Indexed OCR Text
Pages 121-140
(٢٧٩) باب اللهو واللعب والغناء يوم العيد
١٧٨٦ - ١٣٦ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٦) قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيْتَّانِ مِن
جَوَارِي الأَنْصَارِ تُغْنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ بِهِ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ. قَالَتْ وَلَيْسَنَّا بِمُغَيْنٍ. فَقَالَ أَبُو
بَكْرٍ أَبِمَزْهُورِ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ وَذَلِكَ فِي يَوْمٍ عِيدٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿: «يّا
أَبَّ بَكْرٍ إِنَّ لِكُلْ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا».
١٧٨٧ - - عَنِ هِشَامٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ وَفِيهِ جَارِيَتَانِ تَلْعَبَانِ بِدُفِّ.
١٧٨٨ - ١٣ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(١٧) أَنَّ أَبًا بَكْرِ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَاوِتَانِ فِي أَيَّامِ
مِنَّى تُغَنِّيَانِ وَتَضْرِبَانٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﴿ مُسَجَّى بِشَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ؛ فَكَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ
◌َ﴿ عَنْهُ وَقَالَ «دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ». وَقَالَتْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَسْتُرُنِي بِدَائِهِ
وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ وَأَنَا جَارِيَةٌ. فَاقْدِرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْعَرِبَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ.
١٧٨٩ - ثما عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٨) وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ﴿ يَقُومُ عَلَى بَابِ
حُجْرَبِي وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ فِي مَسْجِدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﴿، يَسْتُرُبِي بِرِدَائِهِ لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى
لَعِهِمْ ثُمَّ يَقُومُ مِن أَجْلِي حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّتِي أَنْصَرِفُ. فَاقْدِرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ
حَرِيصَةٌ عَلَى اللَّهْوِ.
١٧٩٠ - ١٩ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٩) قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ
تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثٍ فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ. فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَبِي وَقَالَ مِزْمَارٌ
الشَّيْطَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِوَ﴿ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ﴿ فَقَالَ «دَعْهُمْا». فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا
فَخَرَجْنًا، وَكَانُ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّوْدَانُ بِالدَّرَقِ وَالْجِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِعَ، وَإِمَّا
قَالَ «تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟» فَقُلْتُ نَعَمْ. فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ، خَدِّي عَلَى خَدِّهِ وَهُوَ يَقُولُ «دُونَكُمْ يَا
بَنِي أَرْفِدَةَ» حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ «حَسْبُكِ؟» قُلْتُ نَعَمْ قَالَ «فَاذْهَبِيِ».
(١٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَثَّا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيِهِ عَنِ عَائِشَةَ
- وحَدَّثَنَاه يَخَِّى بْنَّ يَحْتِى وَأَبُو كُرَيْبٍ حَمِيعًا عَنِ أَبِيَ مُعَاوِيَّةً عَنِ هِشَامٍ
(١٧) حَدَّثَنِي هَارُونُ بِنُ سَعِيدٍ الأَثِيُّ حَدََّا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمَّرُو أَنَّ ابْنَ شْهَابٍ حَدَّثَهُ عَنِ عُرْوَةً عَنِ عَائِشَةً
(١٨) وحَدَّتِي أَبُو الطَّاهِرِ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنَ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ عُرْوَةٌ بْنِ الزُّبِيْرِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةٌ
(١٩) حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى (وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ) قَالا حَدَّثَنَا ابْنَّ وَهْبٍ أَخْبُرَنَا عَمْرٌو أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَّهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةً
١٢١
١٧٩١ - ٢٠ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٢٠) قَالَتْ جَاءَ حَبْشٌ يَزْفُونَ فِي يَوْمٍ عِيدٍ فِي
الْمَسْجِدِ. فَدَعَانِي النَّبِيُّ ◌ِ﴿ِ، فَوَضَعْتُ رَأْسِي عَلَى مَنْكِهِ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى لَعِهِمْ، حَتَّى كُنْتُ
أَنَا الَِّي أَنْصَرِفُ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهِمْ.
١٧٩٢ - - عَنِ هِشَامٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ وَلَمْ يَذْكُرَا فِي الْمَسْجِدِ.
١٧٩٣ - ٣١ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٢١) أَنْهَا قَالَتْ لِلَغَّابِينَ وَدِدْتُ أَنِّي أَرَاهُمْ. قَالَتْ فَقَامٌ
رَسُولُ اللَّهِ فَ﴿ وَقُمْتُ عَلَى الْبَابِ أَنْظُرُ بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَائِقِهِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ. قَالَ عَطَاءٌ
فُرْسٌ أَوْ حَبَشٌ. قَالَ وَقَالَ لِي ابْنُ عَقِيقٍ بَلْ حَبَشٌ.
١٧٩٤ - ٣٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(٢٢) قَالَ بَيْنَمَا الْحَبَشَةُ يَلْعُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِلُ
بِحِرَابِهِمْ إِذْ دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَأَهْوَى إِلَى الْحَصْبَاءِ يَخْصِبُهُمْ بِهَا، فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللَّهِوَ﴿: «دَعْهُمْ يَا عُمَرُ».
المعنى العام
الإسلام: دين الوسيطة ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] والوسطية فى شرع
اللَّه هى الفضيلة، فالشجاعة مثلا وسط بين التهور والجبن، وفضيلة الكرم والسخاء وسط
بين السفه والإسراف والتبذير وبين الشح والتقتير ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةٌ إلَى عُنُقِكَ وَلا
تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]، والحياة المشروعة فى الدنيا أن تعمل لدنياك كأنك
تعيش أبداً، ولآخرتك كأنك تموت غداً، وأن تبتغى فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسى
نصيبك من الدنيا، ولقد نعى الله على قوم حولوا دنياهم إلى متع وشهوات وماديات، ونعى
على قوم حولوا دنياهم إلى رهبانية ابتدعوها ما كتبها الله عليهم.
وإذا كان الإسلام قد استفتح أيام العيد بالتكبير والتهليل والذكر والصلاة والخطبة، فإنه شرع من
البهجة والسرور والمرح فى هذه الأيام، ما يلبى حاجة الجسم ورغبة النفس، وإذا كان الوقار قد وضع
كبار المسلمين فى إطار دينى يترفع بهم عن اللَّهو فإنه حال بينهم وبين التحكم ومنع ذوى الأهواء
(٢٠) حَدَّثْنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ هِشَامٍ عَن أَبِيهِ عَنِ عَائِشَةً
- وحَدََّا يَحْتِى بْنُ يُخْبِى أَخْرَنَا يَحْتِى بْنُ زَكْرِيَّاءَ بَنِ أَبِي زَائِدَةً ح وِحَدَّقْنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ كِلاهُمَا عَنِ هِشَامٍ
(٢١) وحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ وَعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمِ الْعَمَّيُّ وَعَبَّدُ بْنُ حُمَّيْدٍ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي عَاصِّمٍ وَاللَّفْظُ لِعُقْبَةً قَالَ" حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمِ
عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبُرَلِيَ عَطَاءٌ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ عُمِيْرٍ أَخْرَتْتِي عَائِشَةٌ
(٢٢) وحَدَِّّي مُحَمُّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (قَالَ عَبْدٌ أَخْبَّرَفَا وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ حَدَّثْنَا عَبْدُ الرَّوَّاقِ) أَخْبُرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَن
ابْنِ الْمُسَّبِ عَنْ أَبِي هُرَّيْرَةَ
١٢٢
والمتع من الصبية والجوارى والشباب والشابات من أن يتمتعوا ويمرحوا وينعموا باللَّهو واللعب
والأغاني إلى حد ما.
