Indexed OCR Text

Pages 21-40

٨٥٤- ٠ِهِ عَنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِى اللَّهِ عَنْهَمْا(١٨٠) أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانٌ يُصَلَّى مَعَ
رَسُولِ اللّهِ ﴿ الْعِشَاءَ الآخِرَةَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ فَيُصَلّى بِهِمْ تِلْكَ الصَّلاةَ.
٨٥٥ - للهُ عَنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِى اللَّه عَنهَمْا (١٨١) قَالَ: كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّى مَعَ رَسُولِ
اللَّهِ ﴿ الْعِشَاءَ ثُمَّ يَأْنِى مَسْجِدَ قَوْمِهِ فَيُصَلّى بِهِمْ.
المعنى العام
مما لا خلاف فى استحبابه قراءة سورة من القرآن بعد الفاتحة فى الأوليين من كل صلاة، جهرًا
فى الصلاة الجهرية، وسرًا فى الصلاة السرية، والخلاف فى مقدار ما يقرأ، وأى السور أفضل فى كل
الصلوات، ولو تتبعنا قراءة الرسول * لوجدناها تختلف اختلافاً بيناً، ففى الظهر قرأ بالسماء ذات
البروج وبالسماء والطارق، وبالليل إذا يغشى، وبسورة لقمان وبالذاريات فى ركعتين، فتراوحت قراءته
فى ركعة الظهر بين أربع وثلاثين آية وبين سبع عشرة آية، وفى العصر دون ذلك، وفى المغرب قرأ
بسورة المرسلات، وبسورة الطور، وبقصار المفصل. وفى العشاء قرأ بسورة التين وأمر معاذاً أن يقرأ
بالشمس وضحاها، وبالضحى. والليل إذا سجى، وبسورة الليل إذا يغشى، وبسورة اقرأ، وفى الفجر قرأ
بسورة المؤمنين فى ركعتين وبالتكوير فى ركعة وبسورة ق وبسورة إذا زلزلت الأرض وبسورة السجدة
وبسورة الدهر.
ولا شك أن هذا الاختلاف دليل جواز الكل، والكلام فيما هو أفضل، ولا شك أن المصلى المنفرد
ومن يؤم قوماً محصورين راضين بالتطويل له أن يقرأ بما شاء بشرط أن لا يؤدى طول القراءة إلى
ضياع وقت الصلاة.
أما الذى يؤم قومًا غير محصورين. أو يؤم من لا يرضى بالتطويل فواجبه التخفيف من القراءة
بالقدر الذى لا يتألم منه مأموم، فإن الإسلام حريص على عدم التنفير من صلاة الجماعة، فهى مهما
قلت القراءة فيها أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة.
ولا يظن الإمام الذى يتعب المأمومين بقراءته أنه بذلك يتقرب إلى الله، بل إنه يخالف سنة
الرسول الكريم الذى كان يدخل الصلاة ينوى تطويلها بصحابته رجالا ونساء فيسمع بكاء الطفل
فيخفف القراءة إشفاقًا على أمه التى ستشغل عليه وتتألم لبكائه.
إن معاذ بن جبل كان يؤم قومه فحرص على أن ينال من فضل القراءة ما يطيل منها، فاستفتح
(١٨٠) حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَحْتِى أَخْبُرَنَا هُشَيْمٌ عَنِ مَنْصُورٍ عَنِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
(١٨١) حَدَِّ أَتَّةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو الرَّبِعِ الزَّهْرَانِيُّ قَالَ أَبُوَ الرَّبِعَ حَدََّنَا حَمَّادٌ حَدَّثَّا أَوْبُ عَنِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ جَابِرِ بْنِ
عَبْدِاللهِ
٢١

فى صلاة العشاء بسورة البقرة، وخلفه المريض وذو الحاجة والمتعب من عمل النهار، وصبر المتعب
قدر طاقته وهو يظن أن معاذا سيقف عند قريب، لكنه يئس من وقوفه، واعتقد أنه سيتم بهم سورة
البقرة فى ركعة واحدة، فسلم وصلى منفردًا وانصرف، وعلم بأمره معاذ فقال عنه: إنه منافق: وسأله
أصحابه: أنافقت يا فلان حيث انفصلت عن الإمام. وصليت وحدك؟ قال: لا واللَّه ولآتين رسول الله
* فلأخبرنه، وشكا إلى رسول اللَّهِ﴿ تطويل معاذ، فعنف رسول اللّهلَ﴿ معاذاً، وأمره أن يقرأ
بقصار السور إذا أم القوم لئلا ينفروا عن الجماعة، فإن فيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة.
التزم الصحابة هذه النصيحة من بعد نبيهم ® ®، يطيلون حيث لا خوف ولا ضرر، ويخففون حيث
راحة المأمومين، فما أجمل سماحة الإسلام، وما أعظم عطف الرسول الكريم وص ال .
وصدق اللَّه العظيم حيث يقول فيه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ
عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: ١٢٨].
المباحث العربية
( ثم يأتى فيؤم قومه ) فى رواية ((ثم رجع إلى بنى سلمة فيصليها بهم ولا مخالفة، فإن قومه
هم بنو سلمة.
( فانحرف رجل فسلم ) المفروض أنه سلم ثم انحرف أى انصرف فالمراد أنه أراد
الانحراف فسلم.
(فقالوا له: أنافقت يا فلان؟) ((فلان)) كناية عن اسم الرجل، وقد نودى فعلا باسمه، ولكن
الراوى كنى عنه كعادتهم فى الستر كأنه صان اسمه عن أن يتهم بالنفاق.
وفى الرواية الخامسة أن معاذاً قال: إنه منافق، فكأن القوم بلغوه على لسانهم لا على لسان معاذ
ابتعادًا عن النميمة.
( إنا أصحاب نواضى) جمع «ناضح)) وهو ما استعمل من الإبل فى سقى النخل والزرع.
( نعمل بالنهار) أى نعمل بجهد ومشقة وتعب طول النهار.
( أفتان أنت ) الاستفهام إنكارى توبيخى، أى لا ينبغى أن تكون فتانًا، أى منفرًا عن الدين
وصادًا عنه، قال الحافظ ابن حجر: ومعنى الفتنة ههنا أن التطويل يكون سبباً لخروجهم من الصلاة،
وللتكره للصلاة فى الجماعة، وقال النووى: يحتمل أن يريد بقوله ((فتان)) أى معذب لأنه عذبهم
بالتطويل، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠] قيل: معناه عذبوهم.
٢٢

