Indexed OCR Text

Pages 581-600

(٢٦٠) باب فضيلة العمل الدائم والأمر بالاقتصاد فى العبادة
وأمر من لحقه نوم أو ملل أن يترك حتى يذهب عنه
١٥٧٩ - ٢١٥ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٢١٥) أَنْهَا قَالَتْ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِلَّ حَصِيرٌ وَكَانَ
يُحَجِّرُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُصَلِّي فِيهِ فَجَعَلَ النَّاسُ يُصَلُونَ بِصَلاتِهِ وَيَبْسُطُ بِالنَّهَارِ فَتَابُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ
فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَمَلُ حَتّى تَمَلُّوا وَإِنَّ أَحَبَّ
الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ». وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍ وَ إِذَا عَمِلُوا عَمَلا أَثْتُوهُ.
١٥٨٠ - ٢١٢٦ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٢١٦) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّ سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى
اللَّهِ؟ قَالَ: «أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ».
١٥٨١ - ٧ ٢١ عَنِ عَلْقَمَةَ(٢١٧) قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ
كَيْفَ كَانَ عَمَلُ رَسُولِ اللَّهِ وَلَيْ؟ هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأَيَّامِ؟ قَالَتْ: لا كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةٌ
وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ يَسْتَطِيعُ؟
١٥٨٢ - ٢١٨ْ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا (٢١٨) قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَّ: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ
إِلَى اللَّهِ تَعَلَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ». قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ إِذَا عَمِلَتِ الْعَمَلَ لَزِمَتْهُ.
١٥٨٣ - ٢١٩ عَنِ أَنَسٍ ◌َ﴾(٢١٩) قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِلَ ﴿ِ الْمَسْجِدَ وَحَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ
سَارِيَتَيْنِ فَقَالَ: «هَا هَذَا؟». قَالُوا: لِزَيْنَبَ تُصَلِّي فَإِذَا كَسِلَتْ أَوْ فَتَرَتْ أَمْسَكَتْ بِهِ. فَقَالَ:
«خُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا كَسِلَ أَوْ فَتَرَ فَعَدَ». وَفِي حَدِيثِ زُّهَيْرٍ: «فَلْيَقْعُدْ».
(٢١٥) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثْنِى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ يَعْنِيِ الثّقَفِيَّ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنِ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ أَبِي
سَلّمَةً عَنِ عَائِشَةُ
(٢١٦) حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلّمَةَ يُحَدِّثُ عَنِ عَائِشَةً
(٢١٧) وحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَّ زُهَيْرٌ حَذْفَنَا جَرِيرٌ عَنِ مَنَصُورٍ عَنِ إِبْرَاهِيمَ عَنٍ عَلْقَمَةَ
(٢١٨) وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرِ حَدَّثَنَا أَبِّي حَدَّثَنَا سَّعْدُ بْنُ سَعِيدٍ أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مَّحَمَّدٍ عَنِ عَائِشَةً
(٢١٩) وحَدَّثَنَا أَبُوِ بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ حِ وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ خَرْبٍ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ عَنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ
صُهَيْبٍ عَنِ أَنَسِ
- وَحَدَّثَنَاهِ شَيَّْثَ بْنُ فَرُّوخَ حَدَّقْنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ أَنَسٍ عَّهِ عَنِ الْنِيِّ ◌ِ﴿: مِثْلَهُ
٥٨١

١٥٨٤ - ٢٣٠ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٢٢٠) زَوْجِ النَّبِيِّ نَّ أَنَّ الْحَوْلاءَ بِنْتَ تُوَيْتِ بْنِ
حَبِيبِ ابْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى مَرَّتْ بِهَا وَعِنْدَهَا رَسُولُ اللَّهِلَ فَقُلْتُ هَذِهِ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ
تُوَيْتٍ وَزَعَمُوا أَنَّهَا لا تَنَامُ اللَّيْلَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ّ: «لا تَنَامُ اللَّيْلَ خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا
تُطِيقُونُ فَوَ اللَّهِ لا يَسْأَمُ اللَّهُ حَتّى تَسْأَمُوا».
١٥٨٥ - ٢٢١ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٢٢١) قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ وَعِنْدِي امْرَأَةٌ
فَقَالَ «مَنْ هَذِهِ؟» فَقُلْتُ امْرَأَةٌ لا تَنَامُ تُصَلِّي قَالَ «عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونُ فَوَاللَّهِ لا يَمَلُّ
اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا» وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ أَنَّهَا
امْرَأَةٌ مِنَ يَنِي أَسَدٍ.
١٥٨٦- ٣٢ ٢ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٢٢٢) أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ قَالَ: «إِذَا نَعَسَ
أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاةِ فَلْيَرْقُدْ خَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ
لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ».
١٥٨٧ - ٢٢٣ عَنِ هَمَّامٍ بْنٍ مُبِّهِ(٢٢٣) قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنٍ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ
﴿ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿هَ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَاسْتَعْجَمَ الْقُرْآنُ
عَلَى لِسَانِهِ فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ فَلْيَضْطَجِعْ».
المعنى العام
من رحمة الله تعالى بالأمة الإسلامية أن رفع عنها الحرج والمشقة فى عبادتها وأراد لها اليسر
ولم يرد بها العسر، وأنزل على نبيه محمد استجابة لدعاء صحابته ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا
لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيئًا أو أَخْطَأْنَا رَيَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا
حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَّاقَةً لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا
فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
(٢٢٠) وَحَدَِّي حَرْمَلَةُ بْنُ يَخْتِى وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرّادِيُّ قَالا حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنٍ يُونُسَ عَنِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ
الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها زَوْجَ النّبِيِّ :﴿ أَخْبُرَتْهُ
(٢٢١) حَذَثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍَ قَالا حَدَّثَنَا أَبُو أُسّامَةً عَنِ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً ح وحَدَّفِي زُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ وَاللَّفْظَ لَهُ
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ هِشَامٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنٍ عَائِشَةً
(٢٢٢) حَدَّثََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي ◌َشَيْبَةً خُدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بَّنْ تُمْتَّرِ حٍ وَحَدَّثْنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي ح وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثْنَا أَبُو أُسَامَةً
جَمِيعًا عَنِ هِشَامَ بْنِ غَرْوَةً ح وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَّاللَّفْظُ لَهُ عَنِ مَالِكِ بَّنِ أَنَسٍ ◌َنِ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ عَنِ أَبِيهِ عَنِ عَائِشَةً
(٢٢٣) وحَذَّثَنَاَ مُحَمَّذَّ بْنَّ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ هَمَّامٍ بْنِ مُبِّهِ
٥٨٢

