Indexed OCR Text

Pages 81-100

٣٢٦١ - ٣٧ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهِ عَنْهَا (٢٧) قَالَتْ: خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِع ◌َلِفَاخْتَرْنَاهُ فَلَمْ
يَعُدَّهُ طَلَاقًا.
٣٢٦٢ - ٢٨- عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهِ عَنْهَا(٢٨) قَالَتْ: خَيََّنَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ِ فَاخْتَرْنَاهُ. فَلَمْ
يَعْدُدْهَا عَلَيْنَا شَيْئًا.
٣٢٦٣- ٢٩- عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهِ عَنْهِمًا (٢٩) قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى
رَسُولِ اللَّهِ﴿ فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا بِيَابِهِ. لَمْ يُؤْذَثْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ. قَالَ: فَأُذِنْ لأَبِي بَكْرٍ فَدَخَلَ.
ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ. فَوَجَدَ النّبِيَّلَّ جَالِسًا، حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ. وَاجِمًا سَاكِعًا. قَالَ:
فَقَالَ: لَأَقُولَنَّ شَيْئًا أُصْحِكُ النّبِيِّلِ﴿ِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةَ سَأَلْنِي
النَّفَقَةَ فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَوَجَأْتُ عُنُقُهَا. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ فَ﴿ وَقَالَ «هُنَّ حَوْلِي كَمَّا تَرَى.
يَسْأَلْنِي النَّفَقَةَ. فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ يَجَأْ عُنْقَهَا. فَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا. كِلاهُمَا
يَقُولُ: تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ. فَقُلْنَ: وَاللَّهِ لا نَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ﴿ْ شَيْئًا أَبَدًا
◌َيْسَ عِنْدَهُ. ثُمَّ اغْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ. ثُمَّ نَزَّلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ ﴿يَا أَيُّهَا النّبِيُّ قُلْ
لأَرْوَاجِكَ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قَالَ: فَبَدَأَ بِعَائِشَةُ. فَقَالَ «يَا عَائِشَةُ
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَغْرِضَ عَلَيْكِ أَمْرًا أُحِبُّ أَنْ لا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ» قَالَتْ: وَمّا
هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَتَلا عَلَيْهَا الآيَةَ. قَالَتْ: أَفِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْتَشِيرُ أَبَوَيَّ؟ بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ. وَأَسْأَلُكَ أَنْ لا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ، قَالَ «لا تَسْأَلُنِي
امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلا أَخْبَرْتُهَا. إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّنًا وَلا مُتَعَنّنًا. وَلَكِنْ بَعَثْنِي مُعَلِّمًا مُيْسِرًا».
٣٢٦٤ - ٣٠- عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطْابِ ﴾(٣١) قَالَ: لَمَّا اعْتَزَلَ نَبِيُّ اللَّهِلَ﴿ْ نِسَاءَهُ، قَالَ:
(٢٧) وحَدَّثَنِي إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمِ الأَحْوَلِ وَإِسْمَعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الشَّغْيِّ عَنْ
مُسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةً
(٢٨) حَدََّا يُحْتِى بْنُ يَحْتِى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَ يَحْتِى أَخْبُرَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ حَدَّا أَبُو مُعَاوِيَّةً عَنِ الأَعْمَشِ
عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةً
- وحَدََّيِّي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ حَدْثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ زَكْرِيَّءَ حَدََّا الأَعْمَشُ عَنْ إِرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ وَعَنِ الأَعْمَّشِ
عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرِّوَقَ عَنْ عَائِشَةٌ بِمِثْلِهِ.
(٢٩) وحَدْثََّا ؤُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَثْنَا رَوْحٌ بْنُ عُبَادَةً حَدَّثْنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَقَ حَدْقَنَا أَبُو الزُّبِيْرِ عَنْ جَابٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
(٣٠) حَدَّثَتِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدََّا عُمَّرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَّفِيُّ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ عَنْ سِمٍَّ أَبِي زُمَّلٍ خَدَّتِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَبَّاسٍ
حَدَِّي عُمَّرُ بْنُ الْخَطَّابِ
٨١

دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ. فَإِذَا النَّاسُ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى وَيَقُولُونَ: طَلِّقَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿يَ نِسَاءَهُ. وَذَلِكَ
قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرْنَ بِالْحِجَابِ. فَقَالَ عُمَرُ فَقُلْتُ: لأَعْلَمَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ.
فَقُلْتُ: يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْتِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِوَ﴿هَ؟ فَقَالَتْ: مَا لِي وَمّا لَكَّ
يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ عَلَيْكَ بِعَيْتِكَ. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ. فَقُلْتُ لَهَا: يَا حَفْصَةُ
أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَن تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﴿ وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ لا يُحِبُّكِ.
وَلَوْلا أَنَّا لَطَلْقَكِ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ. قَبَكَتْ أَشَدَّ الْبُكَاءِ. فَقُلْتُ لَهَا: أَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ وَ قَالَتْ
هُوَ فِي خِزَالَتِهِ فِي الْمَشْرِّبَةِ. فَدَخَلْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَبَاحٍ غُلامٍ رَسُولِ اللَّهِلِ﴿ قَاعِدًا عَلَى أُسْكُفْةٍ
الْمَشْرَُّةِ، مُدَلِّ رِجْلَيْهٍ عَلَى تَقِيرٍ مِنْ خَشَبٍ. وَهُوَ جِدْعٌ يَرْقَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ وَيَنْحَدِرُ.
فَنَادَيْتُ يَا رَبّاحُ اسْتَأْذِن لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِعَ﴿ِ. فَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَةِ. ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ.
فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَبَاحُ اسْتَأْذِن ◌ِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِعَ. فَنَظَرَ رَّبَاحٌ إِلَّى
الْغُرْفَةِ. ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ. فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. ثُمَّ رَفَعْتُ صَوْتِي فَقُلْتُ: يَا رّبَاحُ اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَّى
رَسُولِ اللَّهِلَّ فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ ظَنَّ أَنِي جِئْتُ مِنْ أَجْلِ حَفْصَةَ. وَاللَّهِ لَيْنْ أَمَرِّي
رَسُولُ اللَّهِ،وَ﴿َّ بِضَرْبِ عُنُقِهَا لِأَضْرِبَنَّ عُقَهَا. وَرَفَعْتُ صَوْتِيٍ. فَأَوْمَاً إِلَيَّ أَنِ ارْقَهْ. فَدَخَلْتُ
عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ. فَجَلَسْتُ. فَأَذْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ. وَلَيْسَ عَلَيْهِ
غَيْرُهُ. وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثْرَ فِي جَنْبِهِ. فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةٍ رَسُولِ اللَّهِ﴿ فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَّةٍ
مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ، وَمِثْلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ. وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌّ. قَالَ: فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايّ.
قَالَ «مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟» قُلْتُ: يَا نَّبِيَّ اللَّهِ وَمَا لِي لا أَبْكِي؟ وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثْرَ
فِي جَنْبِكَ. وَهَذِهِ خِزَالْتُكَ لا أَرَى فِيهَا إِلا مّا أَرَى، وَذَاكَ فَيْصَرُ وَكِسْرَى فِي الثَّمَارِ وَالأَنْهَارِ
وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ وَصَفْوَتُهُ. وَهَذِهِ خِزَانْتُكَ. فَقَالَ «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أَلا تَرْضَى أَنْ تَكُونُ
لَّا الآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا؟» قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ حِينَ دَخَلْتُ وَأَنَا أَرَى فِي وَجْهِهِ
الْغَضَبَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَشُقُّ عَلَيْكَ مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ؟ فَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ
مّعَكَ وَمَلائِكَتَهُ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، وَأَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَالْمُؤْمِنُونٌ مَعَكَ. وَقَلِّمَا تَكَلِّمْتُ، وَأَحْمَدُ
اللَّةَ، بِكّلامٍ إِلا رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ يُصَدِّقُ قَوْلِي الْذِي أَقُولُ. وَنَزَّلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. آيَةُ التّخْبِيرِ
﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلْقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ ﴿وَإِن تَظَاهَرًا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ
وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ وَكَانَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ وَحَفْصَةُ
تَظَاهَرَانٍ عَلَى سَائِرٍ نِسَاءِ الْبِيِّ :﴿ِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَطَلَقْتَهُنَّ؟ قَالَ «لا» قُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَالْمُسْلِمُونِ يَنْكُونُ بِالْحَصَّى. يَقُولُونَ: طَلِّقَ رَسُولُ اللَّهِعَل
٨٢

