Indexed OCR Text
Pages 501-520
(و) وقالوا: لو كانت من القرآن لكفر جاحدها، لكن الأمة أجمعت على أنه لا يكفر.
(ز) وقالوا: وأهل العدد مجمعون على ترك عدها آية من غير الفاتحة واختلفوا فى عدها فى الفاتحة.
(ح) وقالوا: نقل أهل المدينة بأسرهم عن آبائهم التابعين عن الصحابة - رضى الله عنهم - افتتاح
الصلاة بالحمد لله رب العالمين.
((ملحوظه)) بعض هذه الأدلة لا تتعارض مع القول بأنها قرآن مستقل كسور قصيرة، فلا تنفى
قرآنيتها، كالدليل ((ب))، و((جـ)) و((د)) و((هـ)) و((ز)) و((حـ)) ولكن كل هذه الأدلة تعارض مذهب الشافعية.
ويحتج المثبتون القرآنيتها
(أ) بأن الصحابة - رضى الله عنهم - أجمعوا على إثباتها فى المصحف فى أوائل السور سوى
براءة، ويخط المصحف، بخلاف الأعشار وتراجم السور، فإن العادة كتابتها بحمرة ونحوها، فلو لم
تكن قرآنا لما استجازوا إثباتها بخط المصحف من غير تميز، لأن ذلك يحمل على اعتقاد أنها
قرآن فيكونون مغررين بالمسلمين حاملين لهم على اعتقاد ما ليس بقرآن قرآنا، وهذا مما لا يجوز
اعتقاده فى الصحابة - رضى الله عنهم -، قال الحافظ البيهقى: أحسن ما يحتج به أصحابنا
الشافعية كتابتها فى المصاحف التى قصدوا بكتابتها نفى الخلاف عن القرآن، فكيف يتوهم
عليهم أنهم أثبتوا مائة وثلاث عشرة آية ليست من القرآن؟
وقال الغزالى فى المستصفى: أظهر الأدلة كتابتها بخط القرآن. قال: فإن قيل: لعلها أثبتت
للفصل بين السور، فجوابه من أوجه، أحدها أن هذا فيه تغرير، لا يجوز ارتكابه لمحرد الفصل.
والثانى لو كان للفصل لكتبت بين براءة والأنفال، ولما حسن كتابتها فى أول الفاتحة. والثالث:
أن الفصل كان ممكنا بتراجم السور، كما حصل بين براءة والأنفال.
فإن قيل: لعلها كتبت للتبرك بذكر الله. فجوابه من هذه الأوجه الثلاثة ومن وجه رابع أنه لو
كانت للتبرك لا كتفى بها فى أول المصحف أولكتبت فى أول براءة، ولما كتبت فى أول السور
التى فيها ذكر الله كالفاتحة والأنعام والإسراء والكهف والفرقان والحديد ونحوها، فلم يكن حاجة
إلى البسملة.
ولأنهم قصدوا تجريد المصحف مما ليس بقرآن، ولهذا لم يكتبوا التعوذ والتأمين، مع أنه صح الأمر
بهما، ولأن النبى صلى للَّه عليه وسلم لما تلا الآيات النازلة فى براءة عائشة -رضى الله عنها- لم
يبسمل، فلو كانت للتبرك لكانت الآيات النازلة فى براءة عائشة أولى بالتبرك، لما دخل على
النبى 8 وأهله وأصحابه من السرور بذلك.
(ب) وبما روى عن أم سلمة: أن النبى : قرأ بسم الله الرحمن الرحيم فى أول الفاتحة فى الصلاة
وعدها آية، رواه ابن خزيمة والبيهقى.
٥٠١
(جـ) ويحديث ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَّانِي﴾ [الحجر: ٨٧] قال: هى
فاتحة الكتاب، قال فأين السابعة؟ قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
رواه ابن خزيمة والبيهقى وغيرهما.
(د) وبحديث أنس [روايتنا الثالثة فى هذا الباب] وفيه ((أنزلت على آنفا سورة، فقرأ)): ﴿بسْمِ اللَّهِ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِهِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ... ﴾ [الكوثر: ١].
(هـ) وبحديث أنس له ((أنه سئل عن قراءة النبى 8 * فقال: كانت مدا، ثم قرأ: بسم الله الرحمن
الرحيم. يمد بسم الله ويمد الرحمن، ويمد الرحيم)) رواه البخارى.
(و) وبحديث ابن عباس قال: ((كان النبى # لا يعرف فصل السورة حتى نزل عليه بسم الله الرحمن
الرحيم» رواه الحاكم. وقال: حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم. ورواه أبو داود وغيره.
(ز) وقالوا: يعترف النافون القرآنية البسملة بأن البسملة كتبت بأمر رسول الله ﴿ فى أوائل السور
مع إخباره صلى الله عليه وسلم أنها منزلة، وهذا موهم كل أحد أنها قرآن، ودليل قاطع أو
كالقاطع أنها قرآن، فلا وجه لترك بيانها لو لم تكن قرآناً.
وأجاب الشافعية عن أدلة النافين
(أ) بأن قولهم: القرآن لا يثبت بالظن ولا يثبت إلا بالتواتر، إنما هو فيما يثبت على سبيل القطع،
أما ما يثبت قرآناً على سبيل الحكم فيكفى فيه الظن، والبسملة قرآن على سبيل الحكم على
الصحيح على أن إثباتها فى المصحف فى معنى التواتر.
(ب) وعن حديث أبى هريرة بالأجوبة الثلاثة التى ذكرناها فى الباب السابق، ويزيدون عليها أن
البسملة إنما لم تذكر لاندراجها فى الآيتين بعدها، أو لعله قاله قبل نزول البسملة، فإن النبى 3 3
كان ينزل عليه الآية، فيقول: ضعوها فى سورة كذا. على أنه قد جاء ذكر البسملة فى رواية
الدارقطنى والبيهقى فقال: ((فإذا قال العبد: بسم الله الرحمن الرحيم يقول الله ذكرنى عبدى)».
(جـ) وعن حديث شفاعة ((تبارك)) أن المراد ما سوى البسملة، لأنها غير مختصة بهذه السورة،
ويحتمل أن يكون هذا الحديث قبل نزول البسملة فيها، فلما نزلت أضيفت إليها بدليل كتابتها
فى المصحف.
(د) وعن حديث مبدأ الوحى بأن البسملة نزلت بعد ذلك كنظائر لها من الآيات المتأخرة.
(هـ) وعن حديث أنس بأنه فى الجهر بها وعدم الجهر، وسيأتى بعد قليل عند الكلام على الجهر بها مع
الفاتحة.
(و) وأما قولهم: لو كانت قرآنا لكفر جاحدها فجوابه من وجهين الأول: أن يقلب عليهم الاستدلال،
فيقال: لولم تكن قرآنا لكفر مثبتها، لكن الأمة أجمعت على أنه لا يكفر، الثانى: أن الكفر لا يكون
بالظنيات، بل بالقطعيات والبسملة ظنية.
٥٠٢
(ز) وأما قولهم: أجمع أهل العدد على أنه لا تعد آية فجوابه من وجهين أحدهما: أن أهل العدد
ليسوا كل الأمة، فيكون إجماعهم حجة، بل هم طائفة من الناس عدوا كذلك، إما لأن مذهبهم نفى
البسملة وإما لاعتقادهم أنها بعض آية، وأنها مع أول السورة آية، الثانى: أنه معارض بما ورد عن
ابن عباس وغيره («من تركها فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية ».
(ح) وأما نقل أهل المدينة وإجماعهم فإننا لا نسلم هذا الإجماع، بل لقد اختلف أهل المدينة فى ذلك،
وإنكار المهاجرين والأنصار على معاوية حين تركها يبطل القول بإجماع أهل المدينة، على أن
13
أهل مكة لم يختلفوا أن ﴿بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ أول آية من الفاتحة، فلو ثبت إجماع أهل
المدينة لم يكن حجة مع وجود الخلاف لغيرهم.
ومن هنا قال الغزالى فى آخر كلامه: الغرض بيان أن المسألة ليست قطعية بل ظنية، وأن الأدلة
وإن كانت متعارضة فجواب الشافعى فيها أرجح وأغلب اهـ
وقال الأبى: الأولى ترك الكلام فى المسألة، لأنه -كما قيل- إن كان الحق الثبوت فالنافى أسقط
آية، وإن كان الحق النفى فالمثبت زاد آية، والزيادة والنقص فى كتاب الله تعالى كفر، قال القاضى:
والخطأ فى المسألة وإن لم يبلغ التكفير لكثرة القائل بكل قول فلا أقل من التفسيق. اهـ وقال ابن
الحاجب: وقوة الشبهة من الجانبين منعت من التكفير. اهـ ورأى الفخر الرازى أن المخلص من ذلك
جعل المسألة اجتهادية. للمخطئ فيها أجر وللمصيب أجران.اهـ والله أعلم.
