Indexed OCR Text
Pages 401-420
(﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَلَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾) هذا جزء
الآية الثالثة عشرة والآية الرابعة عشرة من سورة الزخرف، قَالَ تعالى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ
السَّمَوَاتٍ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ﴾ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ وَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءَ مَاءً بِقَدَر فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ وَلَّذِي خَلَقَ
الأَرْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلَّكِ وَالأَنَّعَامِ مَا تَرْكُبُونَ* لِتَسَّتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا
اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَلَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ فالآيَة
فى ركوب الفلك والأنعام، ويلحق بها كل وسيلة سفر، ومعنى ﴿وَمَا كُنَّالَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أى وما كنا له
مطيقين، أى وما كنا عليه قادرين بقدرتنا، لولا أن سخرته وذللته لنا. وحقيقة أقرنه جعله أو وجده
قرينه، والصعب لايكون قرينا للضعيف، وحاصل المعنى أنه ليس لنا من القوة ما نضبط به الدابة
والفلك، إنما اللَّه تعالى هو الذى سخرلنا ذلك، وضبطه لنا. ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ راجعون. وفيه
إيذان بأن حق الراكب أن يتأمل فيما يلابسه من السير، ويتذكر منه المسافرة العظمى التى هى
الانقلاب إلى اللّه تعالى، فيبنى أموره فى مسيرة ذلك على تلك الملاحظة، ولا يأتى بما ينافيها، ومن
ضرورة ذلك أن يكون ركوبه لأمر مشروع، وفيه إشارة إلى أن الركوب مخطرة، فلا ينبغى أن يغفل فيه
عن تذكر الآخرة.
(البروالتقوى) أى البر بالناس والإحسان إليهم وطاعتك وتقواك.
(وعثاء السفر) بفتح الواو وسكون العين وبالثاء والمد، المشقة والشدة.
(كآبة المنظر) أى تغير النفس من الحزن ونحوه.
(سوء المنقلب) بفتح اللام، أى سوء المرجع، أى الرجوع السيّئ فى المال والأهل.
(آيبون. تائبون ... إلخ) «آيبون)) أى راجعون، وليس المراد الإخبار بمحض الرجوع فهو أمر
واضح لا يحتاج إلى إخبار، فيشبه تحصيل الحاصل، وإنما المراد راجعون بهذه الأوصاف التوبة
والعبادة وحمد الله.
(والحور بعد الكور) الحور النقص، والكور الزيادة، والمعنى نعوذ بك من النقص بعد الزيادة،
وقيل من فساد أمورنا بعد صلاحها، وقيل من البعد عن الجماعة بعد أن كنا معهم. قال النووى فى
معظم النسخ من صحيح مسلم ((الكون)) بالنون، بل لا يكاد يوجد فى نسخ بلادنا إلا بالنون، وكذا
ضبطه الحفاظ المتقنون فى صحيح مسلم. قال القاضى وهكذا رواه الفارسى وغيره من رواة مسلم.
قال ورواه العذرى بعد الكور بالراء. قال النووى كلاهما روايتان، وممن ذكر الروايتين جميعا الترمذى
فى جامعه وخلائق من المحدثين، قالوا ورواية الراء مأخوذة من تكوير العمامة وهو لفها وجمعها،
يقال كار عمامته إذا لفها وحارها إذا أنقضها، ورواية النون مأخوذة من الكون. مصدر كان يكون
كونا، إذا وجد واستقر، فالمعنى على الراء نعوذ بك من أن تفسد أمورنا بعد صلاحها، كفساد العمامة
٤٠١
بعد استقامتها على الرأس، وعلى رواية النون نعوذ بك من أن نكون فى حالة سيئة بعد أن كنا فى
حالة جميلة.
(ودعوة المظلوم) ليس المقصود الاستعاذة من دعوة المظلوم، بل المراد الاستعاذة من سببها
وهو الظلم، الذى يترتب عليه دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين اللَّه حجاب.
(قفل من الجيوش أو السرايا) أى رجع من الغزو، والمراد به قصد النبى 8# الكفار بنفسه أو
بجيش من قبله و((السرايا)). جمع سرية، بفتح السين وكسر الراء وتشديد الياء، وهى قطعة من الجيش
تخرج بالليل لمهمة ثم تعود، وتقدر عددا من مائة إلى خمسمائة.
(إذا أوفى على ثنية أو فدفد) معنى ((أوفى)) ارتفع وعلا. والثنية فى الجبل كالعقبة فيه، وقيل
هو الطريق العالى فيه، وقيل أعلى المسيل فى رأسه. و((الفدفد)» بفاءين مفتوحتين بينهما دال ساكنة
هو الموضع الذى فيه غلظ وارتفاع، وقيل هو الفلاة التى لا شىء فيها وقيل غليظ الأرض ذات الحصى،
وقيل الجلد من الأرض فى ارتفاع، أى المكان المرتفع الصلب، وجمعه فدافد.
(صدق الله وعده) أى صدق وعده فى إظهار الدين، وكون العاقبة للمتقين، وغير ذلك من وعد
اللَّه سبحانه وتعالى، وهو لا يخلف الميعاد، فالوعد على عمومه، ويحتمل أن المراد بالوعد هنا وعد اللَّه
تعالى للمؤمنين بالنصر فى غزوة الأحزاب، ويكون فى ذلك تكذيب لقول المنافقين والذين فى قلوبهم
مرض ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢].
(ونصر عبده) محمداً * على الكفار مطلقا، بإظهار دينه، أو نصره على الأحزاب يوم الخندق.
(وهزم الأحزاب وحده) أى من غير قتال من الآدميين، والحزب القطعة المجتمعة
من الناس، والمراد الأحزاب الذين اجتمعوا يوم الخندق، وتحزبوا على رسول اللّه حَ الِ.
فأرسل اللَّه عليهم ريحا وجنودا لم تروها، ويحتمل أن المراد أحزاب الكفر فى جميع الأيام
والمواطن، فاللام إما عهدية، وإما جنسية.
(وصفية رديفته على ناقته) كان ذلك فى طريق العودة من خيبر.
(كنا بظهر المدينة) أى أعلاها ومشارفها.
فقه الحديث
قال الحافظ ابن حجر: ظاهر قوله [فى الرواية الثالثة] ((من غزو أو حج أو عمرة)» اختصاص ذلك
بهذه الأمور الثلاثة، وليس الحكم كذلك عند الجمهور، بل يشرع قول ذلك فى كل سفر طاعة، كصلة
الرحم، وطلب العلم، لما يشمل الجميع من اسم الطاعة وقيل يتعدى أيضا إلى المباح، لأن المسافر فيه
لا ثواب له، فلا يمتنع عليه فعل ما يحصل له الثواب، وقيل يشرع فى سفر المعصية أيضا، لأن
٤٠٢
مرتكبها أحوج إلى تحصيل الثواب من غيره، قال وهذا التعليل متعقب، لأن الذى يخصه بسفر الطاعة
لا يمنع من سافر فى مباح ولا فى معصية من الإكثار من ذكر الله، وإنما النزاع فى خصوص هذا الذكر
فى هذا الوقت المخصوص. فذهب قوم إلى الاختصاص، لكونها عبادات مخصوصة، شرع لها ذكر
مخصوص، فتختص به، كالذكر المأثور عقب الأذان وعقب الصلاة.