بِسَاءَهُ. أَفَأَنْزِلُ فَأَخْبِرَهُمْ أَنْكَ لَمْ تُطَلَّقْهُنَّ؟ قَالَ «نَعَمْ. إِنْ هِفْتَ» فَلَمْ أَزَّلْ أُحَدَّفُهُ حَتَّى تَحَسَّرَ
الْغَضَبُ عَنْ وَجْهِهِ. وَحَتْى كَشَرَ فَصَحِكَ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ ثَغْرًا، ثُمَّنَزَلَ قَبِيُّاللَّهِلَّ
وَنَزَلْتُ. فَنَزَّلْتُ أَتَشَبَّثُ بِالْجِذْعِ وَنَزّلَ رَسُولُ اللَّهِ لَّ كَأَنْمَا يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا يَمَسُّهُ
بِيَدِهِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا كُنْتَ فِي الْغُرْفَةِ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ. قَالَ «إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا
وَعِشْرِينَ» فَقُمْتُ عَلَى بَابِ الْمُسْجِدِ. فَتَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: لَمْ يُطَلِّقْ رَسُولُ اللَّهِ وَّ
نِسَاءَهُ. وَنَزَّلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَّى
الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الْذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ فَكُنْتُ أَنَا اسْتْبَطْتُ ذَلِكَ
الأَمْرَ. وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آيَةُ التخييرِ.
٣٢٦٥ - ٣١- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهِمًا(٣١) قَالَ: مَكَفْتُ سَنَّةً وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ
أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ آيَةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هَيْبَةٌ لَهُ، حَتِى خَرَجٌ حَاجًا فَخَرَجْتُ
مَعَّهُ، فَلَمَّا رَجْعَ، فَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، عَدَلَ إِلَى الأَرَاكِ لِحَاجَةٍ لَهُ. فَوَقَفْتُ لَهُ حَتِى فَرَغَ، ثُمْ
سِرْتُ مَعَهُ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ مِنْ أَزْوَاجِهِ؟
فَقَالَ: ◌ِلْكَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ. قَالَ فَقُلْتُ لَّهُ: وَاللَّهِ إِن كُنْتُ لِأُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ هَذَا مُنْذُ سَنَّةٍ
فَمَا أَسْتَطِيعُ هَيْبَةً لَكَ. قَالَ: فَلا تَفْعَلْ مَا ظَنْتَ أَنْ عِنْدِي مِنْ عِلْمٍ فَسَلْنِي عَنْهُ. فَإِنْ كُنْتُ
أَعْلَمُهُ أَخْبَرْتُكَ. قَالَ: وَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ إِذْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنّسَاءِ أَمْرًا. حَتْى أَنْزَلَ
اللَّهُ تَعَالَى فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ. وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ. قَالَ: فَبَيْئَمَا أَنَا فِي أَمْرٍ أَتَمِرُهُ، إِذْ قَالَتْ لِي
امْرَّأَبِي: لَوْ صَّنَعْتَ كَذَا وَكَذَا، فَقُلْتُ لَهَا: وَمَا لَكِ أَنْتٍ وَلِمَا هَاهُنَا؟ وَمَا تَكُلُّفُكِ فِي أَمْرٍ
أُرِيدُهُ؟ فَقَالَتْ لِي: عَجَبًا لَكَ، يَا ابْنَ الْخَطَّابِ مَا تُرِيدُ أَن تُرَاجَعَ أَنْتَ، وَإِنَّ ابْتَشُكَ لَتُرَاجِعُ
رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ حَتَّى يَظَلْ يَوْمَهُ غَضْبَانٌ. قَالَ عُمَرُ: فَآخُذُ رِدَائِي ثُمَّ أَخْرُجُ مَكَّانِي. حَتَّى أَدْخُلُ
عَلَى خَفْصَةٌ. فَقُلْتُ لَهَا: يَا بُنَّةُ إِنَّكِ لَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللَّهِ فَ﴿ِ حَتَّى يَظْلِّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ. فَقَالَتْ
خَفْصَةُ: وَاللَّهِ إِنَّا لَنُرَاجِعُهُ. فَقُلْتُ: تَعْلَمِينَ أَنِّي أَحَذّرُكِ عُقُوبَةَ اللَّهِ وَغَضَبَ رَسُولِهِ، يَا بَيَّةُ لا
يَغُرَّنْكِ هَذِهِ الَّتِي قَدْ أَعْجَبُهَا حُسْنُهَا. وَحُبُّ رَسُولِ اللَّهِعَّ ◌ِيَّاهَا، ثُمَّ خَرَجْتُ حَتّى أَدْخُلٌ
عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ. لِقَرَابَتِي مِنْهَا. فَكُلِّمُهَا. فَقَالَتْ لِي ◌ُّ سَلَمَةَ: عَجْبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطْابِ قَدْ
دَخَلْتَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَبْتَغِيَ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ﴿ وَأَزْوَاجِهِ. قَالَ: فَأَخَذَتْنِي أَخْذًا
(٣١) حَدَّا هَارُونُ بْنُّ سَعِيدٍ الأَثِيُّ حَدْقَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَبِي سُلَيْمَانُ يَعْنِي (ابْنَ بِلالٍ) أَخْبَرَبِي يَحْيَى أَخْبَرَنِي عَبْدُ بْنُ
حَيْنٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ
٨٣

كَسْرَتْنِي عَنْ بَعْضٍ مَا كُنْتُ أَجِدُ. فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهَا. وَكَانَ لِي صَاحِبٌ مِنَ الأَنْصَارِ. إِذَا
غِيْتُ أَثَانِي بِالْخَبَرِ. وَإِذَا غَابَ كُنْتُ أَنَا آتِيهِ بِالْخَبَرِ. وَنَحْنُ حِينَئِذٍ نَتَخَوَّفُ مَلِكًا مِنْ مُلُّوَكٍ
غَسَّان. ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْنَا، فَقَدِ امْثَلاَتْ صُدُورُنَا مِنْهُ. فَأَتَى صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ
يَدُقُّ الْبَابَ. وَقَالَ: افْتَحِ. افْتَحْ. فَقُلْتُ: جَاءَ الْغَسَّائِيُّ؟ قَالَ: أَشْدُّ مِنْ ذَلِكَ. اعْتَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ
﴿ أَزْوَاجَهُ. فَقُلْتُ: رَغِمَ أَنْفُ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ، ثُمَّ آخُذُ ثَوْبِي فَأَخْرُجُ، حَتَّى جِئْتُ. فَإِذَا
رَسُولُ اللَّهِلَه فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ يُرْتَقَى إِلَيْهَا بِعَجَلَةٍ. وَغُلامٌ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ أَسْوَدُ عَلَى رَأْسٍ
الدَّرَجَةِ. فَقُلْتُ: هَذَا عُمَرُ. فَأُذِن لِي. قَالَ عُمَرُ: فَقَصَصْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِعَ﴿ِ هَذَا الْحَدِيثَ.
فَلَمَّا بَلَغْتُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿َ. وَإِنْهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ.
وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ. وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَصْبُورًا. وَعِنْدَ رَأْسِهِ أُهُبًّا
مُعَلَّقَةٌ. فَرَأَيْتُ أَثْرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِلَّ. فَبَكَّيْتُ. فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكَ؟» فَقُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللّهِ إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمًا هُمَّا فِيهِ. وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ لَ «أَمَا
تَرْضَى أَنْ تَكُونُ لَهُمَا الدُّنْيَا وَلَكَ الآخِرَةُ؟».
٣٢٦٦- ٣٢ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهِمًا(٣٢) قَالَ: أَقْبَلْتُ مَعَ عُمَرَ. حَتَّى إِذَا كُنْا بِمَرٌ
الظَّهْرَانِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ. كَنَحْوِ حَدِيثٍ سُلَيْمَانَ بْنٍ بِلالٍ. غَيْرَ أَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: شَأْنُ
الْمَرْأَيْنِ؟ قَالَ: حَفْصَةُ وَأُمُّ سَلَمَةً. وَزَادَ فِيهِ: وَأَتَيْتُ الْحُجَرَ فَإِذَا فِي كُلِّ بَيْتٍ بُكَاءٌ. وَزَادَ
أَيْضًا: وَكَانَ آلَى مِنْهُنَّ شَهْرًا، فَلَمَّا كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ نَزَلَ إِلَيْهِنَّ.
٣٢٦٧ - -٣٣- عَن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهِمًا(٣) قَالَ: كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنٍ
الْمَرَّتَيْنِ اللَّيْنِ تَظَاهَرَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِعَ﴿ِ. فَلَبِفْتُ سَنَةً مَا أَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا. حَتَّى
صَحِيْتُ إِلَى مَكَّةَ. فَلَمَّا كَانَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ ذَهَبَ يَقْضِي حَاجْتَهُ. فَقَالَ: أَدْرِكْيِي بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ.
فَتَيْتُهُ بِهَا. فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ وَرَجْعَ ذَهَبْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ. وَذَكَرْتُ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ
مَنِ الْمَرْأَتَانِ؟ فَمَا قَضَيْتُ كَلامِي حَتَّى قَالَ: عَائِشَةُ وَحَفْصَةٌ.
٣٢٦٨ - ٣٤- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهِمًا(٣٤) قَالَ: لَمْ أَزَّلْ حَرِيصًا أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنٍ
(٣٢) وحَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثْنَا عَفّانُ حَدَثْنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةً أَخْبُرَبِي يَحْتِي بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدٍ بْنِ حُنَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
(٣٣) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَزُّهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ قَالاَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ سَمِعٌ عُبَيْدَ
ابْنَ حُنَيْنِ وَهُوَ فَوْلَى الْعَّاسِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسِ يَقُولَ
(٣٤) وحَّدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ اَلْحَنْظَلِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِيّ عُمَرٌ وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدًَّا وَقَالَ إِسْحَقُ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ غَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَوْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
٨٤

الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النّبِيِّ ﴿ اللَّيْنِ قَالَّ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِن تَتُوبًا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾.
خَتَّى حَجَّ عُمَرُ وَحَجَجْتُ مَعَهُ. فَلَمَّا كُنَّا بِيَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ عُمَرُ وَعَدَّلْتُ مَعَهُ بِالإِدَاوَةِ.
فَتَبَوَّزَ. ثُمَّ أَتَانِي فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ. فَتَوَضَّأَ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِيِينَ مَنِ الْمَرْآَتَانِ مِنْ أَزْوَاجٍ
النّبِيِّ ◌َّ اللَّتَانِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمَا: ﴿إِن تَتُوبًا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾؟ قَالَ
عُمَرُ: وَاعَجْبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسِ (قَالَ الزُّهْرِيُّ: كَرِهَ، وَاللَّهِ مَا سَأَلَّهُ عَنْهُ وَلَمْ يَكْتُمْهُ) قَالَ: هِيَ
حَقْصَةُ وَعَائِشَةُ. ثُمَّ أَخَذَ يَسُوقُ الْحَدِيثَ. قَالَ: كُنَّا، مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، قَوْمًا تَغْلِبُ النِّسَاءِ، فَلَمًّا
قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِيُهُمْ نِسَاؤُهُمْ. فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتْعَلَّمْنَّ مِنْ نِسَائِهِمْ. قَالَ: وَكَانَ
مَنْزِلِي فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، بِالْعَوَالِي. فَتَعْضِّبْتُ يَوْمًا عَلَى امْرَأْتِي. فَإِذَا هِيَّ تُرَاجِعُنِي. فَأَتْكَرْتُ
أَثْ تُرَاجِعَيِي. فَقَالَتْ: مَا تُنكِرُ أَنْ أَرَاجِعَكَ؟ فَوَاللَّهِ إِنْ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ◌َ﴿ لَيْرَاجِعْنَهُ. وَتَهْجُرُهُ
إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ. فَالْطَلَقْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ. فَقُلْتُ: أَتْرَاجِعِينَ رَسُولَ اللَّهِم ◌َ؟
فَقَالَتْ: نَعَمْ. فَقُلْتُ: أَتَهْجُرُهُ إِحْدَاكُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ
ذَلِكَ مِنْكُنَّ وَخَسِرَ. أَفْتَأْمَنُ إِحْدَاكُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا لِغَضَبٍ رَسُولِهِ ﴾. فَإِذَا هِيَ قَدْ
هَلَكَتْ. لا تُرَاجِعِي رَسُولَ اللَّهِل:﴿ وَلا تَسْأَلِيهِ شَيْئًا. وَسَلِيبِي مَا بَدَا لَكِ. وَلا يَغُرَّنْكِ أَنْ
كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمَ وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِلَّ مِنْكِ (يُرِيدُ عَائِشَةَ). قَالَ: وَكَانَ لِي جَارٌ
مِنَ الأَنْصَارٍ. فَكُنَّا نَتْنَاوَبُ الُّزُولَ إِلَى رَسُولِ اللّهِعَ﴿ِ. فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا. فَيَأْتِي بِخْبَرِ
الْوَحْيٍ وَغَيْرِهِ. وَآتِيهِ بِمِثْلٍ ذَلِكَ. وَكُنّا لَتَحَدَّثُ؛ أَنَّ غَسَّانَ تْعِلُ الْخَيْلَ لِتَغْزُوَّنَا. فَنَزَّلَ
صَاحِبِي. ثُمَّ أَتَانِي عِشَاءً فَضَرَبٌ بَابِي. ثُمَّ نّادَانِي. فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ. فَقَالَ: حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ.
قُلْتُ: مَاذَا؟ أَجَاءَتْ غَسَّاكُ؟ قَالَ: لا. بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَطْوَلُ. طَلَّقَ النّبِيُّلَّ نِسَاءَهُ.
فَقُلْتُ: قَدْ خَابَتْ حَقْصَةُ وَخَسِرَتْ، قَدْ كُنْتُ أَظُنُّ هَذَا كَائِبًا. حَتَّى إِذَا صَلَيْتُ الصُّبْحَ شَدَدْتُ
عَلَيَّ لِيَابِي. ثُمَّ نَزَلْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةٌ وَهِيَ تَنْكِي. فَقُلْتُ: أَطَلْقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ وَاُ؟
فَقَالَتْ: لا أَدْرِي. هّا هُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ فِي هَذِهِ الْمَشْرِّبَةِ. فَأَتَيْتُ غُلامًا لَهُ أَسْوَدَ. فَقُلْتُ: اسْتَأْذِن
لِعُمَرَ. فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ. فَقَالَ: قَدْ ذَكَرَّتُكَ لَهُ فَصَمَتَ. فَانْطَلَقْتُ حَتَّى الْتَهَيْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ
فَجَلَسْتُ. فَإِذَا عِنْدَهُ رَهْطٌ جُلُوسٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ. فَجَلَسْتُ قَلِيلا. ثُمَّ غَلَيْنِي مَا أَجِدُ. ثُمَّ أَتَيْتُ
الْغُلامَ فَقُلْتُ: اسْتَأْذِن لِعُمَرَ. فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ فَقَالَ: قَدْ ذَكَرُكَ لَهُ فَصَمَتَ. فَوَلَيْتُ
مُدْبِرًا. فَإِذَا الْغُلامُ يَدْعُونِي. فَقَالَ: ادْخُلْ. فَقَدْ أَذِنَ لَكَ. فَدَخَلْتُ فَسَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ
*. فَإِذَا هُوَ مُنْكِىٌّ عَلَى رَمْلٍ حَصِيرٍ. قَدْ أَثْرَ فِي جَنْبِهِ. فَقُلْتُ: أَطَلْقْتَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ
بِسَاءَكَ؟ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَقَالَ «لا» فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ لَوْ رَأَيْتَنَا، يَارَسُولَ اللَّهِ وَكْنًا، مَعْشَرَ
٨٥

قُرَيْشٍ، قَوْمًا تَغْلِبُ النِّسَاءَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْنَا قَوْمًا تَعْلِيُهُمْ نِسَاؤُهُمْ. فَطَّفِقَ نِسَاؤُنَا
يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ. فَتَغَضِّبْتُ عَلَى امْرَأْنِي يَوْمًا. فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُيِي. فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي.
فَقَالَتْ: مَا تُنْكِرُ أَن أَرَاجِعَكَ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ: ﴿َ لَيْرَاجِعْنَهُ. وَتَهْجُرُهُ إِحْذَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَّى
اللَّيْلٍ. فَقُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكِ مِنْهُنَّ وَخَسِرَ. أَفْتَأْمَنُ إِحْدَاهُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا
لِغَضّبٍ رَسُولِهِ﴿ّ. فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ
دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ: لا يَغُرِّنْكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمُ مِنْكِ وَأَحَبُّ إِلَى رَسُولِ
اللَّهِ وَ﴿ مِّنْكِ. فَتَبَسَّمَ أُخْرَى فَقُلْتُ: أَسْتَأْيِسُ. يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «نَعَمْ﴾ فَجَلَسْتُ. فَرَفَعْتُ
وَأْسِي فِي الْبَيْتِ. فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ، إِلا أُهْبًا ثَلاثَةٌ. فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ يَا
رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمْبِكَ، فَقَدْ وَسَّعَ عَلَى فَارِسَ وَالرُّومِ. وَهُمْ لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ. فَاسْتَوَى
جَالِسًا ثُمَّ قَالَ «أَفِي شَكِّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطْابِ؟ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيَِّاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا». فَقُلْتُ: اسْتَغْفِرْ لِي. يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَان أَقْسَمَ أَن لا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا مِنْ شِدَّةٍ
مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ. حَتَّى عَاتَّبَهُ اللَّهُ عَزْ وَجَلَّ.
٣٢٦٩ - -٣٥- عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا(٣٥) قَالَتْ: لَمَّا مَضَى تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةٌ، دَخَلَ
عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ﴿. بَدَأَ بِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا.
وَإِنَّكَّ دَخَلْتَ مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ. أَعُدُّهُنَّ. فَقَالَ «إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُون» ثُمَّ قَالَ «يَا
عَائِشَةُ إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلا عَلَيْكِ أَنْ لا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ». ثُمَّ قَرَأْ عَلَيَّ
الآيَةَ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾ خَتِى بَلَغَ ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ عَلِمَ، وَاللّهِ أَنْ
أَبَوّيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرِّي بِفِرَاقِهِ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَوَ فِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللّه
وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ. قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبُرَنِي أَيُوبُ: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لا تُخْبِرْ بِسَاءَكَ أَنّي
اخْتَرْتُكَ. فَقَالَ لَهَا النّبِيُّ ◌َّ «إِنَّ اللّهَ أَوْسَلَنِي مُبَلْغًا وَلَمْ يُرْسِلْنِي مُتَعَنًِّا». قَالَ قَتَادَةُ: صَغَتْ
قُلُوبُكُمَا مَالَتْ قُلُوبُكُمًا.
المعنى العام
يخطئ من يظن أن بيت الرسول 8 كان هادئا، خاليا من المشاكل، ترفرف عليه أجنحة
السعادة فى كل حين، وكيف يظن ذلك ظان فى بيت يجمع بين تسع نسوة من البشر، ذوات طباع
(٣٥) قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبُرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةٌ
٨٦