نعم. ما أعظم سمو الإسلام، وما أجمل سماحته ويسره ورقته وعطفه. يتجلى هذا فى معاملة
الرسول : لأهله يوم العيد، وفى معاملته لعائشة بالذات - رضى الله عنها-، لقد تزوجها صغيرة،
فقدر حاجتها إلى هذا اللون من الحياة كان يراها تلعب بالصلصال، وترسم به البيوت والحيوان،
فيضاحكها ويبتسم ويدخل عليها فى أيام العيد، فى أيام التشريق، فيجد معها جاريتين تضريان
الدف وتغنيان، وعائشة تسمع وتنتشى وتهتز طرباً وسروراً، فلا يلتفت إليهن لئلا يحرجهن، ويعرض
عنهن حتى يتيح لهن المضي فى لهوهن، وينتحي ناحية من البيت، ينام فيها على فراشه بعيداً عنهن،
ويغطى رأسه ووجهه حتى لا يسمع الطبل والغناء.
ويدخل أبو بكر أبوها، وهو يعلم قدر رسول اللّه * وما ينبغي أن يكون عليه حال بيته من الإجلال
والوقار، فيرى الجاريتين، ويسمع الدف والغناء فينهر عائشة ويزجر الجاريتين، مزمارة الشيطان فى
بيت رسول اللَّه ◌َ﴿؟ هذا لا يليق، ويكشف رسول الله: ﴿ عن وجهه، ويوجه اللوم إلى أبى بكر، دعهما
يا أبا بكر، فلكل قوم عيد، واليوم من أعيادنا، ويغتفر فى الأعياد ما لا يغتفر فى غيرها، وينشغل أبو
بكر مع رسول اللَّه ◌َ ل﴿ فتنتهز عائشة هذه الفرصة فتغمز الجاريتين فتنصرفان.
ألا يعجب أعداء الإسلام إلى هذا الجمع بين السماحة وبين الوقار والالتزام؟ حقاً إنه الإسلام.
ولم يكتف صلى الله عليه وسلم بالاستجابة إلى رغبة زوجته، وبالإغضاء عن لهوها فى بيت النبوة،
بل يتجاوز ذلك إلى أن يدعوها لرؤية اللَّهو وسماعه ويشجعها ويساعدها عليه.
سمع فى يوم عيد صوت صبيان فنظر من باب بيته نحو الصوت، فرأى رجالاً من الحبشة يلعبون
بالعصى، كأن بعضهم يضرب بعضاً ويحاول المضروب أن يحمى نفسه من العصا بعرض عصاه وهى
لعبة معروفة فى البلاد، يرى ذلك فينادى عائشة: هل تحبين رؤية الحبشة يرقصون ويلعبون بالعصى؟
فتقول: نعم أحب ذلك. فيقول لها: تعالى، وقفى ورائى، وانظرى وأنت تتسترين بى، فتضع رأسها على
كتفه، وخدها على خده، تنظر إلى الحبشة من بين كتفه وأذنه صلى الله عليه وسلم، فإذا طال الوقت
سألها: أيكفيك ذلك؟ فتقول: لا تعجل، فإنى مازلت أرغب، فينتظرثم يقول: أيكفيك ذلك؟ فتقول: لا
تعجل، فما زلت أرغب، فينتظر حتى تسأم هي، وتطلب الانصراف، فينصرف بها صلى الله عليه وسلم
ورضى اللَّه عن أم المؤمنين عائشة وعن الصحابة أجمعين.
المباحث العربية
(وعندي جاريتان من جواري الأنصار) الجارية فى النساء كالغلام فى الرجال، يقال على
من دون البلوغ فيهما، وتطلق الجارية على الحرة أو الأمة. أما الجاريتان هنا فكانتا أمتين، فقد جاء
فى رواية الطبرانى من حديث أم سلمة أن إحداهما كانت لحسان بن ثابت.
١٢٣
(تغنيان بما تقاولت به الأنصاريوم بعاث) وفى ملحق الرواية: ((تلعبان بدف)) وفى
الرواية الثانية: ((تغنيان وتضريان)) وفى رواية: ((تدففان)) أى تضريان بالدف، وفي رواية النسائي:
((بدفين)) والدف بضم الدال وفتحها، والضم أشهر ويقال له: الكربال بكسر الكاف، وهو الذى لا جلاجل
فيه، فإن كانت فيه جلاجل فهو المزهر، وكأن الجاريتين تضرب كل منهما على دف، وترققان
صوتهما بالأقوال والأشعار التى قالها الأنصار بعضهم لبعض، من فخر، أو هجاء. والغناء بكسر الغين
ما يسمع، وبفتح الغين النفع. و((بعاث)) بضم الباء وتخفيف العين، ونقل بالغين المعجمة، وهو
ممنوع من الصرف، وقد يصرف، وهو اسم حصن للأوس وحوله مزرعة لهم. ويوم بعاث يوم مشهور من
أيام العرب فى الجاهلية، كانت فيه مقتلة عظيمة، وانتصر فيه الأوس على الخزرج، ولحسان بن
ثابت وغيره من الخزرج، وكذا لقيس بن الحطيم وغيره من الأوس فى ذلك أشعار كثيرة.
(وليستا بمغنيتين) أى لم تتخذا الغناء صناعة وعادة، ولم تعرفا به.
(أبمزمور الشيطان فى بيت رسول اللّه*؟) وفى رواية أحمد: ((فقال: يا عباد الله.
المزمور عند رسول اللّه ﴿))؟. والمزمور بضم الميم الأولى وفتحها، ويقال له أيضًا: مزمار بكسر الميم،
مشتق من الزمير، وهو الصوت بصفير. وقال ابن سيده: يقال: زمر يزمر زميرًا وزمرانًا، غنى فى
القصب. وفى كتاب ابن التين: الزمر الصوت الحسن، ويطلق على الغناء أيضًا. اهـ
وسميت به الآلة المعروفة التى يزمربها. والجار المجرور ((أبمزمور الشيطان)) متعلق
بمحذوف، والتقدير: أتلعبن بمزمور الشيطان؟ وإضافه إلى الشيطان من حيث إنه يلهى
ويشغل القلب عن ذكر الله.
(وذلك فى يوم عيد) وفى الرواية الثانية: ((فى أيام منى ((وهى أيام التشريق الأيام الثلاثة بعد
يوم النحر، وهى داخلة فى أيام العيد، ولها حكمه فى كثير من الأحكام كالأضحية، والتكبير فيها،
وتحريم صومها.
(إن لكل قوم عيداً) أى إن لكل طائفة من الملل المختلفة عيداً يتمتعون فيه بالبهجة والسرور
واللهو المباح.
(تغنيان وتضريان) أى بالدف.
(مسجى بثويه) أى ملتف ومغطى به، وفى الرواية الرابعة: ((فاضطجع على الفراش وحول
وجهه)). أى عن الجاريتين وعن الغناء، وكأن التغطية بالثوب لزيادة الحجب والبعد عن الغناء.
(فانتهرهما أبوبكر) أى زجر الجاريتين، وفى رواية للبخارى: ((فانتهرني)). أى زجرني، وكأنه
زجرها لتقريرها ذلك وزجرهما لفعلهما.
(فكشف رسول اللَّه ◌َ﴿ عنه) أى كشف الغطاء عن نفسه، والتفت إلى أبى بكر فى جهة
١٢٤
الجاريتين، وهذا معنى قولها فى الرواية الرابعة: ((فأقبل عليه رسول اللَّه ◌ِمَ﴿)» وفى رواية فى الصحيح:
((فكشف النبى { عن وجهه)). وفى رواية: ((فكشف رأسه)».
(يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة) فى الرواية الرابعة: ((فأقامني وراءه، خدي على
خده)). وفى الرواية الخامسة: ((فوضعت رأسي على منكبه)). وفى الرواية السادسة: ((وقمت على
الباب بين أذنيه وعاتقه)). وفى رواية: ((فوضعت ذقني على عاتقه وأسندت وجهي إلى خده)). وفى
رواية: ((أنظربين أذنيه وعاتقه)». وكل هذه الروايات تعطى صورة واحدة متكاملة، وهى أنها وقفت
خلفه على باب حجرتها المطل على المسجد، مستترة به وبردائه، فوضعت رأسها على منكبه، ذقنها
على العاتق، ووجهها ملتصق بوجهه صلى الله عليه وسلم وخدها على خده. ((والحبشة)) الرجال
المنتسبون إلى البلاد المعروفة، ويطلق عليهم ((السودان)) كما جاء فى الرواية الرابعة.
