Indexed OCR Text
Pages 361-380
أزعجت رسول الله:﴿ وجسدت أمامه صورة أمته لولم يتكافل أعضاؤها فتغير وجهه صلى الله عليه
وسلم غضباً وحزناً وأسفاً، كيف يوجد أمثال هؤلاء بين قوم قيل لهم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِن
ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات: ١٣]؟ كيف يقبل من آتاه الله مالا أن يرى أخاه بهذه الصورة ثم لا يفيض
عليه. إن الأب واحد، وإن الأم واحدة؛ وما رفع الله بعض الإخوة على بعض إلا ليحتاج كل إلى الآخر
فتترابط المصالح، ويفيد كل طرف من الآخر.
إن الصورة التى بدا عليها وجه رسول اللّه﴾﴾ أخذت بقلوب صحابته رضوان الله عليهم أجمعين،
ولم يشق عليهم رسول اللّه حين دعاهم للتصدق ولو بشق تمرة لأجابوا، ولكنه دعاهم للتصدق ببعض ما
عندهم، صاحب الدنانير ببعض دناتيره، وصاحب الدراهم ببعض دراهمه، وصاحب الثياب ببعض
ثيابه، وصاحب صاع البر من صاع بره ولو قبضة، وصاحب صاع التمر من صاع تمره ولو تمرة. بل ولو
شق تمرة.
نعم كان الصحابة عند حسن الظن، تتابعوا بالعطاء، حتى تجمع كومان كبيران من طعام ونقود
وثياب فتهلل وجه رسول اللَّه ◌ِ ﴾.
قال النووى عن قوله صلى الله عليه وسلم فى هذا الحديث ((من سن فى الإسلام سنة حسنة فله
أجرها)) ... إلخ: فيه الحث على الابتداء بالخيرات، وسن السنن الحسنات، والتحذير من اختراع
الأباطيل والمستقبحات، وتخصيص حديث: ((كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)). وأن المراد به
المحدثات الباطلة والبدع المذمومة. قال: وقد سبق بيان هذا فى كتاب صلاة الجمعة، وذكرنا هناك
أن البدع خمسة أقسام: واجبة، ومندوبة، ومحرمة، ومكروهة، ومباحة. اهـ
إن الإصلاح للمجتمع واجب كل قادر عليه، ولقد قبل الله صدقة المتصدق على الغنى، والمتصدق
على زانية، والمتصدق على سارق، لأن فى ذلك إصلاحا لهم، فربما انكسف الغنى واستحيا من نفسه،
واعتبر بالمنفق عليه فأصلح من نفسه واقتدى، وربما كانت الزانية محتاجة إلى أجرزناها فتعف
بالنفقة التى منحتها، وربما كان السارق يسرق ما يحتاجه، فبسد حاجته قد يقلع عن سرقته فيأمن
الأغنياء على أموالهم.
قال النووى: فى الحديث ثبوت الثواب فى الصدقة وإن كان الآخذ فاسقاً وغنيا، ففى كل كبد
رطبة أجر. قال: وهذا فى صدقة التطوع، وأما الزكاة فلا يجزى دفعها إلى غنى. اهـ
فإن دفعها إلى غنى وهو لا يعلم، ثم علم وجبت عليه الإعادة. لأنه لم يضع الزكاة موضعها، وأخطأ
فى اجتهاده، كما لو نسى الماء فى رحله وتيمم لصلاة لم يجزه. وقال أبو حنيفة: تسقط عنه تلك
الزكاة، ولا تجب عليه الإعادة.
وفى الحديث أن الصدقة كانت عندهم مختصة بأهل الحاجة من أهل الخير، وفيه دليل على أن
الله يجزى العبد على حسب نيته فى الخير، وفيه اعتبار لمن تصدق عليه، ورجاء بأن يتحول عن
الحال المذمومة إلى الحال الممدوحة، وفيه فضل صدقة السر، وفضل الإخلاص، وفيه استحباب إعادة
٣٦١
الصدقة إذا لم تقع الموقع، وفيه أن الحكم للظاهر حتى يتبين خلافه، وفيه التسليم والرضا، وحمد الله
على كل حال.
تلك الشعب الأربع تعود بالنفع الدنيوى على المنفق، أما عن النفع الأخروى فيتمثل فى ثلاث
شعب: الوقاية من النار، ونمو النفقة المدخرة عند الله حتى تعظم، وأن للنفقة الصغيرة الأجر العظيم.
فالأحاديث (٣٢)، (٣٣)، (٣٤)، (٣٦) تتحدث عن الشعبة الأولى «من استطاع منكم أن يستتر
من النار ولو بشق تمرة فليفعل)». « ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر
أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار
تلقاء وجهه. فاتقوا النار ولو بشق تمرة)). ((ذكر رسول اللَّه﴿ النار، فأعرض وأشاح، ثم قال: اتقوا
النار. ثم أعرض وأشاح حتى ظننا أنه كأنما ينظر إليها، ثم قال: اتقوا النار ولو بشق تمرة)). ((ذكر
النار، فتعوذ منها، وأشاح بوجهه ثلاث مرار، ثم قال: اتقوا النار ولو بشق تمرة )».
والحديثان (٢٩)، (٣٠) يتناولان نمو الصدقة الصغيرة عند اللَّه، ولفظهما: ((ما تصدق
أحد بصدقة من طيب - ولا يقبل اللَّه إلا الطيب- إلا أخذها الرحمن بيمينه- وإن كانت
تمرة- فتريوفى كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربى أحدكم فلوه أو فصيله)).
((لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه، فيربيها، كما يربى أحدكم
فلوه أو قلوصه حتى تكون مثل الجبل أو أعظم».
والأحاديث (٣٨)، (٣٩)، (٥٠)، (٥١)، (٥٢) تكشف عن الأجر العظيم للمنفق عند اللَّه،
فألفاظها: ((ألا رجل يمنح أهل بيت ناقة تغدو بعس وتروح بعس؟ إن أجرها لعظيم)). ((من منح
منيحة غدت بصدقة، وراحت بصدقة، صبوحها وغبوقها)). ((من أنفق زوجين فى سبيل اللّه نودى فى
الجنة: يا عبد الله. هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعى من باب الصلاة، ومن كان من أهل
الجهاد دُعى من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعى من باب الصدقة، ومن كان من أهل
الصیام دُعی من باب الريان)».
قال أبوبكر الصديق: يا رسول اللَّه، ما على أحد يدعى من تلك الأبواب من ضرورة؟ فهل يدعى
أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال رسول اللّه﴿: نعم. وأرجو أن تكون منهم)). ((من أنفق زوجين فى
سبيل الله دعاه خزنة الجنة، كل خزنة باب. أى فلان، هلم)). ((قال رسول اللَّه ﴿): من أصبح منكم
اليوم صائمًا؟ قال أبوبكر: أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبوبكر: أنا، قال: فمن أطعم
منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبوبكر: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبوبكر: أنا: قال رسول
اللَّه ◌َ﴿: ما اجتمعن فى امرئ إلا دخل الجنة)).
هذا. ويلحق بإنفاق المال كل معروف، فإنفاق الجهد كإنفاق المال، له مكافأته الدنيوية، وأجره
العظيم فى الآخرة، يعبر عن ذلك أصدق تعبير الأحاديث (١٨)، (١٩)، (٢٠)، (٢١)، (٢٢)، (٣٥)
وألفاظها: ((كل معروف صدقة)). ((إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة،
٣٦٢
وكل تهليلة صدقة، ونهى عن منكر صدقة، وفى بضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول اللّه، أيأتى أحدنا
شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لووضعها فى حرام؟ كان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها
فى الحلال كان له أجر».
قال النووى: فى هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات بالنيات الصادقات. فالجماع يكون
عبادة إذا نُوى به قضاء حق الزوجة ومعاشرتها بالمعروف الذى أمر الله به، أو طلب ولد صالح، أو
إعفاف نفسه أو إعفاف الزوجة، أو غير ذلك من المقاصد الصالحة.
قال: وفى الحديث جواز القياس وهو مذهب العلماء كافة، ولم يخالف فيه إلا أهل الظاهر، ولا
يعتد بهم، وأما المنقول عن التابعين ونحوهم من ذم القياس فليس المراد به القياس الذى يعتمده
الفقهاء المجتهدون، وهذا القياس المذكور فى الحديث هو من قياس العكس، واختلف الأصوليون فى
العمل به، وهذا الحديث دليل لمن عمل به، وهو الأصح.
