Indexed OCR Text
Pages 81-100
كتاب
الجهاد والسير
٤٦٨- باب جواز الإغارة على الكفار الدين
بلغتهم دعوة الإسلام.
٤٦٩- باب تأمير الأمراء على البعوث
ووصاياهم.
٤٧٠ - باب تحريم الغدر.
٤٧١- باب جواز الخداع فى الحرب.
٤٧٢- باب كراهة تمنى لقاء العدو والأمر
بالصدر عند اللقاء واستحباب الدعاء
بالنصر عند اللقاء.
٤٧٣ - باب قتل النساء والصبان فى الحرب
وفى الىيات.
٤٧٤- بـاب جواز قطـع أشجار الكفـار
وتحريقها.
٤٧٥ - باب تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة.
٤٧٦ - باب الأنفال.
٤٧٧ - باب استحقاق القاتل سلب القتبل.
٤٧٨- باب التنفيل وفداء المسلمين
بالأسارى.
٤٧٩ - باب حكم الفیء.
٤٨٠- باب كيفية قسمة الغنيمة بين
الحاضرين.
٤٨١- باب الإمداد بالملائكة فى غزوة بدر
وإباحة الغنائم.
٤٨٢ - باب ربط الأسبر وحبسه وجواز المن
عليه.
٤٨٣- باب إجلاء اليهود من الحجاز.
٤٨٤ - باب جواز قتال من نقض العهد، وجواز
إنزال أهل الحصن على حكم حاكم عدل
أهل للحكم وجواز المبادرة بالغزو، وتقديم
أهم الأمرين المتعارضين.
٤٨٥- باب رد المهاجرين إلى الأنصار
منائحهم من الشحر والثمر حين استغنوا
عنها بالفتوح.
٤٨٦- باب جواز الأكل من طعام الغنيمة فى
دار الحرب.
٤٨٧- باب كتب النبى ◌ّ إلى هرقل ملك
الشام وإلى ملوك الكفار يدعوهم إلى
الإسلام.
٤٨٨ - باب غزوة حنين.
٤٨٩- باب غزوة الطائف.
٤٩٠ - باب غزوة بدر.
٤٩١ - باب فتح مكة.
٤٩٢ - باب صلح الحديبية.
٤٩٣ - باب الوفاء بالعهد.
٤٩٤ - باب غزوة الأحزاب.
٤٩٥ - باب غزوة أحد.
٤٩٦- باب ما لقى النبى 8 2 من أذى
المشركين والمنافقين.
٤٩٧ - باب قتل أبي جهل.
٨١
٤٩٨- باب قتل كعب بن الأشرف
طاغوت اليهود.
٤٩٩ - باب غزوة خيدر.
٥٠٠- باب غزوة الأحزاب وهى الخندق.
٥٠١ - باب غزوة ذى قرد وغيرها.
٥٠٢ - باب قول اللّه تعالى: ﴿وَهُوَالَّذِي كَفَّ
أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ .... ﴾.
٥٠٣- باب غزوة النساء مع الرجال ، والرضوخ
لهن.
٥٠٤ - باب عدد غزوات النبي #.
٥٠٥ - باب غزوة ذات الرقاع.
٥٠٦ - باب كراهة الاستعانة فى الغزو بكافر.
٨٢
(٤٦٨) باب جواز الإغارة على الكفار
الذين بلغتهم دعوة الإسلام
٣٩٦٩ - { عَنِ ابْنِ عَوْنٍ(١) قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عَنِ الدُّعَاءِ قَبْلَ الْقِتَالِ. قَالَ: فَكْعَبَ
إِلَيَّ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الإِسْلامِ. قَدْ أَغَارَ رَسُولُ اللَّهِع ◌َلَّ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ
وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ، فَقَتَّلَ مُقَاتِلَهُمْ وَسَبِى سَبْيَهُمْ وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ (قَالَ يَحْيَى أَحْسِبُهُ
قَالَ) جُوَيْرِيَةَ (أَوْ قَالَ الْبِحَّةَ) ابْنَةَ الْحَارِثِ. وَحَدَّثَِّي هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرٌ وَكَانَ فِي
ذَاكَ الْجَيْشِ.
٣٩٧٠ - - وفي رواية عَنِ ابْنِ عَوْنٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ وَقَالَ: جُوَيْرِيَةً بِنْتَ
الْحَارِثِ. وَلَمْ يَشُكَّ.
٣٩٧١ - - وفي رواية عَنْ سُفْيَانٍ(٢) قَالَ: أَمْلاهُ عَلَيْنَا إِمْلاءً.
المعنى العام
إن الجهاد فى سبيل اللَّه هدفه تبليغ الدعوة الإسلامية إلى الناس، وتحقيق حريتهم فى اختيار
دينهم، ولا إكراه فى الدين، بعد أن تبين الرشد من الغى إن الحكام كانوا يخدعون الرعية بمعسول
القول أحيانا، ويخضعونهم ويلرمونهم دينا معينا بالبطش والقهر أحيانا أخرى، فلإزالة هاتين
العقبتين كان الجهاد وكان القتال، وكان الحديث الشريف ((أمرت أن أقائل الناس حتى يقولوا: لا
إله إلا اللَّه. فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللَّه)) وكان كتاب النبى
# لعظيم الروم ((أسلم تسلم. يؤدك الله أجرك مرتين)) وكان رسول اللّه* قبل أن يقائل يدعو القوم
المقصودين إلى الإسلام أولا، ولا يأخذهم على غرة، فلما انتشر الإسلام، بواسطة البعوث والوفود
والسرايا، وأصبح الكافرون كافرين بعد معرفة الإسلام معرفة كافية ، حتى كان اليهود والنصارى
يعرفون نبى الإسلام كما يعرفون أبناءهم، لم تكن هناك حاجة إلى دعوة الكافرين قبل قتالهم، لئلا
يستعدوا للقتال ويؤلبوا القبائل، بل جاز أخذ أهل الغدروهم غافلون، على غرة كما فعل صلى اللّه عليه
وسلم مع بنى المصطلق فى السنة الخامسة من الهجرة.
(١) حَدَّثَّا يَخْتَى بْنُ يَحْبَى التَّمِيمِيُّ حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ
- وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّىِ حَدَّثَا ابْنُ أَبِي عَدِي
(٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا وَكِيْعُ بْنُ الْجَرَّحِ عَنْ سُفْيَانٌ ح وحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبُرَنَّا يَحْيّى بْنُ آدَمَ
حَدَّثَنَّا سُفْيَانُ
٨٣
المباحث العربية
(أسأله عن الدعاء قبل القتال) أى دعاء الكفار إلى الإسلام قبل مقاتلتهم.
(إنما كان ذلك فى أول الإسلام) أى فى أوائل الهجرة، وقبل غزوة بنى المصطلق،
وكان ذلك لتعريف الناس بالإسلام، وتبليغهم دعوته، لتقام علبهم الحجة قبل قتالهم، أما
بعد أن ذاع الإسلام فى الجزيرة العربية وانتشر، وعرفه القاصى والدانى، فلم نعد هناك
حاجة إلى دعوة الذين يقاتلون إلى الإسلام قبل قتالهم، ثم استدل ببنى المصطلق على ما
يقول، وفى المسألة خلاف يأتى فى فقه الحديث.
