Indexed OCR Text
Pages 461-480
(١٥٧) باب فضل الأذان
٦٨٤- ١ُ٤ِ عَنِ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى(١٤) عَنِ عَمِّهِ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ مُعَاوِيَّةَ بْنٍ أَبِي سُفْيَانَ فَجَاءَهُ
الْمُؤَذِّدُ يَدْعُوهُ إِلَى الصَّلاةِ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ :﴿ يَقُولُ: «الْمُؤَذّنُونَ أَطْوَلُ
النّاسِ أَغْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
٦٨٥- ١٣٢ عَنِ جَابِرٍ﴾(١٥) قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌ِ﴿ يَقُولُ «إِنَّ الشَّيْطَانِ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ
بِالصَّلاةِ ذَهَبٌ حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ» قَالَ سُلَيْمَانَ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الرَّوْحَاءِ فَقَالَ: هِيَ مِن
الْمُدِينَةِ سِتّةٌ وَقَلاثُونَ مِيلا.
٦٨٦ - ٣٦ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾ (١٦) عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ﴿ قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النّدَاءَ بِالصَّلاةِ
أَحَالَ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لا يَسْمَعَ صَوْتَهُ فَإِذَا سَكَتَ رَجْعَ فَوَسْوَسَ فَإِذَا سَمِعَ الإِقَامَةَ ذَهَبَ حَتّى
لا يُسْمَعَ صَوْتَهُ فَإِذَا سَكَتَ رَجَعَ فَوَسْوَسَ».
٦٨٧ - ١٣ٍ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿: «إِذَا أَذِّنْ الْمُؤَذِّدُ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ
وَلَهُ خُصَاصٌ».
٦٨٨- ١ عَنِ سُهَيْلٍ(١٨) قَالَ: أَرْسَلَنِي أَبِي إِلَى بَنِيٍ حَارِثَةً قَالَ وَمَعِي غُلامٌ لَنَا (أَوْ صَاحِبٌ
لَّا) فَنَادَاهُ مُنَادٍ مِن خَائِطٍ بِاسْمِهِ قَالَ وَأَشْرَفَ الْذِي مَعِي عَلَى الْحَائِطِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا فَذَكَرْتُ
ذَلِكَ لِأَبِي فَقَالَ لَوْ شَعَرْتُ أَنَّكَ تَلْقَ هَذَا لَمْ أُرْسِلْكَ وَّلَكِنْ إِذَا سَمِعْتَ صَوًّْا فَنَادٍ بِالصَّلاةِ
فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ «إِنَّ الشَّيْطَانِ إِذَا نُودِيَ بِالصَّلاةِ وَلَّى
وَلَهُ حُصَاصٌ».
(١٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَيْرِ حَدَّثَا عَنْدَةُ عَنِ طَلْحَةٌ بْنِ يَحْتِى عَنِ عَمِّهِ
- وحَذَِّهِ إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورَ أَخْبَرْنَا أَبُو عَامِرٍ حَدََّا سُفْيَاك ◌َنِ طَلْحَةَ بَّنِ يَحْتَى عَنِ عِيسَى بْنِ طَلْحَةً قَالَ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةً
يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َائِ بِمِثْلِهِ
(١٥) حَدَّثَّا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبُرَنَا وَقَالَ الْآخَرَانِ حَدَّقْنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ
عَنِ آَبِي سُفیان عَنِ جَابِرِ
- وَحَدْفَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنَّ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيِبٍ قَالا حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَدَا الإِسْنَادِ
(١٦) حَدَّثْنَا فْتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَزَّهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَاللّفْظُ لِقُتْبَةً قَالَ إِسْحَقُ أَخْبُرَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ
الأَعْمَشِ عَنِ أَبِي صَالِحٍ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةً
(١٧) حَدَّثَبِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنَّ بَيَانَ الَّوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ سُهَيْلٍ عَنِ أَبِيهِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
(١٨) حَدَّثَنِي أُمَّةُ بْنُ بِسْطَامٌ حَدَّثْنًا يَزِيدُ (يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ) حَدَّقْنَا رَوْحٌ عَنِ سُهْلٍ
٤٦١
٦٨٩- ٩ْ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ضٍَّ(١٩) أَنَّ النّبِيَّ:﴿ قَالَ «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ
ضُرَاطٌ حَتَّى لا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فَإِذَا قُضِيَ التَّأْذِينُ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا تُوِّبَ بِالصَّلاةِ أَدْبَرَ حَتَّى إِذَا
قُضِيَ التِّغْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ لَهُ اذْكُرْ كَذَا وَاذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ
يَذْكُرُ مِن قَبْلُ حَتْى يَظَلَّ الرَّجُلُ مَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى».
٦٩٠ - ٢٠ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُ(٢٠) عَنِ النَّبِيِّ : ﴿ بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنْهُ قَالَ «حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ
يَدْرِي گیْفَ صَلَّى».
المعنى العام
للأذان فضل على كثير من العبادات؟ والتأذين منزلة وشرف منحها الرسول و # لبلال
مقابل صموده أمام التعذيب، وجهره بأحد أحد فى وجه عتاة الكافرين. الأذان صاروخ يصم
آذان أعداء الإسلام، ويكبتهم ويشعل الحسرة فى صدورهم، الأذان رفع لشأن الإسلام، وإعلاء
لكلمته وإعلان عن شعائره، ورفع لرأس المؤذن، وعزة للمسلمين، ومن هنا كان المؤذنون
أطول الناس أعناقا يوم القيامة، وأكثرهم عزة وكرامة وفضلا وشأنا، ومن هنا كان الأذان
إرغاما للشيطان، وإذلالا، ومجابهة له وخذلاناً، إنه إذا سمع الأذان ولى وأدبر، يجرى كأنه
حمر مستنفرة فرت من قسورة، يجرى ويحدث صوتا حين يجرى يغطى بصوته على أذنيه
كيلا تسمع الأذان، صوت قبيح كالضراط، وحقا لا يخرج الخبيث إلا الخبائث، ولا يهرب
الخبيث إلا من الطيبات، يجرى ويبتعد مد صوت المؤذن ما دام يؤذن، فإذا فرغ من أذانه
عاد إليه وإلى أهل المسجد، يوسوس لهم ويغويهم ويأتيهم من خلفهم ومن بين أيديهم، فإذا
سمع إقامة الصلاة فركما تفر الفيران من القط، فربعيداً عن صوت التوحيد والدعوة إلى
اللَّه، فإذا انقضت إقامة الصلاة عاد إلى المصلين، يخطر بينهم وبين قلوبهم، يوسوس لهم،
ويزين أمور الدنيا فى نفوسهم ويذكرهم فى صلاتهم بمتاعهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم،
ليحول بينهم وبين الخشوع، ويباعد بينهم وبين الإقبال على الله بكل الجوارح، ويقدر جهاد
المؤمن للشيطان وبقدر تغلبه عليه فى هذا الميدان، وبقدر خشوعه لربه، يكون له من ثواب
الصلاة، فقد قال صلى الله عليه وسلم ((ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها)) وإن كثيرا
من المصلين يتغلب عليهم شيطانهم، فيخرجون من الصلاة كأنهم ما دخلوا فيها، يقرءون
ويركعون ويسجدون وهم لا يشعرون أجسامهم فى الصفوف، وأفكارهم مع الشيطان،
لايدركون كم ركعة صلوا؟ ولا ماذا قرءوا؟ ولا كيف بدءوا؟ ولا متى انتهوا؟ إنهم الذين
(١٩) حَدَثْنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَذََّنَا الْمُغِيرَةُ يَغْنِي الْحِزَّامِيَّ عَنِ أَبِي الزَّادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٢٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةً
٤٦٢
استجابوا لوسوسة الشيطان، إنهم الذين لم يأخذوا حذرهم منه، إنهم الذين نسوا قوله لربه،
رب العزة والجبروت: ﴿لَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، ثُمَّ لاَ تِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ
خَلْفِهِمْ وَعَنِ أَيْمَانِهِمْ وَعَنِ شَمَائِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦-١٧] نعوذ باللّه
من الشيطان الرجيم.
المباحث العربية
( المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة). قال النضر: طول العنق حقيقة، وذلك أنه
عندما يلجم الناس العرق يوم القيامة تطول أعناقهم، لئلا ينالهم ذلك الكرب والعرق.