قال: وفى هذا الحديث فضيلة التسبيح، وسائر الأذكار، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر،
وإحضار النية فى المباحات، وذكر العالم دليلا لبعض المسائل التى تخفى، وتنبيه المفتى على
مختصر الأدلة، وجواز سؤال المستفتى عن بعض ما يخفى من الدليل إذا علم من حال المسئول أنه لا
يكره ذلك، ولم يكن فيه سوء أدب. اهـ
أما الحديث (١٩) فلفظه: ((من كبر وحمد اللَّه وهلل وسبح اللَّه واستغفر الله، وعزل حجراً عن
طريق الناس، أو شوكة أو عظماً عن طريق الناس، وأمر بمعروف ونهى عن منكر، فإنه يمشى يومئذ
وقد زحزح عن النار)). ((على كل مسلم صدقة، قيل: أرأيت إن لم يجد؟ قال: يعتمل بيديه فينفع نفسه
ويتصدق، قيل: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف. قيل: أرأيت إن لم يستطع؟
قال: يأمر بالمعروف أو الخير. قيل أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يمسك عن الشر، فإنها صدقة)). ((كل
سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس، قال: تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل
فى دابته فتحمله عليها، أو ترفع عليها متاعه صدقة، قال: والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشيها
إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة)). ((اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا
فبكلمة طيبة )».
وحتى الخازن يدفع ما يأمره به سيده أحد المتصدقين، والمرأة تنفق من مال زوجها من طعام
بيتها غير مفسدة يكون لها أجرها بما ناولت، كما سيأتى ذلك فى الأحاديث من (٤٤) إلى (٤٩)
تحت عنوان: فضل نفقة الخازن. هذه هى الأحاديث التى أخرجها الإمام مسلم، والتى تخص فضل
الإنفاق بصفة عامة، نضيف إليها بعض النصوص الأخرى لنزيد الموضوع ثراء وعلماً، وبالله التوفيق.
يقول الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَدِيمًا وَأَسِيرًا﴾ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا
نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءٌ وَلا شُكُورًا﴾ إِنَّا نَخَافُ مِن رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ فَوَقَاهُمْ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ
وَلَّقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَّرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: ٨ ومابعدها].
٣٦٣
وروى الطبرانى: «ما أنعم الله على عبد نعمة إلا كثرت مؤنة الناس عليه، فإن لم يحتمل مؤنتهم
عرض تلك النعمة لزوالها ».
وروى عبد الرزاق فى ((المصنف)) بإسناد حسن وأخرجه الهيثمى فى «مجمع الزوائد»، والمنذری
فى ((الترغيب والترهيب)) عن أبى المنهال قال: ((مرالنبى # برجل له عكر [بكسر العين وسكون
الكاف، وهو الكثير المزدحم من الإبل، من ٥٠-١٠٠] من إبل وغنم، فلم يضفه، ومربامرأة لها شويهات.
فذبحت له وأضافته. فقال النبى ®: انظروا. مررنا بهذا الرجل وله عكر من إبل وغنم وبقر فلم يذبح
لنا، ولم يضفنا، وهذه إنما لها شويهات، فذبحت لنا وضيفتنا، ثم قال: إنما هذه الأخلاق بيد الله، فمن
شاء أن يمنحه الله خلقًا حسنًا فعل)).
وأخرج الترمذى فى صفة الجنة، وأبو داود فى الزكاة: ((أيما مؤمن أطعم مؤمناً على جوع أطعمه
الله من ثمار الجنة، وأيما مؤمن سقى مؤمناً على ظمأ سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم،
وأيما مؤمن كسا مؤمنا على عرى كساه الله من خضر الجنة)).
وروى الطبرانى: ((لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء -أى استقلوه- وكان لرجل من غفار
عين، يقال لها: رومة، وكان يبيع منها القربة بمد، فقال له رسول اللّه *: بعنيها بعين فى الجنة.
فقال: يا رسول اللَّه. ليس لى ولا لعيالى غيرها، ولا أستطيع أن أتكسب. فقال صلى الله عليه وسلم
لأصحابه: من يشترى لنا بئر رومة، فيجعلها صدقة للمسلمين سقاه الله يوم القيامة من العطش. فبلغ
ذلك عثمان بن عفان، فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم فجعلها صدقة للمسلمين ».
وروى مسلم: ((أن النبى * شيع جنازة أبى الدحداح، فقال بعد دفنه: كم من عذق معلق أو مدلى
فى الجنة لأبى الدحداح)». قالوا: وسببه أن يتيما خاصم أبا لبابة فى نخلة، فبكى الغلام، فقال النبى
وَالث له: أعطه النخلة ولك بها عذق فى الجنة -أى نخلة فى الجنة- فقال: لا. فسمح بذلك أبو الدحداح،
فاشتراها من أبي لبابة بحديقة له ثم قال للنبى : ألى عذق فى الجنة إن أعطيتها اليتيم؟ قال:
نعم. فأعطاه إياها. فقال النبى 8: «كم من عذق معلق أو مدلى فى الجنة لأبى الدحداح)».
وروى الترمذى عن عائشة: ((أنهم ذبحوا شاة، فتصدقوا منها، فسأل رسول اللّه * عائشة: ماذا
بقى منها؟ قالت: ما بقى منها إلا كتفها. قال: بقى كلها غير كتفها)).
كيف يعالج المؤمن شح نفسه؟ وكيف يعلم نفسه السخاء؟ ويتعود البذل والعطاء والإنفاق؟.
إن المال أهم ما فى الوجود، شهوته أهم من شهوة النساء، لأن شهوة النساء محدودة، وفى أوقات
وشهوة المال غير محدودة، وفى جميع الأوقات ((لو كان لابن آدم واد من ذهب لتمنى ثانياً، ولا يملأ
جوف ابن آدم إلا التراب)). رواه البخارى ومسلم: «يكبرابن آدم ويكبر معه اثنان. حب المال وطول
العمر)». رواه البخارى ومسلم.
المال أخطر ما فى الوجود، لأن صاحبه لا يدرك خطره إلا بعد فوات الأوان، بهجته تعمى الأبصار
عن إدراك حقيقته، وجمعه يزيد الرغبة فى جمعه، فهو كالمخدر الذى يشل حركة التفكير والتعقل
والتدبر، إلا من عصمه الله. يضحى الإنسان فى سبيله بكل غال، يضحى بالهدوء والراحة والسعادة
٣٦٤
والأهل والأوطان، ويشقى طول عمره من أجل المال، الجاريعادى الجار من أجل المال، الأخ يخاصم
أخاه ويقاضيه من أجل المال، بل وصل الأمر إلى أن يقتل الولد أباه وأمه من أجل المال، وما الحروب
بين الدول وقتل الآلاف ومئات الآلاف من البشر إلا من أجل الحاجة إليه، فحسب ابن آدم لقيمات
تقمن صلبه، وما أكثر الذين يلهثون وراء المال وهم لا يحتاجونه، إنما حب المال وحب جمعه غرس
فى طبيعة الإنسان منذ خلق، يقول جل شأنه: ﴿وَتَأْكُلُونَ التَّرَاثَ أكلاً لَمَّاء وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمَّا﴾
[الفجر: ٢٠،١٩]. ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِن النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِن الذَّهَبِ
وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤].
وحديثنا رقم (٢٨) يرسم صورة ندم الإنسان، وأسفه على ما أضاعه فى سبيل المال يوم يفيض
المال ويفقد قيمته وتنتهى الحياة أو تقرب، وتقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب
والفضة، فيجيء القائل فيقول: فى هذا قتلت. ويجىء القاطع فيقول: فى هذا قطعت رحمى. ويجىء
السارق فيقول: فى هذا قطعت يدى، ثم يدعونه، فلا يأخذون منه شيئاً.
هذه حقيقة لا تحتاج إلى برهان، فحب المال فى طبع الإنسان، لكن المؤمن مأمور
بمحاربة معوجات الطبع لتوافق الشرع، وقد نبه الله إلى ذلك، وأرشد إلى العلاج من هذا
الداء بأساليب كثيرة منها:
١ - آيات وأحاديث الترغيب فى الإنفاق، التى سبق الكثير منها، وآيات وأحاديث الترهيب من
البخل التى سبق الكثير منها، وجماعها قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا
وَأَنفِقُوا خَيْرًا لأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦]. وجماعها قوله صلى
الله عليه وسلم: ((تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطى رضى، وإن لم يعط لم يرض،
تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش)». رواه البخارى. وقد مربنا قريباً حديث أبى ذر، حيث قال له
صلى الله عليه وسلم: ((إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة. إلا من أعطاه الله خيراً، فنفخ فيه يمينه
وشماله، وبين يديه ووراءه، وعمل فيه خيراً ))، رواه مسلم.
فعلى المؤمن أن يستخلص كل ذلك كجرعة أولى لعلاج هذا الداء.
الجرعة الثانية: أن يستحضر فى كل حالاته أن اللّه تعالى هو المعطى، وهو قادر على
المنح؛ وأن المال فى يد الإنسان أمانة ووديعة، أذن مالكها جل شأنه فى الانتفاع بها فى
حدود وبشروط وبواجبات، وعلى العاقل أن يعمل فى الوديعة بما رسم له، ولا يتعدى حدوده،
لقد أكثرجل شأنه التنبيه على هذه الحقيقة كلما طلب الإنفاق، يقول: ﴿وَآتُوهُمْ مِن مَال
اللَّهِ الَّذِي آتّاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]. ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًاً
لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّلَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَّلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل
عمران: ١٨٠]. ﴿مِنُوا باللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧].