بقى الكلام على الجهر بها فى الصلاة، قال النووى فى المجموع: واعلم أن مسألة الجهرليست
مبنية على مسألة إثبات البسملة، لأن جماعة ممن يرى الإسراربها لا يعتقدونها قرآنا، بل يرونها من
سننه، كالتعوذ والتأمين، وجماعة ممن يرى الإسرار يعتقدونها قرآنا، وإنما أسروا بها وجهر غيرهم لما
ترحج عند كل فريق من الأخبار والآثار. اهـ والتحقيق أن الجهربها مبنى على إثبات أنها قرآن، لا
كما ذكر الإمام النووى، وإنما الإسرار بها غير مبنى على أنها ليست بقرآن، فإن بعض من يسربها
يعتقدونها قرآنا.
ومذهب الشافعية استحباب الجهربها حيث يجهر بالقراءة فى الفاتحة والسورة جميعا، فلها
فى الجهر حكم باقى الفاتحة والسورة، قال النووى: وهذا قول أكثر العلماء من الصحابة والتابعين
ومن بعدهم من الفقهاء والقراء، ثم أخذ يسرد من القائلين به من كل فريق. إلى أن قال: وهو قول
سائر أهل مكة، وهو أحد قولى ابن وهب صاحب مالك، وحكى عن ابن المبارك وأبى ثور، ثم قال: وفى
الخلافيات للبيهقى عن جعفربن محمد قال: أجمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على الجهر
ببسم الله الرحمن الرحيم.
وقال أبو محمد: واعلم أن أئمة القراء السبعة منهم من يرى البسملة بلا خلاف عنه،
ومنهم من روى عنه الأمران، وليس فيهم من لم يبسمل بلا خلاف عنه، فقد بحثت عن ذلك
أشد البحث، فوجدته كما ذكرته، ثم كل من رويت عنه البسملة ذكرت بلفظ الجهر بها إلا
روايات شاذة جاءت عن حمزة. اهـ
٥٠٣
وذهبت طائفة إلى أن السنة الإسرار بها فى الصلاة السرية والجهرية، حكاه ابن المنذر عن على
ابن أبى طالب وابن مسعود وعمار بن ياسر وابن الزبير والحكم وحماد والأوزاعى وأبى حنيفة، وهو
مذهب أحمد بن حنبل وأبى عبيد.
وحكى عن النخعى وابن أبى ليلى والحكم أن الجهر والإسرار بها سواء.
ومن المالكية من لا يقرؤها فى الصلاة نفلاً ولا فرضاً جهراً ولا سراً ومنهم من يقرؤها سرا فى
النفل.
قال القاضى عياض: المشهور عندنا يقرؤها فى النفل دون الفرض، وروى ابن نافع: يقرؤها ولا
يتركها بحال، وروى غيره: يقرؤها فى النوافل فى أوائل السور.اهـ
وقال الأبى: والمتحصل فى قراءتها فى الفرض من المذهب أربعة: كرهها فى المدونة،
واستحبها ابن مسلمة فيما حكى ابن رشد، وأجازها ابن نافع فيما حكى أبو عمر، والرابع
ما ذكر عياض من روايته، يقرؤها ولا يتركها بحال، قال وظاهرها الوجوب، قال ابن رشد:
فى قراءتها فى النفل روايتان. اهـ
واحتج من يرى الإسرار بها بحديث أنس (روايتنا الثانية من هذا الباب) وفيه ((صليت مع النبى
** وأبى بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد للَّه رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن
الرحيم فى أول قراءة ولا فى آخرها)» وفى رواية ((فلم أسمع أحدا منهم يقرأ .... )).
وفى رواية الدارقطنى فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ((وروى عن ابن
عبدالله بن مغفل قال «سمعنى أبى وأنا أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فقال: أى بنى. إياك والحدث.
فإنى صليت مع رسول # ومع أبى بكر وعمر وعثمان. فلم أسمع رجلا منهم يقوله، فإذا قرأت فقل
((الحمد لله رب العالمين)) رواه الترمذى والنسائى.
وعن ابن مسعود ته قال: ما جهر رسول اللَّهِ﴾ فى صلاة مكتوبة ببسم الله الرحمن الرحيم، ولا
أبو بكر ولا عمر».
وسئل الدارقطنى بمصر، حين صنف كتاب الجهر فقال: لم يصح فى الجهر بها حديث.
وقالوا: وقياسا على التعوذ، قالوا: ولأنه لوكان الجهر ثابتا لنقل نقلاً متواترا أو مستفيضا كوروده
فى سائر القراءة.
واحتج الشافعية على استحباب الجهر بقول أبى هريرة [ فى الرواية الخامسة والسادسة من
الباب السابق] ((فما أعلن رسول اللَّه ﴿ أعلناه لكم، وما أخفاه أخفيناه لكم)) وفى رواية ((فما أسمعنا
رسول اللَّه﴿ أسمعناكم، وما أخفى منا أخفيناه منكم)) وقد ثبت عن أبى هريرة أنه كان يجهر فى
صلاته بالبسملة، فدل على أنه سمع الجهر بها من رسول اللّه ◌ِ ﴾ .
ويحديث أنس [روايتنا الثالثة من هذا الباب] وفيه ((أنزلت على آنفا سورة، فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ
٥٠٤
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ..... ) وهذا تصريح بالجهر بها خارج الصلاة، فكذا فى الصلاة
كسائر الآيات، وبما رواه الدارقطنى وغيره عن أنس بن مالك قال ((صلى معاوية بالمدينة صلاة يجهر
فيها بالقراءة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن، ولم يقرأ بها للسور التى بعدها حتى قضى تلك
القراءة، ولم يكبر حين يهوى حتى قضى تلك الصلاة، فلما سلم ناداه من شهد من المهاجرين والأنصار
فى كل مكان، يامعاوية. أسرقت الصلاة أم نسيت؟ أين بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: فلم يصل بعد
ذلك إلا قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، لأم القرآن وللسورة)) أخرجه الحاكم فى المستدرك، وقال: هذا
صحيح على شرط مسلم.
((أما بعد)) فإن الجهر بالبسملة أو الإسرار بها أمر هين إذا قيس بمسألة ثبوت كونها قرآنا أو لا،
والذى تستريح إليه النفس أن الإسرار بها أولى من الجهر لأن الصحيح عند الشافعية أنفسهم أنها
قرآن حكما لا قطعا. فلا تتساوى مع غيرها من القرآن القطعى، ثم إن ما استدلوا به من أحاديث
الجهر لا تقاوم ما ثبت من عدم الجهر بها، وأسلم الطرق أن نقول مثل ما قال أبوحاتم بن حبان: هذا
من الاختلاف المباح. والله أعلم.
ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم
١ - جواز النوم فى المسجد.
٢ - جواز نوم الإنسان بحضرة أصحابه.
٣- وأنه إذا رأى التابع من متبوعه تبسما أو غيره مما يقتضى حدوث أمر يستحب له أن يسأل عن
سببه.
٤- وفيه إثبات الحوض، والإيمان به واجب.
والله أعلم
٥٠٥
(١٦٢) باب وضع اليدين على الصدر فى الصلاة
٧٢٣ - ٤°ْ عَنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ(٥٤) وَمَوْلَى لَهُمْ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنِ أَبِيِهِ وَائِلٍ بْنِ حُجْرٍ أَنَّهُ رَأَى
النّبِيّ﴿ وَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلاةِ كَبِّرَ (وَصَفَ هَمَّامٌ حِيَالَ أُذُنَيْهِ) ثُمَّ الْتَحَفِّ بِقَوْبِهِ ثُمَّ
وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ أَخْرَجٌ يَدَيْهِ مِنْ الثَّوْبِ ثُمَّ رَفَعَهُمَا ثُمَّ كَبَّرَ
فَرَكَعَ فَلَمَّا قَالَ «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» رَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمَّا سَجَدَ سَجَدَ بَيْنَ كَفَّيْهِ.
المعنى العام
وهذه صورة أخرى لحركات الصلاة وسكناتها، وأقوالها وأفعالها ينقلها وائل بن حجر،
بعد الصورة التى حكاها أنس فى الباب السابق، يقول لأصحابه -وقد رآهم يختلفون فى
بعض الهيئات- يقول لقد رأيت النبى * حين توضأ واستقبل وأشرف على الدخول فى
الصلاة، رأيته قد رفع يديه فى مقابلة أذنيه، فكبرثم ضم ثوبه إلى صدره وغطى به يديه، وقد
وضع يمناه فوق يسراه على صدره، ثم قرأ الفاتحة والسورة. فلما أراد أن يركع أخرج يديه
من الثوب، ثم رفعهما بمحاذة أذنيه، ثم كبر، فركع، فلما رفع من الركوع وهو يقول: سمع
اللَّه لمن حمده، رفع يديه حيال أذنيه، فلما سجد رأيته يضع جبهته بين كفيه اللذين
وضعهما على الأرض للسجود صلى اللَّه وسلم عليه، ورضى عن صحابته أجمعين.
