Indexed OCR Text

Pages 161-180

(٥٥٧) باب إباحة النبيذ الذى لم يشتد ولم يصر مسكراً
٤٥٧١- ٩ ٣ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٧٩) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِلَ يُنْتَبَدُ لَهُ أَوَّلَ
اللَّيْلِ. فَيَشْرَبُهُ إِذَا أَصْبَحَ يَوْمَهُ ذَلِكَ، وَاللَّيْلَةَ الَّتِي تَجِيءُ، وَالْغَدَ وَاللَّيْلَةَ الأُخْرَى، وَالْغَدَّ إِلَى
الْعَصْرِ. فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ سَقَاهُ الْخَادِمِ، أَوْ أَمَرَ بِهِ فَصُبَّ.
٤٥٧٢ - ١٠ عَنْ يَحْيَى الْبَهْرَائِيّ (٨٠) قَالَ: ذَكَرُوا النَّبِيذَ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَقَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ
* يُْبَدُ لَهُ فِي سِقَاءِ. قَالَ شُعْبَةُ: مِنْ لَيْلَةِ الأْنَيْنِ فَيَشْرِيُّهُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَالثَّلاَاءِ إِلَى الْعَصْرِ.
فَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ، سَقَاهُ الْخَادِمَ أَوْ صَبَّهُ.
٤٥٧٣ - ١١ُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٨١) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِلِ﴿ يُنْقَحُ لَهُ الرَّبِيبُ،
فَيَشْرَبُّهُ الْيَوْمَ وَالْغَدَ، وَبَعْدَ الْغَدِ إِلَى مَسَاءِ الثَّالِفَةِ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِ فَيُسْقَى أَوْ يُّهَرَاقُ.
٤٥٧٤ - ١٣ِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٨٢) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِلَ يُنْبَدُ لّهُ الزَّبِيبُ
فِي السِّقَاءِ، فَيَشْرَّبُّهُ يَوْمَهُ وَالْغَدَ وَبَعْدَ الْغَدِ. فَإِذَا كَانُ مَسَاءُ الثَّالِفَةِ شَرِبَهُ وَسَقَاهُ. فَإِنْ فَضَّلَ
شَيْءٌ أَهَرَاقَهُ.
٤٥٧٥ - ٨٣ عَنْ يَحْيَى أَبِي عُمَرَ النَّخَعِيّ(٨٣) قَالَ: سَأَلَ قَوْمٌ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ بَيْعِ الْخَمْرٍ
وَشِرَائِهَا وَالتِّجَارَةِ فِيهَا. فَقَالَ: أَمُسْلِمُونَ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ لا يَصْلُحُ بَيْعُهَا وَلا
شِرَاؤُهَا وَلا التِّجَارَةُ فِيهَا. قَالَ: فَسَأَلُوهُ عَنِ النَّبِيذِ. فَقَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ فِي سَفَرٍ. ثُمَّ
رَجَعَ وَقَدْ نَبَذَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي حَنَائِمَ وَلَقِيرٍ وَدُّبَّاءٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَأَهْرِيقَ، ثُمَّ أَمَرَ بِسِقَاءٍ فَجُعِلَ
فِيهِ زَبِيبٌ وَمَاءٌ. فَجُعِلَ مِنَ اللَّيْلِ، فَأَصْبَحَ فَشَرِبَ مِنْهُ يَوْمَهُ ذَلِكَ وَلَيْلَتَّهُ الْمُسْتَقْبَلَةَ، وَمِنَ الْغَدٍ
حَتَّى أَمْسَى فَشَرِبَ، وَسَقَى، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَمَرَ بِمَا بَقِيَ مِنْهُ فَأَهْرِيقَ.
٤٥٧٦- 4ُ٤ُ عَنْ ثُمَامَّةً(٨٤) (يَغْيِي ابْنَ حَزْنِ الْقُشَيْرِيَّ) قَالَ: لَقِيتُ عَائِشَةً فَسَأَلْتُهَا عَنِ النِّيدِ.
(٧٩) حَدََّا غُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَادٍ الْعَنْبَرِيُّ حَدََّنَا أَبِيٍ حَدَّنَا شُعْبَةُ عَنْ يَخْتِى بْنِ عُبَيْدٍ أَبِي عُمَّرَ الْبَهْرَالِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ
(٨٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارِ حَدَّثَنَا مَّحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حَدَّثَّا شُعْبَةُ عَنْ يَحْتِىِ الْبَهْرَائِيِّ
(٨١) وحَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِّي شَيْئَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسُّحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَاللَّفْظُ لْأَبِي بَكْرٍ وَأَبِي كُرَيْبٍ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبَرَنَا وَقَالَ
الآخَرَانِ حَدَثْنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي عُمَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
(٨٢) وحَدَّقَاً إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ اَلْأَعْمَشِ عَنْ يَخَتَى بْنِ أَبِي عُمَّرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
(٨٣) وحَذََّيِيَ مُحَمَّدُ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلْفٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٌّ خَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنَّ زَيْدٍ عَنْ يَحَتَى أَبِي عُمَرَ
(٨٤) حَدََّا شَيَّْانُ بْنُ فَرُوخَ حَدَّثَنَا الْقَّاسِمُ يَعْنِي ابْنَ الْفَضْلِ الْحُدَّالِيِّ حَدَّثَنَا ثُمَّامَةُ
١٦١

فَدَعَتْ عَائِشَةُ جَارِيَةٌ حَبَشِيَّةٌ، فَقَالَتْ: سَلْ هَذِهِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ تَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِعَ. فَقَالَتِ
الْخَبْشِيَّةُ: كُنْتُ أَنْبِذَ لَهُ فِي سِقَاءٍ مِنَ اللَّيْلِ وَأُوكِيهِ وَأُعَلَّقُهُ، فَإِذَا أَصْبَحَ شَرِبَ مِنْهُ.
٤٥٧٧- ° ٨ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٨٥) قَالَتْ: كُنَّا تَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِلَ فِي سِقَاءٍ يُوكَى
أَعْلاهُ وَلَهُ عَزْلاءُ. تَنِذُهُ غُدْوَةٌ، فَيَشْرَبُّهُ عِشَاءٌ. وَنْبِذُهُ عِشَاءً، فَيَشْرَبُّهُ غُدْوَةً.
٤٥٧٨ - ٨٦ عَنْ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ(٨٦) قَالَ: دَعَا أَبُو أُسَيْدِ السَّاعِدِيُّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ِ فِي غُرْسِهِ،
فَكَانَتِ امْرَأْتُهُ يَوْمَئِذٍ خَادِمَهُمْ وَهِيَ الْعَرُوسُ. قَالَ سَهْلٌ: تَذْرُونَ مَا سَقَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﴾؟
أَنْقَعَتْ لَّهُ تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ. فَلَمَّا أَكَلَ، سَقَتْهُ إِيَّاهُ.
٤٥٧٩-٣° وفي رواية عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلاَ﴾(١) يَقُولُ: أَتَى أَبُو أُسَيْدٍ
السَّاعِدِيُّ رَسُولَ اللّهِلَ﴿ فَدَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﴿ّ. بِمِعْلِهِ. وَلَمْ يَقُلْ: فَلَمَّا أَكَلَ سَقَّتْهُ إِيَّاهُ.
٤٥٨٠- ١٧ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ﴾(٨٧) بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَقَالَ: فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ. فَلَمَّا فَرَغَ
رَسُولُ اللَّهِ ﴿ مِنَ الطَّعَامِ أَ مَاقَنْهُ فَسَقَتْهُ. تَخُصُّهُ بِذَلِكَ.
٤٥٨١- ١ ١ عَنْ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ﴾(٨٨) قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ﴿ِ امْرَأَةٌ مِنَ الْعَرَبِ. فَأَمَرَ أَبَا
أُسَيْدٍ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا. فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا. فَقَدِمَتْ. فَنَزَّلَتْ فِي أُجُمٍ بَنِي سَاعِدَةَ. فَخَرَجْ رَسُولُ اللَّهِ
◌َّ خَتَّى جَاءَهَا. فَدَخَلَ عَلَيْهَا. فَإِذَا امْرَأَةٌ مُنَكِّسَةٌ رَأْسَهَا. فَلَمَّا كَلِّمَهَا رَسُولُ اللَّهِعَ ﴿ قَالَتْ:
أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ. قَالَ: «قَدْ أَعَذْتُكِ مِنِّي» فَقَالُوا لَهَا: أَتَدْرِينَ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَتْ: لا. فَقَالُوا: هَذَا
رَسُولُ اللَّهِ ﴿ّ جَاءَكِ لِيَخْطُبُكِ. قَالَتْ: أَنَا كُنْتُ أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ. قَالَ سَهْلٌ: فَأَقْبَلَ رَسُولُ
اللّهِ و ◌َ﴿ يَوْمَئِذٍ حَتَّى جَلَسَ فِي سَقِيفَةٍ بَنِي سَاعِدَةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ. ثُمَّ قَالَ: «اسْقِنَا» لِسَهْلٍ.
قَالَ: فَأَخْرَجْتُ لَهُمْ هَذَا الْقَدَحَ فَأَسْقَيْتُهُمْ فِيهِ. قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَأَخْرَجَ لَّنَا سَهْلٌ ذَلِكَ الْقَدَحَ
فَشَرِبْنَا فِيهِ. قَالَ: ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ، بَعْدَ ذَلِكَ، عُمّرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَوَهَبَهُ لَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ
ابْنِ إِسْحَقَّ قَالَ: «اسْقِّنَا يَا سَهْلُ».
(٨٥) حَدَّثَّا مُحَمِّدُ بْنُ الْمُثِى الْعَنَزِيُّ حَدْقَنَا عَبْدُ الْوَهَابِ الْفَقَفِيُّ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةٌ
(٨٦) حَدَّا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدْقَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ بْنٍ سَعْدٍ
(٠) وحَدْلَّا قُتَيْبَةُ بْنَ سَعِيدٍ حَدْقَنَا يَعْقُوبُ يَّغِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَّنِ عِنْ أَبِي حَازِمٍ
(٨٧) وحَدَّثَتِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ التّمِيمِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْتَّرَنَا مُحَمَّدٌ يَغَنِي أَبَا غَسَّانَ حَدْفَتِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ
(٨٨) حَدَّتِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ اَلَّمِيحِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَقَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا وَقَالَ ابْنُ سَهْلٍ خَدَّقَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ
وَهُوَ ابْنُ مُطَرِّفٍ أَبُو ◌َغَسَّانَ أَخْبُرْنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنٍ سَعْدٍ
١٦٢

