Indexed OCR Text
Pages 341-360
الشين والكاف، وقيل: إن اسمها الحقيقى أسماء بنت يزيد الأنصارية التى يقال لها خطيبة النساء،
لأنه ليس فى الأنصار من اسمه ((شكل)) ففى رواية مسلم الرابعة تصحيف.
( كيف تغتسل من حيضتها؟ ) ((كيف)» فى محل النصب على الحال، أى على أى صفة وأى
حالة يكون غسلها من الحيض؟
( علمها كيف تغتسل ) ((كيف تغتسل)) مفعول («علم)) وتعليمها كيفية الاغتسال موضح فى
الرواية الثالثة.
( ثم تأخذ فرصة من مسك ) «فرصة ((بكسر الفاء وسكون الراء وفتح الصاد وحكى ابن سيده
تثليث الفاء، هى القطعة من الصوف أو القطن أو الجلدة عليها صوف ((والمسك)) هو الطيب المشهور
وأصله بعض دم الغزال، والمقصود أن تأخذ قطعة مطيبة بالطيب وتستعملها فى الفرج لتغيير الرائحة
الكريهة المتخلفة عن دم الحيض.
وقال ابن قتيبة: إنهم لم يكونوا فى سعة يمتهنون المسك بهذا الاستعمال ولهذه الدرجة، وإنما هى
((قرضة)) بالقاف والضاد المفتوحتين بينهما راء ساكنة وقوله من ((مسك)) بفتح الميم والمراد قطعة
الجلد. قال الحافظ ابن حجر: وما استبعده ابن قتيبة ليس ببعيد، لما عرف من شأن أهل الحجاز من
كثرة استعمال الطيب، وقد يكون المأمور به من يقدر عليه.
( فتطهربها ) بفتح التاء والطاء وتشديد الهاء المفتوحة، وأصله فتتطهر بها وحذفت إحدى
التاءين تخفيفاً، أى تتنظف وتغير الرائحة الكريهة بها.
( قالت: كيف أتطهر بها؟ ) أى بالفرصة، وإنما قالت ذلك لأنها فهمت أن المراد بالتطهير
الغسل، فلم تعقل أن يكون بالقطعة الممسكة.
( سبحان اللَّه) مصدر منصوب بفعله المحذوف، وهذه الكلمة تقال فى مثل هذا الموضع
للتعجب وكذا ((لا إله إلا الله)) ومعنى التعجب هنا: كيف يخفى عليك مثل هذا الظاهر، الذى لا يحتاج
الإنسان فى فهمه إلى فكر؟
( واستتر) صلى الله عليه وسلم حياء، وفى رواية للبخارى ((استحيا فأعرض بوجهه))
والإسماعيلى «فلما رأيته استحيا علمتها».
( وأشار الراوى بيديه على وجهه) يفسر بذلك استتاره صلى اللّه عليه وسلم أى
ستروجهه بيدیه.
(قالت عائشة: واجتذبتها إلى) وفى بعض الروايات ((فاجتبذتها)) يقال: جذبت
واجتذبت، واجتبذت بمعنى واحد، أى شددتها إلى، وأخذتها ناحيتى بعيدًا عنه صلى اللَّه عليه وسلم.
٣٤١
( تتبعى بها أثر الدم) ((أثر)) بفتحتين. وفى رواية ((آثار)) جمع أثر، وأثر الشىء ما بقى من
رسمه، والمراد من أثر الدم مكان أثره، أى الفرج، قاله النووى.
( خذى فرصة ممسكة فتوضئى بها ) المراد من الوضوء هنا الوضوء اللغوى بمعنى النظافة
والحسن، أى تنظفى بها، و((ممسكة)) بضم الميم الأولى وفتح الثانية وفتح السين المشددة، أى قطعة
من قطن أو صوف أو خرقة مطيبة بالمسك، قال الخطابي: يحتمل أن يكون المراد بقوله ((ممسكة)»
بضم الميم الأولى وسكون الثانية وفتح السين، أى مأخوذة باليد، يقال: أمسكته ومسكته، لكن يبقى
الكلام ظاهر الركاكة، لأنه يصير هكذا: خذى قطعة مأخوذة.
( سألت عن غسل المحيض ) أى الحيض، فهما مصدران.
( تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور) ((السدرة)) شجرة النبق، وكانوا
يستخدمون بعض أعشابه للتنظيف وإزالة الرائحة الكريهة، كما يستعمل («الصابون)» فى أيامنا،
والمراد من التطهرهنا الوضوء قبل الغسل، كما سبق، وإحسان الطهور الإتيان به تاماً على خير وجه.
( حتى تبلغ شئون رأسها ) بضم الشين معناه أصول شعر رأسها، وأصول الشئون الخطوط
التى فى عظم الجمجمة، وهو مجتمع شعب عظامها، الواحد منها شأن. قاله النووى.
( فقالت عائشة كأنها تخفى ذلك - تتبعين أثر الدم ) معناه قالت عائشة همسا وسرا
بحيث تسمعه المخاطبة ولا يسمعه غيرها، كأنها تخفى كلامها عن الحاضرين. قالت: تتبعين أثر
الدم ((تتبعين)) فعل مضارع مرفوع، وأصله ((تتتبعين)) فحذفت إحدى التاءات وليس فعل أمر، وإلا -
كان تتبعی.
( نعم النساء نساء الأنصار) ((نعم)) فعل جامد للمدح، و((النساء)) فاعل و((نساء الأنصار))
المخصوص بالمدح.
( لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن فى الدين) ((الحياء تغير وانكسار يعترى الإنسان
عند خوف ما يعاب عليه أو يذم عليه، والمراد هنا ما يقع إجلالا للأكابر، ولا يترتب عليه ترك أمر
شرعى، و((أن يتفقهن فى الدين)) فى محل النصب على المفعولية، والتقدير لم يكن يمنعهن الحياء
التفقه فى الدين عن طريق السؤال.
فقه الحديث
قال النووى: السنة فى حق المغتسلة من الحيض أن تأخذ شيئاً من مسك فتجعله فى قطنة أو
خرقة أو نحوها، وتدخلها فى فرجها بعد اغتسالها، ويستحب هذا للنفساء أيضًا، لأنها فى معنى
الحائض. قال: وذكر المحاملى فى كتابة ((المقنع)) أنه يستحب للمغتسلة من الحيض والنفاس أن
٣٤٢
تطيب جميع المواضع التى أصلها الدم من بدنها [ومن المعلوم أن دم الحيض يصيب غالبًا المناطق
المحيطة بالفرج] قال النووى: وهذا الذى ذكره المحاملى من تعميم مواضع الدم من البدن غريب،
لا أعرفه لغيره بعد البحث عنه.
قال: واختلف العلماء فى الحكمة فى استعمال المسك، والصحيح المختار أن المقصود
باستعمال المسك تطييب المحل، ورفع الروائح الكريهة، وحكى أقضى القضاة الماوردى من الشافعية
وجهين لأصحابنا: أحدهما هذا، والثانى: أن المراد كونه أسرع إلى علوق الولد [أى إلى الحمل، على
معنى أنه يساعد على تكوين البويضة وتهيئة المناح الصالح لإعدادها لاستقبال الحيوان المنوى
والحمل] قال النووى: فمن قال بالأول قال: تستعمل الطيب بعد الغسل، ومن قال بالثانى قال:
تستعمله قبل الغسل، وإن قلنا بالأول، ففقدت المسك استعملت ما يخلفه فى طيب الرائحة، وإن قلنا
بالثانى استعملت ما يقوم مقامه فى ذلك من القسط والأظفار وشبههما [فى القاموس: القسط بالضم
عود هندى وعربى مدر نافع للكبد جداً والمغص شربا، وللزكام والنزلات والوباء بخوراً - وفيه:
والأظفار شىء من العطر، وظفّر به ثوبه تظفيراً طيبه به].
