Indexed OCR Text
Pages 1-20
قَبةُ المُعْ!
شِرْح صَحِيح مُسِلمٍ
تابعٌ كتاب الصيد والذبائحُ -كتاب الأضاحي
كتابٌ الأَشْرِهَة - كتاباللباس والزينة
كتاب الآداب - كتابُ السَّلام - كتابٌ لطب والمفِتْ
الجزءُ الْثّامِنُ
الأستاذ الدّكتورُ
موسىُ شَاهِينَ لاَتـ
دار الشروقــ
فَتُ المُعْدِ
شِرْع صَحِيح مُسِئُلِمٍ
٨
جَمِيْع حقُوق النّشر والطّيع مَحنُوظَة
الطَّبَعَة الأولى
١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢م
دار الشروقـ
القاهرة: ٨ شارع سيبويه المصري - رابعة العدوية - مدينة نصر
ص.ب .: ٣٣ البانوراما - تليفون: ٤٠٢٣٣٩٩ - فاكس: ٤٠٣٧٥٦٧ (٢٠٢)
e-mail: dar@ shorouk.com
www.shorouk.com
بيروت: ص.ب .: ٨٠٦٤ - هاتف: ٣١٥٨٥٩ -٨١٧٢١٣ - فاكس: ٣١٥٨٥٩ ١ (٩٦١)
2
تابع
كتاب الصيد والذبائح
٥٣٩- باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير.
٥٤٠- باب إباحة ميتات البحر.
٥٤١ - باب تحريم أكل لحم الحمر الإنسية وإباحة أكل لحم الخبل.
٥٤٢ - باب إباحة الضب.
٥٤٣- باب إباحة أكل الجراد وأكل الأرنب.
٥٤٤- باب ما يستعان به على الصيد. والأمر بإحسان الذبح والقتل. والنهى عن صبر البهائم.
٥
(٥٣٩) باب تحريم أكل كل ذى ناب من السباع
وكل ذى مخلب من الطير
٤٣٦٨ - ١٣ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ ﴾(١٢) قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ◌ِ﴿ عَنْ أَكْلٍ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبُعِ.
زَادَ إِسْحَقُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي حَدِيثِهِمَا قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَلَمْ نَسْمَعْ بِهَذَا حَتَّى قَدِمْنَا الشَّامَ.
٤٣٢٩ - ١٣ عَنْ أَبِي تَعْلَبَةَ الْخُشَبِيِّ ﴾(١٣) قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ:﴿ عَنْ أَكْلٍ كُلِّ ذِي نّابٍ
مِنَ السِّبَاعِ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ عُلَمَائًِّا بِالْحِجَازِ حَتَّى حَدَّبِي أَبُو إِذْرِيسَ،
وَكَانَ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الشَّامِ.
٤٣٧٠ - ثُبِ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَبِيِّ ◌َ﴾(١٤) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ نَهَى عَنْ أَكْلٍ كُلِّ ذِي نَابٍ
مِنَ السِّبَاعِ.
٤٣٧١ -- وفي رواية عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَ حَدِيثِ يُونُسَ وَعَمْرٍو. كُلُّهُمْ ذَكْرَ
الأَكْلَ إِلا صَالِحًا وَيُوسُفَ، فَإِنَّ حَدِيثَهُمَا تَهَى عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبُعِ.
٤٣٧٢ - ٥ٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(١٥) عَنِ الْنِيِّ :﴿ قَالَ: «كُلُّ ذِي تَابٍ مِنّ السِّبَاعِ
فَأَكْلُهُ حَرَاٌ».
٤٣٧٣- ٦ ١ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٦) قَالَ: لَهَى رَسُولُ اللَّهِلَ عَنْ كُلِّ ذِي نّابٍ
مِنَ السَّبَاعِ، وَعَنْ كُلِّذِي مِعْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ.
(١٢) حَدََّا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيَّةَ وَإِسْحَقُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمّرَ قَالَ إِسْحَقُّ أَخْبُرَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ حَدَّثْنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةٌ عَنٍ
الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي إِدْرِيْسَ عَنْ أَبِّي ◌َعْلَبَةً
(١٣) وَحَدَّثَتِي حَرْمَلَةُ بَّنْ يَحْتِى أَخْبَرَّنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي إِذْرِيسَ الْخَوْلاِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا ثَعْلَبَةٌ
الْخُشَبِيِّ يَقُولُ
(١٤) وحَّدََّتِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ حَدَّثََّا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبُرْنَا عَمْرٌو يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدََّهُ عَنْ أَبِي إِذْرِيسَ
الْخَوْلانِيِّ عَنْ أَبِي فَعْلَبَةَ الْخُتِّيِّ
وحَدَّقَيِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَلِي مَالِكُ بْنُ أَنْسٍ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ وَغَيْرُهُمْ ح
وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُّ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عْ مَعْمَرٍ حْ وَحَدَّثْنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتِيَ أَخْبَرَنًا يُوسُفُ بَّنُ الْمَاجِشُونِ
ح وحَذْثَنَا الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُّ حُمَّيْدٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَغَّدٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ كُلَّهُمْ
(١٥) وَحَدَّقَتِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدََّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَعْنِي أَبْنَ مَهْدِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْمَعِيلَ بِنٍ أَبِّي حَكِيمٍ عَنْ عَبِدَةٌ بْنٍ سُفْيَانَ عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةً
- وحَدْقَيْهِ أَبُوِ الطَّاهِرِ أَخْبُوَّلَا ابْنٌ وَهْبٍ أَخْبُرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
(١٦) حَدَّثْنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَّاذٍ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّثَنَا أَبِي حَدْثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْخَكْمِ عَنْ مَيْمُونِ ابْنِ مِهْرَانٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
- وحَدَِّي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ حَدَّثَنَا سَهْلَّ بْنُ حَمَّدٍ حَدَّثَا ثَعْبَةُ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
٧
٤٣٧٤ - ث- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١٠) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِل ◌َ﴿ نَهَى عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ
السَِّاعِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَّ الطَّيْرِ.
المعنى العام
الطعام والشراب من الأمور العادية البشرية، يألف بعض الناس طعاما لا يألفه آخرون، ويستقذر
بعض الناس طعاما يستلذه آخرون، فكان الفاصل فيما يحل أو يحرم هو النص الشرعي، وقد قال الله
تعالى ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرٍ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيَّحَرِّمُ عَلَّيْهِمُ الْخَبَائِثُ﴾ [الأعراف: الآية١٥٧َ].
