Indexed OCR Text
Pages 181-200
لَكَ، فَلا تَقْعُدْ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَلا بَيْتِ الْمَفْدِسِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَلَقَدْ رَقِيتُ عَلَى ظَهْرٍ بَيْتٍ. فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ،﴿ قَاعِدًا عَلَى لَبِنْتَيْنِ مُسْتَقْبِلا بَيْتَ الْمَقْدِسِ، لِحَاجَتِهِ. ٤٦٧ - ٦١ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضى اللَّه عنهما (٦١)؛ قَالَ: رَقِيتُ عَلَى بَيْتِ أُخْتِي حَفْصَةَ. فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَاعِدًا لِحَاجَتِهِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ، مُسْتَدْبِرَ الْقِيْلَةِ. ٤٦٨ - ٦٢ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةً(٦٢) عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ « لا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ. وَلا يَتَمَسَّحْ مِنَ الْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ. وَلا يَتَفْسْ فِي الإِنَاءِ». ٤٦٩- ٦٣ْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَادَةً(٦٣) عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ فَلا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ». ٤٧٠- ٦٤ عَنْ أَبِي قَادَةَ عَ﴾ (٦٤) أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ نَهَى أَنْ يَتْنَفْسَ فِي الإِنَاءِ. وَأَنْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ ◌ِيَمِينِهِ. وَأَنْ يَسْتَطِيبَ بِيَمِينِهِ. ٤٧١- ٦٥ عَنْ عَائِشَةَ رضى اللَّه عنها(٦٥) قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِلَ لَيُحِبُّ الْتَّمُّنَ فِي ◌ُهُورِهِ إِذَا تَطَهَّرَ. وَفِي تَرَجُلِهِ إِذَا تَرَجَّلَ. وَفِي الْتِعَالِهِ إِذَا انْتَعَلَ. ٤٧٢- ٦َدْ عَنْ عَائِشَةَ رضى اللّه عنها(٦٦) قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ،﴿ يُحِبُّ الَِّمُّنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ. فِي نَعْلَيْهِ، وَتَرَجُلِهِ، وَظُهُورِهِ. ٤٧٣- ٦٧ّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَّ ◌َ﴾ (٢٧) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ « الْقُوا اللُّعَّانَيْنِ» قَالُوا: وَمَا اللَّعََّنَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلّهِمْ». ٤٧٤- ٦٨ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِّ ◌َ﴾(٢٨) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ّ دَخَلَ حَائِطًا. وَتَبِعَهُ غُلامٌ مَعَهُ (٦١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ حَدََّنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَّرَ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ يَحْتِى بْنِ حَبَّاكُ عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ عَنِ ابْنِ عُمْرَ (٦٢) حَدَّثَنَا يَّحْتِى بْنُ يَحْتِىَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ يَحْتِى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ آَبِي قَتَادَةً (٦٣) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامِ الدَّسْتَوَائِيِّ عَنْ يُّحْتِى بْنِ أَبِي كَثِيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَادَةً (٦٤) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَا الثّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عُنْ يَحْتَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةً (٦٥) وحَدََّا يَحْتَّى بْنُ يَحْتِى التّمِيمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُوِ الأَخْوَصِ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوَقَ عَنْ عَائِشَةً (٦٦) وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَشْعَثِ عَنْ أَبِيهَ عَنْ مَسْرُوقِ عُنْ عَائِشَةً (٦٧) حَدَّثَنَا يَخْتَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتِبَةُ وَابْنَ حُجْرٍ جَمِيعًا عَنْ إِسْمَعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ حَدَّقْنَا إِسْمَعِيلُ أَخْبَرَنِي الْعَلاءُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٌ (٦٨) حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَحْتِى أَخْبُرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةً عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ١٨١ مِيضَأَةٌ. هُوَ أَصْغَرُنَا. فَوَضَعَهَا عِنْدَ سِدْرَةٍ. فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﴿ّ حَاجَتَهُ. فَخَرَجَ عَلَيْنَا وَقَدٍ اسْتَنْجَى بِلْمَاءِ. ٤٧٥- ٦٩ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَ﴾(١٩) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ. فَأَحْمِلُ أَنّا، وَغُلامٌ نَحْوِي، إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ. وَعَتَزَةٌ. فَيَسْتَنْجِي بِلْمَاءِ. ٤٧٦- ٧٢ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ضَّ(٧٠) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ يَتْبَرَّزُ لِحَاجَتِهِ. فَآَتِيهِ بِالْمَاءِ. فَغَسَّلُ بِهِ. ٤٧٧- ٧٧, عَنْ هَمَّامٍ (٧١) قَالَ بَالَ جَرِيرٌ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفْيْهِ فَقِيلَ تَفْعَلُ هَذَا؟ فَقَالَ نَعَمْ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفِّيْهِ. قَالَ الْأَعْمَشُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ كَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ لأَنَّ إِسْلامَ جَرِيرٍ كَانٌ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ. ٤٧٨- ٢٠ْ عَنِ الأَعْمَشِ(١٠) فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ عِيسَى وَسُفْيَانَ قَالَ «فَكَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ لأَنَّ إِسْلامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ» ٤٧٩- ٧٢ عَنْ حُذَيْفَةَ رَ(٧٢) قَالَ: كُنْتُ مَعَ النّبِيَِّ﴿ِ. فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَةٍ قَوْمٍ. قَبَالَ قَائِمًا. فَتَحَّيْتُ. فَقَالَ « اذُنُهْ» فَدَنَوْتُ حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ. فَتَوَضَّأَ، فَمَسَحَ عَلَى خُفْيْهِ. ٤٨٠ - ٧٣ عَنْ أَبِي وَائِيلٍ (٧٣) قَالَ: كَانُ أَبُو مُوسَى يُشَدِّدُ فِي الْبُوْلِ. وَيَبُولُ فِي قَارُورَةٍ وَيَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ جِلْدَ أَحَدِهِمْ بَوْلٌ قَرَضَهُ بِالْمَقَارِيضِ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: (٦٩) وحَدْقَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّْنَا وَكِيعٌ وَغُنْدَرْ عَنْ شُعْبَةَ حٍ وَحَدْثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَاللّفْظُ لَهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدْثَنَا شُعْبَةُ عَنْ تَطَاءِ بَنٍ أَبِي مَيْمُونَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَقُولُ: (٧٠) وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَاللَّفْظُ لِزَّهَيْرٍ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ حَدَّثَنِي رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ عَطّاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ (٧١) حَدَّثَنَا يَخْتَّى بْنُ يَحْتِى الْتِّمِيمِيُّ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَأَبُو كُرَيْبٍ جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ حٍ وَحَدَّقْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدًَّا أَبُو مُعَاوِيَةً وَوَكِيعٌ وَاللَّفْظُ لِيُحْتِى