(قد أغار رسول اللَّه ◌َ على بنى المصطلق وهم غارون) بتشديد الراء، جمع غار،
بالتشديد، أى غافل، ويقال: أغار عليهم أى دفع عليهم الخيل، وأوقع بهم على غرة، أو على غير غرة.
وينو المصطلق، بضم الميم وسكون الصاد وفتح الطاء وكسر اللام بعدها قاف، وهو لقب، واسمه
جزيمة بن سعد بن عمر بن ربيعة بن حارثة، وبنو المصطلق بطن من بنى خزاعة، والإغارة عليهم
كانت فى شعبان سنة خمس من الهجرة على الصحيح.
(وأنعامهم تسقى على الماء) هذا دليل الأخذ على غرة، ((وتسقى)) بالبناء للمجهول، وكان لهم
بئرماء يسمى المريسيع، وكان رئيسهم الحارث بن أبى ضرار، وقد بلغ النبى 18# أن الحارث جمع
جموعاً لقتاله، فندب النبى# الصحابة لمباغتته قبل أن يجمع أمره، وكان الحارث قد أرسل عبنا
تأتيه دخبر المسلمين، فظفروا به فقتلوه، ووصل المسلمون فجأة إلى بئر المريسيع، فصف الرسول وعلاج
أصحابه للقتال، ورموهم بالنبال، وهم على الماء، وحملوا عليهم حملة واحدة.
(فقتل مقاتلتهم) وأحاط بهم، فلم ينج منهم أحد، قتل منهم عشرة، وأسر الباقون
رجالاً ونساء وذرية.
(وأصاب يومئذ ((جويرية)) - أو البتة - ابنة الحارث) أصل الإسناد: حدثنا يحيى بن
يحيى التميمى. حدثنا سليم بن أخضر عن ابن عون. قال النووى: معناه أن يحيى بن يحيى قال:
أصاب يومئذ ابنة الحارث، وأظن شيخى سلبم بن أخضر سماها فى روايته ((جويرية)) أو أعلم ذلك
وأجزم به، وأقول: البتة، وحاصله أنها جويرية، فيما أحفظه، إما ظنا، وإما علما. وفى ملحق الرواية
قال: هى جويرية بنت الحارث، بلا شك. اهـ
ومعنى ((ألبتة)) أى جزما وقطعا، فيحيى قبل أن يقول: ((جويرية)) وحين قالها، كان يظن ويشك
أن شيخه سماها، ثم بعد أن نطق بها تذكر وتيقن أن ما قاله لاشك فيه، فجزم به، وقال: جزما وقطعا
أن شيخى سماها: جويرية ابنة الحارث بن أبى ضرار المصطلقى.
وقصتها: أنها - رضى الله عنها - وقعت فى سبايا بني المصطلق، سنة خمس أو ست من الهجرة
٨٤
وكانت تحت مسافع بن صفوان المصطلقى، وكانت عند توزيع الغنائم فى سهم ثابت بن قيس،
فكاتبته على نفسها، وأنت رسول اللّه * تستعينه فى كتابتها، وقالت: يارسول الله، أنا جويرية بنت
الحارث، سيد قومه، وقد أصابنى من البلايا ما لم يخف عليك، وقد كانبت على نفسى، فأعنى على
كتابتى. فقال صلى الله عليه وسلم: أو خير من دلك؟ أؤدى عنك كتابتك وأنزوجك؟ فقالت: نعم.
ففعل ذلك، فبلغ الناس أنه قد تزوجها، فقالوا: أصهار رسول الله:﴿؟ فأرسلوا ما فى أيديهم من بنى
المصطلق، فلقد أعتق اللَّه بها مائة أهل بيت من بنى المصطلق.
فمعنى ((وأصاب يومئذ جويرية)) أى غنمها ضمن السبايا، والمعنى حازها وتزوجها.
فقه الحديث
موضوع هذا الحديث: هل يشترط دعاء الكافرين إلى الإسلام عند قتالهم؟ قبل الإغارة
علبهم؟ لجواز أن يسلموا فلا يقاتلوا؟ وهى مسألة خلافية. وطاهر الحديث أن اشتراط ذلك
كان أول الهجرة، حيث كان الكفارلم نبلغهم الدعوة، ولم ينضح لهم الإسلام، أما بعد أن
بلغت دعوة الإسلام الجزيرة العربية وغيرها فلا يشترط ذلك. ذهب إلى ذلك الأكثرون، قال
النووى: فى هذه المسألة ثلاثة مذاهب: أحدها: يجب الإنذار مطلقاً - أى بلغتهم الدعوة، أو
لم تبلغهم الدعوة- قال: وهذا ضعيف، والثانى: لا يجب مطلقا، وهذا أضعف منه أو باطل،
الثالث: يجب إن لم تبلغهم الدعوة، ولا يجب إن بلغتهم، لكن يستحب، وهذا هو الصحيح،
وبه قال نافع مولى ابن عمر، والحسن البصرى والثورى والليث والشافعى وأبو ثوروابن
المنذر والجمهور. قال ابن المنذر: وهو قول أكثر أهل العلم، وقد تظاهرت الأحاديث
الصحيحة على معناه، فمنها هذا الحديث، وحديث قتل كعب بن الأشرف، وحديث قتل
أبى الحقيق.اهـ
وقد نص الشافعى على أن من وجد ممن لم تبلغه الدعوة لم يقاتل حتى يدعى، وقال مالك من
قربت داره قوتل بغير دعوة، لاشتهار الإسلام، ومن بعدت داره فالدعوة أقطع للشك، وروى سعيد بن
منصور بإسناد صحيح عن أبى عثمان النهدى أحد كبار التابعين، قال: كنا ندعو وندع. قال الحافظ
ابن حجر: وهو منزل على الحالين المتقدمين.
قال النووي: وفى هذا الحديث جواز استرقاق العرب، لأن بنى المصطلق عرب من خزاعة، وهذا
قول الشافعى فى الجديد، وهو الصحيح، وبه قال مالك وجمهور أصحابه، وأبو حنيفة والأوزاعى
وجمهور العلماء، وقال جماعة من العلماء: لا يسترقون، وهذا قول الشافعى فى القديم.
واللَّه أعلم
٨٥
(٤٦٩) باب تأمير الأمراء على البعوث ووصاياهم
٣٩٧٢ - ٣ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ رَ﴾(٣) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ إِذَا أَمَّرَ
أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ «اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ. اغْزُوا وَلا تَغُلُّوا
وَلا تَغْدِرُوا وَلا تَمْثُلُوا وَلا تَقْتُلُوا وَلِيدًا. وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ
إِلَى ثَلاثِ خِصَالِ (أَوْ خِلالِ) فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ
إِلَى الإِسْلامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ
إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخِْرْهُمْ أَتَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا
عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتْحَوَّلُوا مِنْهَا، فَأَخْرُهُمْ أَنْهُمْ يَكُونُونٌ كَأَغْرَابِ
الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلا يَكُونُ لَهُمْ فِي
الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٍ إِلا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ،
فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ. وَإِذَا
حَاصَّرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِّهِ فَلاَ تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ
اللَّهِ وَلا ذِمَّةَ فَبِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا
ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَهُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ. وَإِذَا
حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلاَ تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمٍ
اللَّهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَّى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللّهِ فِيهِمْ أَمْ لا».
٣٩٧٣- ٤ وفي رواية عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ(٤) عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ مَّ
إِذَا بَعَثَ أَمِيرًا أَوْ سَرِيَّةٌ دَعَاهُ فَأَوْضَاهُ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانٌ.