فاللَّه سبحانه وتعالى حرم أن يطعم المؤمن الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بهِ
وَالْمُنْخَيِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلِ السَّبُعُ، وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ، وورد عن رسول اللَّه
# تحريم بعض اللحوم، وعافت نفسه بعض اللحوم ولم يحرمها.
ولما كانت بعض هذه الأحاديث متعارضة مع قوله تعالى ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ
مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْدَمًا مَسْفُوحًا أَوْلَحْمَ خَنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ
فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
كان للمذاهب الفقهية مواقف مختلفة، وتوجيهات متقابلة فى أكل كل ذي ناب من السباع، وأكل
كل ذى مخلب من الطيور، ولما كان الامتناع عن أكل هذه الحيوانات إن لم ينفع لا يضر، وكان أكلها
إن لم يضردينا لا ينفع، فإننا نميل - والله أعلم ... إلى عدم أكلها، سواء قلنا بتحريمها، أو قلنا
بكراهتها. وعلى الله قصد السبيل.
المباحث العربية
(نهى رسول اللَّه عن أكل كل ذى ناب من السبع) الناب السن الذى يلى الرباعية،
والسبح بضم الباء وسكونها كل ذى ناب يصطاد به، ويتقوى به ويعدوبه على الناس وعلى الدواب
فيفترسها، كالأسد والذئب والنمر والكلب وأمثالها، والجمع سباع بكسر السين، وأسبع بضم الباء،
وسبوع بضم السين والباء.
(٠٠) وحَذَّا أَحْمَدُ بْنٌ حَنْبَلٍ حَدَّثْنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ حَدَّقْنَا أَبُو عَوَانَةٌ حَدََّنَا الْحَكّمُ وَأَبُو بِشْرٍ عَنْ عَيْمُونِ ابْنٍ مِهْرَانٌ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ
- وَحَذََّا يَحْتَى بْنُ يَحْتِى أَخْبُوَلَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرِ حِ وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُّ حَنْبَلِ حَدَّثَنًا مُشَيْمٌ قَالَ أَبُو بِشْرِ أَخْبُرَنَا عَنْ مَيْمُونِ
ابْنِ مِهْرَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ نَهَى ح وَحَدَّثَنِي أَنَّو ◌َكَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ حَدَّقْنَا أَبُو عَوَالَةً عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنَّ مَيْمُّونِ بْنِ مِهْرَانٌ عَنٍ
ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَّ تَهَىَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ بِمِثْلِ حَدِيثٍ شُعْبَةً عَنِ الْخُكْمِ.
٨
(قال الزهرى: ولم نسمع بهذا، حتى قدمنا الشام) فى الرواية الثانية ((قال الزهرى: ولم
أسمع ذلك من علمائنا بالحجاز، حتى حدثنى أبو إدريس، وكان من فقهاء أهل الشام)) وظاهر هذا أن
الزهرى كان يشك فى هذا الحكم، فعلماء الحجاز آخر الناس عهدا وأعلمهم بأحكام الشريعة.
(نهى عن كل ذى ناب من السبع) دون ذكر الأكل فى الرواية، لكنه مراد من الروايات التى
لم يذكر فيها، فيكون توجيهها على تقدير مضاف.
(وعن كل ذى مخلب من الطير) المخلب بكسر الميم وفتح اللام، وهو الطير والسباع بمنزلة
الظفر من الإنسان.
فقه الحديث
قال النووى: فى هذه الأحاديث دلالة لمذهب الشافعى وأبى حنيفة وأحمد وداود والجمهور أنه
يحرم أكل كل ذى ناب من السباع، وكل ذى مخلب من الطير، وقال مالك: يكره، ولا يحرم، واحتج
بقوله تعالى ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا
أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجَّسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ واحتج أصحابنا بهذه الأحاديث، قالوا: والآية
ليس فيها إلاّ الإخبار بأنه لم يجد فى ذلك الوقت محرما إلا المذكورات فى الآية، ثم أوحى إليه
بتحريم كل ذى ناب من السباع، فوجب قبوله والعمل به.اهـ
ويحاول الجمهور أن يتخلصوا من ظاهر الآية، فيقول بعضهم - بالإضافة إلى قول النووى- إن
الآية مكية، وحديث التحريم بعد الهجرة، فعند أبى داود عن ابن عباس (نهى رسول اللَّه # يوم خيبر
عن أكل كل ذى ناب من السباع وعن كل ذى مخلب من الطير)» فالنص المحرم متأخر، فالأخذ به
يكون أولى، ويقول بعضهم: إن آية الأنعام خاصة ببهيمة الأنعام، لأنه تقدم قبلها حكاية عن الجاهلية
أنهم كانوا يحرمون أشياء من الأزواج الثمانية بآرائهم، فنزلت الآية ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ
مُحَرَّمًا﴾ أى من المذكورات - الإبل والبقر والغنم والماعز ذكورا وإناثا - إلا الميتة منها والدم
المسفوح، ولا يرد كون لحم الخنزير ذكر معها، لأنها قرنت به علة تحريمه، وهى كونه رجسا، فالآية
أريد بها خصوص السبب، وليس عموم اللفظ، ويقول بعضهم: بأن الآية، وإن دلت على الحصر، فإنا
نخصصها بالأخبار الصحيحة، لأنه لا معنى للحصر فيها إلا أن الأربعة محرمة، وما عداها ليس
بمحرم، وهذا عام، وإثبات محرم آخر تخصيص لهذا العام، وتخصيص العام بخبر الواحد جائز.
وفى الجانب الآخر تمسك بظاهر الآية كثير من السلف، فأباحوا ما عدا المذكور فيها، حتى الحمر
الأهلية، فقد أخرج البخارى عن عمرو بن دينار، قال: قلت لجابر بن عبد الله: إنهم يزعمون أن رسول
اللَّه# نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر، فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفارى
عندنا بالبصرة، ولكن أبى ذلك البحرابن عباس، وقرأ ﴿قُلْ لا أُجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا .. ﴾
وسيأتى الكلام عن الحمر الإنسية قريبا فى باب خاص.
٩
وأخرج أبو داود عن ابن عمر - رضى اللَّه عنهما - أنه سئل عن أكل القنفذ، فقرأ الآية، وأخرج ابن
أبى حاتم وغيره بسند صحيح عن عائشة - رضى الله عنها - أنها كانت إذا سئلت عن كل ذى ناب
من السباع ومخلب من الطير قالت: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا.﴾ إلى آخر الآية.
