Indexed OCR Text
Pages 501-520
١٤ - وفيه النهى عن التعبير وتنقيص الآباء والأمهات، وأنه من أخلاق الجاهلية.
١٥- ومن قوله ((فليقعده معه فليأكل)» فى روايتنا الثالثة عشرة استحباب الأكل مع الخادم، على قصد
التواضع، وعند أحمد ((فليجلسه معه، فإن لم يجلسه معه فليناوله)) والمعنى إذا ترفع السيد عن
مؤاكلة غلامه فليناوله وعند أحمد بإسناد حسن («أمرنا أن ندعوه، فإن كره أحدنا أن يطعم معه،
فليطعمه فی یده».
١٦ - ومن قوله ((وقد ولى حره ودخانه)) فى الرواية الثالثة عشرة أن للعين حظا فى المأكول، فينبغى
صرفها بإطعام صاحبها من ذلك الطعام، لتسكن نفسه، فيكون أكف لشره.
١٧ - ومن التعبير بالخادم فى الرواية الثالثة عشرة أن ذلك لا يختص بالعبد، بل يشمل الخادم الحر،
بل هو أولى بالرفق والإحسان والإكرام.
١٨ - وفى هذا الحديث بعامة الحث على مكارم الأخلاق، والمواساة فى الطعام، ولاسيما فى حق من
له به صلة.
١٩ - ومن الرواية الخامسة عشرة فضيلة ظاهرة للمملوك المصلح الناصح لسيده، والقائم بعبادة ربه،
وأن له أجرين، لقيامه بالحقين، ولانكساره بالرق.
٢٠ - وفضل بر الوالدين، والأم بصفة خاصة، وأراد ببر الأم القيام بمصالحها.
٢١- وفيه أن المملوك لاجهاد عليه ولا حج، لأنه غير مستطيع.
٢٢ - وإن صحبة الأم وخدمتها أولى من حج التطوع، لأن برها فرض، فقدم على التطوع. قال النووي:
ومذهبنا ومذهب مالك أن للأب والأم منع الولد من حجة التطوع، دون حجة الفرض.
٢٣ - راجع ما سبق فى كتاب العتق بشأن ما يؤخذ من أحاديث الرواية الثامنة عشرة
والتاسعة عشرة، والمتممة للعشرين والواحدة والعشرين والثانية والعشرين والثالثة
والعشرين والرابعة والعشرين.
٢٤ - ومن الرواية الخامسة والعشرين إثبات القرعة فى العتق ونحوه، وأنه إذا أعتق عبيدا فى مرض
.موته، أو أوصى بعتقهم، ولا يخرجون من الثلث، أقرع بينهم، فيعتق ما يدخل فى الثلث بالقرعة.
وإليه ذهب مالك والشافعى وأحمد وإسحاق وداود وابن جرير والجمهور، وقال أبو حنيفة: القرعة
باطلة، لا مدخل لها فى ذلك، بل يعتق من كل واحد قسطه، ويستسعى فى الباقى. وهذا مردود بهذا
الحديث الصحيح وأحاديث كثيرة، وقد قال بقول أبى حنيفة الشعبى والنخعى وشريح والحسن
وحكى أيضا عن ابن المسيب.
٢٥- وعن الرواية السادسة والعشرين والسابعة والعشرين قال النووى: وفى هذا الحديث دلالة أيضا
لمذهب الشافعى وموافقيه أنه يجوز بيع المدبر قبل موت سيده، لهذا الحديث، قياسا على
الموصى بعتقه، فإنه يجوز بيعه بالإجماع، وممن جوزه عائشة وطاووس وعطاء والحسن ومجاهد
٥٠١
وأحمد وإسحق وأبو ثور وداود. وقال أبو حنيفة ومالك وجمهور العلماء والسلف من الحجازيين
والشاميين والكوفيين: لا يجوز بيع المدبر، قالوا: وإنما باعه النبى * فى دين كان على سيده،
وقد جاء فى رواية النسائى والدارقطنى أن النبى { قال له: ((اقض به دينك)) قالوا: وإنما دفع
إليه ثمنه، ليقضى به دينه، وتأوله بعض المالكية على أنه لم يكن له مال غيره، فرد تصرفه. قال
هذا القائل، وكذلك يرد تصرف من تصدق بكل ماله. قال النووي: وهذا ضعيف باطل والصواب
نفاذ تصرف من تصدق بكل ماله. وقال القاضى عياض: الأشبه عندى أنه فعل ذلك نظرا لأنه لم
يترك لنفسه مالا. قال النووي: والصحيح ما قدمناه أن الحديث على ظاهره، وأنه يجوز بيع
المدبر، بكل حال، مالم يمت السيد. اهـ
وقال الحافظ ابن حجر: الجواز مطلقا مذهب الشافعى وأهل الحديث، وقد نقله البيهقى فى
((المعرفة)) عن أكثر الفقهاء، وعن الحنفية والمالكية تخصيص المنع بمن دبر تدبيرا مطلقا، أما
إذا قيده، كأن يقول: إن مت من مرضى هذا ففلان حر، فإنه يجوز بيعه، لأنها كالوصية، فيجوز
الرجوع فيها، وعن أحمد: يمتنع بيع المدبرة، دون المدبر. وعن الليث: يجوز بيعه إن شرط على
المشترى عتقه، وعن ابن سيرين: لا يجوز بيعه إلا من نفسه، ومال ابن دقيق العيد إلى تقييد
الجواز بالحاجة، فقال: من منع مطلقا كان الحديث حجة عليه، لأن المنع الكلى يناقضه الجواز
الجزئى، ومن أجازه فى بعض الصور، فله أن يقول: قلت بالحديث فى الصورة التى ورد فيها، فلا
يلزمه القول به فى غير ذلك من الصور. اهـ
وتفرع عن حكم بيع المدبر حكم إجزائه فى الكفارة.
٢٦- واستدل بالحديث على صحة التدبير، وقد أجمع المسلمون عليه، ثم مذهب الشافعى ومالك
والجمهور أنه يحسب عتقه من الثلث، وقال الليث وزفر: هو من رأس المال.
٢٧- وفى الحديث نظر الإمام فى مصالح رعيته، وأمره إياهم بمافيه الرفق بهم، وبإبطالهم مايضرهم
من تصرفاتهم التى يمكن فسخها.
٢٨- وفيه بيع الإمام على الناس أموالهم وضياعهم، ويقع ذلك فى مال السفيه، أو فى وفاء دين الغائب
أو إذا امتنع من أداء حق الغير.
والله أعلم
٥٠٢
كتاب القسامة والمحاربين
والقصاص والديات
٤٤١ - باب القسامة.
٤٤٢- باب المحاربين والمرتدين.
٤٤٣- باب القصاص فى القتل بالحجر وغيره.
٤٤٤- باب الصائل على نفس الإنسان أو عضوه والقصاص فى الأسنان وما فى معناها.
٤٤٥- باب حرمة الدماء والأعراض والأموال.
٤٤٦- باب صحة الإقرار بالقتل.
٤٤٧- باب دية الجنين ووجوب الدية فى قتل الخطأ.
٥٠٣
٥٠٤
:
(٤٤١) باب القسامة
٣٨٢٠ - ١ عَنْ سَهْلٍ بْنِ أَبِي حَثْمَةً وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١) أَنْهُمَا قَالا: خَرَجٌ
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ بْنِ زَيْدٍ وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ بْنِ زَيْدٍ، حَتَّى إِذَا كَانَّا بِخَيْبَرَ تَفَرَّقًا فِي بَعْضٍ مَا
هُنَالِكَ، ثُمَّ إِذَا مُحَيِّصَةُ يَجِدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ فَتِيلًا، فَدَقَتَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِلَ هُوَ
وَحُوَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ. فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِيَتْكُلُّمَ
قَبْلَ صَاحِبَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ «كَبِّرْ» (الْكُبْرَ فِي السِّنِّ فَصَمْتَ، فَتَكُلِّمَ صَاحِبَاهُ،
وَتَكَلِّمَ مَعَهُمَا، فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللَّهِوَ مَفْتَلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ. فَقَالَ لَهُمْ «أَتَخْلِفُون
خَمْسِينَ يَمِيِّنًا فَتَسْتَجِقُونٌ صَاحِبَكُمْ؟» (أَوْ قَاتِلَكُمْ) قَالُوا: وَكَيْفَ نَخْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ؟ قَالَ
«فَتُبْرِّئُكُمْ يَهُوذُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا؟» قَالُوا: وَكَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَسُولُ
اللَّهِ﴿ أَعْطَى عَقْلَهُ.