٥١٠
(٥).
(٣) وحَدَّنِي عِبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ (وَاللّفْظُ لَهُ) حَدَّقِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ (يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ) حَدَّثَنَا سُفْيَادُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْتَدٍ عَنْ سُلَيْمَانٌ
ابْنِ بُرَيْدَةً
- قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا أَوْ نَحْوَهُ وَزَادَ إِسْحَقُ فِي آخِرِ حَدِيثِ عَنْ يَحْتِى بْنِ آدَمَ قَالَ فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّان
قَالَ يَحْتِى يَعْنِي أَنَّ عَلْقَمَةَ يَقُولُهُ لابْنِ حَيَّانِ فَقَالَ حَدَّثَنِيَ مُسْلِمُ بْنُ هَيْصَمٍ عَنِ النَّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّن عَنِ النَّبِيِّ :﴿َ نَحْوَهُ.
(٤) وحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ حَدَّثَنِيَ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنْ عَبْدِ الْوَارِثِ حُّدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَثَيِي غَلْقَمَةُ بَنُ مَرْثَدٍ أَنَّ سُلَيْمَانٌ
ابْنَ بُرَيْدَةً حَدَّثَهُ
(٥) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْقَرَّاءُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا
٨٦
٣٩٧٤ - { عَنْ أَبِي مُوسَى ◌َُّ(٦) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ،وَ ◌ّ إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي
بَعْضٍ أَمْرِهِ قَالَ «بَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا».
٣٩٧٥- لَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةً(٧) عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ﴿ أَنَّ الْبِيََّّبَعَثَهُ وَمُعَاذَا إِلَى
الْيَمَنِ فَقَالَ «يَسِّرَا وَلا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَهَا وَلا تَخْتَلِفَا».
٣٩٧٦ - - عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةً عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهَِّلُ عَنِ النَّبِيِّوَّ نَحْوَ حَدِيثِ شُعْبَةً
وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ زَيْدٍ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ «وَتَطَاوَعَا وَلا تَخْتَلِفًا».
٣٩٧٧- ١ِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَ﴾(٨) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿٣«يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا،
وَسَكِّنُوا وَلا تُنَفِّرُوا».
المعنى العام
إن حاكم الدولة هو السلطة العليا، التى تعين السلطات الأخرى التى تحتها، ولا يجوز الخروج
عليها إلا فى حالات حددها الشارع، ولا يجوز أن يولى الإنسان نفسه على بعض الولايات الخاضعة
السلطان الحاكم الأعلى، إلا فى ضرورات حددها الشارع، كأن يتعين للولاية، وتتعذر مراجعة الإمام،
ويتفق عليه من سيدخل فى حكمه وتحت إمرته، حينئذ تثبت الولاية له شرعا، وتجب طاعته حكما.
لقد كان رسول اللَّه حاكم الدولة الإسلامية، لا يصدرون إلا عن أمره، حتى فى خاصة أنفسهم،
عملا بقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ
أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَّلَّ ضَلالا مُبَيْنًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] وكان يؤمر الأمراء، ويولى الولاة
والقضاة، والعاملين على الزكاة والجزية، ويبعث البعوث والمعلمين للدين وشريعته، ومابعث اثنين إلا
أمر أحدهما، وما أمر أحدا إلا وعظه ونصحه ووصاه بتقوى الله فى أمر نفسه، وفى أمر من يتولى أمره،
وأن يرفق بمن ولى عليهم وأن يتفق مع شركائه فى الولاية ويطيعهم، وأن يبشر و لاينفر، وييسرولا
يعسر، وأن يدعوهم بالتى هى أحسن إلى الإسلام، ويبين لهم معالمه وشرائعه وأهدافه وحكم مشروعيته
(٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ فَالا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ
عَنْ أَبِي مُوسَى
(٧) حَدْثَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَثَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةً عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي بُرْدَةً
- وحَدَّثَّا مُحَمَّدُ بَّنَ عَبَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِوح وِحَدَّثْنَا إِسَّحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي خَلَفٍ عَنْ زَكْرِيَّاءَ بْنٍ عَدِيِّ أَخْبُرَنَا
عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةٌ كِلاهُمَا عَنْ سَعِيْدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةً
(٨) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَّاَذٍ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَاً شَعْبَةُ عَنْ أَبِي الْيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ ح وحَدََّا أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي شَيْئَةً
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَ وَحَدَّثََّا مُّحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَّا مُحْمَّدُ بَّنُ جَعْفَرٍ كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةً عَنْ أَبِيَ النَّاحِ
قَالَ سَمِعْتُ أَنْسَ بْنَ مَالِكٍ
٨٧
ليقنعهم به، فإن أسلموا - وكان ذلك قبل فتح مكة - رغبهم فى الهجرة إلى المدينة ليغزو مع الغازين،
وليغنموا مع الغانمين، فإن هم أبوا أن يسلموا فعليهم الجزية دينار أو نحوه فى العام، مقابل حمايته
وهو على دينه، فإن أبى الإسلام والجزية فالسيف هو الحكم، وكان * يوصى أمراء الجيوش أن لا
يعطوا لأعدائهم عهد اللَّه، فقد يضطرون إلى مقابلة الغدر بالغدر، ولكن يعطون عهد أنفسهم فإذا
نقضوا عهد أنفسهم كان أهون من أن ينقضوا عهد الله تعالى.
المباحث العربية
(إذا أمر أميرا) يقال: أمر فلانا بتشديد الميم مع فتح الهمزة، أى صيره أميرا، أى حاكما.
والأصل أمر رجلا، فصار بالتأمير أميرا.
(على جيش أو سرية) السرية بفتح السين وكسر الراء ونشديد الباء.
وهى القطعة من الجيش، تخرج منه، وتغير، ونرجع إليه، وهى من مائة إلى خمسمائة، فما زاد
على خمسمائة يقال له: منسر، فإن زاد على ثمانمائة سمى جبشا، وما بينهما يسمى هبطة، فإن زاد
على أربعة آلاف يسمى جحفلا، فإن زاد فجيش جرار، والخمبس الجيش العظيم، والكتببة ما اجتمع
ولم ينتشر كذا ذكر الحافظ ابن حجر.
قيل: سميت سرية لأنها نسرى فى الليل غالبا، فعيلة بمعنى فاعلة، يقال: سرى وأسرى
إذا ذهب ليلا، وقيل: سميت بذلك لأنها تخفى ذهابها، وكأنها مأخوذة من السر، وهو لا
يصح، لاختلاف مادة الكلمة.
(أوصاه فى خاصته) أى فيما يختص به دون غيره.
(ومن معه من المسلمين خيرا) ((ومن معه)) معطوف على ((خاصته)) والتقدير: أوصاه فيما
يخصه بتقوى الله، وأوصاه فيما يعم من معه من المسلمين خبرا.
(اغزوا، ولا تغلوا) الأمر للأمير وجنده، وكرر الأمر بالغزو للتأكيد للأهمية، أوليربط به عن قرب
ما يتعلق بالغزو من الوصايا، والغلول بضم الغدن واللام الخبانة فى المغنم، سمى بدلك لأن آخذه يغله
فى متاعه، أى يخفيه فيه، يقال: غل بفتح الغين يغل بضمها غلولا، أما غل بفتحها يغل بكسرها غلا
بكسرها وغليلا فمعناه كان ذا حقد وضغن أو غش.
