Indexed OCR Text

Pages 541-560

(هذه فى سبيل اللّه) أى أقدمها لمن يجاهد عليها.
(لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة) قيل: يحتمل أن المراد لك أجر
سبعمائة ناقة، ويحتمل أن يكون على ظاهره، ويكون له فى الجنة بها سبعمائة ناقة، كل ناقة منهن
مخطومة، يركبها حيث شاء، للتنزه، كما جاء فى خيل الجنة.
وهذا من قبيل نضعيف الحسنة بسبعمائة مثل، مصداقا لقوله تعالى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَقَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ
وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١].
(إنى أبدع بى) قال النووى: هو بضم الهمزة، وفى بعض النسخ ((بدع بى)) بحذف الهمزة وتشديد
الدال، ونقله القاضى عن جمهور رواة مسلم. قال: والأول هو الصواب، ومعروف فى اللغة، وكذا رواه أبو
داود وآخرون بالألف، ومعناه هلكت دابتى، وهى مركوبى.اهـ
وفى كتب اللغة: أبدعت راحلته بضم الهمزة، أى عطبت وكلت وأبدع به أى انقطع عن الرفقة.
(ما عندى) أى ليس عندى ما أحملك عليه.
(ولا تحبسى عنه شيئا) أى مما كنت قد تجهزت به.
(من جهز غازيا فى سبيل الله) أى من هيأ له أسباب سفره، وأسباب غزوه وقتاله، وهل
المراد تمام التجهيز؟ أو بعضه؟ سيأتى إيضاحه فى فقه الحديث.
(فقد غزا) أى حصل له أجر من غزا، وسبأتى بحث ذلك فى فقه الحديث.
(ومن خلفه فى أهله بخير فقد غزا) بفتح الخاء وفتح اللام مخففة، أى خلفه فى قضاء
حوائج أهله، من الإنفاق عليهم، أو مساعدتهم فى أمرهم، والقيام بشئونهم.
(بعث بعثا إلى بنى لحيان من هزيل) ((بعثا)) مفعول به، أى قطعة من الجيش، وبنولحيان
بكسر اللام وفتحها، والكسر أشهر، قال النووى: وقد اتفق العلماء على أن بنى لحبان كانوا فى ذلك
الوقت كفارا، فبعث إليهم بعتا يغزونهم.
(فقال: لينبعث من كل رجلين أحدهما) أى قال للمسلمين الحريصين على الخروج:
ليخرج من كل قبيلة نصف عددها.
(والأجربينهما) أى إذا خلف المقيم الغازى فى أهله بخير، بدليل ما جاء بعد.
(ثم قال للقاعد: أيكم خلف الخارج فى أهله وماله بخير كان له مثل نصف أجر
الخارج) قال القرطبى: لفظة ((نصف)) يشبه أن تكون مقحمة، أى مزيدة من بعض الرواة. قال
٥٤١

الحافظ ابن حجر: لا حاجة لدعوى زيادتها بعد ثبوتها فى الصحيح، والذى يطهر فى توجيهها أنها
أطلقت بالنسبة إلى مجموع الثواب الحاصل للغازى والخالف له بخير، فإن الثواب إذا انقسم بينهما
نصفين كان لكل منهما مثل ما للآخر. اهـ أى ولكل منهما نصف الأجر المقرر.
(حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم) أى كحرمة أمهات القاعدين،
فى تحريم التعرض لهن بريبة من نظر محرم، وخلوة وحديث محرم، وفى وجوب البر والإحسان إليهن،
وقضاء حوائجهن، التى لا يترتب عليها مفسدة ولا ريبة
(إلا وقف له يوم القيامة) ((وقف)) بضم الواو، وكسر القاف، مبنى للمجهول، أى وقفه اللَّه،
وجعله يقف له، يمنعه من المضى، حتى يستوفى منه حقه.
(فيأخذ من عمله ما شاء) أى فيأخذ المجاهد من حسنات القاعد الخائن ما يشاء، وفى
ملحق الرواية ((فقال: خذ من حسناته ما شئت)) أى قال الله للمجاهد بعد أن أوقفه للخائن: خذ ما
شئت من حسناته.
(فما ظنكم؟) أى فما ظنكم بفعل المجاهد؟ كيف ينتقم من الخائن؟ ما نظنون كم يأخذ من
حسنانه؟ ألا تظنون أنه يستكثر منها، حتى لا يبقى منها شيئا إن أمكنه ؟
فقه الحديث
فى الرواية الأولى والرابعة والخامسة فضل تجهيز الغازى، ففى الرواية الأولى أن النفقة على
الغازى نضاعف يوم القيامة بسبعمائة ضعف، وفى الرواية الرابعة والخامسة أن المنفق على الغازى
كالغازى، وفى الرواية السادسة أن أجر الغزو مشترك بين الغازى والمنفق، وفى تساويهما فى الأجر،
يقول ابن حبان: معناه المماثلة فى الأجر، وأخرج حديث بسربن سعيد بلفظ «كتب له مثل أجره،
غير أنه لا ينقص من أجره شيء)» ولابن ماجه وابن حبان من حديث عمر نحوه بلفظ «من جهز غازيا
حتى يستقل كان له مثل أجره، حتى يموت أو يرجع)) وقد أفادت هذه الرواية أن الوعد المذكور مرتب
على تمام التجهيز، وأنه يستوى معه فى الأجر إلى أن تنقضى تلك الغزوة.
ومن الواضح أن الغازى بنفسه إذا جهز نفسه كفايتها كان له أجر المباشرة بنفسه، وأجر
التجهيز، فأجره على هذه الصورة مضاعف، فإذا جهزه غيره حصل للغازى أجر المباشرة، لا ينقص منه
شىء من غير تضعيف، ولمن جهزه تجهيزا كاملا مثل أجره، فمجموع الأجر المضاعف بينهما
مناصفة، وللمجهز نصف هذا الأجر المضعف، وهو مثل أجر الغازى المباشر للغزو، دون تجهيز.
وفى الرواية الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة فضل من يخلف الغازى فى أهله بخير، وأن له
مثل أجر الغازى، وهذا هو المراد من قول النبى 8# فى الرواية السادسة لبعث بنى لحيان: وللمقيمين
الذين لم يصبهم البعث: لينبعث من كل رجلين أحدهما، والأجر بينهما)» أى إذا خلف المقيم الغازى
٥٤٢

فى أهله بخير. ومعنى هذا أن الغازى لوكفى أهله مؤنتهم وكفل لهم راحتهم من بعده بحيث لا
يحتاجون رعاية من غيره يحصل له تضعيف الأجر، كمن جهز نفسه، ويكون له ثلاثة أمثال إذا جهز
نفسه، وكفل وكفى أهله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وهو واسع الفضل والجود، والأمر نفسه، إذا
جهز الغازى مجهز، وخلفه فى أهله بخير خالف آخر، وهذا ظاهر من الرواية الخامسة، ولفظها ((من
جهزغازيا فقد غزا، ومن خلف غازيا فى أهله فقد غزا )».
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- من الرواية الثانية فضيلة الدلالة على الخير، لقوله صلى الله عليه وسلم ((من دل على خير فله مثل
أجر فاعله)) وقد ذهب بعضهم إلى أن هذا الخبر ليس على إطلاقه لكل أحد، ويأى دلالة، لأن فاعل
الخير يبذل جهدا ومشقة، بخلاف الدال، فعموم الحديث عند هؤلاء للترغيب فى الدلالة على
الخبر. قال النووي: والمراد بمثل أجر فاعله أن له ثوابا بذلك الفعل، كما أن لفاعله ثوابا، ولا يلزم
أن يكون قدر ثوابهما سواء، قال الحافظ ابن حجر: وصرف هذا الخبر عن ظاهره - أى كما يدعى
ذاك الفريق - يحتاج إلى مستند.
٢- وفيه فضيلة التنبيه على الخير.
٣- وفضيلة المساعدة لفاعله.
٤- وفضيلة تعليم العلم.
٥- وتعليم وظائف العبادة، لاسيما لمن يعمل بها من المتعبدين وغيرهم.
٦- ومن الرواية الثالثة أن ما نوى الإنسان صرفه فى جهة خير، فتعذرت عليه تلك الجهة، يستحب له
بذله فى جهة أخرى من البر، ولا يلزمه ذلك، ما لم يلتزمه بالنذر.
٧- من فضبلة خلف الغازى فى أهله الحث على الإحسان إلى من فعل مصلحة للمسلمين، أوقام بأمر
من مهماتهم.
٨- فى الرواية الثامنة التحذير من خيانة المجاهد فى أهله، فإن هذا الخائن مرتكب لكبائر، وليس
الكبيرة واحدة.
والله أعلم
٥٤٣