﴿لِيُنفِقْ نُوسَعَةٍ مِن سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧]. ﴿قُلْ
لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصلاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًا وَعَلانِيَةٌ﴾ [إبراهيم: ٣١].
٣٦٥
الجرعة الثالثة: أن يستحضر أن ما عنده من مال ليس نتيجة جهده وكفاحه وليس بقاؤه عنده
نتيجة لذكائه ومهارته، فكم من الفقراء أصبح بين يوم وليلة من أغنى الأغنياء، وكم من الأغنياء بات
فأصبح يقلب كفيه على لا شيء، فقارون حينما قال: إنما أوتيته على علم عندى خسف به وبداره
الأرض، ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِن المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١].
وصاحب الجنتين، آتاه اللَّه جنتين من أعناب، محفوفتين بنخل كثير، بينهما زرع وفير، وفجر
جل شأنه خلالهما نهراً. وحين دخل جنته وهو ظالم لنفسه وقال: ما أظن أن تبيد هذه أبداً أرسل الله
عليها حسباناً من السماء فأصبحت صعيداً زلقا، وأصبح ماؤها غورا لا يستطيع له طلبا، وأحيط بثمره،
فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهى خاوية على عروشها.
وأصحاب الجنة ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾، ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِن رَبِّكَ
وَهُمْ نَائِمُونَ ﴾ فَأَصْبَحَتَ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم: ١٧-٢٠].
الجرعة الرابعة: أن يستحضر الذى يجمع المال تأميناً لأولاده من بعده، أن يستحضر أن اللّه
ربهم، وأنه إن شاء أغناهم من غير أن يترك أبوهم لهم، وإن شاء أفقرهم على الرغم من الكثير الذى
تركه أبوهم لهم، وقد روى الطبرانى أن رسول اللَّه{ { قال: ((نشر اللّه عبدين من عباده -أى بعثهما
وأوقفهما للسؤال- وكان قد أكثر لهما فى دنياهما المال والولد، فقال لأحدهما: أى فلان ابن فلان.
قال: لبيك رب وسعديك. قال: ألم أكثرلك من المال والولد؟ قال: بلى. قال: وكيف صنعت فيما
آتيتك؟ قال: تركته لولدى مخافة العيلة -أى الفقر- قال: أما إنك لو تعلم العلم -أى لو تعلم ما حصل
لهم بعدك- لضحكت قليلا، ولبكيت كثيراً، أما إن الذى تخوفت منه على أولادك قد أنزلته بهم. ويقول
للآخر: أى فلان ابن فلان. فيقول: لبيك رب وسعديك. قال: ألم أكثرلك من المال والولد؟ قال: بلى،
أى رب. قال: فكيف صنعت فيما آتيتك؟ قال: أنفقت فى طاعتك، ووثقت لولدى من بعدى بحسن
عطائك. قال: أما إنك لو تعلم العلم -أى لو تعلم ما حصل لهم بعدك- لبكيت قليلا، ولضحكت كثيراً،
أما إن الذى قد وثقت به قد أنزلته بهم».
الجرعة الخامسة: أن يضع بين عينيه أنه ليس له من ماله إلا ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو
تصدق فأبقى، وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه، ولن يأخذ معه مما يجمع سوى ثوب من قماش
وقطعة من قطن، يقول الشاعر:
نصيبك مما تجمع الدهر كله رداءان تطوى فيهما وحنوط
ولمن يترك ما جمع؟ لورثته الأحباب منهم والأعداء، نعم والأعداء، فليس له رأى فى ماله بعد أن
يرحل عنه، وصدق الشاعر حين يقول:
وما الناس إلا جامع أو مضيع
وذو نصب يسعى لآخر نائم
نعم: هو ذاهب وتارك كل ما يجمع، حقيقة مشاهدة، يصورها رسول اللّه : * حيث يقول: «يتبع
الميت ثلاثة. فيرجع اثنان، ويبقى معه واحد، يتبعه أهله وماله وعمله. فيرجع أهله وماله، ويبقى معه
٣٦٦
عمله)). رواه البخارى. وروى الحاكم: «الأخلاء ثلاثة. فأما خليل فيقول: أنا معك حتى تأتى قبرك، وهو
الأهل والأصدقاء، وأما خليل فيقول: كنت لك، واليوم لست لك، فذلك المال، وأما خليل فيقول: أنا
معك حيث دخلت، وحيث خرجت، فذلك العمل)).
فضل النفقة من الكسب الطيب
فى الحديث (٢٩)، (٣٠)، (٣١) تقييد قبول الصدقة بكونها من الكسب الطيب، وألفاظها: ((ما
تصدق أحد بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب - إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كان تمرة، فتربو
فى كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل)). قال رسول اللّهم﴿: ((أيها الناس، إن اللَّه طيب لا يقبل
إلا طيباً، وإن اللَّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِن الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا
صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا
رَرَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يده إلى السماء .. يارب ومطعمه
حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذى بالحرام. فأنى يستجاب لذلك)»؟.
والمحقق المدقق فى الآيات والأحاديث يجد الكلام فى نقطتين: الأولى زيادة الثواب وتكثيره
للنفقة من الكسب الطيب الحلال، ولا خلاف فى هذا، فالصدقة من الكسب الطيب سبب
لتكثير الأجر.
النقطة الثانية: قبول الصدقة من الكسب غير الطيب وعدم قبولها، وعبارة: ((ولا يقبل اللَّه إلا
الطيب)) صريحة فى عدم القبول. وفى توجيهها يقول القرطبى: إنما لم يقبل الصدقة بالحرام لأنه غير
مملوك للمتصدق، والمتصدق ممنوع من التصرف فيه، والتصدق به تصرف فيه، فلو قبل لزم كون
الشيء الواحد مأذوناً فيه منهياً عنه من وجه واحد. انتهى بتصرف.
وهكذا يطلق العلماء الأوائل القول بعدم قبول الصدقة من كسب حرام، وهم بذلك يهدفون إلى
إغلاق باب الكسب الحرام وسد الذرائع، وهو هدف حسن محمود، ولا نقاش فيه، فمن أراد أن يرابى
ليتصدق بالزيادة قلنا له: لا. وحين قالوا: زنت وتصدقت؟ قلنا: ليتها لم تزن ولم تتصدق.
لكن البحث الذى ألجأتنا إليه ظروف الحياة المعاصرة، والتى نعيش فيها صحوة إسلامية بعد
سبات عميق، ونعيش وعياً دينياً وحرصاً على الالتزام، بعد جهل مظلم واستهتار مقيت هو أننا وجدنا
أموال المسلمين تكدست فى البنوك ثمرة لمعاملات ربوية مع اليهود والنصارى وأعداء الإسلام،
ووجدنا ثروة جمعتها راقصات يتجهن إلى التوبة، ويرغبن فى تصفية ما يمكن من حقوق، ويحرصن
على أن ينخلعن من ثياب الفسق والفجور، وينسلخن من جلود الفساد. ماهو التصرف المشروع فى
هذه الأموال؟. هل نقول للأولين: دعوا الزيادات المالية لأعداء الإسلام، يتسلحون بها ليحاربوكم، ولكم
رءوس أموالكم؟ ولا تأخذوها فتعطوها لفقراء المسلمين، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً؟ وهل نقول
للأخريات ابحثن عمن راقصتن، وعمن استأجركن، وارددن إليه ماله؟ لوقلنا لهن ذلك؛ لرفضن
٣٦٧
واستمررن وازددن فى الفساد والإفساد؟ كالقاتل الذى قتل الراهب، ليكمل به المائة، وحتى ولو أردن
ذلك هل من الممكن تحقيقه؟ اللَّهم. لا.
لم لا تفسر الحديث ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا)» أى لا يقبله قبولا يضاعف عليه الثواب؟
ويبقى أصل القبول قائماً؟ وبذلك نجمع بين قبول يأخذه الرحمن بيمينه، ويربيه ويضاعفه، وبين قبول
لا يتصف بذلك، فنجمع بين صدر الحديث وعجزه.
ولنقرب المسألة مسترشدين بأقوال الفقهاء، لقد قال الجمهور: إن الحج من مال حرام صحيح،
مسقط للفرض، مسقط للمطالبة به يوم القيامة. وأداء الزكاة الواجبة من عين مال محرم محقق
للأداء، مسقط للمطالبة بها يوم القيامة. ثم كل الفقهاء يجمعون على أن الدين للآدمى إن أدى من
مال حرام سقط، ولم يطالب به مرة أخرى دينا وقانوناً، دنيوياً وأخروياً. وينحصر الإثم وتنحصر
العقوبة فى تحصيل هذا المال دون إنفاقه.