(ولا تغدروا) بكسر الدال، أى لاتنقضوا العهد، وأوفوا بالعهود، يقال: غدر بفتحات يغدر بكسر
الدال، غدرا بسكونها، فهو غادر، وجمعه غدرة بفتح الغين والدال والراء، وهو غدار بتشديد الدال، وغدور
بفتح الغين.
(ولاتمثلوا) بفتح التاء وضم الثاء بينهما ميم ساكنة، كذا الرواية، من مثل بفتح الميم والثاء
٨٨
يقال: مثل بفلان مثلا بفتح الميم وبسكون الثاء، ومثلة بضم الميم وسكون الناء، أى نكل به، بجدع
أنفه، أو قطع أذنه، أو غيرهما من الأعضاء، ومِثْلُه مثل بتشديد التاء تمثلا، والتشديد للمبالغة.
(ولا تقتلوا وليدا) الوليد المولود حين يولد، والصبى إلى أن يبلغ، للذكر والأنثى، ويقال: وليدة،
مؤنث ولید.
(وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال - أوخلال) وجه الأمر إلى
القائد لأنه واجبه، أما الأوامر والنواهى السابقة فهى نعمه هو وجنده، والمراد ادعهم إلى واحدة من
ثلاث خلال مرتبة، لا تنتقل إلى الثانية إلا بعد رفض التى قبلها. والخصلة بفتح الخاء وسكون الصاد،
فى خلق الإنسان تكون فضيلة أو رذيلة، والجمع خصال، والخلة بفتح الخاء الخصلة، يقال: فيه خلة
حسنة وخلة سيئة، وقوله ((أو خلال)) شك من الراوى.
(ثم ادعهم إلى الإسلام) قال النووى: هكذا هو فى جميع نسخ صحيح مسلم ((ثم ادعهم)) قال
القاضى عياض: صواب الرواية ((ادعهم)) بإسقاط ((ثم)) وقد جاء بإسقاطها على الصواب فى كتاب
أبى عبيد وفى سنن أبى داود وغيرهما، لأنه تفسير للخصال الثلاث، وليست غيرها، وقال المازرى:
ليست ((ثم)) هنا زائدة، بل دخلت لاستفتاح الكلام والأخذ. اهـ ومعنى هذا أنها تفيد ابتداء الكلام،
ولبست لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وهذا لا يختلف عن كلام القاضى إلا من حيث التوجيه، بدلا
من التخطئة.
(فإن أجابوك) إلى دعوتك وأسلموا.
(ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين) أى المدينة المنورة، وسيأتى
تفصيل الحكم الشرعى للهجرة فى فقه الحديث.
(فإن أبوا فسلهم الجزية) ((الجزية)) من فعلة، اسم هيئة من جزأت الشىء إذا قسمته، ثم
سهلت الهمزة، وقيل: فعلة من جزى يجزى جزاء، لأنها جزاء تركهم ببلاد الإسلام، وحماية أهله لهم،
وقيل: فعلة من أجزأ يجزئ إجزاء، لأنها نكفى من توضع علبه فى عصمة دمه. وسيأتى الكلام عن
مقدارها وعمن تؤخذ منه فى فقه الحديث.
(فلا تجعل لهم ذمة اللَّه ولا ذمة نبيه) الذمة العهد والأمان والكفالة.
(فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون) ((تخفروا)) بضم التاء وسكون الخاء
وكسر العاء، من أخفر ذمته، أى نقض عهده وغدر، والخطاب لمن أعطى العهد، وأصحابهم من غابوا
عن إعطاء العهد ودخلوا فيه بإدخال قيادتهم لهم فبه، ولما كانوا عرضة لنقض العهد مع الكفار كجزاء
لنقض الكفار عهدهم كانت التوصية أن لا يقعوا شكلا فى نقض عهد اللّه ولو كان مجازاة.
(إذا بعث أحدا من أصحابه فى بعض أمره) أى بعث أحدا واليا، أو عاملا لجمع الزكاة، أو
قاضيا أو معلما للدين، أو مقاتلا فى سرية، أو غير ذلك.
٨٩
(بشروا، ولا تنفروا، ويسروا، ولا تعسروا) التبشير فى الأصل الإخبار بخبر يظهر أثره على
البشرة، خير أو شر، لكنه غلب على خبر الخير، وهو المراد هنا.
وقوله ((ولا تنفروا)) ليس من المقابلة الحقيقية، بل من المقابلة بالمعنى، إذ مقابل التبشير الإنذار،
ومقابل التنفير الإيناس، فجمع بينهما لبعم البشارة والإنذار، والتأنيس والتنفير، قاله الطيبى،
والتصريح بالمقابل أو اللازم للتأكيد. وقد اختلف العلماء: هل الأمر بشىء نهى عن ضده؟ أولا؟ فعلى
القول بأنه يلزم فهو تصريح باللازم.
وفى الرواية الرابعة ((وسكنوا ولا تنفروا)) يقال: سكن المتحرك جعله يسكن، أى هدئوا من روع
الناس، وعاملوهم المعاملة التى تريحهم.
(وتطاوعا ولا تختلفا) أى فليطع كل منكما صاحبه، أما النهى عن اختلافهما فمقصوده
استمرار المطاوعة ودوامها، لأنهما قد يتطاوعان فى وقت، ويختلفان فى وقت وقد يتطاوعان فى شىء
ويختلفان فى شىء.
فقه الحديث
عن دعوتهم للهجرة يقول النووى: معنى هذا الحديث أنهم إذا أسلموا استحب لهم أن يهاجروا
إلى المدينة، فإن فعلوا ذلك كانوا كالمهاجرين قبلهم فى استحقاق الفىء والغنيمة وغير ذلك، وإلا فهم
أعراب، كسائر أعراب المسلمين الساكنين فى البادية من غير هجرة ولا غزو، فتجرى عليهم أحكام
الإسلام، ولا حق لهم فى الغنيمة والفىء، وإنما يكون لهم نصيب من الزكاة إن كانوا بصفة
استحقاقها. قال الشافعى: الصدقات للمساكين ونحوهم، ممن لا حق لهم فى الفىء للأخبار، قال: ولا
يعطى أهل الفىء من الصدقات، ولا أهل الصدقات من الفىء، واحتج بهذا الحديث، وقول مالك وأبى
حنيفة: المالان سواء، ويجوز صرف كل واحد منهما إلى النوعين. وقال أبو عبيد: هذا الحديث
منسوخ، وإنما كان هذا الحكم فى أول الإسلام لمن لم يهاجر ثم نسخ ذلك بقوله تعالى ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ
بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] قال النووي: وهذا الذى ادعاه أبو عبيد لا يسلم له.
أما موضوع الجزية، ومن تقبل منهم، ومن لا تقبل منهم ففيه خلاف فقهى عريض، بعد اتفاقهم
على قبولها من أهل الكتاب، اليهود والنصارى، لقوله تعالى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ
الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يَعْطُواً
الْجِزْيَّةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
والخلاف فى قبول الجزية من المشركين، ومن المجوس، عريا أو عجما. هل تقبل منهم كأهل
الكتاب أولا تقبل منهم الجزية؟ وليس أمامهم إلا الإسلام أو السيف؟
فعن مالك: تقبل من جميع الكفار، إلا من ارتد، وبه قال الأوزاعى وفقهاء الشام، فيجوز عندهم أخذ
الجزية من كل كافر، عربياً كان أو عجميا، كتابيا كان أو مجوسيا، أو غيرهما.
