهن مقصورات فى الخيام،
كأمثال اللؤلؤ المكنون.
ولما كان دخول الرجال على النساء من أخطر مقدمات الزنا، ومن بواعثه، ومن فرصه المهيأة
والوسيلة الأولى ليمارس الشيطان بها غوايته وتزيينه، فما اجتمع رجل وامرأة إلا كان الشيطان
ثالثهما، رسوله إليها، ورسولها إليه، لما كان ذلك كذلك نهى رسول اللّه ◌ُ عن دخول الرجال
الأجانب على النساء فى غيبة أزواجهن، فقال بأسلوب الحزم والتحذير: إياكم والدخول على النساء،
فقال أحد السامعين: يا رسول الله، أقارب الزوج، وأقارب الزوجة؟ لا يدخلون؟ قال رسول الله
هم الخطر الأكبر، الشر من جانبهم أكثر من الشر من الأجانب، لأن تمكنهم من الإقامة دون إنكار من
المجتمع يهيئ لهم فرصة الغواية أكثر من غيرهم، فهم كالموت، الذى هو خطر لابد منه.
إن النساء حبائل الشيطان، يستخدمهن كشباك لصيده، بل يستخدمهن للوسوسة فى صدور
الرجال، ولإيقاع ظن السوء فى قلوب البعض عن البعض، فإذا رأى رجلا وامرأة حدث من رآهم،
ليظنوا بهم سوءًا، ولو كانا أخوين أو زوجين، حتى مع رسول الله﴾.، وقد رؤى مع زوجته السيدة صفية
ليلة من ليالى رمضان، خرج من المسجد من معتكفه ليوصلها إلى بيتها، رآه رجلان، فسلما، وأسرعا
فى المشى، فناداهما: يا فلان ويا فلان، تعاليا، فجاءا، فقال لهما: هذه التى معى زوجتى صفية بنت
حيى، قالا: يا رسول الله، وهل نظن بك إلا خيرًا؟ قال: إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم،
وإنى خشيت أن يقذف فى قلوبكما وسوسة وشيئًا من ظن السوء.
عصم اللَّه الرجال والنساء من السوء والفحشاء، وصرف عنهم جميعا مكايد الشيطان.
المباحث العربية
(ألا لا يبيتن رجل) ((ألا)) أداة استفتاح تفيد تأكيد الجملة، وزيادة الاهتمام بمضمونها، والنهى
٥٠٢
عن المبيت ليس مقصودا، لذاته، بل المقصود الدخول والخلوة، نهارًا أو بياتا ففى الرواية الثانية
((إياكم والدخول على النساء)) وفى الرواية الثالثة ((لايدخلن رجل على مغيبة)).
(عند امرأة ثيب) خص الثيب بالذكر، لأنها التى يدخل إليها غالبا، وأما البكر فمصونة فى
العادة، مجانبة للرجال كثيرًا فلم يحتج إلى ذكرها، وهو من باب التنبيه، لأنه إذا نهى عن الدخول
على الثيب، التى يتساهل الناس فى الدخول عليها فى العادة، فالبكر أولى.
(إلا أن يكون ناكحاً أوذا محرم) قال النووى: ((يكون)) بالياء، أى إلا أن يكون الداخل زوجًا
أوذا محرم، قال: وذكره القاضى بالتاء ((إلا أن تكون ناكحًا أو ذات محرم)) قال: والمراد بالناكح
المرأة المزوجة وزوجها حاضر، فيكون مبيت الغريب فى بيتها بحضرة زوجها.اهـ أى إلا أن تكون
الثيب زوجة وزوجها موجود، أو أن تكون المرأة ذات محرم للداخل. قال النووي: وهذه الرواية التى
اقتصر عليها، والتفسير الذى فسره بها غريبان مردودان، والصواب الرواية الأولى التى ذكرتها عن نسخ
بلادنا، ومعناه: لا يبيتن رجل عند امرأة إلا زوجها أو محرم لها، وعند البخارى ((لا يخلون رجل بامرأة
إلا مع ذي محرم)) و((ذا)) فى ((ذا محرم)) زائدة، أى إلا أن يكون زوجًا أو محرمًا، قال النووي: والمحرم
كل من حرم عليه نكاحها على التأبيد لسبب مباح لحرمتها، فقولنا: ((على التأبيد)) احتراز من أخت
امرأته وعمتها وخالتها ونحوهن، وقولنا: لسبب مباح احتراز من أم الموطوءة بشبهة وبنتها، فإنه
حرام على التأبيد، لكن لا لسبب مباح، فإن وطء الشبهة لا يوصف بأنه مباح، وقولنا: لحرمتها احتراز
من الملاعنة، فهى حرام على التأبيد، لا لحرمتها، بل تغليظًا عليها.
(إياكم والدخول على النساء) الأجنبيات، أسلوب تحذير، و((الدخول)) منصوب على التحذير،
والتحذير تنبيه المخاطب على محذور ليحترز منه ويجتنبه، وأصل التقدير: أحذركم الدخول على
النساء، فحذف الفعل والفاعل فانفصل ضمير المفعول، فقيل: إياكم الدخول، بدون الواو، كقولنا إياكم
الأسد، وبالواو، كقولنا: إياك والأسد، وفى رواية ((لاتدخلوا على النساء)» وتضمن منع الدخول منع
الخلوة بطريق الأولى.
(أفرأيت الحموقال: الحمو الموت) بفتح الحاء وسكون الميم، وفى الرواية الثانية تفسير
الليث بن سعد («الحمو)) بأنه أخ الزوج وما أشبهه من أقارب الزوج، ابن العم ونحوه، وفسره المازرى
بأن المراد من الحمو أب الزوج، وقال: إذا نهى عن أبى الزوج، وهو محرم، فكيف بالقريب؟اهـ قال
النووى: اتفق أهل اللغة على أن الأحماء أقارب زوج المرأة، كأبيه وعمه وأخيه وابن أخيه وابن عمه
ونحوهم، و((الأختان)) بفتح الهمزة وسكون الخاء، جمع ختن، أقارب زوجة الرجل، والأصهار جمع
صهر يقع على النوعين، ثم قال: وأما قوله ((الحمو الموت)) فمعناه أن الخوف منه أكثر من غيره،
والشر يتوقع منه أكثر، لتمكنه من الوصول إلى المرأة، والخلوة من غير أن ينكر عليه، بخلاف الأجنبى،
ثم قال: والمراد بالحموهنا أقارب الزوج، غير آبائه وأبنائه، فأما الآباء والأبناء فمحارم لزوجته، تجوز
لهم الخلوة بها، ولا يوصفون بالموت، وإنما المراد الأخ وابن الأخ والعم وابنه ونحوهم، ممن ليس
بمحرم، وعادة الناس المساهلة فيه، ويخلو بامرأة أخيه، فهذا هو الموت، وهو أولى بالمنع من
الأجنبى، لما ذكرناه، فهذا الذى ذكرته هو صواب معنى الحديث.
٥٠٣
قال: وأما ما ذكره المازرى وحكاه أن المراد بالحمو أبو الزوج فهو كلام فاسد مردود، ولا يجوز
حمل الحديث عليه، وكذا ما نقله القاضى عن أبى عبيد: أن معنى ((الحمو الموت)) أى فليمت ولا
يفعل، هذا هو أيضًا كلام فاسد، والصواب ما قد مناه، وقال ابن الأعرابى: هى كلمة تقولها العرب، كما
يقال: الأسد الموت، والحرب الموت، أى: لقاؤه مثل الموت.اهـ والمعنى احذروه كما تحذرون الموت.
وقيل: معناه أن الخلوة بالحمو قد تؤدى إلى هلاك الدين، إن وقعت المعصية، أو إلى الموت إن
وجب الرجم، أو إلى هلاك المرأة بفراق زوجها، إذا حملته الغيرة على تطليقها، أشار إلى ذلك كله
القرطبى، وقال صاحب مجمع الغرائب: يحتمل أن يكون المراد أن المرأة إذا خلت فهى محل الآفة،
ولا يؤمن عليها أحد، فليكن حموها الموت، أى الحقيقى، أى لا يجوز لأحد أن يخلوبها إلا الموت،
كما قيل: نعم الصهر القدر، وهذا لائق بكمال الغيرة والحمية، وقال عباض: معناه أن الخلوة بالأحماء
مؤدية إلى الفتنة والهلاك فى الدين، فجعله كهلاك الموت، والكلام ورد مورد التغليظ، وقال القرطبى
فى المفهم: المعنى أن دخول قريب الزوج على امرأة الزوج يشبه الموت فى الاستقباح والمفسدة، أى
فهو محرم معلوم التحريم، وإنما بالغ فى الزجر عنه، وشبهه بالموت لتسامح الناس به من جهة الزوج
والزوجة، لإلفهم بذلك، حتى كأنه ليس بأجنبى من المرأة، فخرج هذا مخرج قول العرب: الحرب
الموت، أى لقاؤها يفضى إلى الموت، وكذا دخوله على المرأة قد يفضى إلى موت الدين، وقال ابن
الأثبر فى النهاية: المعنى أن خلوة المحرم بها أشد من خلوة غيره من الأجانب، لأنه ربما حسن لها
أشياء، وحملها على أمور، تثقل على الزوج، من التماس ما ليس فى وسعه، فتسوء العشرة بين الزوجين
بذلك، ولأن الزوج قد لا يؤثر أن يطلع والد زوجته أو أخوها على باطن حاله.اهـ فكأنه قال: الحمو
الموت، أى لابد منه، ولا يمكن حجبه عنها، كما أنه لابد من الموت.