وتطبيقا وتنفيذا لهذه الرحمة الإلهية ترفق رسول اللّه * بالأمة، ودعا المشددين على
أنفسهم أن يرفقوا بها وأن لا يبالغوا فى العبادة، فقال للنفر الثلاثة الذين عزموا على قيام
الليل وصيام الدهر والبعد عن النساء: ((أما والله إنى لأخشاكم لله وأتقاكم له لكنى أصوم
وأفطر، وأصلى وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس منى.)) وهنا يرى 86# زوجه
السيدة زينب بنت جحش وقد وضعت حبلا تتعلق به ويمنعها من النوم أثناء قيامها بالليل،
فيقول: حلوه، ليصل أحدكم مادام نشيطا، وليترك الصلاة إذا فتر، لا تكلفوا أنفسكم من
العبادة إلا ما تطيقون، فإن الله لا يحب العبادة مع الملل ولا يثيب عليها الثواب الكريم.
وهكذا بحث﴿ أمته أن لا يشقوا على أنفسهم فلا يتشدد فى الدين أحد إلا غلبه، وأحب
الأعمال إلى الله أدومها وإن قل. فليتعبد المؤمن بما لا يشق عليه وعلى اللّه القبول.
المباحث العربية
( وكان يحجره من الليل ) بضم الياء وفتح الحاء وبالجيم المشددة المكسورة. وضبطه
بعضهم بفتح الياء وسكون الحاء وضم الجيم أى يتخذه حجرة أو يقيمه حجرة.
( فثابوا ذات ليلة ) أى رجعوا إلى التجمع.
( عليكم من الأعمال ما تطيقون ) بضم التاء من أطاق بمعنى قدر، وليس المعنى
ما تطيقونه، بل المعنى ما تطيقون الدوام عليه بلا ضرر ومشقة وحرج. و((عليكم)) اسم فعل
أمر بمعنى الزموا.
( فإن اللَّه لا يمل حتى تملوا) الملل السآمة، أو فتور يعرض للنفس من كثرة مزاولة شيء،
فيوجب الكلال فى الفعل والإعراض عنه، يقال: مَلَّ يَمَلُّ بفتح الميم فيهما، وفى الرواية السادسة: ((لا
يسأم حتى تسأموا ». وهما بمعنى.
والملل والسآمة بالمعنى المتعارف فى حقنا محال على الله تعالى، فيجب تأويله فى جانبه
تعالى. قال النووي: قال المحققون: معناه لا يعاملكم معاملة المالِّ فيقطع عنكم ثوابه وجزاءه وبسط
فضله ورحمته حتى تقطعوا عملكم [ هذه عبارته وكان الأولى أن يقول: لا يقطع أو لا ينقص عنكم
ثوابه حتى تملوا وتسأموا ويذهب نشاطكم، وهذا المعنى فى غاية الحسن، وفيه التنفير من العبادة مع
السآمة حيث تصبح بعيدة عن الأجر المحبوب، ويقوى هذا المعنى ما رواه الطبرى فى تفسير سورة
المزمل بلفظ: ((إن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل.)» فسمى قطعه تعالى للثواب أو
إنقاصه مللا على طريق المشاكلة لمجيئه لفظا فى صحبة ما هو ملل حقيقة ] وقيل: معناه لا يمل إذا
مللتم. وقاله ابن قتيبة وغيره، وحكاه الخطابى، قالوا: ومثاله قولهم فى البليغ: فلان لا ينقطع حتى
يقطع خصومه، معناه لا ينقطع إذا انقطع خصومه. ولو كان معناه ينقطع إذا انقطع خصومه لم يكن
له فضل على غيره. انتهى من النووی.
٥٨٣

وحاصله أن ((حتى)) هنا بمعنى ((حين)) وهذا المعنى بعيد فى الحديث إذ مآله إلى أن اللَّه لا يمل
- أى لا يمنع عطاءه عنكم حتى لو مللتم وسئمتم وعبدتم بدون نشاط- وهذا معناه الحث على العمل مع
السآمة والحرص على المشقة وهذا نقيض ما يرمى إليه الحديث.
(وإن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه) قال النووي: هكذا ضبطناه «دووم)) وكذا هو
فى معظم النسخ بواوين، ووقع فى بعضها «دوم «بواو واحدة. والصواب الأول. اهـ
(وكان آل محمد / إذا عملوا عملا أثبتوه) أى لازموه وداوموا عليه، قال النووى: والظاهر
أن المراد بالآل هنا أهل بيته وخواصه صلى الله عليه وسلم من أزواجه وقرابته ونحوهم. اهـ وقال
بعضهم: إن المراد بآل محمد محمد نفسه ، لأنه قد يقع على ذات الشىء، ومنه: ((مزمار من مزامير
آل داود)» وهو توجيه حسن. وسيأتى توضيحه بعد باب إن شاء الله.
( كان عمله ديمة) بكسر الدال وإسكان الياء أى دائما غير منقطع ومنه سمى
المطر المتوالى ديمة.
(وحبل ممدود بين ساريتين) فى رواية البخارى ((بين الساريتين ((أى العمودين اللذين
فى جانب المسجد.
( قالوا: لزينب ) أى هذا الحبل لزينب، أى بنت جحش أم المؤمنين. بهذا جزم كثير
من الشراح.
( فإذا كسلت ) بكسر السين أى فترت. فرواية عطف الفتور على الكسل من عطف
التفسير بالمرادف.
( ليصل أحدكم نشاطه) اللام مكسورة لام الأمر، و((نشاطه)) بفتح النون أى مدة نشاطه
منصوب على الظرفية.
( فإذا كسل أوفتر قعد ) أى ترك الصلاة، أو جلس وصلى من جلوس. والأول أقرب.
( بنت تويت ) بتاء مضمومة وواو مفتوحة آخره تاء.
( قال صلى الله عليه وسلم: لاتنام الليل؟) على الاستفهام التعجبى، أو الإنكارى
التوبيخى بمعنى لا ينبغى أن لا تنام الليل، بل ينبغى أن تنام. وفسره فى الموطأ قال: فكره ذلك حتى
عرفت الكراهة فى وجهه.
( إذا نعس أحدكم ) هو بفتح العين، والنعاس خفيف النوم.
( لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه) قال القاضى: معنى يستغفرهنا يدعو اهـ
يعنى أراد من طلب المغفرة مطلق الطلب للتوسعة فى مجال الخطأ ولا مانع من إرادة
٥٨٤

المعنى الأصلى، وإرادة الدعاء على النفس من سب النفس حينئذ أولى، أى يذهب يدعو
لنفسه فيدعو عليها، وهذا معنى قريب وجميل.
( استعجم عليه القرآن ) أى استغلق ولم ينطق به لسانه نطقا سهلا صحيحاً لغلبة النعاس.
٢
فقه الحديث
أحاديث الباب تحث على الاقتصاد فى العبادة واجتناب التعمق، قال النووي: وليس ذلك
مختصاً بالصلاة، بل هو عام فى جميع أعمال البر.
ويؤخذ منها بعد هذا الهدف العام
١- كمال شفقته صلى الله عليه وسلم ورأفته بأمته، لأنه أرشدهم إلى ما يصلحهم، وهو ما يمكنهم
الدوام عليه بلا مشقة ولا ضرر، فتكون النفس أنشط والقلب منشرحا فتتم العبادة بإحسان وروح،
بخلاف من تعاطى من الأعمال ما يشق فإنه بصدد أن يتركه أو بعضه، أو يفعله بكلفة وبغير
انشراح القلب فيفوته خير عظيم، وقد ذم اللَّه تعالى من اعتاد عبادة ثم فرط فقال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً
ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]. وقد ندم
عبد الله بن عمرو بن العاصَ على تركهَ قبولَ رخصة رسول اللَّهِ: ﴿ فى تخفيف العبادة ومجانبة
التشديد. قاله النووى.
٢- الحث على العمل، وأن قليله الدائم خير من كثير ينقطع، وإنما كان القليل الدائم خيرا من الكثير
المنقطع لأن القليل بدوامه تدوم الطاعة والذكر والمراقبة والنية والإخلاص والإقبال على الخالق
سبحانه وتعالى، ويثمر القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافاً كثيرة.
٣- ومن حديث زينب الحرص على النشاط فى العبادة وأنه إذا فتر قعد حتى يذهب الفتور.
٤ - وإزالة المنكر باليد لمن تمكن منه.
٥- وجواز تنفل المرأة فى المسجد، فإنها كانت تصلى النافلة فيه فلم ينكر عليها.
٦- ومن حديث الحولاء كراهة التشديد على النفس فى العبادة، وأخذ منه بعضهم كراهة قيام الليل
كله. قال النووي. مذهبنا ومذهب جماعة أو الأكثرين أن صلاة جميع الليل مكروهة، وعن جماعة
من السلف: أنه لا بأس به، وهو رواية عن مالك إذا لم ينم عن الصبح. اهـ لكن نقل الحافظ ابن
حجر: أن الشافعى سئل عن قيام جميع الليل فقال: لا أكرهه إلا لمن خشى أن يضر بصلاة
الصبح. اهـ فالشافعى بهذا الجواب يوافق ما نقل عن مالك. اهـ. ولا أظن خلافا وقع بين العلماء
فى كراهة قيام الليل كله لمن يغلبه النوم عن الصبح. وإنما الخلاف فى قيامه كله مع المحافظة
على الصبح، فمن كرهه فللتشدد فى الدين.
٧- وفى الحديث الأخير الحث على الإقبال على الصلاة بخشوع وفراغ قلب ونشاط.
٥٨٥