فقه الحديث
قلنا فى باب القراءة فى الظهر والعصر: إنه ثبت عن النبى # أنه قرأ فى كل من الأوليين من
الظهر قدر ثلاثين آية، وإنه كان يقرأ فى الظهر والعصر بالسماء ذات البروج، وهى اثنتان وعشرون آية
قصيرة، وبالسماء والطارق وهى سبع عشرة آية قصيرة.
وفى روايتنا الثامنة ((كان يقرأ فى الظهر بالليل إذا يغشى، وفى العصر نحو ذلك)).
وسورة الليل إذا يغشى ((إحدى وعشرون آية، وفى النسائي)) كان رسول اللّه﴿ يصلى بنا الظهر،
فنسمع منه الآية بعد الآيات من سورة لقمان والذاريات)» ولقمان أربع وثلاثون آية والذاريات ستون
آية، وتحمل على الركعتين ففى كل ركعة نحو ثلاثين آية.
ومن مجموع هذه الروايات يثبت أن قراءته صلى الله عليه وسلم فى كل من ركعتى الظهر تترواح
بين أربع وثلاثين آية وبين سبع عشرة آية وقراءاته فى العصر دون ذلك.
أما القراءة فى الصبح فقد مرفى باب القراءة فى الصبح أنه صلى الله عليه وسلم قرأ فى الركعة
من أول سورة المؤمنين إلى ذكر عيسى [نحو خمسين آية] وأنه قرأ فى ركعة الصبح بالسورة التى
فيها ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ وهى سورة التكوير، وعددها تسع وعشرون آية، وأنه كان يقرأ فى الفجر
بـ)(ق)) وهى خمس وأربعون آية، وأنه كان يقرأ فى الفجر ما بين الستين إلى المائة آية [أى فى
الركعتين] ففى رواية البخارى ((كان النبى 3* يصلى الصبح، فينصرف الرجل فيعرف جليسه، وكان
يقرأ فى الركعتين أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة. وفى أبى داود أنه﴿ قرأ فى الصبح: ﴿إِذَا
رُلْزِلَتْ الأَرْضُ زلْزالَهَا﴾ فى الركعتين كلتيهما [وهى ثمان آيات] قال الراوي: فلا أدرى أنسي رسول
الله﴿ أم قرأ ذلك عمدًا، أى تكريره السورة فى الركعتين.
وفى البخارى عن أبى هريرة ((كان النبى {* يقرأ فى الفجر يوم الجمعة ﴿ألم تَنْزِيلُ﴾ ((السجدة
و﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الإنسَان﴾ والأولى ثلاثون آية والثانية إحدى وثلاثون آية.
ومن مجموع هذه الروايات يثبت أن قراءته صلى الله عليه وسلم فى كل من ركعتى الصبح
تراوحت بين خمسين آية وبين ثمانى آيات.
أما القراءة فى المغرب فقد مضى فى الباب السابق، فى الرواية الثانية عشرة أنه صلى الله عليه
وسلم قرأ فى المغرب بسورة المرسلات (أى فى ركعة) وهى خمسون آية قصيرة، وفى الرواية الثالثة
عشرة أنه صلى اللّه عليه وسلم قرأ فى ركعة المغرب بسورة الطور، وهى تسع وأربعون آية، وهناك
رواية فى البخارى يطالب فيها زيد بن ثابت مروان بن الحكم أمير المدينة أن يقرأ فى ركعتى
المغرب بالمائدة والأعراف، والأولى مائة وعشرون آية والثانية مائتان وست آيات.
وللعلماء فيما يقرأ فى المغرب بحث طويل يأتى فيما يؤخذ من الحديث أما قراءته صلى اللّه
٢٣

عليه وسلم فى العشاء فروايتنا الثانية تفيد أنه قرأ فى ركعة العشاء بسورة ﴿ وَالتِّين وَالزَّيْتُون﴾ وهى
ثمانى آيات، وفى روايتنا الرابعة أمر صلى اللَّه عليه وسلم معاذا أن يقرأ بـ ﴿ وَالشَّمْس وَضَحَاهَا﴾
وهى خمس عشرة آية، وبـ ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْل إذا سَجَى﴾ وهى إحدى عشرة آية، وبـ﴿ وَاللَّيْل إذا
يَغْشَى﴾ وهى إحدى وعشرون آية، وبـ ﴿سَبِّحْ اَسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وهى تسع عشرة آية، وفى روايتنا
الخامسة أمر معاذاً أن يقرأ بسورة اقرأ، وهى تسع عشرة آية فقراءاته صلى الله عليه وسلم وأمره
بالقراءة فى كل من الأوليين من العشاء تتراوح بين إحدى وعشرين آية وبين ثمانى آيات.
قال النووى فى شرح المهذب: قال العلماء: واختلاف قدر القراء فى الأحاديث كان بحسب
الأحوال، فكان النبى صلى الله عليه وسلم يعلم من حال المأمومين فى وقت أنهم يؤثرون التطويل
فيطول، وفى وقت لا يؤثرونه لعذر ونحوه فيخفف، وفى وقت يريد إطالتها فيسمع بكاء الصبى
فيخفف، كما ثبت فى الصحيحين. اهـ.
ثم قال: يستحب أن يقرأ فى الصبح بطوال المفصل، وفى الظهر بقريب من ذلك، وفى العصر
والعشاء بأوساطه، وفى المغرب بقصاره، فإن خالف وقرأ بأطول أو أقصر من ذلك جاز. وهذا إذا كان
منفردًا أو علم رضا المأمومين وإلا فليخفف. اهـ
والمفصل السبع السابع من القرآن، سمى بذلك لكثرة فصوله وصغر آياته، وهو من صورة محمد
إلى آخر القرآن، وقصاره من ﴿لَمْ يَكُنْ﴾ إلى آخر القرآن، وأوساطه من ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾ إلى
﴿لَمْ يَكُنْ﴾ وطواله من سورة محمد إلى ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾.
١
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- قال النووي: يؤخذ منها استحباب أن يقرأ الإمام والمنفرد بعد الفاتحة شيئا من القرآن فى
الصبح، وفى الأوليين من سائر الصلوات، ويحصل أصل الاستحباب بقراءة شيء من القرآن،
ولكن سورة كاملة أفضل حتى إن سورة قصيرة أفضل من قدرها من طويلة ... قال الزين ابن
المنير: ذهب مالك إلى أن يقرأ المصلى فى كل ركعة بسورة، ولا تقسم السورة فى ركعتين، ولا
يقتصر على بعضها ويترك الباقى، ولا يقرأ بسورة قبل سورة يخالف ترتيب المصحف، فإن فعل
ذلك كله لم تفسد صلاته، بل هو خلاف الأولى، وجميع ما استدل به البخارى لا يخالف ماقال
مالك لأنه محمول على الجوازاهـ
٢- يؤخذ من سعلته صلى الله عليه وسلم وركوعه جواز قطع القراءة. قال النووي: وهذا جائزبلا
خلاف، ولا كراهة فيه إن كان القطع لعذر، وإن لم يكن له عذر فلا كراهة فيه أيضا، ولكنه خلاف
الأولى. وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وبه قال مالك فى رواية عنه، والمشهور عنه كراهته.اهـ
٣ - وجواز القراءة ببعض السورة.
٤- واستدل به على أن السعال لا يبطل الصلاة، وهو واضح فيما إذا غلبه.
٥- واستدل به بعضهم على أن سورة المؤمنين مكية، وقد رد برواية أنه كان فى الفتح.
٢٤

٦- قال الحافظ ابن حجر: ويؤخذ منه أن قطع القراءة لعارض السعال ونحوه أولى من التمادى فى
القراءة مع السعال والتنحن، ولو استلزم تخفيف القراءة فيما استحب فيه تطويلها.
٧- يؤخذ من رواية جبير بن مطعم [الرواية الثالثة عشرة من الباب السابق] صحة أداء ما تحمله
الراوى فى حال الكفر، وكذا فى الفسق إذا أداه فى حال العدالة، لأن جبيراً تحمل الحديث وهو
مشرك وأداه وهو عدل.
٨- استدل بالرواية الثانية عشرة والثالثة عشرة على استحباب القراءة فى المغرب بالسور الطوال
كالطور والمرسلات، وقال الترمذى: نقل عن مالك أنه كره أن يقرأ فى المغرب بالطوال نحو
الطور والمرسلات. وقال الشافعى: لا أكره ذلك، بل أستحب. وكذا نقله البغوى فى شرح السنة عن
الشافعى والمعروف عند الشافعية أنه لا كراهة فى ذلك ولا استحباب، وأما مالك فاعتمد العمل
بالمدينة، لا بغيرها. قال ابن دقيق العيد: استمر العمل فى تطويل القراءة فى الصبح وتقصيرها
فى المغرب. قال الحافظ ابن حجر: والحق عندنا أن ما صح عن النبى 8# فى ذلك وثبتت
مواظبته عليه فهو مستحب، وما لا تثبت مواظبته عليه فلا كراهة فيه.اهـ وقال ابن خزيمة فى
صحيحة: وهذا من الاختلاف المباح، فجائز للمصلى أن يقرأ فى المغرب وفى الصلوات كلها بما
أحب، إلا أنه إذا كان إماماً استحب له أن يخفف فى القراءة. اهـ وقال القرطبى: ماورد فى مسلم
وغيره من تطويل القراءة فيما استقر عليه التقصير أو عكسه فهو متروك.اهـ
والذى تستريح إليه النفس أن المستحب فى المغرب قراءة قصار المفصل، وهو من ﴿لَمْ يَكُنْ﴾
إلى آخر القرآن، قال العينى: وهو مذهب الثورى والنخعى وعبدالله بن المبارك وأبى حنيفة وأبى
يوسف ومحمد وأحمد ومالك وإسحق، وقد روى الطحاوى أن الرسول و﴿ قرأ فى المغرب بالتين
والزيتون وروى بسند صحيح عن ابن عمر «كان رسول اللَّه﴿ يقرأ فى المغرب ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا
الْكَافِرُونَ﴾ و﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وروى عن عمر أنه كتب إلى أبى موسى أن اقرأ فى المغرب آخر
المفصل، وفى الأثر أن ابن عباس كان يقرأ فى المغرب ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وأن عمران
ابن حصين كان يقرأ فى المغرب ﴿إِذَا رُلْزِلَتْ﴾، ﴿ وَالْعَادِيَّاتِ﴾ وهذه الآثاروإن كان فى بعضها
ضعف تركن إليها النفس. والله أعلم.
٩- ويؤخذ من حديث معاذ [الرواية الرابعة والخامسة] جواز صلاة المفترض خلف المنتفل، لأن معاذا
كان يصلى الفريضة مع رسول ®، فيسقط فرضه، ثم يصلى مرة ثانية بقومه، هى له تطوع ولهم
فريضة، وقد جاء هكذا مصرحاً به فى غير مسلم، وهذا جائز عند الشافعى رحمه الله وآخرين، ولم
يجزه ربيعة ومالك وأبوحنيفة رضى الله عنهم والكوفيون، وتأولوا حديث معاذ به على أنه كان
يصلى مع النبى تنفلاً، ومنهم من تأوله على أنه لم يعلم به النبى { [وهذا مستبعد فإن الرواية
الرابعة تفيد علمه صلى الله عليه وسلم من الشاكى ولم ينكر عليه ذلك] ومنهم من قال: حديث
معاذ كان أول الأمر، ثم نسخ.
قال النووى: وكل هذه التأويلات دعاوى لا أصل لها، فلا يترك ظاهر الحديث بها.
٢٥