(وهم يلعبون) فى الرواية الثالثة: ((يلعبون بحرابهم فى مسجد رسول اللّه ◌ِ ﴿)).
والحراب بكسر الحاء جمع حربة، وهى معروفة، ((والدرق)) بفتح الدال والراء جمع درقة،
وهى الترس الذى يتخذ من الجلود.
(وأنا جارية) أى صغيرة السن دون البلوغ، فقد دخل بها صلى الله عليه وسلم وهى بنت تسع
سنين، وتوفى عنها وهى بنت ثمان عشرة سنة على الصحيح، وذكرت ذلك اعتذاراً عن حبها للَّهو.
(فاقدروا قدر الجارية العربة الحديثة السن) ((فاقدروا)) بضم الدال وكسرها. لغتان من
التقدير، والفاء جواب شرط مقدر، أى حيث قدر رسول اللّه # عذري ورغبتي فقدروا عذر أمثالي.
((والعربة)) بفتح العين وكسر الراء أى المشتهية للعب المحبة له.
(حريصة على اللهو) منصوب على الحال.
(وكان يوم عيد يلعب السودان ... ) هذا حديث آخر، ذكره بعض الرواة مستقلاً، وجمعه مع
حديثنا بعض الرواة. وقد جاء فى رواية: ((وقالت عائشة: كان يوم عيد .. إلخ)).
(فإما سألت رسول اللَّه﴿ وإما قال: تشتهين تنظرين) قال الحافظ ابن حجر: هذا تردد
منها فيما كان وقع له، هل كان أذن لها فى ذلك ابتداء منه؟ أو عن سؤال منها؟ وهذا بناء على أن
(«سألت)» بسكون اللام على أنه من كلامها، ويحتمل أن يكون بفتح اللام، فيكون من كلام الراوى.
قال: وقد اختلفت الروايات عنها فى ذلك، ففى رواية النسائي: ((سمعت لغطا وصوت صبيان، فقام
النبى *. فإذا حبشة تزفن - أى ترقص - والصبيان حولها، فقال: يا عائشة. تعالى فانظري)). ففى
هذا أنه ابتدأها، وفى رواية مسلم -روايتنا السادسة -: ((أنها قالت: وددت أني أراهم)). ففى هذا أنها
سألت، ويجمع بينهما بأنها التمست منه ذلك فأذن لها. اهـ
و)» أن)) المصدرية مقدرة قبل فعل ((تنظرين)) وكذا همزة الاستفهام قبل فعل ((تشتهين)) والتقدير:
أتشتهين النظر؟
١٢٥
(دونكم يا بنى أرفدة) بفتح الهمزة وسكون الراء، وفتح الفاء وكسرها والكسر أشهر، لقب
للحبشة. وقيل: اسم لجدهم الأكبر. و «دونكم)) من ألفاظ الإغراء، والمغرى به محذوف، وتقديره: دونكم
هذا اللعب، أى الزموه. وشأن ((دونك)) أن تقدم على المغرى به، كما قدرنا، وقد جاء تأخيرها عليه
شاذاً فى قول الشاعر:
أيها الماتح دلوى دونكا إنى رأيت الناس يحمدونكا
والماتح بالتاء هو الرجل الذى ينزل إلى قرار البئر إذا قل ماؤها فيملأ الدلو بيده؟
(حتى إذا مللت قال: حسبك؟) أى يكفيك؟ وهو استفهام، والخبر محذوف، أى
هل يكفيك هذا القدر؟ بدليل قولها: ((قلت: نعم)). و((مللت)) بكسر اللام الأولى من الملل،
وهو السآمة، وفى رواية: ((حتى أكون أنا الذى أسأم)). وفى معناها روايتنا الخامسة: ((حتى
كنت أنا التى أنصرف عن النظر إليهم)».
(جاء حبش يزفنون) بفتح الياء وسكون الزاى وكسر الفاء، بعدها نون، أى يرقصون وهو
محمول على وثبهم بسلاحهم، ولعبهم بحرابهم، متمايلين كما يفعل الراقص. يقال: زفن يزفن من باب
ضرب، أی رقص.
(أنها قالت للعابين) اللام الأولى لام الجر، والثانية مفتوحة مخففة والعين مشددة مفتوحة،
صيغة مبالغة فى اللعب، والمعنى أنها قالت لرسول الله: ﴿ لأجل جماعة كثيرى اللعب، أى من
أجلهم وبخصوصهم.
(قال عطاء: فرس أو حبش؟) أصل السند: ((عن عطاء قال: أخبرني عبيد بن عمير)». فكأن
عطاء شك فيما سمع، هل سمع أنهم من الفرس أو من الحبشة. أما ابن عتيق فجزم بأنهم حبش. قال
العلماء: هو الصواب.
(فأهوى إلى الحصباء يحصبهم بها) ((الحصباء)) الحصى الصغير، «ويحصبهم» بكسر
الصاد، أى يرميهم بها.
فقه الحديث
المسألة الأساسية المستحقة للبحث الهادئ العميق مسألة الغناء، ويحسن بنا أن نعرض أقوال
السلف من العلماء، ثم نعرض ما يفتح الله به.
قال النووى فى شرحه للحديث: واختلف العلماء فى الغناء، فأباحه جماعة من أهل
الحجاز، وهى رواية عن مالك، وحرمه أبو حنيفة وأهل العراق، ومذهب الشافعى كراهته،
وهو المشهور من مذهب مالك، واحتج المجوزون بهذا الحديث، وأجاب الآخرون بأن هذا
١٢٦
الغناء إنما كان فى الشجاعة والقتل والحذق فى القتال، ونحو ذلك مما لامفسدة فيه،
بخلاف الغناء المشتمل على ما يهيج النفوس على الشر، ويحملها على البطال والقبيح. قال
القاضى: إنما كان غناؤهما بما هو من أشعار الحرب، والمفاخرة بالشجاعة، والظهور
والغلبة، وهذا لايهيج الجواري على شر، ولا إنشادهما لذلك من الغناء المختلف فيه، وإنما
هو رفع الصوت بالإنشاد، ولهذا قالت: ((وليستا بمغنيتين)) أى ليستا ممن يتغنى بعادة
المغنيات من التشويق والهوى، والتعريض بالفواحش، والتشبيب بأهل الجمال وما يحرك
النفوس، ويبعث الهوى والغزل، كما قيل: الغناء فيه الزنا. وليستا أيضاً ممن اشتهر وعرف
بإحسان الغناء الذى فيه تمطيط وتكسير وعمل يحرك الساكن، ويبعث الكامن، ولا من اتخذ
ذلك صنعة وكسباً، والعرب تسمى الإنشاد غناء، وليس هو من الغناء المختلف فيه، بل هو
مباح، وقد استجازت الصحابة غناء العرب الذى هو مجرد الإنشاد والترنم، وأجازوا الحداء
وفعلوه بحضرة النبى ®، وفى هذا كله إباحة مثل هذا وما فى معناه، وهذا مثله ليس بحرام،
ولا يجرح الشاهد. اهـ
وقال الحافظ ابن حجر: واستدل جماعة من الصوفية بحديث الباب على إباحة سماع الغناء،
وسماعه بآلة وبغير آلة، ويكفى فى رد ذلك تصريح عائشة بقولها: ((وليستا بمغنيتين)». فنفت عنهما
من طريق المعنى ما أثبتته لهما باللفظ. ثم قال: قال القرطبي: قولها: ((ليستا بمغنيتين)». أى ليستا
ممن يعرف الغناء كما يعرفه المغنيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرز عن الغناء المعتاد عند
المشتهرين به وهو الذى يحرك الساكن، ويبعث الكامن، وهذا النوع إذا كان شعراً فيه وصف محاسن
النساء والخمر وغيرهما من المحرمات لا يختلف فى تحريمه، لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير
ممن ينسب إلى الخير، حتى لقد ظهرت من كثير منهم فعلات المجانين والصبيان، حتى رقصوا
بحركات متطابقة وتقطيعات متلاحقة، وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القرب
وصالح الأعمال والله المستعان. اهـ
وقال الخطابي: وأما الترنم بالبيت والبيتين وتطريب الصوت بذلك مما ليس فيه فحش أو ذكر
محظور فليس مما يسقط المروءة، وحكم اليسير منه خلاف حكم الكثير. اهـ
وقد اشتهر عن الإمام الغزالى أنه يبيح الغناء، وقد أطال القول فى حكم السماع فى كتابه الإحياء
ننقل نبذاً منه، ثم ننظر الرأى فيها، ومن أراد المطول فليرجع إليه، والله المستعان.
