Indexed OCR Text

Pages 601-620

(فإن تسوية الصف من تمام الصلاة) ((الصف)) مراد به الجنس، وفى رواية البخارى
((فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة)) قيل: فى الكلام مضاف محذوف تقديره: فإن تسوية الصف
من كمال تمام الصلاة، أو من حسن تمام الصلاة، والداعى لهذا التقدير أن تسوية الصف ليست من
حقيقة الصلاة، وإنما هى من حسنها وكمالها، سواء كانت واجبة فى نفسها أم سنة أم مستحبة على
اختلاف فى الأقوال، ويتفق مع هذا التقدير روايتنا الخامسة، وفيها ((فإن إقامة الصف من حسن
الصلاة)) وحسن الشيء زائد على حقيقته.
( فإنى أراكم خلف ظهرى ) سواء أردنا من الرؤية، الرؤية البصرية بقدرة يخلقها
اللَّه فيه صلى الله عليه وسلم أم الرؤية العلمية بوحى أو إلهام، فإن المقصود بهذه الجملة
التحذير وزيادة المراقبة.
( أقيموا الصف ) أى سووه وعدلوه وتراصوا فيه، فالمقصود استقامته وسد الفرج فيه.
(أوليخالفن اللَّه بين وجوهكم) إن لم تسووا، واختلف فى هذا الوعيد فقيل: هو على
حقيقته، والوعيد بالمسخ كالوعيد فيمن رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل اللَّه رأسه رأس حمار، أو
الوعيد بتحويل خلقه عن وضعه، بجعله موضع القفاء أو نحو ذلك، فهو كالوعيد المذكور فى قوله
تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهَا فَتَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧] وهذان الرأيان مبنيان على
أن المراد بالوجهَ العضو المخصوص، وحمل بعضهم هذا الوعيد على المجاز، قال النووى: والأظهر أن
معناه يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب، كما يقال: تغيروجه فلان على، أى طهرلى من
وجهه كراهة لى وتغير قلبه علىَّ. اهـ ويؤيد هذا الرأى روايتنا الأولى ففيها «ولا تختلفوا فتختلف
قلوبكم)) ورواية أبى داود ولفظها ((أوليخالفن اللَّه بين قلوبكم)) وقريب من هذا قول القرطبى: معناه
نفترقون، فيأخذ كل واحد وجها غير الذى أخذه صاحبه، لأن تقدم الشخص على غيره مظنة الكبر
المفسد للقلب الداعى إلى القطيعة.
قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يراد بالمخالفة المخالفة فى الجزاء، فيجازى المسوى بخير،
ومن لا يسوى بشر. اهـ وهو احتمال بعيد.
( يسوى صفوفنا حتى كأنما يسوى بها القداح) ((القداح)) بكسر القاف هى خشب
السهام حين تنحت وتبرى، واحدها قدح بكسر القاف وإسكان الدال وهو السهم قبل أن يراش ويركب
فيه النصل، والمعنى يسوى صفوفنا ويقومها، ويبالغ فى تسويتها حتى تصير كأنما يقوم بها السهام
لشدة استوائها واعتدالها.
( حتى أرى أنا قد عقلنا عنه ) أى ظل يتعهدنا بذلك حتى ظن أو اعتقد أننا فهمنا الحكم
وحرصنا عليه والتزمناه، فتركنا.
( فقام حتى كاد يكبر) أى قام إلى الصلاة واستعد للدخول فيها حتى قرب من
تكبيرة الإحرام.
٦٠١

( لويعلم الناس ما فى النداء والصف الأول ) النداء هو الأذان، أى لو يعلم الناس ما فى
مباشرة الأذان وأدائه من الأجر والثواب، والمراد من الصف الأول ما يلى الإمام مطلقا، وقيل أول صف
تام يلى الإمام، لاما يتخللَّه شيء كمقصورة. وقيل المراد به من سبق إلى الصلاة ولوصلى آخر
الصفوف، قال النووى: والقول الأول هو الصحيح.
( ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ) الاستهام الاقتراع والمعنى أنهم لو علموا
فضيلة الأذان ثم لم يجدوا طريقا يحصلونه به لضيق الوقت عن أذان بعد أذان، ولكونه لا يؤذن
للمسجد إلا واحد لاقترعوا فى تحصيله.
(ولو يعلمون ما فى التهجير لاستبقوا إليه ) و((التهجير)) التبكير إلى الصلاة أى صلاة
كانت، قال الهروى وغيره وخصه الخليل بالجمعة، والصواب المشهور الأول.
( ولو يعلمون ما فى العتمة والصبح ) أى صلاة العشاء والفجروهما أثقل الصلاة
على المنافقين.
( لأتوهما ولو حبوا ) بفتح الحاء وإسكان الباء، وهو المشى على اليدين والرجلين.
( رأى فى أصحابه تأخرا ) أى عدم المبادرة إلى الصف الأول، وتأخراً عن القرب من الإمام.
( وليأتم بكم من بعدكم ) أى يقتدوا بى مستدلين على أفعالى بأفعالكم.
( لا يزال قوم يتأخرون ) عن الصفوف الأول.
(حتى يؤخرهم الله) عن العلم ورفع المنزلة، أو عن الرحمة وعظيم الفضل أو عن
رتبة السابقين.
( لو تعلمون ما فى الصف المقدم ) أى الصف الأول مما يلى الإمام.
( لكانت قرعة) اسم كانت ضمير، ((قرعة)) خبرها. أى لكانت المسألة والفاصلة بينهم قرعة.
( خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها ) قال النووى: هى على عمومها فخيرها أولها
أبدًا، وشرها آخرها أبدًا.
(وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها ) قال النووى: ليس على عمومها، فالمراد من
الحديث صفوف النساء اللواتى يصلين مع الرجال، وأما إذا صلين متميزات لا مع الرجال فهن
كالرجال، خير صفوفهن أولها، وشرها آخرها، والمراد بشر الصفوف فى الرجال والنساء أقلها ثوابا
وأبعدها من مطلوب الشرع، وخيرها بعكسه.
٦٠٢

فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١ - قال النووى: فى هذا الحديث تقديم الأفضل فالأفضل إلى الإمام لأنه أولى بالإكرام، ولأنه ربما
احتاج الإمام إلى استخلاف فيكون هو أولى، ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام على السهولما لا يتفطن
له غيره، وليضبطوا صفة الصلاة ويحفظوها، وينقلوها ويعلموها الناس، وليقتدى بأفعالهم من
وراءهم، ولا يختص هذا التقديم بالصلاة، بل السنة أن يقدم أهل الفضل فى كل مجمع إلى الإمام
وكبير المجلس، كمجالس العلم والقضاء، والذكر والمشاورة ومواقف القتال وإمامة الصلاة
والتدريس والإفتاء وإسماع الحديث ونحوها؛ ويكون الناس فيها على مراتهم فى العلم والدين
والعقل والشرف والسنن والكفاءة فى ذلك الباب، والأحاديث الصحيحة متعاضدة على ذلك.اهـ
٢- وفيه اعتناء الإمام بتسوية الصفوف بالفعل والحث عليها بالقول.
٣- وفيه مشروعية نسوية الصفوف، وقد استدل ابن حزم بقوله: ((فإن تسوية الصف من تمام الصلاة))
ومن رواية ((فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة)) على أن التسوية واجبة، لأن تمام الشيء
يتوقف على مالا تتم الحقيقة إلا به.
والجمهور على أن تسوية الصفوف من السنة، اعتمادا على رواية البخارى ((فإن إقامة الصف من
حسن الصلاة)) قال ابن بطال: لأن حسن الشيء زيادة على تمامه، وهى سنة عند أبى حنيفة
والشافعى ومالك.
٤- استدل بالوعيد فى الحديث على إثم من لم يتم الصفوف، لأن مثل هذا الوعيد يستلزم التأثيم،
والتأثيم لا يقع على ترك السنة، وأما قول ابن بطال: إن تسوية الصفوف لما كانت من السنن
المندوب إليها التى يستحق فاعلها المدح عليها دل على أن تاركها يستحق الذم، فهذا القول
تعقبه الحافظ ابن حجر من جهة أنه لا يلزم من ذم تارك السنة أن يكون آثما. اهـ
ويمكن أن يؤخذ وجوب التسوية من صيغة الأمر ((سووا صفوفكم)) ((أتموا الصفوف)) ومن عموم
قوله صلى الله عليه وسلم: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)» ومن الوعيد على تركه.
لكن الجمهور يرى أن هذا الوعيد من باب التغليظ والتشديد تأكيدا وتحريضا على فعلها، ومع
القول بأن التسوية واجبة فصلاة من خالف ولم يسو صحيحة، وأفرط ابن حزم فجزم بالبطلان.
٥- يؤخذ من قوله ((فقام حتى كاد يكبر، فرأى رجلا باديا صدره من الصف، فقال ... إلخ» جواز الكلام
بين الإقامة والدخول فى الصلاة، قال النووى: وهذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء، ومنعه بعض
العلماء والصواب الجواز سواء كان الكلام لمصلحة الصلاة أو لغيرها أو لا لمصلحة.
٦- وفى الحديث فضيلة الأذان والمؤذن.
٦٠٣

٧- وفضيلة الصف الأول فالأول.
٨- ومشروعية القرعة عند التنازع وعدم المرجح.
٩- وفضيلة التهجير والتبكير إلى الصلاة.
١٠ - وجواز تسمية العشاء عتمة، وقد ثبت النهى عنه، قال النووى: وجوابه من وجهين.
أحدهما: أن هذه التسمية بيان للجواز، وأن ذلك النهى ليس للتحريم. والثانى : - وهو
الأظهر - أن استعمال العتمة هنا لمصلحة ولنفى مفسدة، لأن العرب كانت تستعمل
لفظ العشاء فى المغرب، فلوقال: لو يعلمون ما فى العشاء والصبح فحملوها على
المغرب، فسد المعنى وفات المطلوب، فاستعمل العتمة التى يعرفونها ولا يشكون فيها،
وقواعد الشرع تظاهر على احتمال أخف المفسدتين لدفع أعظمهما.اهـ
١١- فيه الحث العظيم على حضور جماعة العشاء والفجر، والفضل الكثير فى ذلك لما فيها من
المشقة على النفس، من تنغيص أول نومها وآخره، ولهذا كانتا أثقل الصلاة على المنافقين.
١٢- أخذ الشعبى من قوله: ((وليأتم بكم من وراءكم)) أن كل صف إمام لمن وراءه، وعامة أهل
العلم يخالفونه.
١٣- استدل به على جواز اعتماد المأموم فى متابعة الإمام الذى لا يراه ولا يسمعه على مبلغ عنه أو
صف أمامه يراه متابعا للإمام.
١٤ - وفيه فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال لبعدهن عن مخالطة الرجال ورؤيتهم
وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم وسماع كلامهم ونحو ذلك، وذم أول صفوفهن لعكس ذلك.
والله أعلم
٦٠٤

(١٧٤) باب أمر المصليات وراء الرجال
أن لا يرفعن رءوسهن من السجود حتى يرفع الرجال
٨٠٣ - ١٣٣ عَنِ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ (١٣٣) قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ الرِّجَالَ عَاقِدِى أُزُرِهِمْ فِى أَغْنَاقِهِمْ مِثْلَ
الصِّيَانِ مِنْ ضِيقِ الأُزُرِ خَلْفَ النَّبِىِ ◌َ فَقَالَ قَائِلٌ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ لا تَرْفَعْنَ رُءُ وسَكُنَّ خَنِّى
يَرْفَعَ الرِّجَالُ.
المعنى العام
كان المسلمون الأولون فى ضيق، وكان كثير منهم لا يملك إلا ثوباً واحداً لا يغطى كل بدنه، وقد
أمروا بستر العورة، فهل تراهم يضعون الثوب على أعناقهم ويشتملون به من أعلى فتنكشف بعض
عورتهم؟ أو الأولى بهم أن يأتزروا به من وسطهم، ويستروا به ما بين سرتهم وركبتهم؟ لا شك أن الأولى
ستر العورة، ولكن ماذا يفعلون ليمنعوا انزلاق الإزار من وسطهم إلى أسفل؟ وماذا يفعلون فى نصفهم
الأعلى؟ أيتركونه كله عاريا؟ لقد أمرهم صلى الله عليه وسلم أن يربطوا طرف الثوب فى أعناقهم
فقال ((لا يصلى أحدكم فى الثوب الواحد ليس على عاتقيه شيء)) ((من صلى فى ثوب واحد فلبخالف
بين طرفيه».
وكان الثوب فى ذلك العهد مستطيلا أشبه ما يكون ((بالبشكير)) فى عهدنا الحاضر، فكانوا تنفيذا
لأمره صلى الله عليه وسلم يضعون طرفه على عاتق، ثم يلفون الثوب على وسطهم من أسفل كإزار، ثم
يضعون طرفه الثانى على العاتق الثانى فيعقدون الطرفين حول العنق.
لقد غطوا بذلك جزءاً من النصف الأعلى، وأمنوا بهذا العقد من انزلاق الإزار، لكن بقى أمر خطير.
إنهم إن سجدوا - وهم بدون سراويل - قد يبدو لمن خلفهم شيء من عوراتهم، حين يرفع من خلفهم
رأسه قبل أن ينهضوا من سجودهم، والأمر أدهى وأعظم إذا كان من خلفهم النساء، فلم يكن بد من
نهى النساء أن يرفعن رءوسهن من السجود حتى يرفع الرجال وينهضوا من سجودهم، لئلا يلمحن
عند رفع رءوسهن من السجود شيئا من عورة الرجال.
المباحث العربية
( لقد رأيت الرجال) اللام فى ((الرجال)) للجنس الصادق بالبعض، فهو فى حكم النكرة،
ورواية البخارى ((كان رجال)) وهو يقتضى أن بعضهم كان بخلاف ذلك.
(١٣٣) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْئَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ سُفْيَانِ عَنِ أَبِى حَازِمٍ عَنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ
٦٠٥