٣٨٢١ - ٣ عَن سَهْلٍ بْنِ أَبِي حَثْمَةً وَرَافِعٍ بْنِ خَدِيجٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٢) أَنَّ مُحَيِّصَةَ بْنَ
مَسْعُودٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ انْطَلَقًا قِبَلَ خَيْبَرَ، فَتَفَرَّا فِي النَّخْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ،
فَأَتَّهَمُوا الْيُهُودَ. فَجَاءَ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَابْنَا عَمِّهِ حُوَيِّصَةُ وَمُخَيِّصَةُ إِلَى الْبِيِِّ﴿ِ، فَتَكُلُّمَ
عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي أَمْرٍ أَخِيهِ وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ِ «كَبِّرِ الْكُبْرَ، أَوْ قَالَ «لَيْدِ
الأَكْبَرُ» فَتَكُلُّمَا فِي أَمْرٍ صَاحِهِمَا. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِع ◌َّ «يَفْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ
مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ بِرُمَتِهِ؟» قَالُوا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ كَيْفَ نَحْلِفُ؟ قَالَ «فُتُبْرِتُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانٍ خَمْسِينَ
مِنْهُمْ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَوْمٌ كُفَّارٌ. قَالَ: فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ مِن قِبَلِهِ. قَالَ سَهْلٌ:
فَدَخَلْتُ مِرْبَدًا لَهُمْ يَوْمًا فَرَكَضَعْنِي نَاقَةٌ مِن ◌ِلْكَ الإِبِلِ رَكْضَةٌ بِرِجْلِهَا. قَالَ حَمَّاةٌ: هَذَا
أَوْ نَحْوَهُ.
(١) حَدَّثْنَا قُتَّةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدْفَنَا لَيْثٌ عَنِ يَحْتِى وَهُوّ ابْنُ سَعِيدٍ عَن يُشَيْرِ بْنٍ يَسَارِ عَن سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ يَحْتَى وَحْسِبْتُ قَالَ
وَعَنِ رَافِعٍ بْنِ خَدِیجٍ
(٢) وَحَدَّثَتِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنَ عُمَّرَ الْقَوّارِبِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّقْنَا يَحْتِى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ بُشَيْرِ بْنٍ يَسَارٍ عَن سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ
وراِعِ بٍ حَدِیجٍ
- قَالَ حَمَّدٌ هَذَا أَوْ نَحْوَهُ
٥٠٥
٣٨٢٢ - لْ عَنْ سَهْلٍ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ﴾(١١) عَنِ النّبِيِّ ◌َ نَحْوَهُ وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ فَعَقْلَهُ
رَسُولُ اللَّهِ:﴿ مِن عِنْدِهِ وَلَمْ يَقُلْ فِي حَدِيثِهِ فَرَكَضَتْبِي نَاقَةٌ.
٣٨٢٣- ٣ِ عَنِ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ﴾(٣) أَنَّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ وَمُحَيِّصَةٌ بْنَ مَسْعُودٍ بْنِ
زَيْدٍ الأَنْصَارِيَّيْنِ ثُمَّ مِن بَّنِي حَارِفَةَ، خَرَجًا إِلَى خَيْبَرَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ِ، وَهِيَّ يَوْمَئِذٍ
صُلْحٌ وَأَهْلُهَا يَهُودُ. فَتَفَرَّقًا لِحَاجَتِهِمَا. فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، فَوُجِدَ فِي شَرَبَةٍ مَقْتُولا، فَدَقَتْهُ
صَاحِبُهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ. فَمَشَى أَخُو الْمَقْتُولِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَمُخَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةٌ
فَذَكّرُوا لِرَسُولِ اللَّهِفَ﴿ِ هَأْن عَبْدِ اللَّهِ وَحَيْثُ قُتِلَ. فَزَعَمَ بُشَيْرٌ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَمَّنْ أَذْرَكَ مِن
أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِعَ﴿ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ «تَحْلِفُونَ خَمْسِینَ یَمِينًا وَتَسْتَجِقُون قَائِلگمْ؟» (أَوْ
صَاحِبُّكُمْ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا شَهِدْنَا وَلا حَضَوْنَا. فَرَعَمَ أَنَّهُ قَالَ «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودٌ
بِخَمْسِينَ؟» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فَزَعَمّ بُشَيْرٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ◌َّ
عَقّلَهُ مِن عِنْدِهِ.
٣٨٢٤ - ١٤ عن بُشَيْرِ بْنِ يَسَارِ﴾(٤) أَنَّ رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ مِن بَنِي حَارِفَةَ يُقَالُ لَهُ
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ بْنٍ زَيْدٍ الْطَلَقَ هُوَ وَابْنُ عَمِّ لَهُ يُقَالُ لَهُ مُخَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ ابْنِ
زَيْدٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِتَحْوِ حَدِيثِ اللَّيْثِ إِلَى قَوْلِهِ «فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ وَ مِن
عِنْدِهِ» قَالَ يَحْبَى: فَحَدَّفِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةً قَالَ
«لَقَدْ رَكَضَنْي فَرِيضَةٌ مِن تِلْكَ الْفَرَائِضِ بِالْمِرْبَدِ».
٣٨٢٥-٥ْ عَن سَهْلٍ بْنِ أَبِي حَْمَةَ الأَنْصَارِيَِّ﴾(٥) أَنَّ نَفَرًا مِنْهُمُ الْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقُوا
فِيهَا فَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَبِيلًا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ فَكَرِةٍ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ أَن يُبْطِلَ دَمّهُ
فَوَدَاهُ مِائَةٌ مِن إِيلِ الصَّدَقَّةِ.
(٠٠) وحَدَّقََّا الْقَوّارِيرِيُّ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفْضَّلِ حَدَّثْنَا يَحْتِى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارِ عَن سَهْلٍ
- حَدََّا عَمْرٌوَ الْنّاقِدُ حَدَّثَّا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ حْ وِحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى خَّدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ يَّغْنِي الثَقْفِيِّ جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى
ابْنِ سَعِیدٍ عَنِ بُشْرِ بْنِ یُسَارِ عَنِ سَھْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةً بِنحوٍ حَدِيثِهِمْ.
(٣) حَدْلَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَّسْلَمَةَ بْنّ فَعْنَبٍ حَدَّثَنَاَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالَ عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ عَن يُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ
(٤) وحَدَّا يَحْتِى بْنُ يَحْتَى أَخْبُرَنَا هُشَيْمٌ عَنِ يُحْتِى بْنِ سَعِيدٍ عن بُشْرِ
(٥) حَدََّا مُحَمَّدُ بْنُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ ثُمَيْرٍ حَدَقْنَا أَبِي حَدْقَا سَعِيدُ بْ عُبَيْدٍ حَدَّقَا بُشَيْرُ بْنُ يَسَارِ الأَنْصَارِيُّ عَن سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةً
الأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ
٥٠٦
٣٨٢٦- { عَنْ سَهْلٍ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ﴾(٦) عَن رِجَالٍ مِن كُبْرَاءٍ قَوْمِهِ أَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ
وَمُحَيِّصَةً خَرَجًا إِلَى خَيْبَرَ مِن جَهْدٍ أَصَابَهُمْ. فَأَتَى مُحْيِّصَةُ فَأَخْبَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ
وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ أَوْ فَقِيرٍ. فَأَتَى يَهُودَ فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللَّهِ قَلْتُمُوهُ. قَالُوا: وَاللَّهِ مَا قَلْنَاهُ، ثُمَّ أَقْبُلَ
حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَذَكَرَ لَهُمْ ذَلِكَ. ثُمَّ أَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ
ابْنُ سَهْلٍ فَذَهَبَ مُخَيِّصَةُ لِيَتَكُلِّمُ وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ لِمُحْيِّصَةَ «كَبِّرْ
كَبِّرْ» (يُرِيدُ السِّنَّ) فَتَكُلِّمَ حُوْيِّصَةٌ ثُمَّ تَكَلِّمَ مُخْيِّصَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ «إِمَّا أَنْ يَدُوا
صَّاحِبِكُمْ وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِّنُوا بِحَرْبٍ؟» فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ. فَكَعَبُوا إِنَّا وَاللَّهِ مَا
قَلْنَاهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ لِحُوَيِّصَةَ وَمُخَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ «أَتَخْلِفُونُ وَتَسْتَحِقُونَ دَمَ
صَاحِبِكُمْ؟» قَالُوا: لا. قَالَ «فَتَخْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟» قَالُوا: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ. فَوَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ
◌َ﴿ مِن عِنْدِهِ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِل ◌ِ﴿ مِاتّةَ نَاقَةٍ حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمُ الدَّارَ. فَقَالَ سَهْلٌ:
فَلَقَدْ رَكَضَيْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ.
٣٨٢٧- ٣عَن رَجُلٍ(٧) مِن أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ مِنَ الأَنْصَارِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ أَقَرَّ
الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِيَّةِ.
