Indexed OCR Text

Pages 161-180

(٤٨٠) باب كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين
٤٠٢٩ - ٣°ْ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٥٧) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِعَلَهُ قَسَمَ فِي النَّفَلِ
لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنٍ وَلِلرَّجُلٍ سَهْمًا.
٤٠٣٠ - - وفي رواية عَن عُبَيْدِ اللَّهِ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِي النَّفَلِ.
المعنى العام
يقول الله تعالى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ
وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] فالخيل كانت عدة العرب فى القتالَ، أو العدةَ الأساسية المهمة،
ولذلكَ عطفت خاصة على عموم القوة فى الآية الكريمة، وهى فوق ذلك مظهر من مظاهر العزة والكرامة
والعز والسؤدد ومن هنا رغب الإسلام أنصاره الأوائل فى اقتناء الخيل، وقال الرسول الكريم ((الخيل
فى نواصبها الخير إلى يوم القيامة)).
وزادهم نرغيبا فى اقتناء الفرس والقتال علبه بأن جعل للفرس من الغنيمة سهمين وللفارس
سهما، ليكون للفارس بفرسه ثلاثة أسهم، حين تقسم الغنمية إلى خمسة أسهم، خمسها لرسول الله
﴿ *، وأربعة أخماسها للمقائلين، فيحسب الفارس بثلاثة، ويحسب الراجل بواحد، ثم توزع أسهما،
اللهم إلا إذا رأى الإمام أو القائد نفل أحد المحاهدين لعمل مجيد قام به، فيعطيه نافلة فوق سهمه،
إما من الأخماس الأربعة، وإما من الخمس الذى للإمام.
هكذا كانت قسمة الغنائم فى عهد الرسول { ®، وفى عهد الخلفاء الراشدين. رضى اللّه
عنهم أجمعين.
المباحث العربية
(قسم فى النفل للفرس سهمين) أى قسم فى الغنيمة، وقلنا فى باب الأنفال قريبا إن أصلها
إعطاء النافلة والزيادة، وإنها تطلق على الغنمية كلها، وهى المرادة هنا، باعتبارها عطية من اللّه
تعالى، زائدة على أجر المجاهدين، أو زائدة على الأمم السابقة الذين لم تحل لهم الغنائم.
(٥٧) حَدَّثَّا يَخْتَى بْنُ يَحْنَى وَأَبُرٍ كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ كِلاهُمَا عَن سُلَيْمٍ قَالَ يَحْتَى أَخْبُرَنَا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُمّرَ حَدَّثَنَا نَافِعٌ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمْرَ
- وحَدَّثَنَاه ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ
١٦١

والفرس واحد الخيل، الذكر والأنثى سواء، والجمع أفراس وفروس، والحصان الذكر منها، وأما
البغل فهوابن الفرس من الحمار، والبرذون بكسر الباء وسكون الراء وفتح الذال يطلق على غبر العربى
من الخيل والبغال، وسيأتى الخلاف فى سهم هذه الحيوانات، واللام فى ((للفرس)) للاختصاص، وفى
الحقيقة السهمان لصاحب الفرس، ولكن لما كانا له بسبب الفرس أضبفا إليه.
(فائدة) قال العينى: كان للنبى # أربعة وعشرون فرسا، كل واحد منها كان مسمى باسم
مخصوص، مثل السكب، والمرتجز، واللحيف، وكان له حمار يقال له: يعفور، وغيره، وكان له بغلة
تسمى دلدل، وكانت له لقاح تسمى الخناء والسمراء، وغير ذلك، وكانت له ناقة تسمى القصوى،
والأخرى العضباء، وغيرهما، وكانت له غنم، منها سبعة أعنز، كل واحدة منها مسماة باسم، وشاة
تدعى عيثة. اهـ والسهم الجزء
وهل السهمان للفرس وحده غير سهم الفارس؟ أو للفرس مع الفارس؟ لكل منهما سهم؟ خلاف
فقهى سيأتى فى فقه الحديث.
(وللرجل سهما) هذا أعم من رواية البخارى، ولفظها ((ولصاحبه سهما)» فهى قاصرة على
الفارس الذى معه فرس، وقد فسرها نافع بما يتفق ولفظ مسلم، بقوله: إذا كان مع الرجل فرس فله
ثلاثة أسهم، وإن لم يكن معه فرس فله سهم، قال النووى: هكذا هو فى أكثر الروايات ((للرجل)) وفى
بعضها ((للراجل» وهو المحارب ماشيا على رجليه.
فقه الحديث
قال النووي: اختلف العلماء فى سهم الفارس والراجل من الغنيمة، فقال الجمهور: يكون للراجل
سهم واحد، وللفارس ثلاثة أسهم، سهمان بسبب فرسه، وسهم بسبب نفسه، بهذا قال مالك والأوزاعى
والثورى والليث والشافعى وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحق وأبو عبيد وابن جرير وآخرون.
وقال أبو حنيفة: للفارس سهمان فقط، سهم لفرسه، وسهم له، وحجة الجمهور هذا الحديث، وهو
صريح على رواية من روى ((للفرس سهمين، وللرجل سهما)» بغير ألف فى الرجل، وهى رواية الأكثرين،
ومن روى ((وللراجل» بالألف روايته محتملة، فيتعين حملها على موافقة الأولى، جمعا بين الروايتين
قال: قال أصحابنا وغيرهم: ويرفع هذا الاحتمال ما ورد مفسرا فى غير هذه الرواية فى حديث ابن عمر
هذا بلفظ: ((أسهم رسول اللَّه ◌َ ي لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم، سهما له، وسهمين لفرسه)».اهـ
وفى الباب أحاديث كثيرة تؤيد الجمهور، منها ما رواه أبو داود عن أبى عمرة عن أبيه قال: ((أتينا
رسول اللَّه ◌ِ: أربعة نفر، ومعنا فرس فأعطى كل إنسان منا سهما، وأعطى الفرس سهمين)) وما رواه
النسائى من حديث يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن جده، قال: «ضرب رسول اللّه﴾ عام
خيبر للزبير أربعة أسهم، سهم للزبير، وسهم لذى القربى، لصفية بنت عبد المطلب أم الزيبر ( رضى
اللَّه تعالى عنهم) وسهمين للفرس)» وما رواه أحمد من حديث مالك بن أوس عن عمر وطلحة بن
١٦٢