١٠- استدل بعض الشافعية على أنه يجوز للمأموم أن يقطع القدوة ويتم صلاته منفرداً وإن لم يخرج
منها، قال النووى: وهذا الاستدلال ضعيف، لأنه ليس فى الحديث أنه فارقه وبنى على صلاته، بل
فى الرواية الأولى أنه سلم وقطع الصلاة من أصلها، ثم استأنفها، وهذا لا دليل فيه للمسألة
المذكورة .اهـ
١١- وفيه أن الحاجة من أمور الدنيا عذر فى تخفيف الصلاة.
١٢ - وفيه إعادة الصلاة الواحدة فى اليوم الواحد مرتين.
١٣ - وجواز خروج المأموم من الصلاة لعذر.
١٤ - وفيه جواز صلاة المنفرد فى المسجد الذى يصلى فيه بالجماعة إذا كان بعذر.
١٥- وأن التخلف عن الجماعة من صفة المنافقين. قاله الحافظ ابن حجروفيه نظر.
١٦- أخذ من قوله ((فافتتح بسورة البقرة)) جواز قول سورة البقرة وسورة النساء وسورة المائدة
ونحوها ومنعه بعض السلف، وزعم أنه لا يقال إلا السورة التى يذكر فيها البقرة ونحو هذا، وهذا
خطأ صريح والصوب جوازه. اهـ
١٧- وأخذ من قوله ((أفتان أنت يا معاذ؟)) الإنكار على من ارتكب ما ينهى عنه وإن كان مكروهًا
غير محرم.
١٨ - وجواز الاكتفاء فى التعزير بالكلام.
١٩ - والأمر بتخفيف الصلاة والتعزير على إطالتها إذا لم يرض المأمومون ذكره النووى.
واللَّه أعلم
٢٦

(١٨٢) باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة فى تمام
٨٥٦- ٢ج١ عَنِ أَبِى مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيَِّ﴾(١٨٢) قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِوَ ﴿ فَقَالَ
إِنِّى لِأَتَأَخَّرُ عَنِ صَلاةِ الصُّبْحِ مِنْ أَجْلٍ فُلانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّنَ﴿ْ غَضِبَ فِى
مَوْعِظَةٍ قَطُ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئِذٍ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفْرِينَ. فَأَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ
فَلْيُوجِزْ. فَإِنَّ مِنْ وَرَائِهِ الْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ».
٨٥٧ - ٣جِ عَنِ أَبِى هُرَيْرَةَ ﴾(١٨٣) أَنَّ النّبِيَّلَ﴿ قَالَ «إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمْ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ
فِيهِمْ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَالْمَرِيضَ فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ)».
٨٥٨- ١٨٤ عَنِ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهِ(١٨٤) قَالَ هَذَا مَا حَدَّثَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ وَه
فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَثِ «إِذَا هَا قَامَ أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ الصَّلاةَ فَإِنَّ
فِيهِمْ الْكَبِيرَ وَفِيهِمْ الضَّعِيفَ وَإِذَا قَامَ وَحْدَهُ فَلْيُطِلْ صَلاَتَهُ مَا شَاءَ)».
٨٥٩- ١٥٥ عَنِ أَبِى هُرَيْرَةَّ ◌َ﴾(١٨٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : ﴿: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ
فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِى النَّاسِ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَذَا الْحَاجَّةِ».
٨٦٠ - :: عَنِ أَبِى هُرَيْرَةَعَ﴾(١١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ّ بِمِثْلِهِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ (بَدَلَ السَّقِيمَ):
الْكَبِيرَ.
٨٦١- شَجَد عَنِ عُثْمَانُ بْنِ أَبِى الْعَاصِ الثّقَفِيَُّ﴾(١٨٦) أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ ﴿ قَالَ لَهُ: «أُمَّ قَوْمَكَ»
قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى أَجِدُ فِى نَفْسِى شَيْئًا قَالَ: «اذُهْ» فَجَلَّسَنِى بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ وَضَعَ
(١٨٢) وحّدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتَى أَخْبِرَنَا هُشَيْمٌ عَنِ إِسْمَعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدٍ عَنِ قَيْسٍ عَنِ أَبِى مَسْعُودِ الأَنْصَارِيّ
- حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً حَدَّثَنَا هُشَيْمَّ وَوَكِيعٌ قَالَّ حَ وَحَدََّنَا ابْنُ ثُمَيٍّ حَدَّثَنَا أَبِى حِ وَحَدَّثَنَا اِبَّنُ أَبِى عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ
كُلُّهُمْ عَنِ إِسْمَعِيَلَ فِىَ هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلٍ حَدِيثِ هُشَيْمٍ
(١٨٣) وَحَدَّثَنَاَ قْتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدََّنَا الْمُغِيرَةُ وَهُوَّ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ عَنِ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنِ أَبِى هُرَيْرَةً
(١٨٤) حَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّوَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهِ
(١٨٥) وحَدَّثَنَا حَرْمَلَةٌ بْنُ يَحْتِى أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِى يُوْنُسَّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبُرَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْهُ
سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ
(١٠) وحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّتِى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِى أَبُو بَكْرٍ
ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرِيْرَةً يَقُولُ
(١٨٦) حَدَّثَنَا مُحَمِّدُ بَنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ ثُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ حَدَّثَنِى عُثْمَانُ بْنُ أَبِى الْعَاصِ
٢٧