المباحث العربية
(رأى النبى ® رفع يديه حين دخل فى الصلاة كبر حيال أذنيه ) أصل الترتيب رأى
النبى : حين دخل فى الصلاة رفع يديه حيال أذنيه مكبراً. ((وحيال أذنيه)) بكسر الحاء، أى
قبالتهما محاذياً لهما فى الارتفاع.
( ثم التحف بثوبه ) أى تغطى بثوبه، أى جمع أطراف ثوبه، فغطى صدره ويديه، ولعل ذلك من
شدة البرد.
( ثم وضع اليمنى على اليسرى ) من إطلاق الكل وإرادة الجزء، أى وضع كف اليمنى على
كف أو رسغ اليسرى، كما سيأتي بيانه فى فقه الحديث.
( فلما سجد سجد بين كفيه ) فى ((سجد)) الأولى مجاز المشارفة، أى فلما أشرف على
السجود سجد باسطا كفيه على الأرض ساجدا بجبهته بينهما.
(٥٤) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّقْنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةٌ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ وَائِلٍ عَنِ عَلْقَمَةً
٥٠٦
فقه الحديث
ساق مسلم هذا الحديث كدليل على استحباب وضع اليمين على الشمال فى وقوف الصلاة،
والكلام فى هذه المسألة يتشعب إلى حكم وضع اليمين على الشمال، وإلى صفته، وإلى مكانه، وإلى
وقته، وإلی حکمته.
أما الحكم فقد اتفق العلماء على أنه ليس بواجب، ثم ذهب الشافعية والحنفية والحنابلة
وسفيان الثورى وإسحق وأبو ثور وداود وجمهور العلماء إلى أن وضع اليمين على الشمال فى وقوف
الصلاة سنة. قال الترمذى: والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، اهـ.
أما المالكية فالأقوال عندهم خمسة، الأول ما حكاه ابن المنذر عن مالك أنه سنة كقول الجمهور،
الثانى: رواية ابن القاسم عن مالك الإرسال، قال النووى: وهو الأشهر، وعليه جميع أهل المغرب من
أصحابه أو جمهورهم. قال الأبى: وقال مالك أيضا والليث وجماعة بكراهة وضع اليمين على الشمال،
وعللت بخوف أن يعتقد وجوبه، وقيل: لئلا يظهر من خشوعه خلاف الباطن، الثالث أنه يكره لمن
يفعله اعتمادا، الرابع: أنه يكره فى الفرض، دون النفل، الخامس: أنه مختر بين الوضع والإرسال،
وهو قول الأوزاعى.
وقال الليث بن سعد: يرسلهما، فإن طال ذلك عليه وضع اليمنى على اليسرى للاستراحة.
واحتج لمن يمنع وضع اليمين على الشمال بحديث المسىء صلاته، إذ علمه النبى ®®، ولم يذكر
وضع اليمنى على اليسرى، وأجيب بأن النبى لم يعلمه إلا الواجبات فقط.
وحديث الباب صريح فى استحباب وضع اليمين على الشمال، وهو حجة الجمهور، كما يحتج
أيضا بحديث البخارى عن سهل بن سعد قال: )) كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على
ذراعه فى الصلاة ...... )) وبحديث أبى داود عن ابن مسعود (« إنه كان يصلى، فوضع يده اليسرى على
اليمنى فرآه النبى {28: فوضع يده اليمنى على اليسرى)) صحيح على شرط مسلم. وعن ابن الزبير قال
((صف القدمين، ووضع اليد على اليد من السنة)) رواه أبو داود بإسناد حسن.
وأما صفة الوضع عند القائلين به فقد قيل: يضع بطن كف اليمنى على رسغ اليسرى فيكون
الرسغ وسط الكف [ الرسغ بضم الراء وإسكان السين، ويقال بالصاد بدل السين، هو المفصل بين
الكف والساعد] ويقبض على الرسخ بالخنصر والإبهام، وتمتد الأصابع الثلاث الوسطى على الذراع،
وهو المختار عند الحنفية، وقيل: يضع باطن أصابعه على الرسغ طولا، ولا يقبض، وقيل: يتخير بين
وسط أصابع اليمنى فى عرض المفصل وبين نشرها صوب الساعد، وقيل: يقبض المفصل بأصابعه
الأربعة من جهة وبالإبهام من جهة، واضعا بطن كفه اليمنى على كفه اليسرى، وعن مالك: إن شاء
أمسك بالكف، وإن شاء أمسك بالرسغ، وقيل: يضع كف اليمنى على ذراع اليسرى، والظاهر أن الكل
من قبيل التخير المباح.
٥٠٧
وأما مكان الوضع فإن الصحيح والمنصوص عليه عند الشافعية أن يجعلها تحت صدره وفوق
سرته، أما الحنفية فالسنة عندهم وضعهما تحت سرته، وكل من الفريقين استند إلى حديث،
والحنابلة يقولون بكل من الرأيين كما يقولون بأن يتخير بينهما، ونحن مع الترمذى حيث يقول:
العمل عند أهل العلم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم وضع اليمين على الشمال فى الصلاة، ورأى
بعضهم أن يضعها فوق السرة، ورأى بعضهم أن يضعها تحت السرة، وكل ذلك واسع. اهـ
وأما وقته فالأصل فيه أن كل قيام فيه ذكر مسنون توضع فيه اليمنى على اليسرى، وما لا فلا،
فتوضع فى حالة القنوت وصلاة الجنازة، ولا توضع فى القومة من الركوع وبين تكبيرات العيدين،
وقيل توضع فى كل قيام سواء كان فيه ذكر مسنون أولا. ذكره العينى.
وأما الحكمة فيه فقد قال العينى: الوضع على الصدر أبلغ فى الخشوع، وفيه حفظ نور الإيمان فى
الصلاة، فكان أولى من إشارته إلى العورة بالوضع تحت السرة، قال: ونحن نقول: الوضع تحت السرة
أقرب إلى التعظيم، وأبعد من التشبه بأهل الكتاب، وأقرب إلى ستر العورة، وحفظ الإزار عن السقوط،
وذلك كما يفعل بين يدى الملوك، وفى الوضع على الصدر تشبه بالنساء، فلا يسن اهـ
وقال الحافظ ابن حجر: الحكمة فى هذه الهيئة أنها صفة السائل الذليل وهى أمنع من العبث،
وأقرب إلى الخشوع، وكأن البخارى لحظ ذلك فعقبه بباب الخشوع، ومن اللطائف قول بعضهم:
القلب موضع النية، والعادة أن من احترز على حفظ شيء جعل يديه عليه.اهـ
ويوخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- أن العمل القليل فى الصلاة لا يبطلها، لقوله ((كبرثم التحف)).
٢- وفيه استحباب رفع يديه عند الدخول فى الصلاة، وعند الركوع وعند الرفع منه.
٣- وفيه استحباب كشف اليدين عند الرفع.
٤- ووضعهما فى السجود على الأرض. وستأتى أعضاء السجود فى باب خاص إن شاء الله.
والله أعلم
٥٠٨
(١٦٣) باب التشهد فى الصلاة
٧٢٤- °° عَنِ عَبْدِ اللَّهِ(٥٥) قَالَ كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلاةِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ِ السَّلامُ عَلَى
اللَّهِ السَّلامُ عَلَى فُلانٍ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ،﴿ ذَاتَ يَوْمِ «إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلامُ فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ
فِي الصَّلاةِ فَلْقُلْ النِّجِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطََّاتُ السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ
وَبَرَكَاتُهُ السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ فَإِذَا قَالَهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي
السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ثُمَّيَتَخَيِّرُ مِنْ
الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ».
٧٢٥ - ٥٦ْ عَنِ مَنْصُورٍ(٥٦) بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ «ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءِ».
٧٢٦ - ٧ْ عَنِ مَنْصُورٍ(٥٧) بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَ حَدِيثِهِمَا وَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ بَعْدُ
مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ (أَوْ مَا أَحَبَّ».
٧٢٧ - ٨° عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﴾(٥٨) قَالَ كُنَّا إِذَا جَلَسْنَا مَعَ النَّبِيِّ:﴿ فِي الصَّلاةِ
بِمِثْلٍ حَدِيثٍ مَنْصُورٍ وَقَالَ «ثُمَّ يَتَخَيَّرُ بَعْدُ مِنْ الدُّعَاءِ».