عبيدالله والزبير قالوا: ((كان رسول الله﴾* يسهم للفرس سهمين)) وروى الدارقطنى من حديث أبى
رهم، قال: ((غزونا مع النبى®، أنا وأخى، ومعنا فرسان، فأعطانا ستة أسهم، أربعة لفرسينا،
وسهمين لنا)) وروى الدارقطنى أيضاً من حديث أبي كبشة قال: ((لما فتح رسول اللَّهِمِ ﴿ قال: إنى
جعلت للفرس سهمين، والفارس سهما، فمن أنقصهما أنقصه الله عزوجل)) وروى أيضا من حديث
ضباعة بنت الزبير عن المقداد قال: ((أسهم لى رسول الله ﴿ يوم بدر سهما، ولفرسى سهمين» وروى
أيضا من حديث عطاء عن ابن عباس ((أن رسول اللّه # قسم لكل فرس بخير سهمين سهمين»
وروى أيضاً من حديث هشام بن عروة عن أبى صالح عن جابر قال: «شهدت مع رسول اللّه ◌َ غزاة،
فأعطى الفارس منا ثلاثة أسهم، وأعطى الراجل سهما)) وروى أيضا من حديث الواقدى عن محمد بن
يحيى بن سهل بن أبى خيثمة عن أبيه عن جده أنه شهد حنينا مع النبى ، «فأسهم لفرسه
سهمین، وله سهما )».
أما أبو حنيفة فاحتج بما رواه الطبرانى عن المقداد بن عمرو أنه كان يوم بدر على فرس، فأسهم
له النبى * سهمين، لفرسه سهم واحد، وله سهم)) وبما رواه الواقدى أيضا فى المغازى ((قال الزبير:
شهدت بنى قريظة فارسا، فضرب لى بسهم، ولفرسى بسهم)) وبما رواه ابن مردويه فى تفسير سورة
الأنفال من حديث عروة عن عائشة قالت: ((أصاب رسول اللّه * سبايا بنى المصطلق، فأخرج
الخمس منها، ثم قسم بين المسلمين، فأعطى الفارس سهمين والراجل سهما)» وبما رواه ابن أبى شيبة
فى مصنفه عن ابن عمر ((أن النبى # جعل للفارس سهمين، وللراجل سهما)). وقال أبو حنيفة: أكره
أن أفضل بهيمة على مسلم.
قال ابن سحنون: انفرد أبو حنيفة بذلك، دون فقهاء الأمصار، وفى التوضيح: خالف أبوحنيفة
عامة العلماء قديما وحديثا، وخالفه أصحابه، فبقى وحده.
والتحقيق أن ما استند إليه أبو حنيفة من أحاديث كلها واهية، لا يخلو واحد منها من لين، وأما
قوله: أكره أن أفضل بهيمة على مسلم فغير وارد، لأن السهام كلها فى الحقيقة للرجل، والفرس ما قام
بما قام به إلا بالرجل، فالرجل على الفرس يبذل من الجهد ما لا يبذله الراجل من سرعة الكروالفر،
على أن الاعتماد فى ذلك على الحديث. والله أعلم.
وهل كل دابة ركبت فى الحرب واستعين بها فى القتال يسهم لها ما يسهم للفرس؟
قال مالك: يسهم للخيل والبراذين منها، لقوله تعالى ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا
وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] فامتن اللَّه نعالى بركوب الخيل، وقد أسهم لهَا رسول اللّهِ ﴾، واسم
الخيل يقع على البرذون والهجين، ويقول مالك قال أبو حنيفة والثورى والشافعى وأبو ثور،
وقال الليث: للهجين والبردون سهم دون سهم الفرس، ولا يلحق الهجين والبرذون بالفرس
العربى، وعند أبى داود فى المراسيل ((أن رسول الله # هجن الهجين يوم خيبر، وعرب
العربى، للعربى سهمان، وللهجين سهم)). وفى الأم للشافعى ((أغارت الخيل، فأدركت
العراب، وتأخرت البراذن، فقام ابن المنذر الوادعى فقال: لا أجعل ما أدرك كمن لم يدرك،
١٦٣

فأقره عمر ، فكان أول من أسهم للدراذين دون سهام العراب. وقال ابن حزم: للراجل
وراكب البغل والحمار والجمل سهم واحد فقط، وقال أحمد: للفارس ثلاثة أسهم، ولراكب
البعير سهمان.
هذا. وما دامت المسألة قياسية على الفرس المنصوص عليه فيحسن أن يكون مرجع المساواة أو
عدمها للإمام حسب الجهود والنتائج. والله أعلم.
وهناك مسائل فرعية: منها: هل يسهم لأكثر من فرس لفارس واحد؟ قال مالك والجمهور: لايسهم
لأكثر من فرس، وقال الأوزاعى والتورى والليث وأحمد وأبو يوسف وإسحق: يسهم لفرسين.
ومنها: هل يسهم للفرس ولولم تقاتل؟ قال مالك والشافعى والأوزاعى وأبو ثور: إذا كان المسلمون
فى سفن، فلقوا العدو، فغنموا - ولم تتحرك الخيل - أنه يضرب للخيل التى معهم فى السفن بسهمها؟
وقال بعض الفقهاء: القياس أن لا يسهم لها.
ومنها: هل يسهم لفرس يموت قبل القتال؟ قال مالك: يسهم له، وقال الشافعى وأبو ثور والباقون:
لا يسهم له إلا إذا حضر القتال، فلومات الفرس فى الحرب استحق صاحبه، وإن مات صاحبه استمر
استحقاقه، وهو للورثة، ومنها: لوباع فرسه فى موضع القتال، فكيف يسهم له؟ الظاهر استحقاق
البائع مما غنموا قبل العقد، واستحقاق المشترى مما غنموا بعد العقد، وما اشتبه فيه يقسم بينهما،
وقيل: يوقف حتى يصطلحا، وعن أبى حنيفة: من دخل أرض العدو راجلا لا يقسم له إلا سهم راجل ولو
اشترى فرسا وقاتل عليه.
والله أعلم
١٦٤

(٤٨١) باب الإمداد بالملائكة فى غزوة بدر وإباحة الغنائم
٤٠٣١ - ٥٨ عَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴾(٥٨) قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرِ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِنَّ إِلَّى
الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ﴿وَ الْقِبْلَةَ
ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي. اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَِي. اللَّهُمَّ إِن
تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِن أَهْلِ الإِسْلامِ لا تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ» فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ، مَاذًّا يَدَيْهِ
مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِذَاؤُهُ عَن مَنْكِيْهِ. فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِيْهِ.
ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِن وَرَائِهِ، وَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِذْ تَسْتَغِيْقُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ
مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال/٩] فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلائِكَةِ.
قَالَ أَبُوِ زُمَيْلٍ: فَحَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ
يَشْتَدُ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إِذْ سَمِعَ ضَرَّبَةٌ بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ، وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ
أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا. فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ وَشُقَّ
وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ. فَجَاءَ الأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ،
فَقَالَ «صَدَقْتَ ذَلِكَ مِن مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ» فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ.
قَالَ أَبُوِ زُمَيْلٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَلَمَّا أَسَرُوا الْأُسَارَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
﴿ لَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ «مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلاءِ الأُسَارَى؟» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ هُمْ بَنُو الْعَمِّ
وَالْعَشِيرَةِ. أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةٌ فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ. فَعَسَى اللّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ
لِلإِسْلامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ِ «مَا تَرَى؟ يَا ابْنَ الْخَطْابِ» قُلْتُ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا
أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِّي أَرَى أَنْ تُمَكِنّا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ. فَتُمَكِّنَ عَلِيّا مِن عَقِيلٍ
فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ. وَتُمَّنِي مِن فُلانٍ نَسِيبًا لِعُمَرَ فَأَضْرِبَ عُقَهُ. فَإِنَّ هَؤُلاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرٍ
وَصَنَادِيدُهَا. فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ
جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﴾ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مِن أَيِّ
(٥٨) حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ حَدََّا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَن ◌ِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ حَدَّتِي سِمَاكٌ الْحَنَفِيُّ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسِ يَقُولُ حَدَّثْنِي
عُمَّرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرِ حٍ وَحَدَّثْنَا زَهَيْرُ بَّنُ حَرَّبٍ وَاللُّفْظُ لَهُ حَدَّثْنَا غُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ
عَمَّارٍ حَدَّثَنِي أَبُو زُمَّيْلٍ هُوَّ سِمَاٌ الْحَنَفِيُّ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ حَدَّثَنِي
١٦٥

شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ، فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءٌ تَبَاكَيْتُ لِيُكَائِكُمَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿: «أَنْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِن أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ
عَذَابُهُمْ أَذْنَى مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ (شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِن نَبِيِّ اللَّهِنَ﴿. وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿مَا كَانَ
◌ِبِيِّ أَنْ يَكُونُ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُنْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيًِّا﴾
[الأنفال/٦٧-٦٩] فَأَحَلَّ اللَّهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ.
المعنى العام
هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة، أخرجهم المشركون بثبابهم التى هى عليهم، لم
يسمحوا لأحدهم أن يصحب مالا أو متاعا، أخرجوهم من ديارهم وأموالهم، فأدن اللّه لهم
فى المدينة أن يتعرضوا لقوافل المشركين أهل مكة القادمة من الشام والمارة بالمدينة،
ليعوضوا بعض أموالهم التى استولى عليها المشركون، وعلم رسول اللّه* أن قافلة كبيرة،
تضم عيرا كثيرة نحو ألف بعبر، تحمل تجارة غالية، تقدر بخمسين ألف دينار، على قيادتها
أبو سفيان ومعه عمروبن العاص ومخرمة بن نوفل، وآخرون يزيدون على أربعين رجلا،
فطلب من المسلمين بالمدينة الخروج لاعتراض هذه القافلة، فخرج ثلاثمائة رجل وبضعة
عشر رجلا، بما نيسرلهم من سلاح وركاب، وعلم أبو سفيان بخروج المسلمين، فغير طريقه
إلى طريق الساحل، وأسرع المسير، وأرسل إلى أهل مكة أن يخرجوا للدفاع عن تجارتهم
وأموالهم وحمايتها من المسلمين، فخرج من أهل مكة ما يزيد على الألف، مدججين بما
يملكون من سلاح. ووصل المسلمون إلى ماء بدر، ووصل مشركومكة إلى ماء بدر، وأرسل أبو
سفيان إليهم أن عودوا إلى مكة، فقد نجت العير، وأمنت تجارتكم، فأخذتهم العزة، وقالوا:
لا والله لانرجع حتى نلقن المسلمين درسا، حتى لا يعودوا لمثل ما فعلوا. واستشار رسول
اللَّهِ أصحابه. قال: إن الله وعدنى إحدى الطائفتين. العير أو الحرب، وقد أفلتت العبر،
فماذا ترون فى الحرب؟ وكانت العير بطبيعة الحال أحب إليهم، فإنها غير ذات شوكة،
وهى غنيمة كبرى، ولكن اللَّه أراد لهم الأخرى، وكان جواب المسلمين إيمانا صادقاً،
وشجاعة نادرة، وعزة وإباء، قال قائلهم: يا رسول اللَّه امض لما أمرك اللَّه. لعلك خرجت
لأمر فأحدث اللّه غيره، فامض لما شئت، وصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت،
وسالم من شئت، وعاد من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت. لا نقول لك كما قال بنو
إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَيُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولكن نقول:
اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. والله لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه
معك، ما تخلف منا أحد. فسر رسول الله، وصف المسلمين للقتال. وطلبت المبارزة
فخرج على للوليد، وخرج حمزة لشيبة بن ربيعة، وخرج عبيدة بن الحارث لعتبة ابن ربيعة،
فقتل الوليد وشيبة وعتبة، ثم التحمت الجيوش، ووقف رسول الله * مستقبل القبلة، ورفع
١٦٦

يديه إلى السماء، وأخذ يدعوربه ويستغيث، اللهم أنجزلى وعدك الذى وعدتنى، اللهم
اهزمهم وانصرنا عليهم، اللهم إن هذه الجماعة هى التى تعبدك فى الأرض من بنى آدم.
واستغرق صلى الله عليه وسلم فى الاستغاثة بصوت مرتفع، حتى سقط رداؤه عن كتفيه،
فضمه أبوبكر ته، وأعاد عليه رداءه، وقال له: رفقا بنفسك يا رسول اللّه فلن يخذلك ربك
أبدا، وسينجز وعده لك، وما هى إلا جولات وانجلت المعركة عن هزيمة المشركين وفرارهم
مخلفين وراءهم سبعين قتيلا من كبرائهم، وسبعين أسيرا من سادانهم، وسيق الأسرى إلى
المسجد النبوى وربطوا فى سواريه، واستشار الرسول فيهم القتل؟ أو المن؟ أو الفداء؟
فأشار أبوبكر ه بالفداء، وأشار عمر بالقتل، ودخل صلى الله عليه وسلم بيته يفكر، ثم خرج
مرتاحا لرأى أبى بكر، فأخذ منهم الفداء وفى اليوم الثانى نزل عتاب الله لنبيه على أخذ
الفداء، نزل الوحى الأمبن مؤيدا لما قاله عمر رضى الله عنه، مؤاخذا على تنفيذ إشارة أبى
بكر، فجلس# هو وصاحبه أبو بكر يبكيان، وأنزل اللَّه تعالى ﴿مَاكَانَ لِنَّبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ
أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧] لكن
الله تعالى أباح لهم ما أحدوا من فداء، وكان هذا النصر من الله وبمدد جاءهم من السماء،
أمدهم اللَّه فى معركتهم بألف من الملائكة مردفين، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلا مِن عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ
الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦].
المباحث العربية
(لما كان يوم بدر) ((لما)) شرطية، و((كان)) تامة بمعنى حصل ووقع ووجد، و(يوم)» بالرفع
فاعل، و((بدر)» بئر لرجل يسمى بدر بن الحارث كنانى، قال الشعبى، وقيل: سميت البئر بدرا
لاستدارتها كالبدر، وقيل لصفائها ورؤية البدر فيها، وقيل: هى قرية عامرة، كانت سوقا بأرض العرب،
ومجمعا من مجامعهم فى الجاهلية، وبها آبار ومياه عذبة، وعينان جاريتان عليهما الموز والنخل
والعنب، تقع بين المدينة ومكة، على ثمانية وعشرين فرسخا من المدينة، وكان بهذا الوادى غزوة بدر
الكبرى، قال الحافظ: والمحفوظ أنها كانت يوم الجمعة.
(نظر رسول اللَّه ◌ِ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا)
فى البخارى ((كان المهاجرون يوم بدر نيفا على ستين والأنصار نيفا وأربعين ومائتين)» وقال ابن
إسحق: كان المهاجرون ثلاثة وثمانين، وكان من الأوس واحد وستون رجلا، ومن الخزرج مائة
وسبعون رجلا، منهم رسول اللّه ، فكان جميعهم ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا، وقال ابن سعد: خرج
رسول الله:﴿ فى ثلاثمائة رجل وخمسة نفر، كان المهاجرون منهم أربعة وسبعين، وسائرهم من
الأنصار، وثمانية تخلفوا لعلة، ضرب رسول الله ﴿ ﴿ بسهامهم وآجرهم، وهم عثمان بن عفان، تخلف
على امرأته رقية، وطلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد، بعثهما عليه الصلاة والسلام يتجسسان خبر
الغير، وأبو لبابة خلفه رسول اللَّه على المدينة، وعاصم بن عدى، خلفه على أهل العالية، والحارث
١٦٧