مختلفة، وبيئات مختلفة، وأسر مختلفة، وأسنان مختلفة، فيهن الصغيرة التى تعيش ما بين العاشرة
والثامنة عشرة من عمرها. وكبيرة السن التى تقضى ما بين الخمسين والستين من عمرها، كلهن
متزوجات قبله برجال آخرين إلا واحدة. كلهن عشن مع أزواجهن السابقين عيشة الحياة العادية،
عشن مع أزواج فى ريعان شبابهن، ويحياة الجاهلية وأعرافها وتقاليدها، بعضهن من أسر عالية
الحسب، كأم حبيبة بنت أبى سفيان زعيم قريش، وبعضهن من أسر متواضعة، بعضهن ابنة أحب
الناس إليه* وبعضهن ابنة من كان أعدى أعدائه، وقائد محاربيه، إحداهن ابنة عمته، وبعضهن من
قبائل اليهود، بعضهن جميلات يتيه بهن الحسن، وبعضهن غير ذات جمال. كيف يمكن لهذا الخليط
غير المتجانس، أن يتعايش فى أمن وأمان، على هيئة ضرائر، يتنازعن رجلا واحدا؟ وكيف يستطيع
رجل أن يسوس تسعا مختلفات المشارب، متباينات الأهواء؟ وأكثر الرجال يعجز أمام سياسة
امرأة واحدة؟ حقا إنه# فريد فى أخلاقه، فريد فى حكمته، فريد فى قدرته وتحمله، فريد فى صبره،
فريد فى حلمه، فريد فى عدله، فريد فى عفوه، فريد فى عطائه، فريد فى حسن معاشرته.
يخطئ من يظن أن أزواج النبي 18 كن على طبائع غير طبائع النساء العاديات، نعم
إنهن بمجرد انتسابهن إلى بيت النبوة، وبمجرد استظلالهن بظل الرسول و ﴾، وبمجرد
تشريفهن بلقب أمهات المؤمنين، وجب عليهن ما لم يجب على بقية النساء، وصارلهن من
الحقوق فوق ما لغيرهن من الزوجات، صارت السيئة منهن مضاعفة العقاب، والحسنة
منهن مضاعفة الثواب ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِن النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]. ﴿يَانِسَاءَ
النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يَّضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيَّن﴾ [الأحزاب: ٣٠]. ﴿وَمَن
يَقْنَّتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولَهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْن﴾ [الأحزاب: ٣١] من هنا كانت
الصغيرة منهن كبيرة، وكان ما يقبل من غيرهن لا يليق بمقامهن، وكان ما عددناه عليهن لا
نعده ولا نحسبه شيئا من غيرهن. فماذا ياترى وقع منهن؟ وكيف عالجه رسول اللَّهِ وَ﴿؟
يذكر الرسول { بالخير زوجته الأولى خديجة أمام عائشة، ويترحم عليها، ويدعولها، فتثور
عائشة، وتغار من خديجة وهى فى قبرها، فتقول: خديجة؟ خديجة؟ خديجة؟ كأنه لم يكن
فى الأرض إلا خديجة؟ ما تذكر من عجوز شمطاء، حمراء الشدقين- أى سقطت أسنانها-
هلكت فى غابر الدهر. قد أبدلك الله خيراً منها، فيقول صلى الله عليه وسلم فى هدوء
الحكيم: كلا. والله ما أبدلني الله خيراً منها. صدقتنى حين كذبنى الناس، وآوتنى حين
هجرنى الناس، وواستنى بمالها حين حرمنى الناس، ورزقت منها الولد وحرمتموه.
وتعتز عائشة بأنها وحدها التى تزوجها بكرا، وتتعالى على أخواتها أمهات المؤمنين بذلك،
وتحاول أن تزيد من استئثارها به فوق ما كان يحبها، فتقول: يا رسول الله، أرأيت لو نزلت واديا فيه
شجر قد رعى، وشجر لم يرع، فى أيها ترتع بعيرك؟ فيقول: فى الشجر الذى لم يرع. فتقول: فأنا هيه،
كل واحدة من نسائك كانت عند رجل غيرك. إلا أنا. فيبتسم صلى اللَّه عليه وسلم.
وتخرج هى وحفصة مع رسول اللّه :﴿ فى سفر، فتدفعها الغيرة أن تظن أنه صلى الله عليه وسلم
٨٧

يكلم حفصة بما لا يكلمها من معسول القول، أو تريد أن تكايد حفصة وتريها كيف يحادثها رسول الله
# محادثة الحبيب للحبيب، فتقول لحفصة وقد جمعهما سفر من الأسفار: اركبى جملى، وادخلى
هودجی، وأركب جملك وأدخل هودجك. فيظنك رسول الله# عائشة، ويظننى حفصة، فننظر ما
يقول لكل منا؟ ويسير رسول الله :* طويلاً بجوار حفصة يظنها عائشة، فتغار عائشة، وينزل الركب
فينزل صلى الله عليه وسلم بجوار حفصة بعيداً عن عائشة، وتلوم نفسها، وتعض على كفها، وتضع
رجلها فى الحشائش لعل ثعبانا يلدغها، تقول: رب سلط على عقربا يلدغنى. أنا التى جئت به لنفسى.
ويشتد النقاش بين صفية وبين إحدى نساء النبى 8# فتقول لصفية: يابنت اليهودية، فتبكى
صفية، وتشكو إلى رسول اللَّه * فيقول لها: قولى: أبى موسى وعمى هارون عليهما السلام.
ويتحزب نساء النبى 8* إلى حزبين، حزب تقوده عائشة، وحزب تقوده زينب بنت جحش،
وتذهب زينب إلى رسول الله# فى بيت عائشة تطلب منه أن ينصفها وحزبها من عائشة وحزبها
فتهاجمها عائشة، وتكيل لها، وهى تكيل لعائشة حتى أسكتتها عائشة، وخرجت مغضبة، ورسول الله
* لا يتدخل.
وقصة العسل، وتحايل فريق عائشة على رسول اللَّه # حتى حرمه على نفسه إرضاء لزوجاته
وغضب له ربه، وعاتبه على حرصه الشديد على مرضاة أزواجه على حساب نفسه. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبيُّ لِمَ
تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَرْوَاجِكَ﴾؟ وحذر الأزواج وهددهن ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُّنْيِلَهُ
أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] ومع ذلك لم يتوقف التظاهر، ففى يوم من الأيام تجمع الحزبان على
هدف واحد، هو المطالبة بزينة الدنيا كنساء كسرى وقيصر، وأحطن به تسكت هذه وتتكلم الأخرى،
ورسول اللَّه# ساكت واجم، ولولا أبو بكر وعمر دخلا فأمسك كل منهما ابنته لكانت نتيجة هذه
المظاهرة غير محمودة.
كم كان صلى اللّه عليه وسلم صبورا، إنما للصبر حدود. فلما ضاق صبره كان لابد من موقف،
فحلف أن لا يدخل عليهن شهرا، واعتزلهن، واعتزل بيوتهن، وعاش فى حجرة صغيرة عالية فى
المسجد شهرا يصلى بالناس فى المسجد، ثم يصعد إليها، لا يكلم أحدا.
فلما انتهى الشهر، وقد اكتفى صلى الله عليه وسلم بهذه العقوبة أراد ربه أن يأخذ منهن موقفا
أشد، فأنزل عليه آية التخيير ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَرْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُردْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ
أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا وَإِن كُنتُنَّ تُرَدْنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَّ فَإِنَّ اللَّهِ أَعْدَّ
لِلْمُحْسِنَّاتٍ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩،٢٨] يعنى من أرادت أن تعيش مع رسول اللّه ◌ِ﴾
دون تمرد ودون إيذاء، وعلى ما هو عليه من ضيق العيش فجزاؤها عند الله، ومن أرادت الدنيا
وشهواتها فباب الطلاق والفراق مفتوح. لكنهن جميعا اخترن الله ورسوله والدار الآخرة. أعد الله لهن
أجرًا عظيمًا.
المباحث العربية
( لما أمر رسول اللَّه {* بتخيير أزواجه) أى لما أمره اللَّه تعالى بقوله ﴿يَا أَيُّهَا
٨٨

النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِن كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا
جَمِيلاً﴾ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّلِلْمُحْسِنَاتٍ مِنْكُنَّ أَجْرًا
عَظِيمًا﴾ وكان هذا التخيير عقب اعتزاله لأزواجه شهرًا، كما هو واضح من الرواية الثامنة
ولكن هذا التخيير فى السنة التاسعة على الصحيح.
(بدأ بى) تقول ذلك دلالا وفخرا، لإعلان منزلتها عنده®، ويحتمل أنه * بدأ بها لعلمه أنها
تقود جماعة من نسائه، وسيفعلن مثل ما تفعل، ويغلب على ظنه أنها ستختاره، ويعلم يقينا أن
أبويها لا يوافقان على فراقها له. وقيل: يحتمل أن يكون هذا البدء عفويا، لأنها كانت صاحبة النوبة،
وهو بعيد. قال النووي: إنما بدأ بها لفضيلتها.
والمراد بدأ بتخييرى. والفاء فى ((فقال)) تفسيرية.
(فقال: إنى ذاكر لك أمرا) هذه المقدمة لتتريث فى الأمر قبل أن تختار.
(فلا عليك أن لا تعجلى) أى لا حرج عليك، ولا ضرر عليك إذا تريثت ولم تتعجلی، أى لا ضرر
عليك فى عدم العجلة، ونفى النفى إثبات، فيتحصل من مفهومه عليك حرج وضرر فى التعجيل، وفى
الرواية الثامنة ((إنى أريد أن أعرض عليك أمرا، أحب أن لا تعجلى فيه حتى تستشيرى أبويك)) قال
النووى: وإنما قال لها ذلك شفقة عليها وعلى أبويها، ونصيحة لهما فى بقائها عنده صلى اللّه عليه
وسلم [أقول: وحرصا عليها، وحبا فيها، ورغبة فى أن تختاره، وتبقى معه] فإنه خاف أن يحملها صغر
سنها وقلة تجاربها على اختيار الفراق، فيجب فراقها، فتضطر هى وأبوها وباقى النسوة بالاقتداء
بها.اهـ أى بموافقتها.
(حتى تستأمرى أبويك) أى حتى تطلبى أمر أبويك بهذا الخصوص وتعملى به.
(قالت: قد علم أن أبوى لم يكونا ليأمرانى بفراقه) تقول هذا اعتزازا وتيها
وفخرا، أى أنه لحرصه عليها، وتمسكه بها علق فراقها على مستحيل، وجعل اختيارها
للفراق مرتبطا بمن لا يرضى بالفراق.
(﴿إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾) ذكر الزينة تخصيص بعد تعميم، أى إن كنتن
تردن السعة والتنعم والزخرف والزينة.
(﴿فَتَعَالَيْنَ﴾) أصل ((تعال)) أمر بالصعود لمكان عال، ثم غلب فى الأمر بالمجىء مطلقا، والمراد
هنا أقبلن بإرادتكن واختياركن لإحدى الخصلتين.
(﴿أُمَّتِّعْكُنَّ﴾) أعطكن متعة الطلاق، والمتعة عند الجمهور واجبة للمطلقة التى لم يدخل بها ولم
يفرض لها صداق، ومستحبة لكل مطلقة، وهى ثوب وخمار وملحفة، على حسب السعة والإقتار.
(﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾) أى أطلقكن طلاقاً حسنا بالمعروف، وليس بدعيا ضارًا.
٨٩

(﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾) أى تردن رسول اللَّه لم﴾. وذكر الله تعالى للإيذان بجلالة
محله عليه الصلاة والسلام عنده تعالى.
(﴿وَالدَّارَ الآخِرَةَ﴾) أى نعيمها الوفير الباقى الذى لا يقاس به أى نعيم فى الدنيا.
ولما كان سبب هذا التخيير وسبب اعتزاله صلى الله عليه وسلم أزواجه مختلفا فيه كان السبب
13
الظاهر لهذا التخيير طلبهن زيادة النفقة، كما جاء فى الرواية الثامنة.
(فى أى هذا أستامر أبوى؟) ((أى)) تضاف إلى متعدد، وهنا متعدد فى المعنى، لأنهما أمران.
الطلاق والبقاء، فكأنها قالت: فى أى هذين الأمرين أستأمر؟ والاستفهام إنكارى. أى لا أستأمر أبوى
فى اختيار أحد الأمرين. وفى الرواية الثامنة ((أفيك يا رسول اللَّه أستشير أبوى))؟
(فإنى أريد اللَّه ورسوله والدار الآخرة) أى بل أختار رسول اللَّهِ﴿، زاد فى
الرواية الثامنة ((وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذى قلت)) أى باختيارى لك. قيل:
تريد أن تستأثر منه صلى الله عليه وسلم بحظ أوفر إن اختارت بعض النساء الفراق، وقيل:
إنها تريد أن يكون اختيارهن مبنيا على إرادتهن وحدها، دون التأثر برأي الآخرين، وفى
الرواية الثانية عشرة ((لا تخبر نساءك أنى أخترتك)).
كما زاد فى الرواية الثامنة أيضًا ((قال: لا تسألنى امرأة منهن إلا أخبرتها، إن اللّه لم
يبعثنى معنتا أو متعنتا، ولكن بعثنى معلمًا ميسرًا)» وكأنه ◌َ قبل أن لا يخبر من تلقاء
نفسه بما اختارت عائشة لكن حين يسأل يلزم أن يجيب، وإلا كان مضيقا على نفسه وعلى
غيره، والعنت الضيق والعسر والمشقة.
(كان رسول اللَّه ◌َ﴿ يستأذننا إذا كان فى يوم المرأة منا، بعدما نزلت ﴿تُرْجِي مَن
تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ ... )) ((ترجى)) أى ترجئ وتؤخر مضاجعة من تشاء من
نسائك، وتضم إليك وتضاجع من تشاء ﴿وَمَنْ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَّلْتَ فَلا جُنَاحَ﴾ أى ومن طلبت ممن
تجنبت فلا حرج عليك.
هذا التفويض الذى منحه الله لرسوله * لم يكن يستخدمه صلى الله عليه وسلم فكان يلتزم
القسم، ويحافظ عليه بدقة، لدرجة أنه إذا احتاج الأمر إلى زيادة واحدة من يوم الأخرى استأذن
صاحبة اليوم.
(إن كان ذاك إلى لم أوثر أحدا على نفسى) قال النووى: هذه المنافسة فيه صلى اللّه عليه
وسلم ليست لمجرد الاستمتاع ولمطلق العشرة وشهوات النفوس وحظوظها التى تكون من بعض
الناس، بل هى منافسة فى أمور الآخرة، والقرب من سيد الأولين والآخرين والرغبة فيه، وفى خدمته
ومعاشرته، والاستفادة منه، وفى قضاء حقوقه وحوائجه، وتوقع نزول الرحمة والوحى عليه عندها،
ونحو ذلك.
٩٠

(أفكان طلاقا؟) الاستفهام أنكارى بمعنى الذفى، كبقية الروايات [الثالثة
والخامسة والسادسة]
(فلم يعددها علينا شيئا) فى بعض النسخ)) فلم يعدها علينا شيئا)) أى فلم يعدها طلاقا.
(فوجد النبى ( جالسا، حوله نساؤه، واجما ساكتا) («واجما)» بالجيم. قال أهل اللغة:
هو الذى اشتد حزنه حتى أمسك عن الكلام.
(لأقولن شيئا أضحك النبى {) ((أضحك)) بضم الهمزة وكسر الحاء بينهما ضاد
ساكنة، والجملة صفة لـ ((شيئا)) والعائد محذوف، أى أضحك به النبى8 وفى بعض النسخ
((يضحك)» وهى أوضح.
(فوجأت عنقها) يقال: وجأ يجأ بمعنى ضرب وطعن، وكأنه ضربها فى عنقها ضربة شديدة
بمجمع يده، وكأن عمر فهم من الموقف أنهن يطلبن النفقة، فساق واقعته مع امرأته حين طلبت هذا
المطلب، وكأنه بذلك يشير على النبى # أن يستخدم أسلوب عمر، ليقطع دابر هذا التحزب.
(فضحك رسول اللَّه
) لحزم عمر مع امرأته لعلاج مباح، وإن كان خيرالناس لأهله صلى
اللَّه عليه وسلم لم يستخدم هذا الأسلوب، وما ضرب بيده امرأة ولا خادما قط.
(هن حولى كما ترى) كان نساء النبى 8# حزبين. حزبا تقوده عائشة، وحزبا تقوده زينب
بنت جحش، لكنهن تجمعن وتحزين ككتلة واحدة فى هذا الموقف، فكان ذلك سببا فى شدة موجدته
وألمه صلى اللّه عليه وسلم. قال فى البحر: لما نصر الله تعالى نبيه *، ورد عنه الأحزاب، وفتح عليه
النضير وقريظة ظن أزواجه عليه الصلاة والسلام أنه اختص بنفائس اليهود وذخائرهم، فقعدن حوله،
وقلن له: يارسول الله، بنات كسرى وقيصر فى الحلى والحلل، والإماء والخول، ونحن على ما تراه من
الفاقة والضيق. وطالبن بتوسعة الحال، وأن يعاملن بما تعامل به الملوك أزواجهم.
(تسألن رسول الله ما ليس عنده؟) الكلام على الاستفهام الإنكارى التوبيخى، أى لا ينبغى
أن تسألن.
(ثم اعتزلهن شهرا) ظاهره أن الاعتزال سببه هذا التحزب، وظاهر الرواية الثانية عشرة أن
التظاهر من أجل قصة العسل أو مارية الماضية فى الباب السابق كان سبب الاعتزال، ولا مانع من
أن يكونا معا سببا، وأنه صلى الله عليه وسلم تحمل وتحمل حتى لزم الحزم.
(دخلت المسجد) أى مسجد النبي { بالمدينة.
(فإذا الناس) أى الموجودون بالمسجد.
(ينكتون بالحصى) أى يأخذون الحصى من الأرض، ويضغطونه بأيديهم، ثم
٩١

يضربون به الأرض، فعل المهموم المفكر المغتاظ. وكانت أرض المسجد بعضها مفروش
بالحصى الصغير.
(ويقولون: طلق رسول اللَّه ◌َ أزواجه) أى يقولون ذلك فى أنفسهم تأسفا وتحسرا وتألما،
أو يقول بعضهم ذلك لبعض، وهذا الأخير هو الظاهر، لأنه لو كان القول فى أنفسهم لما علمه عمر، وقد
بنوا هذا القول على إشاعة نشرها المنافقون والمرجفون فى المدينة، وساعد على تصديقها اعتزاله
صلى الله عليه وسلم، ومن هنا أيضا أطلق الأنصارى جار عمر العبارة نفسها ((طلق النبى { ® نساءه)»
كما جاء فى الرواية الثانية عشرة. وكان على هذا الأنصارى وعلى هؤلاء الصحابة أن يتثبتوا قبل أن
يقولوها، ولهذا عاتبهم اللَّه بقوله ﴿وَإِذَا جَاءّهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ
وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] فكان عمر ◌ُه من الذين
يستنبطونه، إذ رجع إلى الأزواج يسألهن، ورجع إلى رسول اللَّه { # يسأله: ((أطلقت نساءك؟ قال: لا))
(وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب) هذه الجملة مقدمة من تأخير، ومكانها بعد قوله ((فدخلت
على عائشة)) وهذه الجملة أصلا وهم من الراوى. قال الحافظ ابن حجر: هذه الجملة فى الرواية غلط
بين، فإن نزول الحجاب كان فى أول زواج النبى 18# زينب بنت جحش، كما هو مفهوم فى سورة
الأحزاب، وهذه القصة كانت سبب نزول آية التخيير، وكانت زينب بنت جحش فيمن خير، فآية
التخيير نزلت سنة تسع، والحجاب كان سنة أربع أوخمس.
ثم قال الحافظ: وقد أجاب بعضهم بتأويلات بعيدة، وأحسن محامله عندى أن يكون الراوى لما
رأى قول عمر أنه دخل على عائشة ظن أن ذلك كان قبل الحجاب، فذكره، لكن جوابه أنه لا يلزم من
الدخول رفع الحجاب، فقد يدخل من الباب، وتخاطبه من وراء الحجاب، كما لا يلزم من وهم الراوى
فى لفظة من الحديث أن يطرح حديثه كله.
(فقلت: لأعلمن ذلك اليوم) الإشارة إلى الطلاق أو عدمه، وظاهر من هذه الرواية أن عمر حين
جاء من عوالى المدينة بدأ بدخول المسجد، فرأى الناس وأحوالهم فيه، فخرج إلى بيوت الأزواج،
ليسأل عن مكان النبى #، أما الدخول على الأزواج المذكور فى أول الرواية العاشرة والثانية عشرة
فهو دخول آخر فى يوم سابق على اعتزاله صلى الله عليه وسلم، فالدخول الأول سببه مراجعة زوجة
عمر، والدخول الثانى سببه إخبار الأنصارى أن الرسول {# طلق نساءه واعتزل.
والدخول الأول كان لتحذير حفصة ثم أم سلمة، والدخول الثانى كان للوم حفصة ومعاتبة عائشة
والسؤال عن رسول اللَّه ◌ِ*، والدخول الأول كان من عوالى المدينة إلى بيوت الأزواج، أما الثانى فكان
إلى المسجد ثم البيوت.
(أقد بلغ من شأنك أن تؤذى رسول اللَّه ﴿؟) الاستفهام إنكارى، أى ما كان ينبغى منك
- مهما بلغ شأنك وعظم - أن تؤذى رسول اللَّه ◌َا﴾.
٩٢