قال النووى: هذا آخر كلام الماوردى، وهذا الذى حكاه من استعماله قبل الغسل ليس بشىء،
ويكفى فى إبطاله رواية مسلم ((تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتطهر، فتحسن الطهور، ثم تصب على
رأسها، فتدلكه، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهربها)) وهذا نص فى استعمال
الفرصة بعد الغسل، وأما قول من قال: إن المراد الإسراع فى العلوق والحمل فضعيف أو باطل، فإنه
على مقتضى قوله ينبغى أن يخص به ذات الزوج الحاضر الذى يتوقع جماعه فى الحال، وهذا شىء
لم يصر إليه أحد نعلمه، وإطلاق الأحاديث يرد على من التزمه، بل الصواب أن المراد تطييب المحل
وإزالة الرائحة الكريهة وأن ذلك مستحب لكل مغتسلة من الحيض أو النفاس، سواء ذات الزوج
وغيرها. وتستعمله بعد الغسل، فإن لم تجد مسكا فتستعمل أى طيب وجدت، فإن لم تجد طيبا
استحب لها استعمال أى شىء مكانه يزيل الكراهة، فإن لم تجد شيئاً من هذا فالماء كاف لها، لكن
إن تركت التطيب مع التمكن منه كره لها وإن لم تتمكن فلا كراهة فى حقها. والله أعلم. اهـ
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- سعى النساء لتعلم أحكام الدين، وامتداحه شرعا بقول عائشة ((نعم النساء نساء الأنصار».
٢- سؤال المرأة العالم عن أحوالها التى تحتشم منها، وإنه لاحياء فى الدين.
٣- أنه لا عار على من سأل عن أمر دينه.
٤- جواز التسبيح عند التعجب من الشىء واستعظامه، وكذلك يجوز عند التثبت على الشئ
والتذكير به.
٥- استحباب استعمال الكنايات فيما يتعلق بالعورات.
٦- الاكتفاء بالتعريض والإشارة فى الأمور المستهجنة.
٣٤٣
٧- الاستحياء عند ذكر ما يستحيا منه، لا سيما ما يذكر من ذلك بحضرة الرجال والنساء.
٨- وتكرير الجواب لإفهام السائل، وإنما كرره صلى اللّه عليه وسلم مع أنها لم تفهمه أولا لأن الجواب
به يؤخذ من إعراضه بوجهه عند قوله «تطهرى بها)» أى فى المحل الذى يستحيا من مواجهة
المرأة بالتصريح به، فاكتفى بلسان الحال عن لسان المقال وفهمت عائشة - رضى الله عنها-
فتولت تعليمها، وبوب البخارى عليه فى الاعتصام: الأحكام التى تعرف بالدلائل.
٩- وفيه تفسير كلام العالم بحضرته لمن خفى عليه، إذا عرف أن ذلك يعجبه.
١٠- وفيه الأخذ عن المفضول بحضرة الفاضل.
١١- وفيه صحة العرض على المحدث، إذا أقره، ولو لم يقل عقبه: نعم.
١٢ - وأنه لا يشترط فى صحة التحمل فهم السامع لجميع ما يسمعه.
١٣ - وفيه الرفق بالمتعلم، وإقامة العذر لمن لا يفهم.
١٤ - وأن المرء مطلوب منه ستر عيوبه وإن كانت مما جبل عليها، من جهة أمر المرأة بالتطيب لإزالة
الرائحة الكريهة.
١٥ - وفيه طلب دلك الرأس فى الغسل.
١٦ - تقديم غسل الرأس على باقى الجسد.
١٧ - استدل المحاملى بقول عائشة ((تتبعين بها أثر الدم)) أنه يستحب للمغتسلة من الحيض
والنفاس أن تطيب جميع المواضع التى بها الدم من بدنها. قال النووي: وظاهر الحديث معه.
١٨ - وفيه حسن خلقه ₪ وعظيم حلمه وحيائه.
والله أعلم
٣٤٤
(١٤١) باب المستحاضة وغسلها وصلاتها
٥٩٤- ٦٢ عَنِ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا (٩٢) قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى الْبِيِّ
﴿. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلا أَظْهُرُ. أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ؟ فَقَالَ «لا. إِنَّمَا
ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَّيْسَ بِالْخَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلاةَ. وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ
الدَّمَ. وَصَلّي».
٥٩٥ - ١٠ْ عَنِ جَرِيرٍ (٠٠) « جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ وَهِيَ
امْرَأَةٌ مِنَّا » قَالَ وَفِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدِ زِيَادَةُ حَرْفٍ تَرَكْنَا ذِكْرَهُ.
٥٩٦ - ٦٣ عَنِ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا(٦٣) أَنْهَا قَالَتِ: اسْتَفْتَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ رَسُولَ
اللَّهِ وَ﴿ّ. فَقَالَتْ: إِنِّي ◌ُسْتَحَاضُ. فَقَالَ « إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ فَاغْتَسِلِي. ثُمَّ صَلِّي» فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ
عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ. قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ أَمَرَ أُمَّ حَبِيَةَ
بِنْتَ جَحْشٍ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ. وَلَكِنْهُ شَيْءٌ فَعَلَتْهُ هِيَ. وَقَالَ ابْنُ رُمْحٍ فِي رِوَايَتِهِ:
(ابْنَةُ جَحْشٍ). وَلَمْ يَذْكُرْ (أُمَّ حَبِيبَةَ).
٥٩٦- ثٍَّ عَنِ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا (٢٤) زَوْجِ النّبِيِّ ◌ِ﴿ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ (خَنَةً
رَسُولِ اللَّهِ ﴿ِ، وَتَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِبِينَ. فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ
﴿ فِي ذَلِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ «إِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ. وَلَكِنَّ هَذَا عِرْقٌ. فَاغْتَسِلِي
وَصَلِّي)». قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ فِي مِرْكَنٍ فِي حُجْرَةٍ أُخْهَا زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ. حَنِّى
تَعْلُوَ حُمْرَةُ الدَّمِ الْمَاءَ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ
ابْنِ هِشَامٍ. فَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ هِنْدًا. لَوْ سَمِعَتْ بِهَذِهِ الْقُنْيَا. وَاللَّهِ! إِنْ كَانَتْ لَتَنْكِي. لأَنْهَا
كَانَتْ لا تُصَلِّي.
(٦٢) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالا حَدَّقْنَا وَكِيعٌ عَنِ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ عَنِ أَبِهِ عَنِ عَائِشَةً
(١٠) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنَّ يَحْتَى أَخْبُرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَبُو مُعَاوِيَّةً ح وَحَدَّثَنَا قُتَنِيَةُ بَنُّ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ح وَحَدَّقْنَا ابْنُ ثُمَيْرٍ
حَدَّثْنَا أَبِي ح وحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ خَّدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ كُلُّهَّمْ عَنِ هِشَامٍ بَنِ عُرْوَةَ بِمِثْلِ حَدِيثِ وَجِعٍ وَإِسْنَادِهِ وَفِي حَدِيثٍ
قُتْبَةً عَنِ جَرِيرٍ
(٦٣) حَدَّثَنَا قَيَِّةُ بْنَّ سَعِيدٍ حَدْنَا لَيْثٌ حِ وحَدَثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ عُرْوَةً عَنِ عَائِشَةً
(٦٤) وحَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ حَدََّنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍّ عَنِ عَمْرِو بْنِ الْخَارِثَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ غَنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ
وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ عَائِشَةً
٣٤٥
٥٩٨- ◌ْ وَعَنِ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا (١٠)، قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ حَبِيبَةٌ بِنْتْ جَحْشٍ إِلَى رَسُولٍ
اللَّهِ وَ﴿ وَكَانْتِ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِبِينَ بِمِثْلٍ حَدِيثٍ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ إِلَى قَوْلِهِ: تَعُوَ
حُمْرَةُ الدَّمِ الْمَاءَ. وَلَمْ يَذْكُرْ مًا بَعْدَهُ.
٥٩٩- ٠لْ وَعَنِ عَائِشَةَ رَضِىَّ اللَّهُ عَنْهَا(٠٠٠)؛ (( أَنَّ ابْنَةَ جُحْشٍ كَانَتْ تُسْتَخَاضُ سَبْعَ
سپین» بنحوِ حَدِيثِهِمْ.
٦٠٠- ٦٥ْ عَنِ عَائِشَةَ رضى الله عنها(٦٥) أَنْهَا قَالَتْ: إِنَّ أَمَّ حَبِبَةَ سَأَلَّتْ رَسُولَ اللَّهِ لَ عَنِ
الدَّمِ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَأَيْتُ مِرْكَهَا مَلآنْ دَمًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِلَِّ «امْكُنِي قَدْرَ مَا
كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ. ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي».