قال النووي: وفى الحم أربع لغات:
إحداها: هذا حموك بالواو فى الرفع، ورأيت حماك، بالألف فى النصب، ومررت بحمبك، بالياء
فی الجر.
والثانية: هذا حمؤك بإسكان الميم، وهمزة مرفوعة، ورأيت حماك، ومررت بحمثك.
والثالث: هذا حماك، ورأيت حماك، ومررت بحماك، كما تقول فى: قفاك.
الرابعة: ((حم)) كأب، وأصله حمو، بفتح الحاء والميم، وحماة المرأة أم زوجها لا يقال فيها غير
هذا.اهـ ومعنى ((أفرأيت)) أخبرنى، بمجاز مرسل فى همزة الاستفهام، بإرادة مطلق الطلب من طلب
الفهم، أى بعلاقة الإطلاق بعد التقييد، ومجاز مرسل فى الرؤية، بإرادة الإخبار المسبب عن الرؤية
غالبًا، أى بإطلاق السبب وإرادة المسبب، فآل الأمر إلى طلب الإخبار، المدلول عليه بلفظ أخبرنى.
أى أخبرنى عن دخول الحمو على المرأة.
(لم أر إلا خيراً) أى لا أتهمها، ولا أتهمهم، فما رأيت منها، ولا منهم فى هذا اللقاء إلا خيرًا،
لكننى كرهت هذا اللقاء.
(إن الله قد برأها من ذلك) أى من الشر والفساد، أى بسبب شهادتك وانطباعك، أو قال ذلك
بوحى نزل عليه.
٥٠٤
(لا يدخلن رجل -بعد يومى هذا - على مغيبة، إلا ومعه رجل أو اثنان) ((بعد يومى
هذا)) أى بعد لحظتى هذه، وليس المراد إباحة الدخول بقية اليوم. والمغيبة بضم الميم وكسر الغين
وإسكان الياء، من غاب زوجها عنها، يقال: أغابت المرأة، أى قام بها غياب زوجها، فهو اسم فاعل
من ((أغاب)) قال النووى: والمراد غاب زوجها عن منزلها، سواء غاب عن البلد، بأن سافر، أو غاب عن
المنزل، وإن كان فى البلد، هكذا ذكره القاضى وغيره، وهذا ظاهر متعين، قال القاضى: ودليله هذا
الحديث، وأن القصة التى قيل بسببها كان أبوبكر هه غائبًا عن منزله، لا عن البلد.
ثم قال النووى: وظاهر هذا الحديث جواز خلوة الرجلين أو الثلاثة بالأجنبية، والمشهور عند
أصحابنا تحريمه، فيتأول الحديث على جماعة يبعد وقوع المواطأة منهم على الفاحشة، لصلاحهم أو
مروءتهم أو غير ذلك. اهـ أى هناك وصف ملاحظ، والمعنى إلا ومعه رجل ثقة أو اثنان ثقتان.
(كان مع إحدى نسائه) هى صفية، رضى الله عنها، كما سيأتى، ففى الرواية الخامسة عنها
رضى الله عنها قالت: ((كان النبى ﴿ معتكفًا، فأتيته أزوره ليلا، فحدثته، ثم قمت لأنقلب)» أى لأرجع
إلى بيتى ((فقام معى ليقلبنى)) بفتح الياء وسكون القاف، أى ليردنى ويوصلنى إلى بيتى، وفى رواية
للبخارى ((حتى إذا بلغت باب المسجد، عند باب أم سلمة، مررجلان من الأنصار ... )) وفى الرواية
السادسة ((أنها جاءت إلى النبى و تزوره فى اعتكافه فى المسجد، فى العشر الأواخر من رمضان،
فتحدثت عنده ساعة)) أى وقتًا من الزمن ((ثم قامت تنقلب، وقام النبى (% يقلبها)» وعند عبد الرزاق
((أن النبى - كان معتكفًا فى المسجد، فاجتمع إليه نساؤه، ثم تفرقن، فقال لصفية: أقلبك إلى
بيتك، فذهب معها، حتى أدخلها ببتها)) وفى رواية ((كان النبى® فى المسجد، وعنده أزواجه،
فرحن، وقال لصفية: لا تعجلى حتى أنصرف معك)) قال الحافظ ابن حجر: والظاهر أن اختصاص
صفية بذلك، لكون مجيئها تأخر عن رفقتها، فأمرها بتأخير التوجه، ليحصل لها التساوى فى مدة
جلوسهن عنده، أو أن بيوت رفقتها كانت أقرب من منزلها، فخشى الندى { ل عليها، أو كان مشغولا،
فأمرها بالتأخر، ليفرغ من شغله، ويشيعها، وكانت بيوت أزواجه لل حوالى أبواب المسجد.
(فمربه رجل، فدعاه. فقال: يا فلان، هذه زوجتى فلانة) فى الرواية الخامسة ((فمر
رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبى { ₪ أسرعا، فقال النبى ﴿: على رسلكما)) بكسر الراء، ويجوز
فتحها، والرسل الهيئة والتؤدة وترك العجلة، أى امشيا على هينتكما، فليس هنا شىء تكرهانه، وفى
رواية فقال لهما النبي صل: ((تعاليا)» وفى رواية ((فلما أبصره دعاه، فقال: تعال)) وفى رواية للبخارى
((فسلما على رسول الله﴿، ثم نفذا، فقال لهما رسول اللَّه ◌َ﴿: على رسلكما)) وفى رواية ((فنظرا إلى
النبى *، ثم أجازا)) أى مضيا، يقال: جاز، وأجاز بمعنى، ويقال: جاز الموضع إذا سارفيه، وأجازه
إذا قطعه وخلفه، وعند ابن حبان ((فلما رأياه استحييا فرجعا)) قال الحافظ ابن حجر: فأفاد سبب
رجوعهما، وكأنهما لو استمرا ذاهبين إلى مقصدهما ما ردهما، بل لما رأى أنهما نركا مقصدهما
ورجعا ردهما.
وقد رد ابن التين رواية ((رجل)) وقال: إنها وهم، والصحيح رجلان، ثم قال: يحتمل نعدد القصة،
وتعقبه الحافظ ابن حجر فقال: الأصل عدم التعدد وعدم الوهم، بل هو محمول على أن أحدهما كان
٥٠٥
تبعًا للآخر، أو خص أحدهما بخطاب المشافهة، دون الآخر، ويحتمل أن الراوى كان يشك فيه، فيقول
مرة ((رجل)) ومرة ((رجلان)) فحيث أفرد ذكر الأصل، وحيث ثنى ذكر الصورة.
(وكان مسكنها فى دار أسامة بن زيد) فى رواية ((وكان بيتها فى دار أسامة بن زيد)) أى
الدار التى صارت بعد ذلك لأسامة بن زيد، لأن أسامة إذ ذاك لم يكن له دار مستقلة، بحيث تسكن
فيها صفية. قاله الحافظ ابن حجر.
(هذه زوجتى فلانة) قال النووى: هكذا فى جميع النسخ، بالتاء قبل الياء ((زوجتى)) وهى لغة
صحيحة، وإن كان الأشهر حذف التاء، وبالحذف جاءت آيات القرآن. اهـ وفى الرواية الخامسة
((إنها صفية بنت حيى)) وفى رواية ((هذه صفية بنت حيى)) وفى رواية ((إنما هى صفية بنت حيى))
و((حيى)) بضم الحاء وفتح الياء الأولى - مصغرًا، ابن أخطب، كان أبوها رئيس خيبر، وكانت صفية
فى السبى، فجاء دحية إلى النبى 28، فقال: أعطنى يا رسول اللَّه جارية من السبى، فقال له: اذهب
فخذ جارية، فأخذ صفبة. فجاء رجل، فقال: يا ندى اللّه، أعطيت دحية صفية؟ سيدة قريظة والنضير؟
لا تصلح إلا لك. قال: ادعوه بها، فجاء بها، فقال له النبى : خذ جارية من السبى غيرها، وأعتقها
رسول اللَّه ◌َ﴾، وتزوجها.
(فقال: يا رسول اللَّه، من كنت أظن به؟ فلم أكن أظن بك) الاستفهام إنكارى، بمعنى
النفى، أى لم أكن أظن بأحد سوءًا، فمن باب أولى لم أكن أظن بك سوءًا، وفى الرواية الخامسة
(((فقالا: سبحان اللَّه يا رسول الله!)) تنزيه الله عن النقائص، كلمة تقال عند التعجب، زاد في رواية
البخارى ((وكبر عليهما)» زاد فى الأدب المفرد «وكبر عليهما ما قال» وفى رواية «يارسول الله، هل
نظن بك إلا خيرًا»؟.
(إن الشيطان يجرى من الإنسان مجرى الدم) وفى ملحق الرواية السادسة ((إن
الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم)) وفى رواية ((ما أقول لكما هذا أن تكونا تظنان شرًّاً،
لكن قد علمت أن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم)) والمراد من ابن آدم جنس أولاد
آدم، فيدخل فيه الرجال والنساء.