(٥٢٥) باب سقوط فرض الجهاد عن المعذورين
وثبوت الجنة للشهيد
٤٣٠٢ - ١٤ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ أَنَّهُ سَمِعَ الْبَرَاءَ رَّهِ(١٤١) يَقُولُ فِي هَذِهِ الآيَةِ ﴿لا يَسْتَوِي
الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء/٩٥] فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ
زَيْدًا، فَجَاءَ بِكَتِفٍ يَكْتُبُهَا. فَشَكَا إِلَيْهِ ابْنُ أُمِّ مَكُْومٍ ضَرَارَتَهُ، فَنَزَلَتْ ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُون
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾.
٤٣٠٣ - ١٤٢ عَنِ الْبَرَاءِ صَّ(١٤٢) قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
كُلِّمَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْثُومٍ فَنَزَلَتْ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾.
٤٣٠٤ - ١٤٣ عَنْ جَابِرٍ ضَ﴾(١٤٣) قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: أَيْنَ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِ قُتِلْتُ؟ قَالَ: «فِي
الْجَنّةِ». فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ كُنَّ فِي يَدِهِ. ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. وَفِي حَدِيثِ سُوَيْدٍ: قَالَ رَجُلٌ لِلِبِيِّ
﴿ يَوْمَ أُحُدٍ.
٤٣٠٥ - ١٤ عَنِ الْبَرَاءِ رضِ﴾(١٤٤) قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِن بَنِي النَّبِيتِ، قَبِيلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ:
أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّكَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُبِلَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ:
«عَمِلَ هَذَا يَسِيرًا وَأُجِرَ كَثِيرًا».
٤٣٠٦ - ٤٥ ١ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَ﴾(١٤٥) قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ بُسَيْسَةَ عَيْنًا، يَنْظُرُ مَا
صَنَعَتْ عِيرُ أَبِي سُفْيَانَ. فَجَاءَ وَمَا فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ﴿ِ. قَالَ: لا أَدْرِي
مَا اسْتَشْتَى بَعْضَ نِسَائِهِ. قَالَ: فَحَدَّثَهُ الْحَدِيثَ. قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّفَتَكُلِّمَ، فَقَالَ: «إِنَّ
(١٤١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتِى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنِى قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ أَبِي إِسْحَقَ
قَالَ شُعْبَةُ وَأَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَن رَجُلٍ عَنِ زَيْدِ بْنِّ ثَابِتٍ فِي هَذِهِ الآيَةِ ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بِمِثْلٍ
حَدِيثِ الْرَاءِ وَقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ فِي رِوَايَتِهِ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنَ أَبِهِ عَن رَجُلٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَّابِتٍ.
(١٤٢) وحّدَّثْنَا أَبُوَ كُرَيْبٍ حَدَّثَا أَبْنُ بِشْرِ عَن مِسْعَرٍ خَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَقَ عَنِ الْبَرَّاءِ
(١٤٣) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الأَشْعَئِيُّ وَسُوَيْدُ بْنُ سَّعِيدٍ وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ عَمْرِو سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ
(١٤٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةٌ عَنِ زَكَرِيَّاءَ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ مِن يَنِي النّبِيتِ إِلَى
الِّيِّ ◌َ حِ وحَدَّثَنَا أَخْمَدُ بْنُ جَنَابِ الْمِصِّصِيُّ حَدَّثَنَا عِيسَى يَغْنِي أَبْنَ يُونُسَ عَنْ زَكَرِيَّاءَ عَن أَبِي إِسْحَقَ عَنِ الْبَرَاءِ
(٤٥ ١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ النّضْرِ بْنٍ أَبِي النّضْرِ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ قَالُوا
حَدََّا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ حَدَّثَنَاَ سَلَيْمَانُ وَهُوَ ابْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ
٥٤٤

لَنَا طَلِبَةً، فَمَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا فَلْيَرْكَبْ مَعَنًا». فَجَعَلَ رِجَالٌ يَسْتَأْ ذِنُونَهُ فِي ظُهْرَانِهِمْ فِي
عُلْوِ الْمَدِينَةِ. فَقَالَ: «لا إِلا مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا». فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى
سَبَّقُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَى بَدْرٍ. وَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَّ: «لا يُقَدِّمَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ
إِلَى شَيْءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا دُونَهُ». فَدَنَا الْمُشْرِكُونَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: «قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ
عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ». قَالَ يَقُولُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَنَّةٌ
عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ؟ قَالَ: «نَعَمْ)» قَالَ: بَخٍ بَخٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِمَ ﴿ِ: «مَا يَحْمِلُكَ
عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ؟» قَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَا رَجَاءَةً أَنْ أَكُونُ مِنْ أَهْلِهَا. قَالَ: «فَإِنَّكَ
مِن أَهْلِهَا» فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِن قَرَبِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ. ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا حَبِيتُ حَتَّى آكُلَ
تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ. قَالَ: فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ النَّمْرِ. ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ.
٤٣٠٧ - ١٢٦ عَن أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ (١٤٦) عَن أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي وَهُوَ
بِحَضْرَةِ الْعَدُوِّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: «إِنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ». فَقَامَ
رَجُلٌ رَثُّ الْهَيْئَةِ، فَقَالَ يَا أَبَا مُوسَى أَنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿هَ يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ:
فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ أَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلامَ. ثُمَّ كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ فَأَلْقَاهُ. ثُمَّ مَشَى بِسَيْقِهِ إِلَى
الْعَدُوِّ فَضَرَبَ بِهِ حَتّى قُتِلَ.
٤٣٠٨ - ١٩٢٧ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ صُ(١٤٧) قَالَ: جَاءَ نَّاسٌ إِلَى النَّبِيِّ:﴿ٌ، فَقَالُوا:
أَنِ ابْعَثْ مَعَنًا رِجَالا يُعَلِّمُونَا الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةَ. فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ،
يُقَالُ لَهُمُ الْقُرَّاءُ، فِيهِمْ خَالِي حَرَامٌ. يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَدَارَسُونَ بِاللَّيْلِ يَتَعَلَّمُونَ.
وَكَانُوا بِالنَّهَارِ يَجِئُونَ بِالْمَاءِ فَيَضَعُونَهُ فِي الْمَسْجِدِ. وَيَخْتَطِبُونَ فَيَبِيِعُونَهُ، وَيَشْتَرُونَ
بِهِ الطَّعَامَ لأَهْلِ الصُّفَّةِ وَلِلْفُقَرَاءِ. فَبَعَتَهُمُ النّبِيَُّّ إِلَيْهِمْ. فَعَرَضُوا لَهُمْ فَقَلُوهُمْ قَبْلَ
أَنْ يَبْلُغُوا الْمَكَانَ. فَقَالُوا: اللَّهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيِّنَا أَنَّا قَدْ لَقِيْنَاكَ فَرَضِيْنَا عَنْكَ وَرَضِيتَ
عَّا. قَالَ: وَأَتَى رَجُلٌ حَرَامًا خَالَ أَنَسٍ مِن خَلْفِهِ، فَطَعَنَهُ بِرُمْحٍ حَتَّى أَنْفَذَهُ. فَقَالَ
حَرَامٌ: فُرْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّلِأَصْحَابِهِ: «إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ قُتِلُوا.
وَإِنَّهُمْ قَالُوا: اللَّهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا أَنَّا قَدْ لَقِيْنَاكَ فَرَضِيَنًا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنْا».
(١٤٦) حَدَّتَنَا يَحْتَى بْنُ يَحْتِى التّمِيمِيُّ وَقُتَنْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَاللَّفْظُ لِيَخْتَى قَالَ قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا وَقَالَ يَحْتِى أَخْبُرْنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ
أَبِي عِمْرَان الْجَوْنِيِّ عَن أَبِي بَكْرِ بِنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ
(١٤٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّنَاَ عَفَّانُ حَدَّثَنَا حَمَّدٌ أَخْبُرَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ
٥٤٥