وعامة شراح الحديث على أنه كناية، واختلفوا فى المراد، فقيل: كناية عن أنهم أكثر الناس
تشوقا وتطلعا إلى رحمة الله، وذلك أنه يلزم المتطلع أن يطيل عنقه غالبا إلى ما يتطلع إليه، ويلزمه
كثرة ما يرون من ثواب. وقيل: كناية عن أنهم سادة ورؤساء، وذلك أن أطول الناس عنقا أبرزهم
وأعلاهم حسا، فأريد أبرزهم وأعلاهم مكانة وقدرا، وقيل: كناية عن أنهم أكثر أتباعا، وهو بعيد، وقيل:
كناية عن أنهم أكثر الناس أعمالا حسنة، وهو بعيد أيضا، وأحسن ما قرأت ما قاله الأبى من أنه
كناية عن عدم الخجل من الذنوب، لأن الخجل يقصر عنقه، وينكس رأسه، قال تعالى ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ
الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] ومن المعلوم أن الكناية لفظ أطلق وأريد منه لازم
معناهَ مع صحة إرادة المعنى الأصلى، فالكنايات المذكورة لا تمنع من طول عنقهم على الحقيقة،
وكان الجزاء من جنس العمل، فإنهم كانوا فى الدنيا يطيلون أعناقهم ويلوونها يميناً وشمالاً بالأذان،
وقد جاء عند ابن حبان ((يعرفون بطول أعناقهم يوم القيامة)).
قال القاضى عياض وغيره: ورواه بعضهم ((إعناقاً)) بكسر الهمزة أى أشد الناس إسراعاً
إلى الجنة.
( إن الشيطان) الشيطان كل متمرد من الإنس والجن، ولكن المراد هنا شيطان
الجن خاصة، قيل المراد به إبليس، وقيل: شيطان المؤذن، وقيل شيطان سامع الأذان،
وقيل جنس المتمرد من الجن.
( إذا سمع النداء بالصلاة ) أى إذا سمع الأذان لأجل الصلاة، فالباء للسببية، ويحمل رواية
مسلم على رواية البخارى فى المعنى، ولفظها ((إذا نودي للصلاة)».
( حتى يكون مكان الروحاء ) بفتح الراء وبالحاء والمد، وقد بين الرواى المسافة بينها وبين
المدينة بستة وثلاثين ميلا، وليس المقصود من الحديث ذهاب الشيطان إلى هذا المكان خاصة، بل
هو كناية عن البعد عن المؤذن مسافة طويلة حتى لا يسمع صوته، وكلما ارتفع صوت المؤذن كلما زاد
ابتعاد الشيطان عنه.
٤٦٣
( إذا سمع النداء بالصلاة أحال) يقال: أحال إلى المكان إذا ذهب إليه،
وبالمكان إذا أقام به، وعن المكان إذا ذهب عنه، فهو من التحول والتغير، والمراد هنا:
ذهب عن مكان المؤذن، وابتعد هارباً.
( له ضراط) «الضراط، بضم الضاد خروج الريح من الدبر بصوت، والجملة اسمية وقعت حالاً
بدون واو لحصول الارتباط بالضمير، وفى رواية ((وله ضراط)) بالواو، قال القاضى عياض: يمكن حمله
على ظاهره لأن الشيطان جسم متغذ، يصح منه خروج الريح، ويحتمل أنه كناية عن شدة نفاره،
ويقويه رواية ((له حصاص)) بضم الحاء، فقد فسرها الأصمعى وغيره بشدة العدو، قال الطيبى: شبه
شغل الشيطان نفسه عن سماع الأذان بالصوت الذى يملأ السمع ويمنعه عن سماع غيره، ثم سماه
ضراطاً تقبيحا له. اهـ فكأنه قال: ولى هاربا محدثا صوتا يشغل به أذنيه عن الأذان، صوتاً قبيحاً
شبيهاً بالضراط. ففى الكلام استعارة تصريحية أصلية.
قال العينى: هذا تمثيل لحال الشيطان عند هروبه من سماع الأذان بحال من دهاه أمر عظيم،
واعتراه خطب جسيم حتى حصل له الضراط من هول ما هو فبه، لأن الواقع فى شدة عظيمة من خوف
وغيره تسترخى مفاصله، ولا يقدر على أن يملك نفسه، فينفتح منه مخرج البول والغائط. ولما كان
الشيطان - لعنه الله - تعتريه شدة عظيمة، وداهية جسيمة عند النداء إلى الصلاة، فيهرب حتى لا
يسمع الأذان، شبه حاله بحال ذلك الرجل، وأثبت له على وجه الادعاء الضراط، الذى ينشأ من كمال
الخوف الشديد، وفى الحقيقة ليس هناك ضراط.اهـ وهو كلام جيد.
( وله حصاص ) قيل: هو الضراط، وقيل هو شدة العدو والفرار.
( فإذا قضى التأذين أقبل ) ((قضى)) بضم القاف، مبنى للمجهول، والمراد بالقضاء الفراغ
والانتهاء، ويروى بفتح القاف والضاد، ونصب ((التأذين)) على المفعول به، والتقدير: فإذا قضى
المؤذن التأذين أى الأذان.
( حتى إذا ثوب للصلاة أدبر): ((ثوب)) بضم الثاء، وتشديد الواو المكسورة، قيل: هو من ثاب
إذا رجع، والمراد من التثويب بالصلاة إقامتها ومقيم الصلاة راجع إلى الدعاء إليها، فإن الأذان دعاء
إلى الصلاة، والإقامة دعاء إليها، ووجهه الطيبى توجيهاً آخر، فقال: ((ثوب)) بفتح الثاء وتشديد الواو
المفتوحة، أى صرخ بالإقامة مرة بعد مرة، وكل مردد صوته بشىء مثوب. اهـ وهذا التوجيه بعيد، لأنه
يجيز إطلاق التثويب على كل كلمات الأذان، مع أن الذى أطلق عليه التثويب من كلمات الأذان قول
المؤذن ((الصلاة خير من النوم)) لأنه تكرر لمعنى الحيعلتين، وقال الخطابى: التثويب الإعلام بالشىء
ووقوعه، وأصله، من ثوب الرجل إذا جاء فزعاً، ولوح بثوبه مستصرخاً. اهـ وهذا القول بعيد عن المراد،
فإنه بهذا المعنى يطلق على الأذان، وهو ليس المقصود بل المقصود الإقامة، والتوجيه الأول خير
توجيه. وزعم بعض الحنفية أن المراد بالتثويب هنا قول المؤذن بين الأذان والإقامة [حى على
الصلاة، حى على الفلاح، قد قامت الصلاة] ففى سنن أبي داود عن ابن عمر أنه كره التثويب بين
٤٦٤
الأذان والإقامة، وهذا الزعم بعيد عن الصواب، فقد جاء المراد صريحا فى الرواية الثالثة من هذا
الباب، ولفظها ((فإذا سمع الإقامة ذهب)».
(حتى يخطر بين المرء ونفسه) ((يخطر)) بضم الطاء وكسرها، حكاهما القاضى عياض،
قال: ضبطناه عن المتقنين الكسر، وسمعناه من أكثر الرواة بالضم، قال: والكسر هو الوجه، ومعناه
يوسوس، وهو من قولهم: خطر الفحل بذنبه إذا حركه، فضرب به فخذيه، وأما بالضم فمن السلوك
والمرور، أى يدنو منه، فيمر بينه وبين قلبه، فيشغله عما هو فيه، وبهذا فسره الشارحون للموطأ،
وبالأول فسره الخليل.
والمراد من النفس هنا القلب، وقد وقع فى رواية البخارى، ((بين المرء وقلبه)) وبهذا التفسير
يحصل الجواب عما يقال: كيف يتصور خطوره بين المرء ونفسه، وهما عبارتان عن شيء واحد؟ وقد
يجاب بأن ذلك تمثيل لغاية القرب منه.
( يقول له: اذكر كذا، واذكر كذا ) قال الحافظ ابن حجر: وقع بواو العطف، وفى رواية
البخارى بدونها، وفى رواية له ((اذكر كذا وكذا)) ووقع فى بعض الروايات ((فهناه ومناه، وذكره من
حاجاته ما لم يكن يذكر)).
( لما لم يكن يذكر من قبل ) أى لشىء لم يكن على ذكره قبل دخوله فى الصلاة، قيل: خصه
بما يعلم، دون ما لا يعلم، لأنه يميل لما يعلم أكثر لتحقق وجوده، قال الحافظ ابن حجر: والذى يظهر
أنه لأعم من ذلك فيذكره بما سبق له علم، ليشتغل باله به، وبما لم يكن سبق له، ليوقعه فى الفكرة فيه،
وهذا أعم من أن يكون فى أمور الدنيا، أو فى أمور الدين، كالعلم، لكن هل يشتمل ذلك التفكير فى
معانى الآيات التى يتلوها؟ لا يبعد ذلك، لأن غرضه نقص خشوعه وإخلاصه بأى وجه كان. اهـ ويؤيده
قوله ((حتى يظل الرجل ما يدرى كم صلى)).