٢٠١ - ٢٦ْ عَنٍ عَائِشَةَ رَضِىّ اللَّهُ عَنْهَا (٦٦) زَوْجِ النِِّيِّ ◌ِ أَنَّهَا قَالَتْ: إِنْ أُمَّ حِيَةٌ بِنْتَ
جَحْشٍ. الَّتِي كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. شَكْتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ الدِّمَ. فَقَالَ لَھَا
« امْكُئِّي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ. ثُمَّ اغْتَسِي» فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ.
المعنى العام
تعلمت النساء المسلمات ما يفعلن أثناء الحيض، يجتنبن الصلاة وقراءة القرآن ومس المصحف
وحمله والاعتكاف ودخول المسجد والصيام، ويعتزلهن الرجال فيما بين السرة والركبة، وتعلمن كيف
يغتسلن من الحيض، وكيف ينظفن أنفسهن بقطعة قطن مطببة بمسك أو طيب، ورأى بعضهن دما
غير دم الحيض، اختبرهن الله به، لا ينقطع أو لا يكاد، وتحيرن فى أمره، هل يفعلن بشأنه ما يفعلن
بشأن الحيض؟ أو ماذا عساه يكون الحكم؟ ولم هذه الحيرة وقد شجعهن رسول الله { على
الاستفتاء والسؤال والتفقه فى الدين؟ وجاءت فاطمة بنت أبى حبيش إلى النبى * تسأله وتقول:
يارسول اللَّه، إنى امرأة أستحاض، يستمر نزول الدم فلا أطهر، أأدع الصلاة كما أدعها فى الحيض؟
قال صلى الله عليه وسلم: لا تدعى الصلاة، ليس هذا الدم بحيض، وإنك لتعلمين حيضتك، فإذا أقبلت
(١٠) وحَدََّبِي أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ أَخْبُرَلَا إِبْرَاهِيمُ يَغْيِى ابْنَ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ عَمْرَةَ بِنْتِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ عَائِشَةً
(١٠٠) وحَدَّثَنِيَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثْنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْئَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ عَمْرَةً عَنِ عَائِشَةَ
(٦٥) وحَذَّنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ أَخْبَرَنَا الَّيْثُ ح وَحَدَّثْنَا قْبَةُ بْنُّ سَعِيدٍ حَدَّثْا لَيْثٌ عَنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنِ جَعْفَرٍ عَنِ عِرَاكِ عَنِ
عُرْوَةٌ عَنِ عَائِشَةً
(٦٦) حَدَِّي ◌ُّسَى بْنُ فُرَيْشِ الْتَمِيمِيُّ حَدَّقْنَا إِسْحَقُ بْنَ بَكْرِ بْنِ مُصْرَ حَدَِّي أَبِي حَدِّْي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عْنِ عِرَاكِ بْنٍ مَالِكِ عَمْنٍ
عُرْوَةَ بْنِ الزَّبِيْرِ عَنِ عَائِشَةَ
٣٤٦
فدعى الصلاة وإذا انقطع دمها، وجاء الدم الآخر الناشئ عن عرق يخالف منشأ الحيض فاغتسلى، ثم
اغسلى عنك الدم، وتوضئ لكل صلاة وصلى.
وجاءت أم حبيبة بنت جحش إلى رسول الله: ﴿ تسأل نفس السؤال، وأجابها صلى اللّه عليه
وسلم بنفس الجواب، لكنها اشتبهت فى أيام الحيض وأيام الاستحاضة، وكأنها لم تستطع أن تميز
بين الدمين، فقال لها رسول الله : امكثى كحائضة مدة تساوى مدة حيضتك قبل دم الاستحاضة
ثم اغتسلى وتوضئی لكل صلاة وصلی.
وبلغ الورع والحرص على النظافة عند النساء المسلمات حداً جعلهن يحافظن على الغسل عند كل
صلاة تطوعاً وتقرباً، وهكذا يضرين المثل الأعلى على طهر الإسلام ونقائه وعلى استجابتهن لأوامره
أكمل الاستجابة، وعلى السمع والطاعة لتعاليمه وزيادة، فرضى الله عنهن ورضين عنه، ورضى عن
التابعين بإحسان إلى يوم الدين.
المباحث العربية
( جاءت فاطمة بنت أبى حبيش بن عبد المطلب بن أسد، وهى امرأة منا)
((حبيش)) بضم الحاء وفتح الباء بعدها ياء ثم شين، وأبو حبيش اسمه قيس بن المطلب بن أسد بن
عبد العزى ابن قصى. قال النووي: وقع فى الأصول ((ابن عبد المطلب)) واتفق العلماء على أنه وهم،
والصواب (ابن المطلب)) بحذف ((عبد)) وأما قوله: ((وهى امرأة منا)) فمعناه من بنى أسد، والقائل هو
هشام بن عروة، أو القائل أبوه عروة بن الزبيربن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى. اهـ
( إنى امرأة أستحاض ) بضم الهمزة، مبنى للمجهول، كما يقال: استحيضت. ولم يبن هذا
الفعل للفاعل، قاله العينى، وقال الأبى: وفى بعض الروايات ((أستحيض)) بالبناء للفاعل، وأصل
الكلمة من الحيض، والزوائد للمبالغة، وأصل الحيض السيلان، ويقال: الحيض لغة الدم الخارج، ثم
خصه العرف الشرعى بدم خاص، والاستحاضة بدم آخر.
( فلا أطهر) قال القاضى عياض: يحتمل الحقيقة، وأنه لا يفارقها، ويحتمل أنه كناية عن
قرب بعضه من بعض. اهـ قال الحافظ ابن حجر: كانت تفهم أن طهارة الحائض لا تعرف إلا
بانقطاع الدم فَكَنَّتْ بعدم الطهر عن اتصاله.
( أفادع الصلاة؟ ) كانت قد علمت أن الحائض لا تصلى، فظنت أن ذلك الحكم مقترن
بجريان الدم من الفرج، فأرادت تحقق ذلك.
(إنما ذلك عرق وليس بالحيضة) ((ذلك)) بكسر الكاف لخطاب المؤنثة و((عرق)) بكسر
العين وإسكان الراء، ويقال له: العادل، أى إنما ذلك الدم ناشئ عن عرق خاص، وليس هو الدم
المعروف بالحيض، والباء فى ((بالحيضة)) زائدة، داخلة على خبر ((ليس)) والحيضة يجوز فيها كسر
٣٤٧
الحاء بمعنى الحالة وفتحها بمعنى الحيض، قال النووى: فتح الحاء فى هذا الموضع متعين أو قريب
من المتعين، فإن المعنى يقتضيه، لأنه صلى الله عليه وسلم أراد إثبات الاستحاضة ونفى الحيض،
وأما ما يقع فى كثير من كتب الفقه: إنما ذلك عرق انقطع وانفجر. فهى زيادة لا تعرف فى الحديث،
وإن كان لها معنى. اهـ
( فإذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلى عنك الدم وصلى ) قال
النووى: يجوز فى ((الحيضة)» هنا فتح الحاء وكسرها جوازاً حسناً.اهـ والمراد من إقبالها نزول الدم،
ومن إدبارها انقطاع الدم. وفى الكلام حذف مفهوم، والأصل: فاغسلى عنك الدم ((واغتسلى)» وصلى.
( استفتت أم حبيبة بنت جحش ) أخت أم المؤمنين زينب بنت جحش. قال القاضى
عياض: اختلف أصحاب الموطأ فى هذا عن مالك، وأكثرهم يقولون: زينب بنت جحش، وأكثر الرواة
يقولون: عن ابنة جحش، وهذا هو الصواب، ويبين الخطأ فى القول الأول قوله: ((وكانت تحت
عبدالرحمن بن عوف، وزينب أم المؤمنين لم يتزوجها عبد الرحمن بن عوف قط، والتى كانت تحت
عبد الرحمن هى أم حبيبة أختها. اهـ والروايات كلها تؤكد أنها أم حبيبة وليست زينب، وقد سبق أن
فاطمة بنت أبى حبيش قد سألت عن الاستحاضة، وروى أن أم سلمة سألت كذلك، وكذا أسماء بنت
عميش، ولا منافاة بين الروايات، لتعدد الوقائع.
( ولكنه شىء فعلته هى) أى تطوعاً، واسم ((لكن)) يعود على الغسل عند كل صلاة، و((هى))
تأكيد الضمير المستتر فى ((فعلته».