٤٣٠٩ - ١٤٨ عَنْ ثَابِتٍ(١٤٨) قَالَ: قَالَ أَنَسّ: عَمِّيَ الَّذِي سُمِّيتُ بِهِ لَمْ يَشْهَدْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ
تَ بَدْرًا. قَالَ: فَشَقَّ عَلَيْهِ. قَالَ: أَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِعَ لَ غَيِّْتُ عَنْهُ. وَإِنْ أَرَانِيَ اللَّهُ
مَشْهَدًا، فِيمَا بَعْدُ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِوَ﴿ِ، لَرَانِي اللَّهُ مَا أَصْنَعُ. قَالَ: فَهَابَ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهَا.
قَالَ: فَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ يَوْمَ أُحُدٍ. قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ. فَقَالَ لَهُ أَنْسٌ: يَا أَبَا
عَمْرٍو، أَيْنَ؟ فَقَالَ: وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ أَجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ. قَالَ: فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ. قَالَ: فَوُجِدَ فِي
جَسَدِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونٌ مِن بَيْنِ ضَرْبَةٍ وَطَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ. قَالَ: فَقَالَتْ أُخْتُهُ، عَمَّتِيَ الرُّبِيِّعُ بِنْتُ
النّصْرِ: فَمَا عَرَفْتُ أَخِي إِلا بِبَانِهِ، وَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿رِجَالٌ صَدَّقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ
فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب/٢٣] قَالَ: فَكَانُوا يُرَوْنَ
أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَصْحَابِهِ.
المعنى العام
ليكون الإسلام خاتم الأديان، ولتكون رسالته عامة لأهل الكرة الأرضية، كان لابد أن تنتشر دعونه،
ليعلمه المكلفون، لئلا يكون للناس على اللَّه حجة.
وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون وسبلة هذا التبليغ الجهاد فى سبيل الله عن عقيدة وإيمان
ولا يتحقق الجهاد والنصر إلا بالعقيدة والدفاع عنها، ولا يضحى المرء بماله ونفسه إلا بإيمانه
بالمقابل، وكان المقابل للتضحية بالمال والنفس الجنة، فاللَّه تعالى يقول ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِن
الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمِ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي
التَّوْرَاةِ وَالإِنجيل وَالْقُرْآنِ وَمَّنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنِ اللَّهِ فَاسْتَنَّشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْرُ
الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١] ويقول ﴿وَلا تَّحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
يُرْزَقُونَ﴾ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَّمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌَ
عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْرَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠،١٦٩].
ويقول صلى اللّه عليه وسلم ((الجنة تحت ظلال السيوف)) ويسأله أحد المجاهدين: أين أنا إذا
قتلت فى معارك المشركين يا رسول الله؟ فيقول: فى الجنة، وحين يحثهم صلى اللّه عليه وسلم على
الشجاعة والكفاح، ويأمرهم باقتحام المعركة يقول لهم: قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض،
وحين يستشهد قريب العهد بالإسلام يقول عنه صلى الله عليه وسلم: هذا عمل يسيرا، وأجر كثيرا.
أمام هذا المقابل العظيم كان الصحابة يتسابقون إلى الجهاد، ويتشوقون إلى الاستشهاد، حتى
إن أصحاب الأعذار، من المرضى والمكفوفين وغير القادرين على الرحيل إلى المعارك يتحرقون أسى
(١٤٨) وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا بَهْزٌ حَدَّثَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ
٥٤٦

وأسفا وحسرة، وأعينهم تفيض من الدمع حزنا، فهذا ابن أم مكتوم الأعمى، وقد سمع قوله تعالى ﴿لا
يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِن الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يتحسر ويقول: كيف بمن لا يستطيع لأنه
أعمى؟ فنزل قوله تعالى ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ فرفع عنّهمَ الحرج. وعن كل أصحاب الأعذار.
وهاهم القراء، وكانوا سبعين من خيرة علماء الأمة، بعثهم الرسول # إلى أهل نجد، ليعلموهم
القرآن والشريعة، فيغدر بهم أهل البلاد، ويقتلونهم جميعا، فيستقبلون الموت بنفوس مؤمنة مطمئنة،
ويستعذبونه فى سبيل الله، ويقولون: من يبلغ نبينا أننا لقينا ربنا؟ فرضى عنا؟ ورضينا عنه؟ فيبعث
اللَّه جبريل - عليه السلام - إلى النبى ﴿، فيبلغه الخبر، فيقول صلى الله عليه وسلم لأصحابه: إن
إخوانكم القراء استشهدوا جميعا، ولقوا ربهم، ورضى الله عنهم ورضوا عنه، وأخذ يدعو على القتلة
أربعين يوما فى القنوت فى صلاة الصبح.
وهذا أنس بن النضر، وقد غاب عن غزوة بدر لعذر، يتأسف على ما فاته من خير الجهاد، ويقول
لرسول الله: ﴿: أعتذر إلى الله عن غيبتى يوم بدر، وأقسم أننى لن أغيب بعدها عن غزوة يغزوها رسول
اللَّهِ ﴿، وسيرانى اللَّه شجاعا مقداما عند لقاء الكفار، فيحضر غزوة أحد، ويرى المسلمين منهزمين،
يفرون نحو الشعاب، فيتبرأ من المشركين، ويعتذر إلى الله عن الفارين، ويقدم بسيفه على المشركين،
صارخا: إنى أجد ريح الجنة فى وديان جبل أحد، ويضرب فى المشركين يمينا وشمالا، لا يحس
جروحه التى أصابته، ولا توقفه ضربات السيف، ولا طعنات الرماح، ولا رميات السهام، ولا تمثيل
الأعداء به، غيظا من نيله منهم، فيوجد فى جسده بعد استشهاده بضعة وثمانون جرحا. رضى الله عنه
وعن المجاهدين أجمعين.
المباحث العربية
(عن البراء قال: فى هذه الآية ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِن الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي
سَبيلِ اللَّهِ﴾ فأمر رسول اللَّه ◌َ﴿ زيدا، إلخ) أى قال البراء بخصوص هذه الآية: نزلت على رسول
اللَّهَ﴿ هذه الآية كما هى، فدعا رسول اللَّهِعَ﴿ زيدا كاتبه، فأمره أن يكتبها.
(فجاء بكتف يكتبها) أى فجاء زيد، ومعه دواة وقلم وكتف ليكتب فيه، والكتف بفتح الكاف
وكسر التاء، ويكسر الكاف وسكون التاء، عظم عريض خلف المنكب، يستخدم من الحيوانات بعد نزع
اللحم عنها لوحا يكتب علبه فى الزمن الماضى.
(فشكا إليه ابن أم مكتوم ضرارته) أى عماه، قال النووي: هكذا هو فى جميع نسخ بلادنا
((ضرارته)) بالضاء، وحكى صاحب المشارق والمطالع عن بعض الرواة أنه ضبط ((ضررا به)) والصواب
الأول.اهـ وعند البخارى عن زيد بن ثابت ((فجاء ابن أم مكتوم وهو يملها على)) - بضم الياء وكسر
الميم وتشديد اللام، يقال: يملى، ويمل، ويملل بمعنى - ((قال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد
لجاهدت)) وفى رواية أخرى له ((وخلف النبى (8#ابن أم مكتوم)) أى فانتقل من خلفه إلى أمامه
٥٤٧

((فقال: يا رسول اللَّه، أنا ضرير)) وفى رواية ((فقام حين سمعها ابن أم مكتوم - وكان أعمى - فقال:
يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من هو أعمى؟ وأشباه ذلك))؟ وفى رواية ((فقال: إنى
أحب الجهاد فى سبيل الله ولكن بى من الزمانة ما ترى، ذهب بصرى)) وفى رواية ((ما ذنبنا)»؟ وابن
أم مكتوم عبد الله، وقيل: عمرو، واسم أبيه زائدة، وأم مكتوم أمه، واسمها عاتكة.
(فنزلت: لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر) قال ابن المنير: لم يقتصر
الراوى على ذكر الكلمة الزائدة، وهى ((غير أولى الضرر)) فإن كان الوحى نزل بزيادة قوله ((غير أولى
الضرر، فقط، فكأن الراوى رأى إعادة الآية من أولها، حتى يتصل الاستثناء بالمستثنى منه، وإن كان
الوحى نزل بإعادة الآية بزيادتها، بعد أن نزل بدون الزيادة فقد حكى الراوى صورة ما نزل، قال
الحافظ ابن حجر: والأول أظهر، ففى روايتنا الثانية ((فنزلت)) غير أولى الضرر)» وفى رواية لزيد
((فأنزل الله عليه، فقلنا لابن أم مكتوم: إنه يوحى إليه، فخاف أن ينزل فى أمره شىء، فجعل يقول:
أتوب إلى اللَّه. فقال النبى و﴿ الكاتب: اكتب ﴿غَيْرُ أُوْلِي الصَّرَرِ﴾.
و(غير أولى الضرر)) قرئ بنصب ((غير)) ورفعها، قراءتان مشهورتان فى السبع، وقرئ فى الشاذ
بجرها، فمن نصب فعلى الاستثناء، ومن رفع فوصف ((القاعدون)) أو بدل منهم، ومن جر فوصف
((المؤمنين)) أو بدل منهم.
(قال رجل: أين أنا يا رسول اللَّه إن قتلت؟) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه،
وزعم ابن بشكوال أنه عميربن الحمام، وسبقه إلى ذلك الخطيب، واحتج بما أخرجه مسلم من حديث
أنس - روايتنا الخامسة - ((أن عمير بن الحمام أخرج تمرات، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا
حييت حتى آكل تمراتى هذه، إنها لحباة طويلة، ثم قائل حتى قتل)) قال الحافظ ابن حجر: لكن وقع
التصريح فى حديث أنس أن ذلك كان يوم بدر [ففى روايتنا الخامسة ((فانطلق رسول اللَّه ◌َ له
وأصحابه، حتى سبقوا المشركين إلى بدر))] قال: والقصة التى معنا وقع التصريح فى حديث جابر
أنها كانت يوم أحد [ففى رواية البخارى ((قال رجل للنبى # يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟
إلخ] وفى ملحق روايتنا الثالثة تصريح بذلك قال: فالذى يظهر أنهما قصتان وقعتا لرجلين.
(جاء رجل من بنى النبيت - قبيل من الأنصار) قال النووي: هو بنون مفتوحة،
ثم باء مكسورة ثم ياء، ثم تاء، وهم قبيلة من الأنصار.اهـ. وقيل: إنه عمرو بن ثابت المعروف
بأصرم بن عبد الأشهل.
(عمل هذا يسيرا، وأجر كثيرا) رواية البخارى تبين سبب العمل اليسير، ففيها ((أتى النبى
* رجل مقنع بالحديد، فقال: يا رسول الله، أقاتل أو أسلم؟ قال: أسلم ثم قاتل، فأسلم، ثم قاتل ... ))
قال محمود بن لبيد: كان يأبى الإسلام، فلما كان يوم أحد بداله، فأخذ سيفه، حتى أتى القوم فدخل
فى عرض الناس، فقاتل حتى وقع جريحا، فوجده قومه فى المعركة، فقالوا: ما جاء بك؟ أشفقة على
قومك؟ أم رغبة فى الإسلام؟ قال: بل رغبة فى الإسلام، قال أبو هريرة: دخل الجنة وما صلى صلاة.
٥٤٨