قَالَ أَخْبُوَنَا أَبُوِ مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامٍ (١٠) وحَدَّهِ إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْوَمٍ قَالا أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُّونُسَّ ح وحَدَّثْنَاهُ مُحِّمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ حَدَّنَا سُفْيَاكُ ح وحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنَ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ (٧٢) حَدَّثْنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتَى التَّمِيْمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُوٍ خَيْفَمَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنَ شَقِيقٍ عَنَّ حُذَيْفَةً (٧٣) حَذََّنَا يَحِْى بْنُ يَحْتَى أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ ١٨٢ لَوَدِدْتُ أَنَّ صَاحِبُكُمْ لا يُشَدِّدُ. هَذَا التّشْدِيدَ فَلَقَدْ رَأَيُنِي أَنَا وَرَسُولُ اللّهِ﴿ نَتَمَاشَى. فَأَتَّى سُبَاطَةٌ خَلْفَ حَائِطٍ. فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ. قَالَ. فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ. فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُ. فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِهِ حَتِى فَرَغَ. المعنى العام كان العرب فى جاهليتهم تغلب عليهم البداوة، وتتسم حياتهم بالانسياب مع الطبيعة والبساطة، يتبرز الراعى منهم خلف غنمه أو بقره أو إبله، والزارع فى مزرعته، ولا يخرج من بالبلدة إلى الخلاء وتخرج النساء لحاجتها ليلا إلى الصحراء، ويتلمس الماشى فى شوارعها خرابة أو مزبلة، يقضى فيها بوله، وفى جميع هذه الحالات لا يكادون يعرفون الاستنجاء بالماء، لعدم وجوده تارة ولصعوبة حمله تارة أخرى. وجاء الإسلام، دين النظافة، دين الاجتماع، دين الشعور المرهف، دين الإنسانية والحياء، لم يشأ أن يطلب إليهم بناء الكنف والمراحيض، لأنهم لم يألفوا الرائحة الكريهة فى بيوتهم التى لم تكن تضم غالباً إلا حجرة واحدة، فشرع آداب قضاء الحاجة بقطع النظر عن مكانها، وعجب الكفار من محمد * وما جاء به الإسلام، فقال قائلهم لسلمان الفارسى مستهزئاً ((علمكم نبيكم كل شىء حتى أمور الخراءة؟ )) ولم يعبأ سلمان بسخريته بل أجاب بكل فخر واعتزاز: نعم. علمنا كل شىء، حتى ماينبغى أن نكون عليه عند قضاء الحاجة علمنا احترام القبلة وتقديسها، وتنزيهها عن أن نستقبلها أو نستدبرها ببول أو غائط، وعلمنا أن نحافظ على نظافة يميننا لطعامنا وشرابنا، وأن نجعل الشمال لاستنجائنا، ودعانا إلى النظافة والتخلص من آثار فضلاتنا، وأن نتتبع كلا من مخرج البول والغائط بثلاثة أحجار على الأقل، بل علمنا أن لا نستخدم فى هذا الإنقاء العظم والروث والبعر وكل رجيع. ورغم المشقة فى تنفيذ هذه التعليمات بحكم البيئة، فقد حافظ عليها المسلمون وحرصوا على القيام بها بكل عناية، حتى يوم أن قدموا الشام واضطروا إلى قضاء الحاجة بالمراحيض، ووجدوها فى بنائها مستقبلات للقبلة أو مستدبرات، كان الواحد منهم ينحرف عند الجلوس عن الاستقبال والاستدبار، حتى إذا فرغ استغفر الله مما عساه يكون قد قصر فيه. ورأى بعض الغيورين على سماحة الإسلام أن فى هذا تشدداً لا يقصده الدين فى تشريعاته فدعا إلى التيسير، وبين أن النهى عن استقبال القبلة أو استدبارها ليس على سبيل الحرمة والإلزام، بل على سبيل التنزيه وعدم قصد الإهانة والتحقير، وعلى رأس هؤلاء الميسرين كان عبد الله بن عمر الذى حكى أنه صعد يوماً بيت أخته حفصة، فرأى رسول اللّه * قد أقام حائطاً قصيراً من الطوب، وأعد حفرة لبوله وغائطه هو ونساؤه ليحجبهن عن الصحراء، ووجده وقد جلس يقضى حاجته على لبنتين وقد استدبر القبلة. ولم يقف رسول اللّه * عند ما ذكرنا من آداب قضاء الحاجة، بل نهى عن مس الذكر باليمين، وعن الاستنجاء