وأخرج أبو داود أيضا عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: ليس من الدواب شئ محرم إلا ما
حرم اللَّه تعالى فى كتابه ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا.﴾.
ويقول بعضهم: إن الدليل قائم على الفرق بين تحريم كل ذى ناب، وتحريم الخنزير، ولذا اختلف
الصحابة فى كل ذى ذاب، ولم يختلفوا فى تحريم الخنزير، فدل ذلك على أن النهى عن أكل كل ذى
ناب للكراهة، لا للتحريم، قالوا: وقد روى عن رسول اللَّه ◌َ أنه أجاز أكل الضبع، وأخرجه الحاكم من
حديث جابر، وقال صحيح الإسناد، وهو ذو ناب، فدل بهذا على أن النبى 18# أراد بالنهى عن كل ذى
ناب من السباع الكراهة، وليس التحريم.
ويقوى بعضهم هذا المذهب، ويقول: إن الحديث المحرم ليس من قبيل تخصيص الآية، كما
زعموا، بل هو صريح النسخ، لأنها لما كان معناها: أن لا محرم سوى الأربعة، فإثبات محرم آخر قول
بأن الأمرليس كذلك، وهو رفع الحصر، ونسخ القرآن بخبر الواحد غير جائز.
ويقول الإمام الرازى: إن كتيرا من الفقهاء خصوا عموم هذه الآية بما نقل أنه صلى اللّه عليه وسلم
قال: ((ما استخبثته العرب فهو حرام)) وقد علم أن الذى تستخبثه غير مضبوط، فسيد العرب، بل سبد
العالمين عليه الصلاة والسلام، لما رآهم يأكلون الضب قال: ((يعافه طبعى» ولم يكن ذلك سببا
لتحريمه، وأما سائر العرب ففيهم من لا يستقذر شيئا، وقد يختلفون فى بعض الأشياء، فبستقذرها
قوم، ويستطيبها آخرون، فعلم أن أمر الاستقذار غير مضبوط، بل هو مختلف باختلاف الأشخاص
والأحوال، فكيف يجوز نسخ هذا النص القاطع بذلك الأمر الذى ليس له ضابط معين ولا قانون معلوم.
ثم قال: فثبت بالتقرير الذى ذكرناه قوة هذا الكلام، وصحة هذا المذهب، وهو الذى يقول به مالك
ابن أنس. واللَّه أعلم.
(إضافة) اختلف الناس فى حل أكل لحم الضبع، فروى عن سعد بن أبى وقاص أنه كان يأكل
الضبع، وعن ابن عباس إباحة أكل الضبع، وكذا أباح عطاء والشافعى وأحمد وإسحق وأبو ثور أكل
الضبع والثعلب، وقالوا: إن نابهما ضعيف، واستدلوا بما أخرجه النسائي وابن ماجه والترمذى وقال
حسن صحيح عن جابر بن عبد الله - رضى الله عنهما - قال: «سألت رسول اللّه عن الضبع،
فقال: هو صيد، ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم)).
فقد جعله صلى اللّه عليه وسلم صيدًا، ورأى فيه الفداء، فأباح أكله كالظباء والحمر الوحشية
وغيرها من أنواع صيد البر، فقوله ((هو صيد)» دليل على أن من السباع والوحش ما ليس بصيد، فلم
يدخل تحت قوله ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ [المائدة: ٩٦].
وكره أكله الثورى وأبو حنيفة وأصحابه ومالك، واحتجوا بأن الضبع سبع ذو ناب، وحديث النهى
١٠
عن أكل كل ذى ناب عام يشمله، قالوا: وحديث جابرليس بمشهور، وهو محلل، والمحرم يقضى على
المبيع احتياطا، وقيل: حديث جابر انفرد به عبد الرحمن بن أبى عمار، وليس بمشهور بنقل العلم، ولا
هوحجة إذا انفرد، فكيف إذا خالفه من هو أثبت منه.
والله أعلم
١١
(٥٤٠) باب إباحة ميتات البحر
٤٣٧٥ - ١٧ عَنْ جَابِ ﴾(١٧) قَالَ: بَعَثْنَا رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ، وَأَمْرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ لَعَلَّقَّى عِيرًا
◌ِقُرَيْشٍ، وَزَوَّدَنًا جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لَّا غَيْرَهُ. فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِيئًا تَمْرَةُ تَمْرَةً. قَالَ:
فَقُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟ قَالَ: نَمَصُّهَا كَمَا يَمَصُّ، الصَِّيُّ ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ
فَتَكْفِينَا يَوْمَئًا إِلَى اللَّيْلِ. وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الْخَبَطَ ثُمَّ نَبِلُهُ بِالْمَاءِ فَتَأْكُلُهُ. قَالَ: وَانْطَلَقْنَا
عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ كَهَيْئَةِ الْكَفِيبِ الصَّحْمِ، فَأَيْنَاهُ، فَإِذَا هِيَ دَابَّةٌ
تُدْعَى الْعَنْبَرَ. قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَيْئَةٌ. ثُمَّ قَالَ: لا بَلْ نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ وَفِي سَبِيلٍ
اللَّهِ. وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا. قَالَ: فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا وَنَحْنُ ثَلاثُ مِائَةٍ حَتَّى سَمِنًا. قَالَ: وَلَقَدْ
رَأَيْنَا تَفْتَرِفُ مِنْ وَقْبٍ عَيْهِ بِالْقِلالِ الدُّهْنَ، وَتَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفِدَرَ كَالْفَوْرٍ. أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْرِ فَلَقّدْ
أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلالَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَأَفْعَدَهُمْ فِي وَقْبِ عَيْنِهِ. وَأَخَذَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَأَقَامَهَا،
ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ بَعِيرٍ مَعَنًا فَمَرَّ مِنْ تَحْيِهَا. وَتَرَوَّذْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، أَتَيْنَا
رَسُولَ اللَّهِعَ﴿ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: «هُوَّ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ. فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ
شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا؟» قَالَ: فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ مِنْهُ فَأَكَلَهُ.