٩٠
وهذا الحديث دليل لهم، فلفظه ((قاتلوا من كفر بالله ... فإن هم أبوا فسلهم الجزية))
وحكى ابن القاسم عن مالك: لا تقبل من قريش.
وقال الشافعى: تقبل من أهل الكتاب، عربا كانوا أو عجما، ويلتحق بهم المجوس فى ذلك، واحتج
بالآية المذكورة، فإن مفهومها أنها لا تقبل من غير أهل الكتاب، واستثنى المجوس من هذا المفهوم،
لأن النبى أخذها منهم. قال أبو عبيد: ثبتت الجزية على اليهود والنصارى بالكتاب، وعلى
المجوس بالسنة. اهـ
وكان عمر يرفض أخذ الجزية من المجوس، حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول اللّه ◌ِ ﴾
أخذها من مجوس هجر. رواه البخارى، فكتب عمر لواليه: انظر مجوس من قبلك، فخذ منهم الجزية،
فإن عبد الرحمن بن عوف أخبرنى .. ((قال ابن عباس: فأخذ الناس بقول عبد الرحمن بن عوف.
وفى الموطأ عن جعفر بن محمد عن أبيه ((أن عمر قال: لا أدرى ما أصنع بالمجوس؟ فقال عبد
الرحمن بن عوف: أشهد. لقد سمعت رسول اللّه # يقول: سنوا بهم سنة أهل الكتاب)» وأخرج
الطبرانى الحديث بلفظ «سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب)).
قال مالك فى الجزية: واستدل بقوله ((سنة أهل الكتاب)) على أنهم ليسوا أهل كتاب، لكن روى
الشافعى وعبد الرزاق وغيرهما بإسناد حسن، عن على ((كان المجوس أهل كتاب يقرءونه، وعلم
يدرسونه، فشرب أميرهم الخمر، فوقع على أخته، فلما أصبح دعا أهل الطمع فأعطاهم، وقال: إن آدم
كان ينكح أولاده بناته، فأطاعوه، وقتل من خالفه، فأسرى على كتابهم، وعلى مافى قلوبهم منه، فلم
يبق عندهم منه شيء)).
وفرق الحنفية بين مجوس العجم ومجوس العرب، فقالوا: تؤخذ من مجوس العجم دون مجوس
العرب، وحكى الطحاوى عنهم: تقبل الجزية من أهل الكتاب ومن جميع كفار العجم، ولا يقبل من
مشركى العرب إلا الإسلام أو السيف. وحديثنا يعارضهم، ففى لفطه ((وإذا لقيت عدوك من
المشركين ... فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم)).
أما مقدار الجزية فيتفاوت، وأقلها عند الجمهور دينار لكل سنة، وخصه الحنفية بالفقير، وأما
المتوسط فعليه ديناران، وعلى الغنى أربعة دنانير، وعند الشافعية أن للإمام أن يماكس، حتى يأخذها
منهم، وبه قال أحمد. وأخرج أصحاب السنن وصححه الترمذى والحاكم أن النبى ( * حين بعث
معاذا إلى اليمن قال له: ((خذ من كل حالم دينارا)) واختلف السلف فى أخذها من الصبى، فالجمهور
على أنها لا تؤخذ منه، عملا بمفهوم الحديث السابق، وكذا لا تؤخذ من شيح فان، ولا زمن، ولا امرأة،
ولا مجنون، ولا عاجز عن الكسب، ولا أجير، ولا أصحاب الصوامع.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١ - تحريم الغدر
٩١
٢- وتحريم الغلول
٣- وتحريم قتل الصبيان إذا لم يقاتلوا.
٤ - وكراهة المتلة.
٥- واستحباب وصية الإمام أمراءه وجيوشه بتقوى الله تعالى، والرفق بأتباعهم، وتعريفهم ما
يحتاجون فى غزوهم، وما يجب عليهم، وما يحل لهم، وما يحرم عليهم، وما يكره وما يستحب.
٦- وفيه ححة لمن يقول: ليس كل مجتهد مصببا، بل المصيب واحد، وهو الموافق لحكم الله تعالى
فى نفس الأمر.
٧- وفيه الأمر بالتبشير بفضل اللّه وعظيم ثوابه، وجزيل عطائه وسعة رحمته
٨- والنهى عن التنفير، بذكر التخويف وأنواع الوعيد من غير ضمها إلى التبشير.
٩-وفيه تأليف من قرب إسلامه، وترك التشديد عليهم.
١٠- وفيه أمر الولاة بالرفق، واتفاق المشاركين فى ولاية ونحوها.
١١- وفيه وصية أهل الفضل والصلاح كمعاذ وأبى موسى رضى الله عنهما، فإن الذكرى تنفع
المؤمنين.
واللَّه أعلم
٩٢
(٤٧٠) باب تحريم الغدر
٣٩٧٨ - ٩ْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٩) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ّ «إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الأَوَّلِينَ
وَالآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، فَقِيلَ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلانِ بْنِ فُلانٍ».
٣٩٧٩ - ٣٠ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١٠) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ لَّ «إِنَّ الْغَادِرَ
يَنْصِبُ اللَّهُ لَهُ لِوَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ أَلا هَذِهِ غَدْرَةُ فُلانٍ».
٣٩٨٠ - ل عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١١) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ يَقُولُ
«لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
٣٩٨١ - ١٣ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ضِ﴾(١٢) عَنِ النّبِيِّ ﴿ قَالَ «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ هَذِهِ
غَدْرَةُ فُلانٍ».
٣٩٨٢ - - وفي رواية عَنْ شُعْبَةَ فِي هَذَا الإِسْنَادِ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «يُقَالُ هَذِهِ
غَدْرَةٌ فُلانٍ».
٣٩٨٣ - ١٣ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﴾(١٣) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ ﴿ِ «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
يُعْرَفُ بِهِ يُقَالُ هَذِهِ غَدْرَةٌ فُلانٍ».
٣٩٨٤ - ٤ٍَ عَنْ أَنَسِ ظُ(١٤) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِمَ ﴿ِ«لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بهِ».
(٩) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ وَأَبُو أُسَامَةَ ح وحَدَّثِّي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنُ سَعِيدٍ يَعْنِي أَبَا قُدَامَةً
السَّرَّخْسِيَّ قَالا حَدَّثَنَا يَخْتَى وَهُوّ الْقَطّانُ كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَيْرٍ وَاللّفْظُ لَهُ حَدَّثَنَا أَبِي
حَدَّثَّا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرٌ
- حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّدٌ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ حِ وحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ حَدَّثَنَا عَقَّادُ حَدََّنَا صَخْرُ
ابْنُ جُوَّيْرِيَّةً كِلاهُمَّا عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النّبِيِّ ◌ِ﴿لَ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
(١٠) وحَدَّثَنَا يَّحْتِى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَِّةُ وَّابْنُ حُجْرٍ عَنَّ إِسْمَعِيلَ بْنَ جَعْفَرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرٌ يَقُولُ
(١١) حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى أَخْبُرَنَا ابْنُ وُّهْبٍ أَخْبَرَنِي يُوَنُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حَمْزَةَ وَسَالِمٍ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ
عَبْدَاللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ:
(١٢) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّيِ وَابْنُ بَشَّارٍ قَالا حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِيٍ عَدِيٍّ ح وحَدَّيِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ أَخْبُرَنَا مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ
كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةً عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِّي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
- وحَدَّثَاهُ إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْرَنَا النّضْرِّ بْنُ شَمَيْلٍ ح وحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةً
(١٣) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِيَ شَيْئَةً حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ آدَمَ عَنَّ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبَّدِ اللّهِ
(١٤) حَدَّثَّا مُحَمَّدُ بَنُ الْمُثَنِّى وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالاَ حَدَّثَنَاَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيِّ عَنْ شُغْبَةً عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ
٩٣
٣٩٨٥ - ١ْ٥ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ◌َُ(١٥) عَنِ النَّبِيِّ{ ﴿ قَالَ «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
٣٩٨٦ - لّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَ﴾(١٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ ﴿ِ «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرٍ غَدْرِهِ أَلا وَلا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرٍ عَامَّةٍ».