( عاقدى أزرهم فى أعناقهم ) («عاقدي)) جمع عاقد، وحذفت النون للإضافة، وهو فى موضع
الحال، والأزر جمع إزار، وهو ما يحيط بالنصف الأسفل من الجسم من السرة إلى ما تحت الركبة،
وعقد الإزار فى العنق يكون بربط طرفه أو طرفيه فى العنق حيث لا رداء يستر أعلى البدن، وبهذا
العقد يحصل الستر لجزء من أعالى البدن، وبه يتمكن من ستر العورة.
( مثل الصبيان ) فقد كانت تلك عادتهم، لأن الصبى قد يسهو فيسقط الإزار وهو يلهو، فحماية
له كانوا يربطون له طرفى الإزار فى عنقه.
( من ضيق الأزر) أى من قلة مساحة الثوب، فمن المعلوم أن الثوب إذا كان كبيرًا واسعًا
جعل بعضه على العاتقين وائتزر ببعضه، ففى الحديث: ((من صلى فى ثوب واحد فليخالف بين
طرفيه على عاتقيه)»، وفيه: ((لا يصلى أحدكم فى الثوب الواحد ليس على عاتقيه شىء)».
والمراد أنه لا يتزر فى وسطه ويشد طرفى الثوب فى حقويه، بل يتوشح بالطرفين على عاتقيه.
( فقال قائل: يا معشر النساء ) فى رواية البخارى ((وقال للنساء)) قال الكرمانى: فاعل،
((قال)) هو النبى # وفى رواية ((ويقال للنساء)) قال الحافظ ابن حجر: فكأن النبى ◌ُ أمر من يقول
لهن ذلك، ويغلب على الظن أنه بلال.
فقه الحديث
من صلى فى ثوب واحد وكان واسعا كبيرا يمكن أن يتزر ببعضه وأن يجعل بعضه على عاتقيه
فلم يفعل واتزربه وترك عاتقيه فصلى لم تصح صلاته عند أحمد، وفى رواية عنه تصح ويأثم. قال
الحافظ ابن حجر: الظاهر التفصيل بين ما إذا كان الثوب واسعا فيجب أن يوضع على العاتق منه
شىء، وبين ما إذا كان ضيقا فلا يجب وضع شيء منه على العاتق، ثم قال: وإذا كان الثوب واسعا
وأمكن الالتفاف به كان أولى من الائتزار به، لأنه أبلغ فى التستر. اهـ
ثم قال الحافظ: وإنما نهى النساء عن رفع رءوسهن لئلا يلمحن عند الرفع من السجود شيئا من
عورات الرجال بسبب ذلك عند نهوضهم، وعند أحمد وأبي داود بذلك من حديث أسماء بنت أبى بكر
ولفظه ((فلا ترفع رأسها حتى يرفع الرجال رءوسهم كراهية أن يرين عورات الرجال)» ويؤخذ منه أنه
لا يجب التستر من أسفل.اهـ
ومن المعلوم أن النظر إلى العورة محرم على الرجال والنساء جميعا، فيرد على هذا النهى الصف
الثانى وما وراءه من صفوف الرجال. اللَّهم إلا أن يقال: إن كل صف متأخر منهى عن أن يرفع رأسه
من السجود حتى يستوى رجال الصف الذى أمامه جلوساً وذلك فى حالة الصلاة فى الثوب الواحد
الضيق ويجب على صاحبه أن يضم إليه ثوبه ولا يرسله ولا يسدله إذا خاف أن تنكشف عورته، أما
النهى الوارد عن كف الثياب فى الصلاة فمحمول على غير هذه الحالة.
ويؤخذ من الحديث
أن صفوف النساء تكون خلف صفوف الرجال، وأن صلاتهن مع الرجال جائزة.
٦٠٦

(١٧٥) باب خروج النساء إلى المساجد
إذا لم يترتب عليه فتنة وأنها لا تخرج معطيبة
٨٠٤- ١٣٤ عَنِ الزُّهْرِيّ(١٣٤) سَمِعَ سَالِمًا يُحَدِّثُ عَنِ أَبِيهِ يَبْلُغُ بِهِ الْبِىِ﴿ قَالَ: «إِذَا
اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمْ امْرَأْتُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلا يَمْنَعْهَا».
٨٠٥- ١٣٥ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٣٥) قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِعَلَيَقُولُ:
«لا تَمْتَعُوا نِسَاءَكُمْ الْمَسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنْكُمْ إِلَيْهَا» قَالَ فَقَالَ بِلالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَاللَّهِ لَتَمْتَعُهُنَّ
قَالَ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ فَسَبُّهُ سَبَّا سَيِّئًا مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُ وَقَالَ أُخْبِرُكَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ
﴿ وَتَقُولُ وَاللَّهِ لَتَمْنَعُهُنَّ.
٨٠٦- ٦َّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٣٦) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَ﴿ قَالَ «لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللّهِ
مَسَاجِدَ اللّهِ»
٨٠٧ - ١٣٧ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٣٧) قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ «إِذَا
اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ إِلَى الْمَسَاجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ».
٨٠٨- هُجِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٣٨) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿: «لا تَمْتَعُوا الْنِسَاءُ
مِنْ الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِاللَّيْلِ» فَقَالَ ابْنٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لا نَدَعُهُنْ يَخْرُجْنَ فَتْخِذْنَهُ
دَغَلَا قَالَ فَزَبِرَهُ ابْنُ عُمَرَ وَقَالَ أَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِمَ﴿ وَتَقُولُ لا تَدَعُهُنَّ.
٨٠٩- ١٣٩ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٣٩) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ «ائْذُنُوا لِلنَّسَاءِ
(١٣٤) حَدََّتِى عَمْرٌوِ النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةً قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثْنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِى سَمِعَ سَالِمًا
يُحَدِّثُ عَنِ أبيهِ
(١٣٥) حَدَّثَنِى خَرَّمَلَةُ بْنُ يَحْتِى أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبِ أَخْيَرَِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبُرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمْرَ قَالَ
(١٣٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَيْرِ حَدَّثَنَا أَبِى وَابْنُ إِدْرِيسَ قَالا حَدََّا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
(١٣٧) حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرِ حَذَثْنَا أَبِى خَّدَّثَنَا خَنْظَلَةُ قَالَ سَمِعْتَ سَّالِمًا يَقُولُ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ
(١٣٨) حَذَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدََّاَ أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
- حَدَّثَنَا عَلِى بْنُ خَشْرَمٍ أَخْبَرَنَا عِيَسَي بْنُ يُونُسَ غَنِ اَلأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ
(١٣٩) حَدَثَّا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِّمٍ وَابْنُ رَافِعٍ قَالا حَدَّنَا شَبَابَّةُ حَدَّقَتِى وَرْقَاءُ عَنِ عَمْرٍو عَنِ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنٍ عُمَرَ
٦٠٧

بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِدِ» فَقَالَ ابْنٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ وَاقِدٌ إِذَنْ يَتَّخِذْنَهُ دَغَلا قَالَ فَضَرَبَ فِى صَدْرِهِ
وَقَالَ أُحَدِّثُكَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ وَتَقُولُ: لا.
٨١٠- ١٠ عَنِ بِلالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ أَبِهِ﴾(١٤٠) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ لِ«لا
تَمْنَعُوا الْنّسَاءَ حُظُوظَهُنَّ مِنْ الْمَسَاجِدِ إِذَا اسْتَأْذَنُوكُمْ» فَقَالَ بِلالٌ وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ
اللّهِ أَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ وَتَقُولُ أَنْتَ لَنَمْنَعُهُنَّ.
٨١١ - ١٤١ عَنِ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنْ زَيْنَبَ الثّقَفِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٤١) كَانَتْ تُحَدِّثُ عَنٍ
رَسُولِ اللَّهِ ﴿ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْعِشَاءَ فَلا تَطَّبْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ)).
٨١٢ - ١١٢ عَنِ زَيْنَبَ امْرَأَةٍ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٤٢) قَالَتْ: قَالَ لَّا رَسُولُ اللَّهِمَّ
«إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلا تَمَسَّ طِيبًا».
٨١٣- ٤٣َد عَنِ أَبِى هُرَيْرَةَ رَ﴾(١٤٣) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ«أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا
فَلا تَشْهَدْ مَعَنًا الْعِشَاءَ الآخِرَةَ».
٨١٤- ١٩٤ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٤٤) زَوْجِ النِِّىِلَ قَالَتْ: لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهَِ
رَأَى مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ كَمَا مُبِعَتْ نِسَاءُ بَنِى إِسْرَائِيلَ. قَالَ فَقُلْتُ لِعَمْرَةَ:
أَنِسَاءُ بَنِى إِسْرَائِيلَ مُنِعْنَ الْمَسْجِدَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ.
(١٤٠) حَذَّنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدُ الْمُقْرِئُ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ يَعْنِى ابْنَ أَبِى أَيُوبَ حَدَّثْنَا كَعْبُ بْنُ
عَلْقَمَةً عَنِ بِلالِ
(١٤١) حَدَّثَنَا هَارَوَنْ بَنُ سَعِيدِ الأَيْلِى حَدْثََّا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَلِ مَخْرَمَةُ عَنِ أَبِيهِ عَنِ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ
(١٤٢) حَدَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثْنَا يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَانُ عَنٍ مُحَمَّدٍ بَنِ عَجْلاتَ حَدَّثَنِى بُكْيْرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الأَشْجِّ عَنٍ
بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ زَيْنَبَ
(١٤٣) حَدَّثًْا يَخْبَى بْنَّ يَحْتَى وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ يَحْتِى أَخْبُرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى فَرْوَةً عَنِ يَزِيدَ بْنِ
خُصَّيْفَةَ عَنِ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ أَبِى هُرَيْرَةً
(١٤٤) حَدَّنَا عَبَّدُ اللَّهِ بَنُ مَسْلَمَةَ بَّنِّ فَعْنَبٍ حَدَّنَا سُلَيْمَانُ (يَعْنِى ابْنَ بِلالٍ) عَنِ يَحْتَى وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ عَنِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ زَوْجَ النّبِىِ فَتَ تَقُولُ
- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ يَعْنِى الثَّقَفِىِ قَالَ حِ وَحَدَّثَنَا عَمْرٌوِ النَّقِدُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةً قَالَ ح وحَدَّثَنَا
أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً حَدْقَنَا أَبُو خَالِدِ الأَحْمَرُ قَالَ ح وحَدَّثْنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ أَخْبُرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ كُلُّهُمْ عَنِ يَحْيَى
ابْنِ سَعِيدٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ
٦٠٨

المعنى العام
كانت المرأة قبل الإسلام قعيدة البيت، حبيسة الجدران، إلا ما كان من النساء الممتهنات
القائمات بالخدمات، وإلا ماكان من الإماء والجوارى.
ولم يكن يؤذن لهن بالخروج إلا فى حالات الضرورة القصوى، وقد لا يؤذن لها فيها، وجاء الإسلام
فكرم المرأة ورفع من شأنها، ومنحها حرية الإنسان فى عقيدته وحرية الإنسان فى إبداء رأيه، وحرية
الإنسان فى الدفاع عن حقه، وحرية الإنسان فى التحرك إلى ما هو مشروع.
لقد آمن النساء بالرسول كما آمن الرجال، وبايعن رسول اللّه* كما بايع الرجال، وحضرن
مجالس العلم فى مسجد رسول اللّه * كما يحضر الرجال، وأذن لهن فى صلاة الجماعة فى المسجد
مع الرجال.
صورة من الحرية لم يعهدها الزمان ولم تعهدها الجزيرة العربية، كانت نتيجتها صراعاً نفسيا بين
ما ألفه الرجال وما اعتادوا من حكم النساء والتحكم فيهن وبين بزوغ شمس الحرية للنساء وما
أعطينه من حقوق.
وتغلبت الأنفة العربية على بعض النفوس، وتحركت غرائز السيطرة عند بعض الأزواج
فمنعوا نساءهم من الخروج إلى المسجد، واستأذن النساء فلم يؤذن لهن، فشكوا إلى رسول
الحرية وبشير النور والسلام، فقال لأصحابه صلى الله عليه وسلم: ((لا تمنعوا نساءكم
المساجد إذا رغبن فيها واستأذنكم إليها. إذا استأذنت المرأة زوجها إلى المسجد ليلا فلا
يمنعها. ائذنوا للنساء بالخروج إلى المساجد».
وأحس صلى الله عليه وسلم ما يختلج فى صدور أصحابه من خوف الفتنة، وحشى انفلات زمام
المرأة وتعرضها للريبة، فوضعت الشريعة القيود التى تضمن الأمان والسلامة لهذا الانفتاح.
وأمرت النساء بالخروج فى الظلام، متلفعات بثيابهن، غير متطيبات، ولا متزينات ((إذا شهدت
إحداكن العشاء فلا تطيب تلك الليلة)) إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا ((أيما امرأة
أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة )».
ولتلزم المرأة حافة الطريق فى ذهابها وإيابها، ولا تتوسطه لئلا تختلط بالرجال، إذا سلم النساء
من صلاة الفجر فليسرعن بالخروج من المسجد متلفعات بثيابهن إلى بيوتهن فى الغلس والظلمة قبل
أن يظهر ضوء النهار فيعرفن، وليمكث الرجال بعد السلام حتى ينصرف النساء، وليصطف النساء، فى
آخر المسجد خلف الرجال، ولا يرفعن أصواتهن حتى فى الصلاة الجهرية، وإذا نابهن شيء فى الصلاة
صفقن ولا يسبحن، ولا تخرج من بيتها إلا بإذن زوجها.
واستجاب الصحابة إلى هذا التشريع بشىء من المشقة على نفوسهم، وكانوا يتمنون فى قرارة
أنفسهم أن لا تستأذنهم نساؤهم، ولكن هيهات، ما كاد النساء يصدقن أن ينفتح باب السجن حتى
تدفقن، وما كدن يشعرن بانحسار سيف القهر والإذلال حتى هرولن.
٦٠٩

والمرأة هى المرأة بطبيعتها وأنوثتها، لم تكد تفتر فيها جذوة التدين حتى برزت طلائع غريزتها
ولم يكد يخبو فيها نور الشريعة حتى ظهرت حرارة عواطفها.
لم يمض ربع قرن حتى تطيبت عند خروجها، ولبست أحسن ثيابها وحليها وبدت فى أبهى
زينتها، وتحركت غيرة الرجال على نسائهم، وبدءوا يمنعون نساءهم، ورأى عبد الله بن عمر هذه الرغبة
فى بنيه، فذكرهم بحديث رسول اللَّه ◌ُ: ((لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها)) ((لا تمنعوا
النساء من الخروج إلى المساجد بالليل)».
قال أحدهم: أما أنا فسأمنع نسائى، فمن شاء أن يسرح نساءه فليفعل، وقال الآخر: واللّه
لنمنعهن، واللَّه لا ندعهن يخرجن فيتخذن الخروج وسيلة للفساد ويتسترن وراءه بالخداع. فقام
عبد الله ينهر ولديه، يضرب أحدهما فى صدره ويقول له: أف لك. فعل الله بك كذا وكذا، ويسب الآخر
غاضبا، ويقول لهما: أقول لكما قال رسول اللّه فَ ﴿، وتقولان لا. واللَّه لا أكلمكما حتى تتوبا.
ولم تكن الغيرة على هذا الخلل مقصورة على الرجال، بل شملت الحريصات على شعائر الإسلام
من النساء، فتلك عائشة رضى الله عنها وقد رأت ما وصل إليه الأمر من التطيب للخروج والتزين
والاختلاط، تقول: لو أن رسول الله - رأى ما أحدث النساء بعده من عدم الالتزام بتعاليمه لمنعهن
الخروج إلى المساجد كما منعت نساء بنى إسرائيل من الخروج إلى المساجد حين استشرفن للرجال
وبرزن لهم وأثرن فيهم نوازع الفسوق والعصيان.
المباحث العربية
( فسبه سباسيئا ) فسر السب المذكور فى بعض الروايات باللعن ثلاث مرات، وفى رواية
((قال: أف لك)) وفى رواية ((قال: فعل اللَّه بك وفعل)).
( ما سمعته سبه مثله قط) أى ما سمعت عبد الله سب بلالا مثل هذا السب قط.
( إماء الله) أى النساء، وسمين إماء الله كما يسمى الرجال عباد الله واختيرت هذه اللفظة
هنا لمناسبتها ((مساجد اللَّه)».
( لاتمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل ) قيد ((بالليل)) ورد فى بعض الروايات
دون بعضها، وقد حملوا المطلق على المقيد. وهل يؤذن لها فى غير الليل من باب أولى حيث إن الليل
عرضة للفساد والإفساد؟ أولا يؤذن لها فى غير الليل لمافيه من الستر والتخفى وعدم التمييزبين
النساء؟ سنتعرض لهذا المبحث فى فقه الحديث إن شاء الله.
( فقال ابن لعبد الله بن عمر) هذا الابن سمى فى الرواية الثانية والسابعة ببلال، وفى
الرواية السادسة سمى بواقد، قال الحافظ ابن حجر: والراجح أن صاحب القصة بلال، لورود ذلك من
٦١٠