قال: اعلم أن السماع هو أول الأمر، ويثمر السماع حالة فى القلب تسمى الوجد، ويثمر الوجد
تحريك الأطراف، إما بحركة غير موزونة، فتسمى الاضطراب، وإما موزونة فتسمى التصفيق
والرقص ... ثم عرض لمذاهب العلماء فى السماع فقال:
أما نقل المذاهب فقد حكى القاضى أبو الطيب الطبري عن الشافعى ومالك وأبى حنيفة وسفيان
وجماعة من العلماء ألفاظًا يستدل بها على أنهم رأوا تحريمه، ثم أخذ يسرد ألفاظهم ليوجهها فيما
بعد على أنها لا تدل على التحريم، فقال:
١٢٧
قال الشافعى - رحمه الله - فى كتاب آداب القضاء: إن الغناء لهو يشبه الباطل، ومن استكثر
منه فهو سفیه ترد شهادته.
وقال القاضى أبو الطيب: استماعه من المرأة التى ليست بمحرم له لا يجوز عند
أصحاب الشافعى - رحمه الله - بحال، سواء أكانت مكشوفة أو من وراء حجاب، وسواء
أكانت حرة أو أمة. وقال: قال الشافعى -رحمه الله -: صاحب الجارية إذا جمع الناس
لسماعها فهو سفيه ترد شهادته.اهـ
قال: وأما مالك - رحمه الله - فقد نهى عن الغناء، وقال: إذا اشترى جارية، فوجدها مغنية كان
له ردها، وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا ابن سعد وحده.
وأما أبو حنيفة ه فإنه كان يكره ذلك، ويجعل سماع الغناء من الذنوب، وكذلك سائر أهل
الكوفة، وسفيان الثورى، وحماد، وإبراهيم، والشعبى وغيرهم. اهـ.
ثم أخذ الغزالى جاهداً محاولاً إثبات جواز السماع محاولات تستحق أن ينظر إليها أو يرد عليها،
وأبرز أدلته بالنص قوله:
١- فعل السماع كثير من السلف الصالح، صحابي وتابعي بإحسان.
٢- لم يزل الحجازيون عندنا بمكة يسمعون السماع فى أفضل أيام السنة وهى الأيام المعدودات
التى أمر الله عباده فيها بذكره، ولم يزل أهل المدينة مواظبين كأهل مكة على السماع إلى زماننا هذا،
فأدركنا أبا مروان القاضى وله جوار يسمعن الناس التلحين قد أعدهن للصوفية.
٣- نقل أبو طالب المكي أنه كان لعطاء جاريتان تلحنان، فكان إخوانه يستمعون إليهما. وقال:
ورأيت فى بعض الكتب محكياً عن الحارث المحاسبي ما يدل على تجويزه السماع مع زهده وتصاونه
وجده فى الدين وتشميره. وقال: وكان ابن مجاهد لا يجيب دعوة لا يكون فيها سماع.
قال: وكان أبو الحسن العسقلاني الأسود من الأولياء يسمع ويوله عند السماع. وحكى عن بعض
الشيوخ أنه قال: رأيت أبا العباس الخضر عليه السلام، فقلت له: ما تقول فى هذا السماع الذى
اختلف فيه أصحابنا؟ فقال: هو الصفو الزلال الذى لا يثبت عليه إلا أقدام العلماء.
وحكى عن ممشاد الدينورى أنه قال: رأيت النبى ® في النوم، فقلت: يارسول اللّه هل
تذكر من هذا السماع شيئاً؟ فقال: ما أنكر منه شيئاً، ولكن قل لهم يفتتحون قبله بالقرآن،
ويختمون بعده بالقرآن. اهـ
وهذه الأدلة ينقصها ثبوتها عن أربابها، وأكثرها مروي بصيغة التمريض -نقل وحكى- بالبناء
للمجهول، ثم هى - مع ذلك - أفعال لمن أعماله ليست بحجة [أبو مروان القاضى - عطاء - الحارث
المحاسبى - أبو الحسن العسقلانى - بعض الشيوخ - ممشاد الدينورى].
ثم يستدل الغزالى بعد ذلك بأن الشرع يمتدح الصوت الحسن ويستنكر الصوت القبيح،
ويأن صوت المرأة فى غير الغناء ليس بعورة، وبأن الشعر لا يحرم سماعه، وأن الحداء فى
١٢٨
سير الإبل مشهور، وبأن الأنصار استقبلوا هجرة الرسول،® بإنشاد [طلع البدر علينا .... ].
ويستدل من حديث عائشة على الرخصة فى الغناء المشبه بمزمارة الشيطان، ويدعى أن
الرسول # بمنعه أبا بكر من الإنكار أباح الغناء.
وهكذا يبدو الغزالى فى بحثه وكأنه يبيح الغناء على الإطلاق، وهكذا حاول المتحللون - أو
المحللون أو المنحلون - أن يلتقطوا بعض نصوصه كبرهان على حل ما يفعلون، وأخذ شياطينهم
﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ رُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ وَلِتَصْغَى
إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونُ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣،١١٢].
والمحقق يرى أن الإمام الغزالى فى ناحية وهؤلاء المحللين فى ناحية أخرى، فمقصد الغزالى نوع
خاص من المستمعين ونوع خاص من الغناء، فهو يقول: فإن قلت: هل للغناء حالة يحرم فيها؟
فأقول: إنه يحرم بخمسة عوارض: عارض فى السمع، وعارض فى الآلة، وعارض فى نظم الصوت،
وعارض فى نفس المستمع أو فى مواظبته، وعارض فى كون الشخص من عوام الخلق، لأن أركان
السماع هى المسمع والمستمع وآلة الإسماع.
العارض الأول: أن يكون المسمع امرأة لا يحل النظر إليها وتخشى الفتنة من سماعها، وفى
معناها الصبي الأمرد الذى تخشى فتنته، وهذا حرام لما فيه من خوف الفتنة، بل لوكانت المرأة
بحيث يفتتن بصوتها فى المحاورة من غير ألحان فلا يجوز محاورتها ومجادلتها ولا سماع صوتها
فى القرآن أيضاً.
العارض الثاني: فى الآلة بأن تكون المزامير والأوتار وطبل الكوبة فهذه ثلاثة أنواع ممنوعة.
العارض الثالث: فى نظم الصوت وهو الشعر، فإن كان فيه شىء من الخنا والفحش والهجو
فسماع ذلك حرام، وكذلك ما كان فيه وصف امرأة بعينها فإنه لا يجوز وصف المرأة بين الرجال.
العارض الرابع: فى المستمع، وهو أن تكون الشهوة غالبة عليه، وكان فى غرة الشباب فالسماع
عليه حرام سواء غلب على قلبه حب شخص معين أو لم يغلب، فإنه كيفما كان فلا يسمع وصف
الصدغ والخد والفراق والوصال إلا ويحرك ذلك شهوته، وينزله على صورة معينة ينفخ الشيطان بها فى
قلبه فتشتعل فيه نار الشهوة، وغالب القلوب الآن قد فتحها جند الشيطان وغلب عليها، فلا يجوز
تحريك شوقها إلى ما لا يحل، وأكثر العشاق والسفهاء من الشباب فى وقت هيجان الشهوة لا
ينفكون عن إضمار شىء من ذلك، وذلك ممنوع فى حقهم لما فيه من الداء الدفين.