ابن حاطب رده من الروحاء إلى بنى عمرو بن عوف، لشىء بلغه عنهم، والحارث بن الصمة، كسر
بالروحاء، وخوات بن جبير، كسر أيضا، فهؤلاء ثمانية، لا خلاف فيهم عندنا، وقيل غير ذلك، وحاول
بعضهم الجمع بين هذه الأقوال بأن الذى زاد ضم إلى العدد من استصغر، ولم يؤذن له فى القتال
يومئذ، كالبراء وابن عمر وأنس وجابر، وذكر بعضهم فى العدد سعد بن مالك الساعدى، والد سهل، وقد
مات فى الطريق، واختلف فى سعد ابن عبادة، هل شهدها؟ أورد لحاجة.
(فجعل يهتف) بفتح الياء، وكسر التاء، بينهما هاء ساكنة، معناه يصلح ويستغيث
باللَّه بالدعاء، وفى القرآن الكريم ﴿إِنْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] قال
المفسرون: والظاهر أن المستغيث هم المؤمنون، قيل. إنهم لما علموا أن لا محيص من
القتال أخذوا يقولون: أى رب انصرنا على عدونا، أغتنا يا غياث المستغيثين، وقال
الزهرى: إنه رسول اللَّهِ﴾ والمسلمون معه، وظاهر حديثنا يدل على أنه رسول اللَّه ◌ُ ﴾.
وعليه فالجمع فى الآية للتعظيم.
(اللهم أنجزلي ما وعدتنى) يقال: نجز الشىء بفتح النون والجيم، ينجز بضم الجيم نجزا تم
وقضى، لازم، ونجز الشىء متعد، أنمه وقضاه، وأنجز الشىء نجزه وقضاه، ومنه المثل: أنجزحر ما
وعد، فألف ((أنجزلى)) ألف وصل أو قطع. والذى وعده صلى الله عليه وسلم هو ما جاء فى قوله تعالى
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]، أى العير أو النفير، وكانت العير قد ذهبت
وفاتت، فكان الدعاء بإنجاز الوعد بالنصر.
(اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد فى الأرض) قال النووى: ضبطوه
((تهلك)) بفتح التاء وضمها، فعلى الأول ترفع ((العصابة)) على أنها فاعل، وعلى الثانى تنصب، مفعول،
و(العصابة)) الجماعة. اهـ وإنما قال ذلك لأنه علم أنه خاتم النبيين، فلوهلك هو ومن معه حينئذ لم
يبعث أحد ممن يدعو إلى الإيمان، فيستمر المشركون يعبدون غير الله، فالمعنى لا تعدد فى الأرض
بهذه الشريعة.
(كفاك مناشدتك ربك) المناشدة السؤال، مأخوذ من النشيد، وهو رفع الصوت، يقال: نشد
فلانا إذا قصده وسأله، ونشد فلانا بكذا ذكره به واستعطفه، يقال: نشدتك الله، وبه ونشدتك الرحم،
وبها، و((كفاك)) هكذا هو وقع لبعضهم، ووقع لجماهير رواة مسلم. ((كذاك)) بالدال، وفى رواية البخارى
((حسبك مناشدنك ربك)) وكل بمعنى، وضبطوا ((مناشدتك)) بالرفع والنصب، وهو الأشهر، قال
القاضى: من رفعه جعله فاعلا بكفاك، ومن نصبه فعلى المفعول، بما فى حسبك وكفاك وكذاك من
معنى الفعل من الكف.
(أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين) ((أنى ممدكم)) أى معينكم، والإمداد
الإعانة، وقيل: إعطاء الشىء بعد الشىء، وقيل: المد فى الشر، والإمداد فى الخير، و
((مردفين)) أى متتابعين، أى وراء كل ملك ملك، وقيل: مردفين المؤمنين، أى جائين
١٦٨

خلفهم، وقرئ ((مردفين)) بفتح الدال، أى مردفين بـالمؤمنين، فيكون الملائكة فى المقدمة،
أو جعلهم الله مردفين للمؤمنين، فيكون الملائكة فى مؤخرة الجيش.
والتنصيص على الألف هنا لا ينافى الثلاثة آلاف، الواردة فى قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ
اللَّهُ بِبَدْرِ وَأَنْتُمْ أَنِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ
رَيُّكُمَّ بِثَلاَثَةِ آلافٍ مِن الْمَلائِكَةِ مُنْزِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤،١٢٣] ولا ينافى الخمسة آلاف
الواردة فى قوله تعالى ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةٍ
آلافٍ مِن الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥] لأن معنى ((مردفين)» يردفهم غيرهم ويتبعهم
ألوف أخر مثلهم. قال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بالألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم
صاروا خمسة آلاف. ومعنى ((مسومين)) بفتح الواو، أى معلمين، قيل: كانت علامتهم
الصوف الأبيض، وقيل: العهن الأحمر، وقبل عمائم حمر، وقيل: عمائم سود، و ((مسومين))
بكسر الواو أى معلمين أنفسهم، أو معلمين خيولهم فى نواصيها.
(إذ سمع ضربة بالسوط فوقه) أى فوق المشرك الذى أمامه.
(وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم) أى وسمع صوت الفارس الضارب- وهو لا يراه -
يقول لفرسه: أقدم يا حبزوم. قال النووي: ((حيزوم)» هو بحاء مفتوحة، ثم ياء ساكنة، ثم راى مضمومة
ثم واو ثم ميم، قال القاضى: ووقع فى رواية ((حيزون)) بالنون، والصواب الأول، وهو المعروف لسائر
الرواة والمحفوظ وهو اسم فرس الملك، وهو منادى، بحدف حرف النداء، وأما ((أقدم)) فضبطوه
بوجهين، أصحهما وأشهرهما - ولم يذكر ابن دريد وكثيرون أو الأكثرون غيره - أنه بهمزة قطع
مفتوحة ويكسر الدال، من الإقدام، قالوا: وهى كلمة زحر للفرس معلومة فى كلامهم، والثانى بضم
الدال، وبهمزة وصل مضمومة، من التقدم.
(فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه) الخطم بالخاء الأثر على الأنف. يقال: خطمه بفتح الطاء
يخطمه بكسرها، أى ضرب خطمه بسكونها، والخطم بسكون الطاء الأنف، ويقال: خطم أنفه، أى
جعل عليه خطاما، والخطام الزمام، وما وضع على خطم الجمل، ليقاد به، والمعنى هنا أن المشرك
الذى وقع بضربة من سوط الملك كان أنفه مجروحا، ووجهه مشقوقا، من أثر الضربة، أو من أثر شىء
يشبه الضربة، و ((خطم)) بضم الخاء وكسر الطاء، مبنى للمجهول، و((أنفه)) نائب فاعل.
(فاخضر ذلك أجمع) أى انقطع الأنف والوجه أجمع وتشوه كل منهما. يقال: اخضره أى
قطعه واستأصله .
(ما ترون فى هؤلاء الأسارى؟) بضم الهمزة، وعند أحمد والترمذى والحاكم ((لما كان يوم بدر
جىء بالأسارى، وفبهم العباس، فقال رسول اللَّهِ ﴿: ما ترون فى هؤلاء الأسارى؟
(هم بنوالعم والعشيرة) بالجر، أى وبنو العشيرة، وعشيرة الرجل بنو أبيه الأقربون وقبيلته،
١٦٩