وجريان الشيطان من ابن آدم مجرى الدم، قيل: هو على ظاهره، وأن اللَّه تعالى أقدره على ذلك
وجعل له قوة على التوصل إلى باطن الإنسان، وقيل: هو على سبيل الاستعارة، من كثرة إغوائه، وكأنه
لا يفارق كالدم، فاشتركا فى شدة الاتصال وعدم المفارقة، أى إن وسوسته تصل فى مسام البدن
سريان الدم فى البدن.
(وإنى خشيت أن يقذف فى قلوبكما شرًّا -أوقال: شيئا) وفى رواية ((إنى
خفت أن يدخل عليكما شيئًا)) قال الحافظ ابن حجر: والمحصل من هذه الروايات أن
النبى ® لم ينسبهما إلى أنهما يظنان به سوءا، لما تقرر عنده من صدق إيمانهما، ولكن
خشى عليهما أن يوسوس لهما الشيطان ذلك، لأنهما غير معصومين، فقد يفضى بهما ذلك
إلى الهلاك، فبادر إلى إعلامهما، حسما للمادة، وتعليما لمن بعدهما، إذا وقع له مثل ذلك،
وقد روى الحاكم أن الشافعى كان فى مجلس ابن عيينة، فسأله عن هذا الحديث؟ فقال
٥٠٦
الشافعى: إنما قال لهما ذلك، لأنه خاف عليهما الكفر، إن ظنا به التهمة، فبادر إلى
إعلامهما، نصيحة لهما، قبل أن يقذف الشيطان فى نفوسهما شيئًا، يهلكان به.
ثم قال: وغفل البزار، فطعن فى حديث صفية هذا، واستبعد وقوعه، ولم يأت بطائل. والله أعلم.
وجمع القلوب مع المثنى جائز، كقوله تعالى ﴿إِنْ تَتُوبًا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾
[التحريم: ٤] والله أعلم.
فقه الحديث
يؤخذ من الأحاديث
١- من الرواية الأولى والثانية والثالثة تحريم الخلوة بالأجنبية.
٢- وإباحة الخلوة بمحارمها. قال النووى: وهذان الأمران مجمع عليهما.
٣- من الرواية الثانية التحذير من خلوة الحمو بقريبته.
٤- ومن الرواية الرابعة والخامسة والسادسة جواز اشتغال المعتكف بالأمور المباحة، من تشييع
زائره، والقيام معه، والحديث مع غيره، والمشى القليل خارج المسجد.
٥- وإباحة خلوة المعتكف بزوجته، لكن يكره الإكثار من مجالستها، والاستلذاذ بحديثها، لئلا يكون
ذريعة إلى الوقاع أو إلى القبلة، أو نحوها، مما يفسد الاعتكاف. قاله النووى.
٦- وزيارة المرأة لزوجها أو محرمها المعتكف.
٧- وبيان شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته، وإرشادهم إلى ما يدفع عنهم الإثم.
٨- والتحرز من التعرض لسوء الظن.
٩- والتحفظ من كيد الشيطان، قال ابن دقيق العيد: وهذا متأكد فى حق العلماء ومن يقتدى به، فلا
يجوز لهم أن يفعلوا فعلا يوجب سوء الظن بهم، وإن كان لهم فيه مخلص، لأن ذلك سبب إلى
إبطال الانتفاع بعلمهم، ومن ثم قال بعض العلماء: ينبغى للحاكم أن يبين للمحكوم عليه وجه
الحكم، إذا كان خافيا، نفيا للتهمة، ومن هنايظهر خطأ من يتظاهر بمظاهر السوء ويعتذر بأنه
يجرب بذلك على نفسه.
١٠ - وفيه أدب القوم مع الكبير، ونفى الشبهة عنه، والاعتذار إليه بالأعذار الصحيحة، وقول: سبحان
اللَّه عند التعجب.
١١ - وفيه جواز خروج المرأة ليلا.
١٢ - وفيه إضافة بيوت أزواج النبي : إليهن، قال ابن المنير: وهذه النسبة تحقق دوام استحقاقهن
للبيوت ما بقين، لأن نفقتهن وسكناهن من خصائص النبي ﴿، والسرفيه حبسهن عليه، لا
يتزوجن غيره.
١٣- استدل به على موعظة الإمام للخصوم، وعدم حكمه بمقتضى علمه، فإنه صلى الله عليه وسلم كره
أن يقع فى قلب الأنصاريين وسوسة الشيطان، فمراعاة نفى التهمة عنه مع عصمته تقتضى
مراعاة نفى التهمة عمن هو دونه. قاله الحافظ ابن حجر. والله أعلم
٥٠٧
(٥٨٨) باب من أتى مجلسا فوجد فرجة جلس فيها
وتحريم إقامة الإنسان من موضعه، وإذا قام ثم عاد فهو أحق به
٤٩٥٩ - ٣٢٦ عَنْ أَبِي وَاقِدِ الْلَيْهِيِّ ﴿(٢٦) أَنَّ رَسُولَ اللّهِعَ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ
وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أَقْبَلَ نَفَرٌ ثَلاثَةٌ. فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِعَ﴿ِ. وَذَهَبَ وَاحِدٌ. قَالَ: فَوَقَّفًا
عَلَى رَسُولِ اللَّهِفَ﴿ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةٌ فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلّسَ
خَلْفَهُمْ. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ قَالَ: «أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ
الثّلاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا
الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ».
٤٩٦٠ - ٣٧ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٢٧) عَنِ النّبِيِّ ◌ِ ﴿ قَالَ: «لا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمُ الرَّجُلَ
مِن مَجْلِسِهِ ثُمَّ یَجْلِسُ فِیهِ».
٤٩٦١ - ثٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمًا(٢٨) عَنِ النّبِيِّ ◌َ قَالَ: «لا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ
مِن مَفْعَدِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا».
٤٩٦٢ -- وفي رواية عَنِ ابْنِ عُمّرَ، عَنِ النّبِيِّ ◌َّ بِمِثْلٍ حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِي
الْحَدِيثِ: «وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا» وَزَادَ فِي حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ: قُلْتُ: فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ.
قَالَ: فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا.
٤٩٦٣- ٣٩ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا(٢٩) أَنَّ النَّبِيَِّ﴿ قَالَ: «لا يُقِيمَنَّ
(٢٦) حَدْنَا قُقِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَن مَالِكِ بْنٍ أَنَسٍ فِيمَا قُرِّ عَلَيْهِ عَنْ إِسْحَقَ بْنٍ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةً أَنْ أَبَا مُرّةَ مَوْلَى عَقِيلٍ بْنِ أَبِي
طَالِبٍ أَخْبُرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدِ اللَّيْثِيِّ
- وحَّدَّثَنَا أَحْمَدُ بَنَّ الْمُنْذِرِ حَدََّنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدْنَا حَرْبٌ وَهُوَ ابْنُ شَدَّادٍ حٍ وَحَدْقَبِي إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبُرَنَا حَبَّانُ حَدَّقْنَا
أَبَانُ قَالا جَمِيعًا حَدَّثَنَا يَحْتَيَ بْنُ أَبِي كَثِيرِ أَنَّ إِسْحَقَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةٌ حَدِّقَهُ فِيَ هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِّهِ فِي الْمَعْنَى.
(٢٧) وحَّدََّا قُتَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ حٍ وَ حَدْفِي مُحَمَّدُ بْنُّ رُمْحِ بْنِ الْمُّهَاجِرِ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ تَفِعِ عَنِ ابْنِ عُمَّرَ
(٢٨) حَدَّثَّا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرِ حِ وَحَدَّقْنَا ابْنُّ نُمَّيْرِ حَدَّثَّا أَبِي حٍ وَحَدَََّّا زُهَيْرُ بَّنْ خَّرْبٍ حَدَّقْنَا يَخِى وَهُوَ
الْقَطَانُ ح وَ حَدْقَا ابْنُ الْمُثَنِى حَدَّقْنَا عَبْدُ الْوَهََّبِ يَعْنِي الثَّقَفِيَّ كُلُّهُمُّ عَنِ عُبَيَّدِ اللَّهِ ح وحَدْقَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَاللَّفْظُ
لَهُ حَدْثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ وَأَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ لُمَيْرٍ قَالُوا حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرٌ
- وحَدَّثَنَا أَبُوِ الرَّبِيعَ وَأَبُو كَامِلٍ قَالا حَدْقَا حَمَّدٌ حَدَقْنَا أَيُوبٌ ح وحَدَّثَتِي يَخْتِى بْنُ حَبِيبٍ حَدَِّا رَوْحٌ حٍ وِ حَدْقَيِي مُحَمَّدُ
ابْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبَّدُ الرِّزَّاقِ كِلَّهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ حَ وحَدَّتِي مُحَمَّدُ بْنْ رَافِعٍ حَدَّثَنَا أَبْنُ أَبِي فَدَيْكٍ أَعْبَرَنَا الضَّحَّاكُ يَغْيِي
ابْنَ عُثْمَانِ كُلُّهُمْ عَنِ نَافِعٍ ◌َنِ ابْنِ عُمَرٌ
(٢٩) حَدْقَّا أَبُوِ بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيَِّةً خَدَّثَنًا عَبْدُ الأَعْلَىِ عَنِ مِعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ بِسَالِمٍ عَنِ ابْنٍ عُمَّرٌ
- و حَدَّثَنَاهُ عَبَّدُ بْنٌ حُمَّيْدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
٥٠٨
أَحَدُكُمْ أَخَاهُ ثُمَّ يَجْلِسُ فِي مَجْلِسِهِ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا قَامَ لَهُ رَجُلٌ عَن مَجْلِسِهِ
لَمْ يَجْلِسْ فِيهِ.
