Indexed OCR Text

Pages 221-240

هذا كله فى غمس اليد فى الإناء الصغير الذى يحمل دون القلتين، أما الماء الكثير فلا كراهة فى
غمس اليد فيه، وإن كان راكداً كماء البرك والأحواض الكبری.
وإذ قد انتهينا إلى أن الأمر بالغسل للقائم من النوم للندب عند الجمهور فإننا نعجب
لتشدد بعض الشافعية فى رسم الوسيلة إذا كان الإناء كبيراً لا يمكن الصب منه على
اليدين. فيقول النووى: قال أصحابنا وإذا كان الماء فى إناء كبير، أو صخرة، بحيث لا
يمكن الصب منه، وليس معه إناء صغير، يغترف به، فطريقه أن يأخذ بفمه، ثم يغسل به
كفيه، أو يأخذ بطرف ثوبه النظيف، أو يستعين بغيره. اهـ.
وأعجب من هذا ما يقوله العينى بعد أن ساق ما ذكرنا. قال: لو فرضنا أنه عجز عن أخذه بفمه،
ولم يعتمد على طهارة ثوبه، ولم يجد من يستعين به. ماذا يفعل؟ قال: قال أصحابنا [الأحناف] إذا
كانت الآنية كبيرة، وليست معه آنية صغيرة، فالنهى محمول على الإدخال على سبيل المبالغة، حتى
لو أدخل أصابع يده اليسرى، مضمومة فى الإناء، دون الكف، يرفع الماء من الحب، ويصب على يده
اليمنى، ويدلك الأصابع بعضها ببعض فيفعل كذلك مرات، ثم يدخل يده اليمنى بالغا ما بلغ، فى الإناء
إن شاء. قال: وهذا الذى ذكره أصحابنا أوسع وأحسن. أهـ
عجبًا لهؤلاء الأصحاب ولأولئك الأصحاب، لو أن الظاهرية قالوها لكان لهم عذر، أما الشافعية
والحنفية، وهم يقولون بالندب، فلا عذرلهم، فالدين يسر والحمد لله والرسول يقول: ((إذا أمرتكم
بأمرفأتوا منه ما استطعتم)) وما أحسن قول الحسن البصرى فى مثل هذا المقام ((إنا لنرجو من
رحمة الله وفضله ما هو أوسع من هذا)) والله أعلم.
وفى علة النهى عن غمس اليد للنائم قبل غسلها يقول الشافعى: كانوا يستجمرون وبلادهم حارة،
فربما عرق أحدهم إذا نام، فيحتمل أن تطوف يده على المحل، أو على بثرة أو قذر غير ذلك. وتعقبه
الباجى بأن ذلك يستلزم الأمر بغسل ثوب النائم، لجواز ذلك عليه. وأجيب بأنه محمول على ما إذا
كان العرق فى اليد، لا فى المحل، أو أن المستيقظ لا يريد غمس ثوبه فى الماء، حتى يؤمر بغسله،
بخلاف اليد، فإنه محتاج إلى غمسها.
وقيل: إن النهى للتعبد، والمذكور ليس بعلة.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- أن موضع الاستنجاء لا يطهر بالأحجار، بل يبقى نجسا معفوا عنه فى حق الصلاة، حتى إذا
أصاب موضع المسح بلل وابتل به سراويله أو قميصه فإنه يتنجس.
٢- استحباب غسل النجاسات ثلاثاً، لأننا أمرنا بالتثليث عند توهمها فعند تيقنها أولى.
٣- أن النجاسة المتوهمة يستحب فيها الغسل، ولا يؤثر فيها الرش، فإنه صلى الله عليه وسلم قال:
((حتى يغسلها، ولم يقل: حتى يغسلها أو يرشها.
٢٢١

٤- إيجاب الوضوء من النوم، فإنه إذا لم يدر أين باتت يده فإنه لايدرى ماذا خرج منه. وقيل: إن
الأصل عدم خروج شىء. بدون يقظته، لكن هذا القول خلاف الواقع.
٥- فيه تقوية لمن يقول بالوضوء من مس الذكر. حكاه أبو عوانة لكنه غير ظاهر.
٦- أن القليل من الماء لا يصير مستعملاً بإدخال اليد فيه لمن أراد الوضوء. قاله الخطابى.
٧- أن الماء القليل تؤثر فيه النجاسة وإن لم تغيره، وهذه حجة قوية لمن قال بنجاسة القلتين لوقوع
النجاسة فيه وإن لم تغيره، وإلا فلا يكون للنهى فائدة. ذكره العينى.
٨- استدل به الحنفية على أن الإناء يغسل من ولوغ الكلب ثلاث مرات، وذلك لأن النبى و 3 أمر
القائم من الليل بإفراغ الماء على يديه مرتين أو ثلاثاً؛ وذلك لأنهم كانوا يتغوطون ويبولون، ولا
يستنجون بالماء، وربما كانت أيديهم تصيب المواضع النجسة فتتنجس، فإذا كانت الطهارة
تحصل بهذا العدد من البول والغائط، وهما أغلظ النجاسات كان أولى وأحرى أن تحصل مما هو
دونهما من النجاسات. ذكره العينى. وقوله: ((وهما أغلظ النجاسات)) غير مسلم وسيأتى حكم
نجاسة الكلب فى الباب التالى.
٩- سحب الحكم على غير إناء الوضوء، من الآنية التى تحمل مائعا أو رطباً. قاله الحافظ ابن حجر.
١٠- استدل به على التفرقة بين ورود الماء على النجاسة، وبين ورود النجاسة على الماء، وأنها إذا
وردت عليه نجسته. وإذا ورد عليها أزالها، وتقريره أنه نهى عن إدخال الیدین فی الإناء، لاحتمال
النجاسة، وذلك يقتضى أن ورود النجاسة على الماء مؤثرة فيه، والحث بغسلها بإفراغ الماء عليها
للتطهير، وذلك يقتضى أن وروده عليها يزيلها.
١١- أخذ بعضهم من قوله: ((فإذا استيقظ أحدكم .. فإنه لا يدرى)) أن القائم من النوم إن
كان صبيا أو مجنونًا فإنه لا يؤثر إن غمس يده، والحق أنه كالبالغ العاقل، لأنه لا يدرى
أين باتت يده من باب أولى.
١٢- أخذ بعضهم من قوله: ((من نومه)» إخراج الغفلة ونحوها.
١٣- وفيه استحباب استخدام الكنايات عما يستحيا منه إذا حصل الإفهام بها حيث لم يقل: لعل
يده وقعت على دبره أو ذكره أو على نجاسة، فإن لم يحصل بها الإفهام فلابد من التصريح لينتفى
اللبس والوقوع فى خلاف المطلوب، وعلى هذا يحمل ما جاء من ذلك مصرحابه، كقوله فى
الحديث الصحيح: ((إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين)».
١٤ - العمل بالاحتياط فى العبادات، ما لم يخرج إلى حد الوسوسة.
(ملحوظة) ذكرنا حكم غسل الكفين قبل الوضوء باعتباره سنة من سنن الوضوء فى
النقطة الأولى من باب صفة الوضوء وكماله، وذكرهنا من حيث نظافة الماء وطهارته من
النجاسات والأقدار.
٢٢٢