(ختنة رسول اللَّه ◌َ) ((ختنة)) بفتح الخاء والتاء، ومعناه قريبة زوج النبى ﴿ والأَخْتان
جمع ختن كفرح وأفراح، وهم أقارب زوجة الرجل، والأحماء أقارب زوج المرأة والأصهار يعم الجميع.
( وتحت عبد الرحمن بن عوف ) أى زوجته.
( فكانت تغتسل فى مركن ) بكسر الميم وفتح الكاف بينهما راء ساكنة، وهو إناء كبير
كانت الثياب تغسل فيه، وكانت أم حبيبة تقعد فيه، وتصب على نفسها الماء.
( حتى تعلو حمرة الدم الماء ) أى كان الماء يختلط بالدم، فيحمر الماء، ثم تخرج من
المركز، وتغسل ما أصاب رجلها من ذلك الماء المتغير بالدم.
( لوسمعت بهذه الفتيا والله إن كانت لتبكى) ((إن)) مخففة من الثقيلة، وأصل الكلام
قبل القسم: لو سمعت بهذه الفتيا كانت تبكى.
( رأيت مركنها ملآن دما ) قال النووى: هكذا هو فى الأصول ببلادنا، وذكر القاضى عياض
أنه روى أيضًا «ملأى» وكلاهما صحيح، الأول على لفظ المركن، وهو مذكر، والثانى على معناه وهو
الإجانة وهى مؤنثة، وظاهر العبارة أنه كان مملوءاً بالدم الخالص، وليس كذلك، بل المراد أنه كان
مملوءًا بالماء الأحمر المشبه للدم، أى ماء كالدم ففى الكلام استعارة تصريحية أصلية.
٣٤٨
( امكثى قدر ما كنت تحبسك حيضتك ) أى انتظرى بلا صلاة ولا صوم عدد
الأيام التى كانت تمنعك حيضتك فيها عن الصلاة ونحوها، ثم اغتسلى وافعلى ماكنت
ممنوعة منه أيام الحيض.
فقه الحديث
الاستحاضة جريان الدم فى غير أوان خروجه المعتاد؛ ولدم الحيض صفات تخالف صفات دم
الاستحاضة، قال القاضى عياض: والنساء يزعمن معرفته برائحته ولونه. اهـ فدم الحيض نتن
الرائحة، قاتم اللون، والمميزة التى اعتادت الحيض تستطيع التفرقة بين دم الحيض ودم الاستحاضة
بحكم التجارب والإلف والتكرار، فهى تدرك الرائحة والثخانة وتعرف مثلا الأيام التى يكون فيها لون
دم حيضتها أسود، واليوم أو الأيام التى يكون فيها غير ذلك من الحمرة أو الشقرة أو الصفرة أو الكدرة،
ثم تعرف حيضتها بحكم العادة كم يوماً تكون؟ وفى أى الأيام من الشهر تبدأ؟
فإن نزل دم مخالف لما اعتادته لوناً ورائحة يوماً أو يومين مثلا فى غير أيام حيضها
فله حكم الاستحاضة.
لكن لواتصل دم الاستحاضة بدم الحيض بأن كان الدم مستمرًا، أو كان مجاورا لخمسة عشر
يومًا، فلا يخلو الأمر عن أحوال أربعة:
الأول: أن تكون مبتدأة ولا تميز ألوان الدم وصفاته.
الثانى: أن تكون مبتدأة تميز ألوان الدم وصفاته.
الثالث: أن تكون معتادة ولاتميز ألوان الدم وصفاته.
الرابع: أن تكون معتادة وتميز ألوان الدم وصفاته.
ولكل حالة حكمها
الحال الأول: فإن كانت مبتدأة - أى ابتدأها الدم لزمان إمكانه - ولا تميز صفاته أمسكت عما
تمسك عنه الحائض، فإن جاوز خمسة عشر يوماً تيقن أنها مستحاضة، وتبين لها ثلاثة أحوال: حال
طهر بيقين، وهو ما بعد الخمسة عشر يوماً، وحال حيض بيقين، وهو اليوم والليلة، وحال طهر مشكوك
فيه، وهو ما بعد يوم وليلة إلى آخر خمسة عشر يوماً [هذا مذهب الشافعية، وتراعى المذاهب الأخرى
فى أقل الحيض وأكثره] وفى حكم المدة المشكوك فيها خلاف طويل، قيل: يعتبر حيضها يوماً وليلة،
وما بعده طهر يجرى عليه أحكام الاستحاضة فى الشهر الأول وما بعده، وتمام الدورة ثلاثون يوماً،
فكل ثلاثين يوماً يكون حيضها يوماً وليلة، وطهرها تسعة وعشرين، وهو قول للشافعية ورواية عن أحمد
ومحكى عن زفر.
٣٤٩
وقيل ترد حيضتها إلى ست أو سبع، وما بعد ذلك طهر، وهو قول للشافعية ورواية عن أحمد، وبه
قال عطاء والأوزاعى والثورى وإسحاق.
وعن أبى حنيفة ترد إلى أكثر الحيض عنده، وهو عشرة أيام، وما بعدها طهر.
وعن أبى يوسف ترد فى إعادة الصلاة إلى ثلاثة أيام، وهو أقل الحيض عنده، وفى الوطء إلى أكثره
احتياطًا للأمرين.
وعن مالك رواية خمسة عشر يومًا، ورواية أنها تعامل معاملة أقرانها فى مدة الحيض.
الحال الثانى: وإن كانت مبتدأة مميزة، تفرق بين دم الحيض وغيره عملت بتمييزها، واعتبرت
الدم القوى حيضًا والضعيف استحاضة بشرط أن لا يزيد القوى عن خمسة عشر يومًا، وأن لا ينقص
عن يوم وليلة.
الحال الثالث: وإن كانت معتادة غير مميزة ورأت الدم قد تجاوز عادتها وجب عليها الإمساك
عما تمسك الحائض، لاحتمال الانقطاع قبل مجاوزة خمسة عشرة، فإن انقطع كان الجميع حيضًا،
وإن جاوز خمسة عشر يومًا علمنا أنها مستحاضة فيجب عليها أن تغتسل، وأن ترد إلى عادتها فيكون
حيضها أيام العادة فى القدر والوقت، وما عدا ذلك فهو طهر تقضى صلاته.
الحال الرابع: وإن كانت معتادة مميزة، ووافق التمييز العادة عملت بالدلالتين بلا خلاف، كأن
كانت عادتها خمسة أيام، فاستمر الدم عشرة وكانت الخمسة الأولى دما شديداً أسود فيه صفات دم
الحيض، والخمسة الثانية دمًا ضعيفًا أصفر، فالخمسة الأولى حيض، والثانية استحاضة، وإن لم
يوافق التمييز العادة ردت إلى التمييز على الصحيح من مذهب الشافعية، وردت إلى العادة عند
الحنفية وأحمد، وقال الأبى المالكى: المستحاضة من زاد دمها على قدر عادتها والاستظهار
[الاستظهار والاستيثاق بثلاثة أيام أخرى]، وعن مالك اعتبار التمييز وتغير الدم. والله أعلم.
وقد بسطنا القول فى هذه المسألة لما يترتب على تحديد نوع الدم من أحكام فالحائض تترك
الصلاة المفروضة والنافلة، ويحرم عليها الطواف وصلاة الجنازة وسجود التلاوة وسجود الشكر، وقد
أجمع العلماء على أنها ليست مكلفة بالصلاة، وعلى أنها لا قضاء عليها، أما المستحاضة فلها حكم
الطاهرات فى معظم الأحكام، فلها حكم الطاهرات فى الصلاة والصيام والاعتكاف وقراءة القرآن
ومس المصحف وحمله وسجود التلاوة وسجود الشكر ووجوب العبادات عليها.