٤٩٦٤- ٣٠ عَن جَابِرٍ﴾(٣٠) عَنِ النّبِيِّ:﴿ قَالَ: «لا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ
لْيُخَالِفْ إِلَى مَفْعَدِهِ فَيَقْعُدَ فِيهِ وَلَكِنْ يَقُولُ افْسَحُوا».
٤٩٦٥- ٣١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٣١) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ)» وَفِي حَدِيثٍ
أَبِي عَوَانَةَ: «مَنْ قَامَ مِن مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ».
المعنى العام
للمجالس حرمة، وللجلوس فيها آداب، وللمرور عليها حقوق، وإذا كان الحديث قد تعرض سابقاً
لحق الطريق فهوهنا، وفى هذا الباب يتعرض لحقوق المجالس.
كان المسجد النبوى بالمدينة المدرسة الأولى فى الإسلام، وكان رسول اللَّه لا يجلس فيه فى
أوقات فراغه، يجتمع بأصحابه، يقرأ عليهم من القرآن، ويعلمهم أمور دينهم، ويتخولهم بين الحين
والحين بالموعظة والرقائق والآداب. وكان المسجد مطروقًا بين طريقين، ويصل بين جهتين بدون
أبواب، فكان بعض الناس يمر به، إذا انتقل من الجهة إلى الأخرى، وبينما كان رسول اللّه # يعلم
أصحابه بالمسجد، دخل ثلاثة من الرجال، دخلوا للمرور فى طريقهم إلى الجهة الأخرى، فلما وصلوا
عند الحلقة رغب أحدهم فى الجلوس، فوجد فى الحلقة مكانًا خاليًا يكفيه، فجلس فيه، وتردد الثانى
فى الجلوس، إن له مصلحة خرج يقضيها، أيذهب إليها؟ ويستمر فى مشيه؟ أم يجلس كما جلس
صاحبه؟ وبعد خطوات تجاوز بها الحلقة استحيا من نفسه، واستحيا أن يعاب من صاحبه ومن
الجالسين، فعاد، فجلس خلف الحلقة، حيث لم يجد فرجة، كما وجد الأول، وأما الثالث فلم يتردد فى
الانصراف إلى مصلحته، والإعراض عن مجلس رسول اللَّه : ﴿. ورأى رسول اللَّه ﴿ النفر الثلاثة، فلما
انتهى من الموضوع الذى يتكلم فيه، قال لأصحابه: أخبركم عن النفر الثلاثة الذين رأيتموهم، أما الأول
فقد لجأ إلى اللَّه، وإلى العلم، فاحتضنه اللَّه برعايته ورضوانه، وأما الثانى فقد غلبه الحياء، فنال
رحمة اللَّه وعفوه، وأما الثالث فاستغنى عن العلم فاستغنى اللّه عنه، ومن يستغن اللّه عنه ويهمله، فقد
حرم الخير كله، وكان من المغضوب عليهم والضالين المطرودين.
فمجالس العلم والذكر، لها حقوق على من يتمكن من الانتفاع بها، وكل جالس فيها له حقوق على
الداخل عليهم، وله حق فى المكان الذى جلس فيه، لا يقيمه أحد منه مهما كان قدر الداخل عليه، فهو
أحق به من غيره، ما دام قد سدق وجلس فيه، نعم لوقام باختياره ورضاه تكريماً لقادم، ليجلسه فى
(٣٠) وحَذََّا سَلَّمَةُ بْنُ شَبِيبٍ حَدًَّا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ حَدْقْنَا مَعْقِلٌ وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَن أَبِي الزُّبَيْرِ عَن جَابِ
(٣١) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ وَقَّالَ قُتِبَةُ أَيْضًا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ مَّحَمَّدٍ كِلاَهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِهِ عَن
أَبِي هُرَيْرَةً
٥٠٩
مكانه كان تنازلا وإيتارا مقبولا منه، مشكورًا عليه، وإن كان الأولى للداخل أن لا يجلس فى المكان
الذى أوثر به، هضما للنفس، وبعدًا عن الريب والشبهات، وقد كان ابن عمر رضى الله عنهما يفعل
ذلك، إذا قام له أحد عن مجلسه شكره، ولم يجلس فيه، فالناس فى الأماكن العامة شركاء، وفى
المجالس والمساجد الخاصة سواسية، من سبق إلى مكان كان أحق به حيازة وانتفاعًا، لا يحق لآخر
أن يحوله عنه، لا فى اجتماعات الجمعة للصلاة، ولا لغيرها، حتى الباعة الذين يضعون أمتعتهم على
جانب الطريق العام، أو فى متسعات الأماكن، من وضع أمتعته فى مكان حاز الانتفاع به، لا يزاحمه
زميل له، نعم يجب على من شغل مكاناً أن لا يفرش نفسه على قدر لا ضرورة له، فإن فعل، وجاء
محتاج إلى مكان كان عليه أن ينضم ويفسح لأخيه المسلم، فاللَّه تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١١].
وحتى إذا اضطر من شغل مكاناً وسبق إليه، أن يقوم عنه لفترة قصيرة، كقضاء حاجة أو وضوء أو
إحضار كتاب أو مصحف، ثم عاد فهو أحق بمكانه، وعلى من شغله أن يخليه له.
تلك حقوق وواجبات حرص الشارع على بيانها، حفاظاً على المودة بين المسلمين، وتفادياً
لبواعث الشقاق والخلاف والبغضاء.
المباحث العربية
(بينما هو جالس فى المسجد، والناس معه، إذا أقبل نفر ثلاثة) ((بينما)) أصله ((بين)»
الظرفية الزمانية، زيدت عليها ((ما)) وقد تزاد الألف فقط، فيقال ((بينا)) وهو ملازم للإضافة إلى جملة،
ويحتاج إلى جواب، هو العامل فيه، إذا لم يكن فى الجملة لفط المفاجأة، فإن وجد - كما هنا-
فالعامل معنى المفاجأة، وكان جلوسه صلى الله عليه وسلم فى هذا الوقت لوعظ الناس وتعليمهم
الشريعة، وجملة ((والناس معه)) حالية، والمراد من الناس بعض الصحابة، و((إذا)) للمفاجأة، والنفر
بفتح النون والفاء اسم جمع، ويطلق على جماعة من الرجال، ليس فيهم امرأة، ويقع على العدد، من
ثلاثة إلى عشرة، و((ثلاثة)) بدل من ((نفر)) وفى رواية البخارى ((ثلاثة نفر)) بإضافة ((نفر)) إلى ((ثلاثة))
والإضافة بيانية، كقوله تعالى: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨] وكان إقبالهم من باب المسجد، مارين
بمجلس الرسول /، وكان للمسجد فتحتان متقابلتان، كالبابين، يمر منهما الناس،
ويطرقونه كالشارع.
(فأقبل اثنان إلى رسول اللَّه وَ لا) هذا إقبالٍ آخر غير الأول، وفى الكلام مضاف محذوف، أى
أقبل اثنان من طريق مرورهما إلى مجلس رسول اللّه 8/®، وفى حديث أنس (فإذا ثلاثة نفر يمرون،
فلما رأوا مجلس النبى # أقبل إليه اثنان منهم، واستمر الثالث ذاهبا)».
(فوقفا علي رسول اللّه ﴿)((على)) بمعنى ((عند)) أو فى الكلام مضاف محذوف، تقديره: على
مجلس رسول الله وُ ل﴾.
(فأما أحدهما فرأى فرجة فى الحلقة، فجلس فيها) ((أما)) حرف تفصيل، تجب الفاء
٥١٠
فى تلوتاليه («فرأى» والعرجة بضم الفاء وفتحها، هى الخلل بين الشيئين، ويقال لها أيضاً: فرج بفتح
الفاء وسكون الراء، وجمعه فروج وهى الشق بين الشيئين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهَا مِن فُرُوجِ﴾
[ق: ٦] وأما الفرجة بمعنى الخلاص من الغم فذكر الأزهرى فيها فتح الفاء وضمها وكسرها، يقال: فرّج
بين الشيئين، وفرج له فى الحلقة والصف، بفتح الفاء والراء،، يفرج بكسر الراء وضمها، فرجا
بسكونها، أى شق، وفرج الشىء، بتشديد الراء وسعه، وأفرج الغبار انكشف، وأفرج عن السجين أطلقه،
وانفرج الشىء اتسع، وانفرج ما بين الشيئين، وانفرج الغم، وأما الحلقة بإسكان اللام، وحكى فتحها،
والجمع حلق بفتحتين.
(وأما الآخر فجلس خلفهم) الآخر أى الثانى، وفيه رد على من زعم أنه يختص بالأخير.
(وأما الثالث فأدبر ذاهباً) إن أريد من الإدبار الذهاب كان ((ذاهبا)) حالا مؤكدة، وإن أريد
من الإدبار الإعراض كانت حالا مؤسسة، وقيل، معنى ((ذاهبا)) مستمرا فى ذهابه، فتكون حالا
مؤسسة أيضاً.