٤٥٨٢ - ١ٍ عَنْ أَنَس ◌َ﴾(٨٩) قَالَ: لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِقَدَجِي هَذَا، الشَّرَابَ كُلَّهُ:
الْعَسَلَ وَالنَّبِيذَ، وَالْمَاءِ، وَاللَّبْنَ
المعنى العام
مراحل التخمر تبدأ بالنقيع، يوضع التمر أو الزبيب أو الذرة أو الشعير أو الحنطة فى الماء، مع
شىء من السكر أو بدونه، فيلين الجاف الجامد، فيؤكل ويشرب بعد ساعات من النقع.
المرحلة الثانية مرحلة النبيذ، وهى أن يبقى هذا النقيع حتى يتغير طعمه من حلاوة إلى حموضة
ولذع، تختلف درجاتها من ضعف إلى قوة، ونهاية هذه المرحلة أن يشتد هذا اللذع، وأن يرغى هذا
النبيذ، ويقذف بالزبد، ويغلى وتتحرك فقاقيعه، وحتى يصل هذه الحالة لا يسكر قطعاً، ولا يحرم أكله
ولا شربه، باتفاق العلماء، وقد يستغرق النقيع حتى يصل إلى هذه الحالة ثلاثة أيام، وقد يصل إليها
بعد يومين، وقد يصل إليها بعد يوم، لأن هذه الحالة ترتبط بوسيلة التخمر، من نوع النقيع، ودرجة
الحرارة، ومواد النقع، ونحو ذلك، لا بالزمن، ولهذا وجدنا فى الأحاديث أن النبى * كان ينبذ له
النقيع من الليل، فيشربه إذا أصبح، وينبذ له أول النهار، فيشريه عشاء، وأقصى مدة ينبذ له النبيذ فيها
ثلاثة أيام بثلاث ليال، فإن بقى فى السقاء شىء بعد ذلك، ولم تظهر عليه أعراض التخمر، سقاه
للخادم، ولم يشربه ورعا وحيطة، وإن ظهرت عليه بعض أعراض التخمر طرحه وألقاه وصبه، لأنه لم
يعد مالا محترما.
واستقرت هذه القواعد عند الصحابة - رضى الله عنهم - وكان النبيذ عند العرب تحفة الضيف
العزيز، كان نبيذ التمر أعز من الطعام والشراب، وأعز ما يقدم فى الولائم، فهذا أبو أسيد الساعدى،
يقيم وليمة عرسه، ويدعو إليها رسول اللَّه وكبار صحابته، فيقدم لهم الطعام، وتقوم امرأته العروس
بنفسها، تحمل سقاء صغيراً، قد نبذت فيه تمرات من الليل، فتسقى منه رسول اللّه#، تتحفه
وتخصه بأعز ما لديها، وهو النبيذ، وهذا رسول اللّه /*، وقد ضايقه موقف امرأة عربية، عرض عليه
الزواج منها، فجاءت إليه، فلم يسعدها قدرها بشرف الانتساب إليه، فاستعاذت، فأعاذها، وأعادها
لأهلها، ضايقه هذا الظرف، فخرج من عندها إلى سقيفة بنى ساعدة، فوجد بعض أصحابه يجلسون،
ويشربون النبيذ، يقوم على سقايتهم صبى من بنى سعد يسمى سهل بن سعد، فجلس معهم صلى اللَّه
عليه وسلم، وقال للصبى. اسقنا يا سهل، فسقاه من قدح، اعتزبه بعد ذلك سهل، لأن القدح شرف
بلقاء فم رسول اللّه*، فأخذ الصحابة يتبركون بالشرب من هذا القدح، حتى كان عمر بن عبد العزيز
أميرا على المدينة، وشاع فى المدينة التبرك بالشرب من هذا القدح، فطلب عمر بن عبد العزيز من
سهل بن سعد أن يهبه هذا القدح، فوهبه له، فاحتفظ به عمر بن عبد العزيز خيراً وبركة عن
رسول اللَّه چ ..
(٨٩) وَحَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي فَيْئَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَا حَدَّقْنَا عَفَّانُ حَدْقََّا حَمَّدُ ابْنُ سَلَمَةً عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنْسٍ
١٦٣

المباحث العربية
(كان النبي # ينتبذ له أول الليل، فيشربه إذا أصبح يومه ذلك، والليلة التى تجيء،
والغد، والليلة الأخرى، والغد، إلى العصر) ظاهر هذه الرواية أن النبيذ شرب ثلاث ليال، ويومين
كاملين، واليوم الثالث إلى العصر، وكذا الرواية الثالثة والرابعة، أما الرواية الثانية فتنقص يوماً وليلة
عن السابقات، وأما حديث عائشة، وهو الرواية السادسة والسابعة فمدة النبيذ فيها يوم واحد، أو ليلة
واحدة، وجمع بعضهم بأن شرب النقيع فى يومه لا يمنع شرب النقيع فى أكثر من يوم، أى إن حديث
عائشة ليس فيه قصر الشرب على يوم واحد، فقول الحبشية فى الرواية السادسة ((فإذا أصبح شرب
منه)) لا يمنع أن يضاف إليه ((وإذا أمسى شرب منه، وإذا أصبح فى الغد شرب منه. إلخ)) وقول
عائشة ((ننبذه غدوة فيشربه عشاء)) لا يمنع أن يضاف إليه ((وغدوة وعشاء)) إلخ، لكن رواية أبى داود
لهذا الحديث تمنع هذا الجمع، فلفظها ((أنها كانت تنبذ للنبى { غدوة، فإذا كان من العشى تعشى،
فشرب على عشائه، فإن فضل شيء صبه، ثم تنبذ له بالليل، فإذا أصبح وتغدى شرب على غدائه.
قالت: نغسل السقاء غدوة وعشية)) كما أن حديث عبد الله بن الديلمى عن أبيه يمنع هذا الجمع، وقد
رواه أبو داود والنسائى بلفظ «قلنا: يا رسول الله، ما نصنع بالزبيب؟ قال: انبذوه على عشائكم،
واشربوه على غدائكم» فهذه الأحاديث تفيد التقييد باليوم والليلة، وجمع بعضهم بقوله: لعل حديث
عائشة كان زمن الحر، وحيث يخشى فساده فى الزيادة على يوم، وحديث ابن عباس فى زمن يؤمن
فيه التغير قبل الثلاث، وجمع بعضهم بحمل حديث عائشة على نبيذ قليل، يفرغ منه فى يومه،
وحديث ابن عباس فى كثير لايفرغ منه، فالاختلاف باختلاف الأحوال والأزمنة، ولا تعارض.
(فإن بقى شىء سقاه الخادم، أو أمر به فصب) فى الرواية الثانية ((فإن فضل منه شىء
سقاه الخادم، أو صبه)) وفى الرواية الثالثة ((ثم يأمر به فيسقى، أو يهراق)) وفى الرواية الرابعة ((فإن
فضل شىء أهراقه)) قال النووى: يقال: فضل بفتح الضاد وكسرها، وقال: معناه: تارة يسقيه الخادم،
وتارة يصبه، وذلك لاختلاف حال النبيذ، فإن كان لم يظهر فيه تغير ونحوه، من مبادئ الإسكار سقاه
الخادم، ولا يريقه، لأنه مال تحرم إضاعته، ويترك شربه تنزها، وإن كان قد ظهر فيه شىء من مبادئ
الإسكار والتغير أراقه، لأنه إذا أسكر صار حراما ونجساً، فيراق، ولا يسقيه الخادم، لأن المسكر لا
يجوز سقيه الخادم، كما لا يجوز شربه، وأما شربه صلى الله عليه وسلم قبل الثلاث فكان حيث لا
تغير، ولا مبادئ تغير، ولا شك أصلا.اهـ
(ينقع له الزبيب) يقال: نقع الزبيب، بفتح النون والقاف، ينقع بفتح القاف، إذا تركه فى
الماء حتى انتقع وانحل من طول مكثه فى الماء، ويقال: أنقع الزبيب فى الماء، بمعنى نقعه، وفى
الرواية الرابعة ((كان ينبذ له الزبيب)) فالنبيذ يسمى نقيعاً، والنقيع يسمى نبيذا، فيحمل ما ورد فى
الأحاديث بلفظ النبيذ على النقيع، وعكسه.
١٦٤