كَفْهُ فِى صَدْرِى بَيْنَ ثَدْيَيَّ ثُمَّ قَالَ: «تَحَوَّلْ» فَوَضَعَهَا فِى ظَهْرِى بَيْنَ كَتِفَيَّ ثُمَّ قَالَ «أُمَّ
قَوْمَكَ. فَمَنْ أَمَّ قَوْمًا فَلْيُخَفّفْ. فَإِنَّ فِيهِمْ الْكَبِيرَ. وَإِنَّ فِيهِمْ الْمَرِيضَ وَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ. وَإِنَّ
فِيهِمْ ذَا الْحَاجَةِ. وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ».
٨٦٢- ٧ لها عَنِ عُثْمَانُ بْنِ أَبِى الْعَاصِ ظ﴾(١٨٧) قَالَ آخِرُ مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِعَ ﴿: «إِذَا
أَمَمْتَ قَوْمًا فَأَخِفَّ بِهِمْ الصَّلاةَ».
٨٦٣ - ١٨٨ عَنِ أَنَسِ ضَ﴾(١٨٨) أَنَّ النَّبِيَّ لِ﴿ّ كَانَ يُوجِزُ فِى الصَّلاةِ وَيُتِمُّ.
٨٦٤- ١٨٩ عَنِ أَنَسِعَ﴾(١٨٩) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كَانَ مِنْ أَخَفِّ النَّاسِ صَلاةٌ فِى تَمَامٍ.
٨٦٥- ١٩٠ عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(١٩٠) أَنَّهُ قَالَ: مَا صَلَيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُ أَخَفَّ صَلاةٌ وَلا
أَتَمَّ صَلَاةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ.
٨٦٦- ٩١ ١ عَنِ أَنَسٍ ﴾(١٩١) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ لِ﴿ يَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ مَعَ أُمِّهِ وَهُوَ فِى
الصَّلاةِ فَيَقْرَأُ بِالسُّورَةِ الْخَفِيفَةِ أَوْ بِالسُّورَةِ الْقَصِيرَةِ.
٨٦٧- ١٩٢ عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(١٩٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَّ«إِنِّى لأَدْخُلُ الصَّلاةَ أُرِيدُ
إِطَالَتَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَخَفْفُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ بِهِ».
المعنى العام
صدق الله العظيم حيث يقول ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: ٢٨]
وحيث يقول ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يَّرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
ولقد حرص الإسلام فى تشريعه السمح على أن لا يشق على الأمة، وراعى حالة الضعفاء والمرضى
(١٨٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَابْنُ بِشَّارٍ قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدٌ بْنَ
الْمُسَيِّبِ قَالَ حَدَّثَ عُثْمَانُ ابْنُ أَبِى الْعَاصِ
(١٨٨) وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ وَأَبُوِ الَرَّبِيعِ الزَّهَّرَانِيُّ قَالا حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنِ أَنَسٍ
(١٨٩) حَدَّثَنَا يَخْتِى بْنُ يَحْتَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (قَالَ يَخْتَى: أَخْبُرَّنَا وَقَالَ قُتَنْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَّانَّةَ) ◌َعَنِ قَتَادَةً عَنَّ أَنَسِّ
(١٩٠) وحَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَخْتَى وَيَخْتِى بْنُ أَيُّوبَ وَقْتَنْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ (قَالَ يَحْتِى بْنُ يَخْيَى: أَخْبَّرْنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ
حَدَّثْنَا إِسْمَعِيلٌ، يَعْنُونُ ابْنَ جَعْفَرٍ) عَنِ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ أَبِي نَمِرٍ عَنِ أَنَسٍ
(١٩١) وحذَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَخْتَى أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَّانَ عَنٍ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ◌َعَنِ أَنْسِ"
(١٩٢) وحَّدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالِ الصَّرِيرُ حَدََّا يَزِيدُ بْنُ زُرَيَّعٍ حَدَّنَا سَعِيدُ بْنَّ أَبِى عَرُوبَةَ عَنِ قَتَادَةَ عَنِ أَنْسِ بْنِ مَالِكِ
٢٨

والمشتغلين بمطالب الحياة ﴿عَلِمَ أن سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ
فَضْل اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، فجعل الضعيف أمير الركب، وطلب من الأقوياء أن يسيروا بخطى
الضعفاء، وكان صلى الله عليه وسلم خير مطبق لهذا القانون بطبعه ووجدانه ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ
أَنفُسِكُمْ عَزِيرٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: ١٢٨].
لقد غضب صلى الله عليه وسلم على معاذ حين طول القراءة على المأمومين، واستفتح
بسورة البقرة، فعنفه، وحذره من مثل ذلك لئلا ينصرف الناس عن الإسلام وصلاة الجماعة،
ولعل أئمة لم يعلموا بقصته فطولوا رغبة فى زيادة الثواب، أو لعلهم ظنوا أن الصبح غير
العشاء، فالعشاء يحتاج أهلها للنوم، أما الصبح فقد شبعوا من النوم واستقبلوا الحركة
والحياة بكثير من النشاط والرغبة فى الخير.
وكان من هؤلاء الأئمة أبى بن كعب فى مسجد قباء، وشكا الشاكى إلى رسول اللَّه ﴿، فقال
يارسول اللَّه، إنى ضعيف لا أقوى على صلاة الصبح جماعة مع أبى، لأنه يطيل القراءة، فأضطر إلى
التخلف عن صلاة الجماعة وأصلى منفردًا، أو أتشاغل ببعض مصالحى حتى يقطع شوطًا من قراءته،
ثم أحاول اللحاق به فلا أكاد أدرك الصلاة. فغضب صلى الله عليه وسلم غضبًا شديدًا، ودعا أبى بن
كعب، ودعا جمعاً من الأئمة، وقال: أيها الناس: إن منكم منفرين، ينفرون الناس عن صلاة الجماعة
بطول القراءة، إذا ما قام أحدكم إماماً للناس فليخفف، فإن من ورائه يصلى الصغير والكبير
والضعيف والمريض والحامل والمرضع وابن السبيل وذو الحاجة، وإذا صلى أحدكم وحده فليطل فى
صلاته ما شاء.
أيها الناس: إننى لا أراعى المرضى والضعفاء فحسب. بل أراعى أحاسيس من خلفى ومشاغلهم
ووجدهم، إننى أدخل فى الصلاة وأنا أنوى وأريد تطويلها، فأسمع بكاء الطفل، فأقدر انشغال أمه
ببكائه، وحرصها على سرعة لقائه واحتضانه، فأقرأ بالسورة القصيرة، وأخفف من صلاتى من أجل
الصبى وأمه.
أفلا تقدرن أن خلفكم المريض والمسن والضعيف وذا الحاجة؟.
أيها الناس يسروا ولا تعسروا، وخففوا ولا تطولوا، مع المحافظة على أركان الصلاة وسننها.
واستجاب الصحابة رضى الله عنهم، فكان عبدالرحمن بن عوف يقرأ بأقصر سورتين فى القرآن ﴿إِنَّا
أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ واقتدوا برسول اللّه و﴿ الذى قال عنه أنس بن مالك
((كان صلى اللَّه عليه وسلم من أخف الناس صلاة فى تمام)) و(( ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا
أتم صلاة من رسول اللَّه ◌ِ﴿)).
المباحث العربية
(إنى لأتأخر عن صلاة الصبح) («أى فلا أحضرها جماعة))، وفى رواية ((إنى لأتأخرعن
٢٩

صلاة الغداة)) وهى الصبح، وفى رواية ((واللَّه إنى لأتأخر)) بزيادة القسم، وفى رواية ((إنى لا أكاد أدرك
الصلاة)) أى لاطمئنانه إلى تطويل الإمام يتشاغل عن الإسراع إليه فتكاد تفوته الجماعة.
وخص الصبح من بين بقية الصلوات لأنها تطول فيها القراءة غالباً، ولأن الانصراف منها فى
وقت التوجه إلى الأعمال والحرف.
( من أجل فلان ) المقصود به أبى بن كعب، قال الحافظ ابن حجر: وهم من فسره
بمعاذ، لأن قصة معاذ كانت فى صلاة العشاء، وفى مسجد بني سلمة، وهذه كانت فى
الصبح وفى مسجد قباء. اهـ
( مما يطيل بنا ) أى فى القراءة، كما هو ظاهر فى العلاج والأمر بالتخفيف، و((ما)» مصدرية.
( فما رأيت رسول اللَّه﴿ غضب فى موعظة قط) «قط)) بفتح القاف وتشديد الطاء
ظرف زمان لاستغراق ما مضى، وبنيت لتضمنها معنى مذ وإلى وتختص بالنفى، فالمعنى ما رأيته
فيما انقطع من عمرى وما مضى من زمان.
( أشد مما غضب) («أشد)) بالنصب، نعت لمصدر محذوف، أى غضباً أشد من
غضبه و((ما)» مصدرية.
( يومئذ ) التنوين عوض عن جملة، أى يوم أخبر بذلك.
(إن منكم منفرين) بصيغة الجمع من التنفير، يقال: نفر ينفر نفوراً، إذا فروذهب، ونفَّره
بتشديد الفاء إذا دفعه إلى النفور.
(فأيكم أم الناس ) أى فأى واحد منكم، وفى رواية ((فأيكم ما صلى)) بما الزائدة، وفى رواية
((فمن أم الناس)) وذلك بالإضافة إلى روايات الباب.
(فليوجز) اللام لام الأمر، وفى رواية ((فليتجوز)) والإيجاز التقليل والتخفيف وهو ضد الإطناب.
(فإن من ورائه) وفى الروايات الآتية ((فإن فيهم)) وفى رواية ((فإن خلفه)) وفى
رواية «فإن منهم».
( الكبير والضعيف وذا الحاجة ) المراد من الكبير المسن الذى وهن بالشيخوخة، والمراد
بالضعيف الذى لا يحتمل، أعم من أن يكون الضعف بسبب المرض، أو بسبب فى أصل الخلقة
كالنحيف، أو بسبب السن، فيكون من ذكر العام بعد الخاص، وفى الرواية الثانية ((فإن فيهم الصغير
والكبير والضعيف والمريض، فالمراد من الصغير الذى لا يحتمل التطويل بسبب صغر السن، ومن
الكبير الذى لا يحتمل بسبب الشيخوخة ومن الضعيف الذى لا يحتمل بسبب فى خلقته، ومن
المريض الذى لا يحتمل بسبب مرضه.
٣٠