(بعث رسول اللّه # بسيسة عينا) قال النووي: هكذا هو فى جميع النسخ ((بسيسة)) بياء
مضمومة، وبسينين مفتوحتين، بينهما ياء ساكنة. قال القاضى: هكذا هو فى جميع النسخ، قال: وكذا
رواه أبو داود وأصحاب الحديث. قال: والمعروف فى كتب السيرة ((بسبس)» بباءين مفتوحتين،
بينهما سين ساكنة، وهو بسس بن عمرو، ويقال: ابن بشر، من الأنصار، من الخزرج، ويقال: هو
حليف لهم. وقال الحافظ: ويجوز أن يكون أحد اللفظين اسماله، والآخرلقيا، ومعنى ((عينا))
جاسوسا، أى متجسسا ورقيبا.
(ينظر ما صنعت عير أبى سفيان) العير هى الدواب التى نحمل الطعام وغيره من الأمتعة،
وقال فى المشارق: العير هى الإبل والدواب، نحمل الطعام وغيره من التجارات، قال: ولا نسمى عيرا
إلا إذا كانت كذلك، وقال الجوهرى فى الصحاح. العير الإبل تحمل الميرة، وجمعها عيرات بكسر
العين وفتح الياء.اهـ والمعنى ليحمل له خبر قافلة أبى سفيان الآتية من الشام إلى مكة.
(قال: لا أدرى ما استثنى بعض نسائه) أى قال ثابت الراوى عن أنس: لا أدرى وقد
استثنى أنس نفسه ورسول اللَّه /، فلم لم يستثن إحدى نسائه صاحبة البيت؟ هل كان خالياً من
إحدى أمهات المؤمنين؟ أو كانت إحداهن موجودة فيه فى حجرة أخرى، فلم يعدها موجودة ؟
(فحدثه الحديث) أل فى ((الحديث)) للعهد، أى حديث عير أبى سفيان، وما وصلت إليه.
(فخرج رسول اللَّه﴿ فتكلم) أى فخطب الصحابة.
(فقال: إن لنا طلبة) الفاء تفسيرية، و((طلبة)) بفتح الطاء وكسر اللام، أى شيئا نطلبه، أى إن
لنا هدفا ومقصدا فى خروجنا، يقصد العير أو الحرب، وقد وعده الله إحدى الطائفتين.
(فمن كان ظهره حاضرا فليركب معنا) المراد بالظهر ما يركب من الدواب، إبل
أوخيل أو حمير.
(فجعل رجال يستأذنونه فى ظهرانهم فى علو المدينة، فقال: لا. إلا من كان ظهره
حاضرا) قال النووى: ((ظهرانهم)) بضم الظاء، وإسكان الهاء، أى مركوباتهم، و((علو المدينة)) بضم
العين وكسرها.اهـ أى ضاحية المدينة، والمعنى أن رجالا يسكنون أطراف المدينة، وفيها دوابهم،
أخذوا يستأذنونه أن يؤخر الرحيل، حتى يذهبوا إلى بيوتهم، ويعدون رواحلهم، ويأتون بها، لكنه
لعجلته صلى الله عليه وسلم قال لهم: لن ننتظر، سنخرج بمن هو جاهز.
(لا يقدمن أحد منكم إلى شىء حتى أكون أنا دونه) ((لا يقدمن)) ضبطها فى
الأصول بضم الياء وفتح القاف وتشديد الدال المكسورة، مضارع قدم بتشديد الدال، وهو
متعد بنفسه، والمعنى لا يقدمن أحد منكم نفسه إلى شىء حتى أكون أنا دونه وقبله وقدامه
إلى ذلك الشىء، لئلا يفوت شىء من المصالح التى لا تعلمونها. فهو نهى عن التعجل
٥٤٩

والتسرع، وإلزام بالمتابعة والطاعة، أى لا يتقدمن من أحد منكم إلى فعل شىء بدون أمرى
أو فعلی.
(قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض) من إطلاق المسبب وإرادة السبب، أى قوموا
إلى قتال أعدائكم، لتفوزوا بالجنة، فورا إن استشهدتم، وبعد طول أجل إن انتصرتم.
(يقول عمير بن الحمام الأنصارى) ((يقول)» تعبير عن الماضى بالمضارع استحضارا
للصورة، و((عمير)) بضم العين وفتح الميم، والحمام بضم الحاء ونخفيف الميم.
(يا رسول الله، جنة عرضها السموات والأرض؟) الكلام على الاستفهام
التعجبى بحذف الأداة.
(قال: بخ بخ) قال النووى (بخ)) فيها لغتان: إسكان الخاء، وكسرها منونا، وهى كلمة تطلق
لتفخيم الأمر وتعظيمه فى الخير. اهـ وتقال عند الرضا والإعجاب بالشىء، أو المدح، أو الفخر، وأكثر
ما نستعمل مكررة.
(ما يحملك على قولك: بخ بخ؟) لعل الرسول 3 8 خشى أن يكون التعجب والتفخيم مشعرا
بالاستبعاد والاستغراب، فسأله عن مقصوده.
(قال: لا.) أى لا أستبعد ولا أستغرب.
(والله يا رسول اللّه، إلا رجاءة أن أكون من أهلها) الاستثناء من عموم العلل، أى ما
قلتها لعلة من العلل، ولا بدافع من الدوافع إلا بدافع الرجاء أن أكون من أهلها. قال النووي: هكذا هو
فى أكثر النسخ المعتمدة ((رجاءة)) بالمد، ونصب التاء، وفى بعضها ((رجاء)) بلا تنوين، وفى بعضها
بالتنوين، وكله صحيح معروف فى اللغة، ومعناه: والله ما فعلته لشىء إلا لرجاء أن أكون من أهلها.
(قال: فإنك من أهلها) بشر بالشهادة، وبالجنة، وإخباره صلى الله عليه وسلم بذلك
عن طريق الوحى.
(فأخرج تمرات من قرنه) قال النووى: هو بقاف وراء مفتوحتين، ثم نون، أى جعبة النشاب،
ووقع فى بعض نسخ المغاربة فيه تصحيف. اهـ
(سمعت أبى - وهو بحضرة العدو - يقول) جملة ((يقول)) حال، وجملة ((وهو بحضرة
العدو)) حال أيضا. قال النووي: ((بحضرة)) بفتح الحاء وضمها وكسرها، ثلاث لغات، ويقال أيضا:
((بحضر)) بفتح الحاء والضاد، محذوف الهاء.اهـ. وفى كتب اللغة: الحضرة الحضور، يقال: كلمته فى
حضرة فلان، أى فى حضوره، ويقال: كنت بحضرة العدو، أى قريبا منه.
(إن أبوب الجنة تحت ظلال السيوف) قال النووى: قال العلماء: معناه أن الجهاد،
٥٥٠