(عن بيع الخمر، وشرائها، والتجارة فيها) التجارة ممارسة البيع والشراء، فهو من عطف
العام على الخاص، أو المجمل على المفصل.
(فسألوه عن النبيذ) أى عما يحل منه وما يحرم، بسبب وعاء الانتباذ، أو بسبب مدة الانتباذ.
(فسألتها عن النبيذ) أى عن وعائه ومدته.
(كنت أنبذ له فى سقاء من الليل، وأوكيه) أى أشده بالوكاء، وهو الخيط الذى يشد به
رأس القربة.
(فى سقاء يوكى أعلاه) قال النووى: ((يوكى)) غير مهموز الآخر، قال: ورأيته يكتب وضبط
« یوکا» بالهمز، وهو فاسد.
(وله عزلاء) بفتح العين وإسكان الزاى وبالمد، وهو الثقب الذى يكون فى أسفل
المزادة والقرية.
(دعا أبو أسيد الساعدى رسول اللَّه# فى عرسه) أى فى عرس أبى أسيد، وأبو أسيد
اسمه مالك بن ربيعة، مات سنة ستين، وهو ابن خمس وسبعين، وحاصله أنه ولد قبل الهجرة بخمس
عشرة سنة، شهد بدراً وأحداً وما بعدها، وهو آخر البدريين موتا، زاد فى رواية ((وأصحابه)»، والعرس
بضم العين وسكون الراء الزفاف والتزويج ووليمتهما، والدعوة هنا كانت للوليمة.
(فكانت امرأته يومئذ خادمهم، وهى العروس) ((العروس)) يطلق على الرجل والمرأة
ماداما فى عرسهما، والعروسة الزوجة مادامت فى عرسها، وهم عرس بضم العين والراء، وهن عرائس،
والعريس محدثة والجمع عرسان وامرأة أبى أسيد اسمها سلامة بنت وهب، وهى ممن وافقت كنيتها
كنية زوجها .
وفى رواية البخارى ((فما صنع لهم طعاما ولا قربه إليهم إلا امرأته أم أسيد)).
(هل تدرون ما سقت رسول اللَّه *)؟ ((ما سقت)) بفتح السين والقاف وسكون التاء،
والضمير لامرأة أبى أسيد، وفى رواية قالت: ((وسقيت)) بسكون الياء، والصحيح الأول)). لأن الحديث
من رواية سهل، وليس لأم أسيد فيه رواية.
(أنقعت له تمرات من الليل فى تور) فى رواية ((نقعت)) وفى رواية ((بلت))
بتشديد اللام، والتور بفتح التاء، وهو إناء من نحاس أو حجارة، وقد صرح فى الرواية
العاشرة بأنه هنا كان من الحجارة.
(فلما فرغ رسول اللَّه من الطعام أماثته) قال النووى: هكذا ضبطناه، وكذا هو فى
الأصول ببلادنا ((أماثته)) بثاء ثم تاء، يقال: مائه، وأماثه، لغتان مشهورتان، وقد غلط من أنكر
١٦٥

((أماثه)) ومعناه عركته، واستخرجت قوته، وأذابته، ومنهم من يقول: ((لينته)) وهو محمول على معنى
الأول، وحكى القاضى عياض أن بعضهم رواه ((أماتته)) بتكرير التاء، وهو بمعنى الأول.
(فسقته، تخصه بذلك) فى الرواية التاسعة ((فلما أكل سقته إياه)) قال النووى: وقوله
((تخصه)» كذا هو فى صحيح مسلم، من التخصيص، وكذا روى فى صحيح البخارى، ورواه بعض رواة
البخارى ((تتحفه)) من الإتحاف، وهو بمعناه، يقال: أتحفته به، إذا خصصته وأطرفته.
(ذكر لرسول اللَّه # امرأة من العرب) فى رواية لابن سعد أن النعمان بن الجون الكندى
أتى النبي # مسلما، فقال: ألا أزوجك أجمل أيم فى العرب، كانت تحت ابن عم لها، فتوفي، وقد
رغبت فيك؟ قال: نعم. قال: فابعث معى من يحملها إليك)) وكان أمراء العرب وساداتهم يحرصون
على شرف النسب برسول اللّه، وكان رسول اللّه # كثيراً ما يستجيب لرغباتهم تأليفا لهم،
وتوطيداً لعلاقتهم به وبالإسلام، ودفعا لهم للتمسك بالإسلام والدفاع عنه، وكان ذلك فى ربيع الأول
سنة تسع من الهجرة.
وفى اسم المستعيدة خلاف كثير، فعن عائشة عند البخارى أنها عمرة بنت الجون وفى نسخة
((الكلبية)) قال الحافظ ابن حجر: وهو بعيد، وقوله (الكلبية)) غلط وإنما هى ((الكندية)) فالكلمة
تصحفت قال: والصحيح أن اسمها أمية بنت النعمان بن شراحيل، كما فى حديث أبي أسيد، وقيل:
أمية بنت شراحيل، فنسبت لجدها، وقيل: اسمها أسماء، وقيل: اسمها فاطمة بنت الضحاك بن
سفيان، وقيل: اسمها العالية بنت ظبيان بن عمرو، وحكى ابن سعد أن اسمها عمرة بنت يزيد بن
عبيد، وقيل: بنت يزيد بن الجون، وقيل: سنا بنت سفيان بن عوف وأشارابن سعد إلى أنها واحدة،
فاختلف فى اسمها، قال الحافظ: والصحيح أن التى استعاذت منه هى الجونية، وروى ابن سعد من
طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، قال: لم تستعذ منه امرأة غيرها، قال الحافظ: وهو الذى يغلب
على الظن، لأن ذلك إنما وقع للمستعيذة بالخديعة المذكورة [قيل: كانت جميلة، فخاف نساؤه أن
تغلبهن عليه، فقلن لها: إنه يعجبه أن يقال له: نعوذ باللّه منك، ففعلت] فيبعد أن تخدع امرأة أخرى
بعدها، بمثل ما خدعت به، بعد شيوع الخبر بذلك.
قال ابن عبد البر، أجمعوا على أن النبى 8# تزوج الجونية، واختلفوا فى سبب فراقه لها.
(فأمر أبا أسيد أن يرسل إليها، فأرسل إليها، فقدمت) فى رواية لابن سعد، قال أبو
أسيد: فأمرنى أن آتيه بها، فأتيته بها)) وفى رواية أخرى لابن سعد)) كان النبى ® بعث أبا أسيد
الساعدى، يخطب عليه امرأة من بنى عامر، يقال لها عمرة بنت يزيد بن عبيد بن رؤاس بن كلاب بن
ربيعة بن عامر» وفى رواية ((فبعث معه أبا أسيد الساعدى، قال أبو أسيد: فأقمت ثلاثة أيام، ثم
تحملت معى فى محفة)) بكسر الميم وهى هودج لاقبة له، تركب فيه المرأة («فأقبلت بها، حتى قدمت
المدينة)) فقوله فى روايتنا «فأمر أبا أسيد أن يرسل إليها)) بكسر السين، لعله كان أمراً خُيرٍّ بينه
وبين أن يذهب بنفسه، فأخذ معه من يأتى بها، فأبو أسيد مرسل ومرسل، بكسر السين وفتحها.
١٦٦

(فنزلت فى أجم بنى ساعدة) ((أجم)) بضم الهمزة والجيم، كعنق، أى فى حصن بنى ساعدة
والجمع آجام، كأعناق، وفى رواية لابن سعد ((فأتيته بها، فأنزلتها بالشوط من وراء ذباب فى أطم))
وذباب بضم الذال جبل معروف بالمدينة، و((أطم)) مثل أجم، لفظا ومعنى، وفى رواية لابن سعد أيضا
((فأنزلتها فى بنى ساعدة)) وفى رواية للبخارى ((فأنزلت فى بيت فى نخل، فى بيت أميمة بنت
النعمان بن شراحيل، معها دايتها، حاضنة لها)» الداية المرضع الأجنبية، والحاضنة، والقابلة.
(فخرج رسول اللَّه خلال، حتى جاءها، فدخل عليها) فى رواية للبخارى عن أبي أسيد ﴾
قال: ((خرجنا مع النبى .. حتى انطلقنا إلى حائط أى بستان ((يقال له: الشوط)» حتى انتهينا إلى
حائطين، جلسنا بينهما، فقال النبى *: اجلسوا ههنا، ودخل، وقد أتى بالجونية، فأنزلت فى بيت،
فى نخل، فى بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل)) وفى رواية للبخارى عن عائشة ((أن ابنة الجون
لما أدخلت على رسول اللّه ودنا منها قالت ... )) ولا تعارض، فقد تكون قد أدخلت حجرة يدخل
عليها فيها، فهى أدخلت عليه، أى على حجرته، فدخل عليها.
(فإذا امرأة منكسة رأسها) حياء وخجلا، وإن كانت أيما مطلقة، يقال: نكس رأسه
بالتخفيف والتشديد، فهو ناكس ومنكس، أى مطأطئ الرأس.
(فلما كلمها رسول اللَّه ◌َل قالت: أعوذ بالله منك) فى رواية للبخارى ((فلما دخل عليها
النبى * قال: هبى نفسك لى. قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟ فأهوى بيده يضع يده عليها
لتسكن، فقالت: أعوذ بالله منك)) والسوقة بضم السين يقال للواحد من الرعية والجمع، قيل لهم ذلك
لأن الملك يسوقهم، فيساقون إليه، ويصرفهم على مراده، وأما أهل السوق فالواحد منهم سوقى. قال
ابن المنير: هذا من بقية ما كان فيها من الجاهلية، والسوقة عندهم من ليس بملك، كائنا من كان،
فكأنها استبعدت أن تهب الملكة نفسها لمن ليس بملك، ولم يؤاخذها النبى بكلامها، معذرة لها،
لقرب عهدها بجاهليتها، وقال غيره: يحتمل أنها لم تعرفه صلى اللّه عليه وسلم، فخاطبته بذلك،
وروايتنا تؤكد هذا، ففيها ((فقالوا لها: أتدرين من هذا؟ فقالت: لا. فقالوا: هذا رسول اللَّه # جاءك
ليخطبك. قالت: أنا كنت أشقى من ذلك)) وأفعل التفضيل فى ((أشقى)) ليس على ظاهره، حتى يكون
زواجها برسول اللَّه شقاء وفواته أكتر شقاء، بل مرادها إثبات الشقاء لها، لما فاتها من التزوج
برسول الله:﴿. وهذا يضعف ما جاء عند ابن سعد من ((أن عائشة وحفصة دخلتا عليها أول ما قدمت
فمشطتاها، وخضبتاها، وقالت لها إحداهما. إنك من الملوك، فإن كنت تريدين أن تحظى عند النبى
*، فإذا جاءك فاستعيدى منه)) وفى رواية له ((قالت لها إحداهما: إن النبى # يعجبه من المرأة إذا
دخل عليها أن تقول: أعوذ بالله منك)) وعند ابن سعد أيضاً ((وذكر لرسول اللّه * مكيدة عائشة
وحفصة للمستعيذة، فقال: إنهن صواحب يوسف)). نعم يبعد من أمهات المؤمنين مثل هذا الخداع
والتغرير، كما يبعد أن يعلم الرسول { بالخديعة، ويعاقب المخدوع، ولا يلوم من خدعه.
(قال: قد أعذتك منى) فى رواية للبخارى ((لقد عذت بعظيم. الحقى بأهلك)) وفى رواية أخرى
١٦٧