روايته نفسه [روايتنا السابعة] ومن رواية أخيه سالم، ولم يختلف عليهما فى ذلك، ثم قال: فإن كانت
رواية تسميته وإقدا محفوظة فيحتمل أن يكون كل من بلال وواقد وقع منه ذلك، إما فى مجلس أو
مجلسين، وأجاب ابن عمر كلا منهما بجواب يليق به، ويقويه اختلاف النقله فى جواب ابن عمر،
فالسب العنيف والزير كان لبلال، والدفع فى الصدر كان لواقد.
( فيتخذنه دغلاً) بفتح الدال والغين، وهو الفساد والخداع والريبة، وأصل الدغل الشجر
الملتف، ثم استعمل فى المخادعة، لكون المخادع يلف فى ضميره أمراً ويظهر غيره.
( فزيره ابن عمر ) أى نهره وعنفه.
( فضرب فى صدره ) أى ضربه ودفعه بيده فى صدره.
( لاتمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنوكم ) حظ الإنسان نصيبه من
الخير والفضل. وقوله: ((إذا استأذنوكم)) قال النووى: هكذا وقع فى أكثر النسخ ((استأذنوكم)) وفى
بعضها ((استأذنكم)) وهذا ظاهر، والأول صحيح أيضا وعوملن معاملة الذكور لطلبهن الخروج إلى
مجلس الذكور اهـ
( إذا شهدت إحداكن العشاء ) معناه إذا أرادت شهودها، أما من شهدتها ثم عادت إلى
بيتها فلا تمنع من التطيب، وكذا ((إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيباً. [الوارد فى الرواية
التاسعة] معناه إذا أرادت شهود المسجد.
( فلا تطيب تلك الليلة ) أصله تتطيب فحذفت إحدى التاءين، والمقصود لا تتطيب قبل
خروجها فى تلك الليلة.
( أيما امرأة أصابت بخورًا ) ((ما)) زائدة، و«امرأة: مضافة لأى، والتقدير أى امرأة أصابت
بخوراً أى تبخرت، والبخور بفتح الباء وتخفيف الخاء عود يحرق فى النار فتفوح رائحته ويدخل
دخانه وريحه فى ثنايا الثياب، فبظل ريحه مصاحبا فترة طويلة.
( ما أحدث النساء ) قال النووى: يعنى من الزينة وحسن الثياب اهـ وكذا من التمايل
والتبختر والتزاحم والاختلاط.
( كما منعت نساء بنى إسرائيل ) قال العينى: ((يحتمل أن تكون شريعتهم المنع، ويحتمل
أن يكون منعهن بعد الإباحة، ويحتمل غير ذلك مما لا طرق لنا إلى معرفته إلا بالخبراهـ
( قال: قلت لعمرة ) القائل يحيى بن سعيد الراوى عن عمرة.
( قالت: نعم ) قال الحافظ ابن حجر: قول عمرة نعم فى جواب سؤال يحيى بن سعيد لها
يظهر أنها تلقته عن عائشة، ويحتمل أن يكون عن غيرها، وقد ثبت ذلك من حديث عروة عن عائشة
٦١١

موقوفاً أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح ولفظه قالت: «كان نساء بنى إسرائيل يتخذن أرجلا من
خشب يتشرفن للرجال فى المساجد، فحرم الله عليهن المساجد، وسلطت عليهن الحيضة)) وهذا وإن
كان موقوفا فحكمه حكم الرفع، لأنه لا يقال بالرأى.اهـ
فقه الحديث
قال النووى فى شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله «هذا وشبهه
من أحاديث الباب ظاهر فى أنها لا تمنع المسجد، لكن بشروط ذكرها العلماء مأخوذة من الأحاديث،
وهى أن لا تكون متطيبة ولا متزينة ولا ذات خلاخل يسمع صوتها، ولا ثياب فاخرة، ولا مختلطة
بالرجال ولا شابة ونحوها ممن يفتتن بها، وأن لا يكون فى الطريق ما يخاف به مفسدة ونحوها.
وهذا النهى عن منعهن من الخروج محمول على كراهة التنزيه إذا كانت المرأة ذات زوج ووجدت
الشروط المذكورة، اهـ وقال العينى: إن الإذن المذكور غير واجب، لأنه لوكان واجبا لانتفى معنى
الاستئذان، لأن ذلك إنما يتحقق إذا كان المستأذن مخيراً فى الإجابة أو الرد.اهـ
ومعنى هذا أنه يكره للزوج أن يمنع زوجته من الخروج للصلاة فى المسجد إذا استوفيت الشروط
المذكورة، ولا يحرم عليه منعها حتى مع استيفاء هذه الشروط، وله أن يمنعها بدون كراهة إذا ظن
اختلال شرط مما ذكر، فإن تحقق الاختلال وجب عليه منعها.
هذا واجب الزوج، أما واجب الزوجة فينبغى أن يكون حرصها على صيانة سمعتها وعرضها فوق
حرصها على حضور المساجد، ولتعلم أن شهودها الجماعة فى المساجد لا يزيدها ثوابا عن حضورها
فى منزلها، فقد ورد فى بعض طرق هذا الحديث ما يدل على أن صلاة المرأة فى بيتها أفضل من
صلاتها فى المسجد ولفظها ((لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن)) أخرجه أبو داود وصححه
ابن خزيمة، ولأحمد والطبرانى من حديث أم حميد الساعدية «أنها جاءت رسول اللَّه ٤ * فقالت:
يارسول الله إنى أحب الصلاة معك. قال: قد علمت وصلاتك فى بيتك [أى فى مخدعك ومكان نومك]
خير من صلاتك فى حجرتك وصلاتك فى حجرتك خير من صلاتك فى دارك، وصلاتك فى دارك خير
من صلاتك فى مسجد قومك، وصلاتك فى مسجد قومك خير من صلاتك فى مسجد الجماعة ».
قال الحافظ ابن حجر: ووجه كون صلاتها فى الإخفاء أفضل لتحقق الأمن فيه من الفتنة، ويتأكد
ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرج والزينة ومن ثم قالت عائشة ما قالت. اهـ فإن قيل: إذا
كان الأمر كذلك وأن صلاة المرأة فى مخدعها خير من صلاتها مع النبى 8# فلم نهى الرجال عن
منعهن من الخروج إلى المساجد؟ أجيب بأن هناك فرقاً بين إعطاء حق الحرية، وبين استخدام هذه
الحرية، لقد جاء الإسلام والمرأة كم مهمل، كقطعة من متاع البيت، إن كان للرجل بها حاجة طلبها
وإلا فهى قعيدة لا تتدخل حتى برأيها فى شأن من الشئون، فمنحها الحرية، وحملها المسئولية، وأراد
لها أن تمتنع ه، لا أن تمنع ورضى الله عن عمر وزوجه حين أراد أن يمنعها من الخروج إلى المسجد
٦١٢