(فلما فرغ رسول اللّه ◌ِ﴿) من عظته ودرسه.
(ألا أخبركم عن النفر الثلاثة) ((ألا)) هى همزة الاستفهام الإنكارى، بمعنى النفى، دخلت
على ((لا)) النافية، ونفى النفى إثبات، فالمعنى أخبركم عن النفر الثلاثة، وفائدتها على هذا التنبيه إلى
أهمية ما بعدها، وفى الكلام مضاف محذوف، أى عن أحوال النفر الثلاثة.
(أما أحدهم فأوى إلى اللَّه فآواه اللَّه) قال القرطبى: الرواية الصحيحة بقصر الأول، ومد
الثانى، وهو المشهور فى اللغة، قال النووى: وهى اللغة الفصيحة، وبها جاء القرآن، أى إذا كان لازما
كان مقصوراً، وإذا كان متعديا كان ممدودًا، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣]
وقال تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْبَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٠] وقال فى المتعدَى ﴿وَءَاوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾
[المؤمنون: ٥٠] وقال ﴿أَلَمْ يَجَدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى: ٦] قال القاضى: وحكى بعض أهل اللغة
فيهما جميعاً لغتين، القصر والمد، فيقال: أويت إلى الرجل، بالقصر والمد، وآويت الرجل بالمد
والقصر، والمشهور التفرقة كما سبق.
قال العلماء: معنى ((أوى إلى اللَّه)) لجأ إلى اللّه، قيل: فى الكلام مضافان محذوفان، أى
لجأ وانضم إلى مجلس رسول اللَّهِ ﴿، ومعنى ((فآواه اللَّه)) أى جازاه بنظير فعله، بأن ضمه
إلى رحمته ورضوانه.
(وأما الآخر فاستحيا، فاستحيا اللَّه منه) أى ترك المزاحمة، كما فعل رفيقه الذى جلس
فى الفرجة، حياء من اللَّه تعالى، ومن النبى { { ومن أصحابه، أو استحيا من الذهاب عن المجلس،
كما فعل رفيقه الذى مضى ذاهباً، ويرجحه رواية أنس، ولفظها عند الحاكم ((ومضى الثانى قليلا، ثم
جاء، فجلس)) ومعنى ((فاستحيا اللَّه منه)) أى رحمه، ولم يعذبه، بل غفر ذنوبه، وقيل: جازاه بالثواب،
قالوا: ولم يلحقه بدرجة صاحبه الأول فى الفضيلة، الذى آواه، وبسط له اللطف، وقربه.
(وأما الآخر فأعرض، فأعرض اللَّه عنه) أعرض عن مجلس العلم، وانصرف عنه، فعامله الله
٥١١
تعالى وجزاه على إساءته، إعراضاً عنه، وصرفاً لرحمته ورضوانه عنه، والإعراض فى الأصل انصراف
النفس عن الشىء، وعدم التوجه إليه، ففى الكلام مشاكلة ومقابلة، كقوله تعالى ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ
وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] وفى الحديث ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا
يزكيهم، ولهم عذاب أليم)) وهذا هو المراد من الإعراض، الإهمال وعدم الإحسان. وقوله ((فأعرض الله
عنه)» يحتمل أن يكون خبراً، ويحتمل أن يكون دعاء، وسيأتى مزيد لهذا فى فقه الحديث.
(لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه، ثم يجلس فيه) ((لا يقيمن)) بالنهى المؤكد وفى
الرواية الثالثة ((لا يقيم الرجل الرجل من مقعده، ثم يجلس فيه)) بلفظ الخبر ((لا يقيم)) مضارع مرفوع،
وهو خبر بمعنى النهى، وفى بعض الروايات ((لا يقم)) بالنهى من غير توكيد. وفى الرواية الرابعة ((
لايقيمن أحدكم أخاه، ثم يجلس فى مجلسه)) وذكر الأخ لا مفهوم له، بل ذكر لمزيد التنفير عن ذلك
لقبحه، لأنه إن فعله من جهة الكبر كان قبيحاً، وإن فعله من جهة الأثرة كان أقبح، وفى الرواية
الخامسة ((لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة - أى فى اجتماع الصلاة - ثم ليخالف إلى مقعده، فيقعد
فيه)) يقال: خالف إلى الشىء، وخالف فى الشىء، إذا أتاه من خلفه، أو قصده بعد ما أبعده عنه، قال
تعالى ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] وعند البخاري عن ابن عمر أن النبىِ لَّ
نهى أن يقام الرجل من مجلسه، ويجلس فيه آخر)» و«يجلس)» هنا ضبطت بضم الياء وفتح اللام،
وبفتح الياء وكسر اللام، وفى الملحق الثانى للرواية الثالثة ((قلت: فى يوم الجمعة؟ قال: فى يوم
الجمعة وغيرها)) السائل ابن جريج الراوى عن نافع عن ابن عمر، والمجيب نافع، رحمهم الله تعالى.
وسبب سؤال ابن جريج علمه بالرواية الخامسة التى ذكر فيها ((يوم الجمعة)» وجعل نافع النهى عاماً،
وسيأتى التفصيل فى فقه الحديث.
(ولكن تفسحوا وتوسعوا) وفى الرواية الخامسة ((ولكن يقول: افسحوا)) والتفسح التوسع،
فعطف «توسعوا)) على ((تفسحوا)» عطف تفسيرى.
فقه الحديث
يؤخذ من الأحاديث
١- عن الرواية الأولى قيل: إنها لم تتعرض إلى تسليم اللذين جلسا فى مجلس العلم، هل سلما؟ فرد
عليهما السلام؟ أولم يسلما؟ وهل صليا تحية المسجد؟ أولم يصليا؟ وقد تناول العلماء هاتين
النقطتين بالتوجيه، فقيل: لعلهما سلما، ورد الرسول # والصحابة السلام، أو أنهما سلما، ولم يرد
عليهما أحد، لأن المشتغل بالعلم، المستغرق فى العبادة، لا يجب عليه الرد، ولم ينقل إلينا هذا أو
ذاك، لشهرته، وعدم الحاجة إلى الإخبار به، وقيل: لعلهما لم يسلما، اعتماداً على عدم مشروعية
السلام على المشتغل بالعلم، وعلى كلا الجوابين لا مؤاخذة عليهما، إذ لو أتيا ما يلامان عليه
لنبههما صلى الله عليه وسلم، وعلمهما، فلا وجه لهذا الإشكال أساساً.
أما الإشكال الثانى فقد قيل: لعلهما كانا على غير وضوء، ورد بأنه لو كان كذلك لنبههما صلى اللّه
عليه وسلم، فاعتذرا، ولم ينقل إلينا شىء من ذلك، وقيل: لعلهما دخلا فى وقت الكراهة، ويرد
٥١٢
الشافعية بأن تحية المسجد لاتكره فى أى وقت، وقيل: لعلهما صليا، ولم ينقل إلينا، لاهتمام الرواة
بغير ذلك من القصة، وعلى كل لم يثبت أنهما أتبا ما يلامان عليه، فليس فى الحديث دليل على
إثبات حكم، أو نفيه، لأن ما سكت عنه الراوى لا يستدل به على نفى أو إثبات.
٢- ويؤخذ أيضًا من الرواية الأولى اتخاذ المساجد مكاناً لدراسة العلم والوعظ، وجلوس
العالم فيها لذلك.
٣- واستحباب التحليق فى دروس العلم ومجالس الذكر، لأن ذلك أدعى إلى القرب من المعلم والقائد.
٤- واستحباب دخولها، ومجالسة أهلها.
٥- وأن من سبق إلى مكان فى الحلقة، أو فى المسجد كان أحق به.
٦- واستحباب القرب من العالم للتبرك، وللمناقشة، وللتمكن من السماع.
٧- سد الخلل والفرجة فى حلقة العلم، كما ورد الترغيب فى سد الخلل فى صفوف الصلاة.
٨- جواز التخطى لسد الخلل، ما لم يؤذ، فإن خشى الإيذاء استحب الجلوس حيث ينتهى، كما فعل
الثانى قاله الحافظ ابن حجر: والتحقيق أن الحديث ليس فيه دليل على هذا المأخذ، وإن كان
الحكم صحيحاً، فقد تكون الفرجة فى الحلقة الخارجية، إن كانت هناك حلقات، على أن ظاهر
الحديث أنها كانت حلقة واحدة، وإلا لقال: فرأى فرجة فى إحدى الحلقات.
٩- وفيه الثناء على من زاحم فى طلب الخير، قاله الحافظ ابن حجر أيضًا، لكن هذا المأخذ من هذا
الحديث بعيد، فليس فيه إشارة إلى المزاحمة.
١٠- فيه فضيلة الاستحياء من الانصراف عن باب الخير ودروس العلم، أو من المزاحمة فى الحلقات.
١١- واستحباب الجلوس حيث ينتهى المجلس، إذا لم تكن هناك فرجة.
١٢- وفيه الأدب فى مجالس العلم.
١٣- وفيه الثناء - ولو فى المواجهة - على من فعل الخير، أو فعلا جميلا، فإن رسول الله ﴾
أثنى على الاثنين.