باليمين، وعن البول قائما، وعن البول فى الماء الراكد، وعن البول فى طريق الناس، أو فى ظلهم، وحث على الاستنجاء بالماء، وعلى التستر عند قضاء الحاجة، والابتعاد عن أعين الناس، ١٨٣ وحذر من التساهل فى البول وآثاره، وشدد على التنزه منه، وبين أنه من أسباب عذاب القبر، لأن التساهل فيه يؤدى إلى نجاسة الثوب والبدن، فلا تصح معها الصلاة كما نهى فى أحاديث كثيرة عن خروج الرجلين معا إلى الخلاء، وعن خروج المرأتين كذلك يكلم بعضهما بعضا على البول والغائط، وعن الأكل والشرب أو الكلام أو الذكر أثناء قضاء الحاجة، ونهى عن إدخال المصحف وكتب العلم إلى مكان قضاء الحاجة، وسن ذكرًا خاصًا عند الدخول، وآخر عند الخروج، اعترافًا بنعمة الله وشكرًا له جل شأنه على آلائه، وعلى الفضل الذى لا يحس به إلا من فقده أو أصيب فيه. وهكذا نجد الإسلام فى صورته المشرقة، وآدابه الراقية، التى تصل بالإنسانية إلى أعلى الدرجات فى المجتمعات الحضارية، وإلى أسمى معالم الإحساس والحياء. المباحث العربية (عن سلمان قال: قيل له) هو سلمان الفارسى ه، وكان الأصل أن يقول: قيل لى، لكنه جرد من نفسه شخصًا حكى عنه، والقائل له أحد المشركين، كما سيأتى فى الرواية الثانية. ( قد علمكم نبيكم كل شىء حتى الخراءة ) قصد بهذا القول السخرية والاستهزاء وعدم الاستحياء، وكان من حق سلمان أن يهدد أو يؤنب أو يسكت عن جوابه إهمالا له، لكنه تجاهل قصده، ورد سهمه فى نحره، وأنزله منزلة المسترشد على طريقة الأسلوب الحكيم، كأنه يقول له: إن موقف السخرية والاستهزاء لا يليق بالعقلاء، وإنه كان الأجدر بك أن تسأل على سبيل الجد والاستفهام، لأجيبك بأجل، و((حتى)) حرف عطف لإفادة الغاية و((الخراءة)) بكسر الخاء وتخفيف الراء اسم لهيئة الحدث، أى فعل التغوط معطوف على ((كل شىء))، وأما ما يخرج من الدبر فهو بحذف التاء مع المد وفتح الخاء وكسرها. ( قال: فقال: أجل) أى قال سلمان: فقال سلمان: أجل، وكان الأصل: قال: فقلت: أجل، أى نعم. علمنا كل شىء نحتاج إليه فى ديننا، حتى الخراءة التى ذكرتها أيها المستهزئ، فإنه علمنا آدابها. و((أجل)» بتخفيف اللام مثل ((نعم)) حرف جواب. قال الأخفش: هى أحسن من نعم فى الخبر، و((نعم)) أحسن منها فى الاستفهام، وهما معا حرفا تصديق فى الثبوت والنفى. ( لقد نهانا أن نستقبل القبلة ) اللام فى جواب قسم محذوف، لتأكيد الجملة لمناسبة إنكار السائل، و((أن)) وما دخلت عليه فى تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف أى نهانا عن استقبال القبلة، و((أل)) فى القبلة للعهد، والمراد بها الكعبة. ( لغائط أوبول ) قال النووى: كذا ضبطه فى مسلم ((لغائط)) باللام، وروى فى غيره ((بغائط)» كما روى ((بالغائط)» بالباء واللام. والغائط كناية عن إخراج الفضلات من الدبر، وهو فى الأصل المنخفض من الأرض فى الفضاء، ومنه قيل لموضع قضاء الحاجة، لأنهم كانوا يقصدونه للتستر فيه، وعدم التعرض لكشف الثياب بفعل الريح. ثم اتسع فيه، حتى صار يطلق على الخارج المعروف من دبر الآدمى. ١٨٤ ( وأن نستنجى باليمين ) المصدر مجرور بحرف جر محذوف، معطوف على المصدر قبله، مسلط عليه النهى أيضاً. أى ونهانا عن الاستنجاء باليد اليمنى، والاستنجاء إزالة الأذى عن المحل بالماء، مأخوذ من نجوت العود إذا قشرته، لأن فيه تقشير النجاسة وتنحيتها كما تنحى القشرة عن العود. ( أو أن نستنجى برجيع أو عظم ) الرجيع هو الروث والعذرة، ونبه به على كل نجس فإنه يزيد المحل نجاسة. ( قال لنا المشركون: إنى أرى صاحبكم يعلمكم) قال النووى: هكذا هو فى الأصل. وهو صحيح، وتقديره: قال لنا قائل المشركين. أو أنه أراد واحداً من المشركين، وجمعه لكون باقيهم يوافقونه. اهـ ومفعول ((يعلمكم)) الثانى محذوف، تقديره: يعلمكم كل شىء، كما جاء فى الرواية الأولى. وجملة ((يعلمكم)) فى محل المفعول الثانى لأرى على أنها علمية، والتقدير: إنى أرى صاحبكم معلمًا إياكم كل شىء. ( أو يستقبل