دون أن يخالف النهى، فعرض لها فى زاوية، وهى فى طريقها إلى المسجد لصلاة الفجر فغمزها،
فرجعت دون أن تصلى، فلما عاد من صلاته سألها عن سبب رجوعها فقالت: كنت أظن الناس
ناساً. ولم تخرج بعد ذلك إلى المسجد.
وقد قيدت الرواية الخامسة النهى عن منع الخروج بالليل، وأطلقت بقية الروايات، قال
العينى: يحمل المطلق على المقيد، للإشارة إلى أن حكم النهار خلاف الليل، اهـ ويؤخد من
بقية كلام العينى أن الإذن خاص بالليل، لأنه أسترلهن، ولحديث البخارى ((كانت نساء
المؤمنات يشهدن مع رسول الله * صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى
بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الناس)» قيل فى معناه: لا يعرفن أنساء أم
رجال؟ وقيل: لا يعرف أعيانهن فلا يفرق بين خديجة وزينب.
وكأن الحافظ ابن حجر: حمل المقيد على المطلق، واستنبط منه جواز خروج النساء إلى المساجد
لشهود الصلاة فى النهار من باب أولى، قال. لأن الليل مظنة الريبة أكثر من النهار.اهـ والذى تستريح
إليه النفس أن الإذن بالليل لا يستلزم الإذن بالنهار، لأن الفتنة بالليل ومظنة الريبة فيه إنما تقع من
جانبها هى، أما الفتنة بالنهار ومظنة الريبة فيه فإنها تقع من جانبها ومن جانب الرجل، فاحتمال
الفتنة فى النهار أقوى وأعظم.
بقى أن نقول: إن للعلماء فى خروج المرأة للصلاة فى المسجد أقوالا وتفاصيل، يحسن بنا أن
نذكر بعضها، فقال صاحب الهداية: ويكره لهن حضور الجماعات. قال الشراح: ويعنى الشواب منهن.
وعن الشافعى: يباح لهن الخروج عند أمن الفتنة. وعند أبى حنيفة وأصحابه: يحرم خروجهن، قالوا:
((لأن فى خروجهن خوف الفتنة، وهو سبب للحرام، وما يفضى إلى الحرام فهو حرام. قال العينى:
فعلى هذا قولهم يكره مرادهم يحرم، لاسيما فى هذا الزمان لشيوع الفساد فى أهله، قال: ولا بأس
للعجوز أن تخرج فى الفجر والمغرب والعشاء لحصول الأمن، وهذا عند أبى حنيفة، وعند أبى يوسف
ومحمد أن العجائز يخرجن فى الصلوات كلها، لأنه لا فتنة فيها لقلة الرغبة. اهـ
والمالكية يفرقون بين الشابة والعجوز، ويحملون الإذن المطلوب فى الحديث على الإذن للعجائز
دون الشابات.
وتمسك بعضهم بقول عائشة: فمنع النساء مطلقا من الخروج، وحاول ابن حجروهو شافعى أن
يرد هذا القول فقال: وفيه نظر، إذ لا يترتب على عبارتها تغير الحكم، لأنها علقته على شرط ولم يوجد،
بناء على ظن ظنته، فقالت: ((لو رأى لمنع)) فيقال عليه: لم يرولم يمنع، فاستمر الحكم، حتى إن
عائشة لم نصرح بالمنع، وإن كان كلامها يشعر بأنها كانت ترى المنع، وأيضا فقد علم اللّه سبحانه ما
سيحدثن، فما أوحى إلى نبيه بمنعهن، ولو كان ما أحدثن يستلزم منعهن من المساجد لكان منعهن
من غيرها كالأسواق أولى، وأيضا فالإحداث إنما وقع من بعض النساء، لا من جميعهن، فإن تعين
المنع فليكن لمن أحدثت.اهـ
٦١٣

ولست مع الحافظ ابن حجر فى هذا الرأى، فإن حكم الرسول # بالخروج مشروط بشروط،
والحكم إذا كان مشروطا يتغير إذا اختلت الشروط، وعائشة رأت فى زمانها اختلال الشروط، وكون
الرسول 243 لم ير ولم يمنع لا يوجب على من بعده استمرار الحكم، وكون عائشة لم تصرح بالمنع لبس
دليلا على عدم المنع، بل يكفى إشعار كلامها بأنها ترى المنع، وأما أن اللَّه يعلم ما سيحدث فهذا
مسلم وبين، ولكن قوله: فما أوحى إلى نبيه بالمنع غير مسلم، لأنه أوحى إلى نبيه بالمنع، ففى روايتنا
العاشرة ((أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء الآخرة)» والحافظ ابن حجر نفسه يقول:
ويلحق بالطيب ما فى معناه لأن سبب المنع منه ما فيه تحريك الشهوة كحسن الملبس والحلى الذى
يظهر والزينة الفاخرة والاختلاط بالرجال. اهـ
وأما ربطه بين المنع من المساجد والمنع من الأسواق فمسلم، ونحن نرى المنع منهما معاً، وأما
كون وقوع الإحداث من البعض يجعل المنع خاصاً بهذا البعض فغير مسلم، لأن الشرع يعطى الحكم
للعموم إذا وقع من البعض واحتمل وقوعه من البعض الآخر، فما وقع من أحد المثلين جاز وقوعه من
الآخر، وفى الباب السابق حديث نهى النساء عن أن يرفعن رءوسهن حتى يرفع الرجال، مخافة أن
يروا عورة الرجال، مع أن الاحتمال خاص بالبعض وصدر النهى للكل، لا لمن أحدثت النظرة إلى
العورة. والله أعلم.
بقى الكلام على خروج النساء لغير المساجد، كالأسواق والعمل فى المكاتب والمدارس وغيرها
وواضح أن الحكم لا يختلف، بل إن الخروج إلى المساجد أبعد من الفتنة والريبة من الخروج إلى غير
المساجد، لأن المفروض فى أهل المساجد التقوى والعبادة عكس أهل الأسواق وغيرها، فضلا عن أن
المساجد تمنع الاختلاط وتوجب وضع النساء خلف الرجال.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- قال النووى: استدل به على أن المرأة لا تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه، لتوجه الأمر إلى الأزواج
بالإذن. ويتقوى هذا بأن يقال: إن منع الرجال نساءهم أمر مقرر، وإنما علق الحكم بالمساجد
لبيان محل الجواز، فيبقى ما عداه على المنع.
٢- ويؤخذ من الحديث نهى الأزواج عن منع نسائهم من الخروج إلى فعل واجب كأداء شهادة، أو أداء
فريضة حج، أو زيارة آبائهن وأمهاتهن وذوى محارمهن، لأنه إذا نهوا عن منعهن من شهود
الجماعة فى المسجد وهو سنة فالنهى عن منعهن من أداء واجب من باب أولى.
٣- يؤخذ من إنكار عبد الله بن عمر لابنه تأديب المعترض على السنن، وبلال عارض الخبر برأيه،
وكأنه قال ذلك لما رأى من فساد بعض النساء فى ذلك الوقت، وحملته الغيرة المحمودة على
ذلك، وليس إنكار أبيه موجهاً إلى هذه الغيرة، بل لتصريحه بمخالفة الحديث، فلو أنه قال مثلاً:
إن الزمان قد تغير، وإن بعضهن ربما ظهر منه قصد المسجد وإضمار غيره، ربما لم يكن أنكر عليه
أبوه ولا عنفه هذا التعنيف، فقد أشارت عائشة بنحو هذا الكلام فى الحديث.
٦١٤