وحضور معركة القتال طريق إلى الجنة، وسبب لدخولها. اهـ وفى رواية البخارى ((واعلموا أن الجنة
تحت ظلال السيوف)» وترجم له البخارى بباب الجنة نحت بارقة السيوف، من إضافة الصفة إلى
الموصوف، أى السيوف البارقة اللامعة، كأنه أراد أن السيوف لما كانت لها بارقة كان لها أيضا ظل،
وقال ابن الجوزى: المراد أن الجنة تحصل بالجهاد، والظلال جمع ظل، وإذا تدانى الخصمان صاركل
منهما تحت ظل سيف صاحبه، لحرصه على رفعه عليه، ولا يكون ذلك إلا عند التحام القتال. وقال
القرطبى: هذا من الكلام النفيس الجامع الموجز المشتمل على ضروب من البلاغة مع الوجازة وعذوبة
اللفظ، فإنه أفاد الحض على الجهاد، والإخبار بالثواب عليه، والحض على مقاربة العدو، والاجتماع
واستعمال السيوف حين الزحف، حتى تصير السيوف تظل المتقائلين
(فرجع إلى أصحابه، فقال: أقرأ عليكم السلام) المعنى أن أبا موسى الأشعرى عبد الله
ابن قيس قال لأصحابه يوما فى معركة من المعارك، وربما كان قائدا لجيشه، قال لهم مثيرا غيرتهم
وشجاعتهم، والعدو أمامهم، قال لهم: قال رسول اللَّه ): ((إن أبوب الجنة تحت ظلال السيوف))
وسمعه أحد جنوده، فاستوثق منه، فلما وثق عزم على الهجوم والاندفاع نحو العدو، متعجلا الفوز
بالشهادة، فرجع إلى أصحابه الجنود، فودعهم الوداع الأخير، وأقرأهم السلام.
(ثم كسر جفن سيفه، فألقاه) ((جفن السيف)) بفتح الجيم وكسرها وسكون الفاء هو غمده،
وأصله غطاء العين من أعلاها وأسفلها، والمعنى أن الرجل نزع سيفه من غمده مقررا عدم عودة سيفه
إلى غمده، فكسر الغمد، ورمى به.
(ثم مشى بسيفه إلى العدو، فضرب به حتى قتل) راغبا فى الجنة، حريصا عليها.
(جاء ناس إلى النبى ®، فقالوا: أن ابعث معنا رجالا يعلمونا القرآن والسنة
فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار، يقال لهم: القراء) هؤلاء الناس من بنى سليم، وجاء
فى البخارى ((بعث النبى - أقواما من بنى سليم إلى بنى عامر)» قال الدمياطى: هو وهم، فإن بنى
سليم مبعوث إليهم. وحاول الحافظ ابن حجر توجيهه بما لا يخلو من تعسف، وظاهر هذه الرواية أن
الناس كانوا مسلمين، وأن المبعوثين كانوا معلمين، هدفهم تعليم القرآن والسنة، لكن فى رواية
البخارى ما يشعر بأن المبعوثين كانوا من الفرسان، وكان هدفهم مددا للناس للمساعدة فى قتال
أعدائهم، ففيه ((بعث النبى # سبعين رجلا لحاجة، يقال لهم: القراء)» فسر قتادة الحاجة بقوله: إن
رعلا وغيرهم استمدوا رسول اللّه ◌َ على عدو، فأمدهم بسبعبن من الأنصار، وعند البخارى أيضا «إن
النبى - أتاه رعل وذكوان وعصية فزعموا أنهم أسلموا، واستمدوا على قومهم)) قال الحافظ ابن حجر:
ويحتمل أنه لم يكن استمدادهم لهم لقتال عدو، وإنما هو للدعاء إلى الإسلام، وقد أوضح ذلك ابن
إسحق، قال: قدم أبو براء، عامر بن مالك، المعروف بملاعب الأسنة، على رسول الله ،{ ل®، فعرض عليه
الإسلام، فلم يسلم ولم يبعد، وقال: يا محمد، لوبعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد رجوت أن
يستجيبوا لك، وأنا جارلهم. فبعث المنذر بن عمرو فى أربعين رجلا، منهم الحارث بن الصمة، وحرام
٥٥١

بن ملحان ورافع بن بديل بن ورقاء وعروة بن أسماء وعامر بن فهبرة وغيرهم من خيار المسلمين ».
قال الحافظ ابن حجر: ويمكن الجمع بينه وبين الذى فى الصحيح بأن الأربعين كانوا رؤساء، وبقية
العدد أتباعا.
(فيهم خالى حرام) فحرام أخ لأم سليم، أم أنس.
(يقرءون القرآن، ويتدارسون بالليل، يتعلمون ... إلخ) فى رواية البخارى ((كنا نسميهم
القراء فى زمانهم)) وقد وصفوا فى الحديث بأعمالهم، فهم كانوا بالنهار يجيئون بالماء، فيضعونه فى
المسجد، لبشرب المصلون، ويتوضئوا منه وكانوا يحتطبون، فيبيعون ما احتطبوا، ويشترون بثمنه
الطعام لأهل الصفة وللفقراء، وأهل الصفة أى أصحابها، وهم جماعة من الفقراء الغرباء الذين كانوا
يأوون إلى مسجد الندى ®®، فيقبمون فى الصفة وهى مكان مظلل فى زاوية المسجد. وكانوا يصلون
بالليل، ويتدارسون القرآن والعلم، فهم كانوا يعلمون ويتعلمون.
(فعرضوا لهم، فقتلوهم، قبل أن يبلغوا المكان) فى رواية للبخارى ((فعرض لهم حيان من
بنى سليم)) تثنية حى أى جماعة من بنى سليم، وفسرهما فى الرواية بقوله ((رعل وذكوان)) بكسر الراء
وسكون العين، و((ذكوان)) بفتح الذال وسكون الكاف ((عند بئر يقال لها: بئر معونة)) بفتح الميم وضم
العين، موضع من بلاد هذيل، بين مكة وعسفان، وهذه الوقعة تعرف بسرية القراء، وكانت فى أوائل
سنة أربع من الهجرة.
(وأتى رجل حراما، خال أنس - من خلفه، فطعنه برمح، حتى أنفذه، فقال حرام:
فزت. ورب الكعبة) أى فزت بالشهادة والجنة، وقد أوضحت الروايات ما وقع، فعند البخارى
((فانطلق حرام أخو أم سليم، ورجل أعرج، ورجل من بنى فلان، قال لهما: كونا قريبا حتى أتيهم، فإن
آمنونى كنتم وإن قتلونى أتيتم أصحابكم. فقال: أتؤمنونى أبلغ رسالة رسول اللّه ؟ فجعل يحدثهم،
وأومأوا إلى رجل، فأتاه من خلفه فطعنه، حتى أنفذه بالرمح)) ((ثم مالوا على بقية أصحابه فقتلوهم إلا
رجلاً أعرج، صعد الجبل)) وعند الطبرانى ((فخرج حرام، فقال: يا أهل بئر معونة. إنى رسول رسول الله
﴿ إليكم، فآمنوا بالله ورسوله، فخرج رجل من كسر البيت برمح، فضربه فى جنبه، حتى خرج من
الشق الآخر»
(فقالوا: اللَّهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك، فرضينا عنك، ورضيت عنا .... فقال
رسول اللَّه ◌ِ ﴿ لأصحابه: إن إخوانكم قد قتلوا، وإنهم قالوا: اللَّهم بلغ عنا نبينا أنا قد
لقيناك، فرضينا عنك، ورضيت عنا) فى رواية البخارى ((فأخبر جبريل -عليه السلام- النبى كُ لّ
أنهم قد لقوا ربهم، فرضى عنهم وأرضاهم، قال أنس: فكنا نقرأ ((أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا،
فرضى عنا وأرضانا)» ثم نسخ بعد، تلاوة، فلم يبق له حكم حرمة القرآن، كتحريمه على الجنب وغير
ذلك. فدعا عليهم أربعين صباحا؛ على رعل وذكوان وبنى عصية، الذين عصوا اللَّه ورسوله)) وفى رواية
٥٥٢