لماذا لا نفرق فى مسألتنا بين إثم الاكتساب وبين حكم الإنفاق؟ لما لا نسمح بإنفاق
هذا المال الحرام فى وجوه الخير، ولو من قبيل احتمال أخف الضررين؟ أو تقديم
أكبر المنفعتين؟ وحتى لو فرضنا أن ثواب هذه الصدقات سيذهب إلى المالك الأصلى
الأول فإن المناول للصدقة أحد المتصدقين.
ولماذا لا نجعل لنية الخير والمعروف نصيباً فى الثواب؟ ولماذا نحجر على فضل اللَّه؟ ونقول: لا
قبول ولا ثواب.
إن الحديث حين ذكر الرجل الذى يدعوربه ومطعمه من حرام ومشربه من حرام، وملبسه من
حرام، ومنبته من حرام، لم يجزم بعدم إجابة دعائه، بل استبعدها ((فأنى يستجاب لذلك)» والمستبعد
مناقد يكون قريباً واقعاً من اللَّه، بل أخبرنا اللَّه بوقوعه للكافر الذى يأكل خيره، ويعبد غيره، ويأكل
ويعيش فى الحرام، حيث يقول: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّفِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى
الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧]. ﴿قُلْ مَنَّ يُنَجِّيكُمْ مِن ظُلُمَاتِ الْبَرِّوَالْبَحْرِ تَدْعُوَنَهُ
تَضَرًُّا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنَجَانَا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِن الشَّاكِرِينَ﴾ قُل اللَّهُ يُنَجِّيِّكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ
تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٤،٦٣].
فالحديث إنما يحث على الكسب الحلال، ولا يمنع قبول الدعاء ممن كسبه من حرام. والله أعلم.
فضل النفقة من أحب الأموال
لا شك أن الحب يقتضى أن يقدم الحبيب أحب الأشياء إلى المحبوب. والواجب على
المؤمن أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، والصدقة إنما تقدم للَّه وتقرض للَّه
وتقع فى يد اللَّه قبل أن تقع فى يد المستحق، ومن هنا كان على المؤمن أن تكون صدقته
من أحب أمواله إليه. وإلى هذا المعنى مال كثير من المفسرين فى قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا
الْبِرَّحَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] فروى عن ابن عباس أن المعنى: «لن تنالوا
٣٦٨
ما عند الله من ثوابه فى الجنة حتى تنفقوا مما تحبون من الصدقة، أى بعض ما تحبون
من الأموال)). كما روى عن ابن عمر: «أنه كان يشترى أعدالا من السكر، ويتصدق بها، فقيل
له: هلا تصدقت بثمنها؟ فقال: ألم تسمع هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْجَرَّحَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا
تُحِبُّونَ﴾؟ والسكر أحب إلى، فأردت أن أنفق مما أحب)).
نعم روى عن الضحاك أن معناها: لن تدخلوا الجنة حتى تخرجوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم،
فجعل الحب للإنفاق نفسه، لا لنوع النفقة، والتفسير الأول أقرب للصواب، وهو الذى فهمه الصحابة
فى الآية - رضى الله عنهم - وهو الذى أقره رسول اللّه # حين فهم أبو طلحة هذا الفهم فى الآية،
وتصدق بأحب أمواله إليه، كان بستاناً عظيما، به بئر، ماؤها من أحلى المياه، وكان رسول اللّه حلو
يدخلها ويشرب من مائها.
لكننا لا نوافق على أن دخول الجنة، أو ثواب الصدقة بوجه عام موقوف على إخراج الأحب، بل
يكفى أن تكون الصدقة من عامة المال ليثاب عليها، وإن كان التصدق من الأحب أكثر ثوابا بلا نزاع،
ولا يتعارض هذا مع نهيه صلى الله عليه وسلم لمعاذ أن يأخذ كرائم الأموال فى الصدقة، بقوله:
((وإياك وكرائم الأموال)). لأن هناك فرقاً كبيراً بين أن يخرج المؤمن طواعية ورغبة أحب أمواله
وكرائمها، وبين أن تؤخذ منه أخذاً كواجب عليه، فالأول مندوب إليه، والثانى منهى عنه. وفى ظنى أن
الآية الكريمة لم تحث على إنفاق الأحب، وإن حملها الصحابة على ذلك، وإنما تحث على إنفاق
المحبوب، بل بعض المحبوب؛ فهى بمفهومها تحذر من إنفاق المكروه المبغض، وتلتقى مع قوله
تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ
غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
وقد استنبط العلماء من حديث تبرع أبى الدحداح ببستانه فى روايته التاسعة من أحاديثنا عدة
أحكام منها:
١- أن الرجل الصالح قد يضاف إليه حب المال، وقد يضيفه هو إلى نفسه، وليس فى
ذلك نقيصة عليه.
٢- وفيه رد لما روى عن ابن مسعود أنه قال: ((لا تتخذوا الضيعة فترغبوا فى الدنيا)). وقد اتخذ
الصحابة الضيعات والبساتين.
٣- ومن قوله: ((وكان رسول الله يدخلها ويشرب من ماء فيها)). أخذ إباحة دخول
العلماء البساتين.
٤- ودخول بساتين الأصحاب فى غيبتهم.
٥- والشرب من ماء الصديق، وكذا الأكل من ثماره وطعامه من غير إذنه، إذا علم أن نفس صاحبه
تطيب بذلك.
٦- ومن قوله: ((فضعها يا رسول اللَّه حيث شئت ... )). ومن قوله صلى الله عليه وسلم:
٣٦٩
((قد سمعت ما قلت فيها، وإنى أرى أن تجعلها فى الأقربين)» فقسمها أبو طلحة فى
أقاريه)). أخذ منه بعضهم أن الوكالة لا تتم إلا بالقبول، إذ الذى قام بتقسيمها أبو طلحة:
وقال المهلب: دل الحديث على قبوله صلى الله عليه وسلم ما جعل إليه أبو طلحة، ثم رد
الوضع فيها إلى أبي طلحة بعد مشورته عليه فيمن يضعها.
٧- وفيه مشاورة أهل العلم والفضل فى كيفية وجوه الطاعات وغيرها، والإنفاق من المحبوب.
٨- وفيه أن الوقف صحيح، وإن لم يذكر سبيله.
٩- ومن قوله: ((فضعها يا رسول الله حيث شئت)). جواز أمر الرجل لغيره أن يتصدق عنه، وكذلك
إذا قال الآخر: خذ هذا المال فاجعله حيث أراك اللَّه من وجوه الخير. قال مالك: وفى هذه الحالة لا
يأخذ منه شيئاً وإن كان فقيراً. وقال غيره: جازله أن يأخذه كله إذا كان فقيراً.
١٠- وفيه صحة الصدقة المطلقة، وهو الذى لم يعين مصرفه، ثم بعد ذلك يعين.
١١- وفيه جواز أن يعطى الواحد من الصدقة فوق مائتى درهم. لأن هذا الحائط مشهور أن ريحه
يحصل للواحد منه أكثر من ذلك. قاله القرطبى. ولا فرق بين فرض الصدقة ونفلها فى مقدار ما يجوز
إعطاؤه للمتصدق عليه فيما ذكره الخطابى.
١٢ - وفيه أن الصدقة العظيمة يمدح صاحبها لقوله صلى الله عليه وسلم: ((بخ. ذلك مال رابح)).
١٣ - وفى الحديث دلالة للمذهب الصحيح أنه يجوز أن يقال: إن اللَّه تعالى يقول كذا، كما يقال:
قال اللَّه تعالى كذا، خلافا لما قاله مطرف بن عبد اللّه، إذ قال: لا يقال: اللَّه تعالى يقول كذا، إنما
يقال: قال الله تعالى كذا. خشية أن ينجر إلى استئناف القول، وقول الله قديم، ورد هذا القول بما
جاء فى القرآن الكريم من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤].
١٤- وفيه استعمال ظاهر الخطاب وعمومه، لأن أبا طلحة حيثن سمع ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ .. ﴾
[آل عمران: ٩٢] لم يحتج أن يقف حتى يرد عليه البيان عن الشيء الذى يريد الله عز وجل
أن ينفق عباده منه. ولم ينتظر آية أو حديثاً يبين ذلك.
١٥- قال النووى: وفيه أن القرابة يرعى حقها فى صلة الأرحام وإن لم يجتمعوا إلا فى أب بعيد،
لأن النبى # أمر أبا طلحة أن يجعل صدقته فى الأقربين، فجعلها فى أُبى بن كعب وحسان بن
ثابت، وإنما يجتمعان معه فى الجد السابع. والله أعلم.