العارض الخامس: أن يكون الشخص من عوام الخلق، وهذا إذا اتخذ السماع عادة وقصر عليه
أكثر أوقاته، فهذا هو السفيه الذى ترد شهادته، فإن المواظبة على اللهو جناية.اهـ
فمن هذه اللقطات يتضح أن الإمام الغزالى مع الجمهور تماماً فى غناء اليوم فهو يرى:
أولاً: أن غناء امرأة أمام الرجل غير المحرم حرام، وكذا غناء الصبي الأمرد الذى لا لحية له، وهذا
عامة غناء اليوم.
١٢٩
ثانياً: وأن الغناء بالمزامير والأوتار حرام. وهذا لا يخلو منه غناء اليوم.
ثالثا: وأن عبارات الغناء إذا اشتملت على الخنا ووصف المرأة بين الرجال حرام. وهو الأصل
والكثير فى غناء اليوم.
رابعاً: وأن سماع الشباب حرام.
خامساً: وأن سماع العوام إذا كثر فهو حرام.
إذن الغزالى يتكلم عن غناء يشبه الترنم والحداء، وهو لا يكاد يوجد فى عالمنا، ويقصد نوعاً خاصاً
من المستمعين وهم - كما يقول -: الذين غلب عليهم حب الله تعالى، فالذي يغلب عليه حب الله
تعالى يتذكر بسواد الصدغ مثلا ظلمة الكفر، وبنضارة الخد نور الإيمان، ويذكر الوصال لقاء الله تعالى،
وبذكر الفراق الحجاب عن الله تعالى فى زمرة المردودين، فالسماع يحدث أحوالاً من المكاشفات
والملاطفات لا يحيط الوصف بها، يعرفها من ذاقها وينكرها من ضعف حسه عن ذوقها، وتسمى تلك
الأحوال بلسان الصوفية وجداً، ثم تكون تلك الأحوال أسباباً للصفاء الذى يحصل به مشاهدات
ومكاشفات، وهى غاية مطلب المحبين للَّه تعالى. انتهى كلام الغزالى بتصرف.
أفبعد هذا يقال: إن الغزالى يبيح سماع غناء اليوم؟ ولجماهير مستمعي الغناء اليوم؟ اللَّهم. لا.
ثم إن الغزالى فى هذا البحث عنى السماع وقصده، أما القائم بالغناء فقد استحسن بشأنه عبارة
الشافعى، فقال: وقد نص الشافعى فى الرجل يتخذه صناعة: لا تجوز شهادته.
قال الغزالى: وذلك لأنه من اللَّهو المكروه الذى يشبه الباطل، ومن اتخذه صنعة كان منسوباً إلى
السفاهة وسقوط المروءة، فإن كان لا ينسب نفسه إلى الغناء، ولا يؤتى لذلك، ولا يؤتى لأجله، وإنما
يعرف بالصوت الحسن فيترنم أحياناً لم يسقط هذا مروءته، ولم يبطل شهادته. وحديث الجاريتين
فى بيت عائشة شاهد على هذا. والله أعلم.
ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم
١- جواز دخول الرجل على ابنته وهى عند زوجها بدون سبق استئذان من الزوج إذا كان له
بذلك عادة.
٢- وتأديب الأب ابنته بحضرة الزوج، وإن تركه الزوج، إذ التأديب وظيفة الآباء، والعطف مشروع من
الأزواج للنساء. ذكره الحافظ ابن حجر وهو واضح فى الرواية الرابعة فى قولها: ((فانتهرني)».
٣- ومن قول أبى بكر: ((أبمزمور الشيطان فى بيت رسول اللَّه ﴿)). أن مواضع أهل الخير وأهل
الفضل والصالحين تنزه عن الهوى واللغو ونحوه، وإن لم يكن فيه إثم. ذكره النووى.
٤- وفيه أن التابع للكبير إذا رأى بحضرته ما يستنكر أو ما لا يليق بمجلسه يذكره، ولا يكون فى ذلك
افتيات على الكبير، بل هو أدب ورعاية حرمة وإجلال للكبير من أن يتولى ذلك بنفسه، فلا يقال:
كيف ساغ للصديق إنكار شىء أقره النبى {#؟
١٣٠
٥- وفيه فتوى التلميذ بحضرة شيخه بما يعرف من طريقته. قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن
يكون أبو بكر ظن أن النبى ® نام ولا يعلم بالغناء، لكونه دخل فوجده مغطى بثوبه، فظنه نائماً،
فخشى أبو بكر أن يستيقظ فيغضب على ابنته، فبادر إلى سد هذه الذريعة.
٦- فى اضطجاعه صلى اللّه عليه وسلم على الفراش، وتحويله وجهه وتسجيه بثوبه إعراض أهل
الفضل عن اللهو المباح. قال الحافظ ابن حجر: فعدم إنكاره صلى الله عليه وسلم دال على تسويغ
مثل ذلك على الوجه الذى أقره إذ لا يقر على باطل، والأصل التنزه عن اللعب واللهو فيقتصر على
ما ورد فيه النص وقتاً وكيفية، تقليلاً لمخالفة الأصل. اهـ
على أن إنكاره صلى الله عليه وسلم لإنكار أبى بكر دليل واضح على إجازته لمثل ذلك.
٧- واستدل النووى بحالته صلى الله عليه وسلم على حسن خلقه ورأفته وحلمه، فقد حول وجهه لئلا
يستحيين فيقطعن ما هو مباح لهن.
٨- وفى قوله: ((فإنها أيام عيد)). تعليل الأمر والحكم، لأن أبا بكرلما أنكرما رأى مستصحبا ما تقرر
عنده من منع الغناء واللَّهو أوضح له النبى { الحكم مقرونا ببيان الحكمة والعلة.
٩- وفيه أن إظهار السرور فى الأعياد من شعار الدين، ويتبع ذلك مشروعية التوسعة على العيال فى
أيام الأعياد بأنواع التوسعة المباحة التى تحقق لهم بسط النفس وترويح البدن، والتمتع بمتع
الحياة الدنيا من المأكل والمشرب والملبس دون إسراف أو تبذير.
١٠- واستنبط منه كراهة الفرح فى أعياد المشركين والتشبه بهم. قال الحافظ ابن حجر:
وبالغ الشيخ النسفى من الحنفية فقال. من أهدى فيه بيضة إلى مشرك تعظيماً ليوم
عيدهم فقد كفر بالله تعالى. اهـ
١١- وفى قول عائشة فى الرواية الرابعة: ((فلما غفل غمزتهما فخرجتا)). مراعاة خاطر الكبير،
والاستجابة لرغبته، والتنازل عن رغبة النفس، فإنها - رضي الله عنها - مع ترخيص النبى و* لها
في ذلك راعت خاطر أبيها وخشيت غضبه عليها فأخرجتهما.
١٢ - وفيه الاكتفاء بالإشارة المفيدة المغنية عن الكلام بحضرة الكبير.
١٣- واستدل بقول عائشة فى الرواية الثانية: ((في أيام منى)). أن هذه الأيام وهى - أيام التشريق
الثلاثة التى بعد يوم النحر - داخلة فى أيام العيد ويجرى عليها حكمه فى كثير من الأحكام،
كجواز التضحية وتحريم الصوم واستحباب التكبير وغير ذلك. قاله النووى.