(١٢٤) باب حكم نجاسة الكلب
٤٩٧- ٨٨ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َ﴾(٨) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ،وَ﴿ِ «إِذَا وَلَغَ الْكُلْبُ فِي إِنَاءِ
أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ. ثُمَّ ◌ِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ ».
٤٩٨- ١٠ْ عَنِ الأَعْمَشِ (١١) بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ وَلَمْ يَقُلْ « فَلْيُرِقْهُ».
٤٩٩- ٩ ١ عَنْ أَبِي هُرَّيْرَةَ عَ﴾(٨٩) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَ قَالَ «إِذَا شَرِبَ الْكُلْبُ فِي إِنَاءِ
أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ ».
٥٠٠- مُجْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَعَ﴾(٩١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ِ «طَهُورُ إِنّاءِ أَحَدِكُمْ، إِذَا وَلَغَ
فِيهِ الْكَلْبُ، أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ. أُولاهُنَّ بِالتِّرَابِ».
٥٠١- ١١ْ عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُبِّهٍ(٩١). قَالَ: هَذَا مّا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللّهِ وَ﴾.
فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ، أَنْ
يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ ».
٥٠٢ - ١١٣ْ عَنِ ابْنِ الْمُغَفْلِ عَ﴾(٩٢) قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَ بِقْلِ الْكِلابِ. ثُمَّ قَالَ «مَا
بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلابِ؟ » ثُمَّ رَخْصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَكَلْبِ الْغَنَمِ. وَقَالَ «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي
الإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ. وَعَفْرُوهُ الثّامِنَةَ فِي التُّرَابِ».
٥٠٣- ١٠ْ عَنْ شُعْبَةً(١٠) فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِعْلِهِ غَيْرَ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مِنَ الزِّيَادَةِ
«وَرَخْصَ فِي كَلْبِ الْغَمِ وَالصَّيْدِ وَالزَّرْعِ».
(٨٨)وحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي رَزِينٍ وَأَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(١٠) وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْصَبَاحِ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلٌ بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنِ الأَعْمَشِ
(٨٩) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى قَالَ فْرَأْتُ عَلَّى مَالِكٍ عَنْ أَبِيَ الزَّكَادَ عَنِ الأَغْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٩٠) وحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامٍ بْنِ حَسَّنَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٩١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبَّدُ الرَّزَّاقِ خَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ بْنٍ مُبِّهِ
(٩٢) وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَذََّا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي الْيَّاحِّ سَّمِعَ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ الْمُغَفْلِ
(١٠) وحَدَّقِهِ يَحْيِى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِيُّ حَدَّثْنَا خَالِدٌ يَعْبِي اِبَّنَ الْحَارِثِ حَ وَحَدَّقَبِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدُلَّا يَحْبَی بْنُ سَعِيدٍ ح
وحَدَّثِّي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَاَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ كُلَّهُمْ
- وَلَيْسَ ذَكَّرَ الزَّرْعَ فِي الرِّوَايَةِ غَيْرُ يَحْتِى
٢٢٣

المعنى العام
خلق اللَّه جل شأنه جميع ما خلق لحكمة، وخلق فى بيئة الإنسان مخلوقات يحتاجها ويفهم
حكمة خلقها وفائدتها بالنسبة له، كالأنعام التى خلقها ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ وَلَكُمْ
فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴿ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأَنْفُسِ
إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٥-٧] وخلق مخلوقات لا يكاد يحتاجها، بل هى خطر وضَرر عليه، ولا
يدرك حكمة خلقها، من ذلك الخمس الفواسق التى يباح قتلها حتى فى الحرم: الحدأة والغراب
والفأرة والعقرب والكلب العقور.
وخلق مخلوقات تجمع بين الشروالخير، فيها إثم وفيها منافع، من ذلك الكلب فإنه نجس
اللعاب والبدن نجاسة مغلظة، إذا ولغ فى الإناء وجب غسله سبع مرات إحداهن بالتراب، ووجب
إراقة السائل الذى شرب منه مهما غلا ثمنه، ومهما عز الحصول عليه. حاجب حلول رحمة الله تعالى،
إذ لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب. منقص لأجر صاحبه على عمل الخير فمن اقتنى كلبا لغير حاجة
نقص من عمله قيراطان، ومع هذه المضار هو حارس أمين، ووفى مخلص وحساس إلى حد كبير،
يحتاجه صاحب الغنم لحراسة غنمه، وصاحب الزرع لحماية زرعه، ومحترف الصيد لاقتناص صيده،
ومن منطلق شروره أمر الرسول ﴿ أصحابه بقتل الكلاب، فتقربوا إلى الله بقتلها، حتى إن المرأة
كانت تأتى من البادية إلى المدينة معها كلبها، فيبادر الصحابة بقتله، وشق الأمر على الناس، وشكا
أصحاب الحاجة، وتمنوا أن لو أذن الله لهم فى اقتناء بعض الكلاب، وسيحافظون على أنفسهم من
نجاستها، وسينفذون أمر الشارع بغسل مايصيبهم منها، وأحس الرسول الكريم 3/ برغبة منهم
جامحة، وولع شديد لتربية الكلاب، فلامهم على التململ من حكم الشريعة، رغم سمعهم لها وطاعتهم
إياها. فقال: ما شأنكم وشأن الكلاب، وما هذا الحرص الشديد على اقتنائها؟ قالوا: يا رسول اللَّه،
غلبنا الصيد، وعدا الذئب على الغنم، وأفسدت السائبة الزرع وانتظر رسول اللّه {* أمرربه، فرخص
لهم فى كلب الصيد وكلب الزرع وكلب الغنم، على أن يغسلوا ما أصابهم منه سبع مرات
إحداهن بالتراب.
المباحث العربية
( إذا ولغ الكلب ) يقال: ولغ يلغ بفتح اللام فيهما إذا شرب بطرف لسانه، أو أدخل لسانه فيه
فحركه. وقال ثعلب: هو أن يدخل لسانه فى الماء وغيره من كل مائع فيحركه؛ زاد ابن درستويه
((شرب أو لم يشرب)) وقال ابن مكى: فإن كان غير مائع يقال: لعقه. وقال المطررى: فإن كان فارغا
يقال: ((لحسه)».
وأل فى ((الكلب)) للجنس، فيصدق على كل نوع من أنواع الكلاب.
٢٢٤

( فى إناء أحدكم ) الإناء مفرد، وجمعه آنية، وجمع الجمع أوان، فلا يستعمل فى أقل من
تسعة إلا مجازاً، والإضافة التى فى ((إناء أحدكم)) ملغاة المفهوم المخالف، لأن الحكم بالنجاسة
ووجوب الغسل لا يتوقف على الملكية أو الاختصاص.
( فليرقه) ضمير الفاعل يعود على ((أحدكم)) لكن لا يشترط أن يكون المريق هو المالك، وضمير
المفعول يعود على الإناء من إطلاق المحل وإرادة الحال، أى فليرق ماء الإناء.
(إذا شرب الكلب ) المشهور من روايات أبى هريرة ((إذا ولغ)) قال الكرمانى: ضمن ((شرب))
معنى «ولغ)) فعدى تعديته. اهـ قال الحافظ ابن حجر: والشرب أخص من الولوغ، فلا يقوم مقامه فى
الرواية بالمعنى.
( طهور إناء أحدكم ) قال النووى: الأشهر فيه ضم الطاء، ويقال بفتحها لغتان تقدمتا فى أول
كتاب الوضوء.
( ما بالهم وبال الكلاب )؟ البال هو الحال والشأن أى ما شأنهم وشأن الكلاب والاستفهام
توبيخى، أى لا ينبغى أن يكون شأنهم الحرص على اقتناء الكلاب، أى إنه صلى اللّه عليه وسلم أمر
بقتل الكلاب، ثم أحس أنهم كانوا مولعين بتربيتها، فوبخهم على هذا الحرص، وفى رواية أبى داود:
((أمر بقتل الكلاب، ثم قال: ما لهم ولها))؟
فقه الحديث
يمكن حصر النقاط فى:
١- أقوال العلماء فى نجاسة سؤر الكلب، وهل يلحق به باقى أعضائه؟ مع الأدلة ومناقشتها.
٢- أقوالهم فى تسبيع الغسل، وعلته، والترتيب وحكمته وكيفيته.
٣- أقوالهم فى تربية الكلاب، وبيعها وقتلها، وأدلة كل فريق.
٤- ما يؤخذ من الحديث من الأحكام.
وهذا هو التفصيل:
أولا: أقوال العلماء وأدلتهم فى نجاسة الكلب:
مذهب الشافعية: أن الكلب نجس، ولا فرق بين الكلب المأذون فى اقتنائه وغير المأذون فى
اقتنائه، ولا بين كلب البدوى والحضرى لعموم لفظ الكلب فى الحديث.
أما نجاسة سؤره فللأمر بغسله، والتعبير بطهور الإناء منه، والطهارة إنما تكون عن حدث أو
نجس، وليس هنا حدث، فتعين النجس، ثم إن الرواية الأولى تأمر بإراقة ما فى الإناء، مما يدل
٢٢٥