٣٨٢٨- 4 عَنِ ابْنِ شِهَابٍ(٨) بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ وَزَادَ «وَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ بَيْنَ نَاسٍ
مِنَ الأَنْصَارِ فِي قَتِيلٍ ادَّعَوْهُ عَلَى الَْهُودِ».
المعنى العام
كانت القسامةُ فى الجاهليةِ قبلَ الإسلام، فكان إذا وُجدَ قتيل فى مكان، ولم تقم أدلةُ الثبوت على
القاتل، وكانت هناك شبهة، تغلب على الظن اتهام شخص أو جماعة بقتله، وجه أولياءُ القتيل التهمةً
إلى من يتهمون، فيقضى عليهم أن يحلف خمسون منهم اليمين على صحة اتهامهم، فإن هم حلفوا
قضى على المتهمين وقومهم أن يحلفوا خمسين يمينا أنهم ما قتلوا، وما علموا القاتل، فإن هم حلفوا
(٦) حَدَّتِي إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورِ أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنْسِ يَقُولُ حَدَّثَنِي أَبُو لَيْلَى عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنٍ
سَهْلٍ غَنِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةً أنه أخبره عن رِجَالِ
(٧) حَدَّثَتِيَ أَبُو الطّاهِرِ وَخَّرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى قَالَ أَبُو ◌َلْطَّاهِرِ حَدَّنَا وَقَالَ حَرْمَلَةُ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَبِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ هِهَابٍ
أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَّارٍ مَوْلَّى مَيْمُونَةَ زَّوْجِ النَّبِيِّلَ عَنْ رَجُلٍ
(٨) وحَدَّثَنَا مُحَمِّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّرَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ حَدَّقْنَا ابْنُ شَيْهَابٍ
- وحَدْثَنَا حَسَنُ بْنُ عُلِيِّ الْحُلْوَالِيُّ حَدَّثَّا يَعْقُوبُ وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنْ أُبًا
سَلَّمَةَ ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَاهُ عَن ◌ّاسٍ مِنَ الأَنْصَارِ عَنِ النّبِيِّ :﴿َ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبْنِ جُرَيْجٍ.
٥٠٧
حقنوا دماءهم، ودفعوا دية القتيل، وإن رفضوا الحلف كان عليهم القوّد والقصاص، وإن لم يحلف
أولياء القتيل، ولا بينة عندهم لم يستحقوا شيئاً، وبخاصة إذا حلف المدعى عليهم، أو إذا لم يقبل
المدعون أن يحلفوا.
كان فى هذه القسامة محاذير بالنسبة لقواعد الإسلام، قوم يحلفون لمجرد الظن، ولم يروا، ولم
يحضروا، ولم يجزموا بحقيقة. فكيف تقبل أيمانهم؟ وقوم يستحلفون لمجرد اتهام، لا تقوم عليه أدلة.
لماذا يستحلّفون؟ وكيف يطالبون بدية قتل لم يثبت عليهم؟ إن هذه الأحكام تتيح لتلفيق التهم مجالا
فسيحا، وتفتح لإلصاق الجرائم بالبراء بابا واسعا، وفى المقابل، لولا هذه الأحكام لأهدرت دماء يجب
حقنها، ولتمكن المجرمون من ارتكاب جرائمهم، والهروب من العقاب بل ولتمالا أهلوهم معهم،
وتستروا على جرائمهم، إنها - بحق - قضية شائكة، طرفاها لا يتسمان بالعدالة الظاهرة، وكل من
الحكمين فيها لا يخلو من مجاورة على المحكوم عليه. ولكن أحد الحكمين -وهو القسامة على ما
كانت عليه فى الجاهلية- أقل ضرراً، وأكثر نفعا من الحكم الآخر، واحتمال أخف الضررين واجب،
من هنا أقر الإسلام القسامة على ما كانت عليه فى الجاهلية، ومن هنا أعذر بعض العلماء الذين لم
يقروا بها، ولم يعملوها، ولم يجوزوها، بحجة أن الرسول # عرضها، ولم ينفذها، فلم يقتص بها، ولم
يفرض الدية على المتهمين بناء عليها، بل دفعها من عنده، ولم يثبت أن أبا بكرقضى بها ونفذها فى
حادثة واحدة، ولم يثبت أن عمر قضى بها ونفذها فى حادثة واحدة، فهل يعقل أن نحوا من ثلاث
عشرة سنة لا تقع فيها حادثة تقتضى القسامة؟ معذورون أولئك المتوقفون عن القسامة وإن كانوا
قليلين، ومأجورون أولئك القائلون بها، مأجورون، بحسن القصد، وإخلاص النية، والعمل بالسنة،
وليس كل ما كان فى الجاهلية مذموما، فهناك الكثير مما كان فيها وأقره الإسلام مراعاة لمصالح
العباد، وعلى الله قصد السبيل.
المباحث العربية
(القسامة) بفتح القاف، وفتح السين مخففة، هى مصدر أقسم قسما وقسامة، وهى الأيمان
تقسم على أولياء القتيل، إذا ادعوا الدم، أو على المدعى عليهم بالدم، وخص القسم على الدم بلفظ
القسامة، وقال إمام الحرمين: القسامة عند أهل اللغة اسم للقوم الذين يقسمون، وعند الفقهاء اسم
للأيمان، وقال فى المحكم: القسامة: الجماعة يقسمون على الشيء، أو يشهدون به، ويمين القسامة
منسوب إليهم، ثم أطلقت على الأيمان نفسها.
(خرج عبد الله بن سهل بن زيد، ومحيصة بن مسعود بن زيد، حتى إذا كانا بخيبر
تفرقا فى بعض ما هنالك) أى فى الأماكن هنالك، و «مُحَيِّصة)) بضم الميم وفتح الحاء وتشديد
الياء المكسورة. ((وحويصة)) بضم الحاء وفتح الواو وتشديد الياء المكسورة، وحكى تخفيف الياء فى
الاسمين معا.
٥٠٨
وفى الرواية الثانية ((انطلقا قِبَل - أى جهة - خيبر، فتفرقا فى النخل)) وفى الرواية الرابعة
((خرجا إلى خيبر، فى زمان رسول اللّه*، وهى يومئذ صلح، وأهلها يهود، فتفرقا لحاجتهما)» وفى
ملحقها ((عبد الله بن سهل بن زيد انطلق هو وابن عم له، يقال له: محيصة بن مسعود بن زيد)) وفى
الرواية السادسة ((أن عبد الله بن سهل ومحيصة، خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم)) أى ضيق عيش،
وكان حقه أن يقول: أصابهما، لكنه راعى أن الجهد أصابهما وأصاب أهلهما.
وفى رواية لمحمد بن إسحق ((خرج عبد الله بن سهل فى أصحاب له، يمتارون تمرا)). وكان
خروجهم بعد فتح خيبر، فإنها لما فتحت أقر النبى # أهلها فيها، على أن يعملوا فى المزارع بالشطر
مما يخرج منها.
(ثم إذا محيصة يجد عبد الله بن سهل قتيلاً، فدفنه، ثم أقبل إلى رسول اللّه ﴿ هو
وحويصة بن مسعود وعبد الرحمن بن سهل) فى بعض النسخ ((ثم إن محيصة)). وتبين
الروايات الأخرى أن محيصة وجد عبد الله بن سهل مقتولا ينزف دمه، فى حفرة غير عميقة من حفر
الأرض، وبعد أن دفنه اتهم يهود بقتله، فنفوا، فرجع من خيبر إلى المدينة، فأخذ أخاه حويصة وابن
عمه أخا القتيل، عبد الرحمن بن سهل، وذهبوا إلى رسول الله ﴿، ففى الرواية الثانية ((فاتهموا
اليهود فجاء أخوه عبد الرحمن، وابنا عمه حويصة ومحيصة إلى النبى (8))، وفى الرواية الرابعة
((فقتل عبد الله بن سهل فوجد فى شَرَبَة مقتولا -والشربة بفتح الشين والراء والباء، هى حوض أو
حفرة واسعة غير عميقة، تكون فى أصل النخلة، وجمعها شَرَب بفتحتين، مثل ثمرة، وثمر))، وفى
الرواية السادسة ((أن عبد الله بن سهل قد قُتِلِ، وطُرح فى عين أو فَقِير)) بفتح الفاء وكسر القاف، أى
حفيرة، وفى رواية: ((فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل، وهو يتشحط فى دمه، أى يضطرب، فيتمرغ
فى دمه)) وفى رواية ((فأتى محيصة يهود، فقال: أنتم واللّه قتلتموه، قالوا: والله ما قتلناه)). وفى رواية
للبخارى ((فقالوا للذين وجد فيهم: قد قتلتم صاحبنا، قالوا ما قتلنا ولا علمنا قاتلا».
(وكان أصغر القوم) أى كان أخو القتيل، عبد الرحمن بن سهل، أصغر الثلاثة.