(فقالت: مالى ولك؟) أى لا شأن لى عندك، فلا أجيبك، ولا شأن لك عندى فلا تسألنى. فـ))ما»
نافية، والجار والمجرور خبر لمبتدأ محذوف.
(عليك بعيبتك) بفتح العين وسكون الياء وفتح الباء، والعيبة فى كلام العرب وعاء يجعل
الإنسان فيه أفضل ثيابه ونفيس متاعه، كأنها تقول: عليك بخزانتك، كناية عن ابنته حفصة، أى
عليك بوعظ ابنتك ودعنى.
(هو فى خزانته فى المشرية) الخزانة المكان الذى يخزن فيه، والمشربة بفتح الميم وسكون
الشين، وفتح الراء وضمها الغرفة العالية، وكان للنبى 8 غرفة عالية فى المسجد، من جذوع النخل
وجريده، يصعد إليها على جذع نخل مائل كالدرج، ويستعرض أمام بابها جذع آخر، يقف عليه الداخل
قبل أن يدخل، وكان الرسول * يستعملها كمخزن، تضع فيها بعض زوجاته بعض الأمتعة. فكان
فيها حين دخلها عمر: حصير ووسادة، وقبضة من شعير، وقبضة من قرظ يدبغ به الجلود، وعدد من
جلود الغنم حديثة الدبغ.
(فدخلت) أى خرجت من بيت حفصة فدخلت المسجد، متجها نحو المشربة، وفى الرواية
العاشرة ((ثم آخذ ثوبى، فأخرج)) والتعبير بالمضارع لاستحضار الصورة، والأصل ثم أخذت ثوبى،
فخرجت)) حتى جئت، فإذا رسول اللّه * فى مشربة)) وفى الرواية الثانية عشرة))حتى إذا صليت
الصبح شددت على ثيابى، ثم نزلت، فدخلت على حفصة، وهى تبكى، فقلت: أطلقكن رسول اللَّه ◌َ﴿؟
فقالت: لا أدرى. ها هو ذا معتزل فى هذه المشربة، فأتيت غلاما ... )) إلخ ففى بعض الروايات طى
تبرزه الروايات الأخرى، وأما رواية البخارى. ولفظها)) فجمعت علىّ ثيابى فصليت الفجر مع النبى
#، فدخل النبى * مشرية له، فاعتزل فيها، ودخلت على حفصة ...... فقالت: لا أدرى. هاهو ذا
معتزل فى المشربة، فخرجت فجئت إلى المنبر، فإذا حوله رهط يبكى بعضهم، فجلست معهم قليلا،
ثم غلبنى ما أجد، فجئت المشربة ... )) فظاهر هذه الرواية يعارض روايتنا فى صلاة عمر الصبح، هل
كان فى العوالى؟ أوكان مع الرسول *؟ ويمكن الجمع بأن معنى روايتنا فنزلت من العوالى، فصليت
الصبح مع النبى # فلما سلم النبى 8 قام لا يكلم أحدا، فدخل المشربة، ورأيت الناس يضربون
بالحصى، فشددت على ثيابى ثم نزلت إلى الحجرات، فدخلت على حفصة ... إلخ.
الإشكال الثانى أن رواية البخارى تفيد أن عمر علم مكان رسول اللّه قبل أن يدخل على
حفصة، وروايتنا التاسعة يسأل فيها حفصة))أين رسول الله:﴿))؟ ويمكن أن يجاب عن هذا الإشكال
بأن سؤاله لم يكن لمعرفة أين هو؟ وإنما ليتبين. هل تعلم هى مكانه أولا؟ أو الاستفهام للتبكيت، أن
كانت هى سبب وجوده فى هذا المكان.
(فإذا أنا برياح) بفتح الراء وتخفيف الباء، وفى الرواية العاشرة ((وغلام لرسول اللّه * أسود
على رأس الدرجة».
٩٣

(قاعدا على أسكفة المشربة) الأسكفة بضم الهمزة وسكون السين وضم الكاف وتشديد الفاء
المفتوحة، العتبة السفلى للباب. و((قاعدا)) حال وفى رواية ((قاعد))
(مدل رجليه على نقير من خشب) ((مدل)) خبرلمبتدأ محذوف، أى هو مدل. والنقير بفتح
النون وكسر القاف. بمعنى منقور، أى جذع من خشب قد نقر على مسافات ليكون درجا، يصعد عليه
رسول اللّه# وينزل، قال النووى: ((نقير)» بالنون ثم القاف. هذا هو الصحيح الموجود فى جميع
النسخ، وذكر القاضى أنه بالفاء بدل النون، والفقير بمعنى مفقور، مأخوذ من فقار الظهر. اهـ أى جذع
جعلت فيه فقر كالدرج، وفى الرواية العاشرة ((فى مشربة له، يرتقى إليها بعجلة)) أى بسرعة، وفى
نسخة ((بعجلها)) وفى نسخة ((بعجلتها)) وكله صحيح قال ابن قتيبة وغيره: هى درجة من النخل، كما
قال فى رواية ((جذع)».
(فناديت: يارياح. استأذن لى عندك على رسول اللّه :. فنظر رباح إلى الغرفة، ثم
نظر إلى، فلم يقل شيئا، ثم قلت يارباح. أستأذن لى عندك على رسول اللّه : # فنظر
رياح إلى الغرفة ثم نظر إلى، فلم يقل شيئا، ثم رفعت صوتى، فقلت .... إلخ) ظاهره أنه
طلب الإذن ثلاث مرات فى وقت واحد، ووقفة واحدة، وهو غير مراد، فالرواية الثانية عشرة بينت أن
بين المرة والمرة كان ينتهى إلى المنبر، ويجلس قليلا، ثم يعود يستأذن، وظاهره أن الغلام كان يرد
ويرفض الإذن بالإشارة، دون أن يدخل، اعتمادا على أن الرسول # أوصاه أن لا يأذن لأحد بالدخول،
وهو غير مراد، فالرواية الثانية عشرة بينت أن الغلام كان يدخل، ويذكر للنبى 8 أن عمر يستأذن،
وكان الرسول وَ لا يجيب، وهذا رفض للإذن، على ما عهدوا منه صلى الله عليه وسلم ولعل الغلام كان
يفعل الأمرين، يرفض بالإشارة، ثم يدخل فلا يؤذن فيعود، فيخبر عمر بالرفض الصريح. قال الحافظ
ابن حجر: يحتمل أن يكون النبى و فى المرتين الأوليين كان نائما أوظن أن عمرجاء يستعطفه
على أزواجه، لكون حفصة ابنته منهن. اهـ قلت: الاحتمال الأول لا يتناسب مع ظاهر الروايات.
(فأومأ إلى أن ارقه) أصله: ارق، أى اصعد وادخل، دخلت عليه هاء السكت، وليس
المراد أن الغلام أذن له من نفسه ساعة الاستئذان الثالث، بل المراد ما أوضحته الرواية
الثانية عشرة، وفيها بعد الاستئذان الثالث ((فدخل، ثم خرج إلى، فقال: قد ذكرتك له،
فصمت، فوليت مدبرا، فإذا الغلام يدعونى، فقال: ادخل فقد أذن لك، فدخلت)» فظاهرها
أن الغلام سمع صوت النبى 8# يأذن لعمر بالدخول.
(فدخلت على رسول اللَّه/ وهو مضطجع على حصير، فجلست، فأدنى عليه إزاره،
وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر فى جنبه) فى الرواية العاشرة («فقصصت على رسول
اللَّهِ﴿ هذا الحديث [أى ما حصل بينه وبين حفصة] فلما بلغت حديث أم سلمة تبسم رسول اللّه
*، وإنه لعلى حصير، ما بينه وبينه شىء، وتحت رأسه وسادة من أدم -أى من جلد مدبوغ- حشوها
ليف)) وفى الرواية الثانية عشرة ((فإذا هو متكئ على رمل حصير- أى على حصير منسوج، يقال:
٩٤