وفى القرآن الكريم ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] والجمع عشائر، وفى رواية ((يا رسول
الله:﴿. قومك وأهلك، استبقهم، لعل الله تعالى أن يتوب عليهم)).
(ولكنى أرى أن تمكنا) بضم التاء وفتح الميم وتشديد الكاف المكسورة، أى تمكنا منهم ومن
ضرب رقابهم، وفى رواية ((يارسول الله، كذبوك، وأخرجوك، وقاتلوك. قدمهم، فاضرب أعناقهم)).
(فتمكن عليا من عقيل) أخيه، ابن أبى طالب.
(وتمكنى من فلان - نسيبا لعمر - فأضرب عنقه) ((فلان)» كنى به الراوى عن اسم نطق
به عمر، و «نسيبا» حال منه، وفى رواية أحمد «قريبا لعمر، ونمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب
عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست فى قلوبنا هوادة للمشركين».
(فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها) ((الصناديد)) جمع صنديد بفتح الصاد وكسرها، وهو
الشديد، وكان الظاهر أن يقول ((وصناديده)) ليعود الضمير على الكفر، أو ((وصناديدهم)) لبعود الضمير
على أئمة الكفر، قال النووى: والضمير فى ((صناديدها)) يعود على ((أئمة الكفر)) أو مكة.اهـ. وفى عوده
على أئمة الكفر نظر، وفى عوده على مكة عود على ما لم يسبق له ذكر، والأولى منه على هذا أن يعود
على قريش، فصناديد قريش أشهر من صناديد مكة، ورواية أحمد ((هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم))
فلعل اللفظ فى روايتنا سهو من الناسخ.
وفى رواية أحمد والترمذى والحاكم ((وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول اللّه، انظر واديا كثير
الحطب فأضرمه عليهم نارا، فدخل النبى ®®، ولم يرد عليهم شيئا، فقال أناس: يأخذ بقول أبى بكر،
وقال أناس: يأخذ بقول عمر، وقال أناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، فخرج رسول اللّه ،﴿، فقال:
إن اللَّه تعالى ليلبن قلوب رجال، حتى نكون ألبن من اللبن، وإن اللَّه سبحانه ليشدد قلوب رجال فيه،
حتى تكون أشد من الحجارة، مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم عليه السلام، قال ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِّنِّي
وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ نَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]. ومتلك يا أبا بكر مثل عيسى -عليه السلام - قَال ﴿إِنْ
تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْلَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] ومثلك يا عمر كمثَل
موسى عليه السلام، إذ قَال ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ
الأَلِيمٌ﴾ [يونس: ٨٨] ومثلك يا عمر مثل نوح - عليه السلام - إذا قَالَ ﴿رَبِ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ
الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ثم قال لأصحابه: أنتم عالة - أى فقراء محتاجون، فلا يفلتن أحد من
الأسرى إلا بفداء أو ضرب عنق.
(فهوى رسول اللَّه ﴿ ما قال أبوبكر، ولم يهوما قلت) أى فنفذ إشارة أبى بكر، وفى
رواية لأحمد ((فأخذ منهم الفداء)) و((هوى)) بكسر الواو، أى أحب ذلك واستحسنه، يقال: هوى الشىء
بكسر الواو، يهوى بفتحها، هوى، والهوى المحبة، أما هوى بفتح الواو يهوى بكسرها فمعناه سقط.
قال النووي: ((ولم يهو ما قلت))، هكذا هو فى بعض النسخ ((ولم يهو)) وفى كثير منها ((ولم يهوى)) وهى
لغة قليلة بإثبات حرف العلة مع الجازم، ومنه قراءة من قرأ ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠]
بالياء، ومنه قول الشاعر: ألم يأتيك والأنباء تنمى.
١٧٠

(أبكى للذى عرض على أصحابك) اللام للتعليل، وعائد الصلة محذوف، والتقدير: أبكى من
أجل الذى عرضه على أصحابك، والمقصود من أصحابه أبو بكر ومن وافقه، رضى الله عنهم، وفى رواية
((أبكى على أصحابك))
(لقد عرض على عذابهم أدنى من هذه الشجرة) أى لقد رأيت ما كان سيحل
بهم من العذاب الدنيوى الذى كان قريب الوقوع بهم قرب هذه الشجرة، لولا كتاب من اللّه
سبق إثباته فى اللوح المحفوظ، وهو أن لا يعذب قوما على فعل قبل أن يبين لهم حكمه
أمرا أو نهبا، لمسهم العذاب العظيم.
(ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض) أى ما صح وما استقام لنبى
من الأنبياء أن يكون له أسرى حتى يبالغ فى القتل، ويكثر منه، حتى يذل الكفر، ويضعف حزبه، ويعز
الإسلام، ويرفع أهله، وأصل معنى النخانة الغلط والكثافة فى الأجسام، ثم استعير هنا للمبالغة فى
القتل والجراحة، لأنها لمنعها من الحركة صيرته كالنخين الذى لا يسيل، وقرئ ((يثخن)) بفتح الثاء
وتشديد الخاء المكسورة للمبالغة فى المقابلة.
(تريدون عرض الدنيا، واللّه يريد الآخرة) وثوابها لكم.
(﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ فأحل الله الغنيمة لهم) روى أنه لما نزلت الآية الأولى
كف أصحاب رسول اللَّه ﴿ أيديهم عما أخذوا من الفداء، فنزلت هذه الآية، فالمراد ((مما غنمتم)» إما
الفدية، وإما مطلق الغنائم والمقصود ما اندرج فيها من الفدية، وإلا فحل الغنائم قد علم سابقا من
قوله سبحانه ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ إلح أى لا أوْاخذكم بم أخذنم من فداء، فكلوه أكلا حلالا صليبا.
فقه الحديث
نزول الملائكة فى ساحة القتال يوم بدر ثابت بالقرآن الكريم والأحاديث الكثيرة
البالغة حد الشهرة، فالقرآن الكريم يقول ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ
بِأَلْفٍ مِن الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِن
عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ إِذْ يُغَشِّيَكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِن السَّمَاءِ مَاءً
لِيُطَهِّرَكُمْ بَهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ ﴾ إِذْ يُوحِي
رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَنَبُّوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِيَ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوَ الرُّعْبَّ
فَاضْرِئُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَّانِ﴾ [الأنفال: ٩ وما بعدها].
ويقول: ﴿وَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِيَدْرِ وَأَنْتُمْ أَزِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ
يَكْفِيَّكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلافٍ مِن الْمَلائِكَةِ مُنْزِلِينَ﴾ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِن فَوْرِهِمْ
هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِن الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُونَكُمْ
١٧١

بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِن عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٣ ومابعدها] وحديثنا عن عمر بن
الخطاب صريح فى نزول الملائكة يوم بدر، والخلاف بين العلماء فى قتال الملائكة مع المؤمنين أو
عدم قتالهم.
والجمهور على أنهم قاتلوا مع المؤمنين يوم بدر، ويستدلون بالآيات السابقة، ويفسرون ﴿فَاضْرِبْوا
فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانِ﴾ بأنه أمر من الله للملائكة أن يضربوا رقاب الكافرين، ويقطعوا
أصابعهم وأطرافهَمٌ.
وقول ابن عباس فى حديثنا ((بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد .. إلخ)) ثم قول الأنصارى ما
رأى من قتل المشرك وخطم أنفه، وتصديق النبى و له، وقوله ((ذلك من مدد السماء الثالثة)» دليل
على أنهم قاتلوا، وقد أخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن أبى داود المازنى قال: «بينما أنا أتبع رجلا
من المشركين يوم بدر، فأهويت بسيفى إليه، فوقع رأسه قبل أن يصل سيفى إليه، فعرفت أنه قد قتله
غيرى)) فإن قيل: ما الحكمة فى قتال الملائكة مع النبى *؟ مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار
بريشة من جناحه؟ أجيب بأن ذلك وقع لإرادة أن يكون الفعل للنبى {8 وأصحابه، ونكون الملائكة
مددا على عادة مدد الجيوش، رعاية لصورة الأسباب التى أجراها اللَّه تعالى فى عباده، واللَّه تعالى هو
فاعل الجميع.
القول الثاني: أن الملائكة كانت مهمتها تثبيت المؤمنين ﴿فَثَبَّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهذا الفريق
يجعل الخطاب فى قوله تعالى ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانِ﴾ للمؤمنين.
ومن حجته أن قدرة ملك واحد كفيلة بهزيمة المشركين، فلو كانت مهمتهم قتالا لكان ملك واحد
كافيا، وقد وردت أحاديث فى تثبيتهم المؤمنين، قيل: كان ذلك بظهورهم لهم فى صورة بشرية
يعرفونها، ووعدهم إياهم النصر على أعدائهم، فقد أخرج البيهقى فى الدلائل ((أن الملك كان يأتى
الرجل، فى صورة الرجل يعرفه، فيقول: أبشروا. فإنهم ليسوا بشيء، والله معكم، كروا عليهم)) وفى رواية
((كان الملك يتشبه بالرجل، فيأتى ويقول: إنى سمعت المشركين يقولون: والله لئن حملوا علينا
لنكشفن، ويمشى بين الصفوف فيقول: أبشروا. فإن اللَّه تعالى ناصركم».
وقيل: كان التثبيت بأشياء يلقونها فى قلوبهم، تصح بها عزائمهم، ويتأكد جدهم، وللملك قوة إلقاء
الخير فى القلب، ويقال له الإلهام، كما أن للشيطان قوة إلقاء الشر، ويقال له الوسوسة وقيل: كان
التثبيت بمجرد تكثير السواد. واللَّه أعلم.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- من مناشدة رسول اللّه ربه بهذه الحالة استحباب استقبال القبلة فى الدعاء.
٢- ورفع اليدين فيه.
٣- وأنه لابأس برفع الصوت فى الدعاء، ليراه الناس، فيدعوا كما يدعو، أو تقوى بدعائه قلوبهم.
١٧٢