أما كيف تتطهر وتصلى فقد قال النووى: وإذا أرادت المستحاضة الصلاة فإنها تؤمر
بالاحتياط فى طهارة الحدث وطهارة النجس، فتغسل فرجها قبل الوضوء، وتحشو فرجها
بقطنة أو خرقة رفعا للنجاسة أو تقليلالها، فإن كان دمها قليلا يندفع بذلك وحده فلا شىء
عليها غيره، وإن لم يندفع شدت مع ذلك على فرجها، وتلجمت، وهو أن تشد على وسطها
خرقة أو خيطاً أو نحوه على صورة التكة، وتأخذ خرقة أخرى مشقوقة الطرفين فتدخلها بين
فخذيها وإليتيها، وتشد الطرفين بالخرقة التى فى وسطها، أحدهما قدامها عند صرتها
٣٥٠
والآخر خلفها، وتحكم ذلك الشد، وتلصق هذه الخرقة المشدودة بين الفخذين بالقطنة التى
على الفرج إلصاقا جيدًا، وهذا الفعل يسمى تلجما واستثفارًا وتعصيبا، قال أصحاب
الشافعية: وهذا الشد والتلجم واجب إلا فى موضعين: أحدهما: أن تتأذى بالشد، ويحرقها
اجتماع الدم، فلا يلزمها، لما فيه من الضرر، والثانى: أن تكون صائمة، فتترك الحشو فى
النهار، وتقتصر على الشد، قالوا: ويجب تقديم الشد والتلجم على الوضوء، وتتوضأ عقيب
الشد من غير إمهال، فإن شدت وتلجمت وأخرت الوضوء وتطاول الزمان ففى صحة
وضوئها وجهان، الأصح أنه لا يصح، وإذا استوثقت بالشد على الصفة التى ذكرناها ثم
خرج منها دم من غير تفريط لم تبطل طهارتها ولا صلاتها، ولها أن تصلى بعد فرضها ما
شاءت من النوافل، لعدم تفريطها، ولتعذر الاحتراز عن ذلك، أما إذا خرج الدم لتقصيرها فى
الشد، أو زالت العصابة عن موضعها لضعف الشد فزاد خروج الدم بسببه فإنه يبطل طهرها،
فإن كان ذلك فى أثناء الصلاة بطلت، وإن كان بعد فريضة لم تستبح النافلة لتقصيرها، أما
تجديد غسل الفرج وحشوه وشده لكل فريضة فينظر فيه إن زالت العصابة عن موضعها زوالا
له تأثير، أو ظهر الدم على جوانب العصابة وجب التجديد، وإن لم تزل العصابة عن
موضعها، ولا ظهر الدم ففيه وجهان. ثم قال: واعلم أن مذهبنا أن المستحاضة لا تصلى
بطهارة واحدة أكثر من فريضة واحدة، مؤداة كانت أو مقضية، وتستبيح معها ما شاءت من
النوافل، قبل الفريضة وبعدها، [لما رواه أبوداود من أنه صلى الله عليه وسلم قال لبنت أبى
حبيش: اغتسلى ثم توضئى لكل صلاة وصلى] ويمثل مذهبنا قال سفيان وأحمد وأبوثور،
وقال أبو حنيفة: طهارتها بالوقت، فتصلى فى الوقت بطهارتها الواحدة ما شاءت من
الفرائض الفائتة. وفسرت رواية أبى داود بتوضئى لوقت كل صلاة. وقال مالك وداود: دم
الاستحاضة لا ينقض الوضوء، فإذا تطهرت، أى اغتسلت من حيضها أو توضأت فلها أن
تصلى بطهارتها ما شاءت من الفرائض إلى أن تحدث بغير الاستحاضة.
ثم قال: قال أصحابنا: وكيفية نية المستحاضة فى وضوئها أن تنوى استباحة الصلاة، ولا تقتصر
على نية رفع الحدث، وهل يقال بعد الوضوء ارتفع حدثها؟ الأصح أنه لا يرتفع شىء من حدثها، بل
تستبيح الصلاة بهذه الطهارة مع وجود الحدث.
ثم قال: واعلم أنه لا يجب على المستحاضة الغسل لشىء من الصلاة، ولا فى وقت من الأوقات إلا
مرة واحدة فى وقت انقطاع حيضها، وبهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو قول مالك
وأبى حنيفة وأحمد، وروى عن ابن عمر وابن الزبير وعطاء أنهم قالوا يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة
وروى عن عائشة أنها قالت: تغتسل كل يوم غسلا واحدا، وعن ابن المسيب والحسن قالا: تغتسل من
صلاة الظهر إلى صلاة الظهر دائماً، ودليل الجمهور: أن الأصل عدم الوجوب فلا يجب إلا ما ورد الشرع
بإيجابه، ولم يصح عن النبي 3 أنه أمرها بالغسل إلا مرة واحدة عند انقطاع حيضها، وهو قوله صلى
الله عليه وسلم ((إذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلى)) وليس فى هذا ما يقتضى
تكرار الغسل، وأما الأحاديث الواردة فى سنن أبى داود والبيهقى وغيرهما أن النبى 3# أمرها فليس
٣٥١
فيها شىء ثابت، وقد بين البيهقى ومن قبله ضعفها، وإنما صح فى هذا ما رواه البخارى ومسلم فى
صحيحيهما ((أن أم حبيبة بنت جحش -رضى الله عنها- استحيضت، فقال لها رسول اللَّه ◌ُ ﴾: إنما
ذلك عرق، فاغتسلى ثم صلى، فكانت تغتسل عند كل صلاة)» قال الشافعي - رحمه الله تعالى: إنما
أمرها رسول اللَّه أن تغتسل وتصلى، وليس فيه أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة. قال: ولا شك - إن
شاء اللّه تعالى - أن غسلها كان تطوعا، غير ما أمرت به. والله أعلم.
أما وطء المستحاضة فقد قال عنه النووى: يجوز لزوجها وطؤها فى حال جريان الدم عندنا وعند
جمهور العلماء، وبه قال مالك وأبو حنيفة والأوزاعى والثورى وإسحاق وأبو ثور قال ابن المنذر: وبه
أقول. قال: وروينا عن عائشة - رضى الله عنها - أنها قالت: لا يأتيها زوجها، وبه قال النخعى. وقال
أحمد: لا يأتيها إلا أن يطول ذلك بها، وفى رواية عنه أنه لا يجوز وطؤها إلا أن يخاف العنت.
والمختار مذهب الجمهور، والدليل عليه ما روى عن حمنة بنت جحش - رضى الله عنها - «أنها
كانت مستحاضة، وكان زوجها يجامعها)) رواه أبو داود. وقال البخارى فى صحيحه: قال ابن عباس:
المستحاضة يأتيها زوجها، إذا صلت الصلاة أعظم، ولأن المستحاضة كالطاهرة فى الصلاة والصوم
وغيرهما، فكذا فى الجماع، ولأن التحريم إنما يثبت بالشرع، ولم يرد الشرع بتحريمه.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١ - جواز استفتاء المرأة بنفسها وجواز مشافهتها الرجال فيما يتعلق بالطهارة وأحداث النساء.
٢- وجواز سماع صوتها عند الحاجة.
والله أعلم
٣٥٢
(١٤٢) باب قضاء الحائض الصوم دون الصلاة
٢٠٢ - ٦٧ عَنِ مُعَاذَةً(٦٧) أَنَّ امْرَأَةٌ سَأَلَتْ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: أَنَفْضِي إِحْدَانَا الصَّلاةَ أَيَّامَ
مَحِيضِهَا؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قَدْ كَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِعَلِ
ثُمَّ لا تُؤْمَرُ بِقَضَاءٍ.
٢٠٣ - ٦٨ عَنِ مُعَاذَةً(٦٨) أَنْهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ: أَقْضِي الْحَائِضُ الصَّلاةَ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ:
أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قَدْ كُنَّ نِسَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ يَحِصْنَ. أَفَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَجْزِينَ؟ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ: تَعْنِي يَقْضِينَ.
٦٠٤ - ٣٩ عَنِ مُعَاذَةً(٦٩) قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلا
تَقْضِي الصَّلاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ. وَلَكِنِّي أَسْأَلُ. قَالَتْ: كَانَ
يُصِيِّنَا ذَلِكَ فَتُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلا تُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ.
المعنى العام
خفى الكثير من حكمة التشريع على بعض الصحابة، وبخاصة النساء، وكان عدم إدراك الحكمة
دافعًا إلى التساؤل، وتلك محمدة للشريعة الإسلامية التى خاطبت العقول والأرواح معا، وركزت على
العقول، وقللت من أمور التعبد التى لا بد منها، ليشعر العقل بالقصور، وليسلم وجهه إلى اللّه وهو
محسن، لقد علمت معاذة أن الحائض يجب عليها اجتناب الصلاة والصوم مدة حيضها، فإذا هى
طهرت وجب عليها قضاء الصوم، ولم يجب عليها قضاء الصلاة، ولم تدرك الفرق بين الصلاة والصوم
حتى وجب قضاء عبادة دون عبادة، فسألت أم المؤمنين عائشة - رضى الله عنها -: مابال الحائض
يجب عليها قضاء الصوم، ولا يجب عليها قضاء الصلاة؟ ألا تقضى إحدانا الصلاة التى فاتتها أيام
حيضها؟ فقالت لها عائشة: لا تقولى هذا، فإنه لا يقول به إلا الخوارج، ولا يصح أن تتشبهى بهم فى
هذا القول، إن من يسمعك يقول: إنك حرورية خارجة. قالت: لست من الخوارج، ولكنى أسأل للتعلم.