١٤ - وفى حديث لعب الحبشة جواز نظر النساء إلى فعل الرجال الأجانب. قال القاضى عياض: لأنه
إنما يكره لهن النظر إلى المحاسن والاستلذاذ بذلك. اهـ
وقال النووى: فى الحديث جواز نظر النساء إلى لعب الرجال من غير نظر إلى نفس البدن، قال:
وأما نظر المرأة إلى وجه الرجل الأجنبي فإن كان بشهوة فحرام بالاتفاق، وإن كان بغير شهوة ولا
١٣١
مخافة فتنة ففى جوازه وجهان لأصحابنا، أصحهما تحريمه، لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتٍ
يَغْضُضْنَ مِن أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] ولقوله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة وأم حبيبة: ((احتجبا
عنه)». أى عن ابن أم مكتوم، فقالتا: إنه أعمى؟ لا يبصرنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم:
((أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟)). وهو حديث حسن رواه الترمذي وغيره. وعلى هذا أجابوا
عن حديث عائشة بجوابين، وأقواهما أنه ليس فيه أنها نظرت إلى وجوههم وأبدانهم، وإنما
نظرت إلى لعبهم وحرابهم، ولا يلزم من ذلك تعمد النظر إلى البدن، وإن وقع النظر بلا قصد صرفته
فى الحال، والثاني لعل هذا ما كان قبل نزول الآية فى تحريم النظر، وأنها كانت صغيرة قبل
بلوغها، فلم تكن مكلفة، على قول من يقول: إن للصغير المراهق النظر. اهـ
وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى رد هذا القول الثانى بأن قولها - فى روايتنا الثانية: ((يسترني
بردائه». دال على أن ذلك كان بعد نزول آية الحجاب، وكذا قولها - فى بعض الروايات:
((أحببت أن يبلغ النساء مقامه لى)). مشعر بأن ذلك وقع بعد أن صارت لها ضرائر، أرادت الفخر
عليهن، فالظاهر أن ذلك وقع بعد بلوغها. وفى رواية ابن حبان: أن وفد الحبشة قدم سنة سبع.
فيكون عمرها حينئذ خمس عشرة سنة. اهـ
١٥ - واستدل به على الرفق بالمرأة واستجلاب مودتها.
١٦ - وبيان ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الرأفة والرحمة وحسن الخلق والمعاشرة بالمعروف.
١٧- وفى قولها: ((حتى كنت أنا التى أنصرف)). ملال المحب، وأصرح من حديثنا فى ذلك حديث
النسائي: «أما شبعت؟ أما شبعت؟ قالت: فجعلت أقول: لا. لأنظر منزلتي عنده)). وفى رواية له:
((قلت: يا رسول اللَّه، لا تعجل. فقام، ثم قال: حسبك؟ قلت: لا تعجل. قالت: وما بى حب النظر
إليهم، ولكن أحببت أن يبلغ النساء مقامه لى ومكاني منه».
١٨ - واستدل به على جواز اللعب بالسلاح على طريق التواثب للتدريب على الحرب.
١٩- واغتفار ذلك فى المسجد فى أيام العيد، ومنعه الجمهور فى المسجد إذ لا يليق به، وجعل
الترخيص خاصًا بتلك الحادثة سرورًا بقدوم وفد الحبشة.
٢٠- واستدل من فعل عمر أنه كان مقررًا عندهم تنزيه المساجد عن اللعب.
والله أعلم
١٣٢
كتاب الاستسقاء
٢٨٠ - باب صلاة الاستسقاء، ورفع اليدين بالدعاء.
١٣٣
(٢٨٠) باب صلاة الاستسقاء، ورفع اليدين بالدعاء
١٧٩٥ - { عَن عَبْدِ اللّهِ بْنِ زَيْدٍ الْمَازِيَّ﴾(١) قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِمْ إِلَى الْمُصَلّى
فَاسْتَسْقَى وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبُلَ الْقِيْلَةَ.
١٧٩٦- ٣ عَن عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ(٢) عَن عَمِّهِ قَالَ خَرَجَ النّبِيُّ : ﴿ إِلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى
وَاسْتَقْبَلَ الْقِيْلَةَ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ.
١٧٩٧ - ٣ّ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ الأنْصَارِيَّ﴾(٢) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّی
يَسْتَسْقِي وَأَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ اسْتَقْبَلَ الْقِيْلَةَ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ.
١٧٩٨ - { عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ الْمَازِيّ(٤) أَنَّهُ سَمِعَ عَمَّهُ وَكَانٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ
يَقُولُ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ يَوْمًا يَسْتَسْقِي فَجَعَلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ يَدْعُو اللَّهَ وَاسْتَقْبُلَ الْقِيْلَةَ
وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَيْنٍ.
١٧٩٩ - ٥ْعَنْ أَنَسٍ ﴾(*) قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِلَ﴿ يَوْفَعُ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ حَتَّى
يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ.
١٨٠٠- ٦ عَنْ أَنَسٍ﴾(٦) أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﴿ كَانٌ لا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِن دُعَائِهِ إِلا فِي
الاسْتِسْقَاءِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِنْطَيْهِ غَيْرَ أَنَّ عَبْدَ الأَعْلَى قَالَ يُرَى بَيَاضُ إِنْطِهِ أَوْ بَيَاضُ إِنْطَيْهِ.
١٨٠١- ٣ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(٢) أَنَّ الْبِيِّ : ﴿ّ اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ.
١٨٠٢- ﴿ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(٨) أَنَّ رَجُلا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ جُمُّعَةٍ مِن بَابٍ كَان نَحْوَ
(١) وحَدَّنَا يَحْبَى بْنُ يُحْتِى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنْهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ يَقُولُ سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدِ
الْمَازِيِّ يَقُولُ
(٢) وحَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَحْتِى أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُنْنَةَ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ عَنِ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَن عَمِّهِ
(٣) وحَدَّا يَحْتِى بْنُ يَحتَى أَخْبُرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ عَن يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَّ أَخْبُرَنِي أَبُو بَكْرِ بُّنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو أَنَّ عَبَّادَ بْنَ تْمِيمٍ
أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدِ الأَنْصَارِيِّ أَخْبَرَّهُ
(٤) وحَدَّتِي أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَّةٌ قَالاِ أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَتِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أُخْبَرَنِي عَّاهُ بْنُ تَمِيمٍ
(٥) حَدَّثَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدَُّا يَحْتِى بْنُ أَبِي بُكَيْرِ عَنِ شُعْبَةً عَنِ ثَابِتٍ عَنِ أَنْسِ
(٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بَّنُ الْمَّثَنِى حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ وَعَبْدُ الَّأَعْلَى عَن سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنْسِ
- وحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةً عَنِ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسَ بْنَّ مَّالِكٍ حَدَّثَهُمْ عَنِ النِِّيِّ :﴿ نَحْوَهُ.
(٧) وحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ حَدَّثَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَىٍ حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلّمَةً عَنِ ثَابِتٍ عَنْ أَنْسِ بْنِ مَالِكٍ
(٨) وحَدَّثْنَا يَحْتِي بْنُ يَحْتَى وَيَحْتِى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتِبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ قَالَ يَحْتَى أَخْبُرَنَا وَقَّسالَ الآخْرُوَنْ حَدََّنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَن
شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ
١٣٥
دَارِ الْقَضَاءِ وَرَسُولُ اللَّهِ:﴿ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ،وَ﴿ قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ يَا رَسُولَ
اللَّهِ هَلَكَتْ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ يُعِثْنَا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ
«اللَّهُمَّ أَغِثْنَا اللَّهُمَّ أَغِثْنَا اللَّهُمَّ أَغِثْنَا». قَالَ أَنَسٌ وَلا وَاللَّهِ مَا تَرَى فِي السَّمَاءِ مِن سَحَابٍ وَلا
فَعَةٍ وَمَا بَيْنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِن بَيْتٍ وَلا دَارِ. قَالَ فَطَلَعَتْ مِن وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التِّرْسِ فَلَمَّا
تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ. قَالَّ فَلا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبًْا. قَالَ ثُمَّ دَخَلَ
رَجُلٌ مِن ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ:﴿ قَائِمٌ يَخْطُبُ فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا، فَقَالَ
يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتْ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا. قَالَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ
﴿ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ «اللَّهُمَّ حَوْلَنَا وَلا عَلَيْنَا اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظَّرَابِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتٍ
الشَّجَرِ» فَانْقَلَعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ. قَالَ شَرِيكٌ فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَهُوَ الرَّجُلُ
الأَوَّلُ؟ قَالَ: لا أَدْرِي.