٤- وأن الدعاء بشيء موثوق من حصوله مشروع، فقد كان الله تعالى قد وعد نبيه:﴿ إحدى
الطائفتين، إما العير وإما النصر، وكانت العير قد ذهبت وفاتت، فكان على ثقة من حصول
الأخرى، ومع ذلك استغاث وسأل إنجاز الوعد، مع ثقته فى الإنجاز، كما قال له أبوبكر.
قال الخطابي: لا يجوز أن يتوهم أحد أن أبا بكركان أوثق بربه من النبى8# فى تلك الحال، بل
الحامل للنبى # على ذلك شفقته على أصحابه، وتقوية قلوبهم، لأنها كانت أول معركة يشهدها
فبالغ فى التوجه والدعاء والابتهال، لتسكن نفوسهم عند ذلك، لأنهم كانوا يعلمون أن دعاءه
مستجاب، فلما قال له أبوبكر ما قال كف عن ذلك، وعلم أنه استجيب له.اهـ
وقال غيره: كان رسول الله﴿ فى تلك الحالة فى مقام الخوف، وهو أكمل حالات القرب، وجاز
عنده أن لا يقع النصر يومئذ، لأن وعده بالنصر لم يكن معينا لتلك الواقعة، وإنما كان مجملا. وهذا
ليس بشيء، لقوله صلى الله عليه وسلم فى مناشدته)) اللهم أنجز ما وعدننى. اللهم آت ما وعدتنى))
والتوجيه الأول حسن.
والله أعلم
١٧٣

(٤٨٢) باب ربط الأسير وحبسه وجواز المن عليه
٤٠٣٢-١٩° عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضُه(٥٩) قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ْ خَيْلا قِبَلَ نَجْدٍ. فَجَاءَتْ
◌ِرَجُلٍ مِن بَنِي حَنِيفَةَ، يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالِ سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ. فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَّةٍ مِن سَوَارِي
الْمَسْجِدِ. فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ﴿ فَقَالَ «مَاذَا عِنْدَكَ؟ ◌َيَا ثُمَامَةُ». فَقَالَ: عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ
خَيْرٌ، إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ، فَسَلْ تُعْطٌ مِنْهُ مَا
شِئْتَ. فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ، فَقَالَ «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ))؟ قَالَ: مَا قُلْتُ
لَكَ، إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا
شِئْتَ. فَتَرَكَّةُ رَسُولُ اللَّهِ﴿ حَتَّى كَانَ مِنَ الْغَدِ فَقَالَ «مَاذَا عِنْدَكَ؟ يَا ثُمَامَةُ)) فَقَالَ: عِنْدِي
مَا قُلْتُ لَكَ، إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكٍِ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ
تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ مَ﴿٣«أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ» فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنّ
الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَّهَ إِلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ
وَرَسُولُهُ يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِن وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ
أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ. وَاللَّهِ مَا كَانَ مِن دِينٍ أَنْغَضَ إِلَيَّ مِن دِينِكَ فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ
كُلّهِ إِلَيَّ. وَاللَّهِ مَا كَانٌ مِن بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِن بَلَدِكَ فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلادِ كُلِّهَا إِلَيَّ. وَإِنَّ
خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ. فَلَمَّا
قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: أَصَبُوْتَ؟ فَقَالَ: لا، وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ِ. وَلا وَاللَّهِ لا
يَأْتِيَكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ.
٤٠٣٣ - ٣٠ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُ(٦٠) قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ْ خَيْلَا لَهُ نَحْوَ أَرْضٍ نَجْدٍ.
فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالِ الْحَنَفِيُّ سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ
اللَّيْثِ إِلا أَنَّهُ قَالَ «إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ».
(٥٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةٌ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثْنَا لَيْثٌ عَنِ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ
(٦٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ الْحَنَفِيُّ حَدَِّي عَبْدُ الْحَمِيدِ ننُ جَعْفَرٍ حَدَّتِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ أَنْهُ سَمِعَ
أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ
١٧٤

المعنى العام
صورة مشرقة لسماحة الإسلام، وكرم رسوله الرحيم، وحسن معاملته، وعفوه عمن أساء، بل
والإحسان إليه. صورة تبرز كيف انتشر هذا الدين الحنيف؟ وكيف دخل القلوب؟ وكيف أحبه وأحب
تعاليمه من دخل فيه؟ صورة تلقم الحجر كل من يدعى أن الإسلام انتشر بالسيف، وأن الناس دخلوا
فيه عن طريق الإرهاب.
فى السنة السادسة من الهجرة، وفيما قبلها، وفيما بعدها، كان رسول اللّه * يرسل فرسانا
مسلحين على خيلهم، يجوبون الصحارى حول المدينة، يؤمنونها من الأعداء، ويأتون بأخبار المتآمرين
عليهم، ويحذرون ويخيفون من تسول له نفسه التحزب ضدهم، وفى طلعة من هذه الطلعات لقى
الجنود رجلا، تبدو على ملامحه السيادة، قبضوا عليه، سألوه، عرفوا أنه سيد قبيلة بني حنيفة
باليمامة، جهة نجد، بين اليمن ومكة، وكانت القبيلة كافرة، تعين الكافرين على قتال المسلمين،
جاءوا به إلى المسجد النبوى أسيرا، وربطوه فى عمود من أعمدته، وخرج إليه رسول اللّهم﴿ ﴿ وهو
يعرفه، إنه ثمامة بن أُثال. قال له صلى الله عليه وسلم: كيف حالك يا ثمامة؟ ما تطن أنى فاعل بك؟
قال: ما أظن إلا خيرا، فقد علمت العرب أنك تعفو وتغفر ونكرم، إن قتلتنى فمن حقك، تقتل عدوا لك
عنده ثأر، وإن تعف عنى وننعم على وجدتنى شاكرا مقدرا للمعروف، غير منكر لجميل، وإن أردت مالا
فداء لى، فسل منه ما شئت. فتركه رسول اللّه ﴿، حتى كان اليوم التانى. أعاد عليه السؤال، وأعاد
ثمامة نفس الجواب، فتركه لليوم الثالث، فأعاد عليه نفس السؤال، وأعاد ثمامة نفس الجواب، وفى
الأيام الثلاثة يقدم لثمامة أفضل مافى بيته صلى الله عليه وسلم من طعام وشراب. قال صلى الله
عليه وسلم لأصحابه فى اليوم الثالث: أطلقوا ثمامة، حلوا وثاقه، وحرروه يذهب كيف شاء، بهذا دخل
الإسلام قلب ثمامة، تحول بغضه لمحمد # حيا له، وبغضه للإسلام عشقا له، وبغضه للمدينة اعتزازا
بها، طلب أن يعتمر ثم يعود إلى بلده، فأذن له، وعلم أهل مكة بإسلامه، فأرادوا إيذاءه، فهددهم بمنع
حنطة اليمامة عنهم، فأطلقوه، فلما وصل منع أهله أن يبيعوا الحنطة لأهل مكة، وقال: واللَّه لا آذن
بحبه حنطة من اليمامة إلى أهل مكة حتى يأذن بها رسول اللّه،﴿. فكتب أهل مكة إلى رسول الله
*، فتشفع صلى الله عليه وسلم لهم عند ثمامة حتى باعهم. وبعد عامين أو يزيد، ذهب وفد بني حنيفة
إلى رسول اللَّه ◌ِ : مسلمين مبايعين، بفضل حسن معاملة الإسلام، وسماحة رسوله الكريم.
المباحث العربية
(بعث رسول الله﴿ خيلا) أى سرية وقطعة من الجيش على خيل، وفى الرواية الثانية
((خيلا له))
(قبل نجد) أى جهة نجد، وفى الرواية الثانية ((نحو أرض نجد))
١٧٥