ولم تشأ عائشة أن تبين الفرق بين الصلاة والصيام، وإنما قصدت إلى إثبات الحكم وترسيخه
ووجوب السمع والطاعة له، فقالت: لقد كنا نحيض عند رسول اللّه*، وكنا نترك الصلاة والصوم
أثناء الحيض، فكان يأمرنا بعد الحيض بقضاء الصوم، ولا يأمرنا بقضاء الصلاة فكونى من ﴿ الَّذِينَ
يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨].
(٦٧) حَدََّا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنِ أَيُّوبَ عَنِ أَبِي قِلابَةً عَنٍ مُعَاذَةً حِ وَحَدََّا حَمَّدٍ عَنِ يَزِيدَ الرِّشْكِ عَنِ مُعَاذَةً
(٦٨) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنَّ جَعْفَرِ حَذَّثَا شُعْبَةُ عَنِ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاذَةً
(٦٩) وحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُرَنَأَ مَعْمَرٌ عَنِ عَاصِمٍ ◌َمنِ مُعَاذَةً قَالَتْ:
٣٥٣
المباحث العربية
( عن معاذة أن امرأة سألت عائشة ) أبهمت السائلة فى هذه الرواية، وصرح بها فى الرواية
الثانية والثالثة وهى معاذة نفسها.
(أتقضى إحدانا الصلاة أيام حيضها؟ ) الظرف ((أيام حيضها)) لا يصح تعليقه بالفعل
((تقضى)) لأن القضاء لا يقع فى أيام الحيض، وإنما هو متعلق بمحذوف حال من الصلاة، والمعنى:
أتقضى إحدانا الصلاة الواجبة أيام الحيض؟
( أحرورية أنت ) خبر ومبتدأ، والحرورية المنسوبة إلى حروراء، قرية بقرب الكوفة، وكان أول
اجتماع الخوارج فيها، قال العينى: وكبار فرق الحرورية ستة: الأزارقة والصفرية والنجدات،
والعجاردة، والإباضية، والثعالية. والباقون فروع، وهم الذين خرجوا على على هذه، يجمعهم القول
بالتبرى من عثمان وعلىّ - رضى الله عنهما - ويقدمون ذلك على كل طاعة، ولا يصححون
المناكحات إلا على ذلك، وكان خروجهم على عهد علىّ ه لما حَكَّمَ أبا موسى الأشعرى وعمرو بن
العاص، وأنكروا على على فى ذلك، وقالوا: شككت فى أمر الله، وحكمت عدوك. وطالت خصومتهم، ثم
أصبحوا يوماً وقد خرجوا، وهم ثمانية آلاف، وأميرهم ابن الكوا عبدالله، فبعث إليهم على له عبد الله
ابن عباس، فناظرهم، فرجع منهم ألفان، وبقيت ستة آلاف، فخرج إليهم على، فقاتلهم، وكانوا
يشددون فى الدين، ومنه قضاء الصلاة على الحائض. اهـ
وتقديم الخبر يفيد الحصر، أى: ألست إلا حرورية؟ والاستفهام إنكارى، أى لا ينبغى أن
تكونى كذلك.
(كانت إحدانا تحيض على عهد رسول اللَّه ﴿) أى فيما يعهده رسول اللَّهِ وَ﴿ ويعرفه،
والغرض بيان أنه صلى الله عليه وسلم كان مطلعاً على حالهن من الحيض وتركهن الصلاة فى أيامه.
( ثم لا تؤمر بقضاء ) فى الكلام حذف، أى تحيض وتترك الصلاة أيام الحيض، ثم لا تؤمر
بقضائها بعد الطهر، والمراد من عدم الأمر عدم الوجوب، لأن الواجب مأمور به.
(قد كن نساء رسول اللَّه ﴿ يحضن) ((نساء)) بالرفع اسم كان، ونون النسوة فى ((كن))
حرف على قول، فإن كانت اسم ((كان)) أعرب ((نساء)) بدلا منها، وهى على نمط («أكلونى البرغيث)).
( أفأمرهن أن يجزين؟ ) بفتح الياء وسكون الجيم وكسر الزاى، وفسره الراوى بقوله: يعنى
يقضين. قال النووي: وهو تفسير صحيح، يقال: جزى يجزى، أى قضى، وبه فسروا قوله تعالى:
﴿لاَ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَفْسِ شَيْئاً﴾ [البقرة: ٤٨]، ويقال: هذا الشىء يجزى عن كذا، أى يقوم مقامه. قال
القاضى عياض: وقد حكىٌّ بعضهم فيه الهمز. اهـ والاستفهام إنكارى، أى فلم يأمرهن بالقضاء.
٣٥٤
( مابال الحائض تقضى الصوم ولا تقضى الصلاة ) فى القاموس: البال الحال والخاطر
والقلب. اهـ أى ما الحال والشأن فى قضاء الصوم وعدم قضاء الصلاة؟ والاستفهام حقيقى، فهى
تسأل عن العلة فى هذه التفرقة.
( لست بحرورية ولكنى أسأل ) الباء زائدة فى خبر ((ليس)) أى لست أوجب قضاء الصلاة
كالحروريين، ولكنى أسألك عن الحكم سؤالا مجرداً لطلب العلم، لا للتعنت.
( كان يصيبنا ذلك ) الإشارة للحيض، والكاف مكسورة لخطاب المؤنثة، أى كان يصيبنا
الحيض، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
فقه الحديث
قبل الكلام على موضوع قضاء الحائض الصلاة والصوم نقول: إنه يحرم على الحائض والنفساء
الطواف، وقد أجمع العلماء على أنه لا يصح منهما طواف مفروض ولا تطوع، وأجمعوا على أنهما لا
تمنعان من شىء من مناسك الحج إلا الطواف وركعتيه. نقل الإجماع فى هذا كله ابن جرير وغيره.
وذهب الشافعية إلى أنه يحرم عليهما كذلك قراءة القرآن، ومس المصحف وحمله والمكث فى
المسجد، ويحرم الاستمتاع بهما فيما بين السرة والركبة كما سبق.
أما الصلاة فقد أجمعت الأمة على أنه يحرم على الحائض الصلاة، فرضها ونفلها، وقال النووى:
مذهبنا ومذهب جمهور العلماء والخلف أنه ليس على الحائض وضوء ولا تسبيح ولا ذكر فى أوقات
الصلاة ولا فى غيرها، وممن قال بهذا الأوزاعى ومالك والثورى وأبو حنيفة وأصحابه وعن الحسن
البصرى قال: تطهر وتسبح، وعن أبى جعفر قال: نأمر نساء الحيض أن يتوضأن فى وقت الصلاة،
ويجلسن ويذكرن اللَّه عز وجل، ويسبحن. اهـ وقال العينى: وفى منية المفتى للحنفية: يستحب لها
عند وقت كل صلاة أن تتوضأ، وتجلس فى مسجد بيتها، تسبح وتهلل مقدار أداء الصلاة لوكانت
طاهرة، حتى لا تبطل عادتها، وفى الدراية: يكتب لها ثواب أحسن صلاة كانت تصلى. اهـ قال
النووى: أما استحباب التسبيح فلا بأس به، وإن كان لا أصل له على هذا الوجه المخصوص، وأما
الوضوء فلا يصح عندنا وعند الجمهور، بل تأثم به إن قصدت العبادة.اهـ
قال الحافظ ابن حجر: وهل تثاب على ترك الصلاة مدة الحيض لكونها مكلفة بهذا الترك؟ كما
يثاب المريض على النوافل التى كان يعملها فى صحته وشغل بالمرض عنها؟ قال النووي: الظاهر
أنها لا تثاب، والفرق بينها وبين المريض أنه كان يعملها بنية الدوام عليها مع أهليته، والحائض
ليس كذلك. قال: وعندى فى كون هذا الفرق مستلزما لكونها لا تثاب وقفة. اهـ
والذى تستريح إليه النفس أنها لا تعامل فى ذلك معاملة المريض؛ لأن المريض يكافأ على مصابه
٣٥٥
وآلامه بثواب ما كان يفعله من النوافل، ولم نقل بثواب ما كان يفعله من الفرائض، ثم إن الثواب
تفضل من الله، وقد ورد فى شأن المريض، ولم يرد فى شأن الحائض، بل ورد ما ينفيه عنها فى قوله
صلى الله عليه وسلم (( .... أليس إذا حاضت لم تصل ولم نصم؟ قلن: بلى قال: فذلك من نقصان دينها))
إذ لو كانت تثاب على تركها الصلاة ما نقص دينها.