٤- ويؤخذ منه تأديب الرجل ولده وإن كان كبيرا، إذا تكلم بما لا ينبغى له.
٥- وحرص الصحابة على صيانة السنة من الاعتراض، وغضبهم لذلك أشد الغضب.
٦- قال النووى: فيه دليل على جواز قول الإنسان: العشاء الآخرة، أما ما نقل عن الأصمعى أنه قال:
من المحال قول العامة: العشاء الآخرة، لأنه ليس لنا إلا عشاء واحدة، فلا توصف بالآخرة، فهذا
القول غلط لهذا الحديث، وقد ثبت فى صحيح مسلم عن جماعات من الصحابة وصفها بالعشاء
الآخرة، وألفاظهم بهذا مشهورة. اهـ
والله أعلم
٦١۵

(١٧٦) باب التوسط فى القراءة فى الصلاة الجهرية
بين الجهر والإسرار إذا خاف من الجهر مفسدة
٨١٥ - ١٤٥ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٤٥) فِى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ
وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] قَالَ: نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِل ◌َّ مُتَوَارِ بِمَكْةَ. فَكَانَ إِذَا صَلَّى
بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونُ سَبُّوا الْقُرْآنِ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ
فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ◌ِّهِ ﴿ ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ فَيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونُ قِرَاءَتَكَ ﴿وَلا تُخَافِتْ
بِهَا﴾ عَنِ أَصْحَابِكَ. أَسْمِعْهُمْ الْقُرْآنَ. وَلا تَجْهَرْ ذَلِكَ الْجَهْرَ ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. يَقُولُ
بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَةِ.
٨١٦ - ١٤٢٦ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٤٦) فِى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا
تُخَافِتْ بِهَا﴾ قَالَتْ أُنْزِلَ هَذَا فِى الدُّعَاءِ.
المعنى العام
الصلاة مناجاة بين العبد وربه، وقد يستطيب المناجى خفض الصوت لأن الله سميع بصير، يعلم
السر وأخفى، وقد يتلذذ بإسماع إذنيه ورفع صوته وتعليم من حوله، ونشر الدعوة ليستفيد من الأجر بما
فوق السر، ومن هنا كانت الصلاة جامعة بين الجهر والسر، الجهر فى الفجر وفى الأوليين من المغرب
والعشاء والسر فى الظهر والعصر وثالثة المغرب والأخيرتين من العشاء.
لقد كان صلى الله عليه وسلم فى أول الدعوة يحرص على إسماع القرآن للكافرين لعل الله يهديهم
به إلى الإسلام، لكن طغاة المشركين كانوا يعاندون فيسبون القرآن ويسبون من أنزل القرآن، ومن
أنزل عليه القرآن، فأمر صلى الله عليه وسلم أن يخفض من صوته فى قراءته وصلاته بحيث يسمع
أصحابه ولا يستفز الكافرين، بل عليه أن يكون بين الجهر والإسرار، فلا يسر الإسرار الذى يحجب
القرآن عن المؤمنين، ولا يجهر الجهر الذى يغيظ الكافرين، حيث كان المسلمون ضعافاً عاجزين عن
مواجهة الكافرين.
(١٤٥) حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّاحِ وَعَمْرٌو النَّقِدُ جَمِيعًا عَنِ هُشَيْمٍ قَالَ ابْنُ الصَّبَاحِ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبُرَنَّا أَبُو بِشْرٍ عَنِ
سَعِيدِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ
(١٤٦) حَدَّثَنَا يَحْتِىِّ بْنُ يَحْتَى أَخْبَرَّنَا يَحْتِى بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنِ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً عَنِ أَبِيهِ عَنِ عَائِشَةً
- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَا حَمَّاذٌ يَعْنِى ابْنَ زَيْدٍ حَ قَالَ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْئَةً حَدَّثَنَا أَبُو أُسّامَةً وَوَكِيعٌ حَ قَالَ
أَبُوكُرَيْبٍ حَدَّثَا أَبُو مُعَاوِيَةً كُلُّهُمْ عَنِ هِشَامٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ
٦١٦

وإذا كان هذا مطلوبا فى الصلاة التى هى مناجاة فإن الوضع نفسه يكون أشد طلبا حين الدعاء،
فعلى المسلم أن لا يديم الجهر بالدعاء، فإنه لا يدعو أصم، ولكن يدعو سميعا بصيرا، ولا يخفض صوته
حتى لا يحرك لسانه ولا يسمع أذنه، فإن تحريك اللسان عبادة، وإن انشغال الأذنين بصوت التضرع
والدعاء عبادة.
وعلى المسلم أن يكون فى دعائه بين الأمرين، أن يرفع صوته بالدعاء فى وقت لا شبهة للرياء فيه،
ويخفض صوته فى وقت تشوبه شائبة الرياء والسمعة.
وما أجمل قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةٌ وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بالْغُدُوِّ
وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
المباحث العربية
( ولا تجهر بصلاتك) ظاهره أن المراد بالصلاة هنا القراءة فيها، وهى جزء من أجزائها،
فيكون من قبيل المجاز المرسل، من إطلاق الكل وإرادة الجزء، أو مجاز بالحذف بتقدير مضاف، أى
ولا تجهر بقراءة صلاتك.
وعلى فهم عائشة للآية وأن المراد من الصلاة الدعاء يكون المراد من الصلاة معناها اللغوى. وقيل:
الصلاة على حقيقتها الشرعية، والمعنى لا تصل صلاة رياء، ولا تدع الصلاة حياء، كذا قيل، وهو بعيد.
( ولاتخافت بها ) المخافتة إسرار الكلام بحيث لا يسمعه المتكلم، وعليه يحمل
قول ابن مسعود [لم يخافت من أسمع أذنيه] وخفت من باب ضرب.
(ورسول الله:﴿ متوار بمكة) أى متخف بالدعوة مسربها قبل الجهر بها.
( وابتغ بين ذلك سبيلا ) أى اقصد بين الجهر والمخافتة، واتخذ هذا التوسط طريقا وسنة.
فقه الحديث
أخرج ابن أبى حاتم عن الربيع قال: كان أبو بكر إذا صلى بالليل خفض صونه جداً،
وكان عمر إذا صلى من الليل رفع صوته جداً. فقال عمر: يا أبابكر، لو رفعت من صوتك
شيئا؟ وقال أبوبكر: ياعمر، لو خفضت من صونك شيئا؟ فأتيا رسول اللّه * فأخبراه
بأمرهما، فأنزل اللّه تعالى الآية فأرسل عليه الصلاة والسلام إليهما فقال: يا أبابكر، ارفع
من صوتك شيئا وقال لعمر: اخفض من صوتك شيئا.
وفى رواية: قيل لأبى بكر لم تصنع هدا؟ فقال: أناجى ربى وقد عرف حاجتى. وقيل لعمر: لم تصنع
هذا؟ قال: أطرد الشيطان، وأوقظ الوسنان.
٦١٧