رملت الحصير وأرملته إذا نسجته، وفى غير هذه الرواية ((رمال حصير))-قد أثر فى جنبه،
فقلت ..... وساق قصته مع حفصة ثم قال: ((فبتسم النبى {3 أخرى، فقلت: أستأنس يارسول اللَّه))؟ -
أى أجلس؟ ((قال: نعم فجلست)).
فمعنى)» مضطجع على حصير)) أى متكئ، وتمام الصورة أنه صلى الله عليه وسلم كان يلبس إزارا
فقط، وليس عليه رداء، فنصفه العلوى عار تماما، ظهر فيه تأثير حبال الحصير، وأن الإزار من النوم
كان قد تجعد فأرخاه صلى الله عليه وسلم وعدله، وأن عمر ظل واقفا يؤنس النبى{®، ويقص عليه ما
كان من شأنه، وأن النبى ® كان ظاهر الغضب حين دخل عمر، فلما أنس بكلام عمر وتبسم مرتين
اطمأن عمر وطلب الجلوس، وجلس على الأرض، أو على طرف الحصير إن كان قد اتسع له، والظاهر
أن النبى * ظل مضطجعا.
(فنظرت ببصرى فى خزانة رسول اللَّه ) دعاه إلى النظر المفارقة الكبيرة بين مقامه
صلى الله عليه وسلم عند ربه وعند أصحابه، وما يراه من حاله النبوى، وقلنا: إن ذلك كان فى السنة
التاسعة، وكانت نفائس بنى قريظة وبنى النضير وغيرهم قد صارت للمسلمين، وقد أفاء الله على
رسوله الكثير. فما بال خزانته هكذا؟ أليس هذا أمر عجيب؟
(فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع) ليس المراد القبضة الحقيقية، ما يجمعه الكف
الواحد، وإنما هى كناية عن القليل، وإلا فالصاع أربع حفنات بكف الرجل المتوسط، أى ثمان
قبضات على الأقل.
(ومثلها قرظا فى ناحية الغرفة) ((مثلها)) مجرور، عطفا على ((قبضة)) و((قرظا)» تمييز، وهو
بفتح القاف والراء والظاء يطلق على شجر عظام، لها سوق غلاظ، وهو نوع من أنواع السنط العربى،
ويطلق على ثمرته وبذوره التى تخرج من القرون، وهى المرادة هنا، ويدبغ به الجلود، وفى الرواية
العاشرة ((وإن عند رجليه قرظا مضبورا)) قال النووى: وقع فى بعض الأصول بالضاد، وفى بعضها
بالصاد المهملة، وكلاهما صحيح، أى مجموعا. اهـ. وفى رواية ((مصبوبا)) بباءين، ولاتنافى، فالمراد
أنه مجموع غير منتشر، وإن كان فى غير وعاء. فهو مصبوب مجتمع.
(وإذا أفيق معلق) ((أفيق)) بفتح الهمزة، وكسر الفاء، وهو الجلد الذى لم يتم دباغه، وجمعه أفق
بفتح الهمزة والفاء، مثل أديم وأدم، وفى الرواية العاشرة ((وعند رأسه أهبا معلقة)) والأهب بضم الهمزة
والهاء ويفتحهما، لغتان مشهورتان، جمع إهاب، وهو الجلد قبل الدباغ، وقيل: الجلد مطلقا، دبخٍ أولم
يدبغ والذى يظهر أن المراد هنا جلد شرع فى دبغه ولم يكمل، وفى الرواية الثانية عشرة ((فوالله ما
رأيت فيه شيئا يرد البصر إلا أهبا ثلاثة)» وفى رواية البخارى ((غير أهبة ثلاثة)) وفى أخرى له ((غير
أهبة ثلاثة)) بفتح الهمزة والهاء، ويضمها أيضا بمعنى الأهب.
(فابتدرت عيناى) أى سالت دموعهما، وفى الرواية العاشرة ((فبكيت)).
٩٥

(ما يشق عليك من شأن النساء) ((من)) بمعنى ((بعض)) أى لا يشق على نفسك بعض شأن
النساء، أوزائدة داخلة على فاعل ((يشق)) أى لا يشق عليك شأن النساء، أى لا تشغل بالك بعوجهن، ولا
تغضب من إساءتهن، فإنهن ناقصات عقل.
(فإن كنت طلقتهن فإن اللَّه معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر
والمؤمنون معك، وقلما تكلمت- وأحمد اللَّه- بكلام إلا رجوت أن يكون اللّه يصدق
قولى الذى أقول، ونزلت هذه الآية، آية التخيير ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَرْوَاجًا
خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ
بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾) هذه من موافقات عمرظه، وكان يعتزبها، ويتحدث عنها، كما هنا، وكما جاء
عند البخاري وغيره من قوله «وافقت ربى فى ثلاث فقلت: لواتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟
فنزلت ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ وآية الحجاب، قلت: يا رسول اللَّه، لو أمرت نساءك أن
يحتجبن؟ فإنه يكلمهن البروالفاجر، فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبى 8# فى الغيرة عليه،
فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَرْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ فنزلت هذه الآية))
قال الحافظ ابن حجر: والمعنى وافقنى ربى، فأنزل القرآن على وفق ما رأيت، لكن لرعاية الأدب
أسند الموافقة إلى نفسه.اهـ. أقول: أو المعنى وافقت بقولى ما هو ثابت عند اللَّه قبل أن ينزله. ثم قال
الحافظ ابن حجر: وقد حصلت له الموافقة فى أشياء غير هذه، من مشهورها قصة أسارى بدر، وقصة
الصلاة على المنافقين، وهما فى الصحيح، وصحح الترمذى من حديث ابن عمر أنه قال: ((ما نزل
بالناس أمر قط، فقالوا فيه، وقال فيه عمر إلا نزل القرآن فيه على نحو ما قال عمر)) وهذا دال على
كثرة موافقاته وأكثر ما وقفنا عليه منها على التعيين خمسة عشر، لكن ذلك بحسب المنقول. اهـ
(وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء النبى ( 8) أى
تتظاهران، مضارع محذوف إحدى التاءين، أى تدعيان الظهور والسمو والرفعة.
(فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه، وحتى كشر) ((تحسر الغضب)) أى زال
وانكشف، و((كشر» بفتح الكاف والشين مخففة، أى أبدى أسنانه تبسما، ويقال أيضا فى الغضب.
والمراد هنا الأول.
(ثم نزل نبى اللَّه﴿ ونزلت .... فقلت: يارسول الله، إنما كنت فى الغرفة تسعة
وعشرين؟ قال: إن الشهر يكون تسعا وعشرين. فقمت على باب المسجد
فناديت ... إلخ).
قال الحافظ ابن حجر: هذا مشكل، فإن ظاهره أن النبى 8# نزل عقب ما خاطبه عمر،
فيلزم منه أن يكون عمر تأخر كلامه معه تسعة وعشرين يوما، وسياق غيره ظاهر فى أنه
تكلم معه فى ذلك اليوم، وكيف يمهل عمر تسعة وعشرين يوما لا يتكلم فى ذلك؟ وهو مصرح
٩٦

بأنه لم يصبر ساعة فى المسجد، حتى يقوم ويرجع إلى الغرفة، ويستأذنه؟ قال: ولكن تأويل
هذا سهل، وهو أن يحمل قوله ((فترك)) أى بعد أن مضت المدة، ويستفاد منه أنه كان يتردد
إلى النبى 18# فى تلك المدة التى حلف عليها، فاتفق أنه كان عنده عند إرادته النزول، فنزل
معه، ثم خشى أن يكون نسى تمام الشهر، فذكره كما ذكرته عائشة.
(فلما رجع، فكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك، لحاجة له) حددت الرواية الحادية
عشرة المكان المشار إليه، بأنه مرالظهران، وفى الرواية الثانية عشرة)) فلما كنا ببعض الطريق عدل
عمر، وعدلت معه بالإداوة - إبريق ماء يصب منه عند الوضوء والاستنجاء ونحوهما - فتبرز)» وأصل
التبرز من البراز، وهو الموضع الخالى البارز عن البيوت، ثم أطلق التبرز على نفس الفعل - قضاء
الحاجة، والمعنى عدل عن الطريق المسلوك إلى مكان لا يسلك غالبا، به أشجار الأراك، ليستره أثناء
قضاء حاجته، عدل بدون ماء لقلته، وطلب من ابن عباس أن يستحضرله إداوة من ماء حتى يرجع،
فلما رجع وقد استجمر أخذ ابن عباس يصب عليه ماء الوضوء. فتكلم معه وسأله، كانت البداية أثناء
الوضوء، واستمر الحديث بالطريق، ففى الرواية الثانية عشرة ((فسكبت على يديه، فتوضأ، فقلت ... ((
وفى الرواية الحادية عشرة («ذهبت أصب عليه وذكرت، فقلت له ... ((وفى الرواية العاشرة ((ثم سرت
معه، فقلت ... )).
(إن كنا فى الجاهلية ما نعد للنساء أمراً) ((إن)) بكسرة الهمزة وسكون النون، مخففة من
الثقيلة، واسمها ضمير الشأن والقصة، والجملة بعد ذلك خبرها، والمعنى أن الشأن والقصة والحكاية
كنا فى الجاهلية قبل الإسلام كذا وكذا ما نعتبر للنساء أمرا أو نهيا، ولا نعتد لهن برأى.
(حتى أنزل اللَّه تعالى فيهن ما أنزل) من حقوق ورفع شأن، واعتداد بالرأى.
(وقسم لهن ما قسم) من حقوق مالية، وحقوق تعليمية وحقوق أدبية إلخ، وساعدهن على
الوقوف بجوار حقوقهن، والمطالبة بها ومواجهة الرجال ما رأينه من نساء الأنصار من الجرأة
والصلابة، ففى الرواية الثانية عشرة ((كنا معشر قريش قوما نغلب النساء- أى نحكم عليهن،
ولا يحكمن علينا- فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم)) وفى رواية ((كنا ونحن بمكة لايكلم
أحد امرأته، إلا إذا كانت له حاجة قضى منها حاجته)) وفى رواية ((كنا لا نعتد بالنساء، ولا ندخلهن
فى أمورنا)) ((فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم» وفى رواية)) فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء
الأنصار)» أى من سيرتهن وطريقهن وفى رواية)) فلما قدمنا المدينة تزوجنا من نساء الأنصار، فجعلن
يكلمننا ويراجعننا ».
(فبينما أنا فى أمر أأتمره) أى أشاور فيه نفسى وأفكر فيه وأقدره بصوت مرتفع.
(إذا قالت لى امرأتى: لوصنعت كذا وكذا؟ فقلت لها: ومالك أنت ولما
هاهنا؟ وما تكلفك فى أمر أريده؟ فقالت لى: عجبالك يا ابن الخطاب ما
٩٧