٤٣٧٦ - ثم١ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٨) قَالَ: بَعَثْنَا رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ وَنَحْنُ
فَلاثُ مِائَةٍ رَاكِبٍ، وَأَمِيرُنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، نَرْصُدُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ. فَقَمْنَا بِالسَّاحِلِ يِصْفَ
شَهْرٍ، فَأَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ حَتَّى أَكَلْنَا الْخَبَطَ؛ فَسُمِّيَ جَيْشَ الْخَبَطِ. فَأَلْقَى لَّنَا الْبَحْرُ دَابَةٌ يُقَالُ
لَهَا الْعَنْبَرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا نِصْفَ شَهْرِ، وَادَّهْنًا مِنْ وَذَكِهَا حَتَّى ثَابَتْ أَجْسَامُنَا. قَالَ: فَأَخَذٌ أَبُو
عُبَيْدَةَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنَصَبَهُ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى أَطْوَلِ رَجُلٍ فِي الْجَيْشِ وَأَطْوَلِ جَمَلٍ فَحَمَّلَهُ
عَلَيْهٍ فَمَرَّ تَخْتَهُ. قَالَ: وَجَلَسَ فِي حَجَاجٍ عَيْبِهِ لَفَرٌ. قَالَ: وَأَخْرَجْنَا مِنْ وَقْبٍ عَيْنِهِ كَذَّا وَكَذَا
قُلَّةَ وَدَكٍ. قَالَ: وَكَانَ مَعَنَا جِرَابٌ مِنْ تَمْرٍ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِي كُلَّ رَجُلٍ مِنَّا قَبْضَةٌ قَبْضَةٌ،
ثُمَّ أَعْطَانًا تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ، فَلَمَّا فَنِيّ وَجَدْنَا فَقْدَهُ.
(١٧) حَدََّا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّقَا زُهَيْرٌ حَدَّقَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ حِ وحَلََّه يَحْتِى بْنُ يَحْتِى أَخْبُرْنَا أَبُو خَيْئْمَةَ عَنْ أَبِي الرُّبَيْرِ
عَنْ جَابِرٍ
(١٨) حَدِّنَا عَبْدُ الْجَّارِ بْنُ الْعَلاءِ حَدََّ سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ
١٢
٤٣٧٧ -١/٩٠ عَنْ جَابِرٍ﴾(١٩) قَالَ: فِي جَيْشِ الْخَبَطِ إِنَّ رَجُلا تَحَرَ ثَلاثَ جَزَائِرَ، ثُمْ ثَلاثًا،
ثُمَّ نَهَاهُ أَبُو عُبَيْدَةً.
٤٣٧٨- ٢٠ِ عَنْ جَابِرِ بْنٍ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٢٠) قَالَ: بَعَثْنَا النّبِيُّنَ وَنَحْنُ ثَلاثُ
مِائَةٍ نَحْمِلُ أَزْوَادَنَا عَلَى رِقَابِنًا.
٤٣٧٩ - ١ِ عَنْ جَابِرِ بْنٍ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٢١) قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللّهِوَ سَرِيَّةً
ثَلاثَ مِائَةٍ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ. فَفَنِيَ زَادُهُمْ. فَجَمَعَ أَبُو عُبَيْدَةَ زَادَهُمْ فِي مِزْوَدٍ.
فَكَانٌ يُقَوِّنَا حَتَّى كَالْ يُصًِّا كُلِّ يَوْمٍ تَمْرَةٌ.
٤٣٨٠ -- وفي رواية عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِعِ
سَرِيَّةٌ، أَنَا فِيهِمْ إِلَى سِيفِ الْبَحْرِ. وَسَاقُوا جَمِيعًا بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ كَنَحْوِ حَدِيثِ عَمْرٍو ابْنِ دِينَارٍ
وَأَبِيِ الزُّبَيْرِ. غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ وَهْبِ ابْنِ كَيْسَانَ: فَأَكّلَ مِنْهَا الْجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةٌ.
٤٣٨١ -- وفي رواية عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِعَ بَعًْا
إِلَى أَرْضٍ جُهَيْئَةً وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِتَحْرِ حَدِيثِهِمْ.
المعنى العام
يمتن اللَّه تعالى على عباده بالبحر وما خلق فيه من طعام، فيقول ﴿وَهُوَّ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا
مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤] ويقول ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرّاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ
أُجَاجٌ وَمِنْ كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: ١٢] وحين حرم على المحرم للحج أو العمرة صيد البر أباح
له صيد البحر، فقال ﴿أُحِلَّ لَكُمَّ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّمَا دُمْتُمْ
حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] وحين حرم أكل الميتة أباح ميتة السمك فقد سئل صلى الله عليه وسلم عن
البحر، فقال: ((هو الطهور ماؤه، الحل ميتته».
(١٩) وحَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ حَدْثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرًا يَقُولُ
(٢٠) وحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا عَبْدَةُ يَغْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامٍ بْنٍ عُرْوَةَ عَنْ وَهْبِ بْنٍ كَيْسَانَ عَنْ جَابٍِ
(٢١) وحَدْقَيِي مُحَمَّدُ بْنُ حَالِمٍ حَدَِّنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيِّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي لُعَيْمٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ أَنْ جَابِرَ بْنَ عَبْدٍ
اللَّهِ أَخْبَرَهُ قَالٌ
- وحّدْقَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدََّا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّقَا الْوَلِيدُ يَعْنِي ابْنَ كَثِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ وَهْبَّ ابْنَ كَيْسَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ
عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ
وحَدََّتِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ حِ وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ ابْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْمُنْذِرِ الْقَوَّازُّ كِلاهُمَا عَنْ دَاوُدّ بْنِ
قَيْسٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِفْسَمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ
١٣
وهذه قصة تؤكد حل ميتة البحر. ففى السنة السادسة من الهجرة بعث رسول اللّه { * سرية من
الجيش، تبلغ ثلاثمائة رجل، وأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح المبشر بالجنة، بعثهم إلى ساحل البحر
جهة قبيلة جهينة، على مسافة خمس ليال من المدينة، بعثهم ليعترضوا القوافل التجارية لقريش،
التى تحمل تجارتهم من مكة إلى الشام، ومن الشام إلى مكة، وليستولوا على هذه الأموال عوضا عن
الأموال التى أخرجتهم منها قريش فى مكة، بعثهم فى أيام عصيبة على المسلمين، لا يجد الكثيرون
منهم القوت الضرورى، بل كان بيت المال خاويا، لم يجد فيه رسول اللّه# ما يعين به هذا الجيش
سوى كيس واحد من التمر، فزودهم به، وحمل كل منهم ما يقدر عليه من التمر والماء، خمس ليال من
السفر أكل كل منهم من زاده الذى يحمله، أو مما يمنحه به صديقه، حتى قل ما فى أيديهم، فبدأ
أبوعبيدة يصرف عليهم من كيس رسول اللّه، كل رجل قبضة تمرفى اليوم، يومين أو ثلاثة وقد
كاد الكيس يفرغ، فأخذ يعطى الرجل تمرة واحدة فى اليوم، يضعها الرجل فى فمه، ويمصها، ويبلها كل
حين بشىء من الماء، حتى يقضى يومه، وانتهى ما فى الكيس من تمر، ولم يتبين للقوم عودة، فجمع
أبو عبيدة ما مع القوم من تمر، ووضعه فى كيس أخذ يعطى منه كل رجل تمرة فى اليوم، ونفذ التمر
الذى فى الجيش، فخرجوا إلى الشجر، يضربون ورقه بعصيهم، ويأكلون ما يسقط من أوراق، واشتد
بهم الجوع، لكن رحمة الله الواسعة أدركتهم، فقذف لهم البحر بدابة عظيمة، يزيد طولها على الأربعين
مترا، أسرعوا إليها فإذا هى لا حراك بها، عزموا على الأكل منها، فقال لهم أبو عبيدة: إنها ميتة، وأكل
الميتة حرام، قالوا: نحن مضطرون، ونحن نجاهد فى سبيل الله ؟ وخفى عليهم أن ميتة البحر حلال،
فقطعوا منها قطعا، كل قطعة فى حجم الثور، وأخذوا يشوون على النار، ويأكلون، ويحملون الدهن من
عين الدابة ويطبخون، أفرغوا عينا من عبونها، ما أوسعها؟ إنا أشبه بحجرة، هيا نتسلى وننظر
سعتها، كم من الرجال الواقفين تتسع لهم ؟ واتسعت لخمسة عشر رجلا، قطعوا ضلعا من أضلاعها،
ما أكبره ؟ وما أطوله؟ هيا نتسلى وننظر طوله، اغرسوه فى الأرض وأوقفوه، واغرسوا واحدا آخر،
واجعلوهما كقوس، وهاتوا أعلى جمل فى الجيش، وأطول رجل فى الجيش، وليركب الرجل الجمل،
وليمر من تحت الضلعين، ففعل، ولم تمس رأسه الضلعين. أكلوا من الدابة خمسة عشر يومًا، وما
نفذت، حملوا معهم ما بقى من لحمها إلى المدينة، وأخبروا رسول اللَّه: # بما كان من أمرهم، فحمد
اللَّه لهم، وقال: هذا رزق حلال ساقه الله لكم، إن ميتة البحر حلال، هل معكم شىء من لحمها؟ قالوا:
نعم، فجاءوه بقطعة منها، فأكلها إعلانا لهم بحلها لغير المضطر. فلله الحمد والمنة ولرسوله # جزاء
ما بلغ، ولأصحابه الرضوان أجمعين.
المباحث العربية
(بعثنا رسول اللَّه : ﴿ - وأمر علينا أبا عبيدة - نتلقى عيرًا لقريش) فى الرواية الثانية
نا رسول اللّه، ونحن ثلاثمائة راكب، وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح، نرصد عيرا لقريش)» وفى
ية الخامسة ((بعث رسول اللّه سرية، ثلاثمائة، وأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح)» وفى الرواية
الرابعة ((بعثنا النبى ، ونحن ثلاثمائة، نحمل أزوادنا على رقابنا)» وفى ملحق الرواية الخامسة عن
جابر ((بعث رسول اللّه * سرية - أنا فيهم - إلى سيف البحر)) وفى ملحقها أيضا ((بعث رسول اللّه
#1 بعثا إلى أرض جهينة، واستعمل عليهم رجلا)) ((السرية)) قطعة من الجيش، تخرج منه، وتعود إليه،
وهى من مائة إلى خمسمائة، وما افترق من السرية يسمى بعثا، وقوله ((بعثنا)) لا يعطى معنى البعث،
وإنما المراد منه أرسلنا كسرية، ومهمة هذه السرية كانت التعرض لعير قريش، تحمل تجارة بين
الشام ومكة، للاستيلاء على العير وما تحمل، تعويضا للمسلمين عما استولى عليه مشركومكة من
أموالهم، فمعنى ((نتلقى)) نعترض مسبرها، و(العير)) بكسر العين الإبل التى تحمل الميرة، ومعنى
((نرصد عيرا لقريش)) بضم الصاد، أى نرقبها ونترقب وصولها، للاستيلاء عليها، يقال: رصده رصدا، إذا
قعد له على الطريق يرقبه.
ولا خلاف بين رواياتنا فى عدد هذه السرية، لكن ظاهر قوله فى الرواية الرابعة «نحمل أزوادنا على
رقابنا)) أنهم كانوا مشاة، وصريح قوله ((ونحن ثلاثمائة راكب)) أنهم كانوا ركبانا، فيحتمل أن بعضهم
كان راكبا والبعض كان ماشيا، فغلب هؤلاء مرة، وهؤلاء مرة.
وقد ترجم البخارى لهذه السرية بباب غزوة ((سيف البحر)» وسيف البحر يكسر السين وسكون
الياء ساحله. قال الحافظ ابن حجر: ذكر ابن سعد وغبره: أن النبى بعثهم إلى حى من جهينة
بالقبلية - بفتح القاف والباء - مما يلى ساحل البحر، بينهم وبين المدينة خمس ليال، وأنهم انصرفوا
ولم يلقوا كيدا، وأن ذلك كان فى رجب سنة ثمان، وهذا لا يغاير ظاهره ما فى الصحيحين، لأنه يمكن
الجمع بين كونهم يتلقون عيرا لقريش، ويقصدون حيا من جهينة، ويقوى هذا الجمع ما عند مسلم عن
جابر [ملحق روايتنا الخامسة] قال: ((بعث رسول اللّه# بعثا إلى أرض جهينة)) فذكر هذه القصة،
لكن تلقى العير ما يتصور أن يكون فى الوقت الذى ذكره ابن سعد فى رجب سنة ثمان، لأنهم كانوا
حينئذ فى الهدنة، بل مقتضى ما فى الصحيح أن تكون هذه السرية فى سنة ست، أو قبلها، قبل
الهدنة، نعم يحتمل أن يكون تلقيهم للعيرليس لمحاربتهم، بل لحفظهم من جهينة، ولهذا لم يقع فى
شىء من طرق الخبر أنهم قالوا أحدا، بل فيه أنهم قاموا نصف شهر أو أكثر فى مكان واحد. و((أبو
عبيدة)) عامر بن عبد الله الجراح، أحد العشرة المبشرين بالجنة.