وفى الرواية الرابعة ((الضعيف والسقيم)) والمراد من السقيم المريض، وكان من الممكن أن
يجمعها بقوله ((فإن فيهم من لا يحتمل)» لكن ذكر هذه الأوصاف مدعاة إلى الإشفاق وإلى الاستجابة
بالتخفيف، أما ذو الحاجة فيراد به صاحب المصلحة العاجلة كالمسافر والعامل والمشغول بأمر من
أموره الداعية إلى الإسراع. فقد جاء فى رواية ((والعابر السبيل)) وفى أخرى ((الحامل والمرضع)).
( فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء) أى مخففًا أو مطولاً، وفى الرواية الثالثة ((فليطل
صلاته ما شاء)) من أطال، وفى رواية ((فيطول ما شاء)) من طول، و((ما)) زمانية، أى فليطول المدة
التى يشاؤها، ((وكيف)) فى رواية ((كيف شاء)) شرطية، وجوابها محذوف، دليله ما قبلها.
( إذا ما قام أحدكم للصلاة) ((ما)) زائدة بعد أداة الشرط غير الجازمة، وهى ((إذا)).
( إنى أجد فى نفسى شيئًا) قال النووى: يحتمل أنه أراد الخوف من حصول شيء من الكبر
والإعجاب له بتقديمه على الناس، ويحتمل أنه أراد الوسوسة فى الصلاة، فإنه كان موسوساً، ولا
يصلح للإمامة الموسوس.اهـ
( قال: ادنه ) الهاء هاء السكت، و(( أدن)) فعل أمر.
( فجلسنى بين يديه ) بتشديد اللام، أى أجلسنى أمامه.
( ثم وضع كفه فى صدرى ) أى على صدرى، وحروف الجرينوب بعضها عن بعض، و((فى))
أدخل فى التمكن، كتمكن المظروف فى ظرفه.
( بين ثديى ) بشديد الياء على التثنية، قال النووى وفيه إطلاق الثدى على حلمة الرجل، وهذا
هو الصحيح، ومنهم من منعه. اهـ
( ثم قال: تحول ) أى ضع صدرك جهة ظهرك، وظهرك جهة صدرك.
( فوضعها فى ظهرى بين كتفى ) بتشديد الياء، تثنية كتف، أى فوضع كفه على
وسط ظهرى.
( إذا أممت قوما فأخف بهم الصلاة ) هذه الجملة مقصود لفظها وحكايتها، خبر المبتدأ
أى آخر عهده إلى هذا القول.
( ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من رسول اللَّه مَ﴿) («قط))
و («أخف)) صفة ((إمام)) مجرور بالفتحة لأنه ممنوع من الصرف و((صلاة)» تمييز.
( إنى لأدخل الصلاة أريد إطالتها) جملة («أريد)) فى محل النصب على الحال، وفى رواية
((إنى لأقوم فى الصلاة أريد أن أطول فيها)).
٣١

( أسمع بكاء الصبى ) قال العينى، البكاء إذا مددت أردت به الصوت الذى يكون معه، وإذا
قصرت أردت خروج الدمع، وهنا ممدود لا محالة بقرينة ((فأسمع)) إذ السماع لا يكون إلا فى
الصوت. اهـ وليس المقصود بالصبى خصوص الذكر، بل ومثله الصبية.
( فأخفف من شدة وجد أمه به ) أى فأخفف الصلاة، وقال النووى: الوجد يطلق على الحزن
وعلى الحب أيضًا، وكلاهما سائغ هنا، والحزن أظهر أى من حزنها واشتغال قلبها به.اهـ
فقة الحديث
قال ابن دقيق العيد: التطويل والتخفيف من الأمور الإضافية فقد يكون الشيء خفيفا بالنسبة
إلى عادة قوم، طويلاً بالنسبة لعادة آخرين. اهـ
وظاهر الأحاديث أن تخفيف الصلاة إنما هو مراعاة لحال المأمومين، ومن هنا قال بعضهم: لا
يكره التطويل إذا علم رضا المأمومين، واعترض بأن الإمام لو فرض علمه بحال من بدأ الصلاة معه
فإنه لا يعلم حال من قد يأتى فيأتم به بعد دخوله فى الصلاة، قال الحافظ ابن حجر: فعلى هذا يكره
التطويل مطلقا إلا إذا فرض فى مصل بقوم محصورين راضين بالتطويل فى مكان لا يدخله غيرهم. اهـ
وقال اليعمرى: الأحكام إنما تناط بالغالب، لا بالصورة النادرة فينبغى للأئمة التخفيف مطلقاً.
وهذا كما شرع القصر فى صلاة المسافر، وعلل بالمشقة، وهو مع ذلك يشرع ولولم يشق، عملا بالغالب،
لأنه لا يدرى ما يطرأ عليه وكذلك هنا.
ويؤخذ من الأحاديث
١- قال النووى: فى الأحاديث الأمر للإمام بتخفيف الصلاة، بحيث لا يخل بسننها ومقاصدها، وأنه
إذا صلى لنفسه طول ما شاء فى الأركان التى تحتمل التطويل، وهى القيام والركوع والسجود
والتشهد، دون الاعتدال والجلوس بين السجدتين.اهـ. وسيأتى مزيد لهذا البحث فى الباب التالى.
٢- يؤخذ من قوله ((إنى لأتأخر عن صلاة الصبح)) جواز التأخر عن صلاة الجماعة إذا علم أن من عادة
الإمام التطويل الكثير، حيث لم يعنف رسول اللّه ◌ُ ل الرجل.
٣- وفيه جواز ذكر الإنسان بهذا ونحوه فى معرض الشكوى والاستفتاء.
٤- وفيه الغضب لما ينكر من أمور الدين والغضب فى الموعظة. قال ابن دقيق العيد: وسبب غضبه
صلى الله عليه وسلم إما مخالفة الموعظة [إن قلنا بسبق العلم، باحتمال كون هذه القصة بعد
قصة معاذ، وعليه أتى بصيغة الجمع هنا] أو للتقصير فى تعلم ما ينبغى تعلمه، ويحتمل أن يكون
ما ظهر من الغضب لإرادة الاهتمام بما يلقيه لأصحابه، ليكونوا من سماعه على بال، لئلا يعود
من فعل ذلك إلى مثله. اهـ قال الحافظ ابن حجر: وهذا أحسن فى الباعث على أصل إظهار
الغضب، أما كونه أشد فالاحتمال الثانى أوجه. اهـ
٣٢