للبخارى ((قد عذت بمعاذ)) والمعاذ بفتح الميم الملجأ أى من يستعاذ به، يقال: عاذ به يعوذ عوذا
وعياذا، إذا التجأ إليه، واعتصم به، وتقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أى أعتصم بالله منه،
فمعنى ((قد أعدتك منى)) حصنتك باللَّه منى، قال النووى: معناه: تركتك، وتركه صلى الله عليه وسلم
تزوجها لأنها لم تعجبه، إما لصورتها، وإما لخلقها، وإما لغير ذلك زاد فى رواية للبخارى ثم خرج
علينا، فقال: يا أبا أسيد، اكسها رازقيين، وألحقها بأهلها)» والرازقية ثياب من كتان بيض طوال،
وقيل: فى داخل بياضها زرقة، والرازقى الصفيق، قال ابن التين: متعها صلى اللّه عليه وسلم، إما
وجوبا، وإما تفضلا.
وفى رواية لابن سعد، قال أبو أسيد ((فأمرنى، فرددتها إلى قومها)) وفى أخرى له ((فلما وصلت بها
تصايحوا، وقالوا: إنك لغير مباركة، فما دهاك؟ قالت: خدعت)) وروى أنها كانت تلتقط البعر، وتقول:
أنا الشقية، وروى ((أنها تزوجت المهاجر بن أبى أمية، فأراد عمر معاقبتها، فقالت: ما ضرب على
الحجاب، ولا سميت أم المؤمنين، فكف عنها)» وتوفيت فى خلافة عثمان.
(فأقبل رسول اللّه # يومئذ، حتى جلس فى سقيفة بنى ساعدة هو وأصحابه)
((سقيفة بنى ساعدة)) هى المكان الذى وقعت فيه البيعة لأبى بكر الصديق بالخلافة، والسقيفة
العريش الذى يستظل به.
(ثم قال: أسقنا. لسهل) فى ملحق الرواية ((قال: أسقنا يا سهل)) ((اسقنا)) ضبط فى نسخ
البخارى بهمزة وصل، وفى نسخ مسلم بهمزة قطع، وفى كتب اللغة: سقى بفتح القاف، يسقى بكسرها
يتعدى لمفعولين، يقال: سقاه عسلا، ويقال: أسقاه عسلا، رباعى، وفى التنزيل ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾.
[المرسلات: ٢٧].
وسهل بن سعد من بنى عمومة أبى أسيد الساعدى، وكان إذ ذاك صبياً فقد توفي رسول اللّه عَ *
وهوابن خمس عشرة سنة، وتوفى سهل سنة ثمان وثمانين، ويقال: إنه آخر من بقى من أصحاب
رسول اللَّه# بالمدينة. قال الحافظ ابن حجر: ووقع عند أبى نعيم ((فقال: اسقنا يا أبا سعد)) قال:
والذى أعرفه فى كنية سهل بن سعد أبو العباس، فلعل له كنيتين، أو كان الأصل: ياابن سعد،
فتحرفت.اهـ
(ثم استوهبه بعد ذلك عمر بن عبد العزيز، فوهبه له) كان عمر بن عبد العزيز حينئذ قد
ولى إمرة المدينة.
فقه الحديث
يؤخذ من أحاديث الباب
١ - جواز الانتباذ ونقع الزبيب أو التمر ونحوهما.
١٦٨

٢- وجواز شرب النبيذ ما دام حلوا، وما دام لم يتغير، ولم يغل. قال النووي: وهذا جائز بإجماع
الأمة.اهـ فالعبرة بعدم التغير، وليس بالثلاث وما فوقها.
٣- يؤخذ من سقيه الخادم أو صبه بعد الثلاث التنزه عن الشبهات، لأن من حام حول الحمى يوشك
أن يواقعه، والنبيذ بعد الثلاث لا يؤمن تغيره.
٤ - ومن الرواية الخامسة حرمة ببع الخمر وشرائها والتجارة فيها.
٥- ومن الرواية الثامنة من كون العروس خادمة القوم جواز خدمة المرأة زوجها ومن يدعوه، قال
العلماء: ولا يخفى أن محل ذلك عند أمن الفتنة، ومراعاة ما يجب عليها من الستر وغيره. وقال
النووى: هذا محمول على أنه كان قبل الحجاب، ويبعد حمله على أنها كانت مستورة البشرة.
٦ - وجواز استخدام الرجل امرأته فى مثل ذلك.
٧- ومن قوله ((تخصه بذلك)) جواز تخصيص صاحب الطعام بعض الحاضرين بفاخر من الطعام
والشراب، إذا لم يتأد الباقون، لإيثارهم المخصص، لعلمه أو صلاحه أو شرفه أو غير ذلك، فقد كان
الحاضرون هناك يؤثرون رسول اللّه *، ويسرون بإكرامه، ويفرحون بمثل ما جرى.
٨- إكرام الضيف لصاحب الدار بشرب ما يقدم إليه من شراب أو طعام، وإن كان إتحافا، حيث لا
مفسدة فى ذلك، ففى ذلك جبر لخاطره، وفى الامتناع كسر قلبه.
٩- وفى الحديث حق إجابة الدعوة إلى الوليمة، قال الشافعى وأصحابه: نقع الوليمة على كل دعوة
تتخذ لسرور حادث، من نكاح أو ختان أو غيرهما، لكن الأشهر استعمالها عند الإطلاق فى النكاح،
وتقيد فى غيره، فيقال: وليمة الختان ونحو ذلك.
وقد نقل ابن عبد البرثم عياض ثم النووى الاتفاق على القول بوجوب الإجابة لوليمة العرس، قال
الحافظ ابن حجر: نعم المشهور من أقوال العلماء الوجوب، وصرح جمهور الشافعية والحنابلة
بأنها فرض عين، ونص عليه مالك، وعن بعض الشافعية والحنابلة أنها مستحبة، وعن بعض
الشافعية والحنابلة هى فرض كفاية، وحكى ابن دقيق العيد أن محل ذلك إذا عمت الدعوة، أما لو
خص كل واحد بالدعوة فإن الإجابة تتعين.
وشرط وجوبها أن يكون الداعى مكلفا حراً رشيداً، وأن لا يخص الأغنياء دون الفقراء، وأن لا يظهر
قصد التودد لشخص بعينه لرغبة فيه، أو رهبة منه، وأن لا يكون هناك ما يتأنى بحضوره، من
منكر وغيره، وأن لا يكون له عذر يرخص له فى ترك الجماعة.
١٠ - وعن حديث المستعيذة - روايتنا الحادية عشرة- قال النووى: فيه دليل على جواز نظر الخاطب
إلى من يريد نكاحها. اهـ وهذا المأخذ غير واضح من الرواية، فقد كانت منكسة رأسها.
١١ - وبوب البخارى للحديث بباب من طلق، وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق؟ قال ابن بطال:
ليس فى هذا الحديث أنه واجهها بالطلاق، وتعقبه ابن المنير بأن ذلك ثبت فى حديث عائشة
١٦٩