على تنجيس ما ولغ فيه، لأن إراقته إضاعة له فلوكان طاهراً لم يأمرنا بإراقته، بل قد نهينا عن
إضاعة المال.
قالوا: ولا فرق بين ولوغه وغير الولوغ من أجزائه، فإذا أصاب بوله أو روثه أو دمه أو عرقه أو شعره
أو لعابه أو عضو من أعضائه شيئاً طاهراً فى حال رطوبة أحدهما، وجب غسله سبع مرات، لأنه
إذا ثبت هذا الحكم لفمه -وهو أشرف أعضائه- ثبت لباقى أعضائه من باب أولى. قالوا: ولو ولغ
كلبان، أو كلب واحد مرات فى إناء، فالصحيح أنه يكفى الجميع سبع مرات، ولو وقعت نجاسة
أخرى فى الإناء الذى ولغ فيه الكلب كفى عن الجميع سبع مرات. قالوا: ولو ولغ فى طعام مائع
حرم أكله، لأننا أمرنا بإراقته، ووجب غسل الإناء منه.
وممن قال بنجاسته أيضاً أحمد وأبو حنيفة والأوزاعى وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وداود.
أما المالكية فقد اختلفت أقوالهم فى نجاسة الكلب وسؤره اختلافًا كثيرًا. قال الرهونى فى
حاشيته على عبد الباقى: وأما الكلب فاختلف فيه، للحديث الوارد بغسل الإناء بولوغه فيه سبع
مرات، ثم قال: فتحصل أن فى سؤر الكلب أربعة أقوال: أحدها: أنه طاهر، وهو قول ابن وهب
وأشهب، لأن الكلب سبع من السباع، وهى طاهرة، وهو مذهب ابن القاسم فى المدونة، لكن روايته
عن مالك فيها: أن الكلب ليس كغيره من السباع. الثانى: أنه نجس ليس كسائر السباع، وهو قول
مالك فى رواية ابن وهب عنه لما جاء عن النبى 38 من الأمر بغسل الإناء سبعا من ولوغه فيه،
وهو قول سحنون فى رواية ابن العربى. الثالث: الفرق بين الكلب المأذون فى اتخاذه وغيره. وهو
أظهر الأقوال، لأن علة الطهارة التى نص عليها النبى و فى الهرة، موجودة فى الكلب المأذون
فى اتخاذه. وهو قول سحنون فى رواية اللخمى. الرابع: الفرق بين البدوى والحضرى، وهو قول
ابن الماجشون فى رواية أبى زيد عنه. اهـ
ونعرض إلى ما استند إليه من قال بطهارته. فقد احتجوا بقوله تعالى ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ
عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] وبقوله صلى الله عليه وسلم فى كلب الصيد: ((ما أمسك عليك فكل)) ووجه
الدلالة أنه أذن فى أكل ما صاده الكلب، ولم يقيد ذلك بغسل موضع فمه، ومن ثم قال مالك: كيف
يؤكل صيده ويكون لعابه نجسا؟ وأجيب بأن قصد الآية والحديث الإفادة بأن قتل الكلب ذكاة،
وليس فيهما إثبات نجاسة ولا نفيها. ويدل لذلك أنه لم يقل: اغسل الدم إذا خرج من جرح نابه،
لكنه وكله إلى ما تقرر من وجوب غسل الدم، فلعله وكله أيضاً إلى ما تقرر عنده من غسل ما
يماسه فمه، فإباحة الأكل مما أمسكن لا تنافى وجوب تطهير ما ننجس من الصيد، ولو سلم
فغايته الترخيص فى الصيد بخصوصه للحاجة.
واستدلوا بما ثبت عند البخارى من حديث ابن عمر ((كانت الكلاب تقبل وتدبر زمان رسول الله
إلا فى المسجد، فلم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك)) وأخرجه الترمذى بزيادة ((وتبول)» ورد بأن
البول مجمع على نجاسته فلا يصح حديث بول الكلاب فى المسجد حجة يعارض بها الإجماع.
وأما الإقبال والإدبار فلا يدلان على الطهارة لاحتمال عدم الرطوبة فى أجسامها أو فى أرض
٢٢٦

المسجد. وقال الحافظ ابن حجر: الأقرب أن يقال: إن ذلك كان فى ابتداء الحال على أصل
الإباحة، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها وجعل الأبواب عليها.
واستدلوا كذلك بالترخيص فى كلب الصيد والزرع والماشية، واعتبروا الترخيص باقتنائها دليلا
على طهارتها. وأجيب بأنه لا منافاة بين الترخيص وبين الحكم بالنجاسة.
وقالوا عن أحاديثنا: إن الأمر بالغسل فيها تعبدى، وليس لنجاسة الكلب [على معنى أنه لم يظهر
لنا وجهه، لا أنه لا وجه له، لأن لكل حكم وجها، لأن الأحكام مربوطة بالمصالح، ودرء المفاسد،
فما لم تظهر مصلحته ومفسدته اصطلحوا على أن يسموه تعبداً]. ولذا حد بالسبع. ولو كان نجسا
كان المطلوب الإنقاء. ورد بأن القول بالتعبد فى تشريع الأحكام خلاف الأصل. فالقول به ينقصه
الدليل. على أن القول بأن الغسل لإزالة النجاسة ترجحه الرواية الثالثة والرابعة. وفيهما ((طهور
إناء أحدكم)) فالغسل للتطهير. قالوا: المراد من الطهارة فى هذا الحديث الطهارة اللغوية. كقوله
صلى الله عليه وسلم ((السواك مطهرة للفم)) ورد هذا القول بأن ألفاظ الشرع إذا دارت بين
الحقيقة اللغوية والشرعية حملت على الشرعية إلا إذا قام دليل. فالقول بطهارة الكلب وسؤره
محجوج. وأبعد بعضهم فقال: يحل أكله. والعياذ بالله.
ثانيا: أقوال العلماء فى تسبيع الغسل، وعلته، والترتيب وحكمته وكيفيته:
وغسل الإناء من ولوغ الكلب سبع مرات إحداهن بالتراب مذهب الشافعية والحنابلة، بل فى
رواية عن أحمد الغسل ثمان غسلات، عملا بظاهر رواية ابن المغفل، ومعنى الغسل بالتراب أن
يخلط التراب فى الماء حتى يتكدر، ولا فرق بين أن يطرح الماء على التراب، أو التراب على
الماء، أو يؤخذ الماء الكدر من موضع فيغسل به، فأما مسح موضع النجاسة بالتراب فلا يجزئ،
ولا يحصل الغسل بالتراب النجس على الأصح، ولو كانت نجاسة الكلب دمه أو روثه وجب إزالة
عين النجاسة مهما زاد عن السبع، ولو زال عينها بست غسلات مثلاً قيل: تحسب الست واحدة
وقيل: تحسب ستا، ولو غمس الإناء فى بحر، ومكث فيه قدر سبع غسلات جاز. وفى قيام هذا
مقام التراب خلاف، وفى قيام الصابون ونحوه مقام التراب خلاف، والأصح عدم قيامه، لأنه كان
ميسوراً يوم أمر بالتراب. مما يحمل على أن للشرع فى تحديد التراب حكمة. وقد ذكر بعض
الأطباء الثقات فى عصرنا وجود جراثيم فى الكلب يقضى عليها التراب، وقيل: لأنه يحقق
اجتماع طهرين: الماء والتراب.
وقد جاء فى الروايات الأربع ((سبع مرات)) وفى رواية لمسلم ((أولاهن بالتراب)) وفى رواية للبزار
(إحداهن)) وفى رواية ((السابعة بالتراب)) وفى رواية ((أخراهن أو أولاهن بالتراب)) وفى روايتنا
الخامسة ((وعفروه الثامنة بالتراب)».
قال النووى فى الجمع بينها: وقد روى البيهقى وغيره هذه الروايات كلها، وفيها دليل على أن
التقييد بالأولى وبغيرها ليس على الاشتراط، بل المراد إحداهن، وأما رواية «وعفروه الثامنة
٢٢٧