( حتى يظل الرجل ما يدرى كم صلى )؟ غاية لوسوسة الشيطان، أى أنه
يوسوس للرجل حتى يصير لا يدرى كم صلى من الركعات؟ أثلاثاً أم أربعاً؟ و((يظل)»
بالظاء، ومعناه فى الأصل الاتصاف بالوصف نهارا، لكنه هنا بمعنى يصير ويبقى ومنه قوله
تعالى ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل: ٥٨] ووقع عند الأصيلى ((حتى يضل الرجل)) بالضاد
المكسورة، أى ينسى، ومنه قوله تعالى ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢] أو يخطئ، ومنه
قوله تعالى ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] والمشهور الأول.
( حتى يظل الرجل إن يدرى كيف صلى) بكسر همزة ((إن)) وسكون النون، وهى حرف
نفى بمعنى ((ما)) أو ((لا)) وحكى ابن عبد البرعن الأكثر، ((أن)) بفتح الهمزة وسكون النون، وقال
القرطبى: ليست رواية الفتح بشيء إلا مع رواية الضاد، فتكون ((أن)) مع الفعل بتأويل مفعول ((يضل))
بإسقاط حرف الجر أى حتى يضل الرجل عن درايته كم صلى. والله أعلم.
٤٦٥
فقه الحديث
يكاد العلماء يجمعون على أن المراد من الشيطان شيطان الجن، وأن إدباره لسماع الأذان حقيقة
لا مجاز فيه، ويتلمس كل فريق منهم حكمة هذا الإدبار والهروب.
فبعضهم يرى أنه يهرب حتى لا يشهد للمؤذن يوم القيامة، فإنه قد ورد فى البخارى قول النبى ل ا
((ارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامه))
ورد بأنه عام مخصوص، وأنه لا يشهد إلا المؤمن، وقيل: إن هذا الرد غير مسلم إذ يشهد له الجميع
حتى الجماد وإلى هذا ذهب ابن عمر، حتى قال لمؤذن: شهد لك كل رطب ويابس.
وبعضهم يرى أنه يهرب لأن الأذان دعوة إلى الصلاة المشتملة على السجود الذى أباه وعصى
بسببه، ورد بأنه يعود للسجود، فلوكان هريه لأجله لم يعد إلا عند فراغه، وأجيب بأنه يهرب عند
سماع الدعاء بذلك ، ليغالط نفسه بأنه لم يخالف أمرًا ، ثم يرجع ليفسد على المصلى سجوده
الذی أباه.
وبعضهم يرى أنه يهرب لاتفاق الجميع على الإعلان بشهادة الخلق وإقامة الشريعة، واعترض بأن
الاتفاق على ذلك حاصل قبل الأذان وبعده من جميع من يصلى، وأجيب بأن الإعلان أخص من
الاتفاق، فإن الإعلان المختص لا يشاركه فيه غيره من الجهر بالتكبير، والتلاوة مثلا، ولهذا قال
لعبدالله بن زيد ((ألقه على بلال: فإنه أندى صوتاً منك)) أى أقعد فى المد والإطالة والإسماع، ليعم
الصوت ويطول أمد التأذين فيكثر الجمع، ويفوت على الشيطان مقصوده من إلهاء الآدمى عن إقامة
الصلاة فى جماعة، أو إخراجها عن وقتها، أو وقت فضيلتها فيفر حينئذ وقد يئس عن أن يردهم عما
أعلنوا به، ثم يرجع لما طبع عليه من الأذى والوسوسة: قاله الحافظ ابن حجر.
وبعضهم يرى أنه يهرب نفورا عن سماع الأذان، قال ابن الجوزى: على الأذان هيبة، يشتد انزعاج
الشيطان بسببها، لأنه لا يكاد يقع فى الأذان رياء ولا غفلة عند النطق به، بخلاف الصلاة، فإن النفس
تحضر فيها، فيفتح لها الشيطان أبواب الوسوسة.
وبعضهم يرى أنه يهرب لأن الأذان إعلام بالصورة التى هى أفضل الأعمال، بألفاظ هى من أفضل
الذكر، لا يزاد فيها، ولا ينقص منها، بل تقع على وفق الأمر، فيفر من سماعها، وأما الصلاة فلما يقع
من كثير من الناس فيها من التفريط، فيتمكن الشيطان الخبيث من المفرط، فلو قدر أن المصلى وفى
بجميع ما أمربه فيها لم يقربه، إذا كان وحده، وهو نادر، وكذا إذا انضم اليه من هو مثله، فإنه يكون
أندر. أشار إلى ذلك ابن أبى جمرة.
وبعضهم يرى أنه يهرب لعظم أمر الأذان، لما اشتمل عليه من قواعد التوحيد وإظهار شعائر
الإسلام، وإعلانه، ويأسه من وسوسة الإنسان عند الإعلان بالتوحيد.
وكل ما ذكروه إنما هو حكم متلمسة تقرب الحكم إلى العقول، وليس عللاً ينتقل منها إلى المعلول،
٤٦٦
فالتفتيش فيها يضعفها، والاعتراضات عليها تحبطها فشأنها شأن النكتة البلاغية، أو شأن الوردة،
تشم ولا تدعك. ولو قلنا إن الحكمة فى كل ما ذكر، وفى أن الأذان هو العبادة التى تصم آذان أعداء
الإسلام رغم أنوفهم، وأنه يقع على الكافرين موقع الصاعقة، فعلى الشيطان العدو الأول للمسلم من
باب أولى، لو قلنا ذلك كنا أقرب إلى القبول: والله أعلم.
ويؤخذ من الحديث
١- فضل الأذان، وأنه عظيم القدر، حتى إن الشيطان يلحقه منه هول كبير.
٢- فضيلة المؤذن إذا قام به احتسابا للَّه تعالى، قال النووى: واختلف أصحابنا: هل الأفضل للإنسان
أن يرصد نفسه للأذان؟ أو للإمامة؟ على أوجه أصحها: الأذان أفضل، وهو نص الشافعى فى الأم.
وهو قول أكثر أصحابنا ولقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾
[فصلت: ٣٣] قالت عائشة - رضى الله عنها -: نزلت فى المؤذنين، وللرواية الأولى من الباب
ولفظها: ((المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة)) ولحديث البخارى ومسلم (لو يعلم الناس ما
فى النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا)).
وقيل: الإمامة أفضل، وهو قول الحنفية، واحتجوا بأن النبى 18 ثم الخلفاء الراشدون من بعده
كانوا أئمة، ولم يكونوا مؤذنين، وكذا كبار العلماء بعدهم وفى الصحيحين عن مالك بن الحويرث
له قال: قال لنا رسول الله# ((ليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم)) ورد على هذا المذهب بأن
مواظبة النبى على الإمامة وكذا من بعده من الخلفاء والأئمة، ولم يؤذنوا، كانت بسبب أنهم
كانوا مشغولين بمصالح المسلمين، التى لا يقوم بها غيرهم فيها مقامهم، فلم يتفرغوا للأذان
ومراعاة أوقاته، وأما الإمامة فلابد لهم من صلاة، ويؤيد هذا التأويل ما رواه البيهقى بإسناد
صحيح عن عمر بن الخطاب ظه قال: لوكنت أطيق الأذان مع الخلافة لأذنت.
وقيل: هما سواء، وقيل: إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة وجمع خصالها فهى أفضل، وإلا
فالأذان أفضل، ثم قال النووي:
وأما جمع الرجل بين الإمامة والأذان فإن جماعة من أصحابنا يستحب أن لا يفعله، وقال
بعضهم: يكره، وقال محققوهم وأكثرهم أنه لا بأس به، بل يستحب. وهذا أصح. واللَّه أعلم. اهـ
٣- استدل بالرواية الثالثة والسادسة وفيهما أن الشيطان يرجع إلى الوسوسة بين الأذان، والإقامة
على أنه كان بين الأذان والإقامة فصل خلافاً لمن شرط فى إدراك فضيلة أول الوقت أن ينطبق
أول التكبير على أول الوقت.
٤- واستدل به على أن السهو الذى يحصل للمصلى فى صلاته يكون من وسوسة الشيطان.
٥- استدل به على استحباب رفع الصوت فى الأذان، على أن يكون الأذان على مرتفع،
ليكون أبعد لذهاب الصوت، وكان بلال ه يؤذن إلى بيت امرأة من بنى النجار، بيتها
أعلى بيت حول المسجد.