كذلك يحرم على الحائض الصوم. قال ابن جرير فى كتابه ((اختلاف الفقهاء)»: أجمعوا على أن
عليها اجتناب كل الصلوات، فرضها ونفلها، واجتناب جميع الصيام، فرضه ونفله.اهـ
قال النووي: ولو أمسكت الحائض عن الطعام والشراب بقصد الصوم أثمت، وإن أمسكت بلا
قصد لم تأثم. اهـ
وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجب على الحائض قضاء الصلاة - ولا عبرة بخلاف الخوارج -
ويجب عليها قضاء الصوم، قال العلماء: والفرق بينهما أن الصلاة كثيرة متكررة فيشق قضاؤها،
بخلاف الصوم، فإنه يجب فى السنة مرة واحدة، وربما كان الفطر بسبب الحيض يوماً أو يومين.
وقد يتساءل العقل: إذا كان ترك الحائض الصلاة لعدم وجود شرطها وهو الطهارة فلم أمرت بترك
الصوم، والطهارة ليست بشرط فيه؟ ولم أعثر فيما قرأت على علة معقولة، والظاهر أن الأمر بترك
الصوم فى هذه الحالة للتعبد، ولعل هذا من أسباب وجوب قضاء الصوم دون الصلاة.
قال النووى: قال الجمهور: وليست الحائض مخاطبة بالصيام فى زمن الحيض، وإنما يجب
عليها القضاء بأمر جديد. قال: وذكر بعض أصحابنا وجها: أنها مخاطبة بالصيام فى حالة الحيض
مأمورة بتأخيره، كما يخاطب المحدث بالصلاة وإن كانت لا تصح منه فى زمن الحدث. قال: وهذا
الوجه ليس بشىء فكيف يكون الصيام واجبا عليها ومحرما عليها بسبب لا قدرة لها على إزالته؟
بخلاف المحدث، فإنه قادر على إزالة الحدث. اهـ
ويؤخذ من الحديث
١- وجوب قضاء الحائض الصوم.
٢- أنه لا يجب عليها قضاء الصلاة، ولا يقال: إن كل ما يؤخذ من الحديث عدم الأمر بقضاء الصلاة،
وهو لا يدل على عدم وجوب القضاء، لاحتمال الاكتفاء بالدليل العام على وجوب القضاء، قال ابن
دقيق العيد: إن اكتفاء عائشة فى الاستدلال على إسقاط القضاء بكونها لم تؤمر به يحتمل
وجهين: أحدهما أنها أخذت إسقاط القضاء من إسقاط الأداء فيتمسك به حتى يوجد المعارض،
وهو الأمر بالقضاء، كما فى الصوم، ثانيهما أن الحاجة داعية إلى بيان هذا الحكم لتكرار الحيض
منهن، وحيث لم يبين دل على عدم الوجوب، لاسيما وقد اقترن بالأمر بقضاء الصوم. اهـ
٣- استدل به على وجوب ترك الحائض الصلاة والصوم أثناء الحيض؛ لأن القضاء وعدم
القضاء مترتب على الترك. قال النووى: فإن قيل: ليس فى الحديث دليل على تحريم
٣٥٦
الصوم وإنما فيه جواز الفطر، وقد يكون الصوم جائزا لا واجباً كالمسافر. قلنا: قد ثبت
شدة اجتهاد الصحابيات - رضى الله عنهن- فى العبادات، وحرصهن على الممكن
منها، فلوجاز الصوم لفعله بعضهن، كما فى القصر وغيره، ويدل أيضاً على التحريم
حديث البخارى ومسلم ((أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم)).
٤- استدل به على أن قول الصحابى: ((كنا نؤمر أوننهى)) فى حكم المرفوع إلى النبى * حيث أخرج
فى الصحيح.
والله أعلم
٣٥٧
(١٤٣) باب حفظ العورة والتسترعند البول والاغتسال
٦٠٥- ١٠ عَنِ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا(٧٠) قَالَتْ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ*
عَامَ الْفَتْحِ. فَوَجَدُهُ يَعْتَسِلُ. وَقَاطِمَةُ ابْتُهُ تَسْتُرُهُ بِشَوْبٍ.
٢٠٦ - ٣١ عَنِ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ رَضِىّ اللَّهُ عَنْهَا(٧١) أَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ، أَتَتْ
رَسُولَ اللَّهِ ﴿ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكّةَ. قَامَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ إِلَى غُسْلِهِ. فَسَتَرَتْ عَلَيْهِ فَاطِمَةُ، ثُمَّ أَخَذَ
ثَوْبَهُ فَالْتَحَفَ بِهِ. ثُمَّ صَلَى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ سُبْحَةَ الضُّحَى.
٢٠٧- ؟! عَنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ (٧٢) بِهَذَا الإِسْنَادِ وَقَالَ فَسَتَرَتْهُ ابْتُهُ فَاطِمَةُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا
اغْتَسَلَ أَخَذَهُ فَالْتَحَفَ بِهِ. ثُمَّ قَامَ فَصَلّى ثَمَانَ سَجَدَاتٍ وَذَلِكَ ضُحًى.
٢٠٨ - ٣ عَنِ مَيْمُونَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا(٧٣) قَالَتْ: وَضَعْتُ لِلنِّبِيِّ ◌َ﴿ّ مَاءً وَسَتَرْتُهُ فَاغْتَسَلَ.
٦٠٩- ٧٤ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ(٧٤) عَنِ أَبِيهِ ◌َ﴾؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَّ
قَالَ « لا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ. وَلا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ. وَلا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى
الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ. وَلا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرَّأَةِ فِي الْغَّوْبِ الْوَاحِدِ».
٦١٠- ١١ وعَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَادُ(١١) بِهِذَا الإِسْنَادِ وَقَالا «عَوْرَةٍ» «عُرِيَةٍ
الرَّجُلِ وَعُرْيَةِ الْمَرْأَةِ».
٦١١- ٧٥ عَنِ هَمَّامٍ بْنِ مُنِّهِ(٧٥) قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنٍ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ وَلّ.
فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا. وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ﴿: «كَانَتْ بُنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونْ عُرَاةً. يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ
(٧٠) و حَدََّا يَحْبِى بْنُ يَحْتِى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ أَبِي النّصْرِ أَنْ أَبَا مُرَّةً مَوْلَى أُمِّ مَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ أَنْهُ سَمِعَ أُمّ
هانئ بنتِ آپي طَالِبٍ تقول:
(٧١) حَدََّ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ أَخْبَرَفَا اللّيْثُ عَنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنِ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي هِنْدٍ أَنْ أَبَا مُرّةَ مَوْلَى عَقِيلٍ حَدَّثَهُ
اُنْ أُمّ مانِئ بنت أبي طَالِبٍ حدثته
(٧٢) وحَّدْثّنَاه أَبُوَ كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا أَبُوِ أُسَامَةَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنِ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِنْد
(٧٣) حَذََّنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ أَخْبَرَنًا مُوسَى الْقَارِيّ حَذَّنَا زَائِدَةٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ سَالِمٍ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنِ كُرَيْبٍ عَنِ
ابْنِ عَبَّاسِ عَنِ مَيْمُّونَةً
(٧٤) حَدَّقَا أَبُوْ بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ عَنِ الصَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ أَخْبَرَبِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
أبي سَعِيدٍ الْخُدرِيِّ
(١٠) وَحَدَّثَنِيهِ هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالا حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَِّكٍ أَخْبُرَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَان
(٧٥) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثْنَا مَعْمَرٌ عَنِ هَمَّامٍ بْنٍ مُبِّهِ
٣٥٨
إِلَى سَوْأَةٍ بَعْضٍ. وَكَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ. فَقَالُوا: وَاللَّهِ! مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ
يَغْتَسِلَ مَعَنًا إِلا أَنْهُ آدَرُ. قَالَ فَذَهَبَ مَرَّةٌ يَغْتَسِلُ. فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ. فَفَرَّ الْحَجْرُ بِقَوْبِهِ.