للبخارى ((قال أنس فأنزل الله تعالى لنبيه فى الذين قتلوا، أصحاب بئر معونة قرآنا قرأناه، حتى
نسخ بعد: بلغوا قومنا، فقد لقينا ربنا، فرضى عنا، ورضينا عنه)».
(عمى الذى سميت به) أنس بن النضر.
(لم يشهد مع رسول الله﴿ بدرا، فشق عليه) فى رواية ((فكبر عليه ذلك)).
(قال: أول مشهد شهده رسول الله ﴿ غيبت عنه) الاستفهام إنكارى توبيخى، بمعنى ما
كان ينبغى مهما كان عذرى. قال ذلك أسها. وقد أشار إلى الضرورة التى حالت بينه وبين المشهد
بقوله ((غيبت)) بالبناء للمجهول، ولم يقل: غبت.
(وإن أرانى اللَّه مشهدا فيما بعد مع رسول اللّه # ليرانى اللَّه ما أصنع) فى رواية
للبخارى ((لئن أشهدنى الله مع النبى﴿ ليرين اللَّه ما يجد)» وطاهر هاتين الروايتين أن هذا القول
كان لأصحابه، ولم يكن فى حضرة النبى#. لكن عند البخارى ((فقال: يارسول اللّه، غبت عن أول
قتال قاتلت المشركين، لئن اللَّه أشهدنى قتال المشركين ليرين اللّه ما أصنع)» فيحتمل أنه قال هذا
القول مرتين، والمراد من قوله ((لئن أشهدنى اللّه)) و((إن أرانى اللَّه مشهدا)) أى إن حضرت معركة
مقاتلا، وقوله ((ليرانى اللَّه ما أصنع)) اللام فى جواب قسم مقدر، و(( ما أصنع)) بدل من ضمير المتكلم
فى ((يرانى)) وفى رواية للبخارى ((لبرين الله ما أجد)) بضم الهمزة وكسر الجيم وتشديد الدال، من
الرباعى، يقال: أجد فى الشىء يجد، إذا بالغ فيه، وقال ابن التين صوابه بفتح الهمزة وضم الجيم،
يقال: أجد - من الثلاثى - يجد إذا اجتهد فى الأمر، أما أجد بتشديد الدال فإنما يقال لمن سار فى
أرض مستوية، ولا معنى لها هنا. قال: وضبطه بعضهم بفتح الهمزة وكسر الجيم وتخفيف الدال، من
الوجدان، أى ما ألقى من الشدة فى القتال. قال النووى ((ليرانى اللَّه ما أصنع)) هكذا هو فى أكثر
النسخ ((ليرانى)) بالألف، وهو صحيح، ويكون ((ما أصنع)) بدلا من الضمير فى ((أرانى)) أى ليرى اللَّه
ما أصنع، ووقع فى بعض النسخ ((ليرين اللَّه)) بياء بعد الراء، ثم نون مشددة، وضبط بوجهين: أحدهما
بفتح الياء والراء، أى يراه اللَّه واقعا بارزا، والثانى بضم الياء وكسر الراء، ومعناه ليرين اللَّه الناس ما
أصنعه، وليبرزن اللَّه كفاحى للناس.
(فهاب أن يقول غيرها) أى خشى أن يقول أكثر من هذا، خشى أن يلتزم شيئا فيعجز عنه، أو
تضعف بنيته عنه، أو نحو ذلك، وليكون إبراء له من الحول والقوة، فاكتفى بهذه اللفظة المبهمة
((ليرين اللَّه ما أجد)).
(فشهد مع رسول الله﴿ يوم أحد، فاستقبل سعد بن معاذ) فى رواية للبخارى ((فلما
كان يوم أحد، وانكشف المسلمون، قال: اللَّهم إنى أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعنى أصحابه - وأبرأ
إليك مما صنع هؤلاء - يعنى المشركين، ثم تقدم)) - أى نحو المشركين - ((فاستقبله سعد بن معاذ))
وفى مسند الطيالسى ((فاستقبله سعد بن معاذ منهزما)).
٥٥٣

(فقال له أنس: يا أبا عمرو. أين؟) أى إلى أين تمضى يا سعد وتفر؟ وكأن سعدا لم يجب،
فأكمل أنس الكلام.
(فقال: واها لريح الجنة! أجده دون أحد) ((واها)) كلمة تحنن وتلهف، أى أحن إلى ريح
الجنة، وأتلهف عليها، وفى رواية البخارى ((إنى أجد ريح الجنة دون أحد)) قال ابن بطال وغبره:
يحتمل أن يكون على الحقيقة، وأنه وجد ريح الجنة حقيقة، أو وجد ريحا طيبة، ذكره طيبها بطيب
ريح الجنة، ويجوز أن يكون أراد أنه استحضر الجنة التى أعدت للشهيد، فتصور أنها فى ذلك
الموضع، فاشتاق لها، أى إنى لأعلم أن الجنة تكتسب فى هذا الموضع، فاشتاق إليها. ومال النووى
إلى القول الأول، فقال: وقد ثبتت الأحاديث أن ريحها توجد من مسيرة خمسمائة عام.اهـ وفى رواية
البخارى ((الجنة ورب النضر)) كأنه يريد والده، ويحتمل أنه يريد ابنه، فإنه كان له ابن يسمى النضر،
وكان إذ ذاك صغيرا وفى رواية ((فقال سعد: أنا معك)).
(فقاتلهم حتى قتل) وفى رواية البخارى ((قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع)) أى
فما استطعت أن أصنع ما صنع من الإقدام والصبر على الأهوال.
(فوجد فى جسده بضع وثمانون، من بين ضربة وطعنة ورمية) فى رواية ((ضربة
بالسيف، أو طعنة بالرمح، أو رمية بالسهم)) و((أو)) فيها ليست للشك، بل هى للتقسيم، وفى رواية
((ووجدناه قد مثل به المشركون)) من المثلة، وهى قطع الأعضاء من أنف وأذن ونحوها.
(قال: فقالت أخته، عمتى الربيع بنت النضر) أى قال أنس بن مالك: فقالت أخت عمى
أنس بن النضر وهى الربيع بنت النضر.
(فما عرفت أخى إلا ببنانه) أى بطرف أصبعه، والظاهر أن طرف أصبح من أصابعه كان
مقطوعا قطعا قديما، وفى رواية للبخارى ((فما عرف حتى عرفته أخته بشامة، أو ببنانه، بالشك،
والثانى هو المعروف.
(ونزلت هذه الآية ﴿رجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ
مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيَلا﴾ قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفى أصحابه) صدر الآية
﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَّقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ من الثبات مع رسول اللّه﴿، كأنس بن النضر،
وفى الكشاف: نَذر رجال من الصحابة أنهم إذا لقوا حربا مع رسول اللّه { ثبتوا وقاتلوا حتى
يستشهدوا، أى نذروا التبات التام والقتال الذى يفضى بحسب العادة إلى نيل الشهادة، وهم عثمان
ابن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وحمزة، ومصعب بن عمير، وغيرهم
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ تفصيل لحال الصادقين، وتقسيم لهم إلى قسمين، والنحب النذر المحكوم
بوجوبه، وشاع بمعنى الموت، والمعنيان هنا مستقيمان ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ يوما يجاهد فيه، ويكون
فيه نحبه، ويوفى فيه بنذره وعهده ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ أى وما بدلوا عهدهم، وما غيروه أصلا، ولا وصفا،
٥٥٤

بل ثبتوا عليه، راغبين فيه، مراعين حقوقه على أحسن ما يكون، ولم يفعلوا مثل ما فعل المنافقون،
الذين قد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار.
فقه الحديث
قال النووى عن الرواية: الأولى والثانية وقوله تعالى ﴿غَيْرُ أَوْلِي الصَّرَرِ﴾ فيه دليل لسقوط الجهاد
عن المعذورين، ولكن لا يكون ثوابهم ثواب المجاهدين، بل لهم ثواب نياتهم، إن كان لهم نية صالحة،
كما قال صلى الله عليه وسلم ((ولكن جهاد ونية)) اهـ والمراد هنا بالعذر ما هو أعم من المرض، كعدم
القدرة على السفر. لكن أحاديث أخرى تشير إلى مشاركة من حبسه العذر عن الغزو للمجاهدين فى
أجورهم، فوق النية التى أشار إليها النووى، فعند البخارى ((أن النبى و ﴿ كان فى غزاة، فقال: إن
أقواما بالمدينة خلفنا، ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا فيه، حبسهم العذر)) وفى رواية ((إلا
شركوكم فى الأجر)» وسيأتى هذا الحديث فى مسلم فى باب ثواب من حبسه العذر عن الغزو وقد رواه
أبو داود بلفظ ((لقد تركتم بالمدينة أقواما، ما سرتم من مسير، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد،
إلا وهم معكم فيه. قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: حبسهم العذر)).
فظاهر هذه النصوص أن من حبسه العدر له أجر فوق النية من جنس أجر العاملين، مشاركة
للعاملين فى أجر حركاتهم وجهادهم، بل كلام المهلب يميل إلى المساواة، حيث قال: قوله تعالى ﴿لا
يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِن الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الصَّرَرِ﴾ يفاضل بين المجاهدين والقاعدين، ثم يستثنى أولى
الضرر من القاعدين، فكأنه ألحقهم بالفاضلين. اهـ والحافظ ابن حجر يقول: فيه أن المرء يبلغ بنيته
أجر العامل، إذا منعه العذر، ويقول: وأصل تفسير ابن جريج أن المفضل عليه ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ وأما
أولو الضرر فملحقون فى العضل بأهل الجهاد، إذا صدقت نياتهم، فقد استننت الآية أولى الضرر من
عدم الاستواء، فأفهمت إدخالهم فى الاستواء، إذ لا واسطة بين الاستواء وعدمه، والمراد استواؤهم فى
أصل الثواب، لا فى المضاعفة، لأنها نتعلق بالفعل. ونحن لا نقول بالمساواة، فالمساواة بين العاملين
أنفسهم غير متحققة، بسبب اختلاف درجة الإخلاص، ودرجة الأداء، ودرجة المشقة، ودرجة أثر كل
منهم فى تحقيق النتيجة، والذين حبسهم العذر تختلف درجاتهم أيضا بسبب درجة الحرص، ودرجة
العذر، فليس من اقتنع وقنع بعدم القدرة، كالذين أتوه لبحملهم، فقال: ﴿لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا
وَأَعْيُّنُهُمْ تَفِيضُ مِن الدَّمْعِ حَرَّنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾. والحق أن المساواة فى الأجر وعدمها ترجع
إلى اللَّه تعالى وفضله، ولا نملك أن نحكم بها، لكن للعاملين زيادة أجر متفق عليها، كأجرهم على الكلم
فى سبيل الله، وأجرهم العاجل بالغنيمة، وأجر الشهداء منهم. ومضاعفة الأجر على الفعل، بقوله تعالى
﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ [النساء: ٩٦].
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- من قوله فى الرواية الأولى ((فجاء بكتف يكتبها)» جواز كتابة القرآن فى الألواح والأكتاف، وتقييد
العلم بالكتابة.
٥٥٥