١٤ - وذم من سنحت له فرصة الخير والعلم، فانصرف عنها، وهو محمول على من فعل ذلك بدون عذر.
١٥- وجواز الدعاء على المذنب بسخط اللَّه، وهذا على أن قوله ((فأعرض اللّه عنه)) دعاء عليه
بالإعراض، وعلى أنه كان مسلمًا، معرضًا بغير عذر، وقيل: لعله كان منافقًا، أو أطلع اللَّه نببه على
أمره، أما المسلم فلا يدعى عليه بذلك.
١٦- وجواز الإخبار عن أهل المعاصى وأحوالهم، للزجر عنها، وأن ذلك لا يعد من الغيبة المحرمة.
١٧- وابتداء العالم جلساءه بما يزيل عنهم الشبهات، ويوضح لهم أسرار الوقائع.
١٨ - ومن الرواية الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة قال النووى: هذا النهى للتحريم، فمن
٥١٣
سبق إلى موضع مباح فى المسجد وغيره، يوم الجمعة أو غيره، لصلاة أو غيرها، فهو أحق به،
ويحرم على غيره إقامته، لهذا الحديث، إلا أن أصحابنا - يقصد الشافعية- استثنوا منه ما إذا
ألف من المسجد موضعاً، يفتى فيه، أو يقرأ قرآنا وغيره من العلوم الشرعية، فهو أحق به، وإذا
حضر لم يكن لغيره أن يقعد فيه، وفى معناه من سبق إلى موضع من الشوارع ومقاعد للأسواق.اهـ
وقال ابن أبى جمرة: هذا اللفظ عام فى المجالس، ولكنه مخصوص بالمجالس المباحة، إما على
العموم، كالمساجد ومجالس الحكام والعلم، وإما على الخصوص، كمن يدعو قوماً بأعيانهم إلى
منزله، الوليمة ونحوها، وأما المجالس التى ليس للشخص فيها ملك ولا إذن له فيها، فإنه يقام،
ويخرج منها، ثم هو فى المجالس العامة ليس عاماً فى الناس، بل هو خاص بغير المجانين، ومن
يحصل منه الأذى، كآكل الثوم النئ إذا دخل المسجد، والسفيه إذا دخل مجلس العلم أو مجلس
الحكم. قال: والحكمة فى هذا النهى منع استنقاص حق المسلم، المقتضى للضغائن، والحث على
التواضع المقتضى للمواددة، وأيضا فالناس فى المباح كلهم سواء، فمن سبق إلى شىء استحقه،
ومن استحق شيئاً فأخذ منه بغير حق فهو غصب، والغصب حرام، فعلى هذا قد يكون بعض ذلك
على سبيل الكراهة، وبعضه على سبيل التحريم. اهـ
وقال ابن بطال: اختلف فى النهى، فقيل: للأدب، وقيل: هو على ظاهره، ولا يجوز لمن سبق إلى
مجلس مباح أن يقام منه، واحتج هؤلاء بالحديث الذى أخرجه مسلم -روايتنا السادسة- ((إذا
قام أحدكم من مجلسه، ثم رجع إليه، فهو أحق به)) قالوا: فلما كان أحق به بعد رجوعه، ثبت أنه
حقه قبل أن يقوم، وأجاب من حمله على الأدب أن الموضع فى الأصل ليس ملكه، قبل الجلوس،
ولا بعد المفارقة، فدل على أن المراد بالحقية فى حالة الجلوس الأولوية، فيكون من قام تاركا له
قد سقط حقه جملة، ومن قام ليرجع يكون أولى، وقد سئل مالك عن حديث أبى هريرة - روايتنا
السادسة- فقال: ما سمعت به، وإنه لحسن إذا كانت أوبته قريبة، وإن بعد فلا أرى ذلك له،
ولكنه من محاسن الأخلاق. وقال القرطبى فى المفهم: هذا الحديث يدل على صحة القول
بوجوب، اختصاص الجالس بموضعه، إلى أن يقوم منه، وما احتج به من حمله على الأدب،
لكونه ليس ملكاً له، لا قبل ولا بعد، ليس بحجة، لأنا نسلم أنه غير ملك له، لكن يختص به، إلى أن
يفرغ غرضه، فصار كأنه ملك منفعته، فلا يزاحمه غيره عليه، وقال النووى: قال أصحابنا: هذا فى
حق من جلس فى موضع من المسجد أو غيره لصلاة مثلا، ثم فارقه ليعود إليه، كإرادة الوضوء
مثلا، أو لشغل يسير، ثم يعود، لا يبطل اختصاصه به، وله أن يقيم من خالفه وقعد فيه، وعلى
القاعد أن يطيعه.
واختلف، هل يجب عليه؟ على وجهين، أصحهما الوجوب، وقيل: يستحب، وهو مذهب مالك، قال
أصحابنا: وإنما يكون أحق به فى تلك الصلاة، دون غيرها، قال: ولا فرق بين أن يقوم منه ويترك
له فيه سجادة ونحوها أم لا.
وقال عياض: اختلف العلماء فيمن اعتاد بموضع من المسجد للتدريس والفتوى، فحكى عن مالك
أنه أحق به إذا عرف به، قال: والذى عليه الجمهور أن هذا استحسان، وليس بحق واجب، ولعله
٥١٤
مراد مالك، وكذا قالوا فى مقاعد الباعة من الأفنية والطرق التى هى غير متملكة، قالوا: ومن اعتاد
بالجلوس فى شىء منها، فهو أحق به، حتى يتم غرضه، قال: وحكاه الماوردى عن مالك قطعاً
للنزاع، وقال القرطبى: الذى عليه الجمهور أنه ليس بواجب. والله أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ
وَإِذَا قِيلَ انْشَرُوا فَانْشَرُوا﴾ [المجادلة: ١١] أى إذا قيل: قوموا فقوموا، وظاهره أن يقام الرجل من
مجلسه، مما يتعارض والحديث، فقد قال ابن بطال: قال بعضهم: هو مجلس النبى 8* خاصة،
قال قتادة: كانوا يتنافسون فى مجلس النبى ﴾، إذا رأوه مقبلا ضيقوا مجلسهم، فأمرهم الله
تعالى أن يوسع بعضهم لبعض، قال الحافظ ابن حجر: لا يلزم من كون الآية نزلت فى ذلك،
الاختصاص. اهـ وأخرج ابن أبى حاتم عن مقاتل، قال: نزلت يوم الجمعة، أقبل جماعة من
المهاجرين والأنصار، من أهل بدر، فلم يجدوا مكاناً، فأقام النبى * ناساً، ممن تأخر إسلامهم،
فأجلسهم فى أماكنهم، فشق ذلك عليهم، وتكلم المنافقون فى ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية،
ومعنى هذا أن الأمر بالقيام وتنفيذه خاص بهذه الواقعة، ويأمثالها، وعن الحسن البصرى: أن
المراد بذلك مجلس القتال، قال: ومعنى قوله ﴿إِنْشَرُوا﴾ انهضوا للقتال.
١٩ - ومن الرواية الرابعة قال النووى: هذا ورع من ابن عمر، وليس قعوده فيه حراماً، إذا قام برضاه،
لكنه تورع عنه لوجهين:
أحدهما: أنه ربما استحى منه إنسان، فقام له من مجلسه من غير طيب قلبه، فسد ابن عمر
الباب، ليسلم من هذا.
الثانى: أن الإيثار بالقرب مكروه، أو خلاف الأولى، فكان ابن عمر يمتنع من ذلك لئلا يرتكب أحد
بسببه مكروهاً أو خلاف الأولى، بأن يتأخر عن موضعه فى الصف الأول، ويؤثره به، وشبه ذلك،
قال أصحابنا: وإنما يحمد الإيثار بحظوظ النفس وأمور الدنيا، دون القرب.
والله أعلم
٥١٥
(٥٨٩) باب منع المخنث من الدخول على النساء الأجانب
٤٩٦٦-٣٢° عَنْ أُمّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٣٢) أَنَّ مُخْنِفًا كَانَ عِنْدَهَا، وَرَسُولُ اللَّهِعَلِ فِي
الْبَيْتِ، فَقَالَ لأَخِي أُمِّ سَلَمَةَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ، إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ غَدًا فَإِنِّي
أَذُلَّكَ عَلَى بِنْتِ غَيْلانِ، فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ. قَالَ: فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ، فَقَالَ:
«لا يَدْخُلْ هَؤُلاءٍ عَلَيْكُمْ».
٤٩٦٧ - ٣ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٣٣) قَالَتْ: كَان يَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِ النّبِيِّنَ ﴿ مُخْنِّثٌ،
فَكَانُوا يَعُدُّونَهُ مِن غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ. قَالَ: فَدَخَلَ النّبِيُّ فَ يَوْمًا، وَهُوَ عِنْدَ بَعْضٍ نِسَائِهِ، وَهُوَ
يَنْعَتُ امْرَأَةٌ، قَالَ: إِذَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَتْ بِأَرْبَعٍ وَإِذَا أَدْبَرَتْ أَدْبَرَتْ بِثَمَانٍ. فَقَالَ الْبِيُّ ◌ِ﴾: «أَلا
أَرَى هَذَا يَعْرِفُ مَا هَاهُنَا لا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُنَّ» قَالَتْ: فَحَجْبُوهُ.