قَالَ فَجَمَحَ مُوسَى بِإِثْرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرًا ثَوْبِي حَجَرًا حَتّى نَظَرَتْ بُنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى سَوْأَةِ
مُوسَى. قَالُوا: وَاللَّهِ! مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ. فَقَامَ الْحَجَرُ حَتَّى نُظِرَ إِلَيْهِ. قَالَ فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَطَفِقَ
بِالْحَجَرِ ضَرْبً». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ! إِنَّهُ بِالْحَجَرِ نَدَبٌ سِئَةٌ أَوْ سَبْعَةٌ ضَرْبُ مُوسَى بِالْحَجَرِ.
٦١٢ - ٦ٍْ عَنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٧٦) قَالَ: لَمَّا بُنِيَتِ الْكَعْبَةُ ذَهَبَ النَّبِيُّ ◌ِ *
وَعَبَّاسٌ يَنْقُلانِ حِجَارَةٌ. فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِلْبِيِّ ◌َ﴿ اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى عَاتِقِكَ، مِنَ الْحِجَارَةِ.
فَفَعَلَ. فَخَرَّ إِلَى الأَرْضِ. وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ. ثُمَّ قَامَ فَقَالَ «إِزَارِي إِزَارِي» فَشَدَّ
عَلَيْهِ إِزَارَهُ. قَالَ ابْنُ رَافِعٍ فِي رِوَايَتِهِ «عَلَى رَقْتِكَ» وَلَمْ يَقُلْ « عَلَى عَاتِكَ».
٦١٣ - ٣) عَنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ(٧٧)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ
الْحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ. وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ. فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ، عَمُّهُ: يَا ابْنَ أَخِيا لَوْ حَلَلْتَ
إِزَارَكٌ، فَجْعَلْتَهُ عَلَى مَنْكِبِكَ، دُونَ الْحِجَارَةِ. قَالَ فَحَلَّهُ فَجَعَلَهُ. عَلَى مَنْكِهِ. فَسَقَطَ
مَغْشِيًّا عَلَيْهِ. قَالَ فَمَا رُبِيَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ عُرْيَانًا.
٦١٤- ٧٨ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَ﴾(٧٨) قَالَ: أَقْلْتُ بِحَجٍَ، أَحْمِلُهُ، فَقِيلٍ. وَعَلَيَّ إِزَارٌ
خَفِيفٌ. قَالَ فَالْحَلَّ إِزَارِي وَمَعِيَ الْحَجَرُ. لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَضَعَهُ حَتَّى بَلَغْتُ بِهِ إِلَّى مَوْضِعِهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ «ارْجِعْ إِلَى ثَوْبِكَ فَخُذْهُ وَلا تَمْشُوا عُرَاةً ».
٦١٥- ٩ْل عَنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ جَعْفَرٍ رَ﴾(٧٩) قَالَ: أَرْدَفَيِي رَسُولُ اللَّهِ:﴿ ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ.
فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ. وَكَانَ أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللّهِعَ﴿:
◌ِحَاجَتِهِ، هَدَفٌ أَوْ حَانِشُ نَخْلٍ. قَالَ ابْنُ أَسْمَاءَ فِي حَدِيثِهِ: يَعْنِي خَائِطَ نَخْلٍ.
(٧٦) وحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونِ جَمِيعًا عَنٍ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرِ قَالَ أَخْبُرَنَا ابْنُ جُرِّيْجٍ ح وَحَدََّا
إِسْحَقُ بْنَ مَنْصُورٍ وَمَّحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَاللَّفْظُ لَهُمَا قَالَ إِسْخْقُ أَخْبَرِّنَا وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ خَّدْفَنَاً عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ
أَخْبَرَبِي عَمْرُو بْنُّ دِينَارِ أَنْهُ سَمِعَ جَّابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُوَّلُ
(٧٧) وحَدَّثْنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَّا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدََّا زَكْرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَقَ حَدَّقْنَا عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ
ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ
(٧٨) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْتَى الْأُمَوِيُّ حَدِّفَتِي أَبِي حَدَِّنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حُنَيْفِ الأَنْصَارِيُّ أَخْبُرَبِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ
ابْنِ حُنَيْفٍ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةٌ
(٧٩) حَدَثْنَا شَيْبَانُ بَّنُ فَرُّوخٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ قَالا حَدْنَا مَهْدِيٍّ وَهُوَّ ابْنُ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
ابْنِ أَبِي يَعْقُوبَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٌّ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ
٣٥٩
المعنى العام
كرم اللَّه ابن آدم، وميزه عن الحيوانات بالعقل والستر، فكما خلق فيه الإدراك والتمييز
والاستعداد للعلم، خلق فيه الانطباع على اللباس والتستر، بل جعل الحياة الكريمة مرتبطة بالغذاء
والكساء، يوم قال اللَّه تعالى لآدم حين أسكنه الجنة ﴿إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨]
وكان طبيعيًّا حين وسوس الشيطان لآدم وحواء، وحين نزع عنهما لباسهما، وحين بدا لهما ما وورى
عنهما من سوآتهما، أن طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ويستران به عوراتهما.
وبهذه الطبيعة نزل آدم إلى الأرض، وعلم بنيه ستر العورة، وسارت ذريته بحكم الجبلة على
المحافظة على اللباس، ومن لم يجد لم يفرط فى ستر السوأتين: قبله ودبره.
نعم قد تخالف هذه الطبيعة سفها وشذوذا فى بعض العصور والبيئات المنحرفة، فنسمع أن بنى
إسرائيل كانوا يغتسلون عراة مجتمعين، ينظر بعضهم إلى عورة بعض، ونسمع أن الرجال والنساء
كانوا قبل الإسلام يطوفون بالكعبة عراة، ويقولون: لا نعبد اللَّه فى ثيات أذنبنا فيها، ونرى فى هذه
الأيام على شواطئ البحار الرجال والنساء شبه عراة، ونرى المرأة المسلمة وقد كشفت عن ساقيها،
بل فخذيها فى بعض الأحبان.
مخالفات للطبيعة، ومخالفات للمروءة، ومخالفات للحياء ومكارم الأخلاق وقد جاءت الشريعة
الإسلامية ترسم للبشرية المثل العليا، والطريق القويم للحياة الدنيوية والأخروية، وأعلن رسول اللّه ◌َا *
قانون السماء: لاينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا الرجل إلى عورة المرأة،
ولا المرأة إلى عورة الرجل، فإن اللَّه لعن الناظر والمنظور، لعن الناظر لاستخدامه نعمة العين فيما
حرم الله، نعم نرجو عفو الله عن النظرة الأولى التى تقع على المحرم عفوا ودون قصد، وبدافع الحاجة
إلى تمييز الطريق وإمكان المشى والحركة، لكن النظرة الثانية، ومد النظرة الأولى لحظة فوق تلك
اللحظة جرم وإثم كبير، فهى سهم من سهام إبليس، بل سهم مسموم قلما يطيش، ولعن المنظور
لتقصيره فى حدود الله، وارتكابه ما حرم الله بكشف ما وجب ستره؛ وإثارة مشاعر الناظرين
وغرائزهم، وفتح أبواب الشر، وغرس بذور الفتنة والافتتان.
كانت هذه الفقرة الأولى من قانون السماء، وكانت الثانية ((لا يفضى الرجل إلى الرجل فى ثوب
واحد، ولا تفضى المرأة إلى المرأة فى الثوب الواحد)» أى كما وجب حفظ العورة عن النظر، وجب
حفظها عن اللمس، إذ الأخطار المترتبة على أحدهما تنتج عن الآخر، وما يحتمل من شر فى أولهما
هو محتمل من باب أولى فى ثانيهما، والإسلام يحرص على إغلاق الروافد، وسد الذرائع.
مع إعلان القانون باللسان نجد العمل والقدوة الصالحة، يضربها محمد رسول اللّه * بنفسه،
ويتحدث بها عن أحد إخوته الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وصدق الله العظيم ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي
رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
٣٦٠