(وزودنا جرابا من تمر، لم يجد لنا غيره) فى الرواية الثانية ((وكان معنا جراب من تمر)»
لكن فى الرواية الرابعة ((نحمل أزوادنا على رقابنا)) وفى الرواية الخامسة ((ففنى زادهم، فجمع
أبوعبيدة زادهم فى مزود، فكان يقوتنا)) بضم الياء وفتح القاف وتشديد الواو المكسورة، من التقويت،
أو بفتح الياء وضم القاف مخففة، يقال: قات الرجل الرجل، يقوته، قوتا بفتح القاف، أطعمه ما
يمسك الرمق، والمزود بكسر الميم وسكون الزاى، ما يجعل فيه الزاد. قال الحافظ ابن حجر: ويمكن
الجمع بأن الزاد العام كان قدر جراب، فلما نفد جمع أبو عبيدة الزاد الخاص، واتفق أنه أيضا كان
قدر جراب، ويكون كل من الروايتين ذكر ما لم يذكره الآخر، وأما قول عياض: يحتمل أنه لم يكن فى
أزوادهم تمر غير الجراب المذكور فمردود، لأن حديث الباب صريح فى أن الذى اجتمع من أزوادهم
١٥
كان مزود تمر [لفظ البخارى الذى أشار إليه ((فخرجنا، وكنا ببعض الطريق فنى الزاد، فأمر أبو عبيدة
بأزواد الجيش، فجمع، فكان مزودى تمر، فكان يقوتنا كل يوم قلبلا قليلا، حتى فنى، فلم يكن يصيبنا
إلا تمرة نمرة))] فصح أن التمر كان معهم من غير الجراب، وأما تفرقة ذلك تمرة تمرة فكان فىثانى
الحال، بعد أن فنى زادهم، وطال لبثهم.
قال النووي: والظاهر أن قوله ((تمرة تمرة)) إنما كان بعد أن قسم عليهم قبضة قبضة، فلما قل
تمرهم قسمه عليهم تمرة تمرة، ثم فرغ وفقدوا التمرة، ووجدوا ألما لفقدها، وأكلوا الخبط، إلى أن فتح
اللَّه عليهم بالعنبر.
قال الحافظ ابن حجر: وأما قول بعضهم: يحتمل أن يكون تفرقته عليهم تمرة تمرة كان من
الجراب النبوى، قصدا لبركته، وكان يفرق عليهم من الأزواد التى جمعت أكثر من ذلك، فبعيد من
ظاهر السياق، بل فى رواية [روايتنا الخامسة] ((ففنى زادهم، فجمع أبو عبيدة زادهم فى مزود، فكان
يقوتنا، حتى كان يصيبنا كل يوم نمرة)».
(نمصها كما يمص الصبى، ثم نشرب عليها من الماء، فتكفينا يومنا إلى الليل)
«نمصها)) بفتح الميم وضمها، والفتح أفصح وأشهر.
(وكنا نضرب بعصينا الخبط، ثم نبله بالماء، فنأكله) ((الخبط)) بفتح الخاء والباء ما
سقط من ورق الشجر بالخبط والنفض، أى كنا نضرب أوراق الشجر الجافة، فتسقط، فنبلها بالماء،
فنأكلها من الجوع، وفى الرواية الثانية ((حتى أكلنا الخبط، فسمى جيش الخبط)».
(وانطلقنا على ساحل البحر) نبحث عن طعام.
(فرفع لنا على ساحل البحر) أى ظهر لنا شىء وجسم.
(كهيئة الكثيب الضخم) ((الكثيب)) الرمل المستطيل المحدوب، وجمعه أكثبة
وكثب وكثبان.
(فأتيناه، فإذا هى دابة، تدعى العنبر) بفتح العين وسكون الذون وفتح الباء، وهو حيوان
ثديى بحرى، من رتبة الحيتان، وفى رواية البخارى ((وألقى البحر حوتا يقال له: العنبر)) وفى رواية له
((فألقى البحر حوتا ميتا لم ير مثله، يقال له: العنبر)) وفى رواية له ((فإذا حوت مثل الظرب)) بفتح
الظاء وكسر الراء، وهو الجبل الصغير. قال الأزهرى: العنبر: سمكة تكون بالبحر الأعظم، يبلغ طولها
خمسين ذراعًا.
(قال أبو عبيدة: ميتة) خبر مبتدأ محذوف، أى هذه ميتة، لأنها لا حراك بها، أى والميتة
حرام، فلا يحل أكلها، قال ذلك ابتداء باجتهاده، ثم غير اجتهاده، فقال:
(لا. بل نحن رسل رسول اللَّه﴿، وفى سبيل اللَّه) أى ونحن فى سبيل الله.
١٦
(وقد اضطررتم فكلوا) منها، فقد أباح اللّه تعالى الميتة لمن كان مضطرا غير باغ ولا عاد.
(فأقمنا عليه شهرًا) فى الرواية الثانية ((فأكلنا منها نصف شهر)) وفى ملحق الرواية الخامسة
((فأكل منها الجبش ثمانى عشرة ليلة)) قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بين هذا الاختلاف بأن الذى
قال ((ثمان عشرة)) ضبط ما لم يضبطه غيره، وأن من قال ((نصف شهر)) ألغى الكسر الزائد، وهو ثلاثة
أيام، ومن قال ((شهرا)) جبر كسر الشهر، أو ضم بقية المدة التى كانت قبل وجدانهم الحوت إليها،
وقال ابن التين: إحدى الروايتين وهم.اهـ وقال النووى: طريق الجمع بين الروايات أن من روى شهرا
هو الأصل، ومعه زيادة علم، ومن روى دونه لم ينف الزيادة، ولو نفاها قدم المثبت، والمشهور الصحيح
عند الأصوليين أن مفهوم العدد لا حكم له، فلا يلزم منه نفى الزيادة، لولم يعارضه إثبات الزيادة،
كيف وقد عارضه؟ فوجب قبول الزيادة، وجمع القاضى بينهما بأن من قال ((نصف شهر)) أراد المدة
التى أكلوها منه طريا، ومن قال شهرا أراد أنهم قددوه، فأكلوا منه بقية الشهر قديدا. اهـ
أقول: ويمكن الجمع بأن من قال: ((خمسة عشر يوما)) نظر إلى مدة إقامتهم على الساحل خارج
المدينة كجيش، ولا يخفى أن بعضهم حمل منه ما طعمه فى المدينة بعد وصوله أياما.