فى البخارى وفيه ((لقد عذت بعظيم. الحقى بأهلك)) ولعل ابن بطال أراد أنه لم يواجهها بلفظ
الطلاق، قال الحافظ: واعترض بعضهم بأنه لم يتزوجها، إذ لم يجر ذكر صورة العقد، وامتنعت أن
تهب نفسها له، فكيف يطلقها؟ قال: والجواب أنه صلى الله عليه وسلم كان له أن يزوج نفسه
بغير إذن المرأة، وبغير إذن وليها، فكان مجرد إرساله إليها وإحضارها، ورغبته فيها كافيا فى
ذلك، ويكون قوله ((هبى لى نفسك)» تطييباً لخاطرها، واستمالة لقلبها، ويؤيده قوله فى رواية ابن
سعد («إنه اتفق مع أبيها على مقدار صداقها، وأن أباها قال له: إنها رغبت فيك، وخطبت إليك.
١٢- وفيه أثر الكلمة التى ترفع صاحبها وتسعده، والكلمة التى تتعس صاحبها وتشقيه.
١٣- ومن الرواية الثالثة عشرة، من قوله ((أسقنا يا سهل)) مباسطة الأصدقاء والأحبة وملاطفتهم.
١٤- واستدعاء ما عنده من مأكول ومشروب.
١٥- ومن شربهم فى القدح جواز الشرب فى الأقداح -والقدح هو الكأس ذو القاعدة العريضة - قال
الحافظ ابن حجر: والشرب فى القدح من شعار الفسقة، لكن ذلك بالنظر إلى المشروب، وإلى
الهيئة الخاصة بهم- أى كانوا يشربون فيه الخمر، ويجتمعون على الشرب بالفجور والصياح
والعصيان- فيكره التشبه بهم، ولا يلزم من ذلك كراهة الشرب فى القدح، إذا سلم من ذلك.
١٦ - ومن الحرص على الشرب من قدح شرب منه النبى # التبرك بآثار الصالحين. قاله الحافظ ابن
حجر، وقال النووى: فيه التبرك بآثار النبى {*، وما مسه أو لبسه، أو كان منه فيه سبب، وهذا
نحو ما أجمعوا عليه، وأطبق السلف والخلف عليه من التبرك بالصلاة فى مصلى رسول اللَّه ◌ُ *
فى الروضة الكريمة، ودخول الغار الذى دخله صلى اللّه عليه وسلم وغير ذلك، ومن هذا إعطاؤه
صلى الله عليه وسلم أبا طلحة شعره، ليقسمه بين الناس، وإعطاؤه صلى الله عليه وسلم حقوه،
لتكفن فيه بنته رضى الله عنها، وجعله الجريدتين على القبرين، وجمعت بنت ملحان عرقه صلى
الله عليه وسلم، وتمسحوا بوضوئه صلى الله عليه وسلم، وأشباه هذه كثيرة مشهورة فى الصحيح،
وكل ذلك واضح لا شك فيه.
١٧- ومن استيهاب عمر بن عبد العزيز للقدح استيهاب الصديق ما لايشق على صديقه هبته، قال
الحافظ؛ ولعل سهلا سمح بذلك لبدل كان عنده من ذلك الجنس، أو لأنه كان محتاجاً، فعوضه
المستوهب ما يسد به حاجته.
والله أعلم
١٧٠

(٥٥٨) باب جواز شرب اللبن
٤٥٨٣ - ٩٠ْ عَنِ الْبَرَاءِ ﴿(٩٠) قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ: لَمَّا خَرَجْنَا مَعَ النّبِيِّ ◌ِ﴿ مِنْ مَكَّةَ
إِلَى الْمَدِينَةِ، مَرَرْنَا بِرَاعٍ، وَقَدْ عَطِشَ رَسُولُ اللَّهِفَ﴿ِ. قَالَ: فَحَلَبْتُ لَهُ كْبَةٌ مِنْ لَّيَّنٍ. فَأَيْئُهُ
بِهَا، فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ.
٤٥٨٤ - لِمُ عَنِ الْبَرَاءِ﴾(٩١) قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأْبَعَهُ
سُراقَّةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ. قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِعَ. فَسَاحَتْ فَرَسُهُ. فَقَالَ: ادْعُ اللَّهُ
لِي وَلا أَضُرُّكَ. قَالَ: فَدَعَا اللَّةَ. قَالَ: فَعَطِشَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ّ . فَمَرُوا بِرَاعِي غَنَمٍ. قَالَ أَبُو
بَكْرِ الصِّدِّيقُ: فَأَخَذْتُ قَدَحًا فَحَلَيْتُ فِيهِ لِرَسُولِ اللَّهِ﴿َ كُثْبَةٌ مِنْ لَبَنٍ. فَأَيْتُهُ بِهِ، فَشَرِبَ
حَتَّى رَضِيتُ.
٤٥٨٥ - ◌َجْ عَنٍ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ (٩٢) أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ ﴿ أَبِيّ لَيْلَةَ أُسْرِيّ بِهِ بِإِيَاءَ بِقَدَحَيْنٍ مِنْ خَمْرٍ
وَلَّبَّنٍ. فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا، فَأَخَذّ اللَّنَ. فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامِ: الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ.
لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ.
٤٥٨٦ -- وفي رواية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: أَتِيّ رَسُولُ اللَّهِ﴾. بِمِثْلِهِ، وَلَمْ
يَذْكُرْ: بِإِلِيَاءٌ.
المعنى العام
يقول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا
سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] حقا إنها لعبرة، وأى عبرة، لبن أبيض، يضرب به المثل فى البياض
والنقاء والطهارة يخرج وينفصل بقدرة الله تعالى وحده من بين الفرث، وهى الفضلات فى كرش
الحيوان ودم الحيوان، فى ساعات يتحول غذاء البهيمة وعلفها فى كرشها إلى عجين، كريه المنظر،
(٩٠) حَدَّا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّقَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عَنِ الْبَوَاءِ
(٩١) حَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَابْنُ بَشَارٍ وَالْفْظُ لابْنِ الْمُثَنِى قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَقٌ
الْهَمْدَائِيٌّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْبَرَاءٌ يَقُولَ
(٩٢) حَدَّنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَادٍ وَزُّهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَاللَّفْظُ لابْنٍ عَبَّادٍ فَالا حَدَّثَا أَبُو صَفْوَانَ أَخْبَرَنًا يُونُسُ عَنِ الرُّهْرِيِّ قَالَ قَالَ ابْنُ
الْمُسْيِّبِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةً
- وحَدَّتِي سَلَّمَةُ بْنُ شَبِيبٍ حَدََّا الْحَسَنُ بْنُ أَعْبَنَ حَدَّنَا مَعْقِلٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ
١٧١

كريه الرائحة، ثم يتحول هذا العجين إلى دم نجس أحمر يجرى فى العروق، ولبن طاهر أبيض يجرى
فى أنابيب خاصة إلى الضرع، ويبقى الفرث فى الكرش، حتى يخرج فضلات تعرف بالزبل أو
السرجين أو الجلة. سبحانك اللّهم، ولك الحمد والمنة، أن خلقت ويسرت لنا ما نحتاجه فى حياتنا.
إن الغنم والبقر والإبل وسيلة الحياة، منذ هبط آدم إلى الأرض ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ
وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ* وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَّدٍ لَمْ
تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الْأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌَ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٥-٧]. ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّه لا
تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّه لَغَّفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨].
لقد عرف العرب وغيرهم هذه النعم، وعبروا عن شكرهم لها بتيسيرها للقانع والمعتر، فجعلوا من
حقها أن يحلبها المحتاج وهى فى المرعى أو وهى تشرب، وهذا رسول اللّه * وصاحبه أبو بكر فى
الهجرة من مكة إلى المدينة، يعطش النبى ، فيرى أبو بكر غنما، فيأخذ إناء، ويذهب إلى الراعى،
فيستأذنه فى حلب شاة، فيأخذ اللبن إلى رسول اللَّه / فيشرب حتى يروى.
ومن قبل ذلك، فى رحلة رسول الله إلى ربه بالإسراء، ثم المعراج، كانت تحية الله لنبيه * *
اللبن، إذ جاءه جبريل بثلاثة أقداح أو أربعة. قدح فيه لبن، وقدح فيه خمر، وقدح فيه عسل، وقدح فيه
ماء، فنظر صلى الله عليه وسلم إلى الأقداح وما فيها، فاختار منها - بهداية الله - قدح اللبن، فشرب
فقال جبريل: هداك الله إلى رمز الإسلام، فالحمد لله رب العالمين.
المباحث العربية
(قال أبوبكر: لما خرجنا مع النبى 18 من مكة إلى المدينة) هذه الرواية
صريحة فى أنها من مسند أبى بكر، والرواية الثانية من مسند البراء، إلى قوله ((قال أبو بكر
الصديق ... )) وفى الرواية الثانية ((لما أقبل رسول اللَّه {# من مكة إلى المدينة)) والمراد لما
بدأ الهجرة من مكة إلى المدينة.
(مررنا براع) قال النووى: فى بعض الأصول ((براعى)) بالياء، وهى لغة قليلة، والأشهر ((براع)»
وفى الرواية الثانية ((فمروا براعى غنم)) وظاهر الرواية الثانية أن قصة الراعى واللبن كانت بعد قصة
سراقة، وكذا ظاهر بعض الروايات، لكن فى البخارى عن أبى بكر ه قال: ارتحلنا من مكة ليلتنا،
ويومنا حتى أظهرنا، وقام قائم الظهيرة، فرميت ببصرى، هل أرى من ظل؟ فآوى إليه؟ ، فإذا صخرة،
أتيتها، فنظرت بقية ظل لها، فسويته، ثم فرشت للنبى 8# فيه، ثم قلت له: اضطجع يا نبى اللَّه.
فاضطجع النبى 48*، ثم انطلقت أنظر ما حولى، هل أرى من الطلب أحداً، فإذا أنا براعى غنم يسوق
غنمه إلى الصخرة، يريد منها الذى أردنا، فسألته، فقلت لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من قريش.
سماه، فعرفته، فقلت هل فى غنمك من لبن؟ قال: نعم. قلت: فهل أنت حالب لنا؟ قال: نعم. فأمرته،
فاعتقل شاة من غنمه، ثم أمرته أن ينفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته أن ينفض كفيه، فحلب لى
١٧٢