٤٦٧
٦ - وفيه أن الجن يسمعون أصوات بنى آدم. قاله العينى.
٧- يشبه أن يأخذ منه الزجر عن خروج المرء من المسجد بعد أن يؤذن المؤذن، لئلا يكون متشبهاً
بالشيطان الذى يفر عند سماع الأذان.
٨- ويؤخذ منه أن الشيطان له تسلط على الإنسان - غير الأنبياء - بالوسوسة حتى حال الصلاة.
٩- وأن الشيطان شديد الحرص على إضرار الإنسان فى دينه.
١٠- يؤخذ من التصريح بلفظ الضراط أن استحباب الكناية عن المعايب المستقبح سماع لفظها،
إنما هو حيث لا تدعو الحاجة والضرورة إلى التصريح، وحيث لا مصلحة من ذكره، كالتقبيح
والتنفير المرادين من هذا الحديث.
١١- فهم بعض السلف من الأذان فى هذا الحديث الإتيان بصورة الأذان وإن لم يوجد فيه
شرائط الأذان، من وقوعه فى الوقت، فطلب الأذان عند الخوف من الجن كما هو مفهوم
من الرواية الأولى.
والله أعلم
٤٦٨
(١٥٨) باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين
مع تكبيرة الإحرام والركوع وفى الرفع من الركوع
٦٩١- ٢١ عَنِ سَالِمٍ (٢١) عَنِ أَبِيهِ مْ﴾ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِو ◌َ﴿ إِذَا افْتَحَ الصَّلاةَ وَفَعَ يَدَيْهِ
حَنِّى يُحَادِيَ مَنْكِيِّيْهِ وَقَبْلَ أَنْ يَرَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ مِنْ الرُّكُوعِ وَلا يَرْفَعُهُمَا بَيْنَ السَّجْدَيْنِ.
٦٩٢ - ٣ عَنِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ(٢٢) أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ :﴿ إِذَا قَامَ لِلصَّلاةِ
رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى تَكُونَا حَذْوَ مَنْكِيْهِ ثُمَّ كَبَّرَ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرَكّعَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ وَإِذَا رَفَعَ مِنْ
الرُّكُوعِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ وَلا يَفْعَلُهُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ
٦٩٣ - ٢٣ عَنِ الزُّهْرِيِّ(٢٣) بِهَذَا الإِسْنَادِ كَمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا قَامَ
لِلصَّلاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ خَبِّى تَكُونَا حَذْوَ مَنْكِيْهِ ثُمَّ کَبِّرَ.
٢٩٤- ٣٤ عَنِ أَبِي قِلَابَةٌ(٢٤) أَنَّهُ رَأَى مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ إِذَا صَلَّى كَبَّرَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَإِذَا
أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَ يَدَيْهِ وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ كَان
يَفْعَلُ هَكَذَا.
٦٩٥- ٣٢ عَنِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ(٢٥) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كَانَ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَنِّى
يُحَاذِيّ بِهِمَا أُذَُّيْهِ وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ
فَقَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ .
٦٩٦- ٢٦ عَنِ قَتَادَةً(٢٦) بِهَذَا الإِسْنَادِ أَنْهُ رَأَى نَبِيَّ اللَّهِ﴿ وَقَالَ حَتَّى يُحَاذِيّ
بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ.
(٢١) حَدَّنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتَى التَّعِيمِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيَّةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ كُلُهُمْ
عَنِ سُفْيَانِ بْنِ عُيَيْنَةَ وَاللَّفْظُ لِيَخْتِى قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَّاكُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ سَالِمٍ عَنِ أَبِيهِ
(٢٢) خَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ خَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُرَنَا ابْنُ جُرَيِّجٍ حَدَّثَنِي ابْنَّ شِهَابٍ عَنِ سَالِمٍ بَنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عُمّرٌ
(٢٣) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٌ حَدَّثَنَا حُجَيْنٌ وَهُوَّ ابْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ عُقَيْلٍ ح وَخَدَّثَيِيْ مَّحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فُهْزَاذَ
حَدَّثْنَا سَلَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَخْبُرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْرَنَا يُونُسُ كِلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ
(٢٤) حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَحْتِى أَخْبُرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ خَالِدٍ عَنِ أَبِيَ قِلاَةً
(٢٥) حَدََّتِي أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ حَدَّثَا أَبُو عَوَانَةَ عَنِ قَتَادَةً عَنٍ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ عَنِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ
(٢٦) وحَدَّثَه مُحَمَّدُ بَّنُ الْمُثَنِّىَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيّ ◌َنِ سَعِيدٍ عَنٍ قَادَةً
٤٦٩
المعنى العام
شرع الله الصلاة ذات أقوال وأفعال، ليشغل اللسان بذكره، والقلب بالخشوع لسلطانه وجلاله،
والجوارح بالاستجابة لأمره، إنها مناجاة المخلوق للخالق، وإنها الإقبال من العبد المطيع الخاضع
نحوريه الغنى الكبير المتعال، يأخذ المسلم لها أهبتها من الطهارة الكاملة، طهارة الثوب والبدن
والمكان، ومن ستر العورة، واستقبال القبلة، مع حضور وقتها المأمور به، ثم يفتتحها بالتعظيم
والتمجيد بلفظ [الله أكبر] رافعاً يديه على هيئة المستسلم، واضعا إبهامه بجوار شحمتى أذنيه،
وراحتيه حذو منكبيه، مستقبل القبلة بباطن كفيه، ناشراً أصابعه بحيث تحاذى أطرافها أعالى
أذنيه، ذاك شعار الخضوع، وطرح الدنيا، والإقبال بجميع أعضائه على ربه، يرفع الشعار عند تكبيرة
الإحرام، وعند الهويِّ إلى الركوع وعند الرفع منه، وعليه أن يلتزم هيئات أخرى غير هذه الهيئة فى
وقوفه لقراءة الفاتحة، وفى جلسته للتشهد، وفى الركوع والسجود.
هيئات منسجمة مع حركاتها، ولها دلالتها الظاهرة على أن صاحبها فى عبادة ومناجاة، ولها
حكمتها الباطنة التى إن وصلنا إليها آمنا واستسلمنا بعقولنا وجوارحنا، وإن عجزنا عن إدراكها
استجبنا وقلنا ما يقوله الراسخون فى العلم: ﴿آمَنَّا بهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُوا الأَلْبَابِ﴾
رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُويَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَخَّمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٧-٨].
المباحث العربية
(حتى تكونا حذو منكبيه) ((حذو)) بفتح الحاء وسكون الذال، أى مقابل وإزاء، و((منكبيه»
تثنية ((منكب)) بفتح الميم وكسر الكاف بينهما نون ساكنة، وهو مجمع عظم العضد والكتف.
( إذا قام للصلاة ) أى شرع فيها، وباشر افتتاحها، وسيأتى أيهما يسبق: تكبيرة الإحرام أو رفع
اليدين، وكذا المراد من قوله فى الرواية الثالثة ((إذا صلى)) أى إذا شرع.
( فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك ) ليس رفع اليدين مرتبطاً بالإرادة وحدها، بل حين
مباشرة الركوع، وهذا هو المراد من قوله فى الرواية الأولى ((وقبل أن يركع)) وقوله فى الرواية الرابعة
«وإذا ركع رفع يديه)».
(وإذا رفع من الركوع ) تجمع الروايات فى مسلم على أن رفع اليدين إنما يكون بعد الرفع
فعلا من الركوع، وليس عند الشروع فى الرفع، كما هو الحال عند الشروع فى الركوع، وهو المراد من
رواية أبى داود: ((ثم إذا أراد أن يرفع صلبه رفعهما حتى يكونا حذو منكبيه».
( ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود) وفى الرواية الأولى ((ولا يرفعهما بين
السجدتين)). ورواه البخارى: ((ولا يفعل ذلك فى السجود)» والمقصود إنه لا يرفع يديه فى الهوى إلى
٤٧٠
السجود، ولا فى الرفع منه، وقد جاء ذلك صريحا فى رواية للبخارى، ولفظها ((ولا يفعل ذلك حين
يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود».
(وحدث أن رسول اللّه كان يفعل ذلك) فاعل ((حدث)» مالك بن الحويرث،
والجملة حالية، وليست معطوفة على ((رأى)) فيبقى فاعله ((أبو قلابة)) فيصير مرسلا،
وليس الأمر كذلك، والتقدير: رأى أبو قلابة مالك بن الحويرث يفعل كذا وكذا محدثا مالك
أن رسول اللَّهِ :﴿ كان يفعل ذلك.
