Indexed OCR Text

Pages 1-20

شِرْح صَحِيح مُسِئُلِمٍ
تَابَعُ كتَابْ صَلاة المسَافِرهن
كتابُ الجمعة - كتاب العيدين
كتابٌ صَلاة الاستسقاء-كتاب الكسوف
كتاب الجنائز -كتابُ التَّكَة- كتابُ الصَّومُ
الجزُ الرّبيع
الأستاذ الدكتور
موسىُ شَاهُين لاشين
دار الشروق

قَبُ المُعِ
شِعُرْع صَحِيح مُسِسُلِمٍ

جَمَيْع حقُوق النّشر والطَّيع تَحَقُوظَة
الطَّبَعَّة الأولى
١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢م
دار الشروق
القاهرة: ٨ شارع سيبويه المصري - رابعة العدوية - مدينة نصر
ص.ب .: ٣٣ البانوراما - تليفون: ٤٠٢٣٣٩٩ - فاكس: ٤٠٣٧٥٦٧ (٢٠٢)
e-mail: dar@ shorouk.com
www.shorouk.com
بيروت: ص.ب .: ٨٠٦٤ - هاتف: ٣١٥٨٥٩ - ٨١٧٢١٣ - فاكس: ٣١٥٨٥٩ ١ (٩٦١)

1
13

تابع
كتاب صلاة المسافرين
٢٦٩ - باب بيان أن القرآن أنزل على سبعة أحرف.
٢٧٠ - باب ترتيل القراءة واجتناب الهذ.
٢٧١ - باب ما يتعلق بالقراءات.
٢٧٢ - باب الأوقات التى نهى عن الصلاة فيها.
٢٧٣ - باب استحباب ركعتين قبل صلاة المغرب.
٢٧٤ - باب صلاة الخوف.
0

(٢٦٩) باب بيان أن القرآن أنزل على سبعة أحرف
١٦٤٣-٠ ٢٧ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَ﴾(٢٧٠) قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ
سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرٍ مَا أَقْرَؤُهَا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ،ِ﴿ أَفْرَأَنِيهَا، فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ
أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ ◌َُّهُ بِدَائِهِ فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ﴿ه ◌َقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنّي
سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرٍ مَا أَقْرَأْتِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿َ: «أَرْسِلْهُ اقْرَأْ)».
فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَهِ: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ» ثُمَّ قَالَ لِي: «اقْرَأْ».
فَقَرَأْتُ فَقَالَ: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أَنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَخْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَسَّرَ مِنْهُ)»
١٦٤٤ - ٢٧١ عَنْ عُمَّرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَ﴾(٢٧١) قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةً
الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِوَ﴿ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ. وَزَادَ: فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلاةِ
فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ.
١٦٤٥- ٢٢٢ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٢٧٢) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ: ﴿ قَالَ: «أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ
عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ فَيَزِيدُنِي حَتّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةٍ أَحْرُفٍ».
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: بَلَغَنِي أَنَّ ◌ِلْكَ السَّبْعَةَ الأَخْرُفَ إِنَّمَا هِيَ فِي الأَمْرِ الَّذِي يَكُونُ وَاحِدًا لا
يَخْتَلِفُ فِي حَلالٍ وَلا حَرَامٍ.
١٦٤٦ - ٢٧٣ عَنْ أَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ◌َ﴾(٢٧٣) قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي فَقْرَأَ
قِرَاءَةٌ أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ قِرَاءَةٌ سِوَى قَرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلاةَ دَخَلْنَا
جَمِيعًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ّ فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا قَرَأْ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ وَدَخَلَ آخَرُ فَقْرَأْ سِوَى
قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ. فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِلَلَ فَقَرَّأَ فَحَسَّنَ النَّبِيُّ:﴿ْ شَأْنَهُمَا، فَسَقَطَ فِي نَفْسِي مِن
(٢٧٠) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَخْبِى قَالَ فَرَأْتُ عْلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَن عُرْوَةً بْنِ الزُّبِيْرِ عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِيِّ قَالَ:
سَمِعْتُ عُمَّرَ بْنَ الْخَطَّابِ تَقُولُ
(٢٧١) وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى أَخْبُرْنَا ابْنُ وَهْبِ أَخْبُرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَبِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبْرِ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخَرَمَةَ
وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ الْقَارِيَّ أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَّرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ
- حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالا أَخْبُرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ كَرِوَايَةٍ يُونُسَ بِإِسْنَادِهِ.
(٢٧٢) وحَدَّثَنِيَ حَرْمَلَّةُ بْنُّ يَحْتَى أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ هِيهَابٍ حَدَّثْتِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ غَتْبَةً أَنَّ ابْنَ
عَبَّاس حَدَّثَهُ
- وحَدْفَاهْ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرّزَّاقِ أَخْبُرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ.
(٢٧٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ نُمَيْرٍ حَدََّا أَبِي حَدَّقَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ أَبِّي خَالِدٍ عَنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي
لَيْلَى عَن جَدِّهِ عَن ◌ُبَيِّ بْنِ كَعْبَ
٧