المعنى العام
يقول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْنُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ويقول ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا
عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧] ويقول ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] ويقول صلى اللَّهَ عليه وسَلم
((آية المنافق ثلاث. إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)).
فالغدر وعدم الوفاء بالعهد حرام باتفاق العلماء فى الشريعة الإسلامية، بل هو لا يليق بالرجال
الأحرار ذوى الشهامة والمروءة والنجدة فى عرف العقلاء، وكان العرب يتمدحون بخلق الوفاء بالعهد
ويفخرون به، ويحرصون عليه، ولو كان فى ذلك قتل لأبنائهم فلذة أكبادهم.
وأكبر وعبد على جريمة الغدر بالعهود، ذلك الوعيد المذكور فى هذا الحديث، حيث يعلن على ملأ
الخلائق، فى الموقف العظيم، يوم يجمع اللَّه الأولين والآخرين، يعلن إعلان عن كل غادر، ترفع راية
عالية على رءوس الخلائق، مرتكزة على عجز الغادر، مكتوب عليها. انظروا أيها الناس إلى هذا الغادر،
إنه فلان بن فلان. غدر بكذا يوم كذا، فيكون فى ذلك فضيحته، جزاء غدره، ﴿فَمَنْ نَکَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ
عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠].
-
المباحث العربية
(إذا جمع اللَّه الأولين والآخرين يوم القيامة) يبدأ يوم القيامة بالبعث من
القبور، وينتهى بدخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وفيه الموقف العظيم، وهو
المقصود بجمع الأولين والآخرين.
(يرفع لكل غادر لواء) الغادر هو الذى يواعد على أمر ولا يفى به، وفى حديث علامات المنافق
((إذا عاهد غدر)» يقال: غدر بفتح الدال يغدر بكسرها: نقض عهده، وترك الوفاء به، فهو غادر، وجمعه
غدرة بفتحات، وهو غدار وغدور.
(١٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ خُلَيْدٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
(١٦) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَّدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا الْمُسْتَمِرُّ بْنُ الرِّيَّنِ حَدَّثَنَا أَبُو نَضَّرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
٩٤
واللواء بكسر اللام والمد هى الراية، ويسمى أيضا العلم، وكان الأصل أن يمسكه رئيس الجيش، ثم
صارت تحمل على رأسه، وقيل: اللواء غير الراية، فاللواء ما يعقد فى طرف الرمح، ويلوى عليه، والراية
ما يعقد فيه، ويترك حتى تصفقه الرياح، وقيل: اللواء دون الراية، وقيل: اللواء العلم الضخم، والعلم
علامة على محل الأمير، يدور معه حيث دار، والراية يتولاها صاحب الحرب وجنح الترمذى إلى
التفرقة، فترجم بالألوية، وأورد حديث جابر ((أن رسول اللَّه # دخل مكة ولواؤه أبيض)» ثم ترجم
الرايات، وأورد حديث البراء ((أن راية رسول الله ﴿ كانت سوداء مربعة من نمرة)) وحديث ابن
عباس «كانت رايته سوداء، ولواؤه أبيض)) وروى أبو داود عن رجل)) رأيت راية رسول اللَّه ◌ُ ﴿ صفراء))
قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بينها باختلاف الأوقات. وعند ابن أبى الشيخ ((كان مكتوبا على
رايته: لا إله إلا الله محمد رسول الله)) وعن رفع اللواء للغادر يوم القيامة يقول القرطبى: هذا خطاب
منه صلى الله عليه وسلم للعرب، بنحو ما كانت تفعل، لأنهم كانوا يرفعون للوفاء راية بيضاء، وللغدر
راية سوداء، ليلوموا الغادر ويذموه، فاقتضى الحديث وقوع مثل ذلك للغادر، ليشتهر بصفته يوم
القيامة، فيذمه أهل الموقف، وأما الوفاء فلم يرد فيه رفع لواء مغاير، ولا يبعد أن يقع ذلك.اهــ .. فرفع
اللواء حقيقة، ولا يحتاج الرفع إلى من يحمله، وأما مقدار رفعه فيكفى فيه أن يراه أهل الموقف، وأما
بدء اللواء المرفوع فقد تعرضت له الرواية السادسة، ولفظها ((عند استه)) والاست العجز، وقد يراد بها
حلقة الدبر، وهى مؤنث، وهمزته همزة وصل، وأصله السته. وقد بينت الرواية الخامسة الغرض من رفع
اللواء بأنه لبعرف، أى لبشتهر بين الناس، ليذم فهو من باب التشهير.
(يقال: هذه غدرة فلان بن فلان) الظاهر أن القول هنا ليس على حقيقته، وأن المراد به
الإعلان أى يعلن اللواء عن مكان العدرة وصاحبها، وربما يكون اللواء مكتوبا عليه هذا المقول، والغدرة
اسم مرة، وهل هذا اللواء لكل من وقع منه الغدر؟ قلبلا؟ أو كثيرا؟ عظمت الغدرة؟ أو حقرت؟ الظاهر
أن التشهير لا يكون إلا بمن تعود ذلك وكثر منه، كما توحى عبارة الحديث ((إذا عاهد غدر)) أو كانت
الغدرة عظيمة، تلحق آثارها الكثيرين، فهو فى قوة غدرات، أما قوله فى الرواية السابعة ((يرفع له بقدر
غدره)» فالمراد منه أن التشهير ينتشر ويعلن بالدرجة التى وقع بها الغدر، لكن أصل التشهير لا
يستحقه من وقع منه غدرة صغيرة.
(لا غادر أعظم غدرا من أمير عامة) ((من أمير عامة)) بدون تنوين «أمير)) وأمير العامة أمبر
الناس عامة، أى أمير الدولة وحاكمها، وفى رواية للبخارى قال ابن عمر ((وإنا قد بايعنا هذا الرجل
أى يزيد بن معاوية على بيع اللَّه ورسوله، وإنى لا أعلم غدرا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله
ورسوله ثم ينصب له القتال».
فقه الحديث
الغدر حرام بانفاق، سواء كان فى حق المسلم أو الذمى، وقد ترجم البخارى لهذا الحديث بعنوان:
باب إثم الغادر البر والفاجر قال الحافظ ابن حجر: أى سواء كان من برلفاجر أولبر، أو من فاجر
٩٥
وفى الحديث غلظ تحريم الغدر، لا سيما من صاحب الولاية العامة، لأن غدره يتعدى ضرره إلى
خلق كثيرين، ولأنه غير مضطر للغدر، لقدرته على الوفاء.