(فذهب عبد الرحمن ليتكلم قَبْل صاحبيه) فإن الأمر أمرُ أخيه، وهو ولى الدم، وهو الوارث،
وأما الآخران فابنا عم، لا ميراث لهما مع الأخ، وإقامة الدعوى تكون من الوارث، لكن الرسول { # قال
له ((كَبِّر كَبِّر)» وفى الرواية السادسة ((فذهب محيصة ليتكلم، وهو الذى كان بخيبر)) وهو أعلم بشرح ما
وقع، لكنه لما كان أصغر من أخيه حويصة قال له صلى الله عليه وسلم: ((كبِّر. كبِّر))، وما دام صلى اللَّه
عليه وسلم سيسمع من الثلاثة، فليكن سماعه من الأسن، فالأقل سنا، فالأقل سنا، حويصة، ثم
محيصة، ثم عبد الرحمن، كأدب شرعی.
(كبّر الكُبْرَ فى السن) ((كبر)) بتشديد الباء المكسورة، فعل أمر، أى قدم الأكبر منك. و((الكبر)»
بضم الكاف وسكون الباء، منصوب على الإغراء، مفعول لفعل محذوف، أى الزم الكُبْرَ فى السن، وفى
الرواية الثانية ((كبر الكُبْر)) - أو قال: ((ليبدأ الأكبر)» وفى الرواية السادسة ((كبر. كبِّر)) - الثانية
٥٠٩
توكيد- «يريد السن» فتكلم حويصة، ثم محيصة أى ثم عبدالرحمن، ففى الرواية الأولى «فصمت،
فتكلم صاحباه)» وتكلم معهما أى بعدهما.
(فقال لهم رسول اللّه *: أتحلفون خمسين يمينا، فتستحقون صاحبكم؟ أو
قاتلكم؟) معناه أيحلف منكم خمسون رجلا خمسين يمينا، فيثبت حقكم على من حلفتم عليه؟ أى
فأحكم لكم بثبوت حقكم فيمن تعينونه قاتلا؟ وفى الرواية الثانية ((يقسم خمسون منكم على رجل
منهم، فيدفع برُمَّتِه))؟ أى فيدفع إليكم من تعينونه؟ والرُّمَّة بضم الراء، وتشديد الميم الحبل، والمراد
هنا الحبل الذى يربط فى رقبة القاتل، ويسلم فيه إلى ولى القتيل.
(قالوا: وكيف نحلف؟ ولم نشهد)؟ استفهام إنكارى، أو تعجبى، والمراد به النفى، أى لا
نحلف، وفى الرواية الثانية ((أمرلم نشهده. كيف نحلف؟)) وفى الرواية الثالثة ((ما شهدنا ولا
حضرنا)»؟ وفى الرواية السادسة ((قالوا: لا))، وفى بعض الروايات أنه طلب منهم البينة - شاهدين -
ففى رواية للبخارى ((فقال لهم: تأتون بالبينة على من قتله؟ قالوا: ما لنا ببينة)).
(فقال رسول اللّه:﴿: إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب) أى إما أن
يدفعوا دية صاحبكم، وإما أن يعلمونا بحرب، إن هم أقروا بقتله خطأ، أو ثبت عليهم القتل بقسامتكم.
فقوله «يؤذنوا » بكسر الذال.
(فتبرئكم يهود بخمسين يمينا) («يهود» ممنوع من الصرف، للعلمية والتأنيث، لأنه اسم
القبيلة والطائفة.
وقوله («فَتَبَرِّئِكم)) بضم التاء وفتح الباء وكسر الراء المشددة، يقال: برأه من الذنب والتهمة،
بتشديد الراء أى خلصه منه، وقضى ببراءته، والمعنى يخلصونكم من اليمين، بأن يحلفوا. أو ((فتبرأكم
يهود)) بفتح التاء وسكون الباء وفتح الراء، من برئ يبرأ، بكسر الراء فى الماضى، وفتحها فى
المضارع، يقال: برئ فلان من التهمة إذا خلص منها، أو بضم الراء، يقال: برؤ من التهمة إذا خلا
منها، والمعنى فتبرأ منكم يهود، أى فتبرأ من دعواكم، وتبرأ من خصومتكم، ففيه حذف حرف الجر،
وإيصال المجرور بالفعل.
(وكيف نقبل أيمان قوم كفار؟) الاستفهام إنكارى بمعنى النفى، وفى الرواية الثانية ((قوم
كفار)» خبر مبتدأ محذوف أى هم قوم كفار، لا نقبل يمينهم، وفى الرواية السادسة ((ليسوا بمسلمين))
وعند البخارى ((لا نرضى بأيمان اليهود)) وفى رواية ((ما يبالون أن يقتلونا أجمعين ثم يحلفون)).
(أعطى عقله) أى أعطى ديته، وسميت الدية عقلا تسمية بالمصدر، لأن الإبل كانت تُعْقل بفناء
ولى القتيل، ثم كثر الاستعمال، حتى أطلق العقل على الدية، ولو لم تكن إبلا. وعاقلة الرجل قراباته من
قبل الأب، وهم عصبته، وهم الذين كانوا يعقلون الإبل على باب ولى المقتول.
وفى الرواية الثانية ((فوداه رسول اللَّه { من قِبَله)) بكسر القاف وفتح الباء، أى من جهته، ومن
٥١٠
عنده، كما فى الرواية الرابعة، وفي السادسة ((فبعث إليهم رسول اللّه * مائة ناقة، حتى أدخلت
عليهم الدار».
(فكره رسول اللَّه﴿ أن يبطل دمه، فوداه مائة من إبل الصدقة) كذا فى الأصول
((يُبْطِل دمه)) بضم الياء وسكون الباء وكسر الطاء، والفاعل ضمير رسول اللَّه ﴿، أى يضيع دمه هدراً،
دون دية، وفى رواية للبخارى ((فكره رسول اللّه # أن يُطل دمه)) بضم الياء وفتح الطاء وتشديد اللام،"
مبنى للمجهول، أى يهدر دمه يقال: طّل دم القتيل، بفتح الطاء مبنى للمعلوم، وطّل دم القتيل، بضم
الطاء، مبنى للمجهول وهو الأكثر استعمالا، أى بطل وهدر، أو أبطل وأهدر. و((وداه)) بتخفيف الدال،
أى دفع ديته وقوله ((من إبل الصدقة)) قال النووى: قال بعض العلماء: إنها غلط من الرواة، لأن
الصدقة المفروضة لا تصرف هذا المصرف، قال جمهور أصحابنا: معناه: اشتراها من إبل الصدقة.
وسيأتى تفصيل لذلك فى فقه الحديث. وفى الرواية الثانية ((فوداه من قِبَله)) أى من جهته، وفى
الرواية الرابعة ((من عنده)) قال النووى: يحتمل أن يكون من خالص ماله، ويحتمل أنه من مال بيت
المسلمين لمصالحهم.
(قال سهل: فدخلت مِرْبَدا لهم يوما، فركضتنى ناقة من تلك الإبل ركضة برجلها)
((المِرْبَد)) بكسر الميم وسكون الراء وفتح الباء: الموضع الذى تجمع فيه الإبل وتحبس، والربد الحبس،
ومعنى ((ركضتنى)) رفستنى، وأراد بهذا الكلام التوثيق فى الرواية، وأنه يضبط الحديث ويحفظه
حفظاً بليغاً، حتى إنه يضبط ملابساته. وفى الرواية الرابعة ((لقد ركضتنى فريضة من تلك الفرائض
بالمريد)» والمراد بالفريضة هنا الناقة من تلك الذوق المفروضة فى الدية، وتسمى المدفوعة فى الزكاة
أو فى الدية فريضة، لأنها مفروضة، أى مقدرة بالسن والعدد. وأما قول المازرى: إن المراد بالفريضة
هنا الناقة الهرمة فقد غلط فيه. كذا قال النووى.
فقه الحديث
فى القسامة اختلاف كبير بين العلماء نحصره فى أربع نقاط:
الأولى: هل القسامة مشروعة، يعمل بها؟ أولا؟
الثانية: إذا كانت مشروعة، يعمل بها، فهل توجب القود؟ أو الدية؟
الثالثة: وهل يبدأ بالمدعين؟ أو المدعى عليهم؟
الرابعة: ما يؤخذ من الحديث من الأحكام.
وهذا هو التفصيل.
النقطة الأولى: روى عن جماعة إبطال القسامة، وأنه لا حكم لها، ولا عمل بها، وممن قال بهذا:
سالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، والحكم بن عتيبة، وقتادة، وأبو قلابة، ومسلم بن خالد، وابن
علية، والبخارى، وغيرهم، وعن عمر بن عبد العزيز روايتان كالمذهبين.