التَّكْذِيبِ وَلا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ﴿ مَا قَدْ غَشِيَتِي ضَرَبَ فِي
صَدْرِي فَفِضْتُ عَرَقًّا وَكَأنْمَا أَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَرَقًا فَقَالَ لِي: «يَا أُبَيُّ أُرْسِلَ إِلَيَّ أَنْ اقْرَأْ
الْقُرْآنْ عَلَى حَرْفٍ فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّانِيَةَ اقْرَأُهُ عَلَى حَرْقَيْنِ،
فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّالِئَةَ اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةٍ أَحْرُفٍ، فَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ
رَدَدْتُكُهَا مَسْأَلَةٌ تَسْأَلُنِيِهَا، فَقُلْتُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لُأُمَّتِي وَأَخْرْتُ الثِّئَةَ لِيَوْمِ
يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ خَتَّى إِبْرَاهِيمُ ﴿)».
١٦٤٧ -- عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﴾ِ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى فَقَرَاً
قِرَاءَةً. وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ ثُمَيْرٍ.
١٦٤٨ - ٧٤ ٢ عَنْ أَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ◌َِ(٢٧٤) أَنَّ النَّبِيِّنَّكَانَ عِنْدَ أَضَاةِ بَنِي غِفَارِ قَالَ: فَأَتَاهُ
جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامِ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأْ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ». فَقَالَ: «أَسْأَلُ
اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ وَإِنَّ أُمَِّي لا تُطِيقُ ذَلِكَ» ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُّكَ أَنْ تَقْرَأَ
أُمَّنُكَ الْقُرْآنُ عَلَى حَرْقَيْنٍ». فَقَالَ: «أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ وَإِنَّ أُمَّتِي لا تُطِيقُ ذَلِكَ». ثُمَّ
جَاءَهُ النَّلِئَةَ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُّكَ أَنْ تَقْرَأْ أُمَّنُكَ الْقُرْآنَ عَلَى ثَلاثَةِ أَحْرُفٍ». فَقَالَ: «أَسْأَلُ
اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ وَإِنَّ أُمَّتِي لا تُطِيقُ ذَلِكَ». ثُمَّ جَاءَهُ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ
أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةٍ أَحْرُفٍ فَأَيُّمَا حَرْفٍ قَرَءُوا عَلَيْهِ فَقَدْ أَصَابُوا».
المعنى العام
يقول جل شأنه: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلاً﴾ [المزمل: ٥] وصدق اللَّه. فما أصعب
قراءة القرآن وحفظه على الأميين وعلى أصحاب اللهجات المختلفة والألسنة غير العربية،
لم يحصل فى أمة من الأمم أن التزمت حفظ نص كتابها كما التزم المسلمون حفظ نص
القرآن الكريم، وما أكبره وما أعظمه إذا قيس به غيره من كتب الأنبياء، نعم فما أصعب
الحفظ والنطق إذا لم يكن معه تيسير، وما أصعبه حين يأمر الله نبيه على لسان جبريل أن
يأمر أمته أن يقرءوا القرآن على حرف واحد، فيشفق على أمته الرحيم بها فيرجوريه أن
- حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدَّثَّا مُحَمِّدُ بْنُ بِشْرٍ حَدَّثْنِي إِسْمَعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ حَدَّقَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى عَن عَبْدٍ
الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى أَخْبَرَنِي أُبِيُّ بُنُ كَعْبٍ
(٢٧٤) وحَلَّنَا أَبُوَ بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا غْدَرٌ عَنِ شَعْبَةً حٍ وَحَدََّاهِ ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَ ابْنُ الْمُثَنِى حَدَثْنَا مُحَمَّدُ بْنِ
جَعْفَرٍ خَدَّثَنَا شُعْبَةٌ عِنْ الْحُكْمِ عَنِ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ
- وخُذْنَه عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثْنَا أَبِي حَدََّا شَعْبَةُ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَةً.
٨

ييسر على أمته وأن يهون عليها القراءة وأن ييسرلها مجال الالتزام، فيأتى التيسير بالتزام
حرفين وتغييرين فيكرر رجاء لربه أن يهون أكثر حتى يأتيه التيسير فى المرة الرابعة أن
يقرئ أمته القرآن على سبعة أحرف. ويقرئ الرسول وصحابته بحروف مختلفة، فيحفظ
كل على ما أقرأه رسول الله:﴿ ويقرأ كل على ما حفظ، ويسمع بعضهم قراءة لم يعهدها ولم
يقرئه رسول الله إياها، ويمسك بعضهم ببعض مخطئاً إياه ويرفع الأمر إلى رسول الله
* حدث هذا مع كثير من الصحابة، وأبرز وقائعه ما كان بين عمر وقارئ آخر، وما كان
بين أبى بن كعب وقارئين آخرين، ويسمع رسول الله# قراءة كل تخالف قراءة الآخر،
ويستحسن كل ما سمع ويقول لكل منهم: هكذا أنزلت. ويندهش عمر وأبى، وبسرعة يرفع
رسول اللَّهِ مَ﴿ هذه الدهشة، ويزيل من صدورهم ما يهجس به الشيطان، ويقول لهم: إن
جبريل أقرأه القرآن على حرف واحد، فطلب من ربه التيسير على أمته فيسر القراءة على
حرفين، فلم يزل يستزيده التيسير حتى أقرأه القرآن على سبعة أحرف، فأى حرف أقرأهم
به صلى الله عليه وسلم فهو صواب، وهو منزل من عند الله، ولا ينبغى عنده اختلاف. وقد
حددت مواطن الخلاف بإقراء الرسول # أصحابه، فأى حرف ثبت أخذه عمن أنزل عليه
القرآن بالتواتر، ووافق ما أجمعت عليه الأمة من الرسم العثماني، فهو حق، وهو من عند
اللَّه الذى أنزل الكتاب وتولى حفظه حيث يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّالَهُ
لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
المباحث العربية
(هشام بن حكيم بن حزام) له ولأبيه صحبة، وكان إسلامهما يوم الفتح.
(يقرأ سورة الفرقان) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف فى شيء من طرق حديث عمر على
تعيين الأحرف التى اختلف فيها عمر وهشام من سورة الفرقان.
(على غير ما أقرؤها) فى رواية البخارى: ((يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول اللَّه ﴿).
(فكدت أن أعجل عليه) أى أتعجل مؤاخذته وأخرجه من الصلاة، وفى ملحق الرواية:
((فكدت أساوره فى الصلاة)) بالسين، أى آخذ برأسه، أو أواثبه.
(ثم أمهلته حتى انصرف) أى انتهى من الصلاة وسلم، وفى ملحق الرواية:
((فتصبرت حتى سلم)».
(ثم لببته بردائه) قال النووى: ((لبيته)) بتشديد الباء الأولى. معناه أخذته بمجامع ردائه فى
عنقه وجررته به، مأخوذ من اللبة بفتح اللام وهى المنحر.
(أرسله) أى دع ما تقبض عليه من ثيابه، وذلك ليتمكن من القراءة بيسر وحرية.
٩