٢- قال النووى: وفيه طهارة عظم المذكى.
٣- وجواز الانتفاع بعظم المذكى.
٤- وفيه جواز اتخاذ الكانب.
٥- وتقريبه.
٦- قال النووي: وفيه أن الجهاد فرض كفاية، وليس بفرض عين.
٧- وفيه رد على من يقول: إنه كان فى زمن النبى # فرض عين، وبعده كفاية، والصحيح أنه لم يزل
فرض كفاية من حين شرع.
٨- وفى الرواية الثالثة ثبوت الجنة للشهيد.
٩- وفيه المبادرة بالخير، وأنه لا يشتغل عنه بحظوظ النفس.
١٠- ومن الرواية الخامسة جواز بعث الجاسوس.
١١- والخطبة عند الشدائد، والأمور المهمة.
١٢- وفى قوله ((إن لنا طلبة)) استحباب التورية فى الحرب، وألا يبين الإمام جهة إغارته وإغارة
سراياه، لئلا يشيع ذلك، فيحذرهم العدو.
١٣ - ومن رمى التمرات والدخول والهجوم على الكفار جواز الانغمار فى الكفار، والتعرض للشهادة.
قال النووي: وهو جائز بلا كراهة عند جماهير العلماء.
١٤ - ومن الرواية السادسة المخاطرة فى الجهاد بكسر جفن السيف ونحوه.
١٥ - وتوديع الأصدقاء عند السفر والخطر.
١٦ - ومن الرواية السابعة جواز وضع الماء فى المسجد، قال النووى: وقد كانوا يضعون أيضا أعذاق
التمر فى المسجد لمن أرادها، فى زمن الرسول ®، ولا خلاف فى جواز هذا وفضله.
١٧- وفيها فضيلة الصدقة.
١٨ - وفضيلة الاكتساب من الحلال لها.
١٩ - وجواز عمل الصفة فى المسجد.
٢٠- وجواز المبيت فيه بلا كراهة. قال النووي: وهو مذهبنا ومذهب الجمهور.
٢١ - ومن لقاء القراء ربهم ورضاهم عنه ورضاه عنهم فضيلة عظمى للشهادة والشهداء.
٢٢ - وثبوت الرضا منهم ولهم.
٢٣- وفى هذه الرواية مدى ما أصيب المسلمون فى سبيل الدعوة إلى اللَّه.
٢٤ - وفى الرواية الثامنة فضيلة ظاهرة لأنس بن النضر، وشجاعته المفرطة.
٢٥ - وجواز أخذ النفس بالشدة فى الجهاد.
٢٦ - وبذل النفس فى طلب الشهادة، وفى الوفاء بالعهد.
والله أعلم
٥٥٦

(٥٢٦) باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو فى سبيل الله،
ومن قاتل للرياء والسمعة استحق النار
٤٣١٠ - ١٤٩ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيَِّ﴾ (١٤٩): أَنَّ رَجُلا أَعْرَابيّا أَتّى النّبِيَّ ◌َ﴿ِ، فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ يُقَائِلُ لِلْمَغْتَمِ. وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ. وَالرَّجُلُ يُقَائِلُ لِيُّرَى مَكَانُهُ. فَمَنْ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ أَعْلَى، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
٤٣١١ - ٢٠ْ عَنْ أَبِي مُوسَى ◌َ﴾(١٥٠) قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِلَ ﴿َعَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةٌ،
وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةٌ، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، أَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ِ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ
كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
٤٣١٢ - ث وفي رواية عَنْ أَبِي مُوسَى ◌َُّ(١) قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ مَّ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ
الرَّجُلُ يُقَاتِلُ مِنَّا شَجَاعَةٌ. فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
٤٣١٣ - لْ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيَِّه(١٥١)، أَنَّ رَجُلا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِلَ ﴿ عَنِ الْفِعَالِ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةٌ. قَالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ -
وَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ إِلا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا - فَقَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ».
٤٣١٤ - ١٥٢ ◌َفَرَّقَ النَّاسُ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ عْ(١٥٢) فَقَالَ لَهُ نَاتِلُ أَهْلِ الشَّامِ: أَيُّهَا الشَّيْخُ،
حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَّهُ مِن رَسُولِ اللَّهِوَ ﴿ّ. قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِعَ﴿ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ
النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ، رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ. فَأَتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا. قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ
فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ: كَذَبْتَ. وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيٌ. فَقَدْ
قِيلَ. ثُمَّ أَمِرَ بِهِ فَسُجِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتّى أَلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ
(١٤٩) حَدَّثََّا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَابْنُ بَشَّارٍ وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُنْ قَالَا حَدَّثَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حَدَثْنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ
سَمِعْتُ أَبًا وَائِلِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَيِّ
(١٥٠) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَابْنُ نُمَيْرٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبُرَنَا وَقَالَ الآخَرُونُ حَدَّثَنَا أَبُو
مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَّشِ عَنْ شَقِيقٍ عِنْ أَبِي مُّوسِّی
(١) وحَدَّثَنَاهُ إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرِّنَا عِيَسَى بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَن شَقِيقٍ عَن أَبِي مُوسَى
(١٥١) وحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنَّ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَن مَنْصُورِ عَن أَبِي وَائِلٍ عَن أَبِي مُوسَى
(١٥٢) حَدََّا يَخْتِى بْنُ حَيَبِ الْحَارِثِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْخَّارِثِ حَدَّثَنَا أَبْنُ جُرَّيَّجٍ حَدَّقَتِي يُونُسُ بْنُ يُوسُفَ عَن سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ
قَالَ تَفَرَّقِ النَّاسُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
٥٥٧