٨- وفيه أمر الناعس بالنوم أو نحوه مما يذهب عنه النعاس، قال النووى: وهذا عام فى صلاة الفرض
والنفل فى الليل والنهار، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور، لكن لا يخرج فريضة عن وقتها، وحمله
مالك وجماعة على نفل الليل خاصة.
٩- واستدل بعضهم بقوله: ((فليقعد)). على جواز افتتاح الصلاة قائماً والقعود فى أثنائها، وفيه خلاف
سبق، ويحتمل أن يكون أمرا بالقعود عن الصلاة وترك ما كان عزم عليه من النفل.
١٠ - واستدل بعضهم على جواز قطع النافلة بعد الدخول فيها، وهو احتمال لا يصلح به الاستدلال.
١١- واستدل به على كراهة التعلق بالحبل فى الصلاة لتكلف طول القيام فى النافلة، واختلف فى
الاستناد على عصا ونحوها.
١٢ - واستدل به بعضهم على أنه لا يقرب الصلاة من لا يعقل أداءها وخشوعها فرضاً كانت أو نفلا،
والتحقيق أن ذلك فى النفل خاصة.
١٣- واستدل به على أنه ليس للإنسان أن يسب نفسه ولا يدعو عليها، فالمراد من السب فى الحديث
الدعاء.
والله أعلم
٥٨٦

(٢٦١) باب فضائل القرآن وما يتعلق به
وباب الأمر بتعهد القرآن، وكراهة قول نسيت آية كذا
وجواز قول أنسيتها
١٥٨٨ - ٢٢٤ عَنٍ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٢٢٤) أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّسَمِعَ رَجُلا يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ:
«يَرْحَمُهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةٌ كُنْتُ أَسْقَطُْهَا مِنَ سُورَةٍ كَذَا وَكَذَا».
١٥٨٩ - ٢٣٥ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٢٢٥) قَالَتْ: كَانَ النّبِيُّ : ﴿ يَسْتَمِعُ قِرَاءَةَ رَجُلٍ فِي
الْمَسْجِدِ فَقَالَ: «رَحِمَهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَبِي آيَةٌ كُنْتُ أُنْسِيتُهَا».
١٥٩٠ - ٣٣٦ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٢٢٦) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِعَ﴿ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُ
صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ الإِيلِ الْمُعَقَِّةِ إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ».
١٥٩١ - ٢٢٧ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٢٢٧) عَنِ النّبِيِّلَ﴿َ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ وَزَادَ
فِي حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ: «وَإِذَا قَامَ صَاحِبُ الْقُرْآنِ فَقَرَأَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ذَكَرَهُ وَإِذَا لَمْ يَقُمْ
بِهِ نَسِيَهُ».
١٥٩٢ - ٢٢٨ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ صَلُ(٢٢٨) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ: «بْسَمَا لِأَحَدِهِمْ يَقُولُ:
نَسِيتُ آيَةً كَيْتَ وَكَيْتَ. بَلْ هُوَ نُسِّيَ اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنِ فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصًِّا مِنَ صُدُورِ الرِّجَالِ
مِنَ النَّعَمِ بِعُقُلِهَا».
١٥٩٣ - ٢٢٩ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ وَ﴾(٢٢٩) تَعَاهَدُوا هَذِهِ الْمَصَاحِفَ - وَرْبَّمَا قَالَ: الْقُرْآنَ- فَلَهُوَ
(٢٢٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُوِ كُرَيْبٍ قَالا حَدََّا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ هِشَامٍ عَنٍ أَبِهِ عَنِ عَائِشَةً
(٢٢٥) وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَّيْرِ حَدَّثْنَا عَبْدَةُ وَأَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ هِشَامٍ عَنِ أَبِهِ عَنِ عَائِشَةً
(٢٢٦) حَدَّثْنَا يَحْنَى بْنُ يُحْتِى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ نَافِعٍ عَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرٌ
(٢٢٧) حَدَّثَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالُوا خَدَّثَنَا يَحْتِى (وَهُوَ الْقَطّالُ) ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي
شَيْئَةٌ حَدَّثْنَا أَبُو خَالِدِ الأَحْمَرُ حِ وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرِ حَدَّثَنَا أَبِي كُلُّهُمْ عَنِ عُبَيْدِ اللَّهِ حَ وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ
أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ أَيُّوبَ ح وحَدَّثَنَا قُتَنِيَةٌ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا يَغَقُوبُ يَغْنِي أَبْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَقَ الْمُسَيِّبِيِّ
حَدَّثَنَا أَنْسٌ (يَعْنَِي ابْنَ عِيَاضٍ) جَمِيعًا عَنٍ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ كُلُّ هَؤُلاءِ عَنِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَّرَ
(٢٢٨) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَّ إِسْحُقُ أَخْبُرَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ مَنْصُورٍ
عَنِ أَبِيٍ وَائِلِ عَنِ عَبْدِ اللّهِ
(٢٢٩) حَدَّثَنَا ابْنٌ لُمَيٍَّ حَدَّثْنَا أَبِي وَأَبُو مُعَاوِيَةً ح وحَذََّا يَحْبَى بْنُ يَحْبَى وَاللَّفْظُ لَّهُ قَالَ أَخْبُرَنَا أَبُو مُعَاوِيَّةً عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ شَقِيقٍ
قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللّهِ
٥٨٧

أَشَدُّ تَفَصِّيًّا مِنَ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ مِنَ عُقُلِهِ. قَالَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ: «لا يَقُلْ أَحَدُكُمْ
نَسِيتُ آيَةً كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ هُوَ نُسِّيَ».
١٥٩٤ - ٢٣٠ عَنِ ابْنٍ مُسْعُودٍ عَ﴾(٢٣٠) قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ يَقُولُ: «بِنْسَمَا لِلرَّجُلِ أَنْ
يَقُولَ نَسِيتُ سُورَةً كَيْتَ وَكَيْتَ أَوْ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ هُوَ نُسِّيَ».
١٥٩٥ - ٢٣١ عَنِ أَبِي مُوسَى رَ﴾(٢٣١) عَنِ النِّبِيِّ﴿ قَالَ: «تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنِ فَوَالْذِي
نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ ◌َفَلِّنَا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا». وَلَفْظُ الْحَدِيثِ لابْنِ بَرَّادٍ.
المعنى العام
القرآن كلام اللَّه، لفظه ومعناه من عند الله، هو المعجز لفصحاء البلاغة وأئمة اللسان، تحدى به
العرب فوقفت دونه قدراتهم، تحدوا بعشر سور مثله فعجزوا، ثم تحدوا بسورة من مثله فعجزوا حتى
قال قائلهم أعدى أعداء القرآن: إن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه، وما هو من
قول بشر.
من هنا لم يكن مما تعتاده الألسنة، وما تصنعه العقول، فكل قول يعاد يمل، لكن القرآن لا يمل،
وكل قول يخلق بمرور الزمان، لكن القرآن لا يخلق على كثرة ترداده وتلاوته وتكراره.
من هنا كان ثقيلا لفظا ومعنى، وصدق اللَّه العظيم إذ يقول: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا
ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥].
إن تناسق حروفه، واتساق كلماته، وتناسب آياته، وترابط معانيه وموضوعاته، تجعل حفظه
ميسراً، وتلاوته سهلة خفيفة على الألسنة، لكن لما كان من نوع لا نعتاده فى ألسنتنا، ولا نتداوله فى
محادثاتنا، كان ترك تلاوته وعدم تعاهده واستذكاره مُذْهِبًا لحفظه، مُضَيِّعًا له من صدور من ظفر به،
فما أشبه حافظ القرآن بصاحب الإبل، نقصد صاحب الإبل الكثيرة، إبل البوادى التى لا تستأنس
مكاناً معيناً، ولا تعتاد معاطن ثابتة، لأنها وصاحبها رحالة، كل يوم فى مضرب وراء الكلأ والمرعى،
فمن الذى يمسكها على صاحبها؟ وهى كما قيل عنها: سفينة الصحراء- معها خفها الذى يساعدها
على الجرى والمشى، ومعها سقاؤها الذى يمكنها من تحمل الجوع والعطش أياما، وتحصل على رزقها
وطعامها بسهولة من أعشاب وأشجار كثيرة، فهى لهذا أكثر الحيوانات المستأنسة تفلتا، فما الذى
(٢٣٠) وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ حَدَّقَبِي عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ عَنِ شَقِيقٍ بْنِ سَلَمَةً قَالَ:
سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ
(٢٣١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادِ الأَشْعَرِيُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالا حَدََّا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ بُرَيْدٍ عَنِ أَبِي بُرْدَةً عَنِ أَبِي مُوسَى
٥٨٨