(القراءة التى سمعته يقرأ) عائد الصلة مفعول ((يقرأ)» محذوف، أى يقرؤها.
(فلم أزل أستزيده) أى أطلب المزيد من الرفق والمعافاة والتخفيف.
(فسقط فى نفسى من التكذيب ولا إذ كنت فى الجاهلية) فى رواية للطبرى:
((فوجدت فى نفسى وسوسة الشيطان حتى احمر وجهى)). قال النووي: معناه وسوس لى
الشيطان تكذيباً للنبوة أشد مما كنت عليه فى الجاهلية، لأنه فى الجاهلية كان غافلاً. أو
متشككاً، فوسوس له الشيطان الجزم بالتكذيب. قال القاضى عياض: معنى قوله ((سقط فى
نفسي)» أنه اعترته حيرة ودهشة. قال: وقوله: ((ولا إذ كنت فى الجاهلية)). معناه أن
الشيطان نزع فى نفسه تكذيباً لم يعتقده. قال: وهذه الخواطر إذا لم يستمر علبها لا يؤاخذ
بها. قال المازري: معنى هذا أنه وقع فى نفس أبى بن كعب نزعة من الشيطان غير مستقرة
ثم زالت فى الحال حين ضرب النبى {₪ بيده فى صدره ففاض عرقًً.اهـ
وفاعل سقط ((من التكذيب)) على أن ((من)) تبعيضية، والواو عاطفة، أى وقع فى نفسى بعض
التكذيب ولا يشبهه تكذيبى حين كنت فى الجاهلية.
(ففضت عرقًا) يقال: فضت عرقًا وفصت عرقًا بالضاد والصاد، والرواية هنا بالضاد.
(وكأنما أنظر إلى الله عز وجل فرقًا) بالراء المفتوحة، أى خوفًا وخجلاً مما
غشيه من الشيطان.
(كان عند أضاة بنى غفار) قال النووى: هى بفتح الهمزة وبالضاد، وهى الماء المستنقع
كالغدير، وجمعها أضا، كحصاة وحصى، وإضاء بكسر الهمزة والمد كأكمة وإكام. اهـ. وهو موضع
بالمدينة، ينسب إلى بنى غفار- بكسر الغين وتخفيف الفاء - لأنهم نزلوا عنده.
فقه الحديث
أمام الأحاديث المصرحة بنزول القرآن على سبعة أحرف، وهى أحاديث صحيحة لا سبيل إلى
ردها، بل قال بعضهم بتواتر الحديث المذكور. أمام هذه الأحاديث كثرت أقوال العلماء فى معنى
الأحرف والمراد بها، وبقاء الأحرف إلى اليوم أو عدم بقائها حتى بلغت الأقوال - فى عد السيوطى -
أربعين قولاً، نقتصر منه على أقواها وأدقها، وما له حظ من القبول منها.
ويؤخذ من مجموع الأحاديث أولاً وقبل عرضها خمسة أصول، وهي:
١- أن الإلزام بالقراءة على حرف واحد فى أول الأمركان فيه حرج ومشقة على الأمة، لاختلاف
لهجاتها ولغاتها ولضعف مرونة ألسنتها لأنها أمة أمية، وفيها العجوز والشيخ الفانى الذى لا يقدر
على النطق بما لا يعهد.
١٠

٢- وأن المقصود من الزيادة إلى سبعة أحرف هو تيسير القراءة وتسهيل النطق والفهم.
٣- وأن الأمة كانت مخيرة فى القراءة بأى حرف من هذه الأحرف السبعة غير ملزمة
بحرف خاص منها.
٤- وأن الصحابة كانوا يقرءون قراءات مختلفة حتى استنكر بعضهم قراءة البعض واحتكموا إلى
رسول اللَّه ◌ِ﴾.
٥- وأن النبى و﴿ صوب قراءة كل منهم، وأقرهم على قراءاتهم، وأنه هو الذى أقرأهم إياها، وأن كل
قراءة منزلة من عند الله.
هذه الأصول الخمسة، ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند تقدير كل قول من هذه الأقوال، فإن بعض
الأقوال بعد عنها كل البعد، وبعضها انحرف عنها بعض الانحراف.
وهذه هى الأقوال ومناقشاتها:
أولا: ذهب بعض العلماء إلى أن حديث إنزال القرآن على سبعة أحرف مشكل، لا يعرف المراد
منه، لأن الحرف يطلق فى اللغة - كما فى القاموس - على: طرف الشيء، وشفيره، وحده، ومن الجبل
أعلاه المحدد، وعلى أحد حروف الهجاء، وعلى الناقة الضامرة، وعلى سيل الماء، وعلى الوجه.
وهذه الإطلاقات الكثيرة تدل على أن لفظ الحرف مشترك لفظي، والمشترك اللفظى إذا لم يظهر
المراد منه بقرينة كان مشكلاً. والله أعلم بمراده منه.
ويرد هذا القول بأن المشترك اللفظى إذا وجدت قرينة تبين المعنى المراد منه لا يكون مشكلاً،
وقد قامت قرائن تمنع بعض معانيه وتعين بعضها الآخر، لأنه لا يصح أن يراد أحد حروف الهجاء،
لأن القرآن مؤلف من جميع حروف الهجاء لا من سبعة منها فقط، ولا يصح أن يراد له طرف الشيء
ولا الناقة الضامرة ولا مسيل الماء، فتعين أن يراد منه الوجه، وإذا تعين أحد وجوه المشترك اللفظى
بمثل هذه القرائن لم يكن مشكلاً.
ثانيا: ذهب بعضهم إلى أن حقيقة العدد غير مقصودة، بل المقصود التيسير والتسهيل والتوسعة
على الأمة بوجوه متعددة كثيرة، والتعبير بالسبعة فى عرف الشرع يراد به الكثرة فى الآحاد، قال
تعالى: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرُ﴾ [لقمان: ٢٧] كما أن التعبير بالسبعين يراد به الكثرة فى
العشرات قال تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْلَهُمْ سُّبْعِينَ مَرَّةٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]. وهذا القول لا
يلتزم تحديد وجوه التيسير، وإليه جنح القاضى عياض.
لكنه مردود ببعض الأحاديث الدالة على أن حقيقة العدد مقصودة، وأن الأوجه منحصرة فى
سبعة، فحديث أبي بن كعب - روايتنا الثالثة والرابعة- فيه مراجعة وتحديد بالسبعة.
ثالثا: ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام وأبو حاتم السجستانى إلى أن المراد من الأحرف السبعة
لغات سبع متفرقة فى القرآن كله، بمعنى أن بعض معانى القرآن عبر عنه بلفظ من لغة اليمن،
١١