٥- استدل بعضهم بقوله «فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء» على جواز إطالة القراءة ولو خرج الوقت
وفيه نظر، لأنه يعارض عموم قوله فى بعض الأحاديث ((إنما التفريط أن يؤخر الصلاة حتى
يدخل وقت الأخرى)) رواه مسلم. قال الحافظ ابن حجر: وإذا تعارضت مصلحة المبالغة فى
الكمال بالتطويل ومفسدة إيقاع الصلاة فى غيروقتها كانت مراعاة ترك المفسدة أولى.
٦- قال الحافظ ابن حجر: واستدل بعمومه على جواز تطويل الاعتدال والجلوس بين السجدتين.اهـ.
وفيه نظر، لأن الشكوى وعلاجها فى القراءة، ولا تتعرض لباقى الأركان.
٧- ويؤخذ من حديث بكاء الصبى جواز صلاة النساء مع الرجال فى المسجد.
٨- وأن الصبى يجوز إدخاله المسجد، وإن كان الأولى تنزيه المسجد عمن لا يؤمن منه حدث.
٩- وفيه دليل على الرفق بالمأمومين وسائر الأتباع ومراعاة مصالحهم، وأن لا يدخل ما يشق عليهم
وإن كان يسيرا من غير ضرورة، ذكره النووى.
١٠ - استدل بقوله ((إنى لأدخل الصلاة أريد إطالتها)) إلخ أن من قصد فى الصلاة الإتيان بشيء
مستحب لا يجب عليه الوفاء به، خلافًا لأشهب، حيث ذهب إلى أن من نوى التطوع قائماً ليس
له أن يتمه جالسًا.
١١ - قال ابن بطال: احتج به من قال: يجوز للإمام إطالة الركوع إذا سمع بحس داخل ليدركه،
وتعقبه ابن المنير بأن التخفيف نقيض التطويل، فكيف يقاس عليه؟ قال: ثم إن فيه مغايرة
للمطلوب لأن فيه إدخال المشقة على جماعة من أجل الواحد. اهـ قال الحافظ ابن حجر: ويمكن
أن يقال: إن محل ذلك ما لم يشق على الجماعة، وبذلك قيده أحمد وإسحق وأبو ثور، وما ذكره
ابن بطال سبقه إليه الخطابى، ووجهه بأنه إذا جاز التخفيف لحاجة من حاجات الدنيا كان
التطويل لحاجة من حاجات الدين أجوز. وتعقبه القرطبى بأن التطويل هنا زيادة عمل فى الصلاة
غير مطلوب بخلاف التخفيف، فإنه مطلوب.اهـ وفى المسألة خلاف عند الشافعية وتفصيل
وبالكراهة قال الأوزاعى وأبوحنيفة وأبو يوسف وقال محمد بن الحسن: أخشى أن يكون شركا.
والله أعلم
٣٣

(١٨٣) باب اعتدال أركان الصلاة وتخفيفها فى تمام
٨٦٨-١٩٣ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَاذِبٍ رَ(١٩٣) قَالَ رَمَقْتُ الصَّلاةَ مَعَ مُحَمَّدٍع ◌َ﴿ فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ
فَرَكْعَتَّهُ فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ فَسَجْدَتَهُ فَجَلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَيْنِ فَسَجْدَتَهُ فَجَلْسَتَهُ مَا بَيْنَ
التَّسْلِيمِ وَالانْصِرَافِ قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ.
٨٦٩- ٤َهْد عَنِ الْحَكَمِ(١٩٤) قَالَ: غَلَبَ عَلَى الْكُوفَةِ رَجُلٌ قَدْ سَمَّهُ زَمَنَ ابْنِ الأَشْعَثِ فَأَمَرَ
أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنّاسِ فَكَانَ يُصَلّى فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَامَ قَدْرَ مَا
أَقُولُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءُ السَّمَوَاتِ وَمِلْءُ الْأَرْضِ وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ أَهْلَ
الثَّاء وَالْمَجْدِ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ قَالَ
الْحَكَمُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى فَقَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ كَانَتْ
صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ وَرُكُوعُهُ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَسُجُودُهُ وَمَا بَيْنَ السَّجْدَيْنِ قَرِيبًا
مِنْ السَّوَاءِ قَالَ شُعْبَةُ: فَذَكَرْتُهُ لِعَمْرِو بْنِ مُرَّةَ فَقَالَ قَدْ رَأَيْتُ ابْنَ أَبِى لَيْلَى فَلَمْ تَكُنْ
صَلاَتُهُ هَكَذَا.
٨٧٠- ◌ْ عَنِ الْحَكَمِ (١١) أَنَّ مَطَرَ بْنَ نَاجِيّةَ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى الْكُوْفَةِ أَمَرَ أَبَا عُبَيْدَةً أَنْ يُصَلِّيَ
بِالنَّاسِ وَسَّاقَ الْحَدِيثَ.
٨٧١ - ١٩٥ عَنِ أَنَسِ رَ﴾(١٩٥) قَالَ: إِنِّى لا أُلُو أَن أُصَلِّيَ بِكُمْ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّ
يُصَلِّى بِنَا قَالَ فَكَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئًا لا أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَهُ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ
الْتَصَبَ قَائِمًا حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ قَدْ نَسِيَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ مَكَثَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ
قَدْ نَسِيَ.
٨٧٢ - ١٩٢٦ عَنِ أَنَسٍ رَّ(١٩٦) قَالَ: مَا صَلَّيْتُ خَلْفَ أَحَدٍ أَوْجَزَ صَلاةٌ مِنْ صَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ
﴿ٌ فِى تَمَامٍ كَانَتْ صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ لَّ مُتَقَارِبَةً وَكَانَتْ صَلاةُ أَبِى بَكْرٍ مُتَقَارِبَةٌ فَلَمَّا كَانَ
(١٩٣) وَحَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ وَأَبُو كَامِلٍ فُضَّيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ كِلاهُمَا عَنِ أَبِى عَوَانَةً قَالَ حَامِدٌ حَدَّثَّا أَبُو عَوَالَةَ
عَنِ هِلالِ بْنِ أَبِى حُمَيْدٍ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى عَنِ الْبَرَاءِ
(١٩٤) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدَ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّثَنَا أَبِىَ حَدَّلَا شُغَّبَةُ عَنِ الْحَكَمِ
(١٠) حَدَّثَنَا مُحَمِّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَابْنُ بَشَّارِ قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَاُ شُعْبَةُ عَنِ الْحَكْمِ
(١٩٥) حَدَّثْنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّقَا حَمََّدُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ ثَابِتٍ عَنِ أَنَسِ
(١٩٦) وحَدَِّى أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ حَدَّثْنَا بَهْرٌ خَدَّثَنَا حَمَّاذَ أَخْبُرَّنَا قَابِتٌ عَنِ أَنَسٍ
٣٤

عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَدَّ فِى صَلاةِ الْفَجْرٍ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ إِذَا قَالَ «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»
قَامَ. حَتّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ. ثُمَّ يَسْجُدُ. وَيَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَثَيْنِ. حَتّى تَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ.
المعنى العام
لم يهتم المسلمون برصد ركن من أركان الإسلام اهتمامهم برصد حركات الصلاة وسكناتها
وقراءتها وذكرها، وكيف لا وهى التى تنهى عن الفحشاء والمنكر؟ وكيف لا وهى عماد الدين؟ وكيف لا
وهى الفارق بين المسلم والكافر؟
لقد كان الصحابة يرمقون صلاة رسول اللّه*، ويقلدونها ويقتدون بها وكان التابعون يرصدون
صلاة الصحابة ويحاكونها، ومن كان يرى خلافاً لما علم سأل من هو أعلم منه به، ومن رأى منهم خللا
نبه عليه، وهكذا صانوها وحفظوها ونقلوها إلينا خلفاً عن سلف مع كمال العناية، وبالغ الاهتمام.
وهذه الأحاديث تحكى صورة حية ناطقة بتبليغ الرسالة وحفظ الأمانة ونصح الأمة.
فهذا البراء بن عازب يروى أنه رصد ورمق صلاة رسول اللّه *، رمق كم من الوقت كان وقوفه؟
وكم كان ركوعه؟ كم كان رفعه من الركوع؟ وكم من الوقت قضى فى سجوده؟ وكم قضى فى جلوسه
بين السجدتين؟ ويحكى أن الزمن الذى استغرق فى كل كان متقاربا.
وهذا أبو عبيدة بن عبدالله بن مسعود التابعى يؤم الناس، فيطمئن بعد الرفع من الركوع ويقرأ
الذكر الجميل الطويل فى وقوفه كرسم لمقدار الطمأنينة المطلوبة، ويحكى الحكم التابعى للتابعى
الجليل عبدالرحمن بن أبى ليلى ما رآه من تطويل أبى عبيدة فيحسب ابن أبى ليلى مقدار هذا
التطويل على بقية أركان الصلاة.
ويرى أنس بن مالك الصحابى الجليل، يرى الناس، وقد أخلوا بالطمأنينة فى الصلاة، وأخذوا
ينقرون الصلاة نقراً، فقال لهم: ألا أنبئكم بصلاة رسول اللَّه ﴿؟ تعالوا أريكم إنى واللَّه لا ألو جهداً أن
أصلى بكم كما رأيت رسول اللَّهَ﴿ يصلى بنا، وصلى بهم صلاة يطمئن فيها فى الركوع وفى الرفع منه
وفى السجود وفى الرفع منه اطمئناناً لا يطمئن القوم مثله، وحين يلمس التعجب فى وجوه القوم
يقول لهم: كانت صلاة رسول اللَّه﴿ كذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائماً، وظل قائما
حتى يقول الناس إنه نسى الهوى للسجود، وإذا رفع رأسه من السجود جلس واستمر جالساً بين
السجدتين حتى يقول الناس إنه نسى الهوى للسجدة الثانية.
وقد سار أبو بكر على نهجه صلى الله عليه وسلم، وصار عمر على نهجه بل وزاد فى طمأنينة صلاة
الفجر عما كان عليه العهد فى صلاة أبى بكر، فرضى اللَّه عمن اتبع هداك يا رسول اللَّه، وصلى الله
وسلم وبارك عليك وعلى أصحابك أجمعين.
٣٥