( حتى يحاذى بهما فروع أذنيه ) أى أعلاهما.
فقه الحديث
قال النووى: أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، واختلفوا
فى رفع اليدين فيما سواهما، فقال الشافعى وأحمد وجمهور العلماء من الصحابة فمن
بعدهم: يستحب رفعهما أيضا عند الركوع، وعند الرفع منه، وهو رواية عن مالك، وحديث
الباب برواياته الأربع تؤيد هذا الرأى.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من أهل الكوفة إلى إنه لا يستحب فى غير تكبيرة الإحرام،
وهو أشهر الروايات عن مالك. اهـ بل بالخ بعضهم، فقال: إن الرفع عند الركوع، وعند الرفع منه يبطل
الصلاة، ونسب بعض متأخرى المغاربة فاعله إلى البدعة، ولهذا مال بعض محققيهم إلى تركه، درءاً
لهذه المفسدة.
واحتجوا بما رواه أبو داود عن البراء بن عازب قال: ((كان النبى * إذا كبر لافتتاح الصلاة رفع
يديه حتى يكون إبهاماه قريبا من شحمتى أذنيه، ثم لا يعود ((وقالوا عن أحاديث الباب)»: إنها
محمولة على أنه كان فى ابتداء الإسلام، علامة للاستسلام، لقرب عهدهم بالجاهلية فلما أنسوا
وأطمأنت قلوبهم خفف، وأبقى فى أول الصلاة، علامة للدخول فيها لمن يسمع التكبير، واستدلوا على
ذلك بأن عبد الله بن الزبير رأى رجلا يرفع يديه فى الصلاة عند الركوع، وعند رفع رأسه من الركوع
فقال له: لا تفعل، فإن هذا شيء فعله رسول اللّه ◌ُ﴿، ثم تركه، وأيدوا النسخ بما رواه الطحاوى عن
مجاهد قال ((صليت خلف ابن عمر، فلم يكن يرفع يديه إلا فى التكبيرة الأولى من الصلاة، قال
الطحاوى: فهذا ابن عمر قد رأى النبى # يرفع [كما روى فى روايتنا الثانية] ثم ترك هو الرفع بعد
النبى *، فلا يكون ذلك إلا وقد ثبت عنده نسخ ما قد كان رأى النبى * فعله.
ورد الجمهور بأن أكثر الرواة عن البراء بن عازب لم يذكروا ((ثم لا يعود)) قال الخطابي: لم يقل
واحد فى هذا ((ثم لا يعود)) غير شريك، وقال أبو عمر: تفرد به يزيد، ورواه عنه الحفاظ فلم يذكر واحد
منهم قوله ((ثم لا يعود)) وقال البزار: لا يصح حديث يزيد فى رفع اليدين ((ثم لا يعود)) وقال أحمد: هذا
حديث واه، وقد كان يزيد يحدث به لا يذكر ((ثم لا يعود)) ثم كان يغير فى آخر حياته فذكره.
٤٧١
ثم دعوى النسخ لا تقبل عن غير دليل، ورواية مجاهد إنه صلى خلف ابن عمر فلم يره يفعل ذلك
مطعون فيها. قال الحافظ ابن حجر: لأن راويها أبوبكر بن عياش ساء حفظه فى آخر أيامه. وعلى
تقدير صحته فقد أثبت ذلك عنه سالم ونافع وغيرهما، والعدد الكثير أولى من واحد، لاسيما وهم
مثبتون، وهو ناف، والمثبت مقدم على النافى، مع أن الجمع بين الروايتين ممكن، وهو أنه لم يكن
يراه واجبا ففعله تارة، وتركه أخرى، ومما يدل على ضعفه ما رواه البخارى عن مالك أن ابن عمر كان
إذا رأى رجلا لا يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رماه بالحصا.
فالحاصل أن رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام مشروع باتفاق العلماء والخلاف فى رفعهما عند
الركوع، وعند الرفع منه. وقد نقل النووى أنهم أجمعوا على أن الرفع غير واجب، إلا ما حكى عن داود،
فإنه قال بوجوبه عند تكبيرة الإحرام، وممن قال بوجوبه عند تكبيرة الإحرام أيضا الأوزاعى والحميدى
شيخ البخارى وابن خزيمة، وحكاه القاضى حسين عن الإمام أحمد. قال ابن عبد البر: كل من نقل
عنه الإيجاب لا يبطل الصلاة بتركه إلا فى رواية عن الأوزاعى والحميدى اهـ وقال الحافظ ابن حجر:
ونقل بعض الحنفية أنه يأثم تاركه، ا.هـ. هذا والشافعى قول: إنه إذا قام من التشهد الأول رفع يديه،
قال النووى: وهذا القول هو الصواب، فقد صح فيه حديث ابن عمر عن النبى # أنه كان يفعله. اهـ
والحديث الذى أشار إليه النووى رواه البخارى، ولفظه ((وإذا قام من الركعتين رفع يديه)).
وهناك قول غريب لبعض أهل الحديث، أنه يستحب رفع اليدين فى السجود أيضا، وهو بعيد.
كما أنه نقل عن الزيدية أنه لا يرفع يديه عند الإحرام، ولا يعتد بهم، والله أعلم.
هذا حكم رفع اليدين، أما كيفيته فقد قال النووي: المشهور من مذهبنا ومذهب
الجماهير أنه يرفع يديه حذو منكبيه، بحيث تحاذى أطراف أصابعه فروع أذنيه، أى أعلى
أذنيه، وإبهاماه شحمتى أذنيه، وراحتاه منكبيه، وبهذا جمع الشافعى ، بين روايات
الأحاديث فاستحسن الناس ذلك منه.اهـ.
وفى رواية عن مالك: يرفع يديه حذاء صدره، وفى رواية لابن حبيب يرفعهما فوق رأسه، وعند
بعض المالكية يرفعهما فوق أذنيه مدا مع رأسه. وقال الطحاوى: إنه لاختلاف الحال، فإلى الصدر
والمنكبين أيام البرد، وأيديهم تحت أكسيتهم، ومع آذانهم وفوق رءوسهم عند إخراجها.
وقال الطحاوى أيضاً: يرفع ناشراً أصابعه، مستقبلا لباطن كفيه القبلة، وفى المحيط: ولا يفرج
بين الأصابع تفريجا، وفى الحاوى للماوردى: يجعل باطن كل كف إلى الأخرى، وعن سحنون:
ظهورهما إلى السماء وبطونهما إلى الأرض، وعن القاضى: يقيمهما محنيتين شيئا يسيرا، ونقل
المحاملى عن أصحابه: يستحب تفريق الأصابع، وقال الغزالى: لا يتكلف ضما ولا تفريقا، بل
يتركهما على هيئتهما، وقال الرافعى: يفرق تفريقا وسيطا، وفى المغنى لابن قدامة: يستحب أن يمد
أصابعه، ويضم بعضها إلى بعض.
قال ابن عبد البر: وكلها آثار محفوظة مشهورة، دالة على التوسعة والتخيير. والله أعلم.
٤٧٢
وأما وقت الرفع فقد قال عنه النووى فى المجموع: فى وقت استحباب الرفع خمسة أوجه:
أصحها أن يكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير وانتهاؤه مع انتهائه، وهذا هو المنصوص. قال
الشافعى فى الأم: يرفع مع افتتاح التكبير ويرفع يديه عند الرفع مع انقضائه ويثبت يديه مرفوعة
حتى يفرغ من التكبير كله. قال: فإن أثبت يديه بعد انقضاء التكبير مرفوعتين قليلا لم يضره.
الوجه الثانى: يرفع بلا تكبير، ثم يبتدئ التكبير مع إرسال اليدين وينهيه مع انتهائه.
والوجه الثالث: يرفع بلا تكبير، ثم يكبر، ويداه قارتان، ثم يرسلهما بعد فراغ التكبير.
الوجه الرابع: يبتدئ بهما معا، وينهى التكبير مع انتهاء الإرسال لا مع انتهاء الرفع كما
فى الوجه الأول.
الوجه الخامس: يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، ولا استحباب فى الانتهاء.اهـ
وهى أوجه عند الشافعية، والوجه الأول هو المرجح عند المالكية وبه قال أحمد، والوجه الثانى هو
قول مشايخ الحنفية، ففى شرح الهداية يرفع ثم يكبر.
والناظر فى روايات الباب الأربع يجدها لا تتعرض لنهاية الرفع، وتختلف فى وقت
ابتدائه، فالرواية الأولى والرابعة ظاهرهما المقارنة، ففى الأولى ((إذا افتتح الصلاة رفع
يديه)) وفى الرابعة ((إذا كبر رفع يديه)) والرواية الثانية تقدم الرفع على التكبير، ولفظها
((وإذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم كبر)) والرواية الثالثة تقدم التكبير
على الرفع ولفظها ((إذا صلى كبر، ثم رفع يديه)».