المعنى العام
يقول الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتٍ يَغْضُضْنَ مِن أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ
زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ
غَابَائِهِنَّ أَوْ ءَابَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنّائِهِنَّ أَوْ أَبْنّاءَ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ تَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوَ بَنِي
أَخَوَاتِهَنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِيَنَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَاَلِ أَوِ الطَّفْلِ
الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١].
فألحق اللَّه تعالى العبيد، والتابعين الذين لا رغبة لهم فى النساء، بالمحارم، الذين يجوزلهم
الخلوة بمحارمهم، والنظر إليهن فيما عدا ما بين السرة والركبة.
وتساهلت نساء فى هذا الزمان فى تعاملهن مع الخدم الأحرار، فانكشفن أمامهم،
واختلون بهم، فلا يتحشمن منهم، لأنهم - كما يقولون- خدم، وهذا خطأ شرعى كبير، ترتب
علبه فى بعض البلاد الإسلامية خطر وفساد عظيم، تماماً كما حصل من تساهل الرجال، فى
تعاملهم مع الخادمات الحرائر.
إن خطر هذا الصنف لا ينحصر فى احتمال الفاحشة، بل وفى نشر أسرار البيوت، وفى وصف
نسائها لرجال أجانب آخرين.
(٣٢) حَدَّثَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالا حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ح وحَدْقَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ أَخْبُرَنَا جَرِيرٌ ح وحَدْفًَا أَبُو كُرَيْبٍ
حَدََّا أَبُو مُعَاوِيَّةً كُلَّهُمْ عَنِ هِشَامٍ حَ وَ حَدََّا أَبُو كُرَيْبٍ أَيْضًا وَاللَّفْظُ هَذَا حَدََّا ابْنُ نُمْيْرٍ حَدْفَنَا هِشَامٌ عَنْ أَيْهِ عَنْ زَيْنَبَ
بِنْتِ أُمّ سَلَمَةَ عَنْ أُمَّ سَلّمَةً
(٣٣) وَحَدَّثَنًا عَنْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّرَاقِ عَن مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ غُرْوَةً عَنْ عَائِشَةً
٥١٦
ولنا في رسول اللّه :﴿، وفى توجيهه وتشريعه أسوة حسنة، فقد كان فى عهده صلى اللَّه عليه وسلم
مخنث شبه معتوه، يدخل البيوت، يستطعم منها الطعام، ويتكفف قوته بالطواف عليها، لا يتحشم
منه نساء، ولا يغار منه رجال، فهو فى نظرهم من غير أولى الإربة من الرجال.
فدخل هذا المخنث بيت أم المؤمنين أم سلمة، وعندها أخوها عبد الله بن أبى أمية، ثم دخل
رسول اللَّه:#، فسلم عليهم، ثم انتحى ناحية بعيدة عنهم، كان ذلك فى زمن حصار المسلمين لأهل
الطائف، وقد طال الحصار، اختلى المخنث بأخى أم سلمة، ثم قال له إسرارًا، يا عبد الله، يا بن أبى
أمية: إذا فتحتم الطائف غداً، فعليك بابنة غيلان. اسأل عنها، فإذا وقعت فى السبى فلا تفلت منك،
احرص على أن تكون من نصيبك، فإنها أجمل نساء الطائف، لقد رأيتها، وجلست معها فى طوافى
بالبيوت، إنها جميلة الوجه، فمها وثغرها الأحمر كالفراولة، وجسمها المملوء لحما يجذب الرجال،
وبطنها يتثنى وينطوى على أربع طيات، تبهر الرجل إذا نظر إليها من الأمام، فإذا نظر إليها من
الخلف رأى طرف الطيات الأربع من جهة، وطرفها الآخر من الجهة الأخرى فرآها تقبل بأربع، وتدبر
بثمان إن قعدت تثنت، وطهر كل فخذ على حدة، وإن تكلمت نغنت بأحلى غناء، وأرق صوت، وبين
رجلبها جزء مثل الإناء المقلوب، وسمعه الرسول 8# يصف ابنة غيلان وصفًا لا يصفه إلا دهاة الرجال
وأهل الغزل منهم، فقال فى نفسه: سبحانِ اللَّه! كنا نظنه لا يدرك مفاتن النساء، وليس له فبهن رغبة،
ولا يفطن المحاسنهن، ثم قال له: يا عدو اللَّه، غلغلت النظر إليها؟ قاتلك الله. كنت أحسبك لا تدرك
شيئًا من ذلك. لا تدخل من اليوم على النساء، واخرج من المدينة إلى الحمى والصحراء، وقال لأمهات
المؤمنين: لا تدخلن مثل هذا عليكن أبدا.
المباحث العربية
(عن أم سلمة أن مخنثاً كان عندها) قال أهل اللغة: المخنث بكسر النون وفتحها، وهو
الذى يشبه النساء فى أخلاقه وكلامه وحركانه، وقال ابن حبيب: المخنث هو المؤنث من الرجال،
وإن لم تعرف منه الفاحشة، مأخوذ من التكسر فى المشى وغيره. اهـ يقال: خنث الرجل، بكسر النون،
يخنث بفتحها، خنثا بفتحها، إذا فعل فعل المخنث وتثنى ونكسر، والخنثى فى الحيوان فرد تتكون
فبه أمشاج الذكر وأمشاج الأنثى، قال العلماء: المخنث ضربان: أحدهما من خلق كذلك، ولم يتكلف
التخلق بأخلاق النساء وزيهن وكلامهن وحركاتهن، بل هو خلقة، خلقه الله عليها، الضرب الثانى من
المخنث هو من لم يكن له ذلك خلقة، بل يتكلف أخلاق النساء وحركاتهن وهيئاتهن وكلامهن، ويتزيا
بزيهن، وسيأتى حكم كل منهما فى فقه الحديث.
قال النووى: واختلف فى اسم هذا المخنث، قال القاضى: الأشهر أن اسمه ((هيت)) بكسر الهاء
بعدها ياء ثم ناء، وقيل: ((هنب)) بالنون والباء، قاله ابن درستويه، وقال: إنما سواه نصحيف، قال:
والهذب الأحمق، وقبل: ((ماتع)) بالتاء، مولى فاختة المخزومية، وجاء هذا فى حديث آخر، ذكر فيه أن
النبى # غرب -ونعى- «ماتعا)) هذا، و((هيتا)» إلى الحمى، ذكره الواقدى، وذكر أبو منصور الباوردى
نحو الحكاية عن مخنث، كان بالمدينة، يقال له ((إنه)) وذكر أن النبى {وَ ◌ّ نفاه إلى حمراء الأسد،
٥١٧
والمحفوظ أنه ((هيت)) قال الحافظ ابن حجر: والراجح أن اسم المذكور فى حديث الباب ((هيت)» ولا
مانع أن يتواردوا فى الوصف المذكور ((مخنث)».
(ورسول اللّه :* فى البيت) أى فى بيت أم سلمة، وفى الرواية الثانية ((فدخل النبى {8* يوماً،
وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأة)» أى والمخنث عند أم سلمة.
(فقال لأخى أم سلمة: يا عبد الله بن أبى أمية) عبد الله بن أبى أمية هو أخو أم سلمة،
وكان إسلامه مع أبى سفيان بن الحارث فى غزوة الفتح، واستشهد عبد الله فى الطائف، أصابه سهم
فقتله، ووقع فى مرسل ابن المنكدر أنه قال ذلك لعبد الرحمن بن أبى بكر، فيحتمل على تعدد القول
منه لكل منهما، لأخى عائشة، ولأخى أم سلمة، قال الحافظ ابن حجر: والعجب أنه لم يقدر أن المرأة
الموصوفة حصلت لواحد منهما، لأن الطائف لم يفتح حينئذ، وقتل عبد الله بن أبى أمية فى حال
الحصار، ولما أسلم غيلان بن سلمة وأسلمت بنته «بادية)» تزوجها عبدالرحمن بن عوف، ووقع حديث
فى سعد بن أبى وقاص أنه خطب امرأة بمكة، فقال: من يخبرنى عنها؟ فقال مخنث، يقال له هيت:
أنا أصفها لك. فهذه قصص وقعت لهيت.
(إن فتح اللَّه عليكم الطائف غداً) كان هذا القول أثناء حصار المسلمين للطائف الذى
استمر عشرين يوماً فى شوال سنة ثمان من الهجرة، واستعصى على المسلمين فتحه، لأنهم كانوا قد
أعدوا لأنفسهم فى الداخل قوت سنة، وكانوا رماة، أخذوا يرمون المسلمين بالنبل وقطع الحديد
المحماة من فوق سور حصنهم، فنالوا منهم، وأصابوا كثيرين، ولم تصل نبال المسلمين إليهم، فرحل
رسول اللَّه ◌َ﴿ عنهم، ودعا اللَّه لهم بالهداية، فهداهم الله تعالى، فأسلموا.