٧٢٨ - ٩ْ عَنِ ابْنٍ مَسْعُودٍ عَ﴾(٥٩) قَالَ عَلِّمَيِي رَسُولُ اللّهِ ﴿ِ التَّشَهُّدَ كَفّي بَيْنَ كَفْيْهِ كَمَّا
يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ وَاقْتَصَّ النَّشَهُّدَ بِمِثْلٍ مَا اقْتَصُّوا.
٧٢٩ - ٣٠ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٦٠) أَنَّهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِلَ ﴿ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ
كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ فَكَانَ يَقُولُ التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطََّاتُ لِلَّهِ السَّلامُ
عَلَيْكَ أَيُّهَا النّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَيَرَكَاتُهُ السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ
إلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَفِي رِوَايَةٍ ابْنِ رُمْحٍ كَمَا يُعَلّمُنَا الْقُرْآنُ
(٥٥) حَدَّثَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبُرْنَا وَقَالَ الآخَرَانِ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ مَنْصُورٍ
عَنِ أَبِي وَائِلِ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ
(٥٦) حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنَّ الْمُثَنِى وَابْنُ بَشَّارِ قَالا حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنٍ مَنْصُورٍ
(٥٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ حَدَّثَنَا حُسَيْنَّ الْجُعْفِيُّ عَنِ زَائِدَةً عَنِ مَنْصُّورٍ
(٥٨) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتَى أَخْبُرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ شَقِيقٍ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ
(٥٩) وحَدََّا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا أَبُو نُعَنَّمِ حَدَّثَنَا سَيْفَ بْنُ سُّلَيْمَانَ قَالَ سَمِغَّتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ حَدَّلَتِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَخْبَرَةً
قَالَّ سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ
(٦٠) حَدَّثَنَا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ خَدََّا لَيْثُ ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ أَخْبُرَنَا اللَّيْثُ عَنِ أَبِي الزُّبِيْرِ عَنِ سَعِيدِ بْنِ جُبْرٍ وَعَنٍ
طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَّاسٍ
٥٠٩
٧٣٠ - ◌ِدْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٦١) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِل﴿ يُعَلِّمُنَا النَّشَهُّدَ كَمَا
يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ.
٧٣١ - ٦٣ِ عَنِ حِطّادُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيّ(٩٢) قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ صَلاةٌ
فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ أُقِرَّتْ الصَّلاةُ بِالْبِرِّ وَالزَّكَاةِ قَالَ فَلَمَّا قَضَى أَبُو
مُوسَى الصَّلاةَ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ فَقَالَ أَيّكُمْ الْقَائِلُ كَلِمَةً كَذَا وَكَذَا قَالَ فَأَرَمَّ الْقَوْمُ ثُمَّقَالَ أَيُّكُمْ
الْقَائِلُ كَلِمَةً كَذَا وَكَذَا فَأَرَمَّ الْقَوْمُ فَقَالَ لَعَلِّكَ يَا حِطّادُ قُلْتَهَا قَالَ مَا قُلْتُهَا وَلَقَدْ رَهِبْتُ أَنْ
تَبْكَعَنِي بِهَا فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ أَنَا قُلْتُهَا وَلَمْ أُرِدْ بِهَا إِلا الْخَيْرَ فَقَالَ أَبُو مُوسَى أَمَا تَعْلَمُونَ
كَيْفَ تَقُولُون فِي صَلَائِكُمْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِلَّ خَطَبَنَا فَبَيْنَ لَّا سُنْتَنَا وَعَلَّمَنَا صَلاَتَنَا فَقَالَ «إِذَا
صَلْتُمْ فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ ثُمَّ لْيُؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذْ قَالَ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ
وَلا الضَّالِينَ فَقُولُوا آمِينَ يُجِبْكُمْ اللَّهُ فَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا فَإِنَّ الإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ
وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ)» فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَّ «فَيْكَ بِلْكَ وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ
رَبَّّا لَكَ الْحَمْدُ يَسْمَعُ اللَّهُ لَكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ عَلَى لِسَانٍ نَبِّهِلَ ﴿ّسَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ
حَمِدَهُ وَإِذَا كَبَّرَ وَسَجَدَ فَكَبِّرُوا وَاسْجُدُوا فَإِنَّ الإِمَامَ يَسْجُدُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ)» فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ «فَتِلْكَ بِلْكَ)) وَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ فَلْيَكُنْ مِنْ أَوَّلِ قَوْلِ أَحَدِكُمْ التَّحِيَّاتُ
الطِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ
اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
٧٣٢- ٣ ٦ عَنِ قَتَادَةَ(٦٣) فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ عَنِ سُلَيْمَانُ عَنٍ قَتَادَةَ مِنْ
الزِّيَادَةِ «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ «فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِّهِ وَلّ:
سَمِعَ اللَّهُ لِمَّن حَمِدَهُ)» إِلَا فِي رِوَايَةٍ أَبِي كَامِلٍ وَحْدَهُ عَنِ أَبِي عَوَانَةَ
(٦١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّْنَا يَحْبَى بْنُ آدَمَ حَدَّثْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُمَيْدٍ حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبِيْرِ عَنِ طَاوُسِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ
(٦٢) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بَنُ مَنْصُورٍ وَقُّتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ وَمُحَّمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الأُمَوِيُّ وَاللّفْظُ لَأَبِيَ كَامِلٍ قَالُوا
حَدَّثَنَا أَبُو عَوَالَةً عَنِ قَتَادَةً عَنِ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرِ عَنِ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ
(٦٣) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا أَبُو أَسَامَةٌ حَدَّثْنَا سَعِيدُ بَنَّ أَبِي عَرُوبَةَ حٍ وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانِ الْمِسْمَعِيُّ حَدِّثْنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ
حَدَّثَنَا أَبِي ح وَحَدَّثَنَّا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبُرَنَا جَرِيرٌ عَنِ سُلَيْمَّانَ الْتّيْمِيِّ كُلُّ هَؤُلاءِ عَنِ قْتَادَةٌ فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ
- قَالَ أَبُو إِسْحَقَ قَالَ أَبُو بَكْرِ ابَّنُ أُخْتِ أَبِي النَّضَّرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ مُسْلِمٌ تُرِيدُ أَحْفَظَ مِنْ سُلَيْمَانَ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ
فَحَدِيثُ أَبِيَ هُرَيْرَةً؟ فَقَالَ: هُوَّ صَحِيحٌ يَعْنِي وَإِذَا قَرَّأْ فَأَنْصِتُوا فَقَالَ: هُوَ عِنْدِي صَحِيحٌ فَقَالَ لِمَ لَمْ تَضَعْهُ هَا هُنّا؟ قَالَ لَيْسِّ
كُلُّ شَيْءٍ عِنْدِي صَحِيحٍ وَضَعْتُهُ هَا هُنَا إِنَّمَا وَضَعْتُ هَا هُنَا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ.
٥١٠
٧٣٣ - ٦٤ عَنِ فَتَادَةً(٦٤) بِهَذَا الإِسْنَادِ وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ «فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَضَى عَلَى
لِسَانِ نِّهِ ﴿ّ سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ».
المعنى العام
لقد بلغ الرسول # الرسالة بأجلى بلاغ، وأدى الأمانة على خير الوجوه كان صلى الله عليه وسلم
يعلم أصحابه، كما يعلم الفقيه تلاميذه فى المكتب بل كان يأخذ كف التلميذ بين كفيه، ويقرأ عليه
ثم يسمع منه، ليستوثق من كمال التحمل وسلامة الأداء، ولم يكن تعليمه قاصرا على تعليم القرآن
الكريم، بل كان يحفظ أذكار الصلاة كما يحفظ السورة من القرآن، ثم بعد ذلك يراقب العمل، ويتابع
القول، فإذا رأى أو سمع خللاً بادر بإصلاحه وتقويمه.
لقد أباح للمسلمين أن يذكروا الله فى جلسة الصلاة الأخيرة وقبل السلام بالذكر الجميل، حيث لم
يكن التشهد قد شرع بعد، فكانوا - ومنهم ابن مسعود - يقولون فى جلستهم هذه: السلام على اللَّه من
عباده. السلام على جدريل. السلام على ميكائيل. السلام على إسرافيل. يعددون من أسماء الملائكة
ماشاءوا. وشرع الله للأمة التحيات، فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: لا تقولوا: السلام على اللَّه.