فهذه الروايات بيان لحالات الجواز، ولا خلاف فى ذلك، والخلاف فى الوجه الأفضل.
والحافظ ابن حجر يقول: ولم أر من يقول بتقديم التكبير على الرفع، بعد أن قال: وقد ورد تقديم
الرفع على التكبير، وعكسه، أخرجهما مسلم اهـ. ومعنى هذا أن القول بتقديم التكبير على الرفع وارد
فى الحديث متروك عند الفقهاء أى متروك فى الأفضلية، جائز فى العمل وإن كان خلاف الأولى.
ففعله فى الحديث لبيان الجواز.
وقال الحافظ ابن حجر: لم يرد ما يدل على التفرقة فى الرفع بين الرجل والمرأة، وعن الحنفية:
يرفع الرجل إلى الأذنين، والمرأة إلى المنكبين لأنه أسترلها والله أعلم.
وأما وقت رفع اليدين عند الركوع، عند من يقول به، فهو عندما يكبر للركوع، وقبل أن يهوى،
بحيث تهوى يداه وتنساب مع هوى رأسه، والرواية الأولى والثانية والثالثة تشير إلى ذلك، فلفظ
الأولى ((وقبل أن يركع)) ولفظ الثانية والثالثة ((وإذا أراد أن يركع)) وعلى الروايات الثلاث تحمل
الرواية الرابعة، ولفظها ((وإذا ركع رفع يديه)) ليكون المراد منها: وإذا أراد أن يركع رفع يديه، إذ القول
برفع الیدین بعد الركوع لا قائل به.
ووقته عند رفع رأسه فى الركوع أن يقارن رفع اليدين رفع الرأس بحيث يتم محاذاتهما المنكبين
٤٧٣
مع تمام الانتصاب، وعلى هذا تحمل رواياتنا الأربع، ولفظها ((إذا رفع رأسه من الركوع)) أى إذا ابتدأ
رفع رأسه. قال الحافظ ابن حجر: وأما رواية الزهرى عند أحمد وأبي داود بلفظ ((وبعدما يرفع رأسه
من الركوع)) فمعناه بعد ما يشرع فى الركوع، لتتفق الروايات. اهـ، وفى حكمة رفع اليدين مع التكبير
قال الحافظ ابن حجر وغيره: الحكمة فى اقترانهما أن يراه الأصم ويسمعه الأعمى، وقيل: والإشارة
إلى الاستسلام والانقياد (فإن رفع اليدين علامة التسليم) ليناسب فعله قوله)) اللَّه أكبر)) وقيل:
إشارة إلى استعظام ما دخل فيه، وقيل: إشارة إلى تمام القيام، وقيل: إشارة إلى رفع الحجاب بين
العبد والمعبود، وقيل: يستقبل بجميع بدنه. قال القرطبى: وهو أنسبها، وقال الربيع: قلت للشافعى:
ما معنى رفع اليدين؟ قال: تعظيم الله، واتباع سنة نبيه * وقال ابن عبد البرعن ابن عمر إنه قال:
رفع اليدين من زينة الصلاة. اهـ
والذى تستريح إليه النفس أنه أمر تعبدى، وكذا كل قراءة وكل حركة وكل سكون فى الصلاة، وكل
ما قيل من حكم لا يستقيم إذا تعقب، ويكفى فى التعقيب عليه أن نتساءل: لم لم يفعل ذلك عند الرفع
من السجود للتشهد أو للقيام؟ والله أعلم.
والحديث برواياته الأربع يتعرض لتكبيرة الإحرام، وهى ركن من أركان الصلاة، لا تصح إلا بها،
وهذا مذهب الشافعى ومالك وأحمد وجمهور السلف والخلف، لما رواه أبو داود والترمذى وغيرهما عن
على - كرم الله وجهه -، أن النبى 8 * قال «مفتاح الصلاة الوضوء، وتحريمها التكبير وتحليلها
التسليم» ولما رواه البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة فى المسيء صلاته، وأن النبى {$# قال له
((إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر ... )) الحديث، ولم يذكر له 8# فى هذا
الحديث إلا الفروض خاصة.
ولما ثبت فى الصحيحين عن جماعات من الصحابة أن النبى 18# كان يكبر للإحرام، وروايات
حديث الباب واضحة فى هذا الاستدلال.
وقال الكرخى من أصحاب أبى حنيفة: تكبيرة الإحرام شرط لا تصح إلا بها، ولكن ليست من
الصلاة، بل هى كستر العورة، ومنهم من حكاه عن أبى حنيفة، وتظهر فائدة الخلاف بينه وبين
الجمهور فيما لو كبر وفى يده نجاسة، ثم ألقاها فى أثناء التكبيرة، فإن صلاته لا تصح عند الجمهور،
وتصح عند الكرخى كستر العورة، واحتج له بقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَاسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] فعقب
الذكر بالصلاة، فدل على إنه ليس منها وبقوله ((وتحريمها التكبير)»، والإضافة تقتضى أن المضاف
غير المضاف إلیه، کدار زید.
وحكى ابن المنذر عن الزهرى أنه قال: تنعقد الصلاة بمجرد النية بلا تكبير. قال ابن المنذر: ولم
يقل به غير الزهرى، واحتج له بالقياس على الصوم والحج. ورد بأن هاتين العبادتين ليستا مبنيتين
على النطق بخلاف الصلاة.
وصيغة التكبير أن يقول: ((الله أكبر)) لأن النبى والإ كان يدخل به فى الصلاة وقال ((صلوا كما
٤٧٤
رأيتمونى أصلى)) قال النووى: فإن قال: اللَّه الأكبر انعقدت صلاته على المذهب الصحيح عند
الشافعية، وذهب مالك وأحمد وداود أنها لا تنعقد، فالجمهور متفق على تعيين لفظ التكبيرة ولا
يجزئ ما قرب منها، كقوله: الرحمن الأكبر أو العزيز أكبر أو اللَّه كبير، أو الرب أكبر وغيرها، وأما إذا
كبر وزاد ما لا يغيره كقوله: الله أكبر وأعز وأجل وأعظم فإنه يجزئ.
وقال أبو حنيفة ومحمد: يجوز بكل لفظ يقصد به التعظيم من حيث اللغة كما فى قوله تعالى:
﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١] أى عظمنه وقوله ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] أى فعظم، فكل لفظ دل
على التعظيم وجب أن يجوز الشروع به، قال: ومن أين قالوا: إن التكبير وجب بعينه، حتى يقتصر
على لفظ [أكبر] والأصل فى خطاب الشرع أن تكون نصوصه معلومة معقولة، والتقييد خلاف الأصل
على ما عرف فى الأصول، وقال تعالى ﴿ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ وذكر اسمه تعالى أعم من أن يكون
باسم اللَّه أو باسم الرحمن، فجاز الرحمن أعظم، كما جاز اللَّه أكبر، لأنهما فى كونهما ذكراً سواء، قال
اللَّه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقال صلى الله عليه وسلم ((أمرت أن
أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)) فمَن قال: لا إله إلا الرحمن أو العزيز كان مسلماً، فإذا جاز
ذلك فى الإيمان الذى هو أصل، ففى فروعه أولى. اهـ
قال النووي: فإن كبر بالفارسية، وهو يحسن العربية لم يجزه، وإن لم يحسن العربية، وضاق
الوقت عن أن يتعلم كبر بلغته، وإن اتسع الوقت لزمه أن يتعلم، فإن لم يتعلم وكبر بغير العربية بطلت
صلاته؛ لأنه ترك اللفظ مع القدرة عليه.اهـ
ثم قال: ويستحب للإمام أن يجهر بالتكبير، ليسمع من خلفه، ويستحب لغيره أن يسربه، وأدناه
أن يسمع نفسه، ويجب أن يكبر للإحرام قائماً، حيث يجب القيام، وكذا المسبوق الذى يدرك الإمام
راكعاً، يجب أن تقع تكبيرة الإحرام بجميع حروفها فى حال قيامه، وقال بعض الشافعية: إن وقع
بعضها فى انحنائه، وتمت قبل بلوغه حد الركوع انعقدت صلاته فرضا، لأن ما قبل حد الركوع من
جملة القيام، ولا يضر الانحناء اليسير، والحد الفاصل بين حد الركوع وحد القيام أن تنال راحتاه
ركبتيه لو مد يديه، فهذا حد الركوع، وما قبله حد القيام، قال النووى: وهذا وجه ضعيف، والأصح أنه
متى انحنى بحيث يكون حد الركوع أقرب لم يكن قائمًا، ولا تصح تكبيراته، اهـ
وقال: ويشترط مقارنة النية مع ابتداء التكبير، ويجب استصحاب النية إلى انقضاء التكبير على
الصحيح، وقيل: لا يجب. والنية هى القصد فيحضر فى ذهنه ذات الصلاة، وما يجب التعرض له من
صفاتها، كالظهرية، وفى اشتراط الفرضية والأداء والقضاء خلاف.