وبعضها عبر عنه بلفظ من لغة هذيل وهكذا، فألفاظ القرآن تمثل سبع لغات لأهم سبع قبائل عربية
وهذا لا يمنع كون القرآن نزل بلغة قريش، إذ أغلبه وأكثره بلغة قريش، وهذه الألفاظ الممثلة للغات
أهم القبائل قليلة جدا.
واختار هذا القول الأزهرى فى التهذيب، واختاره أيضاً ابن عطية وقال: وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا
جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] ولم يقل ((قرشياً)).
ورد هذا القول بأنه يتنافى مع ما علم من الأحاديث من أن الهدف من الأحرف السبعة التيسير
ورفع الحرج، فإنه والحالة هذه لا تخيير فى القراءة بل الكلام ملزم بلفظ واحد، ولا يمكن حينئذ تصور
اختلاف الصحابة فى القراءة وإقرار النبى كلا منهم على قراءته.
رابعاً: ذهب بعضهم إلى أن الأحرف لغات عربية فى كلمة واحدة، وكان من تيسير اللَّه على الأمة
أن يقرأ كل قوم بلغتهم، فالهذلى يقرأ: ((على حين)) يريد ((حتى حين)). والأسدى يقرأ: ((لا تعلمون))
بكسر أوله، والتميمى يهمز، والقرشى لا يهمز، ولو أراد كل منهم أن يتحول عن لغته وما جرى عليه
لسانه لشق عليه غاية المشقة، فيسر الله عليهم، واستمرهذا التيسير حتى جمع عثمان الناس على
قراءة واحدة.
ويرد هذا القول الاختلاف الباقى فى القراءات حتى اليوم، ثم هو لا يتحدد بسبع لا فى كلمة ولا
فى الكل.
خامسا: ذهب أهل الفقه والأصول والحديث منهم سفيان وابن وهب وابن جرير الطبرى
والطحاوى إلى أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات فى كل كلمة واحدة ومعنى واحد، مثل: هلم
وأقبل وتعال وعجل وأسرع وقصدى ونحوي، فهذه ألفاظ سبعة فى معنى طلب الإقبال. ويستدل هذا
الرأى بقراءة أبي بن كعب: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٠]. ((كلما أضاء لهم مروا فيه)).
((كلما أضاء لهم سعوا فيه)). وما جاء فى قراءة ابن مسعود: ((يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين
آمنوا أمهلونا)). ((يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا أخرونا نقتبس)».
ويلتزم أصحاب هذا الرأى أن يقولوا: إن هذه الأوجه كانت جائزة فى أول الأمر، ثم نسخت إلا
وجهاً فى العرضة الأخيرة، وهى التى نسخ عليها عثمان مصاحفه.
ويرد على هذا الرأى بندرة الكلمات التى يوجد لها سبعة مرادفات فلا يتأتى التيسير، ولا يتأتى
رفع الحرج، بل أنكرابن قتيبة أن يكون فى القرآن كلمة تقرأ على سبعة أوجه، على أنه يؤدى إلى أن
الاختلاف فى أوجه القراءة قد انتهى، مع أن الأمة أجمعت على صحة القراءات الكثيرة المتواترة.
سادسا: هناك آراء أخرى أضعف من الآراء السابقة منها:
(أ) قول بعضهم: الأحرف السبعة أصناف سبعة: أمر، ونهى، وحلال، وحرام، ومحكم،
ومتشابه، وأمثال.
(ب) وقول بعضهم: وعد، ووعيد، وحلال، وحرام، ومواعظ، وأمثال، واحتجاج.
١٢

(ج) وقول بعضهم: محكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وخصوص وعموم وقصص.
(د) وقول بعضهم: مطلق ومقيد، وعام وخاص، ونص ومؤول، وناسخ ومنسوخ، واستثناء
وغير ذلك (والعدد لا مفهوم له).
وترد هذه الأقوال بأنه لا يتأتى فيها الاختلاف فى القراءة ولا التيسير على الأمة.
سابعا: وأصح الآراء وأقواها فى تصورنا وأحراها بالقبول عندنا ما ذهب إليه الإمام الرازى
وحاصله أن الكلام لا يخرج عن سبعة أحرف فى الاختلاف:
( أ) اختلاف الأسماء من إفراد وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث، ويمكن التمثيل له بقوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨]. إذ قرئ: ((لأماناتهم)) بالجمع،
و«لأمانتهم» بالإفراد.
(ب) اختلاف تصريف الأفعال من ماض ومضارع وأمر، ويمكن التمثيل له بقوله تعالى:
﴿فَقَالُوا رَيَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩]. قرئ بنصب ((رينا)) على النداء ويلفظ
((باعد)) على فعل الأمر، وقرئَّ: ((ربنا بعد)) برفع ((ربنا)) على الابتداء ويلفظ ((بعد))
ماضيا مضعف العين خبر المبتدأ.
(ج) اختلاف وجوه الإعراب، ويمكن التمثيل له فى الأفعال بقوله تعالى: ﴿وَلا يُضَارَّکَاتِبٌ وَلا
شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قرئ بفتح الراء على أن ((لا)) ناهية، والفعل مجزوم، وقرئ بضم الراء
على أن ((لا)) نافية، والفعل بعدها مرفوع، ويمكن التمثيل له فى الأسماء بقوله تعالى: ﴿ذُو
الْعَرْشِ الْمَجِيدٌ﴾ [البروج: ١٥]. قرئ برفع لفظ ((المجيد)) على أنه نعت لكلمة ((ذو))، وقرئ
بجره على أنه نعت لكلمة ((العرش)).
وهذه الأحرف الثلاثة موافقة للرسم العثمانى، لأنه كان خالياً من النقط ومن الشكل.
(د) الاختلاف بالنقص والزيادة، ويمكن التمثيل له بقوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا
الأَنْهَارُ﴾ [التوبة: ١٠٠] فى سورة التوبة، وقرئ ((تجرى من تحتها الأنهار)) بزيادة لفظ: ((من))
وهما قراءتان متواترتان، وقد وافقت كل منهما رسم المصحف، فالأولى بدون ((من)) وافقت
رسم غير المصحف المكي، والتى بزيادة «من» وافقت رسم المصحف المكي.
ومن هذا الوجه، الزيادة والنقص، مما لا يوافق رسم المصحف، كقراءة: ((وكان وراءهم
ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا)). بزيادة لفظ. ((صالحة)). وقراءة: ((والذكر والأنثى)).
بحذف لفظ: ((وما خلق)). فإن زيادة ((صالحة)) ونقص ((وما خلق)) مخالفة لخط جميع
المصاحف العثمانية ولذا تركت هذه القراءة وعدت منسوخة فى العرضة الأخيرة.
(هـ) الاختلاف بالتقديم والتأخير، ويمكن التمثيل له بقوله تعالى ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةٌ
الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩] فقد قرئ: ((وجاء سكرة الحق بالموت)). ولكن القراءة
١٣