بالتراب)» فمذهبنا ومذهب الجماهير أن المراد اغسلوه سبعا، واحدة منهن بالتراب مع الماء،
فكأن التراب قائم مقام غسلة، فسميت ثامنة لهذا. واللَّه أعلم. اهـ
وقال الحافظ ابن حجر فى الترجيح بين رواية ((أولاهن)) ورواية ((السابعة)) قال: ((أولاهن)) أرجح
من حيث أكثرية الرواة وأحفظيتهم، ومن حيث المعنى أيضاً، لأن تتريب الأخيرة يقتضى
الاحتياج إلى غسلة أخرى لتنظيفه، وقد نص الشافعى على أن الأولى أولى. اهـ
وهذا كله فيما إذا كان الماء قليلا، أما إذا ولغ فى ماء كثير، بحيث لم ينقص ولوغه عن قلتين لم
ينجسه. قالوا: ولوولغ فى ماء قليل، أو طعام مائع، فأصاب ذلك الماء أو الطعام ثوباً أو بدنا أو
إناء آخر، وجب غسله سبعا إحداهن بالتراب، ولو ولغ فى إناء فيه طعام جامد ألقى ما أصابه
وما حوله، وانتفع بالباقى على طهارته السابقة، كما فى الفأرة تموت فى السمن الجامد، قاله
النووى فى شرح مسلم.
وإراقة ما فى الإناء من ماء أو مائع واجبة، قيل على الفور، ولولم يرد استعمال الإناء،
عملا بمطلق الأمر الذى يقتضى الوجوب على المختار، وقيل: لا تجب إلا إذا أراد
استعمال الإناء، عملاً بالقياس على باقى المياه النجسة، فإنه لا تجب إراقتها على
الفوربلا خلاف، وإن استحب ذلك، وذهب أكثر الفقهاء إلى وجوب الإراقة الفورية فى
نجاسة الكلب، زجراً وتغليظاً وتنفيراً عن الكلاب.
أما المالكية فيقولون بالغسل من ولوغ الكلب سبع مرات ويقولون بالترتيب، لأنه لم يقع فى
رواية مالك، والمشهور عندهم أن التسبيح واجب. وعن مالك رواية أن الأمر بالتسبيح للندب،
والغسل عندهم للتعبد، لأن الكلب طاهر، وعن مالك رواية بأنه نجس لكن الغسل أيضاً للتعبد، لأن
قاعدته أن الماء لا ينجس إلا بالتغير.
وذهب بعض المالكية إلى أن المأمور بالغسل من ولوغه الكلب المنهى عن اتخاذه، دون المأذون
فيه، قال الحافظ ابن حجر: وهذا يحتاج إلى ثبوت تقديم النهى عن الاتخاذ على الأمر بالغسل،
وإلى قرينة تدل على أن المراد ما يؤذن فى اتخاذه. ثم قال: ومثله تفرقة بعضهم بين البدوى
والحضرى، وكذا دعوى بعضهم أن الغسل مخصوص بالكَلْبِ الكَلِب [أى المصاب بداء الكلب]
وأن الحكمة فى الأمر بغسله من جهة الطب، قال: وهذا التعليل وإن كان فيه مناسبة لكنه يستلزم
التخصيص بلا دليل.
أما إراقة ما فى الإناء فالمشهور عن المالكية التفرقة بين إناء الماء؛ فيراق ويغسل، وبين إناء
الطعام، فيؤكل ثم يغسل الإناء تعدداً. قالوا: لأن الأمر بالإراقة عام. فيخص الطعام منه بالنهى عن
إضاعة المال. قال الحافظ ابن حجر: وعورض بأن النهى عن الإضاعة مخصوص بالأمر بالإراقة،
ويرجحه الإجماع على إراقة ما تقع فيه النجاسة من قليل المائعات ولو عظم ثمنه، فثبت أن
عموم النهى عن الإضاعة مخصوص، بخلاف الأمر بالإراقة. اهـ. ووجهة نظرهم أن الطعام غير
٢٢٨

نجس، فإراقته إضاعة للمال وإراقة الطاهر إضاعة بلا خلاف، فالنزاع فى مبنى الإراقة وسببها،
لافى الإراقة نفسها، فالمعارضة غير سليمة. واللَّه أعلم.
وأما الحنفية فلم يقولوا بوجوب السبع، ولم يقولوا بالتراب، واستندوا إلى أن أبا هريرة طه راوى
الغسل سبعا أفتى بثلاث غسلات، فثبت بذلك نسخ السبع، وتعقب بأنه يحتمل أن يكون أفتى
بذلك لاعتقاده ندبية السبع، لا وجوبها، أو كان نسى ما رواه، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، وأيضاً
فقد ثبت أنه أفتى بالغسل سبعا. قال الحافظ ابن حجر: ورواية من روى عنه موافقة فتياه
لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد، ومن حيث النظر.اهـ
كما استندوا إلى أن العذرة أشد فى النجاسة من سؤر الكلب، ولم يقيد التطهير منها بالسبع،
فيكون الولوغ كذلك من باب أولى، وأجيب بأنه لا يلزم من كونها أشد منه فى الاستقذار أن لا
يكون أشد منها فى تغليظ الحكم، وبأنه قياس فى مقابلة النص، ولا قياس مع النص.
وأجاب الحنفية عن الرواية الخامسة - حديث عبد الله بن المغفل - بأن الأمر بالغسل سبعا كان
عند الأمر بقتل الكلاب، تغليظاً عليهم، وفطما لهم عن الولع بها، فلما نهى عن قتلها نسخ الأمر
بالغسل سبعا، وتعقب بأن الأمر بقتلها كان فى أوائل الهجرة، والأمر بالغسل متأخر جداً، لأنه من
رواية ابن المغفل، وقد ذكر ابن المغفل أنه سمع النبى * يأمر بالغسل، وكان إسلامه سنة سبع،
وسياق روايته واضح فى أن الأمر بالغسل كان بعد الأمر بقتل الكلاب.
قالوا: إن الشافعية أنفسهم لم يأخذوا بحديث ابن المغفل، لأنهم لم يوجبوا ثمانى غسلات، عملا
بظاهر قوله: ((وعفروه الثامنة بالتراب)» قلنا: إن ترك الشافعية العمل بظاهره لا يبرر للحنفية
ترك العمل به رأساً، لأنهم اعتذروا عن ظاهره بالجمع بينه وبين حديث أبى هريرة. فقالوا: لما
كان التراب جنساً غير الماء، جعل اجتماعهما فى المرة الواحدة معدوداً باثنتين، فإطلاق الغسلة
الثامنة على الترتيب مجاز. والله أعلم.
ثالثا: أقوال العلماء وأدلتهم فى تربية الكلاب، وبيعها، وقتلها:
وفى تربية الكلاب قال الحافظ ابن حجر: فى الكلب بهيمية وسبعية، كأنه مركب وفيه منافع
للحراسة والصيد، وفيه من اقتفاء الأثر وشم الرائحة والحراسة وخفة النوم والتودد وقبول التعليم
ما ليس لغيره. وقيل: إن أول من اتخذه للحراسة نوح عليه السلام. اهـ
وقد صرح الحديث الخامس بأن النبى 38 أمر بقتل الكلاب، وسبب ذلك كما فى صحيح مسلم
عن ابن عباس عن ميمونة أن جبريل وعد النبى و أن يأتيه، فلم يأته، فقال النبى ﴾: أما والله
ما أخلفنى. قال: فظل رسول الله - يومه ذلك على ذلك، ثم وقع فى نفسه جرو كلب كان تحت
فسطاط لنا، فأمر به، فأخرج. ثم أخذ بيده ماء، فنضح مكانه فلما أمسى لقيه جبريل عليه السلام.
فقال له: قد كنت وعدتنى أن تلقانى البارحة؟ قال: أجل. ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة،
فأصبح رسول الله : * يومئذ، فأمر بقتل الكلاب.
٢٢٩