يمسكها؟ وما الأسلوب الذى يحافظ به صاحبها عليها؟ إنه العقل والحبل، وإذا بركت وثنت ساقها
على فخذها قام صاحبها فربط الساق مع الفخذ بحبل كالحلقة، فإذا أرادت النهوض والقيام عجزت،
فهو ما دام متعاهدا لها، رابطا أرجلها وعاقلها فهو ممسك لها محافظ عليها، وإن أهملها وأهمل
عقالها ذهبت وضاعت منه، وكذلك حامل القرآن، إن عاهد عليه وحافظ على تلاوته ظل محتفظا به
فى صدره ذاكرا له، وإن أهمل تلاوته واستذكاره نسيه وبئس ما فعل، ويا خيبة من غنم بجهد، وحصل
فضلاً كبيرًا بعناء ثم أضاع الغنيمة والفضل الجليل بتهاون وإهمال.
ولا يليق بمن أصابته هذه المصيبة أن يفخر بحصولها، ولا أن يتشدق بها، فإذا بليتم فاستتروا،
وإن التصريح بقول: نسيت آية كذا أو سورة كذا مما كنت أحفظ مشعر باستهانة الإنسان بما نسى،
فلوكان مهتما به حريصا عليه ما نسيه، ومن اهتم بشىء حرص عليه، ومن حرص على شىء عض
عليه بالنواجذ وقام عليه بالليل والنهار.
المباحث العربية
(سمع رجلا يقرأ من الليل) فى الكلام مضاف محذوف، أى سمع صوت وقراءة رجل،
وجملة ((يقرأ)) فى محل نصب صفة لرجل، و((من)) ظرفية بمعنى ((فى)) ولم يثبت لدينا
مقروء الرجل ماهو؟ والظاهر أن الرجل هو عباد بن بشر الصحابى الجليل، فقد روى
البخارى عن عائشة رضى الله عنها: قالت: ((تهجد النبى * فى بيتى فسمع صوت عباد
يصلى فى المسجد فقال: يا عائشة. أصوت عباد هذا؟ قلت: نعم، قال: اللَّهم ارحم عبادا:))
وذكر البخارى هذه الرواية على أنها زيادة على مثل روايتنا مبينة لاسم القارئ. وقيل: إنه
عبدالله بن يزيد أخذا من رواية أخرى، ويجوز أن تكون القصة قد تكررت.
(يرحمه الله) فى الرواية الثانية ((رحمه الله)). وسواء أكان بالفعل المضارع أو بالفعل الماضى
فالجملة خبرية لفظا إنشائية معنى، أى اللَّهم ارحمه.
(أذكرنى كذا وكذا آية) وفى الرواية الثانية ((لقد أذكرنى آية)). و((كذا)» كما فى مغني اللبيب:
كلمة واحدة مركبة من كلمتين مكنيا بها عن غير عدد، وتستعمل غالبا معطوفا عليها. اهـ وهى مبنية.
(كنت أسقطتها من سورة كذا) أى كنت أسقطتها نسيانًا لا عمدًا، فهى بمعنى رواية
((كنت أنسيتها)).
(إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقلة) ((إنما)) هى ((إن)) التى تدخل على المبتدأ والخبر
فتنصب المبتدأ وترفع الخبر، دخلت عليها ((ما)) فكفتها ومنعتها من العمل، ولذا يطلق على ((إنما))
عبارة كافة ومكفوفة. وهى تفيد الحصر، أى قصر ما يليها على ما بعده، فهنا قصرنا شبه صاحب
القرآن على شبه صاحب الإبل المعقلة، ولما كان لصاحب القرآن أشباه أخرى غير هذا الشبه كان
القصر إضافيا، أى بالنسبة إلى الحفظ بالتلاوة والنسيان بالترك. وفى روايتنا مضاف محذوف صرح
٥٨٩

به فى رواية البخارى وهو لفظ ((صاحب)): إذ فيها: ((كمثل صاحب الإبل المعقلة)). ويشير إلى هذا
المحذوف فى روايتنا قوله: ((إن عاهد عليها أمسكها)). والمعنى: إنما مثل صاحب القرآن مع القرآن
كمثل صاحب الإبل المعقلة مع إبله المعقلة، ومعنى صاحب القرآن الذى ألفه، أى ألف تلاوته نظرا
من المصحف أو عن ظهر قلب، فإن الذى يداوم على ذلك يذل لسانه ويسهل عليه قراءته ويألفه،
فالمصاحبة المؤالفة، ومنه: فلان صاحب فلان، وأصحاب الجنة، وأصحاب النار، وأصحاب
الحديث، وأصحاب إبل وغنم، وصاحب كنز، وصاحب عبادة. ذكره النووى.
و((المعقلة)) بضم الميم وفتح العين وتشديد القاف، أى المشدودة بالعقال، وهو الحبل الذى يشد
فى ركبة البعير ليمنعه من القيام. قال الحافظ ابن حجر: شبه درس القرآن واستمرار تلاوته بربط
البعير الذى يخشى منه الشراد، فما دام التعاهد موجودا فالحفظ موجود، كما أن البعير مادام
مشدودا بالعقال فهو محفوظ، وخص الإبل بالذكر لأنها أشد الحيوان الإنسى رغبة فى النفور، وفى
تحصيلها بعد تمكن نفورها صعوبة. اهـ. فالتشبيه تشبيه تمثيل، بمعنى أننا شبهنا هيئة صاحب
القرآن من حيث مداومته على القراءة أو تركها بهيئة صاحب الإبل من حيث مداومته عقل إبله أو
فكها بجامع الحفظ فى حالة والضياع فى حالة أخرى. وقيل: إنه تشبيه مركب فحامل القرآن شبه
بصاحب الناقة والقرآن شبه بالناقة، والحفظ شبه بالربط. وهذا القول بعيد، لعدم المناسبة
والمشابهة بين القرآن والناقة.
(إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت) هذه تتمة أوصاف صاحب الإبل، ويشبهه فيها
صاحب القرآن، والزيادة فى الرواية الثالثة توضح ذلك وهى: ((وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل
والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه)). وتعاهد الشىء تجديد العهد به، وتعاهد القرآن ملازمة تلاوته،
ومعنى ((أمسكها)) استمر فى إمساكها.
(بئسما لأحدهم يقول) ((بئس)) فعل جامد غير متصرف يفيد الذم، يرفع فاعلا ظاهراً معرفا بأل
نحو بئس الرجل زيد، أو مضافا لمعرف بأل نحوبئس أخو القوم زيد، و((زيد)» فى هاتين الحالتين
مخصوص بالذم خبر مبتدأ محذوف. أى المذموم زيد. كما ترفع فاعلاً مضمرًا مفسراً باسم نكرة
منصوبة على التمييز نحوبئس رجلا زيد. و((ما)» فى مثل هذا الحديث تحل محل الاسم النكرة
والتقدير بئس هو شيئًا، والمخصوص بالذم ((يقول)) فعل مسبوك بمصدر من غير سابك، وقد صرح
بحروف المصدر فى الرواية السادسة، ولفظها: ((بئسما الرجل أن يقول)). أى المذموم قوله كذا.
(نسيت آية كيت وكيت) («نسيت)) بفتح النون وكسر السين مخففة باتفاق. و«كيت
وكيت)) كما قال القرطبى: يعبر بهما عن الجمل الكثيرة والحديث الطويل، ومثلهما ((ذيت
وذيت)). وقال ثعلب: ((كيت)) للأفعال، و((ذيت)) للأسماء. وحكى عن الداودى أنها مثل
((كذا )» إلا أنها خاصة بالمؤنث.
(بل هونسى) بضم النون وتشديد السين المكسورة. قال القرطبى: رواه بعض رواة مسلم مخففا.
أى مخفف السين المكسورة مع ضم النون. قال الحافظ ابن حجر: والتثقيل هو الذى وقع فى جميع
٥٩٠