فإن السلام هو الله، ومنه السلام، وإليه السلام، ولا تقولوا السلام على فلان وفلان من الملائكة، ولكن
إذا قعد أحدكم فى آخر الصلاة فليقل: التحيات للَّه والصلوات والطيبات. السلام عليك أيها النبى
ورحمة الله وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمداً
عبده ورسوله، ثم يتخير من الأدعية ما شاء. واستجاب الصحابة، وعلموا وعملوا، ونصبوا أنفسهم
حراسا على تعاليم الإسلام. بل نصب الخلفاء الراشدون أئمة الصحابة وفقهاءهم ولاة وأئمة ودعاة فى
الولايات الإسلامية التى انتشرت فى البقاع، وكثر الداخلون فى دين اللَّه من العرب والعجم وكثر
الخطأ فى التعاليم الدينية، وسهر الولاة على الإصلاح والتقويم. والحديث يروى لنا صورة من هذه
الصور. لقد كان أبوموسى الأشعرى واليا على البصرة من قبل الخليفة عمر يؤمهم ويعظهم، ويجبى
زكاتهم، ويحكم بينهم وبينما هو يصلى بهم سمع مأموماً يقول فى تشهده: أقرت الصلاة وقرنت بالبر
والزكاة ويخيل إلى أنه كان فقيراً يعرض بذلك للمساعدة، فأسمع بها بعض جيرانه، كما أسمع بها
إمامه، فلما قضى أبو موسى الصلاة انصرف إلى المأمومين واتجه إليهم، وقال: من منكم الذى قال:
قرنت الصلاة بالبر والزكاة؟ وسكت الناس، وخاف القائل أن يعلن عن نفسه، فقد رآى من وجه أبى
موسى الأشعرى ونبرات صوته علامة الاستنكار، وكرر أبو موسى السؤال، وسكت الناس واستخفى
القائل، فاتجه أبو موسى نحو أحد المصلين - حطان - يظنه القائل اعتمادا على بعض الملابسات،
فقال: أنت يا حطان قلتها؟ قال حطان: ما قلتها ولقد توقعت من نظراتك أنك ستلصقها بى
وتتهمنى بها، وما قلتها، ورأى القائل الحقيقى أن المسألة تطورت، وإن البريء منها سيتهم بها فأعلن
(٤ ٦) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ عَنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنٍ مَعْمَرٍ عَنٍ قَنَادَةً
٥١١
عن نفسه وقال أنا الذى قلتها، ولم أرد بها إلا الخير، فقال أبو موسى إن بعضكم يخفى عليه ما ينبغى
أن يقول فى صلاته، وإنى أعلمكم ما علمنا رسول اللّه *، فقد خطبنا، وبين لنا سنتنا وشريعتنا
وصلاتنا فقال: إذا أردتم الصلاة، وأشرفتم على أدائها فسووا صفوفكم، ثم ليتقدم أعلمكم فيؤمكم، فإذا
كبر تكبيرة الإحرام فكبروا، وإذا قرأ الفاتحة، وبلغ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ﴾ فقولوا:
آمين، فإن اللَّه يجيب لكم الدعاء مصداقا لقوله جل شأنه ﴿وَقَالَ رَبُّكُمَّ ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
[غافر: ٦٠] فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا ولا تسبقوه، فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم، فلحظة سبقه
لكم تقابل لحظة إدراككم له، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللَّهم ربنا ولك الحمد يسمع اللّه
قولكم وحمدكم فيزدكم، وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا، ولا تسبقوه، فإن الإمام يسجد ويرفع قبلكم
فتلك اللحظة التى تأخرتم بها عنه، وإذا قعدتم آخر الصلاة فقولوا: التحيات الطيبات. الصلوات للَّه،
السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله
إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فإذا انتهيتم من التشهد فادعوا الله بما شئتم من الدعاء
يستجب لكم.
المباحث العربية
(التشهد ) هو تفعل من ((تشهد)) سمى بذلك لاشتماله على النطق بشهادة الوحدانية والرسالة،
تغليبالها على بقية أذكاره لشرافها.
(عن عبد اللَّه ) أى ابن مسعود، وهو راوى الرواية الثانية.
كنا نقول فى الصلاة خلف رسول اللّه* قال الأبى: الأظهر أنه استحسان منهم، وأنه لم
يسمعه إلا حين أنكره عليهم [فإن قلت] قول الصحابي، كنا نفعل كذا من قبيل المسند، وهو يشعر
أيضا بتكرار ذلك منهم، والتكرار مظنة سماعه ذلك، فقولهم ذلك ليس استحسانا، بل هو مسند مقر
عليه، نسخه قوله صلى الله عليه وسلم ((إن الله هو السلام)) [قلت] كان الشيخ يقول ذلك ويقرر
الحديث به، ولا يصح، لأن النسخ إنما يكون فيما صح معناه، ولا يصح لعدم استقامة المعنى، لأنه
عكس ما يجب أن يقال، فإن السلام بمعنى السلامة والرحمة، وهما له ومنه وهو مالكهما، فكيف
يدعى له بهما وهو المدعو؟ فهو تبيين عدم صواب لا نسخ، وإنما الجواب أنه يتعين فى «كنا كذا)» أن
يكون مسندا وليس تكرار ذلك منهم مظنة سماعهم له، لأنه فى التشهد والتشهد سر. اهـ
ومعنى قوله ((كنا نقول فى الصلاة)) أى فى التشهد من الصلاة، بدليل رده صلى الله عليه وسلم.
(السلام على اللَّه) فى هذه الرواية اختصار، ورد فى رواية أخرى ((السلام على الله من عباده)).
( السلام على فلان) فى رواية البخارى ((السلام على فلان فلان)) وفى رواية لابن إسحق
((قلنا: السلام على جبريل)) وعند ابن ماجه ((يعنون الملائكة)) وللإسماعيلى ((فنعد الملائكة)) والسراج
((فنعد من الملائكة ماشاء الله)».
٥١٢
( إن الله هو السلام) وفى رواية للبخارى ((لا تقولوا: السلام على اللَّه فإن اللّه هو السلام)» قال
البيضاوى: أنكر التسليم على اللَّه، وبين أن ذلك عكس ما يجب أن يقال، فإن كل سلام ورحمة له
ومنه، وهو مالكها ومعطيها. وقال التوربشتى: وجه النهى عن السلام على اللَّه لأنه المرجوع إليه
بالمسائل المتعالى عن المعانى المذكورة، فكيف يدعى له وهو المدعو على الحالات؟ وقال الخطابي:
المراد أن الله هو ذوالسلام فلا تقولوا: السلام على الله، فإن السلام منه بدأ، وإليه يعود، ومرجع الأمر
فى إضافته إليه أنه ذو السلام من كل آفة وعيب، ويحتمل أن يكون مرجعها إلى حظ العبد فيما
يطلبه من السلامة من الآفات والمهالك. وقال النووى معناه أن السلام اسم من أسماء اللّه تعالى،
يعنى السالم من النقائص، ويقال: المسلم أولياءه، وقيل: المسلم عليهم. قال ابن الأنبارى أمرهم أن
يصرفوه إلى الخلق، لحاجتهم إلى السلامة، وغناه سبحانه وتعالى عنها.
( وإذا قعد أحدكم فى الصلاة ) المراد القعود بعد الركعتين والقعود الأخير، أو الأخير فقط،
على خلاف يأتى فى فقه الحديث.
(التحيات للَّه ) التحيات جمع تحية، ومعناها السلام، وقيل: البقاء، وقيل العظمة، وقيل
السلامة من الآفات والنقص، وقيل: الملك. قال ابن قتيبة: لم يكن يحيا إلا الملك خاصة، وكان لكل
ملك خاصة، وكان لكل ملك تحية تخصه فلهذا جمعت، فكأن المعنى: التحيات التى كانوا يسلمون
بها على الملوك كلها مستحقه للَّه.اهـ
وقال الخطابي: ولم يكن فى نحياتهم شيء يصلح للثناء على الله [كانت تحية بعضهم أبيت
اللعن، وتحبة بعضهم أنعم صباحا، وتحية العجم عش عشرة آلاف سنةٍ] فلهذا أبهمت ألفاظها،
واستعمل منها معنى التعظيم، فقال. قولوا: التحيات لله. أى أنواع التعظيم له.
(والصلوات والطيبات ) قيل: المراد بالصلوات الصلوات الخمس، وقيل: ما يشمل الفرائض
والنوافل فى كل شريعة، وقيل: المراد العبادات كلها، وقيل: الدعوات، وقيل: الرحمة، قال ابن دقيق
العيد: إذا حملت الصلاة على العهد أو الجنس كان التقدير أنها للَّه واجبة، لا يجوز أن يقصد بها
غيره، وإذا حملت على الرحمة فيكون معنى قوله ((للَّه)) أنه المتفضل بها لأن الرحمة التامة للَّه، يؤتيها
من يشاء، وإذا حملت على الدعاء فظاهر اهـ
والطيب فى الأصل ما يستلذ، والمراد هنا ما طاب من الكلام وحسن أن يثنى به على اللَّه، دون ما
لا يليق بصفاته مما كان الملوك يحيون به، وقيل الطيبات ذكر الله، وقيل: الأقوال الصالحة، كالدعاء
والثناء، وقيل الأعمال الصالحة وهو أعم، فيشمل الأقوال والأفعال والأوصاف، وطيب الأوصاف كونها
كاملة خالصة من الشوائب. وقال النسفى: التحيات العبادات القولية، والصلوات العبادات الفعلية،
والطيبات العبادات المالية. اهـ والأولى التعميم كما سبق.