القبلة ) فى الكلام حذف مفهوم من المقام، أى نهانا عن أن يستقبل أحدنا القبلة عند قضاء الحاجة. ( ونهى عن الروث والعظام ) فى الكلام مضاف محذوف أى نهى عن استعمال الروث والعظام فى الاستجمار. (وقال: لا يستنجى أحدكم بدون ثلاثة أحجار) ((لا)) نافية، والفعل ((يستنجى)) مرفوع، والنفى أبلغ من النهى، إذ يصور أن الفعل امتثل، وأصبح يخبر عنه. ( نهى أن يتمسح بعظم أو ببعر) ((البعر)) بسكون العين وفتحها، وهو رجيع ذى الخف والظلف، واحدته بعرة، أما ((الروث)) فقد قال التيمى: إنما تكون للخيل والبغال والحمير، فالرجيع أعم من الروث والبعر. (إذا أتيتم الغائط ) ((أتيتم)) من الإتيان، وهو المجىء، والظاهر أن المراد من ((الغائط)) المعنى الأصلى، أى المكان المنخفض المقصود بقضاء الحاجة. ( ولا تستدبروها ببول ولا غائط ) فى الكلام مضاف محذوف، أى لا تستدبروها بإنزال بول ولا بإنزال غائط، والمراد من الغائط هنا الفضلة الخارجة. ( ولكن شرقوا أو غريوا ) أى اتجهوا ناحية المشرق، أو ناحية المغرب والخطاب لأهل المدينة، وقبلتهم فى الجنوب، فلواتجهوا جنوباً استقبلوا القبلة ولواتجهوا شمالا استدبروها، ويلحق بهم من كانت قبلتهم على ذلك السمت أما من كانت قبلتهم إلى جهة المشرق أو المغرب، فإنهم لايشرقون ولا يغربون بل يتيامنون أو يتشاءمون. ١٨٥ ( فوجدنا مراحض ) جمع مرحاض، وهو البيت المتخذ لقضاء الحاجة، ويقال له: الكنيف والخلاء، والمرفق، والحش مثلثة الحاء، لأنهم كانوا يقضون حاجاتهم فى البساتين. ( قد بنيت قبل القبلة ) أى يكون الجالس فيها متجهاً نحو القبلة. ( فننحرف عنها ) أى فكنا ننحرف ونميل عن جهة القبلة قدر استطاعتنا. ( ونستغفر الله) من اتجاهنا هذا الذى اضطررنا إليه، أو نستغفر اللَّه للبانين الذين أخطئوا فى وضع هذا البناء. ( قال: نعم ) أى قال سفيان ليحيى بن يحيى، ردا على سؤاله: نعم سمعت الزهرى يذكر عن عطاء عن أبى أيوب هذا الحديث. ( إذا جلس أحدكم على حاجته ) ذكر الجلوس لكونه الغالب، وإلا فحكم القيام كذلك، وقوله: ((على حاجته)) كناية عن التبرز وإخراج الفضلات. ( كنت أصلى فى المسجد) أل فى ((المسجد)) للعهد، والمراد المسجد النبوى بالمدينة. ( انصرفت إليه فى شقى ) بكسر الشين والقاف المشددة. (ولقد رقيت على ظهربيت ) ((رقيت)) بكسر القاف هى اللغة الفصيحة وحكى فيها فتح القاف، مع الياء أو مع الهمزة، والمعنى صعدت، والمراد من البيت بيت أخته حفصة كما جاء فى الرواية التالية. ( قاعدا على لبنتين ) مثنى ((لبنة)) بفتح اللام وكسر الباء، ويجوز إسكان الباء مع فتح اللام وكسرها، وهى ما يصنع من الطين للبناء، قبل أن يحرق. ( ولا يتمسح من الخلاء بيمينه) أصل ((الخلاء)) بفتح الخاء الموضع الخالى وسمى به موضع الحاجة لأنهم كانوا يقصدونه عندها، والمراد من الخلاء هنا - كما يقول النووى - الغائط وليس التقييد بالخلاء للاحتراز عن البول، بل هما سواء. اهـ والمراد من التمسح المسح، وصيغة التفعل للتكلف، أى لا يتكلف المسح باليمين، أى لا یستنجی باليمين. ( إذا دخل أحدكم الخلاء ) المراد من الخلاء هذا موضع قضاء الحاجة. ( فلا يمس ذكره بيمينه ) يقال: مسست الشىء بالكسر، أمس مساء هذه اللغة الفصيحة، وحكى أبو عبيدة: مسسته بالفتح، أمسه بالضم. ( وأن يستطيب بيمينه ) فى القاموس: واستطاب استنجى كأطاب. اهـ (إن كان رسول اللَّه ◌َ﴿ ليحب التيمن) ((إن)) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن والحال، والمراد بالتيمن البدء باليمين. ١٨٦ (وفى ترجله إذا ترجل ) أى ترجيل شعره، وهو تسريحه ودهنه، قال فى المشارق: رجل شعره، إذا مشطه بماء أو دهن ليلين. اهـ ( يحب التيمن .. فى نعليه ) أى هيئة تنعله ولبسه نعليه. ( اتقوا اللعانين ) قال النووى: كذا وقع فى مسلم، ووقع فى رواية أبى داود ((اتقوا اللاعنين)) والروايتان صحيحتان، قال الخطابي: المراد باللاعنين الأمران الجالبان للعن الحاملان الناس عليه، والداعيان إليه، وذلك أن من فعلهما شُتِمِ ولُعِن، يعنى عادة الناس لعنه، فلما صارا سببا لذلك أضيف اللعن إليهما: قال: وقد يكون اللاعن بمعنى الملعون، والمَلاَعِن مواضع اللعن.