المباحث العربية
(رمقت الصلاة مع محمد ) أى راقبتها وحاولت فهمها.
(قريباً من السواء ) ((قريبا)) مفعول ثان لـ ((فوجدت)» وهذا التعبير ظاهر فى التفاوت اليسير
بين الأركان، وسيأتى زيادة إيضاح فى فقه الحديث.
( غلب على الكوفة رجل ) قال النووى: هو مطر بن ناجية المسمى فى الرواية الثانية.
( فأمر أبا عبيدة بن عبدالله) بن مسعود عظته.
( فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن أبى ليلى ) الأنصارى الكوفى، كان أصحابه يعظمونه،
أدرك مائة وعشرين صحابياً، مات سنة ثلاث وثمانين.
( إنى لا آلو) بهمزة ممدودة بعد حرف النفى ولام مضمومة بعدها واو، أى لا أقصر.
( فكان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه ) قال الحافظ ابن حجر: فيه إشعار بأنهم
كانوا يخلون بتطويل الاعتدال.
( حتى يقول القائل: قد نسى) أى قد نسى وجوب الهوى إلى السجود أو أنسى أنه فى
صلاة، أو ظن أنه وقت القنوت حيث كان معتدلا، أو وقت التشهد حيث كان جالساً.
( خلف أحد أوجز صلاة) ((أوجز)) صفة ((أحد)) مجرور بالفتحة، و((صلاة)) تمييز.
( حتى نقول: قد أوهم ) فى كتب اللغة: أوهم فلان وهم بفتح الهاء، أى ذهب وهمه إلى شىء
وهو يريد سواه، ووهم فى الصلاة سها، فهى كما فى الرواية الرابعة ((قد نسى)).
فقه الحديث
قال النووى: وأعلم أن هذا الحديث محمول على بعض الأحوال، وإلا فقد ثبتت الأحاديث السابقة
بتطويل القيام، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فى الصبح بالستين إلى المائة، وفى الظهر بـ ((ألم
تنزيل)) السجدة، وأنه كان تقام الصلاة فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضى حاجته، ثم يرجع،
فيتوضأ، ثم يأتى المسجد فيدرك الركعة الأولى، وأنه قرأ سورة المؤمنين حتى بلغ ذكر موسى وهارون
وأنه قرأ فى المغرب بالطور وبالمرسلات، وأشباه هذا. وكله يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كانت
له فى إطالة القيام أحوال بحسب الأوقات. وهذا الحديث الذى نحن فيه جرى فى بعض الأوقات.اهـ
وما قاله الإمام النووى هو محاولة للتوفيق بين قول البراء بن عازب ((فوجدت قيامه فركعته ...
٣٦

إلخ قريبًا من السواء)) وبين ما ثبت من قراءاته صلى الله عليه وسلم فى وقوفه، وهذه المحاولة غير
مسلمة، إذ من المستبعد أن يتساوى ركوعه مع قراءة دعاء الاستفتاح والفاتحة وسورة مهما كانت
قصيرة، والذى يبدولى أن المعادلة التي قصدها البراء معادلة بين قيامه بدون قراءة وبين الركوع إلخ
أى معادلة بين الوقت الذى يبدأ بتكبيرة الإحرام وينتهى بالبدء فى الفاتحة، ويشغل بدعاء
الاستفتاح، يرشح هذا أنه لم يذكر مسافة الجلوس للتشهد، بل ذكر مسافة الجلوس بين السلام
والانصراف، مما يوحى بأن وقوف القراءة وجلوس القراءة غير داخلين فى المعادلة، ويؤكد هذا الفهم
الرواية الثانية للبراء، وفيها عقد المقارنة فى غير الوقف للقراءة والجلوس للتشهد، ويؤيد هذا الفهم
تأكيداً رواية البخارى عن البراء نفسه، ولفظها ((كان ركوع النبى { 10. وسجوده، وبين السجدتين وإذا
رفع من الركوع - ما خلا القيام والقعود - قريبًا من السواء)».
وعلى ذلك فقول النووى: فى الحديث دليل على تخفيف القراءة والتشهد. هذا القول غير مسلم.
وهناك من العلماء من فهم أن مقارنة البراء ليست بين أركان الصلاة بعضها مع بعض وإنما هى
مقارنة بين الركن الواحد فى الصلوات المختلفة، أو فى الركعات المختلفة، فكأنه قال: كان ركوعه
فى جميع الركعات وجميع الصلوات قريباً من السواء وكان اعتداله فى جميع الركعات وفى جميع
الصلوات قريباً من السواء. ويساعد هذا الفهم عبارته فى الرواية الثانية ((كانت صلاته. قريباً من
السواء)) قال الحافظ ابن حجر: ولا يخفى تكلفه.
ويؤخذ من الحديث
١- استحباب إطالة الطمأنينة فى الركوع والسجود، وفى الاعتدال عن الركوع وعن السجود، وفى
مقدارها تفصيل وآراء تأتى فى أبوابها التى تلى هذا الباب إن شاء الله.
٢- قال الحافظ ابن حجر: استدل بظاهره على أن الاعتدال ركن طويل ولا سيما قول أنس ((حتى
يقول القائل: ((قد نسی».
٣- قال القرطبى: هذا الحديث يدل على أن بعض الأركان أطول من بعض، غير أنها غير متباعدة.
٤- قال النووي: وفيه دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يجلس بعد التسليم شيئاً يسيراً
فى مصلاه.
واللَّه أعلم
٣٧