الروايات فى البخارى، وكذا فى أكثر الروايات فى غيره، ويؤيده ما وقع فى رواية أبى عبيد فى الغريب
بعد قوله: ((كيت وكيت)) ((ليس هو نسى ولكنه نسى)) الأول بفتح النون وتخفيف السين والثانى بضم
النون وتشديد السين. قال القرطبى: التثقيل معناه أنه عوقب بوقوع النسيان عليه لتفريطه فى
معاهدته واستذكاره. قال: ومعناه فى التخفيف -أى فى تخفيف السين المكسورة مع ضم النون- أن
الرجل ترك غير ملتفت إليه، وهو كقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] أى تركهم فى
العذاب أو تركهم من الرحمة.
(استذكروا القرآن) أى واظبوا على تلاوته، واطلبوا من أنفسكم المذاكرة به. قال الطيبى: وهو
عطف من حيث المعنى على قوله: ((بئسما لأحدهم يقول)» أى لا تقصروا فى معاهدته واستذكروه.
(فلهو أشد تفصيا من صدور الرجال) اللام لام جواب القسم المحذوف. و((تفصيا)) بفتح التاء
والفاء وكسر الصاد المشددة بعدها ياء مخففة، أى تفلتا وتخلصا، كما جاء فى الرواية السابقة: ((لهو
أشد تفلتا ».
(من النعم بعقلها) بضم العين والقاف، ويجوز سكون القاف، جمع عقال ككتاب وكتب، وهو
الحبل، روى: ((فى عقلها)) وروى: ((من عقلها)). قال القرطبى: من رواه: ((من عقلها)) فهو على الأصل
الذى يقتضيه التعدى من لفظ التفلت. وأما من رواه بالباء أو الفاء فيحتمل أن يكون بمعنى ((من)» أو
للمصاحبة أو الظرفية. والنعم أصلها الإبل والبقر والغنم، والمراد هنا الإبل خاصة لأنها التى تعقل، وفى
الرواية الخامسة: ((من النعم من عقله)) بالتذكير، وهو صحيح فإن النعم تذكر وتؤنث.
فقه الحديث
تصرح الرواية الخامسة بالنهى عن قول: ((نسيت آية كذا)). وتذم الرواية الرابعة والسادسة هذا
القول، ومع ذلك يتفق العلماء على أن الحكم هو كراهة التنزيه فقط، واختلفوا فى متعلق الذم وحكمة
النهى على أوجه ذكرها الحافظ ابن حجر نجملها فيما يأتى:
الوجه الأول: قيل: أراد أن يجرى على ألسن العباد نسبة الأفعال إلى خالقها وذلك أولى من نسبة
الأفعال إلى مكتسبها، وخصوصا أن النسيان لا صنع للإنسان فيه، لأنه عارض للإنسان لا عن قصد
منه، لأنه لو قصد نسيان الشىء لكان ذاكرا له فى حال قصده، فكيف ينسبه إلى نفسه فيوهم أنه
انفرد بفعله؟ ويبعد هذا الوجه أن موسى عليه السلام أضاف النسيان إلى نفسه فى قوله: ﴿لا
تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣] وأضافه يوشع إلى نفسه حين قال: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾
[الكهف: ٦٣] وقال الصحابة - كما يحكى عنهم القرآن الكريم: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إَنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾
[البقرة: ٢٨٦] وثبت أن النبى # نسب النسيان إلى نفسه فى باب سجود السهوحين سلم من
ركعتين فى رباعية، فلما ذكر قال: ((إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكرونى)).
ورواية تخفيف السين فى ((أنسى)) قوية ومشهورة.
٥٩١

فيبعد أن يكون النهى للزجر عن هذا اللفظ.
والوجه الثانى: قال بعضهم: يحتمل أن يكون كره له أن يقول ((نسيت)) بمعنى تركت لا بمعنى
السهو العارض، من قبيل قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧].
وهذا الوجه بعيد أيضاً، لأن حاصله اللجوء إلى المجاز، ولا توجد قرينة مانعة من إرادة المعنى
الأصلى، بل القرينة تبعد هذا المجاز، إذ قوله فى الرواية الرابعة والخامسة والسادسة: ((بل هو نسى)).
بضم النون وتشديد السين المكسورة يبعد أن يكون المراد منه بل هو ترك.
الوجه الثالث: قال الإسماعيلى: يحتمل أن يكون فاعل ((نسيت)) النبى ®، أى لا يقل أحد إن
محمدًا * نسى آية كذا، فإن اللَّه هو الذى نسانى عن ذلك لحكمة نسخه ورفع تلاوته.
وهذا الوجه أبعد من سابقيه، إذ كان ينبغى أن يقول -لوكان ذلك مراداً - ((بل أنا أنسى)) بدل
((هونسى))، كما يزيده بعدا تعقيب هذا النهى بالأمر باستذكار القرآن وتعهده مخافة نسيانه.
الوجه الرابع: أن يكون ذلك خاصا بزمان النبى ®®، وكان من ضروب النسخ نسيان الشىء الذى
ينزل ثم ينسخ بعد نزوله، فيذهب رسمه، وترفع تلاوته، ويسقط حفظه عن حملته. قاله الخطابى.
وحاصله النهى عن أن يقول أحدهم: نسيت الآية المنسوخة، فهو قريب من قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ
آيَةٍ أو نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرِ مِنْهَا أو مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] وهذا الوجه أبعد من سوابقه، لأن الرواية
السادسة تقول: ((نسيت سورة كذا وكذا)) ولم تنسخ سورولا سورة، ثم إن هذا الضرب من النسخ لا
يكاد يثبت، ثم إن تعقيب هذا النهى بالأمر باستذكار القرآن وتعهده دليل على الخوف من النسيان،
ولا يخاف على نسيان المنسوخ.
الوجه الخامس: أن سبب النهى والذم ما فى القول من الإشعار بعدم الاعتناء بالقرآن، إذ لا يقع
النسيان إلا بترك التعاهد وكثرة الغفلة، فلو تعاهد بتلاوته لدام حفظه وتذكره، وقد عبر القاضى عياض
عن هذا الوجه بقوله: أولى ما يتأول عليه الحديث ذم الحال لا ذم القول، أى بئس الحال حال من
حفظه ثم غفل عنه حتى نسيه. اهـ
وحاصل هذا الوجه النهى عن ترك المحفوظ بدون مذاكرة وتعاهد، وذم الغفلة عن تلاوة ما حفظ،
كما تقول: لا تعتذر، وتقصد لا تفعل فعلا تعتذر عنه. وهذا التوجيه حسن ومقبول، لكنه لايصلح معه أن
النهى لكراهة التنزيه فالحالة المنهى عنها حينئذ حالة محرمة، بل من السلف من جعل نسيان ما
حفظ من القرآن من الكبائر ومن أعظم المصائب، واحتجوا بما أخرجه أبوداود والترمذى من حديث
أنس مرفوعا: )) عرضت على ذنوب أمتى فلم أرذنبا أعظم من سورة من القرآن أوتيها رجل ثم نسيها)»:
وفى رواية: ((أعظم من حامل القرآن وتاركه)). ولأبى داود عن سعد بن عبادة مرفوعا: ((من قرأ القرآن
ثم نسيه لقى اللَّه وهو أجدم)). أى مقطوع اليد. وقيل: مقطوع الحجة. وقيل: خالى اليد من الخير.
وقيل: يحشر مجدوما حقيقة. وهذه الأحاديث وغيرها مما فى معناها يقوى بعضها بعضا مما يفيد
الحرمة لا نهى التنزيه.
٥٩٢