قال البيضاوى يحتمل أن يكون ((الصلوات والطيبات)) عطفا على ((التحيات)» ويحتمل أن تكون
((الصلوات)) مبتدأ، وخبره محذوف و((الطيبات)) معطوفة عليها والواو الأولى لعطف الجملة على
٥١٣
الجملة، والثانية لعطف المفرد على المفرد، وقال العينى: كل واحدة من ((الصلوات)) و((الطيبات))
مبتدأ وخبره محذوف، تقديره: الصلوات للّه، والطيبات لله فتكون هاتان الجملتان معطوفتين على
الجملة الأولى وهى ((التحيات للَّه)».
(السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) قال الطيبى: أصل ((سلام عليك)) ((سلمت
سلاما عليك)) ثم حذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة
على ثبوت المعنى واستقراره، ثم التعريف إما للعهد التقديرى، أى ذلك السلام الذى وجه إلى الرسل
والأنبياء عليك أيها النبى، وكذلك السلام الذى وجه إلى الأمم السالفة علينا وعلى إخواننا، وإما
للجنس، والمعنى حقيقة السلام الذى يعرفه كل واحد ينزل عليك وعلينا، قال: ولا شك أن هذه التقادير
أولى من تقدير النكرة. اهـ
والمراد من ((رحمة اللَّه)) إنعامه، وهو المعنى الغائى، لأن معناها اللغوى، وهو الحنو والعطف لا
يجوز أن يوصف الله به، والبركات جمع بركة، وهو الخير الكثير من كل شىء، واشتقاقه من البرك
وهو صدر البعير، وبرك البعير ألقى بركه، وسمى محبس الماء بركة للزوم الماء فيها.
وقال الطيبى البركة ثبوت الخير الإلهى فى الشيء، سمى بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء فى
البركة، ولما كان الخير الإلهى يصدر من حيث لا يحس وعلى وجه لا يحصى، قيل لكل من يشاهد فيه
زيادة غير محسوسة: ((مبارك)» أو فيه بركة. اهـ
( السلام علينا ) أراد به الحاضرين من الإمام والمأمومين، والملائكة عليهم الصلاة والسلام.
(وعلى عباد الله الصالحين ) الصالح هو القائم بما عليه من حقوق الله تعالى وحقوق
العباد، والصلاح وهو استقامة الشيء على حالة كماله، كما أن الفساد ضده، والمراد هنا الصالحون
فى الجملة، أى غلب على أعمالهم الصلاح ليعم الدعاء أكبر عدد ممكن من المؤمنين.
قال العينى: ولا يحصل الصلاح الحقيقى إلا فى الآخرة، لأن الأحوال العاجلة وإن
وصفت بالصلاح فى بعض الأوقات لا تخلو من شائبة فساد وخلل ولا يصفو ذلك إلا فى
الآخرة، ومن ثم كانت هذه المرتبة مطلوبة للأنبياء والمرسلين قال تعالى فى حق الخليل
﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠].
(فإذا قالها ) أى فإذا قال أحدكم ((وعلى عباد الله الصالحين)) وهو كلام معترض بين ((السلام
علينا وعلى عباد الله الصالحين)) وبين ((أشهد أن لا إله إلا الله)) وإنما قدمت للاهتمام بها، لكنه أنكر
عليهم عد الملائكة واحدا واحدا، ولا يمكن استيعابهم لهم مع ذلك، فعلمهم لفظا يشمل الجميع مع غير
الملائكة من النبيين والمرسلين والصديقين وغيرهم بغير مشقة وهذا من جوامع الكلم.
( أصابت كل عبد اللَّه صالح فى السماء والأرض) أى لحقت الدعوة وشملت كل عبد
صالح فى السماء والأرض، وفى رواية ((أو بين السماء والأرض)) بالشك من الرواى، وفى رواية ((من أهل
٥١٤
السماء والأرض)»، وقد استدل بقوله ((أصابت كل عبد صالح)) على أن الجمع المضاف والجمع المحلى
بالألف واللام يفيد العموم، لقوله أولاً ((عباد الله الصالحين)) ثم قال ((أصابت كل عبد صالح)) وقال
القرطبى: فيه دليل على أن جمع التكسير للعموم. قال الحافظ ابن حجر: وفى هذه العبارة نظر. اهـ
( كفى بين كفيه ) جملة معترضة.
( أقرت الصلاة بالبروالزكاة ) قالوا: معناه قرنت بها، وأقرت معهما وصار الجميع مأمورا
به قال القاضى عياض: قيل: لعل اللفظ المروى قرنت؟ والتحقيق أنه ((أقرت)) والباء بمعنى ((مع))
أى أقرت مع البروالزكاة، فصارت معهما مستوية، وأحكامها واحدة، فهو بمعنى قرنت.
( فلما قضى أبو موسى الصلاة ) أى أداها، وانتهى منها.
( انصرف ) نحو القوم، وتحول بوجهه إليهم.
( أيكم القائل كلمة كذا كذا؟ ) كذا كذا من كلام الراوى كناية عن كلام أبى
موسى، ولو حكى بلفظه لقال أيكم القائل: أقرت الصلاة بالبر والزكاة؟ والاستفهام خبر
مقدم، و((القائل)) مبتدأ مؤخر.
( فأرم القوم ) بفتح الراء، وتشديد الميم، أى سكتوا.
( لعلك يا حطان قلتها؟) تخصيصه ((حطان «بالاتهام لعله لما يعلم من جسارته، أو لقربه
منه، وصدور الصوت من جهته، أو لشبه الصوت بصوته، أو لصلته به مما لا يؤذيه اتهامه، ويدفع
الفاعل الحقيقى إلى الاعتراف.
( ولقد رهبت أن تبكعنى بها ) أى ولقد خشيت وخفت - قبل أن تتكلم- أن تتهمنى
وتوبخنى بهذه الكلمة، وكأن حطان كان يتوقع اتهام أبى موسى له لما بينهما، أو لما عرف من
حطان. ((وتبكعنى)) بفتح التاء وسكون الباء وفتح الكاف، أى تستقبلنى بالتوبيخ، من بكعت الرجل
إذا استقبلته بما يكره وهو نحو التبكيت فى الوجه. قال القاضى عياض: ((تبكعنى)) رويناه عن الأكثر
وهو عند الكثير ((تنكتنى)) بالنون قبل الكاف المضمومة. اهـ وهو بمعنى تبكتنى وتويخنى، وفى
القاموس: النكت أن تضرب فى الأرض بقضيب، فيؤثر فيها، ونكته ألقاه على رأسه. اهـ
( ثم ليؤمكم أحدكم ) اللام لام الأمر، وإسكانها بعد الفاء والواو أكثر من تحريكها، وكسرها
بعد ((ثم)) أكثر من سكونها، ورواية الحديث بالسكون كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لِيَقْضُوا ﴾ [الحج: ٢٩] فى
قراءة الكوفيين، قال ابن هشام: وفى ذلك رد على من قال: إنه خاص بالشعر.
والفعل ((يؤم» مجزوم، وحرك بالفتح للتخلص من التقاء الساكنين.
( فقولوا: آمين ) فى القاموس: ((آمين)) بالمد والقصر، وقد يشدد الممدود، وعن الواحدى فى
٥١٥
البسيط: اسم من أسماء الله تعالى، ومعناه: اللَّهم استجب، كما أن رويد وحيعل وهلم ((أصوات
سميت بها الأفعال التى هى: أمهل وأسرع وأقبل)). اهـ ولهذا البحث اللغوى تتمة فى المباحث العربية
فى باب التسميع والتحميد والتأمين، ويأتى قريبا.
( يجبكم اللّه ) أى يستجب لكم دعاءكم.
( فتلك بتلك ) قال النووى: معناه اجعلوا تكبيركم للركوع وركوعكم بعد تكبيره
وركوعه، وكذلك رفعكم من الركوع يكون بعد رفعه، ومعنى ((تلك بتلك)) أن اللحظة التى
سبقكم بها الإمام فى تقدمه إلى الركوع تنجبر لكم بتأخيركم الركوع بعد رفعه لحظة، فتلك
اللحظة بتلك اللحظة، وصار قدر ركوعكم كقدر ركوعه، وقال مثل ذلك فى السجود اهـ وقال
الأبى: وقيل: الإشارة إلى ربط صحة الصلاة بالمتابعة أى صحة تلك الأفعال منكم بتلك
المتابعة، وقيل: إلى ربط ((آمين)) بـ((ولا الضالين)) و((ربنا ولك الحمد)) بـ((سمع الله لمن
حمده)) أى تلك الكلمة أو الدعوة التى فى السورة متعلقة بـ))آمين)) وبـ((ربنا ولك الحمد))
لارتباط إحداهما بمعنة الأخرى. اهـ وكلام الإمام النووى أظهر وأقرب إلى القبول.