فضل النفقة بالقليل وعدم احتقاره
والأحاديث (٣٢)، (٣٣)، (٣٤)، (٣٥) تحث على الصدقة مهما قلت، وتمثل للقلة بشق التمرة،
وتعد بأن هذا الشق يستر صاحبه من النار، ويقيه من حرها حينما لا يبعده عمله الصالح عنها، وحينما
لا ينقذه من لهيبها عمله الذى يكون عن يمينه، وعمله الذى يكون عن شماله، يتلفت يميناً فلا يجد ما
يحميه، ويتلفت شمالا فلا يجد ما يحميه، لقد صور رسول اللّه هذا المنظر عملياً كأنه أمامه، ذكر
٣٧٠
أصحابه بالنار فى الآخرة، وخوفهم من عذابها، وتمثل أنها أمامه فبدت عليه علامات الفزع والرعب،
فأعرض وأشاح بوجهه جهة اليمين، كأنه يتقيها، واستعاذ بالله منها ومن حرها، ثم رجع بوجهه إلى
الوضع الأول، وكأنها مازالت أمامه، فعبس وفزع، وأعرض وأشاح بوجهه جهة الشمال، كأنه يتقيها،
واستعاذ باللّه منها ومن حرها، ثم عاد بوجهه صلى اللّه عليه وسلم إلى الوضع الأول، وكأنه لم يجد
بإعراضه عن مواجهتها منقذا منها، وقد أوحى الله إليه أن الصدقة تطفئ غضب الرب، وأنها مهما
قلت وصغرت - إذا قبلت- سترت صاحبها من النار، وحالت بينه وبين لهبها، بل بينه وبين حرارته،
فقال صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه: اتقوا النار بالصدقة ولو كانت الصدقة نصف تمرة.
نعم تمرة أو نصف تمرة ممن لا يجد إلا ذلك تخرج عن طيب نفس، يحتسبها صاحبها
عند ربه، يتلقاها الرحمن بيمينه، ويربيها وينميها لصاحبها، فيجدها يوم القيامة فى ميزان
حسناته كالجبل، وأعظم من الجبل.
لم يتردد رسول الله : # حين وجد تمرة بالطريق أن يرفعها من الأرض وينفخها من
التراب، ثم يناولها صحابياً كان معه، ويخبره أنها رزق ساقه الله إليه، وأنها لولم يأت هو
إليها وإلى مكانها لأتت هى إليه فى مكانه ما دامت من الرزق الذى كتبه اللَّه له.
ولم تتردد عائشة حين جاءتها امرأة فقيرة ومعها بنتان صبيتان جائعتان، لم تتردد
عائشة حين لم تجد فى بيتها ما تعطيه للمرأة سوى تمرة واحدة أن تقدم هذه التمرة
الوحيدة للمرأة، التى شقت التمرة نصفين، وأعطت كل بنت من بنتيها نصفاً.
وكان الصحابة كذلك لا يتحرجون أن يقدموا تمرة واحدة، فقد أخرج أبونعيم فى
((الحلية)) عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: إن كان رسول اللّهِ﴾* ليبعثنا فى
السرية، ما لنا زاد إلا السلف - أى الجراب من التمر- فيقسمه صاحبه بيننا قبضة قبضة،
حتى يصير إلى تمرة تمرة)».
لا يقال: وماذا يفعل النصف بالجائع؟ بل ماذا تفيد التمرة الكاملة عند جائع؟ إن
الحديث الذى أخرجه الطبرانى يجيب عن ذلك فيقول: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإنها
تقيم العوج، وتدفع ميتة السوء، وتقع من الجائع موقعها من الشبعان».
وأوضح منه فى ذلك ما أخرجه البيهقى عن جابره قال: ((بعثنا رسول الله صل، وأمر
علينا أبا عبيدة ، نتلقى عيراً لقريش، وزودنا جراباً من تمرلم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة
يعطينا تمرة تمرة. قال: فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: كنا نمصها كما يمص
الصبى، ثم نشرب عليها الماء، فتكفينا يومنا إلى الليل)). وفى بعض الروايات: ((فقلت: وما
تغنى تمرة؟ قال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت)).
إن العطاء مهما قل يقع من نفس الآخذ موقعًا أكبر بكثير جداً من قيمته وإن أسمى ما
جاء به الإسلام للبشرية عوامل الترابط والتآلف والتحاب، والعطاء أهم وسيلة تحقق هذا
٣٧١
الهدف، ومن هنا نجد الروايات المذكورة تشير إلى ذلك فتقول: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة،
فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة )».
إن الشريعة الإسلامية السمحة عالجت هذه القضية من أطرافها الثلاثة، طرف المعطى، وطرف
الآخذ، وطرف المجتمع المشاهد، فطرف المعطى قد عالجته الأحاديث التى ذكرناها، وكانت حافزاً
للمؤمن أن يقدم ما عنده من غير حرج ومن غير احتقار لعطيته، والحديث رقم (٥٦) يعالج طرف
الآخذ، فيقول: ((يانساء المسلمات. لا تحقرن جارة لجارتها، ولو فرسن شاة)). أى لا تحتقر آخذة
عطية معطية، ولو كانت هذه العطية ظلف شاة لا لحم فيه. وقد استجاب الطرفان للنصيحة، فرأينا
جابر بن عبد الله ينزل به ضيف - جماعة من الرجال- فيقدم إليهم ما عنده، خبز وخل، ويقول: كلوا.
فإنى سمعت رسول اللّه * يقول: ((نعم الإدام الخل، هلاك بالقوم أن يحقروا ما قدم إليهم، وهلاك
بالرجل أن يحتقر ما فى بيته يقدمه إلى أصحابه)). أخرجه البيهقى فى ((الشعب)).
وأخرج ابن سعد عن أبى هريرة قال: ((كان خير الناس للمساكين جعفربن أبى طالب ه كان
ينقلب بنا فيطعمنا ما كان فى بيته حتى إنه كان ليخرج إلينا العكة - إناء من جلد يحفظ فيه العسل
ونحوه- ليس فيها شىء، فيشقها فنلعق ما فيها».
إن القرآن الكريم يثبت هذه النظرية حيث يقول: ﴿لِيُنفِقْ ذُوسَعَةٍ مِن سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِرْقُهُ
فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرِيُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧].
إن إنفاق الكثير من أهل السعة والغنى لا يعدل فى ثوابه أجر القليل ممن قدر عليه رزقه، وفى هذا
يقول صلى الله عليه وسلم: ((سبق درهم مائة ألف درهم. فقال رجل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال:
رجل له مال كثير أخذ من عرضه مائة ألف درهم تصدق بها، ورجل ليس له إلا درهمان فأخذ أحدهما،
فتصدق به». رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.
ومن هذا المبدأ انطلق الفقراء ينافسون الأغنياء فى التصدق والعطاء، من يملك ديناراً يتصدق
من ديناره، ومن يملك درهمين ينفق منهما، ومن يملك ثوبين يتصدق بأحدهما، ومن يملك صاعاً من
بريتصدق بنصفه، كما يحدثنا بذلك الحديث رقم (٣٦). بل الذى لا يملك شيئاً من ذلك يذهب
فيؤجر نفسه بصاع ليتصدق به أو بنصفه، كما يحدثنا بذلك الحديث رقم (٣٧). بل من كانت عنده
شاة أو عنز أو ناقة كان يعيرها للفقير ليلة ليمنحه لبنها فى مسائها وصباحها، كما يحدث بذلك
الحديث رقم (٣٨)، (٣٩).
وهكذا لم تعد هناك غضاضة على المعطى أن يعطى ما عنده مهما قل، ولم تعد غضاضة
على الآخذ أن يأخذ القليل راضياً شاكراً، لكن بعض ضعاف الإيمان أو المنافقين لم
يعجبهم هذه الروح الإسلامية السمحة، لأنهم لم يتعودوها فى جاهليتهم، فلم يكن الفقير
معطاء، وكان عطاء الغنى للرياء والسمعة، ولم يألفوا هذا النوع الجديد من البذل والعطاء، لم
يذوقوا طعم الإيمان وطعم احتساب الأجر، فكانوا يسخرون ممن يعطى الكثير، ويقولون: ما
٣٧٢
فعل ذلك إلا رياء وفخراً، ويسخرون من الفقير الذى يتصدق بنصف ما يملك، بنصف صاع
ويقولون: مافائدة هذا القليل؟ إن اللَّه غنى عن صدقته، فكان علاج هذه الفئة أن نزل فيهم
قرآن يتلى، نزل فيهم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِن الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ
وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩].
فضل نفقة السر
يقول اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمًا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌلَكُمْ وَيُكَفِّرُ
عَنْكُمْ مِن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١].
فهذه الآية تمدح صدقة العلن، وإن فضلت عليها صدقة السر، ووجه التفضيل أمران:
الأول: أن صدقة السر لا تحرج الآخذ، ولا تخدش من حيائه وكرامته وبخاصة إذا كان من أهل
المروءات المتعففين الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف.
الثانى: أنها أقرب إلى الإخلاص والتوجه إلى الله، وأبعد من الرياء والسمعة.