والله أعلم
٤٧٥
(١٥٩) باب التكبير عند الرفع والخفض فى الصلاة
٦٩٧ - ٢٧ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َ﴾ (٢٧) أَنّهُ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فَيْكَبِّرُ كُلِّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ فَلَمَّا
انْصَرَفَ قَالَ وَاللَّهِ إِنِّي لِأَشْبَهُكُمْ صَلاةٌ بِرَسُولِ اللَّهِع ◌َلَ.
٦٩٨ - ٣ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(٢٨) يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ يُكَبِّرُ حِينَ
يَقُومُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُولُ: « سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنْ الرُّكُوعِ ثُمَّ
يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ « رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ » ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ ثُمَّ
يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ ثُمَّ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الصَّلاةِ كُلِّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا
وَيُكَبِرُ حِينَ يَقُومُ مِنْ الْمَثْنَى بَعْدَ الْجُلُوسِ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ إِنِّي لِأَشْبَهُكُمْ صَلاةٌ بِرَسُولِ اللَّهِ
٢٩٩- ٢٩ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةً ضَ﴾(٢٩) قَالَ كَانُ رَسُولُ اللَّهِ﴿ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ يُكْبِّرُ حِينَ
يَقُومُ بِمِثْلٍ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنِّي أَشْبَهُكُمْ صَلاَةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﴾.
٧٠٠ - ٣٠ عَنِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ(٣٠) أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانُ حِينَ يَسْتَخْلِفُهُ مَرْوَانُ عَلَى
الْمَدِينَةِ إِذَا قَامَ لِلصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ كَبَّرَ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَفِي حَدِيثِهِ فَإِذَا قَضَاهَا
وَسَلْمَ أَقْبَلَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ قَالَ وَالْذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لِأَشْبَهُكُمْ صَلاةٌ بِرَسُولِ اللَّهِ﴾.
٧٠١ - ٣١ِ عَنِ أَبِي سَلَمَةً(٣١) أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ عَ﴾، كَانُ يُكَبِّرُ فِي الصَّلاةِ كُلِّمَا رَفَعَ وَوَضَعَ فَقُلْنَا
يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا هَذَا الْتِّكْبِيرُ قَالَ إِنَّهَا لَصَلاةُ رَسُولِ اللَّهِلِ.
٧٠٢ - ٣٢ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةً ضَ﴾(٣٢) أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ كُلِّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ وَيُحَدِّثُ أَنْ رَسُولَ اللَّهِ
﴿ ﴿ كَانٌ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
(٢٧) وحَدَّنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ أَبِي سَلَمَةَ بْنٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةً
(٢٨) حَدَّا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَّنَا أَبْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَبِي ابْنُ شِهَابٍ عَنٍ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ
سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ
(٢٩) حَدَّبِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثْنَا حُجَيْنٌ حَدََّنَا اللَّيْثُ عَنِ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَبِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ
سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ
(٣٠) وحَدَّثَتِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى أَخْبَوَلَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَبِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبُرَبِي أَبُو سَلَّمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةً
(٣١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدََّنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنِ يَحْتِى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنِ أَبِي سَلَمَّةَ
(٣٢) حَدََّا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَا يَعْقُوبُ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ سُهَيْلٍ عَنِ أَبَيْهِ عَنٍ أَبِي هُرَيْرَةَ
٤٧٦
٧٠٣ - ٣ عَنِ مُطَرِّفٍ(٣٣) قَالَ صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ
فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ وَإِذَا نَهَضَ مِنْ الرَّكْعَيْنِ كَبَّرَ فَلَمَّا انْصَرَفْنَا مِنْ
الصَّلاةِ قَالَ أَخَذَ عِمْرَانُ بِيَدِي ثُمَّ قَالَ لَقَدْ صَلَّى بِنَا هَذَا صَلاةَ مُحَمَّدٍ ﴿ أَوْ قَالَ قَدْ ذَكَّرَنِي
هَذَا صَلاَةَ مُحَمَّدٍ ◌َ﴾.
المعنى العام
كان لفظ ( الله أكبر) شعار الجهر بالدعوة، ثم كان شعار النداء للصلاة، ثم كان مفتاحها، ثم صار
شعارها فى كل رفع وخفض فيها، كان صلى الله عليه وسلم إذا قام للصلاة، واستقبل القبلة، افتتح
الصلاة بالتكبير، ثم إذا أراد أن يركع كبر، وإذا رفع من الركوع قال سمع الله لمن حمده، ربنا ولك
الحمد، ثم يكبر حين يهوى ساجدا، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع
رأسه، ثم يفعل ذلك فى الصلاة كلها. حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من التشهد الأوسط، وتلقى
الصحابة هذا التكبير عن رسول الله®*، وإن كان بعضهم قد خفى عليه الصوت لبعده فظن أن
الرسول # لم يواظب عليه، وربما كان قد تركه فى بعض الأحيان لبيان الجواز، فلما كان عهد عثمان
ابن عفان، وضعف صوته ترك الجهر ببعض التكبير، وتعمد تركه خلفاؤه من بنى أمية فى إمامتهم
الناس، وكادت هذه السنة أن تندثر لولا أن هيأ اللَّه لها أمثال على - كرم الله وجهه- وأبى هريرة ،
فأعادوا للناس إيمانهم بها، ومحافظتهم عليها، واستقر العمل على التكبير فى الصلاة بمثل ما فى
حديث أبى هريرة، فرضى اللَّه عن الصحابة أجمعين.
المباحث العربية
( فيكبر كلما خفض ورفع ) ظاهره العموم فى جميع الانتقالات فى الصلاة، لكنه خص منه
الرفع من الركوع بالإجماع، فإنه شرع فيه التحميد، كما فى الرواية الثانية.
( فلما انصرف ) أى عن الصلاة.
( إذا قام إلى الصلاة ) أى إذا تهيأ لها واستعد.
( يكبرحين يقوم ) أى حين يقف للصلاة.
(ربنا ولك الحمد ) فى بعض الروايات ((ربنا لك الحمد)) بدون الواو، وفى بعضها «اللّهم رينا
لك الحمد)».
(٣٣) حَدََّا يَحْتَى بْنُ يَحْتِى وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ جَمِيعًا عَنِ حَمَّادٍ قَالَ يَحْتِى أَخْبُرَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ عَنٍ غَيْلانَ عَنِ مُطَرِّفٍ
٤٧٧
قال الأصمعى: سألت أبا عمرو عن الواو فى قوله ((ربنا ولك الحمد)» فقال: هذه زائدة.
تقول العرب: هذا الثوب جميل، فيقول المخاطب: نعم. وهو لك بدرهم. فالواو زائدة.
وقيل: عاطفة على محذوف، أى ربنا حمدناك ولك الحمد.
( ثم يفعل مثل ذلك فى الصلاة كلها ) أى فى خفض ورفع الصلاة كلها.
( حتى يقضيها ) أى حتى ينتهى منها ويؤديها.
( ثم يكبرحين يهوى ساجدا ) ((يهوى)) بفتح الياء وكسر الواويقال: هوى بفتح الهاء والواو،
يهوى، أى سقط إلى أسفل.
(ويكبرحين يقوم من المثنى بعد الجلوس) فى رواية البخارى ((حين يقوم من الثنتين
بعد الجلوس)» أى للتشهد.
( خلف على بن أبى طالب ) كان ذلك بالبصرة، بعد وقعة الجمل.
( لقد صلى بنا هذا ) أى على بن أبى طالب.
( وقد ذكرني ) بتشديد الكاف وفتح الراء.
فقه الحديث
جمهور العلماء من السلف والخلف على أن التكبير كلما رفع وكلما خفض مشروع، فيما عدا الرفع
من الركوع، فإنه شرع فيه التحميد.