(١٨٤) باب متابعة الإمام والعمل بعده
٨٧٣- ١٩٧ عَنِ أَبِى إِسْحَقَ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدٌ(١٩٧) قَالَ: حَدَّثَنِى الْبَرَاءُ وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ
أَنْهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِوَ﴿ فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ لَمْ أَرَ أَحَدًا يَحْنِى ظَهْرَهُ
حَتَّى يَضَعَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ْ جَبْهَنَّهُ عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَخِرُّ مَنْ وَرَاءَهُ سُجَّدًا.
٨٧٤- ٨َهْد عَنِ الْبَرَاءِ وَ﴾(١٩٨) (وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِعَّ إِذَا قَالَ
«سَمِعَ اللَّهُ لِمِنْ حَمِدَهُ)» لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ِسَاجِدًا ثُمَّ نَقَعُ
سُجُودًا بَعْدَهُ.
٨٧٥- ٩ْ عَنِ مُحَارِبِ بْنِ دِفَارٍ (١٩٩) قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ
حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ أَنْهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ﴿ فَإِذَا رَكَجَ رَكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ
الرُّكُوعِ فَقَالَ «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ » لَمْ نَزَلْ قِيَامًا حَتَّى نَرَاهُ قَدْ وَضَعَ وَجْهَهُ فِى الأَرْضِ
ثُمَّ نَتْعُهُ.
٨٧٢- ٢٠ْ عَنِ الْبَرَاءِ وَ﴾(٢٠١) قَالَ: كُنَّا مَعَ النّبِيِّ وَ﴿ لا يَخْنُو أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى نَرَاهُ قَدْ
سَجَدَ. فَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَاهُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْكُوْفِيُّونَ: أَبَانُ وَغَيْرُهُ قَالَ: حَتَّى نَرَاهُ يَسْجُدُ.
٨٧٧- ٢٥١ عَنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ رَ(٢٠١) قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ◌َ﴿ِ الْفَجْرَ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنْسِهِ الْجَوَارِ الْكُنْسِ﴾ [التكوير: ١٦،١٥]. وَكَانٌ لا يَخْنِى رَجُلٌ مِنَّا ظَهْرَهُ
حَتَّى يَسْتَتِمَّ سَاجِدًا.
(١٩٧) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَقَ قَالَ ح وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْنِى أَخْبُوَّنَا أَبُو خَيْئَمَةَ عَنِ أَبِى إِسْحَقَ
(١٩٨) وِحَدَّثَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلادِ الْبَاهِلِيُّ حَدَّثَنَا يَخْنَى (يَغْنِى ابْنَ سَعِيدٍ) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدََّتِى أَبُو إِسْحَقَ حَدَّثَنِىَ عَبَّدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ
حَدَّثَنِى الْبَرَاءُ
(١٩٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمِ الأَنْطَاكِيُّ حَذََّنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو إِسْحَقَ الْفَزَارِيُّ عَنِ أَبِى إِسْحَقَ الشََّانِيِّ عَنِ
مُحَارِبِ بْنِ دِقَار
(٢٠٠) حَدَّثَنَ زُهَيْرُ بَّنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْئَةَ حَدَّثَ أَبَاهُ وَغَيْرُهُ عَنِ الْحَكَمِ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَّيْلَى
عَنِ الْبَرَاءِ
(٢٠١) ◌َحَدَّثَنَا مُحْرِزُ بْنُ عَوْنِ بْنِ أَبِى عَوْنٍ حَدَّثَ خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ الأَشْجَعِيُّ أَبُو أَحْمَدَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ سَرِيعٍ مَوْلَى آلِ عَمْرِو بْنِ
حُرَيْثٍ عَنِ عَمْرِو بْنِ خُرَيْثٍ
٣٨

المعنى العام
شرع الله صلاة الجماعة ليتم اللقاء ويتعدد، فتزول الجفوة، وتشيع المودة وتتداول المنافع
والمصالح. وشرع لها حدودًا وضوابط لتعليم المسلمين النظام فى الحركة والسكون، والانقياد للقائد
الذى ارتضوه وقدموه إماما، ومقتضى النظام والدقة والانقياد أن لا يسبقوا قائدهم، فلا يحنوا ظهورهم
إلا بعد أن يحنى، ولا يرفعوا رءوسهم قبل أن يرفع.
بالتزام هذه الحدود والضوابط يتحقق الهدف الأكبر لصلاة الجماعة ولهذا كثر أمر الرسول و #
أصحابه باتباع الإمام ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا .. وإذا قال: سمع الله لمن حمده
فقولوا: ربنا ولك الحمد .. )) إلخ.
لكن العجلة طبيعة الإنسان ﴿ خُلِقَ الإنسَانُ مِنْ عَجَل﴾ [الأنبياء: ٣٧] والشيطان يحركه إلى هذه
الطبيعة فى الصلاة ليخرجه بسرعه من المناجاة، ويحركه فى صلاة الجماعة إلى هذه الطبيعة بصفة
خاصه، ليفقده ثوابها، وليوقعه فى إثم ما بعده إثم ويعرضه لعقوبة من أشد العقوبات.
لقد كان صلى الله عليه وسلم يراقب من خلفه فى صلاة الجماعة، وكان حريصا على التزامهم
ومتابعتهم لصلاته، فكان يقوم المعوج، ويصحح الخطأ. صلى رجل خلفه فجعل يركع قبل أن يركع،
ويرفع قبل أن يرفع، فلما قضى النبى 8* صلاته، قال: من الفاعل هذا؟ قال: أنا يارسول اللَّه. قال:
((إذا ركع الإمام فاركعوا وإذا رفع فارفعوا)).
المباحث العربية
( وعن أبى إسحق عن عبد الله بن يزيد قال: حدثنى البراء - وهو غير كذوب ) قال
يحيى بن معين: القائل [وهو غير كذوب] هو أبو إسحق. قال: ومراده أن عبد الله بن يزيد غير كذوب،
وليس المراد أن البراء غير كذوب. لأن البراء صحابى، لا يحتاج إلى تزكية ، ولا يحسن فيه
هذا القول.اهـ
قال النووى: وهذا الذى قاله ابن معين خطأ عند العلماء، بل الصواب أن القائل: ((وهو غير
كذوب)) هو عبد الله بن يزيد، ومراده أن البراء غير كذوب ومعناه تقوية الحديث وتفخيمه، والمبالغة
فى تمكينه من النفس، لا التزكية التى تكون فى مشكوك فيه، ونظيره قول ابن عباس : حدثنا
رسول اللَّه ◌َ﴿ وهو الصادق المصدوق، وعن أبى هريرة مثله، ونظائر، فمعنى الكلام حدثنى البراء وهو
غير متهم كما علمتم، فثقوا بما أخبركم عنه. اهـ
وقال الخطابي: هذا القول لا يوجب تهمة فى الراوى، إنما يوجب حقيقة الصدق له.اهـ
فهذا القول لا يقصد به تعديل الراوى حتى ينزه عنه البراء لأجل صحبته.
٣٩

وقد اعترض بعضهم على ابن معين بأنه حين نزه البراء عن هذه العبارة ألصقها بعبدالله بن يزيد
وهو صحابى أيضًا، لكنه أجيب بأن ابن معين لا يعد عبد الله بن يزيد فى الصحابه وإن عدَّه كثير من
العلماء منهم.
بقى قولهم: إن نفى الكذوبية لا يستلزم نفى الكاذبية، أى إن نفى المبالغة فى الكذب لا يسلتزم
نفى أصل الكذب وقليله، فكان الواجب نفى مطلق الكذب وأجيب بأن المعنى غير كذب، فهو من
قبيل قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [فصلت: ٤٦].
( لم أر أحدًا يحنى ظهره) أى للسجود، وفى الرواية الرابعة ((لا يحنو أحد منا ظهره)) قال
النووى وكلاهما صحيح فهما لغتان حكاهما الجوهرى وغيره يقال: حنيت وحنوت، ولكن الياء أكثر
ومعناه عطفته، ومثله حنيت العود وحنوته عطفته. اهـ
( لم يحن أحد منا ظهره) ((يحن)) بفتح الياء وسكون الحاء من حنيت العود إذا قوسته.
(﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِى الْكُنَّس﴾) قال المفسرون وأهل اللغة: هى النجوم
الخمسة، وهى المشترى وعطارد والزهرة والمريخ وزحل هكذا قال أكثر المفسرين، وهو مروى عن على
ابن أبى طالب ، وفى رواية عنه أنها هذه الخمسة والشمس والقمر، وعن الحسن هى كل النجوم،
وقيل غير ذلك، والخنس التى تخنس، أى ترجع فى مجراها، والكنس التى تكنس أى تدخل كناسها
أى تغيب فى المواضع التى تغيب فيها، والكنس جمع كانس قاله النووى.
فقه الحديث
قال الحافظ ابن حجر: ظاهر الحديث [وهو يتكلم عن حديث التهديد بصورة حمار] يقتضى
تحريم الرفع قبل الإمام ، لكونه توعد عليه بالمسخ ، وهو أشد العقوبات ، وبذلك جزم النووى فى
شرح المهذب.
ومع القول بالتحريم فالجمهور على أن فاعله يأثم وتجزئ صلاته، وعن ابن عمر تبطل، وبه قال
أحمد فى رواية، وبه قال أهل الظاهر، بناء على أن النهى يقتضى الفساد، وفى المغنى عن أحمد أنه
قال فى رسالته: ليس لمن سبق الإمام صلاة لهذا الحديث، قال: ولو كانت له صلاة لرجى له الثواب
ولم يخش عليه العقاب. اهـ
وقال القرطبى: من خالف الإمام فقد خالف سنة المأموم. اهـ وظاهر عبارته عدم الحرمة وثبوت
الكراهة لكن الجمهور على الحرمة.
وقد فصل الإمام النووى هذه المسألة فى شرح المهذب تفصيلاً جديراً بالاعتبار، فقال:
قال أصحابنا يجب على المأموم متابعة الإمام، ويحرم عليه أن يتقدمه بشيء من الأفعال،
٤٠