والحديث رقم (٥٧) ينوه بشأن صدقة السر، ويجعل المتصدق الذى يبالغ فى السرية والإخفاء
أحد سبعة يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله. قال الإمام النووى: قال العلماء: وهذا فى صدقة
التطوع، السرفيها أفضل لأنه أقرب إلى الإخلاص، وأبعد من الرياء، وأما الزكاة الواجبة فإعلانها
أفضل، وهكذا حكم الصلاة، فإعلان فرائضها أفضل، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((أفضل الصلاة صلاة
المرء فى بيته إلا المكتوبة)». اهـ
ولست مع الإمام النووى فى قياس الزكاة فى السرية والجهرية على الصلاة، فالصلاة بين العبد
وربه، أما الزكاة فبين العباد، أخذ وعطاء. ثم إن الصلاة قبدت بنصوص، فلزم العمل بها، أما الزكاة،
فالنصوص على أن الإخفاء عامة مطلوب، حتى النصوص التى لم تصرح بأفضلية السر أشارت إلى
أفضليته، فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْرَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤] قدم فيه الليل على النهار، والسر على العلن لأهمية
المقدم، ولولا أن فريضة الصلاة طلب لها الجماعة فريما كانت فى السر أفضل، ولا كذلك الزكاة، ثم إن
الصدقات فى عمومها حيث لا مخصص تشمل الواجبة والنافلة، والتعبير الشرعى عن الزكاة بالصدقة
هو الشائع والمشهور.
نعم نقل الطبرى وغيره الإجماع على أن الإعلان فى صدقة الفرض أفضل من الإخفاء، وصدقة
التطوع على العكس من ذلك.
ونقل الزجاج أن إخفاء الزكاة فى زمن النبى # أفضل، فأما بعده فإن الظن يساء بمن أخفاها،
فلهذا كان إظهار الزكاة المفروضة أفضل.
وقال أبو عطية: ويشبه فى زماننا أن يكون الإخفاء بصدقة الفرض أفضل، فقد كثر المانع لها،
وصار إخراجها عرضة للرياء.اهـ
٣٧٣
ولعل الأولى أن يقال: إن الحكم يختلف باختلاف الظروف والملابسات فإن بعد الإعلان عن
الرياء وتحققت من ورائه مصالح دينية كالتأسى والالتزام كان أفضل، وإن شابه رياء، ولم يحقق من
ورائه فائدة كان الإسرار أفضل، والله أعلم.
فضل نفقة الخازن من مال سيده والزوجة من مال زوجها
المشاركة فى الخير مشاركة فى الأجر، كل حسب جهده وإسهامه فيه، لكن لا ينقص بعضهم من
أجر بعض شيئاً، فالمكافأة من الغنى الكريم، الذى لا تنقص خزائنه بالعطاء.
فالرجل الذى اكتسب، والمرأة التى أعدت الطعام، والآمر بالإنفاق والمناول للصدقة،
كل له أجر وثواب، فقد روى الحاكم والطبرانى فى الأوسط قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن
الله عز وجل ليدخل بلقمة الخبز وقبضة التمر ثلاثة الجنة، رب البيت الآمربها،
والزوجة تصلحها، والخادم يناولها المسكين)).
وأخرج الطبرانى أن حارثة بن النعمان * كان قد ذهب بصره، فريط خيطاً بين مصلاه وبين
باب البيت، فكان إذا جاء المسكين أخذ من مكتله شيئاً لا يحس به أحد من البيت، ثم أخذ بطرف
الخيط، يسرع فيناول المسكين، فكان أهله يقولون له: نحن نكفيك. فيقول: سمعت رسول اللَّه ◌َ ﴿
يقول: ((مناولة المسكين تقى مصارع السوء)».
وحديثنا رقم (٤٤) يؤكد هذا المعنى، فهو يقول: ((إن الخازن المسلم الأمين الذى يعطى ما أمر
به، فيعطيه كاملا موفراً طيبة به نفسه، فيدفعه إلى الذى أمرله به أحد المتصدقين)» أى هو شريك
لصاحب المال فى الصدقة.
وقد وضع الحديث لهذا الأجر خمسة قيود:
الأول: أن يكون خازناً، لأنه إذا لم يكن خازناً أو عاملا لايجوزله أن يتصدق من مال الغير.
الثانى: أن يكون مسلماً فإن كان كافراً فليس له أجر أخروى لأن أساس الأجر الأخروى الإيمان.
الثالث أن يكون أمينا فلا يخصم شيئاً من العطاء، فإن خان كان مأزوراً غير مأجور. الرابع أن يكون
منفذاً لأمر المالك. الخامس أن تكون نفسه طيبة غير حاقدة وغير طامعة وغير متطلعة لما يناوله.
لكن الأحاديث (٤٥)، (٤٦)، (٤٧)، (٤٨)، (٤٩) تضم إلى المناولة عنصراً آخر، هو عنصر الدافع
وإنشاء الصدقة، وليس تنفيذ أمر المالك، فهى تقول: ((إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة
كان لها أجرها بما أنفقت ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر
بعض شيئاً)) وفى رقم (٤٩) ((وما أنفقت من كسبه من غير أمره فإن نصف أجره له)). ويحكى
الحديث (٤٧)، (٤٨) قصة عمير مولى آبى اللحم مع سيده، وفيها أقر الرسول و عطاء المولى من
غير أن يأمره سيده، وقال للسيد: ((الأجربينكما)).
قال الإمام النووى: معنى هذه الأحاديث أن المشارك فى الطاعة مشارك فى الأجر، ومعنى
المشاركة أن له أجراً، كما لصاحبه أجر، وليس معناه أن يزاحمه فى أجره. والمراد المشاركة فى أصل
٣٧٤
الثواب، فيكون لهذا ثواب، ولهذا ثواب وإن كان أحدهما أكثر، ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواء،
بل قد يكون ثواب هذا أكثر، وقد يكون العكس، فإذا أعطى المالك لخازنه أوامرأته أو غيرهما مائة
درهم أو نحوها ليوصلها إلى مستحق الصدقة على باب داره أو نحوه فأجر المالك أكثر وإن أعطاه
رمانة أو رغيفاً ونحوهما مما ليس له كثير قيمة ليذهب به إلى محتاج فى مسافة بعيدة، بحيث يقابل
مشى الذاهب إليه بأجرة تزيد على الرمانة والرغيف فأجر الوكيل أكثر، وقد يكون عمله قدر الرغيف
مثلا فيكون مقدار الأجر سواء. فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((الأجربينكما نصفان)) معناه
قسمان وإن كان أحدهما أكثر، كما قال الشاعر:
إذا مت كان الناس نصفين بيننا
قال النووى: وأشار القاضى إلى أنه يحتمل أيضاً أن يكون الطرفان سواء لأن الأجر فضل من الله
تعالى، يؤتيه من يشاء، ولا يدرك بقياس ولا هو بحسب الأعمال.اهـ قال النووى: والمختار الأول.اهـ
والحق أن مقدار الثواب يخضع - بالإضافة إلى أنها فضل- لعوامل أخرى كثيرة كالإخلاص
والاحتساب وطيب النفس وغيرها، وذلك على كل حال يبعد المناصفة والمساواة.
قال النووي: وقوله: ((الأجر بينكما)) ليس معناه أن الأجر الذى لأحدهما يزدحمان فيه، بل معناه
أن هذه النفقة والصدقة التى أخرجها الخازن أو المرأة أو المملوك أو نحوهم بإذن المالك يترتب على
جملتها ثواب على قدر المال والعمل فيكون ذلك مقسوماً بينهما، لهذا نصيب بماله، ولهذا نصيب
بعمله، فلا يزاحم صاحب المال العامل فى نصيب عمله، ولا يزاحم العامل صاحب المال فى
نصيب ماله. اهـ
وفى هذا الكلام نظر، لأن أجر الصدقة غير أجر الكسب، وإذا كان للصدقة أجر مرتبط بكسب
المال والعمل كان العامل فى أخذه نصيبه من هذا الأجر مزاحماً للمالك ثم إنه بهذا التقسيم لا يكون
هناك فضل. ويستبعد معه قوله: ((من غير أن ينقص بعضهم من أجر بعض شيئاً)) ويصبح لاغياً لا
فائدة منه إذ لا يتصور أن يشارك المناول فى أجر الكسب.
والذى أستريح إليه أن أجر الصدقة كاملا يمنح للمالك، وذلك للفرق بين مال تصدق به، ومال لم
يتصدق به، ويتفضل الله بأجر جديد من عنده للزوجة أو الخازن، تماماً كما قيل فى حديث: ((من فطر
صائماً كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء)» وكأن اللّه ضاعف الأجر من عنده
فضلا وكرماً، ثم جعل هذا الأجر المضاعف بينهما، فلا مزاحمة فى أجركل منهما. وبهذا الفهم تسخو
نفس المالك بإنفاق الزوجة والخازن ويرضى ويسعد، وإن كان بغير علمه، كما إذا زرع الزارع زرعاً
فأكل منه دون علمه إنسان أو طير أو بهيمة، فإن له فى ذلك أجرا، وبهذا الفهم تحرص الزوجة
والخازن على الإنفاق ما داما ينتفعان وينفعان ولا يضران. والله أعلم.