( سمع الله لمن حمده) أى أجاب دعاء من حمده، ومعنى ((يسمع اللَّه لكم)) يستجب دعاءكم،
فالمراد من السمع لازمه غالبا، وهو الإجابة.
(اللَّهم رينا لك الحمد ) قال النووى: هكذا هوهنا بلا واو، وفى غير هذا الموضع))ربنا ولك
الحمد)» بالواو، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بإثبات الواو وبحذفها، وعلى إثبات الواو يكون قوله
((ربنا)) متعلقا بما قبله، تقديره: سمع الله لمن حمده، يا ربنا فاستجب حمدنا ودعاءنا، ولك الحمد
على هدايتنا لذلك، ولهذا البحث تتمة فى باب التسميع والتحميد والتأمين.
فإن اللّه قضى على لسان نبيه،{ # ((سمع الله لمن حمده)) معناه: فإن اللَّه وعد على لسان نبيه أن
يسمع ويستجيب لمن حمده، أو فإن الله شرع على لسان نبيه هذه الجملة عند الرفع من الركوع.
فقه الحديث
اختلف العلماء فى أفضل عبارة للتشهد على ثلاثة مذاهب:
فمذهب الشافعى وبعض أصحاب مالك أن تشهد ابن عباس وهو الرواية الثالثة ولفظها (كان
رسول الله * يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن فكان يقول: التحيات المباركات
الصلوات الطيبات للَّه).
وقال أبو حنيفة وأحمد وجمهور الفقهاء وأهل الحديث: تشهد ابن مسعود أفضل، وهو الرواية
الأولى، ولفظها (كنا نقول فى الصلاة خلف رسول اللّهل:﴿: السلام على اللّه. السلام على فلان. فقال
لنا رسول اللَّهِمَ﴿ ذات يوم: إن اللَّه هو السلام، فإذا قعد أحدكم فى الصلاة فليقل: التحيات للَّه
والصلوات والطيبات).
٥١٦
واختار مالك وأصحابه تشهد عمر، وقد أخرجه الطحاوى عن عبد الرحمن بن عبد القارئ أنه سمع
عمر بن الخطاب رضي يعلم الناس التشهد على المنبر وهو يقول: قولوا: التحيات لله الزاكيات للّه
والصلوات اللَّه.
ونوجيه الشافعية لتفضيل تشهد ابن عباس أنه مناسب للفظ القرآنى فى قوله تعالى ﴿ تَحِيَّةً مِّنْ
عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] وأن الزيادة فيه لا تنافى رواية ابن مسعود، وهى لفظ المباركات))
ويأن أخذ ابن عباس للتشهد من رسول اللّه كان فى الأخير. قال الشافعى: رويت أحاديث فى
التشهد مختلفة. وكان تشهد ابن عباس أحب إلى، لأنه أكملها. وقال في موضع آخر. وقد سئل عن
اختياره تشهد ابن عباس. قال: لما رأيته واسعا وسمعته عن ابن عباس صحيحا، كان عندى أجمع
وأكثر لفظا من غيره وأخذت به غير معنف لمن يأخذ بغيره مما صح.
وتوجيه الحنفية والحنابلة ومن تابعهم لتفضيل تشهد ابن مسعود أنه أصح حديث فى التشهد،
فقد روى عن نيف وعشرين طريقا، وهو متفق عليه، ورواه الستة عنه، وإن رواته من الثقات لم يختلفوا
فى ألفاظه بخلاف غيره، فإن حديث ابن عباس لم يروه البخارى، وحديث عمر موقوف، وأنه يتفق مع
ابن عباس فى كونه تلقاه عن النبى ®، تلقينا، وروايتنا الثانية تقول «علمني رسول الله* التشهد -
كفى بين كفيه - كما يعلمنى السورة من القرآن)) ورواية الطحاوى له ((أخذت التشهد من فى رسول
اللَّه ◌ِ* ولقننيه كلمة كلمة ((بل يزيد عن ابن عباس ما جاء فى رواية أحمد من حديث ابن مسعود
((أن رسول اللَّهِ﴿ علمه التشهد، وأمر أن يعلمه الناس)) ولم ينقل ذلك لغيره، ففيه دليل على مزيته.
ورجح أيضا بثبوت الواوفى)) الصلوات والطيبات)) التى تقتضى المغايرة بين المعطوف والمعطوف
عليه، فتكون كل جملة ثناء مستقلا، بخلاف ما إذا حذفت فإنها تكون صفة لما قبلها، وتعدد الثناء
فى العطف صريح، فتكون أولى.
وتوجيه المالكية لتفضيل تشهد عمر أنه وإن كان موقوفا على عمر لكنه أفضل. لأنه علمه للناس
على المنبر، ولم ينازعه أحد، فصار كالمجمع عليه، ودل ذلك على تفضيله، قال القاضى عياض: واختار
مالك في الموطأ تشهد عمره الذى كان يعلمه الناس على المنبر، وهو وإن لم يكن مسندا فهو
كالمسند، بل هو أرجح، فإن دوام تعليمه بمحضر من لا يقر على خطأ صيره کالمعلوم عنده.
قال النووى فى المجموع بعد أن ذكر هذه المذاهب وهذه الأحاديث وغيرها فى ألفاظ التشهد،
قال: فهذه الأحاديث الواردة فى التشهد وكلها صحيحة، وأشدها صحة باتفاق المحدثين حديث ابن
مسعود ثم حديث ابن عباس. ثم قال: وقد أجمع العلماء على جواز كل واحد منها.اهـ
وقال الحافظ ابن حجر: لا خلاف فى أن ألفاظ التشهد الأول كألفاظ التشهد الأخير [يقصد الحد
المذكور فى أحاديث الباب] وكان ابن عمر لا يسلم فى التشهد الأول، أى لا يقول: السلام عليك أيها
النبى إلى الصالحين. اهـ
كما اختلف العلماء فى أفضل تشهد اختلفوا فى حكم التشهد الأول بعد الركعة الثانية من الصلاة
الثلاثية والرباعية، وفى حكم التشهد الأخير.
٥١٧
فمن حكم التشهد الأول ذهب فقهاء الأمصار مالك وأبو حنيفة والشافعى والثورى وإسحق والليث
وأبو ثور إلى أن التشهد الأول غير واجب.
وذهب أحمد وداود إلى أنه واجب، وقد نقل هذا عن الليث وأبى ثور، قال أحمد: إن ترك التشهد
عمدا بطلت صلاته، وإن تركه سهواً سجد للسهو وأجزأت صلاته. اهـ
وفى شرح الهداية، قراءة التشهد فى القعدة الأولى واجبة عند أبى حنيفة، وهو المختار والصحيح،
وقيل سنة وهو الأقيس.
واستدل من قال بوجوبه بأنه صلى الله عليه وسلم فعله، وداوم عليه، وقال (صلوا كما رأيتمونى
أصلي)) وأمر به حديث ابن عباس، بقوله ((قولوا: التحيات للَّه)) وجبره بسجود السهو حين نسيه،
وقال فى حديث لابن مسعود ((إذا قعدتم فى كل ركعتين فقولوا: التحيات)) رواه النسائي.
واحتجوا أيضا بأن الصلاة فرضت أولا ركعتين، وكان التشهد فيها واجبا؟ فلما زيدت لم تكن
الزيادة مزيلة لذلك الواجب. كما احتجوا بأن من ترك الجلوس الأول بطلت صلاته.
واحتج الجمهور بما رواه البخارى من أن النبى # صلى بهم الظهر فقام من الركعتين الأوليين، لم
يجلس. فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس. فسجد
سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم.