وقيل: إنما أمر بذلك تغليظًا عليهم، لأنهم كانوا مولعين بها، فقد أخرج مسلم عن جابرقال: أمرنا
رسول اللّه وَالثّ بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها فنقتله، ثم نهى النبى و 8 عن
قتلها، وقال: عليكم بالأسود البهيم ذى النقطتين، فإنه شيطان. [لعل سر الأمر بقتل الأسود البهيم
قبح منظره، والاشمئزاز منه، وتشبيهه بالشيطان للتنفير من اقتنائه] ونقل النووى عن إمام
الحرمين أن الأمر بقتل الأسود البهيم كان فى الابتداء. وهو الآن منسوخ. اهـ لكن الإمام أحمد
يحرم اقتناءه مهما كانت الحاجة إليه.
وقد اتفقوا على أن الكلب العقور يقتل، ويحرم اقتناؤه، وهو الكلب الذى يعقر الناس، ويعدو عليهم،
ويخيفهم. فقد روى البخارى ومسلم عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال: «خمس من الدواب
ليس على المحرم فى قتلهن جناح: الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور» وإذا جاز
للمحرم قتله فغيره من باب أولى.
كما اتفقوا على أنه لا يجوز اقتناء الكلاب لغير حاجة، كأن يقتنى كلبا إعجاباً بصورته، أو
للمفاخرة به، فهذا حرام، وشد من قال: إنه مكروه.
كما اتفقوا على جواز اقتناء الكلب للصيد، ولحراسة الماشية، ولحراسة الزرع، للنص على
الترخيص بها.
واختلف فى اقتنائه لحراسة الدور والدروب، وفى اقتناء الجرو ليعلم، وفى اتخاذه لاقتفاء الأثر.
والصحيح إلحاق الحاجات المشروعة بالصيد والماشية والزرع، لأن الترخيص فيها للحاجة،
فيرخص لكل ما شابهها، مما يجلب منفعة أو يدفع مضرة، قياساً.
هذا عن حكم الاقتناء، أما حكم القتل فالأصح أنه يجوز قتل غير المأذون فيه، ولا يجوز قتل
المأذون فى تربيته، فإن قتل غرم، فقد روى الطحاوى عن عبد الله بن عمر - رضى الله عنهما- أنه
قضى فى كلب صيد قتله رجل بأربعين درهما، وقضى فى كلب ماشية بكبش.
وقد وردت أحاديث ظاهرها منع بيع الكلب، وتحريم ثمنه، ففى البخارى عن أبى مسعود
الأنصارى ((نهى رسول اللَّه { عن ثمن الكلب، ومهر البغى وحلوان الكاهن)» وروى أبو داود من
حديث ابن عباس مرفوعاً ((نهى رسول اللّه ◌َ عن ثمن الكلب. وقال: إن جاء يطلب ثمنه فاملا
كفه ترابًا ».
وعند ابن أبى حاتم من حديث ابن عمر ((نهى عن ثمن الكلب وإن كان ضاربا، يعنى مما يصيد».
فهذه الأحاديث حجة للشافعى فى تحريم بيع الكلب مطلقاً، معلما كان أو غير معلم مما يجوز
اقتناؤه أو مما لا يجوز، ومن لازم ذلك أن لا قيمة على متلفه، والعلة فى تحريم بيعه نجاسته، وهى
قائمة فى المعلم وغيره.
وعند الحنفية يجوز بيعه، وتجب القيمة على متلفه، لأنه منتفع به حراسة واصطياداً، وأجابوا عن
أحاديث النهى عن ثمنه بأنها صدرت أيام الأمر بقتل الكلاب، وكان الانتفاع بها يومئذ محرماً.
٢٣٠

وعن مالك ثلاث روايات: رواية كالشافعية، ورواية كالحنفية، ورواية لا يجوز بيعه وتجب القيمة
على متلفه، وقال القرطبى: مشهور مذهب مالك جوازاتخاذ الكلب، وكراهية بيعه، ولا يفسخ
إن وقع. اهـ
وقال عطاء والنخعى: يجوز بيع كلب الصيد دون غيره، فقد أخرج النسائى من حديث جابر قال:
((نهى رسول الله ﴿ عن ثمن الكلب إلا كلب صيد)).
(ملحوظة) حكم الخنزير حكم الكلب فى كل ما سبق عند الشافعية وذهب أكثر العلماء إلى أن
الخنزير لا يفتقر إلى غسله سبعاً، وهو قول الشافعى قال النووى: وهو قوى فى الدليل. والله أعلم.
رابعا: ويؤخذ من الحديثين من الأحكام فوق ما تقدم
١- أن حكم النجاسة يتعدى عن محلها إلى ما يجاورها، بشرط كونه مائعا.
٢- وأن المائعات تنجس إذا وقع فى جزء منها نجاسة.
٣- وأن الإناء ينجس إذا اتصل بالمائع النجس.
٤- وأن الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه، وإن لم يتغير، لأن ولوغ الكلب لا يغير الماء الذى فى
الإناء غالباً.
٥- وأن ورود الماء على النجاسة يخالف ورودها عليه، لأنه أمر بإرقة الماء لما وردت عليه النجاسة،
وهو حقيقة فى إراقة جميعه، وأمر بغسله، وحقيقته تتأدى بما يسمى غسلا ولو كان مايغسل به
أقل مما أريق.
٦ - أخذ الأوزاعى من قوله ((فى إناء أحدكم)» إخراج ماء المستنقع، لكن الجمهور على أن
العبرة بالماء القليل.
٧- وفيه بيان لطف الله ورأفته بعباده، حيث أباح لهم اقتناء الكلاب للحاجة كالصيد والحراسة،
ومنعهم من اقتنائها لغير حاجة لما فيه من ترويع الناس.
والله أعلم
٢٣١

(١٢٥) باب البول والاغتسال فى الماء الراكد
٥٠٤- ١٣ْ عَنْ جَابِرٍ﴾(٩٣) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ.
٥٠٥- ٤َجْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َ﴾(٩٤) عَنِ النّبِيِّ ◌ِ﴿ قَالَ: «لا يَيُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ
يَغْتَسِلُ مِنْهُ».
٥٠٦- ١٥ْ عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُبِّهِ(٩٥) قَالَ هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةً عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولٍ
اللَّهِف ◌َ﴿ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﴿ِ «لا تَبُلْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الْذِي لا
يَجْرِي ثُمَّ تَغْتَسِلُ مِنْهُ».
٥٠٧ - ٩٦ْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَّ(٩٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿: «لا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ
الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ » فَقَالَ: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَتْنَاوَّلُهُ تَنَاؤُلا.
المعنى العام
كانت العرب فى بداوتهم لا يحافظون على نظافة مائهم، فترقى بهم الإسلام إلى أعلى درجات
المحافظة على النظافة، نهاهم أولا عن البول فى الماء الراكد، ثم نهاهم عن الاغتسال فى الماء الذى
لايجرى، نهاهم عن الانغماس فى الآبار والمستنقعات لرفع جنابتهم، لأنهم بذلك يفسدون نقاوة الماء،
وإقبال النفوس عليه، ويحولون النفس الأبية عن استعماله فى الوضوء أو الشرب، أو طهى الطعام،
روى أبو هريرة فى ذلك قول رسول اللّه ◌ُ ﴾ («لايغتسل أحدكم فى الماء الدائم وهو جنب» وسمعه
السائب مولى هشام بن زهرة فقال: فكيف يفعل يا أبا هريرة من يريد الاغتسال وهو جنب؟ وليس
أمامه سوى ماء دائم قليل؟ أجاب أبو هريرة بما يحفظ للماء الباقى نقاوته ونظافته، فقال: يتناوله
بإناء صغير ويغترف منه ويصب على نفسه، بعيداً عن مجمع الماء وحوضه، فإن لم يجد إناء، فليغسل
کفیه، ثم يغترف بهما.
(٩٣) وحَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالا أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ ح وحَدْثَّنَا قُتِبَةُ حَدَّقْنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِيِ الزُّبِيْرِ عَنْ جَابٍِ
(٩٤) وحَّدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنَّ هِشَامٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٩٥) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهِ
(٩٦) وحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ وَأَبُو الطَّاهِرِ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى جَمِيعًا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ هَارُونُ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أُخْبَرَنِي
عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ أَنَّ أَبّا السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامٍ بْنِ زُهْرَةَ خَدَّثَهُ أَنْهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ
٢٣٢

المباحث العربية
(لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم ثم يغتسل منه ) الرواية الصحيحة ((ثم يغتسل)) بالرفع،
تنبيها على المانع، أى لا يبل فيه وهو يحتاجه للاغتسال منه وأجاز بعضهم الجزم عطفا على محل
((يبولن)) وليس بشىء، لأنه يكون الاغتسال منهيا عنه. وليس المعنى عليه، أما النصب فلا يجوز
بحال، لأنه يكون بإجراء ((ثم)) مجرى الواو، فى النصب بعدها بإضمار ((أن)) وهو يقتضى أن المنهى
عنه الجمع بينهما، دون إفراد أحدهما، وهذا لم يقله أحد، بل البول فيه منهى عنه، سواء أراد الاغتسال
فيه، أو منه، أم لا.
( هذا ما حدثنا أبو هريرة ) مفعول ((حدثنا)) محذوف، وهو الرابط، والتقدير: حدثنا إياه.
(لا تبل فى الماء الدائم الذى لا يجرى ) ((الدائم)) هو الراكد، وقوله ((الذى لا يجرى)) تفسير
للدائم وإيضاح لمعناه، قال النووى: ويحتمل أنه احترز به عن راكد لا يجرى بعضه كالبرك ونحوها.
(لا يغتسل أحدكم) ((يغتسل)) بالجزم على أن ((لا)) ناهية، وبالرفع على أنها نافية والنفى
أبلغ فى النهى، لما فيه من ادعاء الاستجابة، وأنه امتثل وأصبح يخبر عنه.
( فى الماء الدائم ) أى الساكن، قال الحافظ ابن حجر: يقال: دوم الطائر تدويماً إذا صف
جناحيه فى الهواء، فلم يحركهما.
( وهوجنب ) جملة حالية من فاعل ((لا يغتسل)).
( كيف يفعل يا أبا هريرة؟ ) استفهام حقيقى عن كيفية الاغتسال إذا كان الماء دائماً.
والمستفهم السائب الراوى عن أبى هريرة.
( يتناوله تناولا ) أى يغترف منه، ويصب على نفسه، فيصير مغتسلا من الماء، وليس مغتسلاً
فى الماء.
فقه الحديث
موضوع هذه الأحاديث نقطتان:
الأولى: حكم البول فى الماء الراكد وأضراره.
الثانية: حكم الماء القليل المستعمل فى رفع حدث.
أولا: حكم البول فى الماء الراكد، وأضراره: أما البول فى الماء الراكد فإن الحديث الأول من
مجموعتنا يقول عنه ((نهى رسول اللّه * أن يبال فى الماء الراكد)» ويقول الحديث الثانى
٢٣٣

((لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم ثم يغتسل منه)) ويقول الحديث الثالث ((لا تبل فى الماء الدائم
الذی لا یجری، ثم تغتسل منه ».
ولا يخفى أن للماء أحوالا أربعة:
١- فقد يكون كثيراً جارياً، كماء النهر، أو ماء القناة الكبيرة [والمراد من الكثرة ما فوق القلتين
وبالقليل ما دونهما] وهذه الحالة غير داخلة فى منطوق أحاديثنا، لكن مفهومها يفيد أنه لا
يحرم البول فيه، وإن كان الأولى اجتنابه، لأنه وإن لم ينجسه فإنه يجعل النفس تشمئز منه.
٢- وقد يكون قليلا جارياً، كماء القناة الضيفة القصيرة [والقلة باعتبار مجموع مائها من أصل
الجرى إلى منتهاه، وقيل: من محل سقوط النجاسة إلى منتهى الجرى] وهذه الحالة غير
داخلة فى منطوق أحاديثنا كذلك، ومفهومها يفيد أنه لا يحرم البول فيه، لكن المختار أنه
يحرم، لأنه يقذره وينجسه على المشهور من مذهب الشافعى وغيره.
٣- وقد يكون كثيراً راكداً، كماء البرك، والأحواض الكبيرة، وخزانات المياه، وهذه الحالة داخلة
فى منطوق أحاديثنا، ويشملها النهى عن البول فيه، وإن كان هذا الماء لا ينجس بالبول فيه،
وعلى ذلك قال بعضهم: يكره لضعف الضرر المترتب عليه، والمختار عند المحققين أنه يحرم،
لأن النهى يقتضى التحريم عند الأكثرين من أهل الأصول، وفيه من المعنى أنه يقذره، وربما
أدى إلى تنجيسه بتكرار البول فيه.
٤- وقد يكون قليلا راكداً، كماء حوض صغير، أو منخفض قليل، والجمهور على أن هذه الحالة هى
المقصودة بالأحاديث، والصواب المختار أن البول فيه حرام، لأنه ينجسه ويتلف ماليته،
ويغر غيره باستعماله.
قال العلماء: والتغوط فى الماء كالبول فيه وأقبح، وكذلك إذا بال فى إناء ثم صبه فى الماء.
قال النووى: ولم يخالف فى هذا أحد من العلماء، إلا ما حكى عن داود بن على الظاهرى من
أن النهى مختص ببول الإنسان بنفسه، وأن الغائط ليس كالبول، وكذا إذا بال فى إناء، ثم
صبه فى الماء، قال: وهذا الذى ذهب إليه خلاف إجماع العلماء، وهو أقبح ما نقل عنه فى
الجمود على الظاهراهـ
وقال العلماء كذلك: يكره البول والتغوط بقرب الماء وإن لم يصل إليه لعموم نهى النبى الا
عن البراز فى الموارد، ولما فيه من إيذاء المارين بالماء، ولما يخاف من وصوله إلى الماء، أما
إذا غلب وصوله إلى الماء، أو وصول الماء عليه فإنه يأخذ حكم البول فيه، وتطبق عليه
الأحوال الأربع السابقة.
ثانيا: وأما انغماس من لم يستنج فى الماء، ليستنجى فيه، فإن كان كثيرًا لا ينجس بوقوع النجاسة
فيه وكان جاريا كالنهر، فلا بأس، وإن كان راكدًا فالظاهر الكراهة. وأما إن كان قليلا، بحيث
٢٣٤

ينجس بوقوع النجاسة فيه فهو حرام لما فيه من تلطخه بالنجاسة وتنجيس الماء. قاله النووى
فى شرح مسلم، واللَّه أعلم.
منهم من يقول: إنه نجس، فالنهى فى ((لا يغتسل أحدكم فى الماء الدائم وهو جنب)) للتحريم،
والعلة ما يسببه هذا الاغتسال من تنجيسه.
ومنهم من يقول: إنه طاهر فى نفسه غير مطهر لغيره، فالنهى للتحريم أيضاً، والعلة ما يسببه هذا
الاغتسال من صيرورته غير صالح لتطهير غيره.
ومنهم من يقول: إنه طاهر فى نفسه مطهر لغيره، فالنهى للكراهة، والعلة ما يسببه هذا الاغتسال
من الاستقذار.
ولنعرض لهذه المذاهب وأدلتها بشىء من التفصيل.
فأبو يوسف، وأبو حنيفة فى روايتين عنه على أنه نجس، وإحدى الروايتين تقول بالنجاسة
المخففة، والأخرى بالنجاسة المغلظة.
واحتج لهما بقوله صلى الله عليه وسلم فى رواية أبى داود فى سننه («لايبولن أحدكم فى
الماء الدائم ثم يتوضأ منه، ولا يغتسل فيه من الجنابة)» قالوا: فهذا الحديث جمع بين
البول والاغتسال، والبول ينجس الماء، فكذا الاغتسال. ورد هذا الاستدلال بأن دلالة
الاقتران ضعيفة، لا يلزم اشتراك القرينين فى الحكم، فقد قال تعالى: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ
إِذَا أَتْمَرَ وَأَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] فقد قرن الأكل والإيتاء، ولم يشتركا فى
الحكم، إذ الأكل مباح، والإيتاء واجب، ثم إن هذا الحديث رواه البخارى ومسلم بلفظ
((لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم، ثم يغتسل منه))، [روايتنا الثانية] فهو نهى عن
الاغتسال فى الماء الدائم الذى حصل فيه البول، وفى روايتنا الرابعة ((لا يغتسل أحدكم
فى الماء الدائم وهو جنب)) وليس فيها الاقتران بين البول والاغتسال. فهاتان الروايتان
خلاف رواية أبى داود، وروايتهما رواية الحافظ عن أبى هريرة.
قالوا: إنه نجس لأنه أدى به فرض طهارة فكان نجساً، كالمزال به نجاسة.
ورد بأنه قياس مع الفارق لأن المزال به نجاسة إنما حكمنا بنجاسته لملاقاته محلا نجساً
فانتقلت إليه النجاسة، بخلاف الماء المستعمل، فإنه لاقى طاهراً، فمن أين تأتيه النجاسة؟
وعلل نجاسته بعضهم بأنه ماء الذنوب، فيجب إبعاده، محتجاً بما جاء فى مسلم ((إذا توضأ العبد
المسلم أو المؤمن، فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر
قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر
الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى
يخرج نقياً من الذنوب».
٢٣٥