فالوجه عندى أن النهى موجه إلى قول هذا اللفظ لما يشعر به فقط، أما أسباب النسيان فلها
حكم مستقل، فمن نشأ نسيانه بأمر دينى كالجهاد فهو معذور، وعليه يحمل ما ورد من نسيان النبى
* لبعض الآيات، كما فى الرواية الأولى والثانية، ومن كان نسيانه عن إهمال وتقصير مع التمكن
فهو حرام. والله أعلم.
ويؤخذ من هذه الأحاديث فوق ما تقدم
١- من الرواية الأولى والثانية جواز رفع الصوت بالقراءة فى الليل، وفى المسجد إذا لم يؤذ أحداً ولم
يتعرض للرياء والإعجاب ونحو ذلك.
٢ - أن الاستماع إلى القراءة سنة.
٣- الدعاء لمن أصاب الإنسان من جهته خيراً وإن لم يقصد ذلك المحصول منه.
٤- قال الحافظ ابن حجر: وفيه جواز قول المرء: أسقطت آية كذا من سورة كذا، إذا وقع منه ذلك،
وقد أخرج ابن أبى داود من طريق أبى عبدالرحمن السلمى قال: لا تقل: أسقطت كذا. بل قل:
أغفلت. قال الحافظ: وهو أدب حسن، وليس واجبا. اهـ
٥- وفيه جواز قول: سورة كذا، خلافا لمن كره ذلك. وقال: لا يقال إلا السورة التى يذكر فيها كذا. وقد
نقل القرطبى فى تفسيره عن الحكيم الترمذى أن من حرمة القرآن أن لا يقال: سورة كذا، كقولك:
سورة البقرة، وسورة النحل، وسورة النساء، وإنما يقال: السورة التى يذكر فيها كذا. وقال النووى
فى الأذكار: يجوز أن يقول: سورة البقرة، سورة ... إلى أن قال: وسورة العنكبوت، وكذلك الباقى،
ولا كراهة فى ذلك. وقال بعض السلف: يكره ذلك. والصواب الأول، وهو قول الجماهير، والأحاديث
فيه عن رسول اللَّه أكثر من أن تحصر، وكذلك عن الصحابة فمن بعدهم. اهـ.
وقال ابن كثير فى تفسيره مشيراً إلى رأى الكارهين: ولا شك أن ذلك أحوط، ولكن استقر الإجماع
على الجواز فى المصاحف والتفاسير. اهـ
قال الحافظ ابن حجر: وقد تمسك بالاحتياط المذكور جماعة من المفسرين منهم أبومحمد ابن
أبى حاتم ومن المتقدمين الكلبى وعبد الرزاق.اهـ
٦- قال الحافظ ابن حجر: وفى الحديث حجة لمن أجاز النسيان على النبى 08* فيما ليس طريقه
البلاغ بشرطين: أحدهما أنه بعدما يقع منه تبليغه، والآخر أنه لا يستمر على نسيانه، بل يحصل
له تذكره، إما بنفسه وإما بغيره. وهل يشترط فى هذا الفور؟ قولان.
فأما قبل تبليغه فلا يجوز عليه فيه النسيان أصلا. وزعم بعض الأصوليين وبعض الصوفية أنه لا
يقع منه نسيان أصلا، وإنما يقع منه صورته ليسن. وهذا قول ضعيف. اهـ
وقال الإسماعيلى: النسيان من النبى 8# لشىء من القرآن يكون على قسمين:
أحدهما: نسيانه الذى يتذكره عن قرب، وذلك قائم بالطباع البشرية وعليه يدل قوله {* فى
حديث ابن مسعود فى السهو: ((إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون)».
٥٩٣

والثانى: أن يرفعه الله عن قلبه على إرادة نسخ تلاوته، وهو المشار إليه بالاستثناء فى قوله
تعالى: ﴿سَنُقْرَتُكَ فَلا تَنسَى﴾ إلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧،٦].
٧- ومن الرواية الثالثة والرابعة والخامسة والسابعة يؤخذ ضرب الأمثال لتقريب المعنى إلى الأذهان.
٨- والحث على تعاهد القرآن وتلاوته والتحذير من تعريضه للنسيان.
٩- والإشارة إلى صعوبة حفظ القرآن. قال ابن بطال: هذا الحديث يوافق الآيتين. قوله تعالى: ﴿إِنَّا
سَنُّلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧] فمَن
أقبل عليه بالمحافظة والتعاهد يسرله، ومن أعرض عنه تفلت منه. اهـ
والله أعلم
٥٩٤

(٢٦٢) باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن
١٥٩٦ - ٢٣٢ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(٢٣٢) يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّلَ قَسَالَ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ
لِ يَتَغَنِّى بِالْقُرْآنِ».
١٥٩٧ - - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ قَالَ: «كَمَا يَأْذَهُ لِنَبِيِّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ».
١٥٩٨ - ٢٣٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾ (٢٣٣) أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ،﴿ه يَقُولُ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا
أَذِنَ لِّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنِى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ».
١٥٩٩ - ٤َّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَّ ◌َه(٢٣٤) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَأَذِّنِهِ
لِيِّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ».
ء
١٦٠٠ - - عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ظُ عَنِ النّبِيِّ ﴿ مِثْلَ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ غَيْرَ أَنَّ ابْنَ
أَیُوبَ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ: «کَإِذْنِهِ».
١٦٠١ - ٢٣٥ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ بُرَيْدَةً(٢٣٥) عَنْ أَبِيهِ ظُهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ: «إِنَّ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ أَوْ الأَشْعَرِيَّ أُعْطِيَ مِزْمَارًا مِن مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ».
١٦٠٢ - ٢٣٦ عَنْ أَبِي مُوسَى ◌َ﴾(٢٣٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ،فَ﴿ّ لأَّبِي مُوسَى: «لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا
أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ الْبَارِحَةَ لَقَدْ أُوِيتَ مِزْمَارًا مِن مَزَامِيرٍ آلٍ دَاوُدَ».
(٢٣٢) حَدَّتِي عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالا حَدَّنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلّمَةً عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
- وحّدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ ح وحَدَّثَنِي يُونُسَُ بْنُ عَبَّدِ الأَعْلَى أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي
عَمْرٌو كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ
(٢٣٣) حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَّكْمِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثْنَا يَزِيدُ وَهُوَ ابْنُ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَن أَبِي سَلَمَةً عَن
أَبِي هُرَيْرَةً
- وحَدْثِي ابْنُ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ حَدََّا عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَبِي عُمَرُ بْنُ مَالِكٍ وَخَيْرَةُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنِ ابْنِ الْهَادِ بِهَذَا
الإِسْنَادِ مِثْلَّهُ سَوَاءٌ وَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿. وَلَمْ يَقُلْ سَمِعَ.
(٢٣٤) وَحَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا هِقْلٌ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْتَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَن أَبِي سَلَمّةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
- وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقْتَنِيَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا حَدَّثَنَا إِسْمَعِيْلُ (وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ) عَن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي
سَلَمَةَ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةً
(٢٣٥) حَدَّثَنَا أَبُوَّ بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَّيْرِ حِ وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَّيْرٍ حَدَّثْنَا أَبِي حَدَّثَنَا مَالِكٌ وَهُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ عَنِ عَبْدِاللَّهِ
ابْنِ بُرَيْدَةً
(٢٣٦) وَحَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ حَدََّا يَحْتَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا طَلْحَةُ عَنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى
٥٩٥