٥١١
أما سالم بن عبد الله بن عمر فقد أخرج ابن المنذر عنه، أنه كان يقول: «يالقوم يحلفون على أمر
لم يروه، ولم يحضروه، ولو كان لى أمر لعاقبتهم، ولجعلتهم نكالا، ولم أقبل لهم شهادة)».
وأما أبو قلابة فيروى البخارى عنه ((أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يوما للناس، ثم
أذن لهم، فدخلوا فقال: ما تقول يا أبا قلابة؟ ونصبنى للناس. فقلت يا أمير المؤمنين.
عندك رؤوس الأجناد، وأشراف العرب. أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل محصن
بدمشق، أنه قد زنى، ولم يروه، أكنت ترجمه؟ قال: لا. قلت: أرأيت لو أن خمسين منهم
شهدوا على رجل بحمص أنه سرق ولم يروه، أكنت تقطعه؟ قال: لا. قلت: فوالله ما قتل
رسول اللَّه ﴿ أحدا قط إلا فى إحدى ثلاث خصال: رجل قتل بجريرة نفسه فقتل، أو رجل
زنى بعد إحصان، أو رجل حارب الله ورسوله، وارتد عن الإسلام ثم استدل أبو قلابة
بحديثنا على أن النبى 18*، لم يعمل بالقسامة - وإن عرضها - ولم يجبر أيا من الطرفين أن
يحلف، بل ودى القتيل من عنده. ثم قال أبو قلابة: وقد كان عبد الملك بن مروان أقاد رجلا
بالقسامة، ثم ندم بعدما صنع، فأمر بالخمسين الذين أقسموا، فمحوا من الديوان، وسيرهم
إلى الشام.
وأما عمر بن عبد العزيز ه، فقد ورد عنه فى القسامة: ((إن من القضايا ما لا يقضى فيه إلى يوم
القيامة، وإن هذه القضية لمنهن)» وقد اختلف على عمر بن عبد العزيز فى القسامة، كما اختلف على
معاوية، فقد أخرج ابن المنذر من طريق الزهرى قال: ((قال لى عمر بن عبد العزيز: إنى أريد أن أدع
القسامة، يأتى رجل من أرض كذا، وآخر من أرض كذا، وآخر من أرض كذا، فيحلفون على ما لايرون؟
فقلت: إنك إن تتركها يوشك أن الرجل يقتل عند بابك، فيبطل دمه، وإن للناس فى القسامة لحياة».
أما القائلون بمشروعية القسامة، وبالعمل بها، فعامة العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم
علماء الأمصار الحجازيين والشاميين والكوفيين وغيرهم، ممن سيأتى ذكرهم فى النقطة التالية.
النقطة الثانية: هل القسامة توجب القود أو الدية؟ إذا كان القتل عمدا؟ إذ لا خلاف فى أن
القتل الخطأ إذا ثبت ولو بالبيئة يوجب الدية. إذن الخلاف فى القتل العمد مع القسامة.
قال معظم الحجازيين: يجب بها القصاص والقود، وهو قول الزهرى وربيعة وأبى الزناد ومالك
وأصحابه والليث والأوزاعى وأحمد وإسحق وأبى ثور وداود، وهو قول الشافعى فى القديم، وروى عن
ابن الزبير وعمر بن عبدالعزيز. قال أبو الزناد: قلنا بها وأصحاب رسول اللَّه* متوافرون، إنى لأرى
أنهم ألف رجل، فما اختلف منهم اثنان.
وقال الكوفيون والشافعى فى الجديد وفى أصح قوليه: لا يجب بها القصاص، وإنما تجب بها
الدية، وهو مروى عن الحسن البصرى والشعبى والنخعى وعثمان الليثى والحسن بن صالح، وروى أيضا
13
عن أبى بكر وعمر وابن عباس ومعاوية رضى الله عنهم.
استدل الأولون بقوله صلى الله عليه وسلم فى الرواية الأولى «فتستحقون صاحبكم أوقاتلكم» وفى
٥١٢
الرواية الثانية ((على رجل منهم، فيدفع برمته)) وفى الرواية الرابعة ((وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم))
وفى الرواية السادسة ((وتستحقون دم صاحبكم)) فهذه الألفاظ كلها ظاهرها يفيد القصاص، كما
استندوا إلى روايتنا السابعة، وفيها إقرار القسامة على ما كانت عليه فى الجاهلية. قال الحافظ ابن
حجر: وهذا يتوقف على ثبوت أنهم كانوا فى الجاهلية يقتلون بالقسامة. ويتأولها الفريق الثانى، بأن
المراد أن يسلم المدعى عليه بالقتل، ليستوفى منه الدية، لكونها تثبت عليه.
كما استدلوا بما فى مصنف عبد الرزاق، ولفظه)) قلت لعبيد الله بن عمر العمرى:
أعلمت أن رسول الله :﴿ أقاد بالقسامة؟ قال لا :. قلت: فأبوبكر؟ قال: لا. قلت: فعمر؟
قال: لا، قلت: فلم تجترئون عليها؟ فسكت. وأخرج ابن أبى شيبة من طريق إبراهيم
النخعى قال: القود بالقسامة جوراهـ. وهذا الذى نستريح إليه، فإن القود والقصاص إنما
يكون حيث لاشبهة، والشبهة هنا محققة، والأخذ بالدية أفضل من عدم الأخذ بالقسامة، إذ
فيها حماية للدماء، ومواساة لأهل القتيل، وكل من الفريقين، القائلين بالقصاص، والقائلين
بالدية، متفقون كلهم على أنها لا تجب بمجرد دعوى الأولياء، حتى يقترن بها شبهة، يغلب
على الظن الحكم بها، واختلفوا فى تصوير الشبهة، ولها سبع صور:
الأولى: أن يقول المقتول فى حياته: دمى عند فلان، أو فلان قتلنى، أو ضربنى، وإن لم يكن به أثر،
ويذكر العمد. فهذا موجب للقسامة عند مالك والليث. وادعى مالك أنه مما أجمع عليه الأئمة قديما
وحديثا. قال القاضى: ولم يقل بهذا من فقهاء الأمصار غيرهما، ولا روى عن غيرهما، وخالف فى ذلك
العلماء كافة، فلم ير أحد غيرهما فى هذا قسامة. واشترط بعض المالكية فى هذه الصورة، وجود الأثر
والجرح، واحتج مالك فى ذلك بقضية بنى إسرائيل، قوله تعالى ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْبِی
اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٧٣] قالوا: فحيى الرجل، فأخبر بقاتله، وتعقب بخفاء الدلالة من هذه القضية،
فخوارق العادات لا يستدل بها، بل هذه القضية أقوى فى الإثبات من البيئة. واحتج أصحاب مالك
أيضا بأن تلك حالة يطلب القاتل فيها غفلة الناس، فلو شرطنا الشهادة، وأبطلنا قول المجروح، أدى
ذلك إلى إبطال الدماء غالبا، قالوا: ولأنها حالة، يتحرى فيها المجروح الصدق، ويتجنب الكذب
والمعاصى، ويتزود بالبر والتقوى، فوجب قبول قوله. واختلف المالكية فى أنه: هل يكتفى فى الشهادة
على قوله بشاهد؟ أم لابد من شاهدين يشهدان بأن المقتول قال ذلك؟.
الثانية: اللوث: وهو شبه الدلالة على حدث من الأحداث، حيث لا بينة - وبهذا قال مالك والليث
والشافعى ومن اللوث شهادة عدل واحد، أو شهادة جماعة ليسوا عدولا.
الثالثة: أن يشهد عدلان بالجرح، فيعيش بعده أياماً، ثم يموت قبل أن يفيق منه، قال مالك
والليث: هولوث. وقال الشافعى وأبوحنيفة: لا قسامة هنا، بل يجب القصاص بشهادة العدلين.
الرابعة: أن يوجد المتهم عند المقتول، أو قريبا منه، أو آتيا من جهته، ومعه آلة القتل، وعليه أثره
من لطخ دم وغيره، وليس هناك حيوان مفترس، ولا من يمكن إحالة القتل عليه غيره، أو تفترق جماعة
عن قتيل، فهذا لوث موجب للقسامة عند مالك والشافعي.
٥١٣
الخامسة: أن تقتتل طائفتان، فيوجد بينهما قتيل، ففيه القسامة عند مالك والشافعي وأحمد
وإسحق، وعن مالك رواية: لا قسامة، بل فيه دية على الطائفة الأخرى، إن كان من إحدى الطائفتين،
وإن كان غيرهما فعلى الطائفتين ديته.
السادسة: أن يوجد الميت فى زحمة الناس، قال الشافعى: تثبت فيه القسامة، وتجب به الدية،
وقال مالك، هو هدر، وقال الثورى وإسحق: تجب دية فى بيت المال.