اهـ قال النووى: فعلى هذا يكون التقدير: اتقوا الأمرين الملعون فاعلهما، وهذا على رواية أبى داود، وأما على رواية مسلم فمعناها - والله أعلم - اتقوا فعل اللعانين، أى صاحبى اللعن، وهما اللذان يلعنهما الناس فى العادة. اهـ وعندى أن رواية مسلم بمعنى رواية أبى داود، غاية الأمر أن رواية أبى داود على صيغة اسم الفاعل، ورواية مسلم على صيغة المبالغة وهى بمعنى اسم الفاعل مع إرادة الكثرة، وما قيل فى توجيه رواية أبى داود يقال فى توجيه رواية مسلم، والله أعلم. ( دخل حائطا ) أى بستانا. ( وتبعه غلام ) قال الخليل: الغلام هو الذى طرشاريه، وقال الزمخشرى: هو الصغير إلى حد الالتحاء، فإن أجرى عليه بعد ما صار ملتحيا اسم الغلام فهو مجاز. قالت ليلى الأخيلية فى الحجاج: غلام إذا هز القناة تباهيا والمراد من الغلام هنا في الحديث أبو هريرة، وقيل: ابن مسعود، وقيل: جابر. ( معه ميضأة ) بكسر الميم، وهى الإناء الذى يتوضأ به، كالإبريق. ( هو أصغرنا) قيل فى السن، وقيل فى الوصف والحال، لقرب العهد بالإسلام، والأول هو الظاهر. ( فوضعها عند سدرة ) أى فوضع الميضأة عند شجرة نبق. ( فأحمل أنا وغلام نحوى ) أى مقارب لى فى السن. ( إداوة من ماء ) الإداوة بكسر الهمزة إناء صغير من جلد، وقوله ((من ماء)» أى مملوءة من ماء. (وعنزة) بفتح العين والنون والزاى، وهى عصا طويلة، فى أسفلها زج أى سنان، ويقال رمح قصير. (كان رسول اللَّه لا يتبرز لحاجته) ((يتبرز)) يأتى البراز بفتح الباء، وهو المكان الواسع الظاهر من الأرض ليخلو لحاجته، ويتستر، ويبعد عن أعين الناظرين. قاله النووى. وقال الحافظ ابن ١٨٧ حجر: والبراز موجه لأن يطلق بكسر الباء على نفس الخارج، فمن فتح أراد الفضاء، فإن أطلقه على الخارج فهو من إطلاق اسم المحل على الحال، كما تقدم مثله فى الغائط، ومن كسر أراد نفس الخارج. اهـ ( فيغتسل به ) معناه: فيستنجى به، ويغسل محل الاستنجاء. ( فقيل: تفعل هذا)؟ الكلام على تقدير حرف الاستفهام والمشار إليه المسح على الخفين، بدل غسل الرجلين، وسيأتى الموضوع فى الباب التالى. (فانتهى إلى سباطة قوم) ((السباطة)) بضم السين وتخفيف الباء، وهى ملقى القمامة والتراب والكناسة، وهى المزبلة، تكون بفناء الدور مرفقاً لأهلها، كما تكون خارجها بجوار جدارها. والثانى هو المراد هنا، وتكون فى الغالب سهلة لا يرتد فيها البول على البائل. ( فتنحيت. فقال: أدنه) أى ابتعدت. والهاء فى ((أدنه)) للسكت. ( كان أبوموسى يشدد فى البول ) أى يشدد فى التحذير من رشاش البول، ويشدد فى كيفية التبول. ( ويبول فى قارورة ) زيادة فى التشدد والحذر. ( إن بنى إسرائيل كان إذا أصاب جلد أحدهم بول قرضه بالمقاريض ) قال القرطبى: مراده بالجلد واحد الجلود التى كانوا يلبسونها وحمله بعضهم على ظاهره، وزعم أنه من الإصر الذى حملوه، ويؤيده رواية أبى داود، ففيها ((كان إذا أصاب جسد أحدهم)) لكن رواية البخارى صريحة فى الملابس، إذ فيها ((إذا أصاب ثوب أحدهم)) والمراد من القرض هنا القطع، لا الغسل، والمقاريض جمع مقراض وهو المقص، وفائدة ذكره دفع حمل القرض على الغسل بالماء. ( فانتبذت منه ) أى فانتحيت جانبا بعيدا عنه. فقه الحديث تتناول هذه المجموعة النقاط التالية: ١ - حكم استقبال القبلة أو استدبارها ببول أو غائط، وحكمته، وأدلته. ٢- حكم الاستجمار بالأحجار، والاستنجاء بالماء، وكيفيته، وحكمة مشروعيته. ٣- حكم الاستنجاء وعدم مس الذكر باليمين، وحكمته. ٤- حكم التيامن فى الأمور، وبيان ما يتناول بالشمال. ٥- حكم التبرز فى طريق الناس أو فى ظلهم. ٦- حكم البول قائماً، وحكمته، وأدلته. ٧- ما يؤخذ من الأحاديث من حكم وأحكام أخرى. ١٨٨ ٨- آداب أخرى لقاضى الحاجة لم تذكر فى أحاديثنا. وهذا هو