الثانية لا توافق رسم مصحف من المصاحف العثمانية، فتركت وعدت منسوخة
التلاوة فى العرضة الأخيرة.
ومثال ما وافق المصحف من هذا الوجه قوله تعالى فى سورة التوبة: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ
وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [التوبة: ١١١]. قرئ بالفعل الأول مبنياً للمعلوم والثانى مبيناً للمجهول، وقرئ
بالعكس والقراءتان متواترتان.
(و) الاختلاف بالإبدال، ويمكن التمثيل له بقوله تعالى: ﴿وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِرُهَا﴾
[البقرة: ٢٥٩]. بالزاى وبالراء. قراءتان متواترتان. وكذا قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبٍَ
فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]. قرئ: ((فتثبتوا)). قراءتان متواترتان موافقتان لرسم المصحف.
ومثال ما لم يوافق رسم المصحف قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى
ذِكْر اللّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. قرئ: ((فامضوا إلى ذكر اللَّه)). وهى مخالفة لرسم جميع المصاحف
العثمانية فتركت وعدت منسوخة التلاوة فى العرضة الأخيرة.
(ز) اختلاف اللغات - أى اللّهجات، كالفتح والإمالة والترقيق والتفخيم والإظهار والإدغام ونحو
ذلك، ويمكن التمثيل له بقوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [طه: ٩]. بالفتح والإمالة فى
((أتى)) وفى ((موسى)) وهذا الوجه موافق دائماً لرسم المصحف، لأنه تغيير فى النطق الشكلى
وليس فى جوهر الكلمة.
وهذا الرأى يتمشى مع الأصول الخمسة المستفادة من مجموع الأحاديث التى سبق بيانها، كما
أنه يعتمد على الاستقراء التام لمرجع اختلاف القراءات كما أنه يتمشى مع بقاء الأحرف السبعة
إلى اليوم، كما أنه لا يلزمه محذور، وكل اعتراض عليه يمكن رده. والله أعلم.
(ملحوظة) قال أبو شامة: ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هى التى أريدت فى
الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل. اهـ
وقال مكى بن أبى طالب: هذه القراءات التى يقرأ بها اليوم وصحت رواياتها عن الأئمة جزء من
الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن. وأما من ظن أن قراءة هؤلاء كنافع وعاصم هى الأحرف السبعة
التى فى الحديث فقد غلط غلطاً عظيماً. اهـ
ويؤخذ من الحديث
١- تيسير اللّه تعالى على الأمة ورحمته بهم.
٢- شفقته صلى الله عليه وسلم بأمته، حيث طلب من الله تعالى التيسير وراجعه عدة مرات. ويؤخذ
من روايتنا الثالثة أن التيسير بسبعة أحرف جاء فى الردة الثالثة، ومن الرواية الرابعة أن التيسير
بسبعة أحرف جاء فى الردة الرابعة. قال النووي: هذا مما يشكل معناه والجمع بين الروايتين،
وأقرب ما يقال فيه أن قوله فى الرواية الثالثة: ((فرد إلى الثالثة)». المراد بالثالثة الأخيرة وهى
١٤

الرابعة، فسماها ثالثة مجازاً، وحملنا على هذا التأويل تصريحه فى الرواية الرابعة أن الأحرف
السبعة إنما كانت فى المرة الرابعة، وهى الأخيرة، ويكون قد حذف فى الرواية الثالثة أيضاً بعض
المرات. اهـ فالوهم من الراوي.
٣- ومدى عناية الصحابة بالقرآن والذب عنه والمحافظة عليه وعلى لفظه كما سمعوه من
غير عدول عنه.
٤- ومن تصرف عمر مع الرجل يؤخذ ما كان عليه - رضى الله عنه - من الشدة فى الأمر بالمعروف
والنهى عن المنكر، وإنما فعل ذلك عن اجتهاد منه لظنه أن هشاما خالف الصواب، واستساغ ذلك
لرسوخ قدمه فى الإسلام وسابقته، بخلاف هشام، فإنه كان قريب العهد بالإسلام فهو من مسلمة
الفتح، فخشى عمر من ذلك أن لا يكون أتقن القراءة، بخلاف نفسه فإنه كان قد أتقن ما سمع.
٥- تقدير الرسول # الغيرة الإسلامية وعدم تعنيفه من يشتد بسببها، فقد اكتفى بقوله لعمر:
((أرسله))، ولم ينكر عليه إمساكه الرجل من تلابيبه وسحبه إلى الرسول وُ ل﴾.
٦ - ومن قوله فى الرواية الثالثة: ((فسقط فى نفسي .... إلخ)). العفوعن نزغات الشيطان وخطرة النفس
التى لا تستقر، وعدم المؤاخذة عليها، لأنه لا يقدر على دفعها.
٧- ومن الرواية الثالثة أيضاً بركة النبى: ﴿ حيث أزالت ضربته فى صدر أُبَيّ هاجس
النفس وخواطر الشيطان.
٨- وأنه كان لنبينا* ثلاث دعوات مستجابة، أى محققة الإجابة بوعد الله، وأما غير هذه الدعوات
فهى على رجاء الإجابة، وكثيراً ما أجيب دعاؤه. قال المحققون: يتعين أن يكون متعلق الثانية
غير متعلق الأولى، لأنه لواتحد متعلقهما كانتا دعوة واحدة، فلم تكن الدعوات ثلاثا، فمتعلق
الأولى الدعاء لمن وجد من الأمة، ومتعلق الثانية من سيوجد. وقيل: الأولى للمفرطين فى الطاعة،
والثانية للمفرطين فى المعصية.
٩- ثبوت شفاعته صلى الله عليه وسلم لجميع الأمم، حيث ادخر دعوته الثالثة ليوم الموقف العظيم.
والله أعلم
١٥