(فجاءت برجل من بني حنيفة) قال الحافظ ابن حجر: زعم سيف فى كتاب الزهد أن الذى
أخذ ثمامة العباس بن عبد المطلب، وفيه نظر، لأن العباس إنما قدم على رسول اللّه فى زمان فتح
مكة، وقصة ثمامة تقتضى أنها كانت قبل ذلك، بحبث اعتمر ثمامة، ثم رجع إلى بلاده، ثم منعهم أن
يميروا أهل مكة، ثم شكا أهل مكة إلى النبى®# ذلك .. )) فكانت قصته قبل وفد بني حنيفة بزمان،
وكان وفد بني حنيفة سنة نسع.
و)) حنيفة)) بن لجيم بن صعب بن على بن بكر بن وائل، قبيلة كبيرة شهيرة تنزل
اليمامة، بين مكة واليمن،
(يقال له: ثمامة بن أثال) بضم الهمزة، مصروف، وهو ابن النعمان بن مسلمة الحنفى، وكان
من فضلاء الصحابة.
(سيد أهل اليمامة) ((سيد)) بالرفع، صفة ((ثمامة)).
(فريطوه فى سارية من سوارى المسجد) النبوى بالمدينة، والسارية الأسطوانة والعمود.
وكان مثل هذا الربط بديلا عن سجون اليوم.
(فخرج إليه رسول اللَّه ◌َ ﴾) أى خرج للصلاة فى المسجد، فمربه.
(ماذا عندك يا ثمامة؟) أى ماذا استقر فى دهنك وفى ظنك أن نفعله بك يا ثمامة؟ بعد
عدائك لنا وللإسلام؟ وبعد أسرنا لك؟ و((ماذا)) اسم استفهام مبتدأ، و((عندك)» خبره، ويحتمل أن
تكون ((ما)) استفهامية، و((ذا)» موصولة، و(عندك)) صلة، أى ماالذى استقر فى ظنك؟
(عندى - يا محمد - خير) جملة النداء لا محل لها من الإعراب معترضة بين الخبر
المقدم والمبتدأ المؤخر، أى استقرفى ذهنى ما هو خير واطمئنان، لأنك لست ممن يظلم،
بل ممن يعفو ويحسن.
(إن تقتل تقتل ذا دم) ((دم)) بالدال المفتوحة والميم المخففة وهى رواية الأكثر، وفى رواية
((ذم)» بالذال بدل الدال، قال النووى: ومعنى رواية الأكترين: إن تقتلنى [كما فى رواية البخارى
وروايتنا الثانية] تقتل صاحب دم لدمه، أى تثأر ممن لك عنده ثأر، فتشعى نفسك بالثأر منه، وهو
مستحق لما يفعل به، وهو إن لم يقتل مسلما، لكنه كان لرئاسته وعظمته وسيادته يعتبر نفسه مسؤولا
عما فعله أهل اليمامة بالمسلمين، ويحتمل أن يكون المعنى أنه علبه دم فعلا - ولو لغبر المسلمين -
فهو مطلوب، ويستحق القتل، وأما رواية ((ذا ذم)) بالذال المعجمة فمعناها ذا ذمة، وضعفها عياض،
لأنها تقلب المعنى، لأنه إذا كان ذا ذمة يمتنع قتله، قال النووي: ويمكن تصحيحها بأن يحمل على
الوجه الأول، والمراد بالذمة الحرمة فى قومه.
(وإن تنعم تنعم على شاكر) ومقدر لجميلك وإنعامك، وقد قدمت هذه الجملة فى اليوم الثانى،
١٧٦

والثالث على الجملة الأولى خلافا لليوم الأول، لأنه بالمقابلة الأولى ازداد اطمئنانا على عدم القتل،
وأصبح الإنعام عنده أرجح الاحتمالات.
(حتى كان بعد الغد) هكذا هو فى مسلم بعد اللقاء الأول، وبعد اللقاء الثانى ((حتى كان من
الغد)» وهو مشكل والأولى عكسهما، كما فى رواية البخارى.
(عندى ما قلت لك) رواية البخارى اقتصرت فى اليوم الثانى على قوله ((ما قلت لك. إن تنعم
ننعم على شاكر)) واقتصرت فى اليوم الثالث على ((عندى ما قلت لك)) ووجهها الحافظ ابن حجر
بقوله: هكذا اقتصر فى البوم الثانى على أحد الشقين - كان حقه أن يقول: على شق من الثلاثة -
وحذف الأمرين فى اليوم الثالث - وكان حقه أن يقول: وحذف الأمور الثلاثة فى اليوم الثالث - وذلك
أنه قدم أول يوم أشق الأمرين عليه، وأشفى الأمرين لصدر خصومه، وهو القتل، فلما لم يقع اقتصر
على ذكر الاستعطاف وطلب الإنعام فى اليوم التانى: فكأنه فى البوم الأول رأى أمارات الغضب،
فقدم ذكر القتل، فلما لم يقتله طمع فى العفو، فاقتصر عليه، فلما لم يعمل شيئاً مما قال اقتصر فى
اليوم الثالث على الإجمال، تفويضا إلى جميل خلقه صلى الله عليه وسلم.
وهذا الذى ذكره الحافظ - على الرغم من أنه عد شقين وأهمل الثالث - إن صلح مع
رواية البخارى لا يصلح مع رواية مسلم، فالأولى أن نقول: إن بعض الرواة ذكر مالم يذكر
الآخر، وهو فى الأيام الثلاثة ردد بين الأمور الثلاثة، وإن قدم الأول فى اليوم الأول
للعلة السابقة.
(أطلقوا ثمامة) فى رواية))قال: قد عفوت عنك يا ثمامة، وأعتقتك)) وفى رواية ابن إسحق ((أنه
لما كان فى الأسر جمعوا ما كان فى أهل النبى* من طعام ولبن، فلم يقع ذلك من ثمامة موقعا،
فلما أسلم جاءوه بالطعام فلم يصب منه إلا قليلا، فتعجبوا، فقال النبى {{₪ ((إن الكافر يأكل فى سبعة
أمعاء، وإن المؤمن يأكل فى معى واحد)).
(فانطلق إلى نخل قريب من المسجد) قال النووي: هكذا هو فى البخارى ومسلم وغيرهما
((نخل)) بالخاء، وتقديره انطلق إلى نخل فيه ماء، فاغتسل منه، قال القاضى: قال بعضهم: صوابه
((نجل)) بالجيم، وهو الماء القليل المنبعث، وقيل: الجارى، قلت: بل الصواب الأول، لأن الروايات
صحت به، ولم يرو إلا هكذا، وهو صحيح، ولا يجوز العدول عنه.
(فبشره رسول الله ﴿) يعنى بشره بما حصل له من الخير العظيم بالإسلام، وأن الإسلام يهدم
ما كان قبله.
(فلما قدم مكة) زاد ابن هشام قال: بلغنى أنه خرج معتمرا، فلما كان ببطن مكة لبى، فكان
أول من دخل مكة يلبى، فأخذته قريش، فقالوا: لقد اجترأت علينا، وأرادوا قتله، فقال قائل منهم:
دعوه، فإنكم تحتاجون إلى الطعام من اليمامة، فتركوه.
١٧٧