وظاهر هذه الرواية أن التوسط فى القراءة بين الجهر والمخافتة إنما هو فى صلاة الليل.
وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن عباس أن المعنى لا تجهر بصلاتك كلها، ولا تخافت بها كلها، وابتغ
بين ذلك سبيلا، بأن تجهر فى بعضها كالصبح والأوليين من المغرب والعشاء، وأن تسرفى بعضها
كالظهر والعصر والأخيرة من المغرب والأخريين من العشاء.
والآية على رأى جمهور المفسرين محكمة، وقيل: منسوخة بناء على ما أخرجه ابن مردويه وابن
أبى حاتم عن ابن عباس من أنه صلى الله عليه وسلم أمربمكة بالتوسط، بأن لايجهر جهرًا شديدًا، ولا
يخفض حتى لايسمع أذنيه فلما هاجر إلى المدينة سقط ذلك، وقيل: هى منسوخة بقوله تعالى:
﴿ادعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾ [الأعراف: ٥٥]، والصحيح أن الآية محكمة.
والله أعلم
٦١٨

(١٧٧) باب الاستماع للقراءة
٨١٧- ١٩٧ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١٤٧) فِى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَأَتَكَ﴾
[القيامة: ١٦-١٩] قَالَ كَانُ النَّبِيُّ :﴿ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ كَانٌ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ
وَشَفَتَيْهِ فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ فَكَانَ ذَلِكَ يُعْرَفُ مِنْهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾
أَخْذَهُ ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ إِنَّ عَلَيْنَا مَن نَجْمَعَهُ فِى صَدْرِكَ وَقُرْآنَهُ فَتَقْرَؤُهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ
فَاتْبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قَالَ أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ لَهُ ﴿إِنَّ عَلَيْنَا بَيّانَهُ﴾ مَن نُبيَِّهُ بِلِسَانِكَ فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ
أَطْرَقَ فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا وَعَدَهُ اللَّهُ.
٨١٨ - ١٤٨ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٤٨) فِى قَوْله ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ
لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ قَالَ كَانَ النّبِيُّ :﴿ يُعَالِجُ مِنْ التَّنْزِيلِ شِدَّةً كَانَ يُحَرِّكُ شِفَيَّهِ فَقَالَ لِى
ابْنُ عَبَّاسِ أَنَا أُحَرَّكُهُمَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ يُحَرِّكُهُمَا فَقَالَ سَعِيدٌ أَنَا
أُخَرَّكُهُمَا كَمَّا كَانَ ابْنُ عَبَّاسِ يُحَرِّكُهُمَا فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا تُحَرِّكْ
بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قَالَ جَمْعَهُ فِى صَدْرِكَ ثُمَّ تَقْرَؤُهُ ﴿فَإِذَا
قَرَ أْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قَالَ فَاسْتَمِعْ وَأَنْصِتْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا مَن تَقْرَأَهُ قَالَ فَكَانَ رَسُولُ
اللَّهِ وَ﴿ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النّبِيُّ:﴿ كَمَا أَقْرَأَهُ.
المعنى العام
القرآن كلام اللَّه، وفضله على سائر الكلام كفضل اللَّه على سائر خلقه، وإذا كان من
الأدب العام أن يستمع الصغير إذا تكلم الكبير، وأن ينصت البشر عند سماع محدثهم فأولى
بالمسلمين إذا قرئ القرآن أن يستمعوا له وينصتوا، يجب عليهم أن لا يشغلوا عنه بكلامهم
ولا بكلام غيرهم، يجب عليهم أن لا يشغلوا عنه بأكل أو شرب أو ملهاة، فالسلف الصالح
كانوا على غير ما عليه المسلمون اليوم ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجِّدًا وَبُكِيًّا﴾
[مريم: ٥٨]. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجَلَتْ قُلُوبُهُمْ وإذا تُلِيَتَّ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ رَابَتْهُمْ
إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]. ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَّانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]
(١٤٧) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْئَةً وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ كُلُّهُمْ عَنِ جَرِيرٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدََّنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ
عَنِ مُوسَى بْنِ أَبِى عَائِشَةً عَنِ سَعِيدِ بْنِ جُبْرٍ عَنِ اَبَّنِ عَبَّاسٍ
(١٤٨) ◌َحَدََّا قَُّةٌ بَنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةً عَنِّ مُوسَى بَّنِ أَبِىّ عَائِشَةَ عَنِ سَعِيدٍ بْنِ جُنَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
٦١٩

وكان رسول اللَّه ﴿ أول المؤمنين، كان أول المستجيبين، وكان أول الخاشعين لسماع القرآن،
لكنه عند تلقيه من جبريل عليه السلام كان يقع فى حالة شبيهة بالحمى من ثقل الوحى الذى يتلقاه،
وكان وهو فى هذه الحالة حريصا على عدم تفلت شيء مما يسمع، فكان يحرك لسانه وشفتيه يتابع
ما ينطق به جبريل، ومع هذا القصد الطيب، ومع هذا الهدف الجميل كان العتب شديدا، وكان الأمر
الإلهى ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ بل انصت واخشع واستمع ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ ﴾ فى صدرك
﴿وَقُرْآنَهُ﴾ وعلينا إعدادك لقراءته قراءة سليمة. ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ ونطق به جبريل عليه السلام وانتهى
من قراءته ﴿فَاتَّبِحْ قُرْآنَه﴾ وكرر قراءته ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ والإيحاء إليك لتبينه للناس. فكان
رسول اللَّهَ ﴿ إذا قرأ عليه جبريل عليه السلام أطرق واستمع وأنصت فإذا ذهب الوحى قرأ. فما
أحوج المسلمين إلى الخشوع عند سماع القرآن، وما أحوجهم إلى تدبر معانيه والاشتغال به
عما سواه.
المباحث العربية
( كان النبى : إذا نزل عليه جبريل بالوحى كان مما يحرك به لسانه ) قال النووى:
إنما كرر لفظة ((كان)» لطول الكلام «وقد قال العلماء: إذا طال الكلام جازت إعادة اللفظ ونحوها قوله
تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] فأعاد ((أنكم))
لطول الكلام.اهـ
والأولى أن تكون ((كان)) الثانية غير الأولى، وأن يكون اسمها ضمير الوحى والتقدير: إذا نزل عليه
جبريل بالوحى كان الوحى مما يحرك به لسانه.
( فيشتد عليه ) أى فيثقل عليه ويصعب عليه النطق خلف جبريل.
( فكان ذلك يعرف منه ) يعنى يعرفه من رآه لما يظهر على وجهه وبدنه من أثره، كما قالت
عائشة رضى الله عنها: لقد رأيته ينزل عليه فى اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ما
يفصد عرقًا.
( لتعجل به ) أى لتأخذه وتستوعبه على عجل.
( فإذا قرأناه ) أى فإذا قرأه عليك الملك.
( فاتبع قرآنه ) فاتبع قراءته لك بالسمع والإصغاء والتدبر. أو فإذا قرأه الملك وانتهى فابدأ
قراءته لنفسك والأول تفسير ابن عباس.
( ثم إن علينا بيانه ) لك بالوحى لتبينه للناس عن طريق الحديث النبوى وتفسير ابن عباس
يعنى: إن علينا بيانه لأمتك بلسانك عن طريق إيحائنا لك.
٦٢٠