التفصيل: أولا : حكم استقبال القبلة أو استدبارها ببول أو غائط، وحكمته، وأدلته: قبل الكلام على حكم استقبال القبلة أو استدبارها نوضح أن أماكن قضاء الحاجة إما صحراء خالية من ساتر، وإما صحراء مع الساتر، وإما فضاء دون ساتر داخل المدن كالأسطح والميادين، وإما بناء غير معد لقضاء الحاجة داخل المدن، وإما مرحاض معد لذلك داخل المدن أو خارجها. وقد اختلف الفقهاء فى الحكم على مذاهب: الأول: تحريم استقبال القبلة، أو استدبارها ببول أو غائط مطلقاً، فى صحراء أو فى غيرها، فى بنيان أو غير بنيان، حتى المراحيض المعدة لذلك، وهو المشهور عن أبى حنيفة وأحمد، وقال به أبو ثور صاحب الشافعى، ورجحه من المالكية ابن العربى، ومن الظاهرية ابن حزم، وهو مذهب مجاهد وإبراهيم النخعى وسفيان الثورى، وهو مذهب أبى أيوب الأنصارى راوى الرواية الرابعة فى مجموعة أحاديثنا. وحجتهم عموم النهى ((نهانا أن نستقبل القبلة، لغائط أوبول)). ((إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرقوا أو غربوا)). ((إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها)» فهذه الأحاديث كلها تدل على العموم؛ ولم يصححوا حديث جابر، ولفظه عند أحمد ((كان رسول اللَّه * ينهانا أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا هرقنا الماء؛ قال: ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة)) وادعوا الخصوصية للرسول وال بالنسبة لحديث ابن عمر فى روايتيه السادسة والسابعة. وقالوا: إن المنع لأجل تعظيم القبلة، وهو موجود فى الصحراء والبنيان فالجواز فى البنيان إن كان لوجود الحائل فهو موجود فى الصحراء لأن بينها وبين الكعبة جبالا وأودية وغير ذلك. الثانى: جواز استقبال القبلة أو استدبارها بالبول والغائط مطلقاً؛ وهو قول عائشة وعروة وربيعة وداود، واعتلوا بأن الأحاديث تعارضت فليرجع إلى أصل الإباحة. واستندوا إلى حديث جابر المروى عن أحمد، وحديث ابن عمر المذكور فى الروايتين السادسة والسابعة، قالوا: ودعوى الخصوصية لا دليل عليها، والخصوصيات لا تثبت بالاحتمال. كما استدلوا بحديث عائشة - رضى الله عنها- أن النبى * بلغه أن أناساً يكرهون استقبال القبلة بفروجهم، فقال النبى 3 8: ((أو قد فعلوها؟ حولوا بمقعدى)) أى إلى القبلة. رواه أحمد فى مسنده وابن ماجه. وإسناده حسن. بل قيل: إنهم ذهبوا إلى أن الأحاديث التى استند إليها الفريق الأول منسوخة بما ذكروه. الثالث: تحريم استقبال القبلة أو استدبارها ببول أو غائط فى الصحراء دون البنيان وهو مذهب مالك والشافعى وإسحق، وأحمد فى إحدى روايتيه. واحتجوا بحديث ابن عمر، فإنه يدل على جواز استدبار القبلة فى الأبنية ويحديث جابر، فإنه ١٨٩ يدل على جواز استدبار القبلة، وهو محمول على أنه رآه فى بناء أو نحوه، لأن ذلك هو المعهود من حاله صلى الله عليه وسلم، لمبالغته فى التستر، وبحديث مروان الأصفر: قال: رأيت ابن عمر قالُله أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبدالرحمن، أليس قد نهى عن هذا؟ فقال: بلى. إنما هى عن ذلك فى الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شىء يسترك فلا بأس. رواه أبوداود وغيره. قال النووى: فهذه أحاديث صحيحة، مصرحة بالجواز فى البنيان، وحديث أبى أيوب وسلمان وأبى هريرة وغيرهم وردت بالنهى، فيحمل على الصحراء ليجمع بين الأحاديث، ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث لايصار إلى ترك بعضها، بل يجب الجمع بينها والعمل بجميعها، وقد أمكن الجمع على ما ذكرناه، فوجب المصير إليه، وفرقوا بين الصحراء والبنيان من حيث المعنى بأنه يلحقه المشقة فى البنيان فى تكليفه ترك القبلة بخلاف الصحراء. اهـ وقال الحافظ ابن حجر عن هذا الرأى: هو أعدل الأقوال لإعماله جميع الأدلة، ويؤيده من جهة النظر ما قاله ابن المنبر من أن استقبال القبلة إنما يتحقق فى الفضاء، وأما الجدار والأبنية فإنها إذا استقبلت أضيف إليها الاستقبال عرفا.