قال النووى ، وهذا مجمع عليه اليوم ، ومن الأعصار المتقدمة ، وقد كان فيه خلاف فى زمن
أبى هريرة، وكان بعضهم لا يرى التكبير إلا للإحرام، وبعضهم يزيد عليه ما جاء فى حديث أبى هريرة
واستقر العمل على ما فى حديث أبى هريرة هذا. ففى كل صلاة ثنائية إحدى عشرة تكبيرة، وهى:
تكبيرة الإحرام وخمس فى كل ركعة، وفى الثلاثية سبع عشرة تكبيرة، وهى تكبيرة الإحرام وتكبيرة
القيام من التشهد الأول، وخمس فى كل ركعة، وفى الرباعية اثنتان وعشرون، ففى المكتوبات الخمس
أربع وتسعون تكبيرة، ثم قال: واعلم أن تكبيرة الإحرام واجبة، وماعداها سنة، لو تركه صحت صلاته،
ولكن فاتته الفضيلة وموافقة السنة. اهـ
وهذا مذهب الشافعى وأبى حنيفة وجمهور العلماء ومالك فى المشهور، وقالت الظاهرية وأحمد
فى رواية عنه: كلها واجبة، قال الأبى المالكى: قال المازري فى كتابه الكبير: رأى بعض المتأخرين
وجوب التكبير، لقول مالك: إن طال عدم السجود لتركه بطلت،ونقل العينى عن ابن القاسم المالكى:
من أسقط ثلاث تكبيرات فأكثر سوى تكبيرة الإحرام يسجد قبل السلام، وإن لم يسجد قبل السلام
سجد بعده، وإن لم يسجد حتى طال بطلت صلاته.
٤٧٨
واستدل القائلون بوجوب التكبير بأن النبى وال قال: ((صلوا كما رأيتمونى أصلى)» وثبت أنه صلى
الله عليه وسلم كان يكبرهن، ودليل الجمهور أن النبى # علم الأعرابى الصلاة، فعلمه واجباتها، فذكر
منها تكبيرة الإحرام، ولم يذكر ما زاد، وهذا موضع البيان ووقته، ولا يجوز التأخير عنه.
وحديث الباب فى رواياته المختلفة يوحى بأن السلف لم يكونوا متفقين على شرعية التكبير فى
الرفع والخفض، وقد ورد أن بعضهم كان لا يكبر إلا تكبيرة الإحرام، وإن بعضهم لا يكبر إذا هوى
للركوع والسجود، وكذلك لا يكبر إذا هوى للسحدة الثانية، وإن بعضهم فرق بين المنفرد وغيره، فلم
يشرعه للمنفرد، وشرعه للإمام، لأنه فى نظره للإعلام بحركة الإمام، فلا يحتاج إليه المنفرد، وقد جاء
فى الرواية السادسة عند أحمد ((عن مطرف قال)): قلنا لعمران ابن حصين: يا أبا نجيد. من أول من
ترك التكبير؟ قال: عثمان بن عفان. حين كبر وضعف صوته» وروى الطبرانى عن أبى هريرة، «أن أول
من ترك التكبير معاوية)»: وروى أبو عبيد ((أن أول من تركه زياد)) قال الحافظ ابن حجر: وهذا لا
تنافى بينه، لأن زيادا تركه بترك معاوية، وكان معاوية تركه بترك عثمان، وقد حمل ذلك جماعة من
أهل العلم على الإخفاء وترك الجهر، لا ترك التكبير بالكلية، لكن فى قول عمران، فى الرواية السادسة
قد ذكرنى هذا صلاة محمد ((إشارة إلى أن التكبير الذى ذكره كان قد ترك.اهـ
وفى كيفية التكبير ووقته يقول النووى: فى قوله ((يكبر حين يهوى ساجدا، ثم يكبر حين
يرفع، ويكبر حين يقوم من المثنى)» دليل على مقارنة التكبير لهذه الحركات، وبسطه عليها،
فيبدأ بالتكبير حين يشرع فى الانتقال إلى الركوع ويمده حتى يصل حد الراكعين، ثم يشرع
فى تسبيح الركوع، ويبدأ بالتكبير حين يشرع فى الهوى إلى السجود، ويمده حتى يضع
جبهته على الأرض، ثم يشرع فى تسبيح السجود، ويشرع فى التكبير للقيام من التشهد الأول
حين يشرع فى الانتقال ويمده حتى ينتصب قائما. قال: هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة،
إلا ما روى عن عمرابن عبد العزيز - وبه قال مالك- إنه لا يكبر للقيام من الركعتين
حتى يستوى قائما، ودليل الجمهور ظاهر هذا الحديث. اهـ قال الحافظ ابن حجر:
معقبا: ودلالة لفظ الحديث على بسط التكبير ومده غير ظاهرة. أهـ وهو تعقيب حسن.
وفى الحكمة من هذا التكبير يقول ابن المنير: الحكمة فى مشروعية التكبير فى الخفض والرفع
أن المكلف أمر بالنية أول الصلاة مقرونة بالتكبير، وكان من حقه أن يستصحب النية إلى آخر
الصلاة، فأمر أن يجدد العهد فى أثنائها بالتكبير الذى هو شعار النية، اهـ
ولو قلنا فى الحكمة: إن هذه الانتقالات من رفع وخفض إنما هى حركات الإنسان الضعيف أمام
ربه الكبير المتعال، وهو فى كل حركة منها محتاج إلى حوله وقوته جل شأنه، فناسب اقتران هذه
الانتقالات بذكر يناسبها، وأنسب الأذكار فى هذا المقام هو [الله أكبر] لو قلنا ذلك ما بعدنا عن
الصواب. والله أعلم.
وأما التحميد عند الرفع من الركوع فإنه لما كانت الفاتحة حمداً وثناء ودعاء وأعقبها تكبير
الركوع ناسب عند رفع الصلب إعلان الرجاء بسماع الله لمن حمد، وإثابته على الحمد بقوله [سمع
٤٧٩
الله لمن حمده] أى جزاه وأثابه، ثم يعقب ذلك بالحمد مرة ثانية بقوله [ربنا ولك الحمد] استجابة
لقوله تعالى ﴿لَئِنْ شَكَرْتَمْ لأَزِيدَنْكَمْ﴾ [إبراهيم: ٧].
قال النووى: ويبدأ فى قوله ((سمع الله لمن حمده)) حين يشرع فى الرفع من الركوع، ويمده حتى
ينتصب قائما، ثم يشرع فى ذكر الاعتدال، وهو (ربنا لك الحمد) ثم قال: وفى هذا الحديث دلالة
لمذهب الشافعى * وطائفة أنه يستحب لكل مصل، من إمام ومأموم ومنفرد أن يجمع بين [سمع
الله لمن حمده] و[ربنا لك الحمد] فيقول: سمع الله لمن حمده فى ارتفاعه، وربنا لك الحمد فى حال
استوائه وانتصابه فى الاعتدال؛ لأنه ثبت أنه صلى الله عليه وسلم فعلهما جميعا، وقال صلى الله
عليه وسلم ((صلوا كما رأيتمونى أصلى)) وسيأتى بسط الكلام فى هذه المسألة وفروعها وشرح ألفاظها
ومعانيها بعد عدة أبواب حيث ذكرها الإمام مسلم رحمه الله تعالى بعد باب: متابعة الإمام والعمل
بعده. واللَّه أعلم.
ويؤخذ من الحديث
١- من قول أبى هريرة ((والله إنى لأشبهكم صلاة برسول اللّه ◌ُ ﴾ ((حرص الصحابة على تبليغ
الشريعة، وحرصهم على اتباع السنة.
٢- ومن الرواية الثانية مشروعية جمع الإمام بين ((سمع الله لمن حمده)) و((ربنا لك الحمد)) وهو
مذهب الشافعى، وعند أبى يوسف ومحمد يقول الإمام ((ربنا لك الحمد)» فى نفسه، وبه قال أحمد
فى رواية، وعند أبى حنيفة لا يقول الإمام: ربنا لك الحمد، وبه قال مالك، وأحمد في رواية.
٣- وأن التسميع عند الرفع من الركوع، والتحميد عند القيام بعد الركوع.
٤- يؤخذ من قولهم فى الرواية الرابعة: ما هذا التكبير؟ أن التكبير الذى ذكره كان قد ترك.
٥- قال ابن بطال: يؤخذ منه أن السلف لم يتلقوا التكبير المذكور على أنه ركن من أركان الصلاة، وإلا
لما تركوه.
٦ - قال الحافظ ابن حجر: استدل بعضهم بما فى الرواية السادسة من صلاة مطرف وعمران خلف
على ه على أن موقف الاثنين يكون خلف الإمام، خلافاً لما قال: يجعل أحدهما عن يمينه،
والآخر عن شماله قال: وفيه نظر، لأن فيه أنه لم يكن معهما غيرهما.
والله أعلم
٤٨٠