وقال [عن الرواية الثالثة أيضا] قول لا إله إلا اللَّه .. إلخ يحتمل أنه كان يأتى بهذا الذكر عقب
التكبير وهو على المكان المرتفع ويحتمل أن التكبير يختص بالمكان المرتفع وما بعده إن كان
متسعا أكمل الذكر المذكور فيه، وإلا فإذا هبط سبح، ويحتمل أن يكمل الذكر مطلقا عقب التكبير، ثم
يأتى بالتسبيح إذا هبط.
قال القرطبى وفى تعقيب التكبير بالتهليل إشارة إلى أنه المتفرد بإيجاد جميع المخلوقات
والموجودات، وأنه المعبود فى كل الأماكن. اهـ
وفى قوله ((تائبون)) إشارة إلى التقصير فى العبادة، وقاله صلى الله عليه وسلم على سبيل
التواضع، أو تعليما لأمته، أو المراد أمته.
وفى الرواية الثانية التحذير من الظلم، ومن التعرض لأسبابه.
والله أعلم
٤٠٣
(٣٥٠) بَاب النزول ببَطْحَاء ذِى الْحُلَيْفَةِ
٠٠
٢٩٠١ - ٤٣٠ عَنْ نَافِعٍ(٤٣٠)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِعَ﴾
أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْخُلَيْفَةِ. فَصَلَّى بِهَا. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
٢٩٠٢ - ٤٣١ عَنْ نَافِعٍ (٤٣١)، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُنِخُ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ الَّتِي
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ يُنِخُ بِهَا وَيُصَلِّي بِهَا.
٢٩٠٣ - ٤٣٢ عَنْ نَافِعٍ(٤٣٢): أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانٌ إِذَا صَدَرَ مِنَ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ، أَنَاخَ
بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ. الَّتِي كَانَ يُنِخُ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ لَ.
٢٩٠٤ - ٤٣٣ عَنْ سَالِمٍ (٤٣٣)، عَنْ أَبِيهِ رَُّهِ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَ لَ أَتِيَ فِي مُعَرَّسِهِ بِذِي
الْحُلَيْفَةِ. فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ.
٢٩٠٥ - ٤٢٤ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ(٤٣٤)، عَنْ أَبِيِهِ عَهِ، أَنَّ الِبِيَّ :﴿ أَتِيَ وَهُوَ فِي
مُعَرِّسِهِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ فِي بَطْنِ الْوَادِي. فَقِيلَ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ. قَالَ مُوسَى: وَقَدْ أَنَاخٌ
بِنَا سَالِمٌ بِالْمُنَاخِ مِنَ الْمَسْجِدِ الَّذِي كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُبِخُ بِهِ، يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُولِ اللَّهِع ◌ِ لِ.
وَهُوَ أَسْفَلُ مِنَ الْمَسْجِدِ الْذِي بِبَطْنِ الْوَادِي. بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِيْلَةِ. وَسَطًا مِنْ ذَلِكَ.
المعنى العام
إن مناسك الحج أساسها فعل الرسول {8، وقوله ((خذوا عني مناسككم)) ولا خوف فى هذا
بالنسبة للشعائر، أما ما لابس الشعائر من هيئات الركوب أو المشى أو الوقوف أو الجلوس أو النزول
فى منزل أو سلوك طريق من الطرق ونحو ذلك فقد تمسك باستحبابه جماعة الملتزمين، وعلى رأسهم
ابن عمر رضى الله عنهما، ولم يتمسك به آخرون رأوا أن ذلك كان أمرا اتفاقیا، ولم يكن مقصودا
بالاستحباب، ولم يتطلبه هدف دينى، والكل متفق على أن من اقتدى به صلى الله عليه وسلم فى مثل
(٤٣٠) حَدَّثَّا يَحْنِى بْنُ يَحْتِى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمِرٌ
(٤٣١) وحَدَّتِي مُحَمِّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ الْمِصْرِيُّ أَخْبَرَنَّ اللَّيْثُ حِ وَحَدَّثْنَا قُتَيْبَةُ وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ حَدََّا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ
(٤٣٢) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَقَ الْمُسَسِيُّ خَدَّثِّي أَنْسٌ يَعْنِي أَبَا ضَمْرَةً عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةً عَنْ نَافِعِ
(٤٣٣) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّدٍ حَدَّثَنَا حَتِمٌ وَهُوَ ابْنُ إِسْمَعِيلَ عَنْ مُوسَى وَهُوَّ ابْنُ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ نَافِعِ
(٤٣٤) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْارِ بْنِ الرََّّانِ وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ وَاللَّفْظُ لِسُرَيْجٍ قَالا حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بُّنُ جَعْفَرٍ أُخْبَرَتِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةً
عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَّرَ
٤٠٤
هذه الأمور مستشعرا الاقتداء به، قاصدا المتابعة والأسوة الحسنة له أجر، لكن هل هو أجر العمل؟ أو
أجر النية والقصد؟ هذا موطن الخلاف، ومن هذا القبيل ما نحن فيه من نزوله صلى الله عليه وسلم
بالأبطح عند ذى الحليفة فى طريق عودته إلى المدينة من حجة الوداع، فصلى الله وسلم عليه ورضى
عن أصحابه أجمعين.
المباحث العربية
(أناخ بالبطحاء التى بذى الحليفة) أى أناخ بعيره، ونزل، ونزل المسلمون معه ليستريحوا من
السفر، وليقضوا وقتا بها، والبطحاء هو التراب الذى فى مسيل الماء، وقيل إنه مجرى السيل إذا جف
واستحجر، والبطحاء التى بذى الحليفة معروفة عند أهل المدينة وغيرهم بالمعرس. وقوله ((التى بذى
الحليفة)) احتراز عن البطحاء التى بمكة بين مكة ومنى والمعروفة باسم المحصب، وقد سبق الكلام
عليها فى باب خاص قبل باب الهدى.
وكان هذا النزول فى عودته من الحج إلى المدينة، كما تشير إلى ذلك الرواية الثالثة بقولها ((كان
إذا صدر من الحج أو العمرة أناخ بالبطحاء)» أى إذا رجع من الحج والعمرة.
.
(أتى فى معرسه) قال القاضى المعرس [بضم الميم وفتح العين وتشديد الراء المفتوحة] موضع
النزول. قال أبو زيد عرس القوم فى المنزل إذا نزلوا به، أى وقت كان من ليل أو نهار، وقال الخليل
والأصمعى: التعريس النزول فى آخر الليل، اهـ. و((أتى)) مبنى للمجهول، أى أتاه الملك فقال له إنك
ببطحاء مباركة.