السابعة: أن يوجد فى محلة قوم، أو قبيلتهم، أو مسجدهم، فقال مالك والليث والشافعى وأحمد
وداود وغيرهم: لا يثبت بمجرد هذا قسامة، بل القتل هدر، لأنه قد يقتل الرجل الرجل، ويلقيه فى محل
طائفة، لينسب إليهم، قال الشافعى: إلا أن يكون فى محلة أعدائه، لا يخالطهم غيرهم، فيكون كالقصة
التى جرت بخيبر، فحكم النبى 8# بالقسامة لورثة القتيل، لما كان بين الأنصاروبين اليهود من
العداوة، ولم يكن هناك سواهم، وعن أحمد نحو قول الشافعى. وقال أبو حنيفة والثورى ومعظم
الكوفيين: وجود القتيل فى المحلة والقرية يوجب القسامة، ولا تثبت القسامة عندهم فى شىء من
الصور السبع السابقة إلا هنا، لأنها عندهم هى الصورة التى حكم النبى 8# فيها بالقسامة، ولا قسامة
عندهم إلا إذا وجد القتيل وبه أثر، قالوا: فإن وجد القتيل فى المسجد حلف أهل المحلة، ووجبت الدية
فى بيت المال، وذلك إذا ادعوا على أهل المحلة.
وحجة الجمهور القياس على هذه الواقعة، والجامع أن يقترن بالدعوى شيئ يدل على صدق
المدعى، فيقسم معه، ويستحق.
النقطة الثالثة: هل يبدأ الحلف بالمدعين؟ أو بالمدعى عليهم؟ يقول مالك: أجمعت الأئمة فى
القديم والحديث على أن المدعين يبدءون الحلف فى القسامة، لأن جنبة المدعى إذا قويت بشهادة أو
شبهة صارت اليمين له، وههنا الشبهة قوية، وقالوا: هذه سنة بحيالها، وأصل قائم برأسه، لحياة
الناس، وردع المعتدين، وخالفت الدعاوى فى الأموال، فهى على ماورد فيها، وكل أصل يتبع ويستعمل،
ولا تطرح سنة لسنة، واحتجوا بحديث أبى هريرة ((البينة على المدعى، واليمين على المدعى عليه، إلا
القسامة)) وقال القرطبى: الأصل فى الدعاوى أن اليمين على المدعى عليه، وحكم القسامة أصل
بنفسه، لتعذر إقامة البينة على القتل فيها غالبا، فإن القاصد للقتل يقصد الخلوة، ويترصد الغفلة، ثم
ليس هذا خروجا على الأصل بالكلية، بل لأن المدعى عليه إنما كان القول قوله، لقوة جانبه، بشهادة
الأصل له بالبراء مما ادعى عليه، وهو موجود فى القسامة فى جانب المدعى، لقوة جانبه باللوث،
الذی یقوی دعواه.
وذهب من قال بالدية إلى تقديم المدعى عليهم فى اليمين، إلا الشافعى وأحمد، فقالا بقول
الجمهور: يبدأ بأيمان المدعين، وردها - إن أبوا - على المدعى عليهم، وقال بعكسه أهل الكوفة، وكثير
من أهل البصرة، وبعض أهل المدينة، والأوزاعى، فقال: يستحلف من أهل القرية خمسون رجلا
خمسين يميناً: ما قتلناه، ولا علمنا من قتله، فإن حلفوا برئوا، وإن نقصت قسامتهم عن عدد، أو نكلوا
حلف المدعون على رجل واحد، واستحقوا.
٥١٤
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- أن أيمان القسامة خمسون يمينا، واختلف فى عدد الحالفين، فقال الشافعى: لا يجب
الحق حتى يحلف الورثة خمسين يمينا، سواء قلوا، أم كثروا، فلوكانوا بعدد الأيمان
حلف كل واحد منهم يمينا، وإن كانوا أقل، أو نكل بعضهم، ردت الأيمان على الباقين،
فإن لم يكن إلا واحد، حلف خمسين يمينا، واستحق، حتى لوكان من يرث بالفرض
والتعصيب، أو بالنسب والولاء، حلف واستحق. وقال مالك: إن كان ولى الدم واحدا ضم
إليه آخر من العصبة، ولا يستعان بغيرهم، وإن كان الأولياء أكثر حلف منهم خمسون.
وقال الليث: لم أسمع أحدا يقول: إنها تنزل عن ثلاثة أنفس.
قال النووى: قد يقال: كيف عرضت اليمين على الثلاثة - فى قوله # («أتحلفون خمسين يمينا،
فتستحقون صاحبكم)) - وإنما يكون اليمين للوارث خاصة؟ والوارث عبد الرحمن خاصة، وهو
أخو القتيل، وأما الآخران فابنا عم، لا ميراث لهما مع الأخ؟ والجواب أنه كان معلوما عندهم، أن
اليمين تختص بالوارث، فأطلق الخطاب لهم، والمراد من تختص به اليمين، واحتمل ذلك لكونه
معلوما للمخاطبين، كما سمع كلام الجميع فى صورة قتله، وكيفية ما جرى له، وإن كانت حقيقة
الدعوى وقت الحاجة مختصة بالوارث.اهـ وقد يكون فى هذا حجة لليث فى أن الأيمان لا تنقص
عن ثلاثة.
ثم قال النووى عن قوله صلى الله عليه وسلم ((يقسم خمسون منكم على رجل منهم» قال: هذا مما
يجب تأويله، لأن اليمين إنما تكون على الوارث خاصة، لا على غيره من القبيلة، وتأويله عند
أصحابنا أن معناه: يؤخذ منكم خمسون يمينا، والحالف هم الورثة، فلا يحلف أحد من الأقارب
غير الورثة، يحلف كل الورثة، ذكوراً كانوا أو إناثاً، سواء كان القتل عمدا أم خطأ. هذا مذهب
الشافعى، وبه قال أبو ثوروابن المنذر، ووافقهم مالك، إذا كان القتل خطأ، وأما فى العمد، فقال:
يحلف الأقارب خمسين يمينا، ولا تحلف النساء ولا الصبيان، ووافقه ربيعة والليث والأوزاعى
وأحمد وداود وأهل الظاهر، واحتج الشافعى بقوله صلى الله عليه وسلم ((تحلفون خمسين يمينا،
فتستحقون صاحبكم» فجعل الحالف هو المستحق للدية والقصاص، ومعلوم أن غير الوارث لا
يستحق شيئا، فدل على أن المراد حلف من يستحق الدية.
٢ -وفيه إثبات القسامة.
٣- والابتداء بيمين المدعٍى فى القسامة.
٤- وفيه رد اليمين على المدعى عليه، إذا نكل المدعى فى القسامة.
٥- واستدل بقوله فى الرواية الثانية ((فيدفع إليكم برمته)» على القود والقصاص فى القسامة، وقد
سبق توجيهه.
٦- واستدل به على أن القسامة تكون على رجل واحد، لقوله ((على رجل منهم)) وهو قول أحمد،
٥١٥
ومشهور قول مالك، وقال الجمهور: يشترط أن تكون على معين، سواء كان واحدا أم أكثر،
واختلفوا: هل يختص القتل بواحد؟ أو يقتل الكل؟.
٧- واستدل به الحنفية على جواز سماع الدعوى فى القتل على غير معين، لأن الأنصارادعوا على
اليهود أنهم قتلوا صاحبهم، وسمع النبى 8# دعواهم، ورد بأن الذى ذكره الأنصارى أولا، ليس على
صورة الدعوى بين الخصمين، لأن من شرطها - إذا لم يحضر المدعى عليه - أن يتعذر حضوره.
٨- وفيه أن من توجهت عليه اليمين، فنكل عنها، لا يقضى عليه، حتى يرد اليمين على الآخر، وهو
المشهور عند الجمهور. وعند أحمد والحنفية: يقضى عليه، دون رد اليمين.
٩- ويؤخذ منه أن مجرد الدعوى لا توجب إحضار المدعى عليه، لأن فى إحضاره مشغلة له عن
أشغاله، وتضييعا لماله، من غير موجب ثابت لذلك، أما لو ظهر ما يقوى الدعوى من شبهة
ظاهرة، فهل يسوغ استحضار الخصم؟ أولا؟ محل نظر، والراجح أن ذلك يختلف بالقرب والبعد،
وشدة الضرر، وخفته.
١٠- وفيه الاكتفاء بالمكاتبة، أخذا من الرواية السادسة.
١١- والاكتفاء بخبر الواحد، مع إمكان المشافهة.
١٢ - وفيه أن اليمين قبل توجيهها من الحاكم لا أثر لها، لقول اليهود فى جوابهم: واللَّه ما قتلناه.
١٣ - وفى قولهم ((لانرضى بأيمان اليهود)) استبعاد لصدقهم، لما عرفوه من إقدامهم على الكذب،
وجراءتهم على الأيمان الفاجرة.
١٤ - واستدل به على أن الدعوى فى القسامة لابد فيها من عداوة، أو لوث.