قالوا: لو كان واجبا لوجب عليه الرجوع إليه حين علم تركه، وقال ابن المنير: لو كان واجبا
لسبحوا به ولم يسارعوا إلى الموافقة على الترك غفلة. اهـ ولو كان واجبا لما جبره بسجود السهو. قال
التيمى: سجوده ناب عن التشهد والجلوس، ولو كانا واجبين لم ينب منابهما سجود السهو، كما لا
ينوب عن الركوع وسائر الأركان. اهـ وقال ابن بطال: والدليل على أن سجود السهو لاينوب عن
الواجب أنه لو نسى تكبيرة الإحرام لم تجبر، فكذلك التشهد.اهـ
وأجابوا عن الأمربه فى حديث ابن عباس وابن مسعود بأن الأمر للاستحباب لا للوجوب جمعا
بين الأدلة، وعن حديث ((صلوا كما رأيتمونى أصلي)): بأنه متناول للفرض والنفل، وقد قامت دلائل
على تميزهما، أما عن قولهم: إن الصلاة فرضت أولا ركعتين إلخ فقد أجيب بأن الزيادة لم تتعين فى
الأخيرتين، بل يحتمل أن يكونا هما الفرض الأول، والمزيد هما الركعتان الأوليان بتشهدهما، ويؤيده
استمرار السلام بعد التشهد الأخير كما كان.
وأما عن قولهم: من تعمد ترك الجلوس الأول بطلت صلاته فقد أجيب بأن من لا يوجبه لا يقول
ببطلان الصلاة بترك الجلوس، والله أعلم.
وعن حكم التشهد الأخير قال الشافعى: إنه فرض، لكن قال: لولم يزد رجل على قوله التحيات للَّه.
سلام عليك أيها النبى إلخ كرهت ذلك له، ولم أر عليه إعادة. اهـ
فالتشهد والجلوس له فرضان عند الشافعية، لا تصح الصلاة إلا بهما، وبه قال الحسن البصرى
وأحمد وإسحق وداود، واحتجوا بحديث ابن مسعود فى رواية الدارقطنى والبيهقى وفيها: كنا نقول
٥١٨
قبل أن يفرض علينا التشهد مع رسول اللّه ﴿ السلام على اللَّه .... )) الحديث وبروايتنا الأولى وفيها
((فليقل التحيات)) وهذا أمر، والأمر للوجوب ولم يثبت شيء صريح فى خلافه، قال الشافعية: ولأن
التشهد شبيه بالقراءة، لأن القيام والقعود لا تتميز العبادة منها عن العادة، فوجب فيما ذكر ليتميز
بخلاف الركوع والسجود.
وقال أبو حنيفة ومالك: الجلوس بقدر التشهد واجب، ولا يجب التشهد.
قال النووى: فى المجموع: وحكى الشيخ أبو حامد عن على بن أبى طالب والزهرى
والنخعى ومالك والأوزاعى والثورى أنه لايجب التشهد الأخير ولا جلوسه، إلا أن الزهرى
ومالكا والأوزاعى قالوا لو تركه سجد للسهووعن مالك رواية كأبى حنيفة، والأشهر عنه أن
الواجب الجلوس بقدر السلام فقط.
واحتج من لا يوجب التشهد بحديث المسيء صلاته، ويحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال
((قال رسول الله﴾: إذا قعد الإمام فى آخر صلاته، ثم أحدث قبل أن يتشهد فقد تمت صلاته)) وفى
رواية ((ثم أحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته))، رواه أبو داود والترمذى والبيهقى وغيرهم وألفاظهم
مختلفة. قالوا: وقياسا على التشهد والتسبيح للركوع.
وأجاب الجمهور عن حديث المسيء صلاته بأنه لم يذكره له لأنه كان معلوما عنده، ولهذا لم يذكر
له النية - وقد أجمعنا على وجوبها - ولم يذكر القعود للتشهد - وقد وافق أبو حنيفة على وجوبه - ولم
يذكر السلام، وقد وافق مالك والجمهور على وجوبه.
وأجابوا عن حديث عبد الله بن عمرو بأنه ضعيف باتفاق الحفاظ وعن القياس على التشهد الأول
بأن النبى # جبر تركه بالسجود ولو كان فرضا لم يجبر، قال إمام الحرمين: ولم يزل المسلمون
يجبرون الأول بالسجود دون الثانى وعن القياس على التسبيح فى الركوع بما سبق بيانه فى الفرق
بين القيام والقعود وبين الركوع والسجود. والله أعلم.
أما السلام على النبى * وعلى عباد الله الصالحين فى التشهد فعنه يقول النووى: واعلم أن
السلام الذى فى قوله ((السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله
الصالحين)) يجوز فيه حذف الألف واللام فيقال سلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته سلام
علينا وعلى عباد الله الصالحين، ولا خلاف فى جواز الأمرين هنا ولكن الألف واللام أفضل، وهو
الموجود فى روايات صحيحى البخارى ومسلم، وأما الذى فى آخر الصلاة وهو سلام التحلل،
فاختلف أصحابنا فيه، فمنهم من جوز الأمرين فيه، ويقول: الألف واللام، أفضل، كما هنا ومنهم من
أوجب فيه الألف واللام، لأنه لم ينقل إلا بالألف واللام، ولأنه تقدم ذكره فى التشهد، فينبغى أن يعيده
بالألف واللام وليعود التعريف إلى سابق كلامه.اهـ
وأما الصلاة على النبى فى التشهد فسيأتى حكمها ولفظها فى الباب التالى، إن شاء
الله تعالى.
٥١٩
وفى صفة قعدة التشهد اختلف العلماء، فذهب مالك إلى أن المصلى ينصب رجله اليمنى، ويثنى
رجله اليسرى ويقعد بالأرض، فى القعدة الأولى وفى الأخيرة وفى القعدة بين السجدتين، قال العينى:
وهذا هو التورك الذى ينقل عن مالك، وفى الجواهر، المستحب فى الجلوس كله الأول والأخير وبين
السجدتين أن يكون توركا. اهـ ولزيادة الإيضاح فى صفة التورك نقول: إنه ينصب رجله اليمنى
خارجة إلى اليمين من قعدته، ويضع أطراف أصابعها على الأرض موجهة إلى القبلة، ويفرش رجله
اليسرى على جنبها الأيسر، ويخرجها من تحته إلى يمين قعدته، من تحت رجله اليمنى المنتصبة،
ويجلس بوركه الأيسر على الأرض وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن السنة أن يفرش رجله اليسرى،
ويجلس عليها، وينصب اليمنى نصبا فى القعدتين جميعا، وهو المسمى بالافتراش، وهو سنة الجلوس
فى الصلاة عند أبى حنيفة فى جميع جلسات الصلاة.
وقال الشافعى: السنة أن يجلس كل الجلسات مفترشاً إلا التى يعقبها السلام، فإنه يجلس
متوركاً. قال النووي: فلوكان مبسوقاً، وجلس إمامه فى آخر صلاته متوركاً جلس المسبوق مفترشاً،
لأن جلوسه لا يعقبه سلام، ولو كان على المصلى سجود سهو، فالأصح أنه يجلس مفترشاً فى تشهده
فإذا سجد سجدتى السهوتورك، ثم سلم. هذا تفصيل مذهب الشافعى. اهـ
قال الحافظ ابن حجر: وقد قيل فى حكمة المغايرة بين جلستى التشهدين: إنه أقرب إلى تذكر
الصلاة وعدم اشتباه عدد الركعات، ولأن الأول تعقبه حركة بخلاف الثانى، ولأن المسبوق إذا رأى
هيئة السابق علم قدر ما سبق. اهـ قال النووى فى المجموع، ولأن السنة تخفيف التشهد الأول،
فيجلس مفترشا ليكون أسهل للقيام، والسنة تطويل الثانى ولا قيام بعده، فيجلس متوركا ليكون
أعون له، وأمكن ليتوفر الدعاء. اهـ
واختلف قول أحمد، والمشهور عنه أنه إن كانت الصلاة ركعتين افترش، وإن كانت أربعا أو ثلاثا
افترش فى الأول وتورك فى الثانى.
ولكل من هذه المذاهب أدلة ترجيح تأتى بعد ستة وعشرين باباً فى باب ((صفة الصلاة)).
أما جلوس المرأة فى الصلاة فإنه كجلوس الرجل عند الجمهور من العلماء وبه قال الشافعية
والحنفية والمالكية، وعن مالك أنها تجلس على وركها الأيسر، وتضع فخذها الأيمن على الأيسر، وتضم
بعضها إلى بعض قدر طاقتها، ولا تفرج فى ركوع ولا سجود ولا جلوس، بخلاف الرجل. وقال قوم:
تجلس كيف شاءت إذا تجمعت، وبه قال عطاء والشعبى. وكانت صفية - رضى الله عنها - تصلى
متربعة، ونساء ابن عمر كن يفعلنه والله أعلم.
قال النووى: وصلاة النفل كصلاة الفرض فى الجلوس، وعن بعضهم التربع فى النافلة،
والصواب الأول، وقال: ثم هذه الهيئة مسنونة، فلو جلس فى الجميع مفترشاً، أو متوركاً، أو
متربعًا، أو مقعيًّا أو مادًا رجليه، صحت صلاته وإنه كان مخالفًا. اهـ والإقعاء أن يرجع على
صدور قدميه، ويمس عقبه بإليتيه.
٥٢٠