· (أناخ بنا سالم بالمناخ من المسجد) أى بالمكان الذى أناخوا فيه من المسجد.
فقه الحديث
قال النووى قال القاضى: والنزول بالبطحاء بذى الحليفة فى رجوع الحاج ليس من مناسك الحج،
وإنما فعله من فعله من أهل المدينة تبركا بآثار النبى صلى الله عليه وسلم ولأنها بطحاء مباركة. قال
واستحب مالك النزول والصلاة فيه، وألا يجاوزه حتى يصلى فيه، وإن كان فى غير وقت الصلاة مكث
حتى يدخل وقت الصلاة فيصلى. قال وقيل إنما نزل به صلى الله عليه وسلم فى رجوعه حتى يصبح
لئلا يفجأ الناس أهاليهم ليلا، كما نهى عنه صريحاً فى الأحاديث المشهورة. والله أعلم.
وللحديث علاقة بحديث نزول الأبطح الذى بين مكة ومنى وقد سبق فى باب خاص بعد باب
رمى جمرة العقبة إلخ فليراجع.
والله أعلم
٤٠٥
(٣٥١) بَاب لا يَحُجِ البَيْت مُشركٌ وَلا يَطوُف بالبَيْتِ عُزْيَان
٢٩٠٢ - ٤٣٥ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(٤٣٥) قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ فِي الْحَجَّةِ الِّي أَمَّرَهُ
عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِفَ﴿ِ. قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ. فِي رَهْطٍ، يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ: لا يَحُجُّ بَعْدَ
الْعَامِ مُشْرِكٌ. وَلا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ:
يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ. مِنْ أَجْلٍ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
المعنى العام
الحج شريعة إبراهيم عليه السلام، وكان العرب يحجون قبل الإسلام، وإن انحرفت بهم هذه
الشعيرة إلى تقديس الأصنام التى وضعوها فى الكعبة وحولها وعلى الصفا والمروة وجاء الإسلام معدلا
لما انحرف مصلحا من شعائره ما فسد، مقرا لما هو صالح، وظل المشركون يحجون فى عهد الرسالة
حتى السنة التاسعة من الهجرة، فنزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسّ فَلا
يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. وأراد رسول اللَّه ◌َلَّ أن يبلغ هَذا الأمر الإلهى
لأهل الحج بعامة، ولأهل مكة خاصة، لكنه صلى اللَّه عليه وسلم قد قرر ألا يسافر إلى الحج ذاك العام،
وكان يعلم أن المشركين يختلطون بالمسلمين فى حجهم ويلبون بالشرك أثناء تلبيتهم ويطوفون
بالبيت عراة، رجالا ونساء، كما ولدتهم أمهاتهم، فأراد صلى اللّه عليه وسلم أن ينظف الحج من هذه
الرذائل قبل أن يحج، فقرر أن يكون أبوبكر أميرا للحجاج، وراعيا لشئونهم نيابة عنه صلى الله عليه
وسلم، وطلب إليه أن يعلن فى الناس أنه لا يحج البيت بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان،
نعم لقد كان العرب يطوفون بالبيت عراة، الرجال بالنهار والنساء بالليل، وكانوا يقصدون بذلك أن
يطوفوا كما ولدوا، بغير الثياب التى أذنبوا فيها، فإذا بلغ أحدهم باب المسجد قال لقريش من
يعيرنى ثوبا أطوف به؟ فإن أعطاه قرشى ثوبا طاف فيه، وإلا ألقى ثيابه بباب المسجد، ثم طاف
سبعا عريانا، ومن طاف فى ثياب لم يحل له أن يلبسها أبدا ولا ينتفع بها، وكان بعض النساء تتخذ
سيورا تعلقها فى رقبتها وتستر بها سوأتها، وبعضهن تستر سوأتها بيديها، وبعضهن تخفض رأسها،
فتستر سوأتها بشعرها، وفى ذلك تقول العامرية:
وما بدا منه فلا أحله
اليوم يبدو بعضه أو كله ..
وفى ذلك نزل قوله تعالى ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
(٤٣٥) حَدَّثَنِي هَارُونُ بِنُ سَعِيدٍ الأَبْلِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَنِي عَمْرٌو عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
ح وحَّدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى الْتَّجِيُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أُخْبَرَنِي يُونسُ أَنَّ أَبْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنٍ
عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
٤٠٦
وفى يوم النحر وفى منى نادى أبو هريرة وعلى ومن كلفه أبوبكر لينادى معهما فى
الناس، كل فى جهة ليسمعوا أكبر عدد ممكن ألا لا يحج البيت بعد هذا العام مشرك، ولا
يطوف بالبيت بعد العام عريان.
المباحث العربية
(فى الحجة التى أمره عليها رسول اللّه ﴿) ((أمر)) بفتح الهمزة وتشديد الميم المفتوحة،
أى جعله أميرا عليها ليحج بالناس، وذلك سنة تسع من الهجرة.
(فى رهط يؤذنون فى الناس) أى بعثنى فى جملة رهط، والرهط من الرجال ما دون العشرة،
لا يكون فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه، و((يؤذنون)) أى يعلمون، فالمراد الأذان اللغوى، وضمير
((يؤذنون)) للرهط باعتبار المعنى، والمراد من الناس الحجاج، أو ما يعمهم ويعم الموجودين من أهل
مكة وغيرهم.
فقه الحديث
قال النووى المراد بالمسجد الحرام فى قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌّ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ
الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. الحرم كله، فلا يُمَكَّنَ مشرك مَن دخول الحرم بحال، حتى لَو
جاء فى رسالة، أَو أمر مهم لا يمكن من الدخول، بل يخرج إليه من يقضى الأمر المتعلق به ولو دخل
خفية ومرض ومات نبش وأخرج من الحرم.اهـ
قال العينى وكذلك لا يمكن أهل الذمة من الإقامة بعد ذلك، لقوله صلى الله عليه وسلم
أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب. وقال النووى وفى الحديث إبطال لما كانت
الجاهلية عليه من الطواف بالبيت عراة، واستدل به أصحابنا وغيرهم على أن الطواف
يشترط له ستر العورة. اهـ وبه قال مالك والشافعى وأحمد فى رواية، وذهب أبو حنيفة
وأحمد فى رواية إلى أنه لو طاف عريانا يجبر بدم.
قال النووى قال ابن شهاب وكان حميد بن عبد الرحمن يقول يوم النحر يوم الحج الأكبر من أجل
حديث أبى هريرة ◌ُه، ومعنى قول حميد بن عبد الرحمن إن اللَّه تعالى قال ﴿وَأَذَانٌ مِن اللَّهِ وَرَسُولِهِ
إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِن الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣]. ففعل أبوبكر وعلى وأبو
هريرة هذاَ الأذان يوم النحرَ، فتعين أنّه يوم الحج الأكبر ولأن معظم المناسك تقع فيه.