(قال له قائل: أصبوت؟) قال النووى: هكذا هو فى الأصول («أصبوت)»؟ وهى لغة والمشهور.
((أصبأت)) بالهمزة، وعلى الأول جاء قولهم: الصباة، كقاض وقضاة.
(فقال: لا. ولكنى أسلمت مع رسول اللَّه ﴿) كأنه قال: لا. ما خرجت من الدين، لأن
عبادة الأوثان ليست دينا، فإذا تركتها لا أكون خرجت من دين، بل استحدثت دين الإسلام، وقوله
((مع محمد)» أى وافقته على دينه، فصرنا متصاحبين فى الإسلام، أنا بالابتداء، وهو بالاستدامة، وفى
رواية ابن هشام ((ولكن تبعت خير الدين، دين محمد))
(ولا واللَّه لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول اللَّه ◌ُ ل) (( ولا
واللَّه)» فيه حذف تقديره: والله لا أرجع إلى دينكم، ولا أرفق بكم، فأترك الميرة تأتيكم من اليمامة، زاد
ابن هشام: ثم خرج إلى اليمامة، فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئا، فكتبوا إلى النبى ®®: إنك تأمر
بصلة الرحم؟ فكتب إلى ثمامة أن يخلى بينهم وبين الحمل إليهم.
فقه الحديث
يؤخذ من هذا الحديث
١ - جواز ربط الأسير، وحبسه.
٢- وجواز إدخال الكافر المسجد، ومذهب الشافعى جوازه بإذن مسلم، سواء كان كافرا، كتابيا أو
غيره. وقال عمر بن عبد العزيز وقتادة ومالك: لا يجوز وقال أبو حنيفة: يجوز لكتابى دون غيره.
قال النووى: ودليلنا على الجميع هذا الحديث، وأما قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا
الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] فهو خاص بالحرم، ونحن نقول: لا يجوز إدخاله الحرم.
٣- ويؤخذ من إطلاق ثمامة جواز المن على الأسير. قال النووى: وهو مذهبنا ومذهب الجمهور.
٤- وتعظيم أمر العفو عن المسىء، لأن ثمامة أقسم أن بغضه انقلب حبا فى ساعة واحدة، لما أسداه
النبى إليه من العفو والمن بغير مقابل.
٥- وأن الإحسان يزيل البغض، ويثبت الحب.
٦- وأن الكافر إذا أراد عمل خير، ثم أسلم شرع له أن يستمر فى عمل ذلك الخير.
٧- ومن قوله ((ما عندك يا ثمامة)) فيه الملاطفة بمن يرجى إسلامه من الأسارى، إذا كان فى ذلك
مصلحة للإسلام، ولا سيما من يتبعه على إسلامه العدد الكثير من قومه.
٨- وعن غسله ثم إعلان إسلامه. قال الشافعية: إذا أراد الكافر الإسلام بادر به، ولا يؤخره
للاغتسال ولا يحل لأحد أن يأذن له فى تأخيره، بل يبادربه ثم يغتسل، قال النووي:
ومذهبنا أن اغتساله واجب إن كان عليه جنابة فى الشرك، سواء كان اغتسل منها أم
١٧٨

لا، وقال بعض أصحابنا: إن كان اغتسل أجزأه، وإلا وجب، وقال بعض أصحابنا وبعض
المالكية: لا غسل عليه، وسقط حكم الجنابة بالإسلام، كما تسقط الذنوب، وضعفوا هذا
بالوضوء، فإنه يلزمه بالإجماع، ولا يسقط أثر الحدث بالإسلام، هذا كله إذا كان أجنب
فى الكفر، أما إذا لم يجنب أصلا، ثم أسلم فالغسل مستحب له، وليس بواجب. هذا
مذهبنا. ومذهب مالك وآخرين، وقال أحمد وآخرون. يلزمه الغسل.
٩- وفى الحديث بعث السرايا إلى بلاد الكفار، وأسر من وجد منهم.
١٠- والتخيير بعد ذلك فى قتله أو الإبقاء عليه.
واللَّه أعلم
١٧٩

(٤٨٣) باب إجلاء اليهود من الحجاز
٤٠٣٤ - ٢١ْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٦١) أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ
مَ فَقَالَ «انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ» فَخَرَجْنَا مَعَهُ خَتَّى جِئْنَاهُمْ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ فَنَادَاهُمْ، فَقَالَ
«يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا» فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ مَّ
«ذَلِكَ أُرِيدُ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا» فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمٍ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِع ◌َتِ «ذَلِكَ
أُرِيدُ)) فَقَالَ لَهُمُ الَّلِئَةَ فَقَالَ «اعْلَّمُوا أَنَّمَا الأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وَأَنّي أُرِيدُ أَنْ أُخْلِيَكُمْ مِن
هَذِهِ الأَرْضِ. فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْبَعْهُ، وَإِلا فَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ».
٤٠٣٥ - ٣ْ عَنِ ابْنِ عُمَّرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٦٢) أَنَّ يَهُودَ بَنِي النَّصِيرِ وَقُرَيْظَةَ حَارِبُوا رَسُولَ
اللَّهِ وَ﴿ّ. فَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ بَنِي الْنْضِيرِ. وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةٌ بَعْدَ
ذَلِكَ، فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. إِلا أَنَّ بَعْضَهُمْ لَحِقُوا
بِرَسُولِ اللَّهِ:﴿ فَآمَنَّهُمْ وَأَسْلَمُوا، وَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ ﴿يَهُودَ الْمَدِينَةِ كُلُّهُمْ، بَنِي قَيْقَاعَ
وَهُمْ قَوْمُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةٌ، وَكُلَّ يَهُودِيٌّ كَانَ بِالْمَدِينَةِ.
٤٠٣٦- ٣ٍ عَن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴾(٦٣) أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقُولُ «لاأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ
وَالنَّصَارَى مِن جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لا أَدَعَ إِلا مُسْلِمًا».
المعنى العام
اليهود فى كل زمان شيمتهم الغدر، يعاهدون ولا يوفون، ويحلفون ويكذبون، ويتظاهرون فى حالة
الضعف بالمسالمة وهم يبيتون الخيانة، ولقد كانوا فى المدينة وحولها شوكة فى ظهر المسلمين
(٦١) حَدَّثَنَا قُتَيَِّةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَثَّا لَيْثٌ عَنِ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَن أَبِهِ عَن أَبِي هُرَيْرَةً
(٦٢) وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَإِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ ابْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا وَقَالَ إِسْحَقُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَن
مُوسَى ابْنِ عُقْبَةَ عَنِ نَافِعْ عَنِ ابْنِ عُمِّرَ
- وحَدَّثَنِي أَبُوِ الطَّاهِرِ خُدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَن مُوسَى بِهَذَا الإِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثَ وَحَدِيثُ ابْنٍ
جُرَيْجِ أَكْثَرُ وَأَتَمُّ.
(٦٣) وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثْنَا الضَّحَّكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ حَ وِحَدَّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ رَافِعٍ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّوَّاقِ
أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبُرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ
- وحَدَّثْنِي زُهَيْزٌ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا رَّوْحُ بْنُ عُبَادَةٌ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ح وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيْنَ
حَدَّثَّا مَعْقِلٌ وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ كِلاَهُمَا عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
١٨٠