١٨٠٣-١° عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ◌َُ(٤) قَالَ أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَّةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِوَلِ فَيْنَا
رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ
الْمَالُ وَجَاعَ الْعِبَالُ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ. وَفِيهِ قَالَ «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلا عَلَيْنَا» قَالَ فَمَا
يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ إِلا تَفَرَّجَتْ، حَتَّى رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ فِي مِثْلِ الْجَوْبَةِ وَسَالَ وَادِي قَنَاةَ شَهْرًا،
وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِن نَاحِيَةٍ إِلا أَخْبَرَ بِجَوٍْ.
١٨٠٤ - ١١ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(١٠) قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَامَ إِلَيْهِ
النَّاسُ فَصَاحُوا وَقَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَحَطَ الْمَطَرُ وَاحْمَرَّ الشَّجَرُ وَهَلَكَتْ الْبَهَائِمُ. وَسَاقَ
الْحَدِيثَ. وَفِيهِ مِنْ رِوَايَةٍ عَبْدِ الأَعْلَىِ فَقَشَّعَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ. فَجَعَلَتْ تُمْطِرُ حَوَالَيْهَا. وَمّا
تُمْطِرُ بِالْمَدِينَةِ قَطْرَةٌ. فَنَظَرْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَإِنَّهَا لَّفِي مِثْلِ الإِكْلِيلِ.
١٨٠٥ - ١١ عَنْ أَنَسٍ مَ﴾(١١) بِنَحْوِهِ وَزَادَ فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ السَّحَابِ وَمَكَثْنَا حَتَّى رَأَيْتُ الرَّجُلَ
الشَّدِيدَ تَهُمُّهُ نَفْسُهُ أَنْ يَأْتِيّ أَهْلَهُ.
١٨٠٦ - ١٣ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(١٢) قَالَ جَاءَ أَغْرَابِيٍّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِلَ﴿لَيَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ
عَلَى الْمِنْبَرِ. وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ. وَزَادَ فَرَأَيْتُ السَّحَابَ يَتَمَزَّقُ كَأَنَّهُ الْمُلَاءُ حِينَ تُطْوَى.
(٩) وحَدَّثَنَا دَاوُدُّ بْنُ رُشَيْدٍ حَدَّثََّا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ حَدَّثْنِي إِسْحَقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةً عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
(١٠) وحَدَّنِي عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ قَالاَ خَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ حَدَّثَّا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيَّ عَنْ أَنَسٍ
(١١) وحَدَّثْنَاهَ أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثْنَا أَبُو أُسَامَةً عَن سُلَيَّمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنِ ثَابِتٍ عَن أَنّسِ
(١٢) وَحَدَّقَّا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ حَدِّثِّي أُسَامَةُ أَنَّ خَفْصَ بْنَ عُبَّدِ اللَّهِ بْنِ أَنْسِ بْنِ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ
ابْنَّ مَالِكٍ يَقُولُ
١٣٦
١٨٠٧ - ١٣ عَنْ أَنَسٍ﴾(١٣) قَالَ: قَالَ أَنَسّ أَصَابَنَا وَنَّحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِعَ مَطَرٌ. قَالَ
فَحَسَرَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ْ ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ مِن الْمَطَرٍ. فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمْ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ
«لأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى».
١٨٠٨ - ثُم عَن عَائِشَةَ زَوْجِ النّبِيِّ ◌َ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(١٤) قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ إِذَا
كَان يَوْمُ الرِّيحِ وَالْغَيْمِ عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرَّ بِهِ وَذَهَبَ عَنْهُ
ذَلِكَ. قَالَتْ عَائِشَةُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ «إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَكُونُ عَذَابًا سُلْطَ عَلَى أُمَّتِي» وَيَقُولُ إِذَا
رَأَى الْمَطَرَ «رَحْمَةٌ».
١٨٠٩-١١ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٥) زَوْجِ النَّبِيِّفَ أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ
﴿ إِذَا عَصَفَتْ الرِّيحُ قَالَ «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَمَا
أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّمَا أُرْسِلَتْ بِهِ». قَالَتْ وَإِذَا
تَخَيَّلَتْ السَّمَاءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَخَرَجٌ وَدَخَلَ وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ فَعَرَفْتُ
ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ فَسَأَنَّهُ فَقَالَ «لَعَلْهُ يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ فَلَمًّا
رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا».
١٨١٠ - ١٦ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٦) زَوْجِ النّبِيِّ ◌ِ﴿ أَنْهَا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ
رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ إِنَّمَا كَانَ يَبَسَّمُ. قَالَتْ
وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ. فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَى
النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الْغَيْمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونُ فِيهِ الْمَطَرُ وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عَرَفْتُ فِي
وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَّةَ؟ قَالَتْ فَقَالَ «يَا عَائِشَةُ مَا يُؤْمِنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ قَدْ عُذِّبَ
قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا».
(١٣) وحَدَّثَّا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى أَخْبُرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانُ عَنْ ثَابِتِ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ
(١٤) حَدََّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنٍ فَعْنَبٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ يَعْنِيَ ابْنَ بِلالٍ عَنْ جَعْفَرٍ وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ عَن عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَّبَاحٍ أَنْهُ
سَمِعَ عَائِشَةً تَقُولُ
(١٥) وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَخْبُرْنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ جُرَيْجٍ يُحَدِّثْنَا عَنِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رِبَاحِ عَنِ عَائِشَةً
(١٦) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ حَدَّثْنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ حٍ وَحَدَّثَنِّي أَبُوَ الطَّاهِرِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَنَا
عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّقَّهُ عَن سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَائِشَةٌ
١٣٧
١٨١١- ١٣ عَنْ ابْنٍ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١٧) عَنِ النّبِيِّ : ﴿ أَنْهُ قَالَ «نُصِرْتُ بِالصًِّا
وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدّبُورِ».
المعنى العام
نعم الله على عباده لا تعد ولا تحصى، وصدق اللَّه العظيم حين يقول: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا
تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]. وحين يقول: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةٌ وَيَاطِئَةٌ﴾ [لقمان: ٢٠]. ولكن
الإنسان ينسى المنعم فى الوقت الذى يتمتع فيه بنعمه، ويحسبها أحياناً وجهلاً أنها من حقه أو من
كده وجهده، ولا يعترف بالحقيقة ولا يحس بقيمة النعمة إلا عند فقدها، وقديماً قيل: الصحة تاج على
رءوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى.
عندئذ يلجأ إلى ربه ويدعوه ويستغيث به، وصدق اللَّه العظيم حيث يقول: ﴿وَمَا بِكُمْ مِن نِعْمَةٍ فَمِنْ
اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّفَإِلَيْهِ تَجْأَّرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَّبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾
[النحل: ٥٤،٥٣]. وحيث يقول: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرِّدَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعَمَةً مِنْهَ نَسِيَ
مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ [الزمر: ٨]. وحيثَ يقول: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةٌ ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ
إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ [هود: ٩]. نعم شاءت رحمة اللَّه بعباده أن يذكرهم بنعمه بين الحين والحين
بحجبها حجب نقصان ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٌ﴾ [الشورى: ٣٠]
شاءت رحمة الله بعباده أن يعيدهم إليه بعد ابتعاد، ويلجئهم إلى دعائه وندائه بعد نسيان، وأن
يذكرهم بنعمه عن طريق الفقدان، إذ ليس من مصلحتهم دوام النعمة وبسطها ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرَّوْقَ
لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فى الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] ومن مظاهر
هذه الحكمة الجدب بعد الرخاء، والقحط بعد الغيث، ثم تعود الرحمة بالمطر.
إن الذين يعيشون على الغيث، وتقوم حياتهم على المطر يحسون الحاجة إليه أكثر من غيرهم،
ويشعرون بتأخيره يوماً أو أياماً عن موعده ويتحرقون انتظاراً له، وهكذا كثير من أهل الأرض، ومن
يستطيع إنزال المطر غير اللَّه؟ ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشَرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ
الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨].