وبعبارة أخرى أن اللَّه تعالى أمر بهذا الأذان يوم الحج الأكبر، فأذن به الصحابة يوم النحر، فدل
على أنهم علموا أنه يوم الحج الأكبر المأمور بالأذان فيه. وهذا مذهب مالك والشافعى والجمهور. وقيل
يوم الحج الأكبر هو يوم عرفة، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((الحج عرفة)).
قال العلماء وقيل الحج الأكبر للاحتراز من الحج الأصغر، وهو العمرة.
والله أعلم
٤٠٧
(٣٥٢) بَابُ فَضْلِ يَوْمٍ عَرَفَةَ
٢٩٠٧ - ٤٣٦ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْها(٤٣٦)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ
مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمٍ عَرَفَةَ. وَإِنَّهُ لَيَدْنُوْ ثُمَّ يُّبَاهِي بِهِمُ الْمَلائِكَةَ. فَيَقُولُ:
مَا أَرَادَ هَؤُلاءِ؟».
المعنى العام
لله فى خلقه شئون، يفضل بعض الأماكن على بعض، ويفضل بعض الآدميين على بعض، ويفضل
بعض الأزمنة على بعض، ومعنى تفضيل الزمان والمكان تفضيل ما يقع فيه من أعمال البر والخير
على مثيلاتها حين تقع فى المكان أو الزمان المفضول، وبمعنى آخر زيادة فضل الله ورحمته التى
تغمر المطيعين فى الزمان أو المكان المفضل عنها فى الزمان والمكان المفضول، ويوم عرفة يوم
يجتمع فيه الحجاج شعثا غبرا، يرجون رحمة الله ويخافون عذابه، تركوا أموالهم وأولادهم وماخولهم
اللَّه وراء ظهورهم، ورفعوا أكفهم ضارعة إلى ربهم، يباهى بهم ملائكته، يقول ما يريد هؤلاء بوقوفهم
هنا هكذا؟ يقولون يطيعونك ويعبدونك ويرجونك. فيقول هل رأونى؟ فيقولون لا، فيقول يعبدوننى
هكذا ولم يرونى، فكيف إذا رأونى؟ أشهدكم يا ملائكتى أنى غفرت لهم.
المباحث العربية
(ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة) ((من يوم عرفة))
جار ومجرور متعلق بأكثر، و((من أن يعتق الله فيه عبداً من النار)) فى موقع التمييز، و((من)) فى ((ما
من يوم)) زائدة، والتقدير ليس يوم أكثر من يوم عرفة عتقا من النار.
(وإنه ليدنو) قال النووى أى تدنو رحمته وكرامته، لا دنو مسافة ومماسة. قال القاضى يتأول
فيه ما يتأول فى حديث النزول إلى السماء الدنيا، وقد يريد دنو الملائكة إلى الأرض، أو إلى السماء
بما ينزل معهم من الرحمة.
(ما أراد هؤلاء؟) الوقوف عند السؤال فى هذه الرواية اختصار من الرواة، فقد بين مرادهم فى
رواية عبد الرزاق («هؤلاء عبادى جاءونى شعثا غبرا، يرجون رحمتى، ويخافون عذابى، ولم يرونى .. ))
(٤٣٦) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ وَأَخْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالا حَدََّا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِهِ قَالَ سَمِعْتُ يُونُسَ
ابْنَ يُوسُفَ يَقُولُ عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةٌ
٤٠٨
فقه الحديث
قال النووى: هذا الحديث ظاهر الدلالة فى فضل يوم عرفة، وهو كذلك، ولو قال رجل: امرأتى طالق
فى أفضل الأيام فلأصحابنا وجهان. أحدهما تطلق يوم الجمعة، لقوله صلى الله عليه وسلم ((خير يوم
طلعت فيه الشمس يوم الجمعة))، كما سبق فى صحيح مسلم، وأصح الوجهين يوم عرفة للحديث
المذكور فى هذا الباب، ويتأول حديث يوم الجمعة على أنه أفضل أيام الأسبوع.
والله أعلم
٤٠٩
(٣٥٣) بَابُ فَضْل الحَجِ وَالْعُمْرَةِ
٢٩٠٨- ٤٣٧ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عٍَّ(٤٣٧). أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ
لِمَا بَيْنَهُمَا. وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ، لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ».
٢٩٠٩ - ٤٣٨ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َ﴾(٤٣٨) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ «مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ
يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».
٢٩١٠ - - وَفِي رِوَايَةِ «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ».
المعنى العام
خلق الله الإنسان وكلفه بطاعته، وسلط عليه الشيطان والشهوات والنفس الأمارة بالسوء، فكان
لزاما أن يخطئ وأن يعصى، وكان من رحمته جل شأنه بالإنسان عامة وبالمسلم خاصة أن فتح له
أبواب التوبة، وضاعف حسنته بعشرة أمثالها، وأفاض عليه من عفوه فى أماكن مشرفة، كالمسجد
الحرام ومسجد الرسول 8# بالمدينة والمسجد الأقصى بالشام، وفى أزمنة مشرفة، كشهر رمضان ويوم
الجمعة وليلة القدر والعشر الأوائل من ذى الحجة، وفى أعمال مكرمة لعينها كالجهاد وبر الوالدين
والصلاة لوقتها والحج والعمرة فقال ((من حج فلم يرفث ولم يفسق [وأدى الحج كما شرعه اللَّه وطلبه
منه] رجع [من حجه مغفورا له، نقياً] من ذنوبه كيوم ولدته أمه)».
كما كان من رحمة اللَّه بالمسلم أن جعل الذنوب صغائر وكبائر، صغائر لاتحصى وكبائر قليلة
محدودة، وجعل النقاء من الصغائر مغفوراً باجتناب الكبائر، ويفعل بعض الطاعات السهلة على كثير
من الناس ومن ذلك العمرة، فهى تكفر ما سبقها من سيئات وكلما تكررت كلما غسلت ما قبلها من
ذنوب صغائر، وزادت من الحسنات، ورفعت من الدرجات.
(٤٣٧) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَحْيَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ سُمَيِّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
- وخَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌوِ النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالُوا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ح وَحَدَّثَنِي
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الأُمَوِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ عَنْ سُهَيْلٍ ح وَحَدَّقَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ح
وحَدَّنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حِ وحَدَّثَنِي مَُّحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّىَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانِ كُلُّ هَؤُلاءِ عَنْ سُمَيِّ عَنْ
أَبِ صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النّبِيِّ ◌َ﴿هُ بِمِثْلٍ حَدِيثِ مَالِكٍ.