(فإنى أدلك على بنت غيلان) بفتح الغين، وهو ابن سلمة بن معتب بن مالك الثقفى، أسلم
وتحته عشر نسوة، فأمره رسول اللَّه أن يختار أربعاً، وكان من رؤساء ثقيف، وعاش إلى أوائل
خلافة عمرة
(فإنها تقبل بأربع، وتدبر بثمان) قال النووى: قالوا: معناه أن لها أربع كن تقبل بهن، من
كل ناحية ثنتان [والعنكة بضم العين وسكون الكاف ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمنا، يقال:
عكنت الجارية، بتشديد الكاف، أى صارت ذات عكن، بضم العين وفتح الكاف] قال الخطابي: يريد
أن لها فى بطنها أربع كن - أربع طيات- فإذا أقبلت رؤيت مواضعها بارزة، متكسراً بعضها على
بعض، وإذا أدبرت كانت أطراف هذه العكن الأربع عند منقطع جنبيها ثمانية - أربعا فى كل جانب،
قال: وحاصله أنه وصفها بأنها مملوءة البدن، بحيث يكون لبطنها عكن، وذلك لا يكون إلا للسمينة من
النساء، وجرت عادة الرجال غالباً فى الرغبة فيمن تكون بتلك الصفة، وفى حديث سعد ((إن أقبلت
قلت: تمشى بست، وإن أدبرت قلت: تمشى بأربع)» كأنه يعنى يديها ورجليها وثدييها، وإذا أدبرت
ينقص الثديان، فهما يحتجبان، زاد فى رواية ((بثغر كالأقحوان» أى كالفراولة «إن قعدت تثنت، وإن
تكلمت تغنت)) أى صوتها كالموسيقى ((وبين رجليها مثل الإناء المكفوء)) وفى رواية ((أسفلها كثيب))
الكثيب كومة الرمل المستطيل المحدوب ((وأعلاها عسيب)) يقال: رأس عسيب، أى بعد عهده
بالترجيل والتسريح، وهو أحياناً من أوصاف المدح، فيقال: شعر غجرى منفوش.
٥١٨
(فكانوا يعدونه من غير أولى الإربة) بكسر الهمزة البغية، والأرب بفتح الهمزة
والراء الحاجة.
(لا يدخل هؤلاء عليكم) كذا الرواية ((عليكم) بصيغة جمع المذكر، ويوجه بأنه جمع مع النساء
المخاطبات من يلوذ بهن، من صبى ووصيف من الذكور، فجاء التغليب، أما عن الإشارة فقد قال
النووى: الإشارة إلى جميع المخنثين، المتكلم وأمثاله، وفى الرواية الثانية: ((ألا أرى هذا يعرف ما
ههنا، لا يدخلن عليكن)) وصورة النهى هنا للغائب، والمقصود المخاطبات، أى لا تدخلنه عليكن. أى
أرى هذا يعرف ماخفى من مفاتن النساء، ويدركها، ويتلذذ بها، زاد ابن الكلبى فى حديثه ((فقال
النبى : غلغلت النظر إليها يا عدو الله)) وفى رواية ((فقال النبى و *: مالك؟ قاتلك الله، إن كنت
لأحسبك من غير أولى الإربة من الرجال)) وعند البخارى ((لا يدخلن هؤلاء عليكن)) ولفظ ((لا يدخلن))
روى بضم الياء وفتح الخاء واللام ونشديد النون، وبفتح الياء وضم الخاء واللام.
(قالت فحجبوه) عن النساء، ومنعوه من الدخول على النساء، أى فصدر الحكم الشرعى بهذا
المنع، وذكر أن النبى * نفاه ومخذثا آخر إلى الحمى.
فقه الحديث
ترجم البخارى لهذا الحديث بباب ما ينهى من دخول المتشبهين بالنساء على المرأة، أى بغير
إذن زوجها، وحين تكون مسافرة مثلا.
قال النووي: المخنث بالخلقة لا ذم عليه ولا عب، ولا إثم ولا عقوبة، لأنه معذور، لا صنع له فى
ذلك، ولهذا لم ينكر النبى 18 أولا دخوله على النساء، ولم ينكر خلقه الذى هو عليه، حين كان من أصل
خلقته، وإنما أنكر عليه بعد ذلك معرفته لأوصاف النساء، ولم يذكر صفته وكونه مخنثاً. اهـ
وهذا مُسلَّمٌ إذا فسرنا المخنث بالأبله والمعتوه، كما جاء فى تفسير ابن جبير لغير ذى الإربة من
الرجال، أما على تفسير النووى بأنه المتخلق بأخلاق النساء وكلامهن وحركاتهن، فإنه وإن لم ينكر
عليه صفاته، ينكر عليه دخوله على النساء، ويطلب منه أن يحاول تغيير ما هو عليه، لأن النعومة
والتكسر والتثنى أمور يمكن تقويمها، كما أنه كعاقل مكلف يحرم عليه الاختلاط بالنساء، واكتشافه
لمفاتنهن، ولقد فسر المفسرون ﴿التّابعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: ٣١] بأنهم الذين
يتبعون، ليصيبوا من فضل الطعام، غير أصحاب الحاجة إلى النساء، وهم الشيوخ الطاعنون فى السن،
الذين فنيت شهواتهم واختلفوا فى الممسوح والمعتوهين الذين لاشهوة عندهم والمجبوب، مقطوع
الذكر والخصية، والاختيار أنهما فى حرمة النظر كغيرهما من الأجانب.
إن منع هذا المخنث فى الحديث لم يكن سببه أنه تبين أنه غير مجبوب أو غير ممسوح، وإنما
لأنه تبين أنه له إربة ورغبة فى النساء، وأنه يدرك مفاتن المرأة، ويملأ عينه منها، ويمكنه وصفها،
فكيف لا يعاب على تصرفاته؟ ولا يحاسب عليها؟ لقد حاسبه صلى الله عليه وسلم بالنفى والإبعاد
إلى البيداء، فكان يدخل المدينة كل جمعة يستطعم، إذن لم تكن العلة فى إباحة دخوله التخنث، بل
٥١٩
كانت الظن بأنه من غير أولى الإربة، ومن غير الذين يدركون مفاتن المرأة، خطران محتملان فى
دخوله، خطر الرغبة فى النساء مع التثنى والتكسر، وخطر إدراك المفاتن ونعتها ووصفها للرجال
الأجانب، كما فعل هذا المخنث، يؤكد الخطر الثانى قوله صلى الله عليه وسلم فى الرواية الثانية
((أرى هذا يعرف ماههنا)) وكل من الخطرين يمنع دخوله على النساء. ولهذا يقول النووى فى مكان
آخر: وأما دخول هذا المخنث أولاً على أمهات المؤمنين فقد بين سببه فى هذا الحديث بأنهم كانوا
يعتقدونه من غير أولى الإربة، وأنه مباح دخوله عليهن، فلما سمع منه هذا الكلام علم أنه من أولى
الإربة، فمنعه صلى اللَّه عليه وسلم الدخول، ففيه منع المخنث من الدخول على النساء، ومنعهن من
الظهور علبه، وبيان أن له حكم الرجال الفحول الراغبين فى النساء، فى هذا المعنى، وكذا حكم
الخصى والمجبوب.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- منع الرجال من التشبه بالنساء، ومنع النساء من التشبه بالرجال، قال الحافظ ابن حجر: وهو
حرام اتفاقاً، وفى البخارى ((لعن رسول اللَّه ◌َ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من
النساء بالرجال)) قال الطبرى: والمعنى: لا يجوز للرجال التشبه بالنساء فى اللباس والزينة، التى
تختص بالنساء ولا العكس. قال الحافظ ابن حجر: وكذا فى الكلام والمشى، فأما هيئة اللباس
فتختلف باختلاف عادة كل بلد، فرب قوم لا يفترق زى نسائهم من رجالهم فى اللبس، لكن يمتاز
النساء بالاحتجاب والاستتار، أما ذم التشبه بالكلام والمشى فيختص بمن تعمد ذلك، وأما من
كان ذلك من أصل خلقته، فإنما يؤمر بتكلف تركه، والإدمان على ذلك بالتدريج، فإن لم يفعل
وتمادى دخله الذم، ولا سيما إن بدا منه ما يدل على الرضا به.
قال: وأما إطلاق من أطلق - كالنووى- وأن المخنث الخلقى لا يتجه عليه اللوم، فمحمول على ما
إذا لم يقدر على ترك التثنى والتكسر فى المشى والكلام، بعد تعاطيه المعالجة لترك ذلك، وإلا متى
كان ترك ذلك ممكنا -ولو بالتدريج- فتركه بغير عذر لحقه اللوم.
وقال ابن أبى جمرة: ظاهر اللفظ الزجر عن التشبه فى كل شىء، لكن عرف من الأدلة الأخرى أن
المراد التشبه فى الزى وبعض الصفات والحركات ونحوها، لا التشبه فى أمور الخير. اهـ
واستدل به على أنه يحرم على الرجل لبس الثوب المطلل باللؤلؤ، قال الحافظ ابن حجر: وأما
قول الشافعى: ولا أكره للرجل لبس اللؤلؤ، إلا لأنه من زى النساء، فليس مخالفاً لذلك، لأن مراده
أنه لم يرد فى النهى عنه بخصوصه شىء.
وفى البخارى عن ابن عباس رضى الله عنهما ((لعن النبى وال* المخنثين من الرجال، والمترجلات
من النساء، وقال: أخرجوهم من بيوتكم)) قال: فأخرج النبى - فلانا، وأخرج عمر فلانة. ففيه
مشروعية إخراج كل من يحصل به التأذى للناس عن مكانه، إلى أن يرجع عن ذلك ويتوب.
٥٢٠