لقد قحط العرب، وأجدبت أرضهم، وهلكت مواشيهم فى عهد رسول الله﴿ فطلبوا من رسول اللَّه
* أن يطلب من ربه رفع البلاء، وإنزال الغيث، ولم يشأ رسول اللّه أن يسارع بالدعاء قبل أن
يستغيث الناس ويشعروا بالحاجة، ويعودوا إلى ربهم، ويحاسبوا أنفسهم. لقد صبر وصابر وهو يحس
(١٧) وحَذَِّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ حَدَّنَا غُنْدَرٌ عَنِ شُعْبَةً حٍ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَابْنُ بَشَارٍ قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفٍ
حدثنا شعبةُ عَن الْخگْمِ عَن مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ
- وحَذْقَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالا حُدًَّا أَبُو مُعَاوِيَّةً ح وحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَّرَ بْنٍ مُحَمَّدٍ بْنِ أَبَّانِ الْجُعْفِيُّ
حَدَّثْنَا عَبْدَةُ يَعْنِي أَبْنَ سُلَيْمَانَ كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مَسْعُودٍ بْنِ مَالِكٍ عَن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنَ ابَّنِ عَبَّاسٍ رضي اللّه عنهما
عن النّبِيِّ څ بِمِثْلِهِ
١٣٨
حاجة الناس وشدتهم حتى دخل عليه المسجد أعرابى، وهو صلى الله عليه وسلم يخطب الجمعة
فقال: يا رسول اللَّه، هلكت المواشى من العطش وانقطاع المرعى هلك العيال، وهلكت الناس من
ضعف الأقوات بحبس المطر، وانقطعت الطرق لعدم سفر التجار بالأقوات. انقطع المطر، وجف
الشجر، فاستسق لنا ربك، ادع الله أن يسقينا، فرفع الرسول # يديه ورفع المسلمون أيديهم، قال:
اللَّهم اسقنا. وقال المسلمون: آمين. وقال: اللَّهم اسقنا. وقال المسلمون: آمين.
وكانت السماء صافية، لا يحجبها عن الرؤية بيت أو جبل أو شجر، لا يرى الناس فيها سحابة
صغيرة، فما أتم رسول الله - دعاءه حتى تجمعت السحب وثار السحاب كأمثال الجبال، وهطلت
الأمطار كأفواه القرب، حتى صعب على المصلين أن يخرجوا من المسجد ليصلوا إلى بيوتهم، وظلت
تمطر أسبوعاً حتى خشى على البيوت، فلما كانت الجمعة الأخرى دخل الرجل نفسه المسجد على
رسول اللَّه ◌َلّ وهو يخطب، فقال: يا رسول الله، كثرة المطر أضربنا، فلم تستطع المواشي أن ترعى،
ولم يستطع التجار التنقل بالأقوات. فادع لنا الله أن يمسك المطر، فرفع الرسول { ل يديه وقال: اللَّهم
اجعل المطر حوالينا بعيداً عن البيوت، اجعله على الجبال وقيعان الوديان التى تمسكه ليشرب
الناس منه عند الحاجة، فأمسكت السماء عن المدينة، وظلت تمطر على الروابى. ومرة أخرى قحط
الناس، فخرج رسول اللّه * بالمسلمين إلى المصلى بالصحراء فرفع يديه بالدعاء، وصلى ركعتين
الاستسقاء ثم خطب الناس، وأمرهم بالتوبة والتقوى وكثرة التضرع للَّه والدعاء، وهكذا شرعت صلاة
الاستسقاء، وضرب صلى اللّه عليه وسلم المثل الأعلى فى خشية اللَّه والخوف من العقاب فكان
ينزعج السحاب حتى يمطر، فقد عذب به قوم من البشر، وينزعج للريح والعواصف فقد هلك بها قوم
من البشر، فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
المباحث العربية
(عبد الله بن زيد المازنى) وفى الرواية الثالثة ((الأنصارى)) قال الحافظ ابن حجر: راوى
حديث الاستسقاء عبد الله بن زيد بن عاصم المازنى الأنصارى الخزرجى، وراوى حديث الأذان عبد
اللَّه بن زيد بن عبد ربه الأنصارى الخزرجى، وقد اتفقا فى الاسم واسم الأب والنسبة إلى الأنصار، ثم
إلى الخزرج والصحبة والرواية، وافترقا فى الجد.
(فاستسقى) السين والتاء للطلب، أى طلب السقيا، والسقيا بضم السين الاسم من السقى. قال
الحافظ: والاستسقاء لغة. طلب سقى الماء من الغير، للنفس أو للغير، وشرعاً: طلبه من اللّه عند
حصول الجدب على وجه مخصوص.
(وحول رداءه) كان بعض لباس العرب من قطعتين. إزار يلف حول الوسط فيستر من السرة أو
ما فوقها بقليل إلى ما يقرب من القدم، ورداء وهو ما يستر النصف الأعلى.
وذكر الواقدى: أن طول ردائه صلى الله عليه وسلم كان ستة أذرع فى ثلاثة أذرع، وطول
١٣٩
إزاره أربعة أذرع وشبرين فى ذراعين وشبر، كان يلبسهما صلى الله عليه وسلم فى الجمعة
والعيدين. اهـ.
والمراد من تحويل الرداء جعل اليمين على الشمال، والشمال على اليمين كما جاء فى بعض
الروايات، وهذا هو المراد من قوله فى الرواية الثانية: ((وقلب رداءه)). إذ جعل العطاف الأيمن على
العاتق الأيسر، والعطاف الأيسر على العاتق الأيمن لا يكون إلا بقلب الباطن ظاهرًا والظاهر باطنًا،
أو قلب الأمام خلفًا والخلف أمامًا.
(عن عباد بن تميم عن عمه) عمه هو عبد الله بن زيد المازنى الأنصارى السابق الذكر فى
الرواية الأولى.
(فجعل إلى الناس ظهره) هذا لازم للإمام إذا استقبل القبلة هو والناس.
(كان لا يرفع يديه فى شىء من دعائه إلا فى الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه)
الاستثناء مقدم من تأخير، إذ المراد لا يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه إلا فى الاستسقاء، أما غير
الاستسقاء فيرفع يديه لكن ليس حتى يرى بياض إبطيه.
(حتى يرى بياض إبطه أو بياض إبطيه) شك من الراوى عن أنس فيما قاله
أنس. والمعنى لا يختلف.
(أن رجلاً دخل المسجد) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه. اهـ والمراد من المسجد
مسجد رسول اللّه ﴿ بالمدينة.
(من باب كان نحودار القضاء) فى رواية البخارى ((من باب كان وجاه المنبر)) أى فى
مواجهة المنبر.
قال النووى: قال القاضى عياض: سميت دار القضاء لأنها بيعت فى قضاء دين عمربن الخطاب
ضُه الذي كتبه على نفسه وأوصى ابنه عبد الله أن يباع فيه ماله، فإن عجز ماله استعان ببنى عدى،
ثم بقريش، فباع ابنه داره هذه لمعاوية، وكان يقال لها: دار قضاء دين عمر، ثم اقتصروا فقالوا: دار
القضاء، وهى دار مروان. اهـ وغرض الراوى من ذكر هذه العبارة التوثيق من الرواية بذكر ملابساتها.
(هلكت الأموال) المراد بها الماشية، كما هو لفظ بعض الروايات، وفى رواية ((هلكت الكراع))
بضم الكاف، ويطلق على الخيل وغيرها.
(وانقطعت السبل) وفى رواية ((وتقطعت)) والمراد بذلك أن الإبل ضعفت عن السفر لقلة
القوت، أو لكونها لا تجد فى طريقها من الكلأ ما يقيتها. وقيل: المراد نفاد ما عند الناس من الطعام،
أو قلته، فلا يجدون ما يحملونه وما يجلبونه إلى الأسواق.
١٤٠