(٤٣٨) حَدَّثَنَا يُحْتِى بَنُ يُحْبَى وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ يَحْبَى أَخْبُرَنَا وَقَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
- وحَدَّثَنَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ وَأَبِي الأَخْوَصِ حِ وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنَّ أَبِيٍ شَيْئَةً حَذَثْنَا وَكَيْعٌ عََنَّ مِسْعَرٍ وَسُفْيَان
ح وحَدََّا ابْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَاْ مُحَمَّدٌ بْنُ جَعْفَرٍ خَدَّثَنَا شُعْبَةُ كُلُّ هَؤُلاءِ عَنْ مَنْصُّورٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ وَفِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا
- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ سَّارٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ غُنَّ النِّّنَ﴿ مِثْلَهُ
٤١٠
المباحث العربية
(العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما) العمرة فى اللغة الزيارة يقال اعتمر فهو معتمر، أى
زار وقصد، وقيل إنها مشتقة من عمارة المسجد الحرام، وفى الشرع زيارة البيت الحرام بشروط
مخصوصة. وفى معنى ((إلى العمرة)) قال ابن التين يحتمل أن تكون ((إلى)) بمعنى مع كما فى قوله
تعالى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]. اهـ ومعنى كفارة لما بينهما ليس على إطلاقه،
بل المراد كفارة لما بينهما من الذنوب الصغائر، دون الكبائر. وسيأتى توضيحه فى فقه الحديث.
وهنا بحث جيد. هل العمرة الأولى هى المكفرة؟ أو الثانية؟ قال العينى كما هو الحديث أن
العمرة الأولى هى المكفرة، لأنها هى التى وقع الخبر عنها أنها تكفر، ولكن الظاهر من حيث المعنى
أن العمرة الثانية هى التى تكفر ما قبلها إلى العمرة التى قبلها، فإن التكفير قبل وقوع الذنب خلاف
الظاهر.اهـ. قلت: العمرة الأولى تكفر ما قبلها بالتوضيح الذى سنذكره فى فقه الحديث، والعمرة
الثانية تكفر ما قبلها، أى ما بينها وبين العمرة الأولى وهكذا. فكل عمرة تكفر ما قبلها. والله أعلم.
(والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) أى لا يقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض
ذنوبه، بل لابد أن يدخل الجنة.
وفى المراد من ((المبرور)) قال النووى الأصح الأشهر أن المبرور هو الذى لايخالطه إثم، مأخوذ من
البر، وهو الطاعة، وقيل: هو المقبول، ومن علامات القبول أن يرجع خيراً مما كان، ولا يعاود المعاصى،
وقيل: هو الذى لارياء فيه، وقيل: الذى لا يعقبه معصية.
قال القرطبى: الأقوال التى ذكرت فى تفسير المبرور كلها متقاربة المعنى، وهى أنه الحج الذى
وفيت أحكامه، ووقع الموقع الذى طلب من المكلف على الوجه الأكمل.
(من أتى هذا البيت) يشمل الحج والعمرة، والمراد من أتاه زائراً قاصداً النسك وفى ملحق
الرواية ((من حج)) وفى رواية البخارى ((من حج لله)) وفى بعض الروايات ((من حج هذا البيت)) وعند
الدارقطنى (( من حج أو اعتمر)).
(فلم يرفث) يقال رفث بفتح الفاء ورفث بكسر الفاء يرفث بكسرها وفتحها وضمها وقال
الحافظ فاء الرفث مثلثة فى الماضى والمضارع والأفصح الفتح فى الماضى، والضم فى المستقبل.
ويقال أرفث بالألف، والرفث يطلق على الجماع، وعلى التعريض به، وعلى الفحش فى القول، وقال
الأزهرى الرفث اسم جامع لكل ما يريده الرجل من المرأة، وكان ابن عمر يخصه بما خوطب به
النساء، وقال عياض هذا من قول اللَّه تعالى ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
والجمهور على أن المراد به في الآية الجماع.
قال الحافظ ابن حجر والذى يظهر أن المراد به فى الحديث ما هو أعم من ذلك، وهو المراد بقوله
فى الصيام ((فإذا كان صوم أحدكم فلايرفث)).
٤١١
(ولم يفسق) أى لم يأت بسيئة ولا معصية، والفسق العصيان، وترك أمر الله والخروج عن الطاعة.
وأغرب ابن الأعرابي فقال إن لفظ الفسق لم يسمع فى الجاهلية ولافى أشعارهم، وإنما هو إسلامى،
وتعقب بأنه كثر استعماله فى القرآن الكريم، وحكايته عمن قبل الإسلام، وقال القزاز أصله من
انفسقت الرطبة إذا أخرجت من قشرها، فسمى بذلك الفاسق لخروجه من الخير وانسلاحه منه.
(رجع كما ولدته أمه) أى بغير ذنب، ورجع بمعنى صار، والجار والمجرور ((كما ولدته أمه))
حال، أى صار مشبها لنفسه يوم ولدته أمه فى البراءة من الذنوب.
فقه الحديث
روى مسلم ((من توضأ نحو وضوئى هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ماتقدم من
ذنبه)) وروى ((لا يتوضأ رجل مسلم فيحسن الوضوء، فيصلى صلاة إلا غفر الله له ما بينه وبين الصلاة
التى تليها» وروى «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا
كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله)».
وروى «من توضأ هكذا غفرله ما تقدم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة)). وروى
((الصلوات الخمس كفارة لما بينهن)).
وروى ((الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا
اجتنبت الكبائر)».
وروى حديث الباب ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما)».
قال النووى: إذا كفر الوضوء فماذا تكفر الصلاة؟ وإذا كفرت الصلاة فماذا تكفر الجمعات؟
ورمضان؟ وكذلك صوم يوم عرفة كفارة سنتين؟ ويوم عاشوراء كفارة سنة؟ و((إذا وافق تأمينه تأمين
الملائكة غفرله ما تقدم من ذنبه؟
والجواب ما أجابه العلماء أن كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفره من
الصغائر كفره، وإن لم يصادف صغيرة ولاكبيرة كتبت به حسنات، ورفعت به درجات، وإن صادف
كبيرة أو كبائر، ولم يصادف صغيرة رجونا أن يخفف من الكبائر.
وقال الحافظ ابن حجر واستشكل بعضهم كون العمرة كفارة مع أن اجتناب الكبائر يكفر، بقوله
تعالى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]. فماذا تكفر العمرة؟
والجواب أن تكفير العمرة مقيد بزمنها، وتكفير الاجتناب عام لجميع عمر العبد فتغايرا من هذه
الحيثية. اهـ
هذا عن فضل العمرة، أما عن حكمها فقد قال النووى اختلف العلماء فى وجوب العمرة،
فمذهب الشافعى والجمهور أنها واجبة، وممن قال به عمر وابن عباس وطاووس وعطاء وابن
٤١٢
المسيب وسعيد بن جبير والحسن البصرى ومسروق وابن سيرين والشعبى وأبو بردة بن أبى
موسى وعبد الله بن شداد والثورى وأحمد وإسحق وأبو عبيد وداود. وقال مالك وأبو حنيفة
وأبو ثور هى سنة وليست واجبة.