وقال عياض: المشهور أن هذا الحديث ورد فى ذم الإمام إذا غدر فى عهوده لرعيته، أو لمقاتلته أو
للإمامة التى تقلدها، والتزم القيام بها، فمتى خان فيها، أو نرك الرفق فقد غدر بعهده، وقبل: المراد
نهى الرعية عن الغدر بالإمام، فلا تخرج عليه، ولا نتعرض لمعصيته، لما يترتب على ذلك من الفتنة.
قال: والصحيح الأول. قال الحافظ ابن حجر: ولا أدرى ما المانع من حمل الخبر على أعم من ذلك؟اهـ.
وبخاصة أن الذى فهمه ابن عمر من الحديث - كما ذكرنا فى المباحث العربية - هو غدر الرعبة
بعهدهم للإمام.
ويؤخذ من قوله ((هذه غدرة فلان بن فلان)) أن الناس يدعون يوم القيامة بآبائهم، قال ابن دقيق
العيد: وإن ثبت أنهم يدعون بأمهاتهم فقد يخص هذا من العموم.
وتمسك بهذا الحديث قوم، فقالوا بترك الجهاد مع ولاة الجور الذين يغدرون - حكاه الباجى.
وفيه أن العقوبة يوم القيامة قد تكون بنقبض القصد، قاله ابن المنير أخذا من روايتنا السادسة،
من لفظ ((لواء عند استه)) لأن عادة اللواء أن يكون عند الرأس، منصب عند السفل، زيادة فى فضبحته،
لأن الأعين غالبا تمتد إلى الألوية، فيكون ذلك سببا لامتدادها إلى التى بدت له ذلك اليوم، فتزداد بها
فضيحته
والله أعلم
٩٦
(٤٧١) باب جواز الخداع فى الحرب
٣٩٨٧ - ١٣ عَنْ جَابِرٍ وَ﴾(١٧) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِمَ ﴿ِ «الْحَرْبُ خَدْعَةٌ».
٣٩٨٨ - ثم١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَّهِ(١٨) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿: «الْحَرْبُ خَدْعَةٌ».
المعنى العام
للحرب أساليبها وفنونها، وهى تعتمد فى كثير من أحوالها على خداع كل طرف للطرف الآخر،
فليس الفوز فيها للقوة دائما، بل كثيرا ما نكون الحيلة سبب النصر، وكثيرا ما يكون إخفاء الخطط
والتطاهر بغير ما فى العزم والتصميم سببا فى الفوز، وقد كان صلى الله عليه وسلم يبعث من يفت فى
عضد الأعداء وعزيمتهم، ويخوفهم من قوة المسلمين، وقد يكون فى ذلك غير الصدق. ولو التزم
المسلمون الصدق فى أخبارهم حين الحرب مع الكفار، ولو التزم أبو بكر الصدق حين سأله الكفار عن
الرسول:# فى الهجرة لساءت النتيجة على الإسلام، وقد نام على له مكان الرسول# خدعة،
وكانت أسماء رضى اللَّه عنها نرعى أغنامها فى طريق الغار خدعة، فالحرب خدعة، رخص الإسلام
فى هذا الخداع للصالح العام، ولدفع الضررالأشد، ولجلب المصلحة الأعطم.
المباحث العربية
(الحرب خدعة) فى ((خدعة ((ثلاث لغات مشهورات، انفقوا على أن أفصحهن ((خَدْعة:))
بفتح الخاء وإسكان الدال. قال ثعلب وغبره: وهى لغة النبى ®®، والثانية بضم الخاء وإسكان الدال،
والثالثة بضم الخاء وفتح الدال، وحكى المنذرى لغة رابعة، بالفتح فيهما، وحكى مكى لغة خامسة
كسر أوله مع إسكان الدال. أما فتح الخاء وإسكان الدال فعلى بناء المصدر، من وصف الفاعل باسم
المصدر، أى إنها تخدع أهلها، أو من وصف المفعول باسم المصدر، كما يقال: هذا الدرهم ضرب
الأمير، أى مضروبه، وقال الخطابى: إنها على بناء اسم المرة، أى الحرب خدعة واحدة، وأى خدعة؟
فمن خدعته مرة صرعته، وأهلكته ولا عودة له، أو على معنى - إن كان للمسلمين - اخدعوا أعداءكم فى
الحرب، ولو مرة واحدة، وإن كان من الكفار فالمعنى احذروا خداع الكفار ومكرهم، ولو كان خداعهم
لمرة واحدة، فلا ينبغى التهاون بهم، لما ينشأ عنهم من المفسدة، ولوقل.
(١٧) وحَّدَثْنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ وَعَمْرٌوِ النَّقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَاللَّفْظُ لِعَلِيِّ وَزُّهَيْرٍ قَالَ عَلِيِّ أَخْبُرَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ قَالَ سَمِعَ عَمْرَّوْ جَابِرًا: يَقُولُ قَالَ ..
(١٨) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمٍ أَخْبُرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ أَخْبُرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
٩٧
وأما ضم الخاء وفتح الدال، فعلى صيغة المبالغة، أى كثيرة الخداع، كهمزة، ولمزة
وأما ضم الخاء مع إسكان الدال فعلى المصدر.
وأما الفتح فيهما فهو جمع خادع، أى أهلها بهذه الصفة، وكأنه قال: أهل الحرب خادعون.
هذا. ويقال: خدعت الرجل أخدعه خدعا وخدعا وخديعة وخدعة إذا أطهرت له خلاف ما تخفى،
ورجل خداع، وخدوع، وخدع، وخدعة، إذا كان خٍيا، وقال ابن العربى: الخديعة فى الحرب تكون
بالتورية، وتكون بالكمين، وتكون بخلف الوعد.
فقه الحديث
قال النووى: اتفق العلماء على جواز خداع الكفار فى الحرب وكيف أمكن الخداع، إلا أن يكون
فيه نقض عهد أو أمان، فلا يحل. اهـ.
وفى الحديث التحريض على أخذ الحذر فى الحرب، وفيه الإشارة إلى استعمال الرأى فى
الحرب، بل الاحتياج إليه آكد من الشجاعة.
ويجرنا هذا الحديث إلى حكم الكذب فى الحرب، وعند الترمذى من حديث أسماء بنت يزيد
مرفوعاً ((لا يحل الكذب إلا فى ثلاث، تحدث الرجل امرأته ليرضيها، والكذب فى الحرب، وفى
الإصلاح بين الناس »
وقد اختلف العلماء فى جواز الكذب فى هذه الثلاث؟ أو تقييده بالتلويح والتعريض، فقال النووى:
الظاهر إباحة حقيقة نفس الكذب فى الأمور الثلاثة، لكن التعريض أولى، وقال ابن العربى: الكذب
فى الحرب من المستثنى الجائز بالنص، رفقا بالمسلمين، لحاجتهم إليه لضعفهم، وليس للعقل فى
تحريمه ولا فى تحليله أثر إنما هو إلى الشرع.
وقال ابن بطال: سألت بعض شيوخى فقال: الكذب المباح فى الحرب ما يكون من المعاريض،
لا التصريح بالتأمين مثلا.