الْقُرْآنُ. فَأْتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا. قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ،
وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ كَذَبْتَ. وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنُ لِيُقَالَ هُوَ
قَارِئٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُجِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ
وَأَعْطَاهُ مِن أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ. فَأْتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا. قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا
تَرَكْتُ مِن سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ. قَالَ: كَذَبْتَ. وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ
هُوَ جَوَادٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُجِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أَلْقِيَ فِي النَّارِ».
٤٣١٥ - - تَفَرَّقَ النَّاسُ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ لَهُ نَائِلٌ الشَّامِىُّ: وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلٍ
حَدِيثِ خَالِدِ ابْنِ الْحَارِثِ.
المعنى العام
يقول اللَّه تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] وحذر اللَّه وخوف
المصلين المرائين بقوله ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾
[الماعون: ٦،٥،٤] ويقول صلى الله عليه وسلم ((من سمح سمع الله به، ومن يرائى يرائى اللَّه به))
والمعنى فى ذلك أن من عمل عملا بغير إخلاص، يريد أن يراه الناس ويسمعوه جوزى على ذلك بأن
يشهره الله ويفضحه، ويظهر ما كان يبطنه، يفضحه بأنه كان يريد من عمله المقابل من الناس، وقد
حصل عليه منهم، فقالوا. على المنفق: كريم جواد، وقالوا على المقاتل: جرىء شجاع، وقالوا على
العالم القارئ: عالم كبير، فكان ذلك جزاءه، ولا جزاء له فى الآخرة، ولا ثواب له، ويفضحه بما يكشف
من خبايا نفسه وطويته.
ولما كان القتال منشؤه القوة العقلية، والقوة العصبية، والقوة الشهوانية، دعا صلى اللّه عليه وسلم
أصحابه أن يكون دافهم إليه القوة العقلية فحسب، حيث سئل عن الدوافع البشرية التى يندفع بها
الناس نحو القتال، فقيل له: يا رسول الله، الرجل منا يقاتل رغبة فى الحصول على الغنيمة أحيانا،
ويقاتل حماية لأهله وقبيلته وعصبته أحيانا، ويقاتل ليراه الناس شجاعا مقداما أحيانا، ويقاتل
ليقول الناس عنه: كان بطلا جريئا غير هياب أحيانا، ويقال غضبا لدفع مضرة أو جلب مصلحة
أحيانا، فهل يكون بهذه الدوافع مجاهدا فى سبيل الله؟ وله أجر المجاهدين؟ وله ثواب الشهداء
الهائل إن هو استشهد فى معركة المشركين؟ فقال صلى اللَّه عليه وسلم من قاتل لتكون كلمة اللَّه هى
العليا فهو الذى فى سبيل الله، وإن هذا الأجر الموعود به إنما هو لمن خرج مخلصا يدافع عن دعوة
الإسلام، وينشر دعوة الإسلام.
أما الذين يريدون بقتالهم شيئا من الحياة الدنيا فقد عجلوا أجورهم، وحصلوا على ما قصدوا من
المتاع العاجل الزائل، ويوم يطالبون يوم القيامة بأجر قتالهم يقال لهم: قاتلتم ليقال عنكم شجعان
٥٥٨

وقد قيل، فلا أجرلكم، كالمنفق ماله رئاء الناس، يوم يطلب أجرا على نفقته يقال له: أنفقت ليقال
إنك كريم جواد فقد قيل، فلا أجرلك على نفقتك، ولن تكفر هذه النفقة شيئا من خطاياك، فاحمل
خطاياك واذهب بها إلى النار، فاللَّهم ارزقنا الإخلاص فى العمل، ابتغاء وجهك الكريم.
المباحث العربية
(أن رجلا أعرابيا) قال الحافظ ابن حجر: قوله ((أعرابيا)) يدل على وهم ما وقع عند الطبرانى
من وجه آخر، عن أبى موسى أنه قال: يا رسول اللَّه فذكره، فإن أبا موسى وإن جاز أن يبهم نفسه
لكن لا يصفها بكونه أعرابيا، وهذا الأعرابى يصلح أن يفسر بلاحق بن ضمبرة، فقد جاء بإسناد
ضعيف أنه سأل السؤال، وفى رواية بإسناد ضعيف عن معاذ بن جبل أنه سأل السؤال، ومعاذ أيضا لا
يقال له أعرابى، فبحمل على التعدد. اهـ ويبدو أن الحافظ ابن حجرلم يطلع على رواية مسلم، روايتنا
الثالثة، ولفظها عن أبى موسى: أتينا رسول الله ﴿، فقلنا ... )) فيمكن حمل الحديث على أن الأعرابى
وأبا موسى وغيرهما سأل واحد منهم ووافقه الآخرون، فنسب السؤال إلى كل منهم، بدون نعدد السؤال.
(والرجل يقاتل ليذكر) بضم الياء وفتح الكاف، مبنى للمجهول، أى ليذكره الناس بالشجاعة،
ويشتهر عندهم بالجرأة والإقدام، ولفظ البخارى ((والرحل يقاتل للذكر)) بكسر الذال، وفى رواية أخرى
للبخارى ((ويقاتل شجاعة)) كروايتنا الثانية والثالثة.
(والرجل يقاتل ليرى مكانه) ((يرى)) بضم الياء، مبنى للمجهول، أى ليراه الناس، أى رياء،
كما هو لفظ روايتنا الثانية، فمرجع الذى قبله ((للدكر)) أى السمعة، ومرجع هذا إلى الرياء،
(ويقاتل حمية) هذا لفظ الرواية الثانية والرابعة، أى أنفة وغيرة ومحاماة عن أهل أو
عشيرة أو صاحب.
(الرجل يقاتل غضبا) هذا لفظ الرواية الرابعة، أى لأجل حظ نفسه، قال الحافظ ابن حجر:
ويحتمل أن يفسر القتال للحمية بدفع المضرة، والقتال غضبا بجلب المنفعة، فالحاصل من رواياتهم
أن القتال يقع بسبب خمسة أشياء: المغنم، وإظهار الشجاعة، والرياء، والحمية، والغضب، وكل منها
يتناوله المدح والذم، فلهذا لم يحصل الجواب بالإثبات ولا بالنفى.
(فمن فى سبيل الله؟) أى فمن من هؤلاء فى سبيل الله؟ وفى الرواية الثانية ((أى ذلك فى
سبيل الله»؟
(من قاتل لتكون كلمة الله أعلى فهو فى سبيل اللّه) فى الرواية الثانية والرابعة ((من
قاتل لتكون كلمة اللَّه هى العليا فهو فى سبيل اللَّه)) و((هى العليا)) أسلوب قصر، أى الأعلى، بحيث
يعد علو غيرها ليس علوا. وهذا الجواب يتضمن نفى أن يكون المذكورون من قبل فى سبيل الله، وكأنه
قال: كل ذلك ليس فى سبيل الله، حتى الممدوح منها الذى أشار إليه الحافظ ابن حجر، هوليس فى
٥٥٩

سبيل اللَّه، وإنما عدل صلى الله عليه وسلم عن النفى الصريح، ولم يقل: كل ذلك ليس فى سبيل اللّه،
لئلا يحتمل أن يكون ما عدا ذلك كله فى سبيل الله، وليس كذلك، وليقطع الطريق على إيراد أحوال
أخرى قد يذكرها السائلون.
والمراد بكلمة الله دعوة اللَّه إلى الإسلام، ويحتمل أن يكون المراد من العبارة أنه لا يكون فى
سبيل الله إلا من كان سبب قتاله طلب إعلاء كلمة الله فقط، بمعنى أنه لو أضاف إلى ذلك سببا آخر
من الأسباب المذكورة أخل بذلك، ويحتمل أن لا يخل إذا حصل ضمنا، لا أصلا ومقصوداً، وسيأنى
توضيح المسألة فى فقه الحديث.
قال العلماء: وهذا الجواب من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، لأنه أجاب بلفظ جامع لمعنى
السؤال مع الزيادة عليه.
(تفرق الناس عن أبى هريرة) بعد أن حضروا عظته وذكره فى المسجد، وفى ملحق الرواية
((تفرج الناس عن أبى هريرة)» وهى بمعنى تفرق.
(فقال له ناتل أهل الشام) فى ملحق الرواية ((ناتل الشامى)) وهو بالنون فى أوله، وبعد الألف
تاء، وهو ناتل بن قيس الحزامى الشامى، من أهل فلسطين، وهو تابعى، وكان أبوه صحاببا، وكان
ناتل کییر قومه.
(إن أول الناس يقضى - يوم القيامة - عليه) فصل بالظرف بين الفعل وبين نائب
الفاعل، والأصل يقضى علبه يوم القيامة.
(فعرفه نعمه، فعرفها) أى ذكره الله تعالى بالنعم التى أنعم بها عليه، فتذكرها، والمراد بها فى
الشهيد نعمة الصحة والقوة والقدرة على الجهاد، والمراد بها فى العالم القارئ نعمة العلم والقرآن
تعلما ونعليما، والمراد بها فى الرجل الثالث سعة المال بأصنافه المختلفة.
(ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها) أى ما تركت وجها من وجوه الخبر.
(إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت) التكذيب هنا للقيد، وهو كلمة ((لك)) كما أن التكذيب فى
الشهيد لقيد ((فيك)) من قوله ((قاتلت فبك)) والتكذيب فى العالم القارئ لقيد ((فيك)) فى قوله ((تعلمت
العلم، وعلمته، وقرأت فيك القرآن)) فهو قيد تنازعه تعلمت، وعلمت وقرأت، أى تعلمت العلم فيك،
وعلمته فيك، وقرأت القرآن فيك.
فقه الحديث
موضوع هذه الأحاديث أن الأعمال إنما تحسب بالنيات الصالحة، وأن الفضل الذى ورد فى
المجاهدين فى سبيل اللَّه يختص بمن قاتل لتكون كلمة اللَّه هى العليا.
٥٦٠