ورد هذا الاستدلال بما ثبت فى البخارى من الأحاديث الدالة على أنهم كانوا يقتتلون على وضوء
النبى * يشربون منه، فلوكان يجب إبعاده لم يتبرك به ولم يشرب، ثم إن خروج الذنوب مع
الماء لا ينجس الماء، فلم يقل أحد إن الماء ينجس بالذنوب إلا على سبيل المجاز.
وضعف هذا الرأى بأدلة أخرى، ساقها القائلون بأنه طاهر فى نفسه، وهم الشافعية والمالكية
والحنابلة وجمهور السلف والخلف ورواية عن أبى حنيفة، من هذه الأدلة:
أنه ماء طاهر، لاقى محلا طاهراً، فكان طاهراً، كما لو غسل به ثوب طاهر.
ومنها ما قاله ابن المنذر من إجماع أهل العلم على أن البلل الباقى على أعضاء المتوضئ، وما قطر
منه على ثيابه طاهر، وقد ثبت بلا خلاف أن النبى ﴿ وأصحابه -رضى الله عنهم- كانوا
يتوضئون، ويتقاطر الماء على ثيابهم، ولا يغسلونها.
ومنها ما رواه البخارى ومسلم عن جابر رضى الله عنه قال: ((مرضت فأتانى رسول اللّه
﴿﴿ وأبو بكر ته يعودانى، فوجدانى قد أغمى على، فتوضأ النبى {ل﴾، وصب علىّ من
وضوئه)) فإن قيل: خصوصية قلنا: إن الأصل أن حكمه وحكم أمته واحد، إلى أن يقوم
دليل يقضى بالاختصاص، ولا دليل.
ومنها: أن الأصل فى الماء الطهارة، والحكم بكونه نجسا حكم شرعى يحتاج إلى دليل لا يتطرق
إليه الاحتمال، ولا دليل.
ومنها: أنه يلزمهم أن يقولوا بتحريم شربه، وهم لا يقولون به.
واختلف القائلون بطهارة الماء المستعمل، هل تجوزبه الطهارة أو لا؟
فذهب أحمد، والليث، والأوزاعى، والشافعى، ومالك فى إحدى الروايتين عنهما وأبو حنيفة فى
رواية عنه إلى أن الماء المستعمل غير مطهر، قال النووى فى أحكام فروع هذا المذهب: إن كان
قلتين فصاعداً لم يصر الماء مستعملاً، ولو اغتسل فيه جماعات فى أوقات متكررات، وأما إذا
كان دون القلتين، فإن انغمس فيه الجنب بغيرنية، ثم لما صار تحت الماء نوى ارتفعت جنابته،
وصار الماء مستعملاً، وإن نزل فيه إلى ركبتيه مثلا ثم نوى، قبل انغماس باقيه صار الماء فى
الحال مستعملاً بالنسبة إلى غيره، وارتفعت الجنابة عن ذلك القدر المنغمس، بلا خلاف،
وارتفعت أيضاً عن القدر الباقى إذا تمم انغماسه، على المذهب الصحيح، لأن الماء إنما يصير
مستعملا بالنسبة إلى المتطهر إذا انفصل عنه، أما لو انفصل، ثم عاد إليه، لم يجزئه ما يغسله به
بعد ذلك بلا خلاف، ولو انغمس رجلان تحت الماء الناقص عن قلتين، ثم نويا دفعة واحدة
ارتفعت جنابتهما، وصار الماء مستعملا، فإن نوى أحدهما قبل الآخرارتفعت جنابة الناوى،
وصار الماء مستعملاً بالنسبة إلى رفيقه، فلا ترتفع جنابته على المذهب الصحيح، وقال فى شرح
المهذب: والماء المستعمل فى رفع الحدث الأكبر لا يصلح لرفع الحدث الأصغر وبالعكس، وفى
جواز استعماله فى إزالة النجاسة خلاف، والمذهب أنه لا يجوز ولو جمع المستعمل، حتى صار
٢٣٦

قلتين فالأصح زوال حكم الاستعمال، ولو استعمل فى نفل الطهارة، كتجديد الوضوء فالصحيح أنه
ليس بمستعمل، ويجرى هذا فى جميع أنواع نفل الطهارة، كغسل الجمعة، وسائر الأغسال
المسنونة، وماء المضمضة والاستنشاق والغسلة الثانية والثالثة. واتفقوا على أن المستعمل فى
الغسلة الرابعة ليس بمستعمل، لأنها ليست بنفل. اهـ
وهذه التفريعات مبنية على القول بأن الماء المستعمل غير مطهر، وقد استدل أصحاب هذا القول
بأن النهى عن الاغتسال فى الماء الدائم يخرجه عن كونه أهلا للتطهير، لأن النهى ههنا عن مجرد
الغسل، فدل على وقوع المفسدة بمجرده، والوضوء كالغسل فى هذا الحكم لأن المقصود التنزه عن
التقرب إلى الله بالمتقذرات.
وأجيب عن هذا الاستدلال بأن علة النهى ليست صيرورته مستعملا، بل صيرورته خبيثاً بتوارد
الاستعمال، فيستقذر. ولو سلم فالدليل أخص من الدعوى، لأنه فى المستعمل فى الجنابة،
والدعوى كل مستعمل.
كما استدلوا بما رواه أبو داود والترمذى والنسائى أن النبى وال₪ ((نهى أن يتوضأ الرجل بفضل
طهور المرأة)» ووجه الاستدلال أن المراد بفضل طهورها ما سقط عن أعضائها، لأن الباقى فى
الإناء مطهر باتفاق المنازعين.
ورد هذا الاستدلال بأن الدليل أخص من الدعوى، لأن الدعوى خروج كل مستعمل عن الطهورية،
لاخصوص المستعمل فى طهارة المرأة، على أن الحديث المذكور فيه مقال، وهو معارض بما
أخرجه مسلم وأحمد من حديث ابن عباس ((أن رسول اللَّه ◌َ﴿ كان يغتسل بفضل ميمونة)) وبما
أخرجه أحمد وأبو داود والنسائى والترمذى بلفظ «اغتسل بعض أزواج النبي * فى جفنة، فجاء
النبى * ليتوضأ منها، أو يغتسل، فقالت له: يا رسول الله، إنى كنت جنباً. فقال: إن الماء لا
يجنب)) وطريق رفع المعارضة حمل النهى عن أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة على التنزيه.
كما استدلوا بأن السلف اختلفوا فيمن وجد من الماء بعض ما يكفيه لطهارته، هل يستعمله، ثم
يتيمم للباقى، أم يتيمم ويتركه؟ ولم يقل أحد: يستعمله، ثم يجمعه، ثم يستعمله فى بقية الأعضاء،
ولو كان مطهراً لقالوه.
قال النووى: وأقرب شىء يحتج به أن النبى ﴿ وأصحابه - رضى الله عنهم - احتاجوا فى
مواطن فى أسفارهم الكثيرة إلى الماء، ولم يجمعوا المستعمل لاستعماله مرة أخرى.
فإن قيل: تركوا الجمع، لأنه لا يتجمع منه شىء. فالجواب أن هذا لا يسلم ولو سلم فى الوضوء لم
يسلم فى الغسل.
فإن قيل: لا يلزم من عدم جمعه منع الطهارة به، ولهذا لم يجمعوه للشرب والطبخ والعجن والتبرد
ونحوها مع جوازها به بالاتفاق، فالجواب أن ترك جمعه للشرب، ونحوه للاستقذار. فإن النفوس
تعافه فى العادة وإن كان طاهراً، كما استقذر النبى # الضب وتركه، فقيل: أحرام هو قال: ((لا
ولكنى أعافه )». اهـ
٢٣٧

ورد هذا الاحتجاج بتكميل السلف للطهارة بالتيمم، لا بما تساقط، وعدم استعمال السلف للماء
المستعمل، رد بأنه لا يكون حجة إلا بعد تصحيح النقل عن جميعهم، ولا سبيل إلى ذلك، لأن
القائلين بطهورية المستعمل كتير منهم كالحسن البصرى، والنخعى ومالك، والشافعى، وأبى
حنيفة فى إحدى الروايات عن ثلاثتهم، ونسبه ابن حزم إلى عطاء وسفيان الثورى وأبى ثور
وجميع أهل الظاهر.
كما رد بأن سبب الترك - بعد تسليم صحته عن السلف- هو الاستقذار وليس زوال الطهورية، وهذا
القول هو الذى تستريح إليه النفس، فقد روى عن النبى * أنه توضأ، فمسح رأسه بفضل ماء فى
يده، وفى حديث آخر ((مسح رأسه ببل لحيته)) ولأنه ماء طاهر مطهر، لاقى طاهراً، فبقى مطهراً،
كما لو غسل به ثوب طاهر، ولأن ما أدى به الفرض مرة لا يمتنع أن يؤدى به ثانياً، كما يجوز
للجماعة أن يتيمموا من موضع واحد وبتراب واحد، وكما يصلى فى الثوب الواحد مراراً، ويؤدى
بالوضوء الواحد فرائض متعددة، ولأنه لولم تجز الطهارة بالمستعمل لامتنعت الطهارة أصلا، لأنه
بمجرد حصول الماء على العضو يصير مستعملا، فإذا سال على باقى العضو ينبغى أن
لا يرفع الحدث.
لكن المنازعين يقولون برفعه، ويوقفون عدم طهوريته على الانفصال، والانفصال لايصلح
أساسًا لسلب الطهورية. ثم إن طهورية الماء بالكتاب والسنة والإجماع، فلا يخرجه
عنها إلا دليل صحيح صريح، وما ذكر من الأدلة على أنه غير طهور، ليست صالحة
للاحتجاج بحكم الردود التى ذكرناها عليها.
ومع ذلك يكره اغتسال الجنب فى الماء القليل الراكد، لما يترتب عليه من القذارة. قال النووى فى
شرح مسلم: قال العلماء من أصحابنا وغيرهم: يكره الاغتسال فى الماء الراكد، قليلا كان أو كثيراً،
وكذا يكره الاغتسال فى العين الجارية. قال الشافعى - رحمه الله تعالى - فى البويطى: أكره
للجنب أن يغتسل فى البئر، معينة كانت أو دائمة، وفى الماء الراكد الذى لا يجرى. قال الشافعى:
وسواء قليل الراكد وكثيره أكره الاغتسال فيه. هذا نصه، وكذا صرح أصحابنا وغيرهم بمعناه، وهذا
كله على كراهة التنزيه، لا التحريم. اهـ
والله أعلم
٢٣٨