(حتى سمنا) أى كثر لحمنا وشحمنا، وفى الرواية الثانية ((فأكلنا منها نصف شهر، وادهنا من
ودكها)) بفتح الواو والدال، أى شحمها، والمراد من ((وادهنا)) أكلنا دهنا ((حتى ثابت أجسامنا)) أى
رجعت إلى لحمها وشحمها بعد الهزال الذى أصابها من الجوع.
(ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدهن) ((وقب عينه)) بفتح الواو وسكون
القاف، داخل العين ونقرتها التى تكون فيها الحدقة، والقلال بكسر القاف جمع قلة بضمها، وهى
الجرة الكبيرة، التى يقلها الرجل بين يديه، أى يحملها، والمعنى كنا نغترف الدهن من حفرة عينه
بالقلال، تصويرا لسعة حدقة العين وما فيها من دهن.
وفى الرواية الثانية ((وأخرجنا من وقب عينه كذا وكذا قلة ودك)) بفتح الواو والدال، أى
دهن وشحم.
(ونقتطع منه الفدركالثور، أو كقدر الثور) ((الفدر)) بكسر الفاء وفتح الدال، جمع فدرة
بكسر فسكون، وهى القطعة، أى كنا نقتطع من جسمه قطعا، كل قطعة فى حجم الثور.
قال النووي: ((كقدر الثور)» رويناه بوجهين مشهورين فى نسخ بلادنا: أحدهما بقاف مفتوحة ثم
دال ساكنة، أى مثل الثور، والتانى ((كفدر)) بفاء مكسورة، ثم دال مفتوحة، والأول أصح، وادعى
القاضى أنه تصحيف، وأن الثانى هو الصواب، وليس كما قال.
(فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا، فأقعدهم فى وقب عينه) تصوير
لسعة حدقة عينه، التى ملأوا منها القلال من الدهن، فصارت كحوض مفرغ، ولنا أن نتصور
طول العنبر أربعين مترا فى خمسة أمتار، فرأسه عشرة أمتار فى خمسة، فعينه خمسة
١٧
أمتار مربعة على الأقل. وفى الرواية الثانية ((وجلس فى حجاج عينه نفر)) بفتح الحاء
وكسرها، بعدها جيم مفتوحة، ثم بعد الألف جيم، وهو بمعنى وقب عينه فى الرواية الأولى،
ولعل قعود النفر فى جوف العين كان من باب التسلية والتعجب.
(وأخذ ضلعا من أضلاعه، فأقامها، ثم رحل أعظم بعير معنا، فمرمن تحتها) تصوير
آخر لضخامة العنبر، كشىء من التسلية والغرابة، وذلك بأن أخذ القائد ضلعا من أضلاع العنبر، بعد
أن جردوها من اللحم، فغرسوا جزءا منها فى الأرض، وأقاموها، طرفها المعوج أعلاها، فصارت متل
عمود النور، ثم جاء بأعلى جمل فى الجيش، وجاء بأطول رجل فى الجيش، فأجلسه أو أوقفه فوق ظهر
الجمل، فمر الجمل والرجل من تحت قوس الضلع، دون أن يمسها، ولم يذكر الرجل فوق البعير فى
الرواية الأولى، وذكر فى الثانية، زيادة ثقة، وهى مقبولة، ومعنى ((رحل أعظم بعير معنا)) بفتح الراء
وفتح الحاء مخففة، أى جعل عليه رحلا، والضلع يؤنث ويذكر.
وعند ابن إسحق «ثم أمر بأجسم بعير معنا، فحمل عليه أجسم رجل منا، فخرج من تحتها، وما
مست رأسه)) قال الحافظ ابن حجر: وهذا الرجل لم أقف على اسمه، وأظنه قيس بن سعد بن عبادة،
فإن له ذكرا فى هذه الغزو، وكان مشهورا بالطول، وفى رواية للبخارى ((ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من
أضلاعه، فنصبا، ثم أمر براحلة فرحلت، ثم مرت تحتهما، فلم تصبها» فيحتمل أنه نصب ضلعين مرة،
وضلعا مرة.
(وتزودنا من لحمه وشائق) بالشين والقاف، قال أبو عبيد: هو اللحم يؤخذ، فيغلى
إغلاء، ولا ينضج، ويحمل فى الأسفار، يقال: وشقت اللحم، فاتشق، والوشيقة الواحدة منه،
والجمع وشائق، ووشق بضم الواو، وقيل: الوشيقة القديد، ومعنى ((تزودنا من لحمه)) اتخذنا
وحملنا منه زادا معنا إلى المدينة.
(فهل معكم من لحمه شىء فتطعمونا) قصد بذلك المبالغة فى تطييب نفوسهم فى حله،
أو أنه قصد التبرك، لكونه طعمة من اللَّه تعالى، خارقة للعادة. وأكرمهم اللَّه بها.
(وكان معنا جراب من تمر، فكان أبو عبيدة يعطى كل رجل منا قبضة قبضة، ثم
أعطى تمرة تمرة، فلما فنى وجدنا فقده) هذا بيان الحالة السابقة على أكل الخبط السابق على
وجود العنبر.
(أن رجلا نحر ثلاث جزائر، ثم ثلاثا، ثم ثلاثا، ثم نهاه أبو عبيدة) قال العينى قوله:
((ثلاث جزائر)) غريب لأن الجزائر جمع جزيرة، والقياس جزر، جمع الجزور. اهـ وفى كتب اللغة:
الجزور ما يصلح لأن يذبح من الإبل، ولفظه أنثى، يقال للبعير: هذه جزور سمينة، وجمعه جزائر، وجزر.
وهذا الرجل - كما عند الواقدى وغيره - هو قيس بن سعد بن عبادة، وكان فى هذا الجيش، فلما
أصاب الناس جوع شديد قال: من يشترى منى تمرا بالمدينة بجزور هنا، فقال له رجل من جهينة -
١٨
القبيلة التى هم عندها - من أنت؟ فانتسب له، فقال: عرفت نسبك، فابتاع منه خمس جزائر بخمسة
أو سق، ثم ابتاع منه خمسا أخرى، فلما ذبح تسعا، وأراد أن يشترى غيرها نهاه أبو عبيدة، لأنه كان
يعرف أن التمر لأبيه، لا له، ويخشى أن لا يجيز بيعه، وماذا تفعل جزر تسع لثلاثمائة رجل، إن كفتهم
يوما لم تكفهم مستقبلا غامضاً، فلما بلغ سعد ما فعل ابنه وهبه حديقة تعطى مائتى وسق فى العام.