وقال المهلب: لا يجوز الكذب الحقيقى فى شيء من الدين أصلاً. اهـ
وعندى أن الترخيص بالكذب فى هذه الأمور الثلاثة نصا، وفى غيرها قياسا إنما هو من قبيل احتمال
أخف الضررين، واحتمال أخف الضررين واجب، أو مقدم ندبا على الأقل، ولا يقال حينئذ إن فعل
الضرر الأقل مباح فى حد ذاته، وكذا الكذب فى الأمور الثلاثة ونحوها، لا نقول إن الكذب حلال وجائز
فى حد ذاته، ولكنها تبيحه بالنسبة للضرر المترتب على عدمه. ومن غير هذه الثلاثة مثلا: لو أن
مجرما قاتلا سفاكا يجرى وراء إنسان ليقتله ظلما، فرأيت هذا المظلوم يختبئ فى خندق، فسألك
المجرم: هل رأيته؟ وأين هو؟ فهل تدل عليه ليقتله؟ أم تكذب؟ وهل تعاقب على الكذب حينئذ أو
تثاب؟ الجواب واضح. والله أعلم
٩٨
(٤٧٢) باب كراهة تمنى لقاء العدو والأمر بالصبر عند اللقاء
واستحباب الدعاء بالنصر عند اللقاء
٣٩٨٩ - ١٩ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ(١٩) أَنَّ النَّبِيِّ : ﴿ قَالَ «لا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ فَإِذَا
لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا».
٣٩٩٠ - ٣٠ عَنْ أَبِي النَّصْرِ عَنْ كِتَابِ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمُ(٢٠) مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّلَ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ
اللَّهِ ابْنُ أَبِي أَوْفَى، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ حِينَ سَارَ إِلَى الْحَرُورِيَّةِ، يُخْبِرَّهُ أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ وَ﴿ كَانَ فِي بَعْضٍ أَيَّامِهِ الَِّي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ يَنْتَظِرُ حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ قَامَ فِيهِمْ،
فَقَالَ يَا «أَيُّهَا النَّاسُ لاَتَتَمَّنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ. فَإِذَا لَقِيْتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا.
وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ» ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّفَ﴿هُ وَقَالَ «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ
وَمُجْرِيَ السَّحَابِ وَهَازِمَ الأَحْزَابِ اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ)».
٣٩٩١ - ٣١ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ◌َ﴾(٢١) قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِلِ﴿ عَلَى الأَحْزَابِ،
فَقَالَ «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ سَرِيعَ الْحِسَابِ اهْزِمِ الأَحْزَابَ. اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ)».
٣٩٩٢ - ٢٢. وفي رواية عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْقَى رَضِ﴾(٢٢) قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ بِمِثْلٍ حَدِيثِ
خَالِدٍ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ «هَازِمَ الأَحْزَابِ» وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ «اللَّهُمَّ».
٣٩٩٣ - - وفي رواية عَنْ إِسْمَعِيلَ بِهَذَا الإِسْنَادِ وَزَادَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ
«مُجْرِيَ السَّحَابِ».
٣٩٩٤- ٢٣ عَنْ أَنَسِ عَلَّهِ(٢٣) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِنَّ كَانَ يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ «اللَّهُمَّ إِنَّكَ إِن تَشَأْ لا
تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ».
(١٩) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ قَالا حَدََّا أَبُو عَامِرِ الْعَقَدِيُّ عَنِ الْمُغِيرَةِ (وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ)
عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٢٠) وحَلَِّنِي مُحَمَّدُ بَّنُ رَافِعٍ حَدَّثْنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي النَّصْرِ عَنْ كِتَابِ رَجُلٍ
(٢١) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إِسْمَعِيلٌّ بْنِ أَبِيَ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَىَ
(٢٢) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِيَ شَيْئَةً حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنْ إِسْمَعِيَلَّ بْنٍ أَبِي خَالِدٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْقَى
- وحَدَّثْنَاهُ إِسْخَّقُ بْنَ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ جَمِيعًا عَنِ ابْنَ عُبَيْنَةَ عَنْ إِسْمَعِيلَ
(٢٣) وحَدَّثِّي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ حَدَّثَنَا عَبَّدُ الصَّدِ حَدَّثَنَا خَمَّذٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنْسٍ
٩٩
المعنى العام
لم يشرع الجهاد وقتال الكفار لمجرد القتال والقتل، بل لنشر دين الله وتبليغ رسالة الإسلام، فإذا
ما تحقق الهدف بدون قتال كان خيرا كبيرا، من هنا نهى عن تمنى لقاء العدو وقتاله، فإن وقع كان
الأمر بالثبات والصبر، كما يقول اللَّه تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ
كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَّذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ
الصَّابِرِينَ ﴿ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًّا وَرِثَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا
يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [الأنفال: ٤٥ وما بعدها].
نعم. لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، وتحقيق الغاية بدون قتال، واسألوا اللَّه العافية إذا
وقع القتال، فإذا لقيتم عدوكم فاثبتوا، واصدروا على شدائد المعارك، مؤمنين بوعد ربكم، فقد تكفل
للمجاهد بإحدى الحسنيين، إما السلامة والغنيمة، وإما الجنة، فالجنة تحت ظلال سيوف
المجاهدين واذكروا الله كثيرا قبل المعارك، وفى شدتها، فقد كان رسول الله* يستعين بالدعاء على
النصر، وكان يقول: اللَّهم يا منزل القرآن لخيرى الدنيا والآخرة، يا مجرى السحاب والمطر نحن فى
حاجة إلى جريان رحمتك وفضلك ونصرك، ويا من هزمت الأحزاب وحدك يوم الخندق من غير قتال
اهزم الكفار وزلزل أقدامهم فى الميدان، وزلزل أحوالهم وأمورهم حتى لا يستقروا فى دنياهم على حال.
المباحث العربية
(لا تمنوا لقاء العدو) بتاء واحدة وفتح النون المشددة، وأصله لا تتمنوا بتاءين، كما جاء فى
الرواية الثانية، والمراد من لقاء العدو مقاتلته.
(فإذا لقيتموهم فاصبروا) العدو يطلق على الواحد والجمع، وحين إطلاقه على الجمع يكون
مفردا لفظاء جمعا معنى، فيعود الضمير عليه مفردا، باعتبار لفظه، وجمعا - كما هنا - باعتبار معناه،
والمراد من الصبر تحمل الأذى والمجالدة، والنبات.
(عن أبى النضر، عن كتاب رجل من أسلم، من أصحاب النبي ®، يقال
له: عبد الله ابن أبى أوفى، فكتب إلى عمر بن عبيد الله، حين سار إلى
الحرورية) أبو النضر، واسمه سالم، مولى عمر بن عبيد الله، وكان كاتبا له، فى رواية
البخارى ((قال: كنت كاتبا له، قال: كتب إليه عبد الله بن أبى أوفى، حين خرج إلى
الحرورية، فقرأته، فإذا فيه ... الحديث. فأبو النضر لم يسمع من ابن أبى أوفى، وإنما قرأ
كتابه، فقال بعضهم: إن الحديث حجة فى صحة رواية المكاتبة، وتعقب بأن شرط صحة
الرواية بالمكاتبة عند أهل الحديث أن تكون الرواية صادرة إلى المكتوب إليه، وابن أبى
أوفى لم يكتب إلى سالم، إنما كتب إلى عمر بن عبيد الله، فعلى هذا تكون رواية سالم
١٠٠