كثبة من لبن، وقد جعلت لرسول اللّه* إداوة، على فمها خرقة، فصببت على اللبن [أى ماء من
الإداوة] حتى برد أسفله، فانطلقت به إلى النبى ®، فوافقته قد استيقظ، فقلت: اشرب يا رسول
الله. فشرب حتى رضيت، ثم قلت: قد آن الرحيل يا رسول اللَّه؟ قال: بلى، فارتحلنا، والقوم يطلبوننا،
فلم يدركنا أحد منهم، غير سراقة بن مالك بن جعشم، على فرس له، فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا
رسول اللَّه. فقال: لا تحزن. إن اللَّه معنا)) فظاهر هذه الرواية أن قصة الراعى واللبن كانت قبل قصة
سراقة، ويؤكدها رواية أخرى للبخارى، وفيها بعد قصة اللبن ((فارتحلنا بعد ما مالت الشمس، واتبعنا
سراقة بن مالك ... )) وهو الذى نمبل إليه.
(فحلبت له كثبة من لبن) ((الكثبة)) بضم الكاف وإسكان الثاء، وهى الشىء القليل، والمراد
هنا قيل: قدر قدح، وقيل: حلبة خفيفة، وهى فى الأصل تطلق على القليل من الماء واللبن، وعلى
الجرعة تبقى فى الإناء، وعلى القليل من الطعام والشراب وغيرهما من كل مجتمع.
وظاهر الرواية أن أبا بكر باشرهنا الحلب بنفسه، لكن رواية البخارى السابقة تجعل الفعل هنا
على المجاز، أى فأمرت أن يحلب له.
(فشرب حتى رضيت) أى شرب حتى علمت أنه شرب حاجته وكفايته.
(فاتبعه سراقة بن مالك بن جعشم) بضم الجيم وسكون العين، وكنيته أبو سفيان، ونسبه
المدلجى، بضم الميم وسكون الدال، من بنى مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة.
وقد ذكرت روايات البخارى سبب اتباعه وتفصيله، وفيها ((عن سراقة قال: جاءنا رسل كفار
قريش، يجعلون فى رسول اللَّه { { وأبى بكر، دية كل واحد منهما، لمن قتله أو أسره [أى يجعلون لمن
يقتل واحداً منهما أو يأسره دية رجل، وهى مائة ناقة] فبينما أنا جالس فى مجلس من مجالس
قومى بنى مدلج، إذ أقبل رجل منهم، حتى قام علينا، ونحن جلوس، فقال: يا سراقة [وكان فارسا
مشهورا] إنى قد رأيت آنفا أسودة بالساحل [جمع سواد، أى أشخاصاً] أراها [أى أظنها] محمداً
وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا، انطلقوا
بأعيننا، ثم لبثت فى المجلس ساعة، ثم قمت، فدخلت، فأمرت جاريتى أن تخرج بفرسى من وراء
أكمة، فتحبسها على، وأخذت رمحى، فخرجت به من ظهر البيت، حتى أتيت فرسى، فركبتها،
فأسرعت بها، حتى دنوت منهم، فعثرت بى فرسى، فخررت عنها، فقمت فأهويت يدى إلى كنانتى،
فاستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها: أضرهم؟ أم لا؟ فخرج الذى أكره [أى لا تضرهم] فركبت
فرسى، وعصيت الأزلام، حتى سمعت قراءة رسول اللّه/*، وهو لا يلتفت، وأبو بكريكثر الالتفات،
فساخت يدا فرسى فى الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها، فنهضت، فاستقسمت
بالأزلام، فخرج الذى أكره، فناديتهم بالأمان [فى رواية ابن إسحق: فناديت القوم: أنا سراقة بن
مالك بن جعشم. أنظرونى أكلمكم، فوالله لا آتيكم ولا يأتيكم منى شىء تكرهونه، وفى رواية ((وأنا لكم
نافع غير ضار، وإنى لا أدرى لعل الحى فزعوا لركوبى، وأنا راجع، ورادهم عنكم] فوقفوا، فركبت فرسى
١٧٣

حتى جئتهم، ووقع فى نفسى حين لقيتهم، وحين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم، أن سيظهر أمر
رسول اللَّه﴾، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت
عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآنى [أى لم ينقصانى شيئاً مما معى] ولم يسألانى [فى رواية ((فقلت: هذه
كنانتى، فخذ سهما منها، فإنك تمر على إبلى وغنمى، بمكان كذا وكذا، فخذ منها حاجتك. فقال لى:
لا حاجة لنا فى إبلك وفى رواية «قلت: يانبى الله، مرنى بما شئت. قال: فقف مكانك، لا تتركن أحداً
يلحق بنا»] فسألته أن يكتب لى كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة، فكتب فى رقعة من أدم. ثم مضى
رسول اللَّه ◌ِ﴿)).
وفى رواية ((فجعل لا يلقى أحداً إلا رده، وقال له: قد كفيتم ماههنا)) وفى رواية ((فرجعت،
فسئلت، فلم أذكر شيئا مماكان، حتى إذا فرغ من حنين، بعد فتح مكة، خرجت لألقاه، ومعى الكتاب،
فلقيته بالجعرانة، حتى دنوت منه، فرفعت يدى بالكتاب، فقلت: يا رسول الله، هذا كتابك. فقال:
یوم وفاء وبر ادن. فأسلمت.
أما عامر بن فهيرة فقد كان مولدا من مولدى الأزد، أسود اللون، مملوكا للطفيل بن عبد الله بن
سخبرة، فأسلم وهو مملوك، فاشتراه أبوبكر وأعتقه، وكان حسن الإسلام، ودوره فى الهجرة أنه كان
يرعى الغنم، وهم فى ثور، ويروح بها على رسول اللَّه ◌َ ﴿ وأبى بكر فى الغار، وانطلق معهما. شهد بدراً
وأحداً، ثم قتل يوم بئر معونة، وهو ابن أربعين سنة.
(فدعا عليه رسول الله :﴿، فساخت فرسه) بالسين ثم خاء، أى نزلت فى الأرض، وقبضتها
الأرض، وكان فى أرض يابسة، وفى رواية ((فارتطمت به فرسه فى الأرض إلى بطنها)) وفى رواية
((فقال رسول اللّه﴿: اللَّهم اكفناه بما شئت)) وفى رواية ((فالتفت النبى{*، فقال: اللَّهم اصرعه.
فصرعه فرسه».
(ادع اللَّه لى، ولا أضرك) قال النووى: وقع فى بعض الأصول ((ادعوا اللَّه)) بلفظ التثنية، للنبى
* وأبى بكرة﴾، وفى بعضها (ادع)) بلفظ الواحد، وكلاهما ظاهر. والمدعوبه محذوف للعلم به من
المقام، أى أن ينجينى وينقذنى من هذا السقوط، وفى رواية للبخارى ((فطلب إليه سراقة أن لا يدعو
عليه وأن يرجع، ففعل النبى ێ)».
(فدعا الله) له، زاد فى رواية ((فانطلق)).
(أُتِىَ ليلة أُسرى به بإيلياء بقدحين، من خمر ولبن) قوله «من خمرولبن» على التوزيع،
أى بقدح من خمر، وقدح من لبن، و((أتى)) بضم الهمزة وكسر التاء مبنى للمجهول، و«إيلياء)» بالمد،
ويقال بالقصر، ويقال: إلياء بحذف الياء الأولى، وهو بيت المقدس، وقوله ((بإيلياء)) متعلق بأتى، أى
أتى وهو بإيلياء ليلة الإسراء بقدحين، وفى هذه الرواية محذوف، تقديره: أتى بقدحين، فقيل له: اختر
أيهما شئت)) كما جاء مصرحا به فى البخارى، وفى رواية لمسلم فى باب الإسراء ((فجاءنى جبريل
عليه السلام بإناء من خمر، وإناء من لبن وظاهر روايتنا أن الإتيان بالإناءين كان بإيلياء، وأصرح
١٧٤