وقال فى المجموع شرح المهذب قال الشافعى فى الجديد هى فرض، وقال فى القديم ليست
بفرض والصحيح الأول. واستدل البيهقى لوجوب العمرة بحديث عمر بن الخطاب فى سؤال جبريل
عن الإيمان والإسلام وفيه فى رواية البيهقى ((وأن تحج البيت وتعتمر)» ورجاله رجال مسلم، ورواه
هكذا الدارقطنى، ثم قال: هذا إسناد صحيح ثابت، واحتج البيهقى أيضا بما رواه بإسناده عن أبى
زرين العقيلى الصحابى 4 أنه قال يارسول الله إن أبى شيخ كبير، لايستطيع الحج والعمرة ولا
الطعن؟ ((قال حج عن أبيك واعتمر))، قال البيهقى قال مسلم بن الحجاج سمعت أحمد بن حنبل
يقول: لاأعلم فى إيجاب العمرة حديث أجود من حديث أبى زرين هذا، ولا أصح منه.
قال الحافظ ابن حجر وحديث أبى زرين هذا صحيح، رواه أبو داود والترمذى والنسائى
وابن ماجه وغيرهم بأسانيد صحيحة وقال الترمذى هذا حديث حسن صحيح. كما استدل
القائلون بوجوبها بقوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. أى أقيموها. قال
ابن عباس: والله إنها لقرينة الحج فى كتاب الله. وللحاكم عن ابن عباس (الحج والعمرة
فريضتان)) وقال ابن عمر: ليس من خلق الله أحد إلا عليه حجة وعمرة واجبتان من
استطاع سبيلا، فمن زاد شيئا فهو خير له وتطوع.
واستدل القائلون بأنها سنة بحديث جابره أن النبى * سئل عن العمرة. أهى واجبة؟ قال لا.
وأن تعتمر خير لك. رواه الترمذى وقال هذا حديث حسن صحيح.
وقال الترمذى قال الشافعى: العمرة سنة لانعلم أحدا رخص فى تركها، وليس فيها شىء ثابت
بأنها واجبة. ورد الجمهور حديث جابر بأنه ضعيف، بل موقوف على جابر غير مرفوع.
ثم قال النووي: فإن قلنا هى فرض فهى فى شرط صحتها وصحة مباشرتها ووجوبها وإحرامها عن
عمرة الإسلام كالحج. والله أعلم.
وأما عن وقتها فقد قال النووى: اعلم أن جميع السنة وقت للعمرة فتصح فى كل وقت منها، إلا فى
حق من هو متلبس بالحج، فلايصح اعتماره حتى يفرغ من الحج ولاتكره عندنا لغير الحاج فى يوم
عرفة والأضحى والتشريق وسائر السنة. وبهذا قال مالك وأحمد وجماهير العلماء، وقال أبو حنيفة
تكره فى خمسة أيام، يوم عرفة والنحر وأيام التشريق، وقال أبو يوسف تكره فى أربعة أيام، وهى عرفة
وأيام التشريق.
وأما عن تكرارها فقد قال النووى: مذهب الشافعى والجمهور استحباب تكرار العمرة فى السنة
الواحدة مرارا. وقال الحافظ ابن حجر فى حديث الباب دلالة على استحباب الاستكثار من الاعتمار،
خلافا لقول من قال يكره أن يعتمر فى السنة أكثر من مرة، كالمالكية واستدل لهم بأنه صلى اللّه عليه
٤١٣
وسلم لم يفعلها إلامن سنة إلى سنة وأفعاله على الوجوب أو الندب، وتعقب بأن المندوب لم ينحصر
فى أفعاله، فقد كان يترك الشىء وهو يستحب فعله، لرفع المشقة، وقد ندب إلى ذلك بلفظه، فثبت
الاستحباب من غير تقييد. ونقل الأترم عن أحمد إذا اعتمر فلابد أن يحلق أو يقصر، فلا يعتمر بعد
ذلك إلى عشرة أيام، ليمكن الحلق فيها، قال ابن قدامة هذا يدل على كراهة الاعتمار عنده فى دون
عشرة أيام، وقال وقال آخرون لايعتمر فى شهر أكثر من عمرة واحدة.
والله أعلم
٤١٤
(٣٥٤) بَابُ تَوْرِيثِ دُور مَكَةَ وَبَيْعُها وَشَرائِهَا
٢٩١١ - ٤٣٩ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ رَضِي اللَّهِ عَنْهِمَا(٤٣٩) أَنَّهُ قَالَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ! أَتَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكْةَ؟ فَقَالَ «وَهَلْ تَرَّكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ
دُورٍ؟». وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ. وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلا عَلِيٍّ شَيْئًا.
لأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنٍ. وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ.
٢٩١٢ - ٤٠ عَنْ أُسَامَّةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِي اللَّه عَنْهِمًا(٤٤٠) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا؟
وَذَلِكَ فِي حَجَّتِهِ، حِينَ دََّوْنَا مِنْ مَكَّةَ. فَقّالَ «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلا».
٢٩١٣ - ١٣٠ عَنْ أُسَامَةَ بْنٍ زَيْدٍ رَضِي اللَّهِ عَنْهمَا(٠٠٠) أَنْهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ!
أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ؟ وَذَلِكَ زَمَنَ الْفَتْحِ قَالَ « وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ
مِنْ مَنْزِلٍ؟»».
المعنى العام
يرى بعض السلف أن دور مكة ينبغى أن تكون كالسوائب، لاتباع ولا تشترى ولاتوهب ولاتؤجر،
وإنما تبقى مفتوحة لمن يحتاج أن يسكنها من الناس القادمين إليها، بل أثر عن عمر ظه النهى عن
تبوب هذه الدور، لينزل الحاج فى عرصاتها وأفنيتها.
وجمهور المسلمين على أن دور مكة كغيرها من دور بلاد المسلمين، ملك لأهلها يتصرفون فيها
بالبيع والإجارة وغيرها، ويتوارثها الوارثون كغيرها، وهذا الحديث دليل للجمهور، حيث اعتبر رسول
اللَّهُ وَلَّ هذه الدور ملكا لأصحابها، لاينزل فيها ولا ينزل حتى فى الدار التى عاش بها قبل الهجرة، لأن
عقيلا ابن عمه باعها بعد هجرته صلى الله عليه وسلم فأقر بيعه لها، وفى ذلك حكم بجواز بيع هذه
الدار كغيرها واللَّه أعلم.
(٤٣٩) حَدَّثَنِي أَبُو الطَّهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى قَلا أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ حُسَيْنٍ أَخْبَرَهُ
أَنَّ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَانَ أَخْبَرَهُ عَنْ أُسَامَةً بْنِ زَيْدٍ
(٤٤٠) حَدَّثَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانِ الرَّازِيُّ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ ابْنُ مِهْرَانَ حَدَّقَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ
عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيٍّ بْنِ حُسَيْنَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةً بْنِ زَيْدٍ
(١٠٠) وحَدَّثَنِهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدْثَ رَوْحُ بَّنُ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَّةً وَزَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ قَالا حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ
عَلِيٌّ بْنٍ حُسَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ
٤١٥
المباحث العربية
(أتنزل فى دارك بمكة)؟ فى الرواية الثانية ((أين تنزل غدا))؟ وفى الثالثة ((أين تنزل غدا إن
شاء اللَّه))؟ فكأنه استفهم أولا عن مكان نزوله، ثم ظن أنه ينزل فى داره، فاستفهم عن ذلك. وإضافة
الدار إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لسكناه إياها قديما، وأصلها وملكها كان لعمه أبى طالب، لأنه
الذى كفله، وكانت أصلا لعبد المطلب فلما مات استولى أبو طالب على أملاك عبد المطلب، وحازها
وحده، لسنه ولعادة الجاهلية.
(وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور) وفى الرواية الثانية ((وهل ترك لنا عقيل منزلا؟)) وفى
الثالثة ((وهل ترك لنا عقيل من منزل)» والرباع بكسر الراء جمع ربع بفتحها وسكون الباء، وهو المنزل
المشتمل على أبيات، وقيل هو الدار، وعلى هذا فقوله ((أو دور)) إما للتأكيد، أوشك من الرواى.
والاستفهام إنكارى بمعنى النفى، أى لم يترك لنا عقيل [بفتح العين وكسر القاف] دورا.
(وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب، ولم يرثه جعفرولا على شيئا) ترك أبو طالب
أربعة أولاد، فى داره هذه ومعهم محمد / وهاجر النبي 8* بعد موت أبى طالب بثلاث سنين، وهاجر
على بعده، ومات طالب فى بدر، فاستولى عقيل على الدار وحده، ويقال إنه باعها قبل الفتح وقبل أن
يقول النبى # هذا القول، وسياق الحديث يقتضيه، ومفهومه أنه لو تركها لنزلها صلى الله عليه
وسلم قال الداودى وغيره كان من هاجر من المؤمنين باع قريبه الكافر داره وأمضى النبى صل
تصرفات الجاهلية تأليفالقلوب من أسلم منهم. وحكى الفاكهى أن الدار لم تزل بأولاد عقيل إلى أن
باعوها لمحمد بن يوسف أخى الحجاج بمائة ألف دينار. قال الخطابى وعندى أن تلك الدار إن
كانت قائمة على ملك عقيل فإنما لم ينزلها رسول اللّه﴿ لأنها دور هجروها فى اللَّه تعالى، فلم
یرجعوا فیما تركوه.
(وذلك فى حجته) أى حجة الوداع سنة عشر من الهجرة حين أراد أن ينفرمن منى، وفى
الرواية الثالثة وذلك زمن الفتح أى فتح مكة سنة ثمان من الهجرة. قال الحافظ ابن حجر ويحمل
على تعدد القصة.
فقه الحديث
وضع البخارى هذا الحديث تحت عنوان باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها، وقدم له بقوله
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءٌ الْعَاكِفُ
فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]. قال النووى فى الحديث دلالةَ لمذهب الشافعى وموافقيه أن مكة فتحت
صلحا، وأن دورها مملوكة لأهلها، لها حكم سائر البلدان فى ذلك، فتورث عنهم، ويجوز لهم بيعها
ورهنها وإجارتها وهبتها والوصية بها، وسائر التصرفات، وقال مالك وأبوحنيفة والأوزعى وآخرون
٤١٦
فتحت عنوة، ولايجوز شىء من هذه التصرفات. اهـ قال الحافظ ابن حجر والراجح عند من قال إنها
فتحت عنوة أن النبى ﴿﴿ مَنَّ بها على أهلها، فخالفت حكم غيرها من البلاد فى ذلك، ذكره السهيلى
وغيره، ثم قال الحافظ وليس الاختلاف فى ذلك ناشئًا عن هذه المسألة، فقد اختلف أهل التأويل فى
المراد بقوله ((المسجد الحرام)) هل هو الحرم كله؟ أو مكان الصلاة فقط، واختلفوا أيضا فى المراد
بقوله ((سواء)) هل فى الأمن والاحترام؟ أو فيما هو أعم من ذلك، وبواسطة ذلك نشأ الاختلاف المذكور
أيضا. قال ابن خزيمة لو كان المراد بقوله تعالى ﴿سَوَاءَ الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ جميع الحرم، وأن اسم
المسجد الحرام واقع على جميع الحرم لما جاز حفر بئر ولا قبر، ولا التغوط ولا البول ولا إلقاء الجيف
والنتن. قال ولانعلم عالما منع من ذلك ولاكره لحائض ولالجنب دخول الحرم، ولا الجماع فيه. قال
الحافظ ابن حجر والقول بأن المراد بالمسجد الحرام الحرم كله ورد عن ابن عباس وعطاء ومجاهد.
أخرجه ابن أبى حاتم وغيره عنهم، والأسانيد بذلك كلها إليهم ضعيفة.
وقال واحتج الشافعى بحديث أسامة روايات الباب قال الشافعى فأضاف الملك إليه وإلى من
ابتاعها منه، وبقوله صلى الله عليه وسلم عام الفتح ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن)) فأضاف الدار
إليه، واحتج ابن خزيمة بقوله تعالى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾
[الحشر: ٨]. فنسب اللَّه الديار إليهم، كما نسب الأموال إلَيَهم، ولو كانتَ الديار ليست بملك لهم لما
كانوا مظلومين فى الإخراج من دور ليست بملك لهم. اهـ
ويؤخذ من الرواية الأولى أن المسلم لايرث الكافر، قال النووى وهذا مذهب العلماء كافة
إلا ما روى عن إسحق بن راهويه وبعض السلف أن المسلم يرث الكافر، وأجمعوا على أن
الكافر لايرت المسلم.
والله أعلم
٤١٧
(٣٥٥) بَابُ مَا يُقُيِمِ الْمُهَاَجِرُ فى مَكةَ
إِذِاِ فَرَغَ مِنَ الَحَجِ وَالْعُمْرَةِ
٢٩١٤ - ٤٤١ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ (٤٤١): أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْأَلُ السَّائِبَ
ابْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: هَلْ سَمِعْتَ فِي الإِقَامَةِ بِمَكَّةَ شَيْئًا؟ فَقَالَ السَّائِبُ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنّ
الْحَضْرَمِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقُولُ «لِلْمُهَاجِرِ إِقَامَةُ ثَلاثٍ، بَعْدَ الصَّدَرِ، بِمَكَّةَ»
كَأنّهُ يَقُولُ لا يَزِيدُ عَلَيْهَا.
٢٩١٥ - ٤٤٢٣ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَّيْدٍ(٤٤٢). قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ
لِجُلَسَائِهِ: مَا سَمِعْتُمْ فِي سُكْنَى مَكّْةَ؟ فَقَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ (أَوْ قَالَ الْعَلاءَ بْنَ
الْحَضْرَمِّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَهِ «يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ، بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ، ثَلاثًا».
٢٩١٦ - ٤٤٣ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَّيْدٍ (٤٤٣): أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْأَلُ السَّائِبَ
ابْنَ يَزِيدَ. فَقَالَ السَّائِبُ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِل ◌َّ يَقُولُ
«ثَلاثُ لَيَالٍ يَمْكُهُنَّ الْمُهَاجِرُ بِمَكّْةَ، بَعْدَ الصَّدَرِ».