(٢٧٠) باب ترتيل القراءة واجتناب الهذ
١٦٤٩- ٢٧٥ عَنْ أَبِي وَائِلٍ(٢٧٥) قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ نَهِيكُ بْنُ سِنَانٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ:
يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَيْفَ تَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفَ أَلِفًّا تَجِدُهُ أَمْ يَاءً مِن «مَاءٍ غَيْرٍ آسِنٍ» أَوْ مِن «مَاءِ
غَيْرٍ يَاسِنٍ»؟ قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَكُلَّ الْقُرْآنِ قَدْ أَحْصَيْتَ غَيْرَ هَذَا؟ قَالَ: إِنِّي لِأَقْرَأُ الْمُفَصَّلَ
فِي رَكْعَةٍ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذَّا كَهَذُ الشِّعْرِ؟ إِنَّ أَقْوَامًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنُ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ وَلَكِنْ
إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ فَرَسَخَ فِيهِ نَفَعَ، إِنَّ أَفْضَلَ الصَّلاةِ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ، إِنّي لأَعْلَمُ النَّظَائِرَ
الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ يَقْرُدُ بَيْنَهُنَّ سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. ثُمَّ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ فَدَخَلَ عَلْقَمَةُ
فِي إِثْرِهِ ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: قَدْ أَخْبَرَبِي بِهَا. قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: جَاءَ رَجُلٌ مِن يَنِي بَجِيلَةَ إِلَى
عَبْدِ اللَّهِ وَلَمْ يَقُلْ نَهِكُ بْنُ سِنَانٍ.
١٢٥٠ - ٢٧٦ عَنْ أَبِي وَائِلٍ(٢٧٦) قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ يُقَالُ لَهُ: نَّهِكُ بْنُ سِنَانٍ بِمِثْلٍ
حَدِيثٍ وَكِيعٍ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَجَاءَ عَلْقَمَةُ لِيَدْخُلَ عَلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ: سَلْهُ عَنِ النّظَائِرِ الْتِي كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ﴿ يَقْرَأُ بِهَا فِي رَكْعَةٍ. فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ: عِشْرُونَ سُورَةً مِن
الْمُفَصَّلِ فِي تَأْلِيفِ عَبْدِ اللَّهِ.
١٦٥١ - ٢٧٧ عَنِ الأَعْمَشِ(٢٧٧) فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا وَقَالَ: إِنِّي لأَعْرِفُ النَّظَائِرَ
الْتِي كَانَ يَقْرَأُ بِهِنَّ رَسُولُ اللَّهِلَّ الْتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ عِشْرِينَ سُورَةً فِي عَشْرِ رَكَعَاتٍ.
١٦٥٢ -٣٧٨ عَنْ أَبِي وَائِلٍ(٢٧٨) قَالَ: غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَوْمًا بَعْدَ مَا صَلَّيْنَا
الْغَدَاةَ فَسَلَّمْنَا بِالْبَابِ فَأَذِنْ لَنَا، قَالَ: فَمَكَثْنَا بِالْبَابِ هُنَّةٌ. قَالَ: فَخَرَ جْتِ الْجَارِيّةُ فَقَالَتْ: أَلا
تَدْخُلُونَ؟ فَدَخَلْنَا فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ يُسَبِّحُ. فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا وَقَدْ أُذِنَ لَكُمْ؟ فَقُلْنَا: لا
إِلا أَنَّا ظَّنَّا أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْبَيْتِ نَائِمٌ. قَالَ: ظَْتُمْ بِآلِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ غَفْلَةٌ. قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ يُسَبِّحُ
حَتَّى ظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ طَلَعَتْ فَقَالَ: يَا جَارِيّةُ انْظُرِي هَلْ طَلَعَتْ؟ قَالَ: فَنَظَرَتْ فَإِذَا هِيَ لَمْ
تَطْلُغْ. فَأَقْبَلَ يُسَبِّحُ حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ طَلَعَتْ قَالَ: يَا جَارِيَّةُ انْظُرِي هَلْ طَلَعَتْ؟
فَنَظَرَتْ فَإِذَا هِيَ قَدْ طَلَعَتْ. فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَقَالْنًا يَوْمَنًا هَذَا (فَقَالَ مَهْدِيٌّ وَأَحْسِبُهُ
(٢٧٥) حَدَّنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَابْنُ نُمَيْرِ جَمِيعًا عَن وَكِعٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَن الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَاِلٍ
(٢٧٦) وحذََّا أَبُو كُرَّيْبٍ حَدَّثْنَا أَبُوِ مُعَاوِيَةً غُنَ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ
(٢٧٧) وحذَّثَنَاه إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبُرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسََ حَدَّثْنَا الأَغْمَشُ
(٢٧٨) حَدَّثَنَا شَّاتُ بْنُ فَرُّوَخَ حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَّيْمُونٍ حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ
١٦