فقه الحديث
قال مالك والشافعى وابن أبى ليلى والأوزاعى، والثورى فى رواية: يؤكل كل ما فى البحر من
السمك والدواب، وسائر ما فى البحر من الحيوان، سواء اصطيد أو وجد ميتا، واحتج مالك ومن تابعه
بقوله صلى الله عليه وسلم فى البحر ((هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)) قال القرطبى فى تفسيره: وأصح
ما فى هذا الباب من جهة الإسناد حديث جابر فى الحوت الذى يقال له: العنبر، وهو من أثبت
الأحاديث خرجه الصحيحان. اهـ قال النووي: فى هذا الحديث إباحة ميتات البحر كلها، سواء فى
ذلك مامات بنفسه، أو باصطياد. اهـ والحجة فى هذا الحديث ليست فى أكل الجيش، فقد يحمل
على المضطر، ولكنها فى قوله صلى الله عليه وسلم فى الرواية الأولى ((هو رزق، أخرجه اللَّه لكم)) وفى
أكله منه صلى الله عليه وسلم فى المدينة، وهو غير مضطر.
واستثنى الشافعى من ذلك الضفدع، للحديث فى النهى عن قتلها، قال النووى: وممن قال بإباحة
جميع حيوانات البحر إلا الضفدع: أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وابن عباس - رضى الله عنهم -
وأباح مالك الضفدع والجميع.اهـ
قال العينى: قال الجاحظ: الضفدع لا يصيح، ولا يمكنه الصياح حتى يدخل حنكه الأسفل فى
الماء، وهو من الحيوان الذى يعيش فى الماء، ويبيض فى الشطء مثل السلحفاة ونحوها، وهى لا عظام
لها، والضفدع يصبر عن الماء أياما، قال البخارى: قال الشعبى: لو أن أهلى أكلوا الضفدع لأطعمتهم،
قالوا: ولم يبين الشعبى. هل تذكى الضفادع؟ أم لا؟ واختلف مذهب مالك فى ذلك، فقال ابن القاسم
فى المدونة: عن مالك أكل الضفدع والسرطان والسلحفاة جائز من غير ذكاة، وروى عن ابن القاسم: ما
كان مأواه الماء يؤكل من غير ذكاة وإن كان يرعى فى البر، وما كان مأواه ومستقره البر لا يؤكل إلا
بذكاة، وعن محمد بن إبراهيم: لا يؤكلان إلا بذكاة، وقال ابن التين: وهو قول أبى حنيفة والشافعي.
ويجيب الشافعية عن قول الشعبى بحديث ابن عمر قال: سئل رسول اللّه * عن ضفدع، يجعله
طبيب فى دواء، فنهى صلى الله عليه وسلم عن قتله. رواه أحمد والطيالسى والحاكم، وقال: صحيح
الإسناد ولم يخرجاه، قال الحافظ المنذري: فيه دليل على تحريم أكل الضفدع، لأن النبى 8 نهى عن
قتله، والنهى عن قتل الحيوان إما لحرمته، كالآدمى، وإما لتحريم أكله كالضفدع، والضفدع ليس
بمحترم، فكان النهى منصرفا إلى الوجه الآخر. اهـ والأطباء يرون فى أكل الضفدع ضررًا.
أما السلحفاة فقد قال البخارى: ولم ير الحسن البصرى بالسلحفاة بأسا، وعن عطاء: لا بأس
١٩
بأكلها، وزعم ابن حزم: أن أكلها لا يحل إلا بذكاة، وأكلها حلال، بريها ويحريها وأكل بيضها، وعن
طاووس ومحمد بن على وفقهاء المدينة إباحة أكلها، وكرهها بعضهم للاستخباث.
وقال أبو حنيفة: لا يحل غير السمك، بل السمك الميت الطافى على الماء لا يحل، واستدل بعموم
تحريم الميتة، وبحديث جابر عن النبى 18: قال «ما ألقاه البحر، وجزر عنه فكلوه، وما مات فيه فطفا
فلا تأكلوه ».
قال النووى: هذا حديث ضعيف باتفاق أئمة الحديث، لا يجوز الاحتجاج به، لولم يعارضه شىء،
كيف وهو معارض يحديث ((هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)) وهو حديث صحيح، أخرجه مالك
وأصحاب السنن واختلف فيما له شبه فى البر مما لا يؤكل، والقياس يقتضى حله، لأنه سمك، لو
مات فى البر لأكل بغير تذكية، ولو نضب عنه الماء، فمات لأكل، فكذلك إذا مات وهو فى البحر،
كالخنزير والكلب، كلب البحر، وفرس الماء، واختلف قول الشافعى فيه وفى كل ذى ناب، كالتمساح
والقرش والدلفين [الدرفيل] فإنه قد تعارض فيه دليلان: دليل تحليل، ودليل تحريم، فيغلب دليل
التحريم احتياطا على الأصح.
واختلف أيضا فيما يعرف بالجرى - بفتح الجيم، وقد سئل ابن عباس عن أكله، فقال: هو شىء
كرهته اليهود، ونحن نأكله، ويقال له: الجريت، وهو ما لا قشر له، وهو نوع من السمك، يشبه الثعبان،
عريض الوسط، دقبق الطرفين، قال الحافظ ابن حجر: والثعبان والعقرب والسرطان لا تؤكل،
للاستخباث، والضرر اللاحق من السم.
وقال ابن عباس: كُلْ من صيد البحر، صيد نصرانى أو يهودى أو مجوسى.اهـ
وصيد النهر والقناة والحفرة والبركة والحوض ونحو ذلك حلال، فقد سئل عطاء عنها
فقال: هى صيد بحر، ثم قرأ ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلِّ تَأْكُلُونَ
لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: ١٢].
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- أن الجيوش لا بد لها من أمير، يضبطها، وينقادون لأمره ونهيه.
٢- وأنه ينبغى أن يكون الأمير أفضلهم. قالوا: ويستحب للرفقة - وإن قلوا أن يؤمروا بعضهم عليهم،
وينقادوا له.
٣- وجواز صد أهل الحرب، والخروج لأخذ مالهم واغتنامه. قاله النووى.
٤- ومن توزيع تمرة تمرة، وفقدان التمرة ما كان عليه الصحابة - رضى الله عنهم - من الزهد فى
الدنيا، والتقلل منها، والصبر على الجوع، وخشونة العيش، وإقدامهم على الغزو مع هذه الحال.
٥- ومن اجتهاد أبى عبيدة فى أكل الميتة اجتهاد الصحابة فى الأحكام فى عهد النبى لل.
كما يجوز بعده.
٢٠