(١٢٦) باب إزالة النجاسات إذا حصلت فى المسجد
٥٠٨- ٩٧ عَنْ أَنَسٍ ﴾(٩٧) أَنْ أَغْرَايَّا بَالَ فى الْمَسْجِدِ. فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْقَوْمِ. فَقَالَ
رَسُولُ اللّهِم ◌ْ﴾ «دَعُوهُ وَلا تُرْرِمُوهُ» قَالَ فَلَمَّا فَرَغَ دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ، فَصَبَّهُ عَلَيْهِ.
٥٠٩- ٩٨ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ(٩٨) أَنَّ أَغْرَابِيًّا قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ فى الْمَسْجِدِ. قَبَالَ فِيهَا. فَصَاحٌ
بِهِ النَّاسُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ه «دَعُوهُ» فَلَمَّا فَرَغَ أَمَرَ رَسُولُ : ﴿ِ بِذْنُوبٍ فَصُبَّ عَلَى بَوْلِهِ.
٥١٠- ٩٩ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(٩٩) قَالَ: بَيْثَمَا نَحْنُ فى الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ إِذْ
جَاءَ أَغْرَابِيٌّ. فَقَامَ يَبُولُ فِى الْمَسْجِدِ. فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِوَ ﴿ِ: مَهْ مَةْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِوَ﴿: «لا تُزْرِمُوهُ. دَعُوهُ)» فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ. ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِلِ﴿ِ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ «إِنَّ
هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبُوْلِ وَلا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَّ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ،
وَالصَّلاةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ»، أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ. قَالَ فَأَمَرَ رَجُلًا مِنَ الْقَوْمِ، فَجَاءَ
بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ، فَشَنَّهُ عَلَيْهِ.
المعنى العام
انتشر الإسلام فى البدو والحضر، وسطح نوره فى المدينة وشعاب الصحارى، وغزا شغاف القلوب
الهيئة واللينة، والقلوب القاسية الجافية، كان الأعراب خلف أغنامهم يسمعون به فيؤمنون، وتبلغهم
دعوته فيستجيبون، ثم ينتهزون فرصة قريهم من المدينة فينزلون إليها، ويقصدون مسجدها، لينعموا
برؤية رسول الإسلام®. ولتطمئن قلوبهم بمشافهة الحق، وسماع الوحى من نبيهم صلى اللّه عليه
وسلم، ومن هؤلاء الأعراب الجفاة ذو الخويصرة اليمانى، دخل المسجد النبوى ورسول اللّه * يحدث
أصحابه، فسلم، ثم صلى، ثم قال بصوته الجهورى: اللهم ارحمنى ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، فقال له
النبى : لقد تحجرت واسعاً، لقد ضيقت ساحة رحمة اللَّه التى وسعت كل شىء، بل قل: اللهم
ارحمنى ومحمدًا والمسلمين والمسلمات وجميع عبادك يا كريم.
(٩٧) وحُدَّثْنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدْثَنَا حَمَّدٌ وَهُوَّ ابْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ
(٩٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطْاُ عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدِ الأَنْصَارِيِّ حِ وَحَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ يُحْبَى وَقُتِبَةُ بْنُ
سَعِيدٍ جَمِيعًا عَنِ الدَّرَاوَزْدِيِّ قَالَ يَحْثَى بْنُ يَحْتَى أَخْبُرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ عَنْ يَحْتَى ابْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ
مَالِكٍ يَذْكُرُ
(٩٩) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثْنَا عُمَّرُ بْنُ يُونُسَ الْحَفِيُّ حَدَّثْنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ حَدْقَنَا إِسْحَقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةً حَدََّتِي أَنَسُ بْنُ
مَالِكٍ وَهُوَ عَمُّ إِسْحَقَ
٢٣٩

ثم قام ذو الخويصرة، فانتحى ناحية من المسجد، والتجأ إلى زاوية من زواياه، ثم وقف يبول، ورآه
الصحابة فثارت ثائرتهم، وصاحوا به. مه. مه. اكفف. اكفف. به. به. توقف. توقف، وثاروا عليه،
واتجهوا نحوه يزجرونه، فناداهم رسول اللّه { *: تعالوا. تعالوا. دعوه دعوه. لا تزرموه ولا تقطعوا عليه
بوله. دعوه فليكمل بوله. قالوا: يارسول اللَّه. إنها الكبيرة. قال: إنما هو جاهل بالحكم، إنه لا يقصد
إساءة المسجد، إنه لايعرف النجاسة، إنه يظن المكان الذى هو فيه كبقية أماكن الصحراء إن هو
بعد عن الناس تبول كيف شاء. وقد بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين، يسروا ولا تعسروا، وتحملوا
أخف الضررين، تنجس المكان وانتهى الأمر، وقطع بوله سيحدث به تضرراً، وسيلوث بدنه وثوبه
وأماكن أخرى من المسجد، قالوا: فما العمل يا رسول الله؟ قال ائتونى بدلو كبير مملوء ماء، فجاءوا
به فقال: صبوه على مكان بوله شيئاً فشيئاً، تطهر الأرض. ففعلوا. ثم دعا الرجل، ويمنتهى الرفق
واللين قال له: إن هذه المساجد لا يليق بها البول والقدر، وقد خصصت لذكر الله والصلاة وقراءة
القرآن: قال: أحسنت يا رسول الله. وجزاك الله خيراً بأبي أنت وأمي. لن أعود لمثلها.
المباحث العربية
( أن أعرابياً بال فى المسجد ) الأعرابى واحد الأعراب، وهم من سكن البادية، عربا كانوا أو
عجما، فالأعرابى مقابل الحضرى، والعربى مقابل العجمى، قيل: إن الأعرابى المذكور هو ذو
الخويصرة اليمانى، وقيل: إنه الأقرع بن حابس، ولعل فى عدم ذكر اسمه تستراً عليه، وفى وصفه
بالأعرابى اعتذاراً عن فعله، و(أل)) فى ((المسجد)) للعهد، والمراد المسجد النبوى، وفى الكلام مضاف
محذوف، أى بال فى ناحية المسجد وزاوية من زواياه، ففى الرواية الثانية ((فقام إلى ناحية فى
المسجد)) وفى رواية للبخارى ((فبال فى طائفة المسجد)).
( فقام إليه بعض القوم ) فى هذه الرواية حذف، أى فقام إليه بعض القوم يلومونه ففى
الرواية الثانية ((فصاح به الناس)) وفى الثالثة ((فقالوا: مه. مه)) وفى رواية للبخارى ((فتناوله الناس))
أى بالزجر واللوم. وفى أخرى للبخارى ((فزجره الناس)) ولالبخارى فى الأدب ((فثار إليه الناس)) أى
بألسنتهم، لا بأيديهم.
(دعوه ولا تزرموه) بضم التاء وسكون الزاى وكسر الراء، أى لا تقطعوا عليه بوله، يقال: أزرم
الدم والدمع إذا انقطعا، وأزرمته أى قطعته.
(دعا بدلو من ماء ) ((الدلو)) يذكر ويؤنث، واستعمل مذكراً وفى رواية لابن ماجه ((بسجل من
ماء)) و(السجل)) بفتح السين وسكون الجيم الدلو العظيمة.
( فصب عليه ) الصب السكب، وفاعل الصب يعود على الرسول ، لكن لا باعتباره باشر
الصب، بل باعتباره الآمر به، وضمير ((عليه)» يعود على البول على أرض المسجد، المفهوم من المقام،
٢٤٠