قَالَ). وَلَمْ يُهْلِكْنَا بِذُنُوبِنًا. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِن الْقَوْمِ قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ الْبَارِحَّةَ كُلَّهُ. قَالَ: فَقَالَ
عَبْدُ اللَّهِ. هَذَّا كَهَذّ الشِّعْرِ، إِنَّا لَقَدْ سَمِعْنَا الْقَرَائِنَ وَإِنِّي لأَحْفَظُ الْقَرَائِنَ الَّتِي كَانَ يَقْرَؤُهُنَّ
رَسُولُ اللَّهِ ﴿ْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِن الْمُفَصَّلِ وَسُورَيْنِ مِن آلٍ حم.
١٦٥٣ - ٢٢٩ عَنْ شَقِيقٍ(٢٧٩) قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِن بَنِي بَجِيلَةَ يُقَالُ لَهُ: نَهِيكُ بْنُ سِنَانٍ إِلَى عَبْدِ
اللَّهِ فَقَالَ: إِنِّي أَقْرَأُ الْمُفَصَّلَ فِي رَكْعَةٍ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذَّا كَهَذِ الشِّعْرِ؟ لَقَدْ عَلِمْتُ النَّظَائِرَ
الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللّهِوَ﴿ يَقْرَأُ بِهِنَّ سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ.
١٦٥٤ - ٥٠ْ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةً( ١٠٠) أَنْهُ سَمِعَ أَبًا وَائِلٍ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ
فَقَالَ: إِنِّي قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ اللَّيْلَةَ كُلَّهُ فِي رَكْعَةٍ. فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ: هَذَّا كَهَذِ الشِّعْرِ؟ فَقَالَ عَبْدُ
اللَّهِ: لَقَدْ عَرَفْتُ النّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ يَقْرُكُ بَيْتَهُنَّ. قَالَ: فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةٌ مِن
الْمُفَصَّلِ سُورَتَيْنِ سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ.
المعنى العام
لقراءة القرآن الكريم أصول وآداب، فأهم أصولها إخراج الحروف من مخارجها وإعطاؤها حقها
من تجويد التلاوة. وأهم آدابها التأمل والتدبر، ولهذا أمر القرآن الكريم بالترتيل حيث يقول: ﴿وَرَقِّلْ
الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]. ولا شك أنه كلما حصل التأني فى القراءة كلما كانت فرص التدبر أكبر،
وكلما أسرع القارئ كانت فرصة التدبر أقل حتى إذا أفرط فى الإسراع تلاشت فرصة التدبر أو كادت
حتى يصبح القرآن مجرد مرور على اللسان لا يصل القلب، ومن آداب حملة القرآن عدم المباهاة به،
وعدم المراءاة بكثرة قراءته.
لقد جاء نهيك بن سنان إلى عبد الله بن مسعود إمام قراء العراق فقال له: كيف تقرأ: ((من ماء
غير آسن)»؟ بالهمزة ((غير آسن)»؟ أم بالياء (غير ياسن»؟ وعرف ابن مسعود أن الرجل يتحزلق
ويتشدق ويتفيهق عليه، فأعرض عن جوابه وسأله: هل أتقنت القرآن كله ولم يعد أمامك إلا هذه
المسألة؟ وزاد الرجل فى افتخاره فقال: إني اقرأ المفصل كله -أكثر من أربعة أجزاء من القرآن- فى
ركعة واحدة من صلاة الليل، وقد فعلت ذلك الليلة. وأراد ابن مسعود أن يحد من خيلاء الرجل وزهوه
وفخره فقال له: أظنك بهذه الطريقة تفرط فى السرعة فى القراءة حتى تخرج عن القراءة المشروعة
التي سنها رسول اللّه، فلقد كان * يجمع بين سورتين من المفصل فى الركعة لصلاة الليل، وإني
لأعلم السور التى كان يجمع بينها فى كل ركعة، عشرون سورة فى عشر ركعات، أما وهذه حالتك
(٢٧٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ الْجُعْفِيُّ عَنِ زَائِدَةً عَنِ مَنْصُورٍ عَنْ شَقِيقٍ
(٠٠٠) حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثْنِى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَ ابْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدََّا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةً
١٧

فأنت تهذ القراءة هذا، وتسرع بها إسراعاً، لا تكاد قراءتك تتجاوز لسانك إلى قلبك، وما أبعدك عن
العمل بسنة رسول الله﴿ فى القراءة وفى الصلاة وفى آداب حامل القرآن.
المباحث العربية
(نهيك بن سنان) بفتح النون وكسر الهاء، وهو الرجل فى الرواية الثالثة والخامسة،
والقصة واحدة.
(يا أبا عبد الرحمن) كنية عبد الله بن مسعود، والنداء بالكنية رمز التقدير والاحترام.
(كيف تقرأ هذا الحرف؟) حرف الهجاء يقصد الهمزة الممدودة فى ((آسن)». والماء
الآسن هو المتغير.
(وكل القرآن قد أحصيت غير هذا؟) ((كل)» مفعول مقدم لأحصيت والكلام على الاستفهام
للتبكيت، لأنه فهم أن الرجل غير مسترشد، وإنما هو متفيهق يدعى العلم والفقه، ولو فهم ابن مسعود
أنه مسترشد لأجابه.
(إني لأقرأ المفصل فى ركعة) صدقت نظرة ابن مسعود فى الرجل المتباهي بعلمه المفتخر
بحفظه، والمفصل من القرآن قيل: من أول القتال. وقيل: من الحجرات. وقيل: من ق. أقوال كثيرة مع
الاتفاق على أن منتهاه آخر القرآن، ويقسمونه إلى طوال المفصل وقصار المفصل. وسمي مفصلاً
لقصر سوره وقرب انفصال بعضهن من بعض.
(هذَّا كهذ الشعر) ((هذَّا)) بفتح الهاء وتشديد الذال المنونة، أى سرداً وإفراطاً فى السرعة، وهو
منصوب على المصدر، والكلام على الاستفهام الإنكارى بحذف أداة الاستفهام، وأصل الهذ الدفع،
والمراد من هذ الشعر ما كانوا عليه من الإسراع فى حفظه وروايته، لا في ترنمه وإنشاده.
(لا يجاوز تراقيهم) أى لا يتعدى التراقي إلى القلب، فهو مرور على اللسان فحسب، والتراقى
عظام بين النحر والحلق.
(إنى لأعلم النظائر) أى السور المتماثلة فى المعاني كالموعظة والحكم أو القصص، لا
المتماثلة فى عدد الآى وسيظهر ذلك فى فقه الحديث.
(يقرن بينهن) بضم الراء وكسرها، أى يجمع بينهن سورتين فى كل ركعة.
(ثم قام عبد اللّه) فدخل إحدى حجرات بيته لما سيظهر من الرواية الثالثة من أن الكلام كان
فى البيت.
(عشرون سورة من المفصل فى تأليف عبد اللّه) أى فى ترتيب عبدالله بن مسعود للسور
فى مصحفه، وفى فقه الحديث زيادة تفصيل لذلك.
١٨