تريد أن تراجع أنت) وفى الرواية الثانية عشرة ((فغضبت يوما على امرأتى، فإذا هى
تراجعنى، فأنكرت أن تراجعنى، فقالت: ما تذكر أن أراجعك)) وفى رواية للبخارى ((وكان
بينى وبين امرأتى كلام، فأغلظت لى)» وفى رواية ((فقمت إليها بقضيب، فضربتها به
فقالت: عجبالك يا ابن الخطاب، ولم تذكر أن أراجعك))؟ وفى رواية الطيالسى ((فقلت:
متى كنت تدخلين فى أمورنا؟ فقالت: يا ابن الخطاب ما يستطيع أحد أن يكلمك)» وفى
رواية ((فصخبت)) وفى أخرى ((فسخبت على امرأتى، فراجعتنى، فأنكرت أن تراجعنى)).
(وإن ابنتك لتراجع رسول اللّه * حتى يظل يومه غضبان) المراد ابنته حفصة زوج
رسول اللَّه:﴿ وفى الرواية الثانية عشرة ((فوالله إن أزواج النبي : ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم
إلى الليل)) وفى رواية للبخارى ((تقول لى هذا وابنتك تؤذى رسول اللَّه ﴿.))؟.
(لا يغرنك هذه التى قد أعجبها حسنها وحب رسول الله {# إياها) وفى الرواية الثانية
عشرة)) ولا يغرنك أن كانت جارتك هى أوسم وأحب إلى رسول الله { # منك- يريد عائشة)) ((إن
كانت ((بفتح همزة)) أن «وكسرها، والمراد من جارتها ضرتها، أو هو على الحقيقة، لأنها كانت
مجاورة لها فى المسكن، والعرب تطلق على الضرة جارة، لتجاورهما المعنوى، لكونهما عند شخص
واحد. و((أوسم)) من الوسامة، وهى العلامة، والمراد أجمل، كأن الجمال وسمها وعلّمها بعلامة. وفى
رواية البخارى ((أوضاً)) من الوضاءة. والمعنى لا تغترى بكون عائشة تفعل ما نهيتك عنه، فلا يؤاخذها
بذلك، فإنها تدل بجمالها ومحبة النبى # لها، فلا تغترى أنت بذلك، لاحتمال أن لا تكونى عنده فى
تلك المنزلة، فلا يكون لك من الإدلال مثل الذى لها. وعند ابن سعد ((أنه ليس لك مثل حظوة عائشة)»
وفى الرواية التاسعة ((والله لقد علمت أن رسول اللَّه ﴿ لا يحبك، ولولا أنا لطلقك))
(ثم خرجت حتى أدخل على أم سلمة، لقرابتى منها) ((أدخل)) مراد به دخلت، والتعبير
بالمضارع لاستحضار الصورة وقرابته من أم سلمة ترجع إلى أن أم عمر كانت مخزومية، مثل أم
سلمة، وأم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة، ووالدة عمر حنتمة بنت هاشم بن المغيرة، فهى بنت عم
أمه، وفى رواية ((ودخلت على أم سلمة، وكانت خالتى)) وكأنه أطلق عليها خالة لكونها فى درجة أمه،
وهى بنت عمها، ويحتمل أن تكون أرضعت معها فتكون أخت أمه من الرضاع، ويحتمل أن تكون
أختها لأمها. يقصد أن الأولى بالنصح القريبات.
(فأخذتنى أخذاً كسرتنى عن بعض ماكنت أجد) فى رواية البخارى))فأخذتنى واللّه
أخذاً .... )) أى منعتنى من الذى كنت أريده، تقول: أخذ فلان على يد فلان، أى منعه عما يريد أن
يفعله، أى أخذتنى بلسانها أخذاً أبعدنى عن مقصدى وفى رواية لابن سعد)) فقالت أم سلمة: أى
واللّه. إنا لنكلمه، فإن تحمل ذلك فهو أولى، وإن نهانا عنه كان أطوع عندنا منك. قال عمر: فندمت
على كلامى لهن)) وفى رواية ((قالت: ما يمنعنا أن نغار على رسول اللَّه ﴿ وأزواجكم يغرن عليكم))
وفى رواية))قالت: ياعمر أما فى رسول اللَّه ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت))؟
٩٨

(وكان لى صاحب من الأنصار) قال الحافظ ابن حجر: اسم الجار المذكور أوس بن خولى
ابن عبد الله بن حارث الأنصارى. هذا هو المعتمد.
(ونحن حينئذ نتخوف ملكا من ملوك غسان ... ) وفى رواية للبخارى ((وكان من حول
رسول اللَّه# قد استقام له، فلم يبق إلا ملك غسان بالشام، كنا نخاف أن يأتينا)» وفى الرواية الثانية
عشرة ((وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا)) ((تنعل)) بضم التاء وكسر العين، وبفتح التاء، أى
تركب النعال، وهى الحديدة التى تركب فى حوافر الخيل.
و« غسان)» فى الأصل قبيلة، وكان منها ملوك بالشام، قيل: بلغوا سبعة وثلاثين ملكا، أولهم حفنة
ابن عمرو بن ثعلبة، وآخرهم جبلة بن الأيهم، وهو الذى أسلم فى خلافة عمر ثم عاد إلى الروم
وتنصر.
(أتيت الحجر فإذا فى كل بيت بكاء) ((الحجر)) بضم الحاء وفتح الجيم، أى حجرات
أمهات المؤمنين، أى بيوتهن. وفى البخارى عن ابن عباس قال: ((أصبحنا يوما ونساء النبى و8 9.
يبكين، عند كل امرأة منهن أهلها ».
(وكان آلى منهن شهرا) فى رواية للبخارى ((وكان قد قال: ما أنا بداخل عليهن شهرا)»
ومعنى ((آلى)) حلف وأقسم.
(واعجبا لك يا ابن عباس) ((وا)) فى قوله ((واعجباً)) اسم فعل بمعنى أعجب، ومثله واها،
ووى، وعجبا بالتنوين مصدر مؤكد. وإن كان ((عجبا)) بغيرتنوين كان ((وا)) حرف نداء، أو ندبة لغير
مندوب، وأصل ((عجباً)) عجبى، فأبدلت الكسرة فتحة، فصارت الياء ألفاء كقولهم: يا أسفاويا
حسرتا، وفى رواية ((واعجبى لك))
وتعجب عمر من ابن عباس لشهرته بعلم التفسير، كيف خفى عليه هذا القدر مع شهرته وعظمته
فى نفس عمر، وتقدمه فى العلم على غيره، ومع ما كان ابن عباس مشهورا به من الحرص على طلب
العلم، ومداخلة كبار الصحابة وأمهات المؤمنين فيه، أو تعجب من حرصه على طلب فنون التفسير،
حتى معرفة المبهم، ووقع فى الكشاف، وفى روايتنا الثانية عشرة قول الزهرى: كره واللَّه ما سأله عنه،
ولم یکتمه.
ويحتمل أنه تعجب من تحرج ابن عباس السؤال عن العلم، وتهيبه من عمر مدة سنة، أى عجبا
لتحرجك من سؤالى فلا تعد لمثلها، ما ظننت أن عندى من علم فسلنى عنه، فإن كنت أعلمه أخبرتك.
(وكان منزلى فى بنى أمية بن زيد بالعوالى) العوالى جمع عالية، وهى قرى بقرب المدينة،
مما يلى المشرق، وكانت منازل الأوس، والمعنى كان منزلى فى منطقة يسكنها بنو أمية، وهى على
أربعة أميال أو أكثر أو أقل من المدينة.
٩٩

(فقلت: خابت حفصة وخسرت) الجملة خبرية لفظا ومعنى، وخص حفصة بذلك مع
شمول الخيبة والخسران أمهات المؤمنين، لمكانتها منه، لأنها ابنته، ولكونه كان قريب العهد
بتحذيرها من وقوع ذلك، ووقع فى روايتنا العاشرة)) رغم أنف حفصة وعائشة)) وكأنه خصهما بالذكر
لكونهما كانتا السبب فى ذلك.
(قد كنت أظن هذا كائنا) فى رواية البخارى ((قد كنت أظن هذا يوشك أن يكون)) أى كنت
أتوقع حدوث هذا بسبب كثرة مراجعتهن التى قد تفضى إلى الغضب المفضى إلى الغرفة.
(فاستوى جالسا) فى رواية البخارى ((فجلس النبى { وكان متكئا)) وهذا مظهر من مظاهر
الاهتمام بالموقف، وبالكلام الآتى.
(ثم قال: أفى شك أنت يا ابن الخطاب؟) أى أأنت فى شك فى أن التوسع فى الآخرة
خير من التوسع فى الدنيا؟ وفى رواية البخارى ((أو فى هذا أنت يا ابن الخطاب))؟ وهذا يشعر بأنه
صلى الله عليه وسلم ظن أنه بكى من الموقف العصيب، موقف النبى 8 من أزواجه وموقفهن منه،
وغضبه صلى الله عليه وسلم عليهن، واعتزاله لهن، فلما ذكرله أمر الدنيا كان إنكاره صلى اللّه عليه
وسلم لما شغل عمر، وأحس عمر بشدة الإنكار، ووقعه عليه، فقال:
(فقلت: استغفرلى يا رسول اللَّه) أى عن اعتقادى أن التجملات الدنيوية مرغوب فيها، أو
عن انشغالى بهذا الأمر عن الأمر الأهم.
(وكان أقسم أن لا يدخل عليهن شهرا، من شدة موجدته عليهن) أى من شدة
غضبه منهن.
(فقال: إن الشهر تسع وعشرون) وفى رواية البخارى ((وكان ذلك الشهر تسعا وعشرين ليلة))
قال الحافظ ابن حجر: فى هذا إشارة إلى تأويل الكلام الذى قبله، وأنه لا يراد به الحصر، وأن كل
شهر تسع وعشرون، أو أن اللام فى قوله ((الشهر)» للعهد، أى الشهر المحلوف عليه، ولا يلزم من ذلك أن
تكون الشهور كلها كذلك.
فقه الحديث
قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَرْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَّتِّعْكُنَّ
وَأُسَرَّحْكُنَّ سَرَّحًا جَمِيلاٌ فَإِنَّ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّاللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتٍ مِنكُنَّ
أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩،٢٨].
عن هذا التخيير يقول الماوردى: اختلف، هل كان التخيير بين الدنيا والآخرة؟ أو بين الطلاق
والإقامة عنده؟ أهـ.
١٠٠