١٦٠٣ - ٣ٍَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَفَّلِ الْمُؤَنِيَّ ◌َ﴾(٢٣٧) قَالَ: قَرَأَ النّبِيُّ :﴿َ عَامَ الْفَتْحِ فِي مَسِيرٍ
لَّهُ سُورَةَ الْفَتْحِ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَرَجَّعَ فِي قِرَاءَتِهِ. قَالَ مُعَاوِيَةُ: لَوْلا أَنِّي أَخَافُ أَنْ يَجْتَمِعَ عَلَيَّ
النَّاسُ لَحَكَيْتُ لَكُمْ قِرَاءَتَهُ.
قَّه (٢٣٨) قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ﴿ يَوْمَ فَتْحِ مَكّةَ عَلَى
١٦٠٤ - ٢٣٨ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ.
نَاقَتِهِ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ. قَالَ: فَقَرَأَ ابْنُ مُغَفَّلٍ وَرَجَّعَ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَوْلا النَّاسُ لأَخَذْتُ لَكُمْ
بِذَلِكَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ مُعَفَّلٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ.
١٦٠٥- ٢٣٩ حَدَثَنَا شُعْبَةُ (٢٣٩) بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ. وَفِي حَدِيثِ خَالِدِ ابْنِ الْحَارِثِ قَالَ: عَلَى
رَاحِلَةٍ يَسِيرُ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ.
المعنى العام
روى أن النبي { وعائشة مرا بأبى موسى الأشعرى وهو يقرأ فى بيته، فقاما يستمعان لقراءته،
ثم إنهما مضيا، فلما أصبح لقى أبو موسى رسول الله ﴿ فقال: يا أبا موسى، مررت بك وأنت تقرأ
فاستمعت لقراءتك، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود.
فقال أبو موسى: لو علمت بمكانك لحبرته لك تحبيرا، أى حسنت به صوتى أكثر وأكثر. وهكذا
شجع رسول اللَّه ﴿ أبا موسى وحث أصحابه أن يحسنوا بالقرآن أصواتهم، وقد رغب رسول اللَّه عَ لّ
فى تحسين الصوت بقراءة القرآن ، وحث على ذلك بأن الله أشد إصغاء لقارئى القرآن بصوت حسن
من إصغاء صاحب القينة لقينته. والأحاديث الثلاثة الأول معناها أن الله لم يصغ لشىء ولا المسموع
مثلما يصغى لنبى حسن الصوت يقرأ القرآن ويجهر به، والإصغاء هنا كناية عن الرضا والقبول
والجزاء، فلم يرض الله عن مسموع ما، ولا يعطى جزاء خيراً على مسموع ما، قدر ما يرضى وقدر ما
يعطى قارئ القرآن بصوت حسن.
وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ ويسمع أصحابه قراءته، وهو صلى الله عليه وسلم حسن الصوت،
فقد روى فى الصحيحين عن جبير بن مطعم قال: «سمعت رسول اللّه # يقرأ فى المغرب بالطور،
فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه )».
(٢٣٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ وَوَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةً عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةً قَالَ: سَمِعْتُ
عَبْدَاللَّهِ بْنَ مُغَفَّلِ الْمُزَبِيَّ
(٢٣٨) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بَّنُ الْمُثَنِى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ ابْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَن مُعَاوِيَةً بْنِ قُرَّةً قَالَ:
سَمِعْتُ عَبْدَ اللّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ
(٢٣٩) وحّدَّثْنَاهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ حَ وَحَدَثْنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَنَا أَبِي قَالا حَدَّثْنَا شُعْبَةُ بِهَذَا
الإِسْنَادِ نَحْوَهُ
٥٩٦

وفى الحث على تحسين الصوت بالقرآن أحاديث كثيرة، ضعيفها يتقوى بصحيحها، فقد روى
الطبرى: ((ما أذن الله لشىء ما أذن لنبى فى الترنم بالقرآن)). وروى ابن أبى شيبة: «تعلموا القرآن
وغنوا به وأفشوه)). وعند أبى عوانة: ((فإن لم تبكوا فتباكوا )). وكان عمر يقدم الشاب الحسن الصوت
لحسن صوته بين القوم.
وقد روى: ((زينوا القرآن بأصواتكم)). رواه ابن حبان. وفى رواية: ((حسنوا القرآن بأصواتكم فإن
الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا)). وهكذا حرص صلى الله عليه وسلم على تحسين الصوت بقراءة
القرآن مع حسن الأداء والتزام قواعد الترتيل الصحيح.
المباحث العربية
(عن أبى هريرة يبلغ به النبى {) أى يرفعه ويسنده إليه، كأنه قال: قال رسول اللَّه ◌ُ ﴾.
(ما أذن اللَّه لشيء) ((ما)) نافية، و ((أذن)) بفتح الهمزة وكسر الذال يطلق بالاشتراك اللفظي
على معنيين: الأول: السماح والإطلاق والإباحة، والمصدر الإذن بكسر الهمزة وسكون الذال، وليس هذا
المعنى مراداً هنا كما يقول كثير من العلماء، ولم يستبعده الحافظ ابن حجر تبعاً للقاضى عياض
الذى وجهه بأن المراد منه الحث على ذلك والأمر به.
المعنى الثانى: من المشترك اللفظى الاستماع والإصغاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُذِنَتْ لِرَبِّهَا
وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢] والمراد لازم الاستماع من الاستجابة والطواعية، ومصدره الأذن بفتح الهمزة
والذال. قال القرطبى: أصل الأذن بفتحتين أن المستمع يميل إلى جهة من يسمعه. اهـ
ويرجح ويقوى إرادة هذا المعنى هنا ما أخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم وصححه:
((للَّه أشد أذنا [أى استماعًا] إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى
قينته)). والإصغاء بمعنى ميل الأذن لا يسند إلى اللَّه تعالى على الحقيقة، وإنما المراد به
لازمه من إكرام القارئ وإجزال ثوابه.
وقوله فى روايتنا: ((لشيء)) بالشين يتناول العقلاء وغير العقلاء، لكنه فى البخارى فى أكثر نسخه
بلفظ: ((لنبى)) بالنون والباء وفى رواية: ((للنبى)) بزيادة لام مع النون والباء والكل صحيح.
(ما أذن لنبى) ((ما)) مصدرية، أى إذنه لنبى، وفى الكلام تشبيه، أى كإذنه لنبى، وهو لفظ
روايتنا الثالثة.
(يتغنى بالقرآن) يطلق التغنى والتغانى على الاستغناء، ومنه قول الشاعر:
ونحن إذا متنا أشد تغانيا
كلانا غنى عن أخيه حياته
ويقال: تغنى بكذا عن كذا. فالمعنى يتغنى بالقرآن عما سواه من العبارات.
٥٩٧

ويطلق التغنى على تحسين الصوت، وسياق الحديث يأبى الحمل على الاستغناء، لأن قوله فى
الرواية الثانية: ((لنبى حسن الصوت)). وفى الرواية الثانية والثالثة: ((يجهر به)). قرينة مانعة من
إرادة المعنى الأول معينة للمعنى الثانى وسيأتى فى فقه الحديث مزيد من الإيضاح للمراد.
(إن عبد الله بن قيس أو الأشعرى) هو أبو موسى الأشعرى الصحابى الجليل عضو التحكيم
من جانب على ضـ
(أُعطى مزمارًا من مزامير آل داود) ((المزمار)) بكسر الميم الآلة المعروفة والمراد هنا
الصوت الحسن، من إطلاق المؤثر وإرادة الأثر مجازا مرسلاً.
ولفظ: ((آل)) فى ((آل داود)) قيل: مقحمة. وقيل: إن آل فلان قد يطلق على فلان نفسه. وعلى كل
فالمراد من ((آل داود» داود نفسه، لأنه لم ينقل أن أحداً من أولاد داود ولا من أقاربه كان قد أعطى
من حسن الصوت ما أعطى. كذا قال الحافظ ابن حجر وغيره من العلماء.
ولست أرى بعدا أن يكون المراد آل داود، فإن حسن الصوت كثيراً ما يكون وراثياً، ويكون فى
أسرة أبرز منه فى أسرة أخرى، وليس شرطاً أن ينقل وقوع ذلك فى أسرة داود، وإنما الشرط أن لا
ينقل نقيضه، فيكون هذا النقل قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلى، أما أنه لم ينقل أن أحد أقاربه
قد أعطى من حسن الصوت ما أعطى داود فهو مسلم، لكن التشبيه فى الحديث ليس بين صوت أبى
موسى وبين صوت داود نفسه، إذ شتان بين الصوتين، فقد أثر أن الطير والوحش كانت ترقص عند
سماع صوته عليه السلام، فيكفى تشبيه صوت أبى موسى بأقارب آل داود، ولا داعى للتأويل، وعدم
النقل لا ينفى الوقوع.
(لو رأيتنى وأنا أستمع لقراءتك البارحة) أى الليلة البارحة، أى الماضية، و((لو)) يصح أن
تكون شرطية وجواب الشرط محذوف، تقديره لسررت بسرورى، ويصح أن تكون للتمنى، أى كنت
أتمنى أن ترانى مسرورًا بسماع قراءتك، والأظهر أن المراد من الاستماع الإصغاء، لا مجرد السماع.
(على راحلته) المراد ناقته كما فى الرواية السابعة.
(فرجع) بتشديد الجيم، وأصل الترجيع الترديد، وترجيح الصوت ترديده فى الحلق وإعادته، ومنه
الترجيع فى الأذان فى الشهادتين.
والمراد منه هنا ما فسره فى البخارى فى كتاب التوحيد بقوله: (آ أ) بهمزة مفتوحة بعدها ألف
ساكنة ثم همزة أخرى، ثم قالوا: يحتمل أمرين: أحدهما: أن ذلك حدث من هزالناقة. والآخر أنه
أشبع المد فى موضعه فحدث ذلك. قال الحافظ ابن حجر: وهذا أشبه بالسياق، وسيأتى فى فقه
الحديث مزيد لإيضاح ذلك.
(لولا الناس لأخذت لكم بذلك الذى ذكره ابن مغفل) أى لحكيت لكم ما حكاه لى ابن
مغفل حكاية عن النبى *، والخوف من الناس من اجتماعهم مستغربين.
٥٩٨