١٥- واستدل بقوله فى الرواية الثانية ((يقسم خمسون منكم)» على أن من يحلف فى القسامة لا
يشترط أن يكون رجلا ولا بالغاء لإطلاق قوله ((خمسون)) وبه قال ربيعة والثورى والليث والأوزاعى
وأحمد، وقال مالك: لا مدخل للنساء فى القسامة، لأن المطلوب فى القسامة القتل، ولا يسمع من
النساء، وقال الشافعى: لا يحلف فى القسامة إلا الوارث البالغ، لأنها يمين فى دعوى حكمية،
فكانت كسائر الأيمان، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة.
١٦- واستدل به على تقديم الأسن فى الأمور المهمة، إذا كان فيه أهلية لذلك، لا ما إذا كان عريا عن
أهليته لها، ففيه فضيلة السن عند التساوى فى الفضائل. قال النووى: ولهذا نظائر، فإنها يقدم بها
فى الإمامة، وفى ولاية النكاح ندبا، وغير ذلك.
١٧- واستدل بقوله ((فتحلف لكم يهود)» على صحة يمين الكافر والفاسق.
١٨ - ومن قوله ((فكره رسول اللَّه أن يبطل دمه فوداه ...... إلخ)) ما كان عليه { * من الكرم،
وحسن السياسة، وجلب المصالح، ودرء المفاسد، وتأليف القلوب، ولاسيما عند تعذر
الوصول إلى استيفاء الحق.
٥١٦
١٩ - وفيه استحباب جبر الخاطر، ومواساة المجروحين، فإن أهل القتيل لا يستحقون إلا أن يحلفوا،
أو يستحلفوا المدعى عليهم، وقد امتنعوا من الأمرين، وهم مكسورون بقتل صاحبهم.
٢٠- وفيه أنه ينبغى للإمام مراعاة المصالح العامة، والاهتمام بإصلاح ذات البين.
٢١- استدل الإمام أبواسحاق المروزى من الشافعية، بقوله فى الرواية الخامسة ((من إبل الصدقة))،
بجواز صرف الدية من الزكاة، والجمهور على أن الصدقة المفروضة لا تصرف هذا المصرف، بل
هى لأصناف سماهم الله تعالى، ووجهه الجمهور بأن معناه: اشتراها من أهل الصدقات، بعد أن
ملكوها، ثم دفعها تبرعا إلى أهل القتيل، وحكى القاضى عياض عن بعض العلماء أنه يجوز صرف
الزكاة فى المصالح العامة، ونزَّل الحديث على هذا، وتأوله بعضهم على أن أولياء القتيل كانوا
محتاجين، ممن تباح لهم الزكاة، قال النووى: وهذا تأويل باطل، لأن هذا قدر كثير، لا يدفع إلى.
الواحد، ولأنه سماه دية، وتأوله بعضهم على أنه دفعه من سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة،
استئلافا لليهود، لعلهم يسلمون، وهذا ضعيف، لأن الزكاة لا يجوز صرفها إلى كافر، فالمختار أنه
اشتراها من إبل الصدقة.
٢٢ - وفيه أن الحكم بين المسلم والكافر يكون بحكم الإسلام.
٢٣ - وفيه جواز الحكم على الغائب .
٢٤- وسماع الدعوى فى الدماء من غير حضور الخصم.
٢٥ - وجواز اليمين بالظن، وإن لم يتيقن.
٢٦ - واستدل بقوله فى الرواية السادسة ((إما أن يدوا صاحبكم)) على أن الواجب بالقسامة الدية،
دون القصاص.
٢٧- استدل بالحديث على أن القسامة لا يطالب فيها المدعون بالبيئة أولا، لأنه لم يرد لها ذكر،
وتعقب بأن عدم الذكر لا يدل على عدم الوقوع، فقد يحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخر، فعند
النسائى)» قال رسول اللَّه ◌ُ﴾: أقم شاهدين على من قتله، أدفعه إليك برمته، قال: يارسول اللّه،
أنى أصيب شاهدين؟ وإنما أصبح قتيلا على أبوابهم؟ قال: فتحلف خمسين قسامة ... إلخ)). وعند
أبى داوود: ((أصبح رجل من الأنصار بخيبر مقتولا، فانطلق أولياؤه إلى النبى ®، فقال: شاهدان
يشهدان على قتل صاحبكم. قالوا: لم يكن ثم أحد من المسلمين، وإنما هم اليهود، وقد يجترئون
على أعظم من هذا » فتحمل رواياتنا على أنه طلب البيئة أولاً فلم تكن لهم بيئة، فعرض الأيمان.
أما قول بعضهم: إن ذكر البيئة فى بعض الروايات وهم، لأنه قد علم أن خيبر حينئذ لم يكن بها
أحد من المسلمين، فهو مردود، فإنه لو سلم أنه لم يسكن مع اليهود أحد من المسلمين، فإنه ثبت
فى نفس القصة أن المسلمين كانوا يدخلونها لمصالحهم وتجارتهم.
والله أعلم
٥١٧
(٤٤٢) باب المحاربين والمرتدين
٣٨٢٩ - ١° عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(٩) أَنَّ نَاسًا مِن عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِعَ لِ الْمَدِينَةَ
فَاجْتَوَوْهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ّ((إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى إِيلِ الصَّدَقَةِ فَتَشْرَبُوا مِن
أَلْبَابِهَا وَأَبْوَالِهَا» فَفَعَلُوا؛ فَصَحُوا، ثُمَّ مَالُوا عَلَى الرُّعَاةِ فَقَتَلُوهُمْ وَارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلامِ وَسَاقُوا
ذَوْدَ رَسُولِ اللّهِ ﴿ْ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ◌َ فَبَعَثَ فِي أَثْرِهِمْ فَأَنِيَ بِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ
وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ وَتَرَكَهُمْ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا.
٣٨٣٠ - ٣٠ عَنْ أَنَسٍ﴾(١٠) أَنَّ نَفَرًا مِن عُكْلٍ ثَمَانِيَةٌ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ
فَبَايَعُوهُ عَلَى الإِسْلامِ، فَاسْتَوْخَمُوا الأَرْضَ وَسَقِمَتْ أَجْسَامُهُمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى
رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿، فَقَالَ «أَلا تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِيْنَا فِي إِلِهِ فَتُصِيبُونٌ مِنْ أَبْوَالِهَا
وَأَلْبَائِهَا؟» فَقَالُوا: بَلَى. فَخَرَجُوا فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَصَحُّوا، فَقَتَلُوا الرَّاعِيّ
وَطَرَدُوا الإِيلَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ِ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ فَأُدْرِكُوا فَجِيءَ بِهِمْ.
فَأَمَرّ بِهِمْ فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ وَسُمِرَ أَعُْهُمْ ثُمَّ نُبِذُوا فِي الشَّمْسِ حَنِّى مَاتُوا
وقَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ فِي رِوَايَتِهِ «وَاشْرَدُوا النَّعَمَ» وَقَالَ «وَسُمِّرَتْ أَعْنُهُمْ)».
٣٨٣١ - ١١ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(١١) قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِلِ﴿ قَوْمٌ مِن عُكْلٍ أَوْ
عُرَيْنَةً فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ؛ فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ِ بِلِقَاحٍ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِن أَبْوَالِهَا
وَأَلْبَانِهَا. بِمَعْنَى حَدِيثِ حَجَّاجٍ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: وَسُمِرَتْ أَعُْهُمْ وَأَلْقُوا فِي الْحَرَّةِ
يَسْتَسْقُونَ فَلا يُسْقَوْنِ.
٣٨٣٢ - ١٣ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ(١٢) قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا خَلْفَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: مَا
(٩) وحَدَّا يَحْتَى بْنُ يَحْتِي التَّمِيمِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ كِلاهُمَا عَنْ هُشَيْمٍ وَاللَّفْظُ لِيَحْتِى قَالَ أَخْبُرْنَا هُشَيْمٌ عَن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنٍ
صُهَيْبٍ وَحُمَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
(١٠) حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّحِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شِئَةَ وَاللَّفْظُ لأَّبِي بَكْرٍ قَالَ حَدََّا ابْنُ عُلَيَّةً عَنَ حَجَّاجِ بْنٍ أَبِي عُثْمَانِ
حَدَّثَنِي أَبُو رَجَاءٌ مَوْلَى أَبِي قِلابَةً عَنْ أَبِي قِلابَةَ حَدَّثَبِي أَنَسٌ
(١١) وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُلَيَّمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّقَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُوبَ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ مَوْلَى أَبِي قِلابَةً قَالَ قَالَ
أَبُو قِلابَةٌ حَدَََّّا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ
(١٢) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ حِ وحَدْثََّا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ حَدْقََّا أَزْهَرُ السَّمَّانُ قَالا حَدْثَنَا ابْنُ عَوْنِ
حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أَّبِي قِلابَةً عَن أَبِي قِلابَةً
٥١٨
تَقُولُودٌ فِي الْقَسَامَةِ؟ فَقَالَ عَنْبَسَةُ: قَدْ حَدَّقْنَا أَنْسُ بْنُ مَالِكٍ كَذَا وَكَذَا. فَقُلْتُ: إِيَّايّ حَدَّثَ
أَنَسٌ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﴿ قَوْمٌ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِتَحْوٍ حَدِيثِ أَيُوبَ وَحَجَّاجٍ. قَالَ أَبُو قِلاَبَةَ:
فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ عَنْبَسَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ. قَالَ أَبُو قِلاَبَةً فَقُلْتُ: أَنْتِّهِمُنِي يَا عَنْبَسَةُ؟ قَالَ: لا. هَكّذًا
حَدَّثَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ يَا أَهْلَ الشَّامِ مَا دَامَ فِيكُمْ هَذَا أَوْ مِثْلُ هَذَا.