منها فى ذلك ما رواه مسلم بلفظ «ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءنى
جبريل عليه السلام بإناء من خمر، وإناء من لبن)) لكن فى رواية للبخارى ومسلم أن الإتيان بالإناءين
كان فى المعراج فى السماء، ولفظ البخارى ((ثم رفع لى البيت المعمور، ثم أتيت بإناء من خمر، وإناء
من لبن، وإناء من عسل)).
قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بين الاختلاف إما بحمل ((ثم)) على غير بابها من الترتيب، وإنما
هى بمعنى الواوهنا، وإما بوقوع عرض الآنية مرتين، مرة عند فراغه من الصلاة ببيت المقدس، وسببه
ما وقع من العطش، ومرة عند وصوله إلى سدرة المنتهى.
كما أن روايتنا تفيد أن الذى عرض عليه إناءان. إناء من لبن، وإناء من خمر، وفى بعض روايات
الصحيح ثلاثة بإضافة إناء من عسل، وفى حديث أبى سعيد عند ابن إسحق ((فصلى بهم - يعنى
بالأنبياء - ثم أُتِى بثلاثة آنية، إناء فيه لبن، وإناء فيه خمر، وإناء فيه ماء، فأخذت اللبن)).
قال الحافظ ابن حجر: وأما الاختلاف فى عدد الآنية وما فيها، فيحمل على أن بعض الرواة ذكر
ما لم يذكر الآخر، والزيادة من الثقة مقبولة، وذكر الاثنين لا ينافى الثلاثة، وذكر الثلاثة لا ينافى
الأربعة، ومجموعها أربعة آنية، وفيها أربعة أشياء، من الأنهار الأربعة التى رآها تخرج من سدرة
المنتهى، فعند الطبرى، لما ذكر سدرة المنتهى يخرج من بينها أنهار من ماء غير آسن ومن لبن لم
يتغير طعمه ومن خمر لذة للشاربين ومن عسل مصفى فلعله عرض عليه من كل نهر إناء، وفى حديث
أبى هريرة عن ابن عائذ، بعد ذكر إبراهيم، قال: «ثم انطلقنا فإذا نحن بثلاثة آنية مغطاة، فقال
جبريل: يا محمد، ألا تشرب مما سقاك ريك؟ فتناولت أحدها، فإذا هو عسل، فشريت منه قليلا ثم
تناولت الآخر، فإذا هو لبن، فشربت منه حتى رويت، فقال: ألا تشرب من الثالث؟ قلت: قد رويت.
قال: وفقك الله)).
(فنظر إليهما، فأخذ اللبن) قال النووي: ألهمه اللّه تعالى اختيار اللبن، لما أراده سبحانه
ونعالى من توفيق هذه الأمة واللطف بها.اهـ قال ابن المنير: لم يذكر السر فى عدوله عن العسل إلى
اللبن، كما ذكر السر فى عدوله عن الخمر، ولعل السر فى ذلك كون اللبن أنفع، وبه يشتد العظم، وينبت
اللحم، وهو بمجرده قوت، ولا يدخل فى السرف بوجه، وهو أقرب إلى الزهد، ولا منافاة بينه وبين الورع
بوجه، والعسل وإن كان حلالا، لكنه من المستلذات التى قد يخشى على صاحبها أن يندرج فى قوله
تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٠] قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون السر فى ذلك
أنه صلى الله عليه وسلم كان قد عطش، فآثر اللبن لما فيه من حصول حاجته، دون الخمر والعسل،
فهذا هو السبب الأصلى فى إيثار اللبن، وصادف مع ذلك رجحانه عليهما من عدة جهات. اهـ
(الحمد لله الذى هداك للفطرة) قال النووى: المراد بالفطرة هنا الإسلام والاستقامة، وجعل
اللبن علامة على ذلك لكونه سهلا طيباً، طاهراً سائغا للشاربين، سليم العاقبة، وأما الخمر فإنها أم
الخبائث، وجالبة لأنواع من الشر فى الحال والمآل.اهـ
١٧٥

وقال القرطبى: يحتمل أن يكون سبب تسمية اللبن فطرة أنه أول شىء يدخل بطن
المولود، ويشق أمعاءه، والسر فى ميل النبى { 1 إليه، دون غيره، لكونه كان مألوفا له، ولأنه لا
ينشأ عن جنسه مفسدة.اهـ
وفى رواية للبخارى أن جبريل عليه السلام قال له: «أصبت الفطرة أنت وأمتك».
(لو أخذت الخمرغوت أمتك) أى ضلت، وانهمكت فى الشر.
فقه الحديث
ترجم النووى لهذه الأحاديث بباب جواز شرب اللبن، وترجم البخارى بباب شرب اللبن، وقول
اللَّه عز وجل ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنَّا خَالِصًا سَائِفًا لِلشَّارِينَ﴾.
قال الحافظ ابن حجر: وقع بلفظ (يخرج)) فى أوله، فى معظم النسخ، والذى فى القرآن ﴿تُسْقِيكُمْ
مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْتٍ وَدَمٍ﴾ [النحل: ٦٦] وأما لفظ ((يخرج)) فهو فى الآية الأخرى من السورة
﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ [النحل: ٦٩] ووقع حذف ((يخرج)) من أول الآية وأول
الباب فى بعض النسخ، فكأن زيادة لفظ ((يخرج)) ممن دون البخارى.
ثم قال: وهذه الآية صريحة فى إحلال شرب لبن الأنعام، بجميع أنواعه، لوقوع الامتنان به، فيعم
جميع ألبان الأنعام، فى حال حياتها.
وقد زعم بعضهم أن اللبن إذا طال العهد به وتغير صاريسكر، قال الحافظ: وهذا ربما يقع نادراً،
إن ثبت وقوعه، ولا يلزم منه تأثيم شاربه، إلا إن علم أن عقله يذهب به، فشربه لذلك، نعم يقع السكر
باللبن إذا جعل فيه ما يصير باختلاطه معه مسكراً، فيحرم. اهـ. وقد بوب البخارى فى الطهارة باب
هل يمضمض من اللبن؟ وساق ((أن رسول اللَّه * شرب لبنا فمضمض، وقال: إن له دسما)) قال
الحافظ ابن حجر: فيه بيان العلة للمضمضة من اللبن، فيدل على استحبابها من كل شىء دسم.
هذا، والمشكل فى هذه الأحاديث شرب رسول اللَّه * من لبن غنم لم يأذن صاحبها فى حلبها؟
قال المهلب: إنما شرب النبى 8 من لبن تلك الغنم لأنه كان حينئذ فى زمن المكارمة، أى جريا على
العادة المألوفة للعرب فى إباحة ذلك، والإذن بالحلب للمارولابن السبيل، فكان كل راع مأذوناً له فى
ذلك، وقال ابن العربى: كانت عادة أهل الحجاز والشام وغيرهم المسامحة فى ذلك، بخلاف بلدنا.اهـ
لكن روى البخارى «لايحلبن أحد ماشية امرئ بغير إذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشريته؟
فتكسر خزانته؟ فينتقل طعامه؟ فإنما تخزن لهم ضروع ماشيتهم أطعماتهم، فلا يحلبن أحد ماشية
أحد إلا بإذنه)) قال ابن عبد البر: فى الحديث النهى عن أن يأخذ المسلم من المسلم شيئاً إلا بإذنه،
وإنما خص اللبن بالذكر لتساهل الناس فيه، فنبه به على ما هو أولى منه، وبهذا أخذ الجمهور، إلا إن
كان بإذن خاص، أو إذن عام، واستثنى كثير من السلف ما إذا علم طيب نفس صاحبه، وإن لم يقع
١٧٦

منه إذن خاص ولا عام، وقد شرب صلى الله عليه وسلم لأنه علم أن صاحب اللبن لا يكره شربه صلى
الله عليه وسلم منه. وذهب كثير منهم إلى الجواز مطلقاً فى الأكل والشرب، سواء علم بطيب نفسه، أو
لم يعلم، والحجة لهم ما أخرجه أبو داود والترمذى وصححه مرفوعا ((إذا أتى أحدكم على ماشية، فإن
لم يكن صاحبها فيها فليصوت ثلاثاً، فإن أجاب فليستأذنه، فإن أذن له، وإلا فليحلب، وليشرب، ولا
يحمل)» وله شاهد عند ابن ماجه، بلفظ ((إذا أتيت على راع، فناده ثلاثا، فإن أجابك، وإلا فاشرب، من
غير أن تفسد)» وعند الترمذى عن ابن عمر مرفوعاً ((إذا مر أحدكم بحائط فليأكل، ولا يتخذ خبيئة)»
لكن الترمذى استغربه، وقال البيهقى: لم يصح، وجاء من أوجه أخر غير قوية، قال الحافظ ابن حجر:
والحق أن مجموعها لا يقصر عن درجة الصحيح، وقد احتجوا فى كثير من الأحكام بما هو دونها.اهـ
وقد أشار الحافظ بذلك إلى ما أخرجه ابن ماجه والطحاوى وصححه ابن حبان والحاكم بلفظ
((وإذا أتيت على حائط بستان فناد ثلاثاً، فإن أجابك، وإلا فاطعم من غير أن تفسد)).
وللعلماء أمام أحاديث النهى وأحاديث الإذن مذاهب:
منهم من رجح أحاديث النهى، وأخذ بها، وترك أحاديث الإذن، بدعوى أن حديث النهى أصح،
فهو أولى أن يعمل به، ولأن أحاديث الإذن تعارض القواعد القطعية فى تحريم مال المسلم بغير إذنه.
ومن العلماء من جمع بين أحاديث النهى وأحاديث الإذن.
فقال بعضهم: تحمل أحاديث الإذن على ما إذا علم طيب نفس صاحبه، وأحاديث النهى على ما
إذا لم يعلم.
وقال بعضهم: تخصص أحاديث الإذن بابن السبيل، أو بالمضطر، أو بحال المجاعة مطلقاً.
وقال بعضهم: تخصص أحاديث الإذن ببيئة يغلب عليها التسامح والمواساة، كما كان الحال فى
زمنه صلى الله عليه وسلم، دون ما كان بعد زمنه صلى الله عليه وسلم من التشاح، فكأنه صلى الله
عليه وسلم أشار بأحاديث النهى إلى ما سيكون بعده.
وقال بعضهم: تحمل أحاديث النهى على ما إذا كان المالك أحوج من المار، لحديث أبى هريرة
«بينما نحن مع رسول اللَّه ◌ِ فى سفر إذا رأينا إبلاً مصرورة، فثبنا إليها، فقال لنا رسول اللَّه وقال: إن
هذه الإبل لأهل بيت من المسلمين، هو قوتهم، أيسركم لورجعتم إلى مزاودكم، فوجدتم ما فيها قد
ذهب؟ قلنا: لا. قال: فإن ذلك كذلك)) أخرجه أحمد وابن ماجه، واللفظ لابن ماجه، وفى لفظ أحمد
((فابتدرها القوم ليحلبوها)) قالوا: فيحمل حديث الإذن على ما إذا لم يكن المالك محتاجاً، وحديث
النهى على ما إذا كان محتاجًا.
وقال بعضهم: يحمل الإذن على ما إذا كانت غير مصرورة، ويحمل النهى على ما إذا كانت
مصرورة، لهذا الحديث. لكن وقع عند أحمد فى آخره ((فإن كنتم لابد فاعلين فاشربوا، ولاتحملوا )) فدل
على عموم الإذن فى المصرور وغيره، لكن بقيد عدم الحمل، ولابد منه.
١٧٧