فقه الحديث
وضع البخارى حديث ((ما أذن اللَّه لنبى)) تحت عنوان: باب من لم يتغن بالقرآن، وقوله تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]. كما أخرج فى كتاب الأحكام
حديث ((من لم يتغن بالقرآن فليس منا)). وكأنه يشير بهذا العنوان والآية إلى ترجيح تفسير ابن عيينة
للفظ ((يتغنى)) وأن المراد يستغنى لكنه استغناء خاص ليس ضد الفقر، إنما المراد الاستغناء به عما
سواه من أخبار الأمم السابقة ونحوها. وقد روى أبو داود عن عبيد الله بن أبى نهيك قال: لقينى سعد
ابن أبى وقاص وأنا فى السوق فقال: تجار كسبه، سمعت رسول الله # يقول: «ليس منا من لم
يستغن بالقرآن».
وقد روى الطبرى وغيره فى سبب نزول الآية عن يحيى بن جعدة قال: جاء ناس من
المسلمين بكتب وقد كتبوا فيها بعض ما سمعوه من اليهود، فقال النبى {₪: «كفى بقوم
ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم، فنزل ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ
أَنَّا أَنْزِلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾)).
قال ابن التين: يفهم من ترجمة البخارى - أى عنوان الباب - أن المراد بالتغنى الاستغناء لكونه
أتبعه الآية التى تتضمن الإنكار على من لم يستغن بالقرآن عن غيره، فحمله على الاكتفاء به وعدم
الافتقار إلى غيره، وحمله على ضد الفقر من جملة ذلك. اهـ
قال ابن الجوزى: اختلفوا فى معنى قوله: ((يتغنى)) على أربعة أقوال: أحدها: تحسين الصوت.
والثانى: الاستغناء. والثالث: التحزن. والرابع: التشاغل به. وأضاف الحافظ ابن حجر قولاً خامساً
حكاه ابن الأنبارى وهو: التلذذ والاستحلاء له كما يستلذ أهل الطرب بالغناء. وأضاف قولاً سادساً
وهو: أن يجعل المسافر هجيراه الغناء. فيكون معنى الحديث: الحث على ملازمة القرآن وأن لا
يتعدى إلى غيره.
والشافعى وجمهور العلماء على أن المراد حسن الصوت لقرائن كثيرة. منها: ما قاله الشافعى
حين سئل عن تفسير ابن عيينة التغنى بالاستغناء فقال: لو أراد الاستغناء لقال: لم يستغن، وإنما
أراد تحسين الصوت. ومنها رواية الطبرى بلفظ: (( ما أذن لنبى فى الترنم فى القرآن)». ولا دخل للترنم
فى الاستغناء، ومنها روايات الباب وبخاصة روايتنا الثانية: ((ما أذن اللَّه لشيء ما أذن لنبى حسن
الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به)). فحسن الصوت والجهر لا علاقة لهما بالاستغناء، فلوكان المراد
الاستغناء كما ذهب إليه البخارى لم يكن لذكر حسن الصوت ولا لذكر الجهر به معنى.
قال الحافظ ابن حجر: ظواهر الأخبار ترجح أن المراد تحسين الصوت ويؤيده قوله:
((يجهر به)). فإنها إن كانت مرفوعة للنبى . فقد قامت الحجة، وإن كانت غير مرفوعة
فالراوى أعرف بمعنى الخير من غيره، ولا سيما إذا كان فقيهاً، فقد جزم الحليمى بأنها من
قول أبى هريرة. قال الحافظ ابن حجر: والحاصل أنه يمكن الجمع بين أكثر التأويلات
٥٩٩

المذكورة، وهو أنه يحسن به صوته، جاهرًا به مترنمًا على طريق التحزن، مستغنيًّا به عن
غيره من الأخبار، طالبًا به غنى النفس، راجيًّا به عنى اليد.اهـ
وقد وضعت أحاديث الباب هنا تحت عنوان: استحباب تحسين الصوت بالقرآن، ولا شك أن
الأحاديث المذكورة فى الباب تفيد ذلك، ولا شك أن النفوس تميل إلى سماع القراءة بالترنم أكثر من
ميلها لمن لا يترنم، لأن للتطريب تأثيرًا فى رقة القلب وإجراء الدمع وحسن الفهم والتدبر.
والظاهر أن المحققين فرقوا بين القراءة بالألحان وبين تحسين الصوت بالقراءة فأطلقوا القراءة
بالألحان على التمطيط المفرط المعتمد على نغمات الصوت الذى يؤدى إلى زيادة حرف أو إخفاء
حرف أو زيادة مد يشوش النظم أو خطف المد، والعرف فى أيامنا يؤيد هذا الإطلاق، فتلحين الأغانى
مثلاً يعتمد النغم والإيقاع والترقيق والتفخيم والمد فى غير موضعه، فنراه مثلاً حين يلحن: فإذا
سخوت بلغت بالجود المدى = يلحنه إلى: فإذا سخاوت بلغت بالجود المدى، وهذا النوع بلا خلاف
لا يليق بقراءة القرآن، وهو محرم أو مكروه حسب درجة الخروج عن الأداء الصحيح، أما المحافظة
على الأداء الصحيح مع الصوت الحسن فهى مستحبة اتفاقا سواء سميناها ألحاناً أم لا، ونتيجة
لخفاء هذه التفرقة بين القراءة بالألحان وبين تحسين الصوت بالقراءة عند البعض جاءت أقوالهم
ظاهرة التضارب أو بعيدة عن الحق والصواب، فقد يطلق الألحان ويريد تحسين الصوت، وقد يطلق
تحسين الصوت ويريد الألحان، وننقل أقوالهم ثم نعقب بالتحقيق.
قال الحافظ ابن حجر: كان بين السلف اختلاف فى جواز القراءة بالألحان [الحقيقة أن
الاختلاف مبناه تحديد مفهوم الألحان] أما تحسين الصوت وتقديم حسن الصوت على غيره فلا نزاع
فى ذلك.
حكى عبد الوهاب المالكى عن مالك تحريم القراءة بالألحان، وحكى أيضًا عن جماعة
من أهل العلم.
حكى ابن بطال وعياض والقرطبى من المالكية، والماوردى والغزالى وغيرهما من الشافعية وبعض
الحنفية القول بكراهة القراءة بالألحان.
وحكى ابن بطال عن جماعة من الصحابة والتابعين جواز القراءة بالألحان. وهو المنصوص
للشافعي، ونقله الطحاوى عن الحنفية.
ونقل عن بعض الشافعية القول بالجوازبل الاستحباب. اهـ
ونص الشافعي فى موضع على كراهة القراءة بالألحان. ونص فى موضع آخر على أنها لا بأس بها.
وهذا الاختلاف فى الحكم أساسه الاختلاف فى حقيقة المحكوم عليه لهذا نرى أصحاب
الشافعي يدافعون عنه ويقولون: ليس على اختلاف قولين، بل على اختلاف حالين، فإن لم يخرج
بالألحان على المنهج القويم جاز وإلا حرم.
٦٠٠