٣٨٣٣ - - وفي رواية عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(٣) قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِلِ﴿ْ ثَمَانِيَةُ ◌َفَرٍ
مِن عُكْلٍ بِنَحْوٍ حَدِيثِهِمْ وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ «وَلَمْ يَحْسِمْهُمْ)».
٣٨٣٤ - ١٣ِ عَنْ أَنَسِ ﴾(١٣) قَالَ: أَتَّى رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ نَفَرٌ مِن عُرَيْنَةَ فَأَسْلَمُوا وَبَايَعُوهُ وَقَدْ
وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ الْمُومُ (وَهُوَ الْبِرْسَامُ) ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ وَزَادَ وَعِنْدَهُ شَبَابٌ مِنَ الأَنْصَارِ
قَرِيبٌ مِن عِشْرِينَ فَأَرْسَلَهُمْ إِلَيْهِمْ وَبَعَثَ مَعَهُمْ قَائِفًا يَقْتَصُّ أَثَرَهُمْ.
٣٨٣٥ - - عَنْ أَنَسٍ وَفِي حَدِيثِ هَمَّامٍ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ◌َ رَهْطٌ مِن عُرَيْنَةَ. وَفِي حَدِيثٍ
سَعِيدٍ مِن عُكْلٍ وَغُرَيْنَةً بنحوٍ حَدِيثِهِمْ.
٣٨٣٦- ◌ُّدِ عَنْ أَنْسٍ ﴾(١٤) قَالَ: إِنَّمَا سَمَلَ النّبِيُّ ◌َ﴿ أَعْيُنَ أُولَئِكَ لأَنَّهُمْ
سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاء.
المعنى العام
إن السارق يعتدى على المال، فتقطع يده، وإن القاتل يقتل قصاصاً، فماذا لقاطع الطريق الذى
يعتدى على المال؟ ويقتل؟ ويلقى الرعب فى قلوب الناس؟ هؤلاء الذين يحاربون الله ورسوله،
ويسعون في الأرض فساداً، وقد بينت الآية الكريمة جزاءهم ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَنْدِيهِمْ
وَأَرْجُلُهُمْ مِن خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِن الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣].
وفى هذه القصة، ثمانية من أهل البوادى، أكرمهم النبى وَل﴾، وآواهم، وأطعمهم، وسقاهم، تحايلوا
للإفساد فى الأرض، وبيتوا نية الغدر، والغصب والقتل، فطلبوا من رسول اللّه# أن يخرجوا مع
(-) وحَدََّنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي شُعَيْبِ الْحَرَّانِيُّ حَدَّثَنَا مِسْكِينٌ وَهُوّ ابْنُ بُكَيْرِ الْحَرَّانِيُّ أَخْبُرَنَا الأَوْزَاعِيُّ حِ وَحَدَّثْنًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
عَبْدِالرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنَ يُوسُفَ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْتَيِّ بْنٍ أَبِي كُثِيرٍ عَن أَبِي قِلابَةً عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
(١٣) وحَدَّثْنَا هَازَّونُ بَنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثْنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَعِيلٌ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا سَمَّاكُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ مُعَاوِيّةٌ بْنِ قُرَّةً عَنْ أَنَسِ
- حَدَثْنَا هَذَّبُ بْنُ خَالِدٍ حَدْثََّا هَمٌَّ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ حَ وَحَدَََّّا ابْنُ الْمُثَنِّى حَدْفَنَا عَبْدُ الأَغْلَى خَّدَّثَنَا سَعِيدٌ غْنَ قْنَادَةً
عن أنس
(١٤) وحَدَّثَنِيّ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلِ الأَعْرَجُ حَدَََّّا يَحْتَى بْنُ غَيْلانْ حَدََّا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ سَلَيْمَانُ التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَسٍ
٥١٩
الرعاة، رعاة إبل الصدقة، وإبل رسول اللّه : *، بحجة أن أجسامهم سقمت فى المدينة، فهم أبناء
الصحراء والبوادى، وبحجة أن أمراضهم شفيت بشرب لبن الإبل وبولها، وهم مع الرعاة يجدون
حاجتهم من الأبوال والألبان، وأذن لهم رسول اللّهلم®، فخرجوا، ولما بعدوا عن المدينة، وانقطعوا فى
المراعى النائية، سولت لهم نفوسهم الشريرة، وسول لهم الشيطان أن يقتلوا الراعيين، ويستولوا على
الإبل، ويسوقوها إلى حيث يأمنون، بعيدا عن سلطات محمد {8# وأتباعه، إنهم ثمانية رجال، وإن
الرعاة غلامان ضعيفان، والإبل فوق الأربعين، غنيمة كبرى، بعدوان بسيط، لقد استفردوا بأحد
الغلامين فقيدوه، وفقئوا عينيه لئلا يرى، لكنه صرخ واستغاث، فذبحوه، ورأى الغلام الثانى الجريمة
من بعيد، ففر هاربا إلى المدينة، ولم يشغلوا أنفسهم بمحاولة اللحاق به، فهو أسرع، وأصح نشاطا
وحيوية، فاستاقوا الإبل إلى حيث يقصدون.
وبلّغ الغلام رسول اللَّه: ما حدث، وكان معه عشرون من شباب المسلمين الأشداء الفوارس،
فثارت نفوسهم أن يلحقوا بهم، فبعث رسول اللّه :* معهم قائفا، يعرف الأثر، ليدلهم على الطريق
الذى سلكوه، وما هى إلاّ ساعات حتى أدركوهم، ولم يمض يوم حتى كانوا بين يدى رسول اللَّه ◌َ﴿،
فحكم فيهم بحكم الله، أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وأن يقتص منهم بفقء عيونهم، وأن
يتركوا فى شمس الصحراء حتى يموتوا، وكان فى ذلك الجزاء الأمن والأمان، لأبناء المجتمع
الإسلامى، والعقوبة الرادعة لمن تسول له نفسه من الأشقياء السعى فى الأرض بالفساد.
المباحث العربية
(أن ناسا من عُرَينة) بضم العين وفتح الراء، مصغر، اسم قبيلة، أوحى من بجيلة، وفى الرواية
الثانية ((أن نفرا من عكل)) بضم العين وسكون الكاف، وهى قبيلة من تيم الرباب، وفى الرواية الثالثة
((قوم من عكل أو عرينة)) بأو، وفى الرواية الخامسة ((نفر من عرينة)) وفى ملحق الرابعة ((نفر من
عكل)) وفى ملحق الخامسة ((رهط من عرينة)) وفى ملحقها ((من عكل وعرينة)) والظاهر أن بعضهم
كان من عكل، وبعضهم كان من عرينة فحين ذكرت واحدة قصدت الثانية معها، وحين ذكرت ((أو))
كانت بمعنى الواو. وكان عددهم ((ثمانية)) كما جاء فى الرواية الثانية، وملحق الرواية الرابعة.
(قدموا على رسول اللَّه ◌َل المدينة) ليعلنوا إسلامهم، ويبايعوه، كما جاء فى الرواية الثانية
والخامسة، وكان قدومهم فى شوال أوذى القعدة سنة ست من الهجرة.
(فاجتووا المدينة) يقال: اجتويت البلد، إذا كرهت المقام فيه، أو تضررت بالإقامة
فيه، وفى الرواية الثانية ((فاستوخموا الأرض)) أى أرض المدينة، وهو بمعنى اجتووا. وعند
البخارى ((فقالوا: يا نبى الله، إنا كنا أهل ضرع)) أى رعاة إبل وبقر فى البرية ((ولم نكن أهل
ريف)) أى أهل إقامة وزراعة، كما هو الحال فى المدينة، وفى رواية له أيضا ((إن ناسا كان
بهم سقم، قالوا: يارسول الله آونا وأطعمنا، فلما صحوا قالوا: إن المدينة وخمة)) أما السقم
٥٢٠