ثم قال النووى: واعلم أنه لابد للعامل، وهو الخازن، وللزوجة والمملوك من إذن المالك فى ذلك،
فإن لم يكن إذن أصلا فلا أجر لأحد من هؤلاء الثلاثة، بل عليهم وزر، بتصرفهم فى مال غيرهم بغير
٣٧٥
إذنه، والإذن ضربان: أحدهما: الإذن الصريح فى النفقة والصدقة، والثانى: الإذن المفهوم من إطراد
العرف والعادة كإعطاء السائل كسرة ونحوها مما جرت به العادة، وإطرد العرف فيه، وعلم بالعرف
رضا الزوج والمالك به، فإذنه فى ذلك حاصل وإن لم يتكلم، وهذا إذا علم رضاه لإطراد العرف، وعلم أن
نفسه كنفوس غالب الناس فى السماحة بذلك والرضا به، فإن اضطرب العرف، وشك فى رضاه، أو
كان شخصاً يشح بذلك، وعلم من حاله ذلك، أو شك فيه لم يجز للمرأة وغيرها التصدق من ماله إلا
بصريح إذنه.
قال: وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((وما أنفقت من كسبه من غير أمره فإن نصف أجره له»،
فمعناه من غير أمره الصريح فى ذلك القدر المعين، ويكون معها إذن عام سابق متناول لهذا القدر
وغيره، وذلك الإذن الذى قد أولناه سابقاً إما بالتصريح وإما بالعرف -ولابد من هذا التأويل- لأنه صلى
الله عليه وسلم جعل الأجر مناصفة، ومعلوم أنها إذا أنفقت من غير إذن صريح ولا معروف من العرف
فلا أجرلها، بل عليها وزر، فتعين تأويله.
ثم قال: واعلم أن هذا كله مفروض فى قدر يسير، يعلم رضا المالك به فى العادة، فإن زاد على
المتعارف لم يجز، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير
مفسدة)» فأشار صلى الله عليه وسلم إلى أنه قد يعلم رضا الزوج به فى العادة، ونبه بالطعام أيضاً على
ذلك لأنه يسمح به فى العادة، بخلاف الدراهم والدنانير فى حق أكثر الناس، وفى كثير من الأحوال.
ثم قال: واعلم أن المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن النفقة على عيال صاحب المال
وغلمانه ومصالحه وقاصديه من ضيف وابن سبيل ونحوهما، وكذلك صدقتهم المأذون فيها
بالصريح أو العرف. انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر: قال ابن العربى: اختلف السلف فيما إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها،
فمنهم من أجازه، لكن فى الشيء اليسير الذى لا يؤبه له، ولا يظهر به النقصان، ومنهم من حمله على
ما إذا أذن الزوج، ولو بطريق الإجمال، ويحتمل أن يكون ذلك محمولا على العادة، وأما التقييد بغير
الإفساد فمتفق عليه، ومنهم من قال: المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن النفقة على عيال صاحب
المال فى مصالحه، وليس ذلك بأن يفتئتوا على رب المال بالإنفاق على الفقراء بغير إذن، ومنهم من
فرق بين المرأة والخادم، فقال: المرأة لها حق فى مال الزوج، ولها حق فى النظر فى مصالح بيتها،
فجازلها أن تتصدق، بخلاف الخادم فليس له تصرف فى متاع مولاه، فيشترط الإذن فيه. وهو
متعقب بأن المرأة إذا استوفت حقها فتصدقت منه فقد تخصصت به، وإن تصدقت من غير حقها
رجعت المسألة كما كانت. اهـ
والذى تستريح إليه النفس أن مدار الجواز وعدم الجواز الإفساد وعدم الإفساد، ولست
أرى أن السعى لتحقيق نفع دائم أخروى بديلا عن نفع زائل دنيوى، لست أرى فى هذا
إفساداً، ما دام فى الحدود المسموح بها عرفاً، ولا يشترط الإذن ولا الرضا، فقد رخص رسول
اللَّهَ لزوج أبى سفيان أن تأخذلها ولبنيها من مال أبى سفيان بالمعروف بدون إذنه
٣٧٦
وبدون علمه وبدون رضاه. وهل إذا أجرينا عملية جراحية لإنسان بدون علمه أو بدون رضاه،
وفيها صحته وصالحه يكون هذا من الإفساد؟ أعتقد أن لا.
كل ما فى الأمر ألا يترتب على هذا الإحسان ضرر، وظواهر الأحاديث تؤيد ذلك، فالتقييد بغير
مفسدة لا معنى له سوى هذا، ولو أننا اشترطنا الإذن المسبق لم يكن فرق بين أجنبى يقوم بذلك وبين
زوجة وخادم، والحديث رقم (٤٩) صريح فى ثبوت الأجر مع عدم الأمر.
وأصرح منه الحديث رقم (٤٧)، (٤٨) إذ من الواضح من الحديث الأول أن الرسول و لي أذن للعبد
أن يتصدق من مال سيده بشيء تجرى العادة به من غير إذن سيده، ومن الواضح من الحديث الثانى
أن الرسول لم يقر السيد على ضرب عبده على تصدقه، بل عاتب السيد وآخذه بقوله: «لم ضربته»؟
أى ما كان ينبغى أن تضربه، ومن الواضح أن الرسول لم يوقف الأجر على الأمر والإذن، بل أثبت
الأجر للحالة التى لم تسبق الأمر، بل للحالة التى ثبت فيها اعتراض للسيد. وقول الإمام النووى: هذا
محمول على أنه استأذن فى الصدقة بقدر يعلم رضا سيده به، أو محمول على أن عميراً تصدق بشىء
يظن أن مولاه يرضى به، ولم يرض به مولاه. هذا الحمل الذى ذهب إليه النووى بعيد عن الظواهر، وفيه
شيء من التعسف كما أوضحنا. والله أعلم.
ويؤخذ من هذه الأحاديث فوق ما تقدم
١- من الحديث (٤٤) يؤخذ فضل الأمانة.
٢ - وسخاوة النفس.
٣- وطيب من فعل الخير.
٤- والإعانة على فعل الخير.
٥- ومن مجموع الروايات فضل كسب العيش.
٦- ومن الحديث (٤٩) من النهى عن صيام المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه، حق الزوج على الزوجة. قال
النووى: هذا محمول على صوم التطوع والمندوب الذى ليس له زمن معين، وهذا النهى للتحريم،
وسببه أن الزوج له حق الاستمتاع بها فى كل الأيام، وحقه فيه واجب على الفور، فلا يفوته
بتطوع ولا بواجب على التراخى، فإن قيل: ينبغى أن يجوزلها صيام بغير إذنه، فإن أراد
الاستمتاع بها كان له ذلك، ويفسد صومها؟ فالجواب أن صومها يمنعه من الاستمتاع فى العادة،
لأنه يهاب انتهاك الصوم بالإفساد، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((وزوجها شاهد)) أى مقيم فى
البلد، أما إذا كان مسافراً فلها الصوم، لأنه لا يتأتى منه الاستمتاع إذا لم تكن معه.
٧- وفى قوله: ((ولا تأذن فى بيته وهو شاهد إلا بإذنه)) إشارة إلى أنه لا يفتات على الزوج وغيره من
مالكى البيوت وغيرها بالدخول فى أملاكهم إلا بإذنهم، وهذا محمول على ما لا يعلم رضا الزوج
ونحوه به فإن علمت المرأة ونحوها رضاه به جاز. والله أعلم.
٣٧٧
فضل النفقة على العيال والأهل والأقربين ومن يعول
فى الحديث الشريف: ((الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذى القربى ثنتان صدقة وصلة)» وكل
من استحق النفقة والعطاء بوجه من الوجوه كانت الصدقة عليه لفقره وحاجته لها أجران، أجر
الاستحقاق الأول، وأجر الاستحقاق الثانى.
والأحاديث من رقم (٣) إلى رقم (١٧) تتحدث عن هذه المسألة: «أفضل دينار ينفقه الرجل
دينار ينفقه على عياله)). («كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته)». وحين أراد أبوطلحة أن
يتصدق ببستانه أحب أمواله إليه قال له رسول الله:﴿. ((اجعله فى قرابتك)). وحين أعتقت ميمونة
وليدة لها قال لها صلى الله عليه وسلم: ((لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك)). وحين سألت زينب
امرأة عبد الله بن مسعود هى وصاحبة لها رسول اللّه ◌ُ ل: هل تجزئ صدقتهما إذا دفعت إلى الزوج
والأيتام فى الحجر؟ قال لهما رسول اللَّه ﴿. ((لهما أجران)). وحين سألت أم سلمة: هل لها أجر فى
إنفاقها على بنى أبى سلمة قال لها رسول اللّه :﴿: ((نعم لك فيهم أجر ما أنفقت عليهم)). ويروى أبو
مسعود قول رسول الله: ((إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة وهو يحتسبها كانت له صدقة)).