٢٩١٧ - ٤٤ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيّ(٤٤) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ قَالَ «مَكْثُ الْمُهَاجِرِ
بِمَكَّةَ، بَعْدَ قَضَاء نُسُكِهِ، ثَلاثٌ».
المعنى العام
الإقامة بمكة كانت حراما على من هاجر منها إلى المدينة قبل الفتح فالذين هاجروا من مكة إلى
المدينة قبل الفتح إنما هاجروا لنصرة النبى صلى الله عليه وسلم، ومواساته بالنفس وتركوا فى سبيل
ذلك وطنهم العزيز عليهم، وما كانوا يملكون فيه من ديار وأموال وقربى تنازلوا عن كل ذلك فى سبيل
اللَّه ولنصرة دينه، فأنى لهم الرجوع فيما ضحوا به وتركوه للَّه؟
(٤٤١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَغْتَبٍ حَدَّثَا سُلَيْمَانُ يَعْنِي ابْنَ بِلالٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ
(٤٤٢) حَدَّثَا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى أَخْبَرَنَاَ سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِّ حُمَيْدٍ
(٤٤٣) وحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوَبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ عَبْدٍ
الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ
(٤٤٤) وحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ وَأَمْلاهُ عَلَيْنَا إِمْلاءً أَخْبُرَنِي إِسْمَعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ
حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ السَّائِبَ بْنَّ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضَرَمِيِّ أَخْبَرَهُ
- وحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بُنَّ الشَّاعِرِ حَدَّثَنَا الصَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ
٤١٨
لكنه أبيح لهم إذا وصلوا مكة بحج أو عمرة أو غيرهما من الأمور المرخص لهم بها كتجارة وزيارة
أن يقيموا بعد فراغهم من مهمتهم ثلاثة أيام، لايزيدون عليها، ويرحلون عنها امتداداً لرحيلهم الأول،
ليكتب لهم ثواب هذا الرحيل مدى الحياة، وهو ثواب لايدانيه ثواب.
لهذا أسف النبى# لسعد بن خولة أن مات بمكة بعد أن كان قد هاجر منها إلى المدينة. رضى
اللَّه عن السابقين الأولين المهاجرين وعن الصحابة أجمعين.
المباحث العربية
(هل سمعت فى الإقامة بمكة شيئا)؟ أى ممن سمع من رسول الله ﴾؟ والمراد إقامة
المهاجر من مكة أياما بمكة بعد قضاء نسك الحج أو العمرة، وفى الرواية الثانية ((ما سمعتم فى
سكنى مكة))؟ أى لمن فر منها إلى المدينة مهاجرا.
(للمهاجر إقامة ثلاث بعد الصدر بمكة) الصدر بفتح الصاد والدال الرجوع
والمراد الرجوع من منى بعد الفراغ من شعائر الحج وبمكة متعلق بإقامة، أى لمن هاجر
من مكة إقامة بمكة ثلاث ليال بعد قضائه نسكه، وصرحت بذلك الروايات واضحة، ففى
الرواية الثانية ((يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً)) وفى الثالثة ((ثلاث ليال
يمكثهن المهاجر بمكة بعد الصدر)» وفى الرابعة ((مكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه
ثلاث)) قال النووى عن هذه الرواية الرابعة هو أكثر النسخ ((ثلاثاً)) وفى بعضها ((ثلاث))
ووجه المنصوب أن يقدر فيه محذوف، أى مكثه المباح أن يمكث ثلاثاً.اهـ
فالمقصود الترخيص له بالإقامة فى مكة بعد قضاء نسكه ثلاث ليال كأقصى حد مسموح به،
يصرح الراوى بذلك فى الرواية الأولى بقوله ((كأنه يقول لايزيد عليها)).
فقه الحديث
قال القرطبى المراد بهذا الحديث من هاجر من مكة إلى المدينة لنصرة النبى { *، ولا يدخل فيه
من هاجر من غير مكة إلى المدينة، لأن الحديث جاء جوابا عن سؤالهم لما تحرجوا من الإقامة بمكة
إذ كانوا قد تركوها للَّه تعالى، فأجابهم بذلك، وأعلمهم أن الإقامة ثلاث ليال ليست بإقامة.اهـ قال
القاضى عياض واتفق الجميع على أن الهجرة قبل الفتح كانت واجبة عليهم، وأن سكنى المدينة كان
واجبا، وفى هذا الحديث حجة لمن منع المهاجر قبل الفتح من المقام بمكة بعد الفتح، قال وهو قول
الجمهور، وأجازلهم جماعة بعد الفتح، مع الاتفاق على وجوب الهجرة عليهم قبل الفتح، ووجوب
سكنى المدينة لنصرة النبى /2، ومواساتهم له بأنفسهم، وأما غير المهاجر، ومن آمن بعد ذلك فيجوز
له سكنى أى بلد أراد، سواء مكة وغيرها بالاتفاق.اهـ
قال القرطبى والخلاف الذى أشار إليه القاضى عياض كان فيمن مضى، وهل ينبنى هذا الخلاف
٤١٩
ويطبق على من فربدينه من موضع يخاف أن يفتن فيه فى دينه؟ فهل له أن يرجع إليه بعد انقضاء
تلك الفتنة؟ يمكن أن يقال إن كان تركها لله، كما فعله المهاجرون. فليس له أن يرجع لشىء من
ذلك، وإن كان تركها فرارا بدينه ليسلم له، ولم يقصد إلى تركها لذاتها، فله الرجوع إلى ذلك.اهـ
قال الحافظ ابن حجر وهو حسن متجه، إلا أنه خص ذلك بمن ترك رباعا أو دورا ولاحاجة إلى
تخصيص المسألة بذلك.
قال النووى وفى هذا الحديث دلالة لأصح الوجهين عند أصحابنا أن طواف الوداع ليس من
مناسك الحج، بل هو عبادة مستقلة، أمربها من أراد الخروج من مكة، لا أنه نسك من مناسك الحج،
ولهذا لايؤمربه المكى، ومن كان يقيم بها، وموضع الدلالة قوله صلى الله عليه وسلم ((بعد قضاء
نسكه)) والمراد قبل طواف الوداع، كما ذكرنا، فإن طواف الوداع لا إقامة بعده، ومتى أقام بعده خرج
عن كونه طواف الوداع، فسماه قبله قاضيا لمناسكه، فخرج طواف الوداع أن يكون من مناسك
الحج.اهـ. وقد سبق الحديث عن طواف الوداع قبل اثنى عشر بابا. وقال النووى أيضا واستدل
أصحابنا وغيرهم بهذا الحديث على أن إقامة ثلاثة ليس لها حكم الإقامة، بل صاحبها فى حكم
المسافر، قالوا فإذا نوى المسافر الإقامة فى بلد ثلاثة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج جازله
الترخيص برخص السفر من القصر والفطر، وغيرهما من رخصة، ولا يصير له حكم المقيم.
والله أعلم
٤٢٠