(بعد ما صلينا الغداة) صلاة أول النهار، وهى الفجر.
(فمكثنا بالباب هنية) بضم الهاء وفتح النون وتشديد الياء المفتوحة. وفى القاموس: هنية
مصغرة هنة بفتحتين، أصلها بفتح الهاء وسكون النون، أى شيء يسير، ويروي فى الحديث هنيهة
بإبدال الياء هاء.
(ألا تدخلون؟) ((ألا)) أداة عرض أو تحضيض، وهما للطلب لكن العرض طلب بلين.
(جالس يسبح) أى يذكر الله وينزهه، وجملة ((يسبح)) فى محل النصب حالية.
(فقلنا: لا. إلا أنا ظننا) ((لا)) فى قوة جملة، أى لم يمنعنا شيء إلا أنا توهمنا أن بعض أهل
البيت نائم، فالظن هنا مراد منه التوهم، وليس رجحان الاعتقاد كما هو عند الأصوليين.
(ظننتم بآل ابن أم عبد غفلة) ابن أم عبد هو ابن مسعود، فكأنه قال: ظنتم بآلی غفلة عن
صلاة الصبح حاضرًا، فقد كان ذلك بين الفجر وطلوع الشمس، والكلام على الاستفهام الإنكارى.
(الحمد لله الذى أقالنا يومنا هذا) أى أحيانا يومنا هذا.
(قرأت المفصل البارحة كله) أى فى ركعة كما هو فى الروايات الأخرى، والبارحة أقرب
ليلة مضت.
(ثمانية عشر من المفصل وسورتين من آل حم) أى السورة التي أولها ((حم)). والظاهر أن
لفظ ((آل)) زائدة كما فى ((مزمارًا من مزامير آل داود» كذا قيل. وقال الكرماني: لولا أن هذا الحرف
((آل)) ورد فى الكتابة منفصلاً وحده و((حم)) وحده لجاز أن تكون الألف واللام لتعريف الجنس، أى
وسورتين من الحواميم.
فقه الحديث
ترتيل القرآن تبيين حروفه والتأني فى الأداء مع الإتيان ببعضه إثر بعض قال تعالى: ﴿ورتل
القرآن ترتيلاً﴾ [المزمل: ٤]. وقال: ﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاس عَلَى مُكْتٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦].
والأمر بالترتيل للاستحباب، ولا يلزم من استحباب التأني كراهة الإسراع، وإنما الذى يكره الهذ، وهو
الإسراع المفرط بحيث يخفى كثير من الحروف أو لا تخرج من مخارجها.
وللعلماء فى أفضلية التأني فى الأداء مع قلة المقروء أو أفضلية الإسراع مع كثرة المقروء وجهات
نظر، فقد سئل مجاهد عن رجل قرأ البقرة وآل عمران ورجل قرأ البقرة فقط، قيامهما واحد وركوعهما
واحد وسجودهما واحد، فقال: الذى قرأ البقرة فقط أفضل. وقال رجل لابن عباس: إني رجل سريع
القراءة، إني لأقرأ القرآن فى ليلة. فقال ابن عباس: لأن أقرأ سورة أحب إلىّ.
١٩

قال الحافظ ابن حجر: والتحقيق أن لكل من الإسراع والترتيل جهة فضل بشرط أن يكون المسرع
لا يخل بشيء من الحروف والحركات والسكون الواجبات، فلا يمتنع أن يفضل أحدهما الآخر وأن
يستويا، فإن من رتل وتأمل كمن تصدق بجوهرة واحدة ثمينة، ومن أسرع كمن تصدق بعدة جواهر
لكن قيمتها قيمة الواحدة الثمينة، وقد تكون قيمة الواحدة أكثر من قيمة الأخريات وقد يكون
بالعكس. اهـ وهو کلام جید.
ويؤخذ من الأحاديث
١- من قوله فى الرواية الأولى: ((إن أفضل الصلاة الركوع والسجود)». أن إطالة الركوع: والسجود
أفضل من إطالة القراءة، وهو مذهب لابن مسعود ولبعض العلماء، ويؤيده قوله {# ((أفضل الصلاة
طول القنوت)). وقوله: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)).
٢- ومن قوله: ((سورتين فى كل ركعة)). جواز الجمع بين السور فى ركعة واحدة، لأنه إذا
جمع بين السورتين ساغ الجمع بين ثلاث فصاعدا لعدم الفرق، وقد روى أبوداود
وصححه ابن خريمة عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة: أكان رسول اللّه ◌ِ لـ
يجمع بين السور؟ قالت: نعم من المفصل.
قال عياض: حديث ابن مسعود هذا يدل على أن هذا القدر كان قدر قراءته غالباً، وأما تطويله
وقراءته البقرة والنساء وآل عمران فى ركعة كما سبق قريباً فكان نادراً.
٣- استدل بعضهم بقوله: ((عشرون سورة فى عشر ركعات». أن صلاة النبي {$# بالليل إحدى
عشرة ركعة.
٤- استدل بقوله: ((إني لأعرف النظائر .... إلخ)). استحباب اختيار النظائر حين الجمع بين
السور، وقد بين أبو داود فى رواية هذه النظائر، فقال: ((الرحمن)) و((النجم)) فى ركعة،
و(اقتربت)) و((الحاقة)) فى ركعة، و(الطور)) و((الذرايات)) فى ركعة، و(الواقعة)) و((نون))
فى ركعة، و((سأل سائل)) و(النازعات)) فى ركعة و((ويل للمطففين)) و((عبس)) فى ركعة،
و((المدثر)) و((المزمل)) فى ركعة، و((هل أتى)) و((لا أقسم)) فى ركعة، و((عم))
و((المرسلات)) فى ركعة، و((الدخان)) و((إذا الشمس كورت)) فى ركعة)). قال المحب
الطبرى: كنت أظن من النظائر أنها متساوية فى العد حتى فحصتها فلم أجد فيها
شيئًا متساويًا. اهـ فالمراد من النظائر التشابه فى المعاني. والله أعلم.
٥- يؤخذ من هذه النظائر أن قراءة السور مترتبة على المصحف ليس لازمًا.
٦- وأنه يجوز تطويل الركعة الأخيرة على ما قبلها.
٧- وفيه ما يقوى القول بأن ترتيب السور فى المصحف كان باجتهاد من الصحابة إذ كان تأليف
مصحف عبد الله بن مسعود مغايراً لتأليف مصحف عثمان.
٢٠