وقال بعضهم: يقصر الإذن على المحتاج من المسافرين فى الغزو.
وقال بعضهم: يقصر الإذن على ما كان لأهل الذمة، والنهى على ما كان للمسلمين، واستؤنس له
بما شرطه الصحابة على أهل الذمة من ضيافة المسلمين، وصح ذلك عن عمر لطالبه.
وقيد ذلك بعضهم بالزمن الماضى، فقد ذكر ابن وهب عن مالك فى المسافر، ينزل بالذمى؟ قال: لا
يأخذ منه شيئاً إلا بإذنه، قيل له: فالضيافة التى جعلت عليهم؟ قال: كانوا يومئذ يخفف عنهم
بسببها، وأما الآن فلا.
وجنح بعضهم إلى نسخ الإذن، وحملوه على أنه كان قبل إيجاب الزكاة، قالوا: وكانت الضيافة
حينئذ واجبة، ثم نسخ ذلك بفرض الزكاة. قال الطحاوى: وكان ذلك حين كانت الضيافة واجبة، ثم
نسخت، فنسخ ذلك الحكم.
وأمام هذه التوجيهات اختلف العلماء الفقهاء فيمن مرببستان أو زرع أو ماشية. قال الجمهور
والشافعية لا يجوز أن يأخذ منه شيئاً، إلا فى حال الضرورة، فيأخذ، ويغرم:
وقال بعض السلف: لا يلزمه شیء.
وقال أحمد: إذا لم يكن على البستان حائط جازله الأكل من الفاكهة الرطبة، فى أصح الروايتين،
ولو لم يحتج لذلك. وفى الرواية الأخرى: إذا احتاج، ولا ضمان عليه فى الحالين.
هذا. وقد أغرب من قال: إنما استجازه صلى اللّه عليه وسلم لأنه مال حربى، فيجوز الاستيلاء
عليه، وهذا بعيد، لأن القتال لم يكن فرض بعد، ولا أبيحت الغنائم.
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- فى الأحاديث فضيلة لأبى بكر طه.
٢- وخدمة التابع الحر للمتبوع فى يقظته.
٣- والاجتهاد فى مصالحه فى نومه.
٤- وشدة محبة أبى بكر للرسول 98.
٥- وأدبه معه.
٦- وإيثاره له على نفسه.
٧- واستصحاب آلة السفر، كالقدح ونحوه، ولا يقدح ذلك فى التوكل.
٨- استدل به بعضهم على طهارة المنى بقياسه على اللبن فى طهارته، مع خروجه من بين فرث ودم.
وفى هذا الاستدلال بعد.
٩- استدل به بعضهم على أن الشىء المستهلك يغتفر التقاطه، لأن المبيح للبن هنا أنه فى حكم
١٧٨

الضائع، إذ ليس مع الغنم فى الصحراء سوى راع واحد، فالفاضل عن شربه مستهلك، وأعلى
أحواله أن يكون كالشاة الملتقطة فى الضيعة، وقد قال فيها ((هى لك أو لأخيك، أو للذئب)) وهو
استدلال بعيد.
١٠- وفى قصة سراقة معجزة ظاهرة للرسول وح الات.
١١- وفى حمد جبريل عليه السلام استحباب الحمد عند تجدد النعم، وحصول ما كان الإنسان يتوقع
حصوله، واندفاع ما كان يخاف وقوعه.
١٢- وفى اختيار اللبن توفيق اللّه لرسوله ، وتوفيق هذه الأمة، واللطف بها.
١٣- ومن قوله ((لو أخذت الخمر غوت أُمتك)» أن الخمر ينشأ عنها الغى، ولا يختص ذلك بقدر معين.
١٤ - قال الحافظ ابن حجر: ومن عرض الآنية عليه صلى الله عليه وسلم إرادة إظهار التيسير عليه،
وإشارة إلى تفويض الأمور إليه.
والله أعلم
١٧٩

(٥٥٩) باب تخمير الإناء، وإيكاء السقاء
وإغلاق الأبواب وإطفاء السراج والنار وكف الصبيان ليلا
٤٥٨٧- ١٣ عَنْ أَبِي حُمّيْدِ السَّاعِدِيِّ﴾(٩٣) قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيِّلَ بِقَدَحِ لْبَنٍ مِنَ النَّقِعِ
لَيْسَ مُحَمَّرًا. فَقَالَ: «أَلَا خَمَّرْتَهُ وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ عُودًا» قَالَ أَبُو حُمَّيْدٍ: إِنَّمَا أُمِرَ بِالأَسْقِيَةِ أَنْ
تُوكَاً لَيْلا، وَبِالأَبْوَّابِ أَنْ تُغْلَقَ لَيْلا.
٤٥٨٨ -- وفي رواية عَنْ أَبِي حُمَيْدِ السَّاعِدِيِّ أَنْهُ أَتَى النَّبِيِّ ◌َ بِقَدَحِ لَّنٍ. بِمِثْلِهِ.
قَالَ: وَلَمْ يَذْكُرْ زَكَرِيَّاءُ قَوْلَ أَبِي حُمَّيْدٍ بِاللَّيْلِ.
٤٥٨٩- ٤َجْ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٩٤) قَالَ: كُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ
﴿ فَاسْتَسْقَى. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا نَسْقِيكَ نَبِيذًا؟ فَقَالَ: «بَلَى» قَالَ:
فَخَرَجَ الرَّجُلُ يَسْعَى، فَجَاءَ بِقَدَحٍ فِيهِ تَبِيذٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ «أَلَا خَمَّرْتَهُ وَلَوْ
تَعْرُضُ عَلَيْهِ عُودًا)» قَالَ: فَشَرِبَ.
٤٥٩٠- ٥° عَنْ جَابِرٍ ﴾(٩٥) قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو حُمَّيْدٍ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ مِنَ الْفِيعِ.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ «أَلا خَمَّرْتَهُ وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ عُودًا».
٤٥٩١ - ١٦ُ عَنْ جَابِرٍ﴾(٩٦) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ أَنَّهُ قَالَ: «غَطُّوا الإِنَاءَ. وَأَوْكُوا السِّقَاءَ.
وَأَغْلِقُوا الْبَابَ. وَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ. فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَخُلُّ سِقَاءٌ، وَلا يَفْتَحُ بَابًا، وَلا يَكْشِفُ
إِنَاءً. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلا أَنْ يَعْرُضَ عَلَى إِنَائِهِ عُودًا، وَيَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ، فَلْيَفْعَلْ. فَإِنَّ
الْقُوَّيْسِقَةَ تُصْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيَّتِ بَيْتَهُمْ» وَلَمْ يَذْكُرْ قُقَيْبَةُ فِي حَدِيثِهِ: وَأَغْلِقُوا الْبَابَ.
٤٥٩٢ -- وفي رواية عَنْ جَابِرٍ ◌ّ عَنِ النّبِيِّ:﴿َ بِهَذَا الْحَدِيثِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «وَأَكْفِئُوا
الإَِّاءَ، أَوْ خَمِّرُوا الإِنَاءَ» وَلَمْ يَذْكُرْ تَعْرِيضَ الْعُودِ عَلَى الإِنَاءِ.
(٩٣) حَدََّا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ قَالَ ابْنُ الْمُثَنِى حَدَّقْنَا الضَّحَاكُ أَخْبُرَّنَا ابْنُ
جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعٍ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ أَخْبَرَنِي أَبُوَ خُمَّيْدٍ الْسَّاعِدِيُّ
- وحُّدِّقَبِي إِنْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ حَدََّا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَّيْجٍ وَزَكّرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَقَ فَالا أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبِيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ
ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ
(٩٤) حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُوٍ كُرَيْبٍ وَاللَّفْظُ لْأَبِي كُرَيْبٍ قَالا حَدِّنَا أَبُو مُعَاوِنّةً عَنِ الأُعمّشِ عَنْ أُبِي صَالِحٍ عَنْ جَابِ
(٩٥) وحَّدَّمَا غُثْمَاً بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌّ عَنِ الأَعْمَّشِ عَنْ أَبِيٍ سُفْيَانِ وَأَبِ صَالِحٍ عَنْ جَابٍِ
(٩٦) حَدَّثَّا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدْقَّا لَيْثٌ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بَّنُ رُمْحَ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِّي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابٍِ
- وحَذَََّّا يَحْتِى بْنُ يَخْتَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزَّكْرِ عَنْ جَابٍِ
- وحَدَّثَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدْقَا ؤُهَيْرٌ حَدَّا أَبُو الزُّبَيَّرِ عَنْ جَابِرٍ
١٨٠