وحين سألت أسماء بنت أبى بكر: هل تصل أمها المشركة؟ قال لها رسول اللَّه { ل: ((نعم. صلى
أمك)). وحين سئل رسول الله ﴿ عن التصدق عن الأم بعد موتها، هل له أجر؟ قال: نعم)).
ولا خلاف فى أن الصدقة النافلة جائزة ومثاب عليها إذا أعطيت لأقرب الناس إلى المتصدق،
سواء كان أباً أو أما أوابناً أو بنتاً أو أخاً أو أختاً أو زوجة إلى عامة الأقارب، حتى النفقة على النفس
لها أجر، والشرط الوحيد أن يحتسب المنفق نفقته، أى أن يريد بها وجه الله.
قال النووى: فلا يدخل فيه من أنفقها ذاهلا، ولكن الذى يحتسب، وطريقه فى الاحتساب أن
يتذكر أنه يجب عليه الإنفاق على الزوجة وعلى أطفاله ومملوكه وغيرهم ممن تجب نفقته على حسب
أحوالهم، فينفق بنية أداء ما أمربه. اهـ
ولكن الخلاف بين العلماء فيمن يجوز إعطاؤه من الزكاة المفروضة. هل يصح أن تعطي الزوجة
زوجها الفقير من زكاتها؟ وهل يصح أن يعطي الزوج زوجته الفقيرة من زكاته؟ وهل يجوز للأم أن
تعطي ولدها الفقير من زكاتها؟.
ولتحرير موطن النزاع نقول: إن من يلزمه نفقته لا يجوزله أن يعطيه زكاته واختلف فى علة
المنع، فقيل: لأن أخذهم لها يصيرهم أغنياء، فتسقط بذلك نفقتهم عن المعطى. وقيل: لأنهم أغنياء
بإنفاقه عليهم، والزكاة لا تصرف لغنى.
ونتيجة لهذا لا يجوز للزوج أن يعطى من زكاته لزوجته مهما كانت فقيرة. قال ابن
المنذر: أجمعوا على أن الرجل لا يعطى زوجته من الزكاة، لأن نفقتها واجبة عليه، فتستغنى
بها عن الزكاة. اهـ
٣٧٨
ولا يجوز للأب والجد وإن علا أن يعطى زكاته للابن الفقير مهما نزل، ولا يجوز للفروع أن تعطى
من زكاتها للأصول الفقراء، لأنه يجب عليهم نفقاتهم.
فالخلاف إذن فى الزوجة تعطى زوجها الفقير من زكاتها، وفى الأم تعطى ابنها الفقير من زكاتها
مع وجود أبيه.
وظاهر الحديث الحادى عشر الجواز إن حملنا لفظ الصدقة على العموم بما يشمل الزكاة، قال
الحافظ ابن حجر: واستدل بهذا الحديث [أى حديث الزيانب المشار إليه] على جواز دفع المرأة
زكاتها إلى زوجها، وهو قول الشافعى والثورى وصاحبى أبى حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك
وأحمد. وأدخلوا الزكاة الواجبة فى لفظ الصدقة، بل حملوا الصدقة فى الحديث على الواجبة لقولها:
((أتجزئ عنى))؟ وبه جزم الماوردى، ويؤيده أن ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم، فلما ذكرت
الصدقة، ولم يستفصلها عن تطوع ولا واجب فكأنه قال: تجزئ عنك فرضاً كان أو تطوعاً.
ومنع الآخرون أن تدفع المرأة زكاتها إلى زوجها، لأنها لو أعطتها لزوجها عادت إليها فى نفقتها
الواجبة لها، فكأنها ما خرجت عنها، ووجهوا الحديث بأن المراد من الصدقة صدقة التطوع، بدليل
أنها كانت استجابة لقول الرسول #: ((يا معشر النساء. تصدقن ولو من حليكن)). وهذا التعبيريتجه
إلى صدقة التطوع، لا إلى الزكاة الواجبة، وبدليل ما روى من أن امرأة عبد الله بن مسعود هذه كانت
امرأة صناع، فكانت تنفق عليه وعلى ولده من صناعتها، فهذا يدل على أن مرادها صدقة التطوع.
وبدليل ما جاء فى بعض الروايات: ((زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم». فذكر الولد دال على
أنها صدقة التطوع لأن الولد لا يُعْطى من الزكاة الواجبة بالإجماع، كما نقله ابن المنذر وغيره، نعم
قال العلماء: إن الولد لا يُعْطَى من الزكاة الواجبة من يلزم المعطى نفقته، والأم لا يلزمها نفقة ولدها
مع وجود أبيه، وحمل ابن التيمى قوله: ((وولدك)) على أن الإضافة للتربية، لا للولادة، فكأنه ولده من
غيرها. ومع هذه التأويلات ظواهر الأحاديث تشير إلى أن هذه الحادثة فى صدقة التطوع، وليست فى
الزكاة، وقد جزم بذلك الإمام النووى، أما استدلالهم بقولها: ((أتجزئ عنى)) فقد أولوه على معنى:
أتجزئ عنى فى الوقاية من النار، كأنها خافت أن صدقتها على زوجها لا تحصل لها المقصود، وليس
المراد أتجزئ عنى فى فرض الزكاة. واللَّه أعلم.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- من الحديث الرابع فضل الإنفاق على الأهل، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((أعظمها أجراً الذى
أنفقته على أهلك)) وذلك فى مقابلة الإنفاق فى سبيل الله، أو فى رقبة، أو على مسكين.
٢- ومن حديث أبى قلابة فضل الإنفاق على عياله، يعفهم، أو ينفعهم الله به ويغنيهم.
٣- ومن الحديث الخامس الحث على رعاية الرقيق والخدم، والحفاظ على حقوقهم، وإثم الذى يقصر
فى ذلك، ويحبس عمن يملك قوته.
٣٧٩
٤- ومن الحديث السادس الابتداء فى النفقة بالنفس، ثم الأهل، والمراد بهم الزوجة والأولاد، ثم
القرابة الأقرب فالأقرب، ثم الأجنبى.
٥- وأن الحقوق إذا تزاحمت قدم الأوكد فالأوكد.
٦- وأن الأفضل فى صدقة التطوع تنوعها فى جهات الخير، ووجوه البر بحسب المصلحة، ولا تنحصر
فى جهة بعينها. قاله النووى.
٧- وفيه دلالة ظاهرة لمذهب الشافعى وموافقيه فى جواز بيع المدبر. وقال مالك وأصحابه: لا يجوز
بيعه إلا إذا كان على السيد دين فيباع فيه. قال النووي: وهذا الحديث صريح أو ظاهر فى الرد
عليهم، لأن النبى # إنما باعه لينفقه سيده على نفسه، والحديث صريح أو ظاهر فى هذا، ولهذا
قال صلى الله عليه وسلم: ((ابدأ بنفسك فتصدق عليها ... («إلخ.
٨- ومن الحديث الثامن بالإضافة إلى ما ذكرناه فى فضل النفقة من أحب الأموال، أن الصدقة على
الأقارب أفضل من الأجانب إذا كانوا محتاجين.
٩- ومن الحديث العاشر، من قوله صلى الله عليه وسلم لميمونة: ((لو أعطيتها أخوالك كان أعظم
لأجرك))، فضيلة صلة الأرحام، وأنها فوق العتق.
١٠ - وفيه الاعتناء بأقارب الأم إكراماً لحقها، وزيادة فى برها.
١١- ومن عتق ميمونة لوليدتها جواز تبرع المرأة بمالها من غير إذن زوجها. قاله النووى. وهو يحتاج
إلى إثبات أنها لم تستأذن، ولم يأذن.
١٢ - وفى الحديث الحادى عشر أمرولى الأمر رعيته بالصدقة وفعل الخير، ووعظه النساء إذا
أمن الفتنة.
١٣- وأنه إذا تعارضت المصالح بدئ بأهمها، فإن بلالا أخبر بما وعد أنه لا يخبر به، وأفشى السر،
حيث عارض ذلك ضرورة إجابته رسول اللَّه على سؤاله: (من هما؟)) وجوابه صلى الله عليه
وسلم واجب محتم، لا يجوز تأخيره، ولا يقدم عليه غيره.
١٤ - وفيه الحث على الصدقة على الأقارب، وأن فيها أجرين.
١٥- وفيه استفتاء غير الأعلم مع وجود الأعلم، فقد ذهبت زينب للاستفتاء مع وجود زوجها عبد الله
ابن مسعود. وهذا على أساس أنها خرجت للاستفتاء ممن يقابلها.
١٦ - وفيه جواز طلب كتمان بعض الأمور إذا دعت الحاجة إلى كتمان.
١٧- وفيه حرص الزوجة على كرامة زوجها ومروءته، والبعد عما يمسه أو يجرحه، فإن زينب طلبت
كتمان أمرها وقایة لزوجها.
٣٨٠