اهـ نعم ذهب بعض المالكية إلى التفرقة فى البنيان، فأجازوا الاستقبال والاستدبار فى المرحاض ومنعوه فى غيره من المبانى. واشترط بعض الشافعية وبعض المالكية لجواز الاستقبال والاستدبار فى البنيان شروطاً منها: أن يكون قريبًا من الساتر بحيث يكون بينه وبينه ثلاثة أذرع فما دونها، وأن يكون الحائل مرتفعاً بحيث يستر أسافل الإنسان، وإلا فهو حرام كالصحراء. إلا إذا كان فى بيت بنى لذلك، فلا حجر فيه کیف کان. وقال بعضهم: ولو كان فى الصحراء وتستر بشىء على الشرط المذكور زال التحريم، ولا فرق بين أن يكون الساتر دابة أو جداراً أو وهدة أو كثيب رمل أو جبلا فالاعتبار بوجود الساتر المذكور وعدمه، فيحل فى الصحراء والبنيان بوجوده، ويحرم لعدمه. وبعضهم يعتبر الصحراء والبنيان مطلقاً، ولا يعتبر الحائل، فيبيح فى البنيان بكل حال، ويحرم فى الصحراء بكل حال. الرابع: أنه لا يجوز الاستقبال فى الأبنية والصحراء، ويجوز الاستدبار فيهما وهو إحدى الروايتين عن أبى حنيفة وأحمد رحمهما الله. وحجتهم حديث ابن عمر، فإنه يدل على جواز استدبار القبلة، وحديث سلمان بروايتيه الأولى والثانية فإن النهى فيهما عن استقبال القبلة، ولا تعرض فيهما لاستدبارها. وهذه الأقوال الأربعة أو المذاهب الأربعة هى المشهورة عن العلماء ولم يحك النووى فى شرح المهذب غيرها. ١٩٠ قال الحافظ ابن حجر: وفى المسألة ثلاثة مذاهب أخرى، منها: ١ - جواز الاستدبار فى البنيان فقط، وهو قول أبى يوسف. ٢- وتحريم الاستقبال والاستدبار للقبلة ولبيت المقدس، وهو محكى عن إبراهيم وابن سيرين عملا بحديث معقل الأسدى ((نهى رسول اللَّه * أن نستقبل القبلتين ببول أو بغائط» رواه أبو داود وغيره، وضعفه الحافظ ابن حجر، ثم قال: وقد ادعى الخطابى الإجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس لمن لا يستدبر فى استقباله الكعبة قال: وفيه نظر لما ذكرناه عن إبراهيم وابن سيرين. اهـ ٣- وقالت المذاهب غير المشهورة إن التحريم مختص بأهل المدينة ومن كان على سمتها، فأما من كانت قبلته فى جهة المشرق أو المغرب فيجوز له الاستقبال والاستدبار مطلقاً، لعموم قوله: ((شرقوا أو غربوا)) قاله أبو عوانة صاحب المزنى.اهـ ولا يفوتنى فى هذا المقام أن أوضح المراد باستقبال القبلة واستدبارها هل هو عين الكعبة أو وجهتها؟ فأنقل ما ذكره العينى عن بعضهم أنه قال: البيت قبلة لمن فى المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لسائر أهل الأرض.اهـ لكن ظاهر الحديث أن المقصود الجهة، لأن النبى * أباح لهم قضاء الحاجة فى جهة المشرق والمغرب، فيكون معناه أن لا قبلة ما بينهما، وقد روى الترمذى عن أبى هريرة قال: قال رسول الله وَ ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)) قاله بالنسبة لأهل المدينة، وقال ابن عمر: إذا جعلت المغرب عن يمينك، والمشرق عن يسارك، فما بينهما قبلة. والرأى عندى - بعد هذا العرض الواضح لمذاهب العلماء - أن قصد استقبال القبلة أو استدبارها ببول أو غائط حرام، سواء كان بالصحراء أو بالمرحاض فى جوف المدينة، وأما مع عدم القصد فليس حراماً ولو كان فى الصحراء، والسين والتاء فى ((استقبل)) و))استدبر)) للطلب، فطلب كونها قبل وجهه، أو طلب كونها خلف دبره هو المحرم، لما فى ذلك من إهانة ما يجب تعظيمه، نعم الأولى عند عدم القصد اجتذاب الاستقبال والاستدبار حيث أمكن وحيث خطر بالبال، كما أن الأولى لمن يبنى مكاناً لقضاء الحاجة أن يجعل وضعه فى غير استقبال أو استدبار، خروجاً من الخلاف، ورفعا لتوهم المتوهمين، وما يقال فى القبلة يقال فى المصحف الكريم، وفى القبر النبوى الشريف. وأعتقد أن النهى عن استقبال القبلة بالبول والغائط قصد منه تعظيم القبلة وتقديسها فى نفوس المسلمين، وصيانتها عن قصدها بالخبائث، وإلا فكيف نفهم استقبالها بالغائط، وهو ينزل من أعلى إلى أسفل، ولا يوصف بمواجهة ولا استدبار، ولا بيمين أو يسار. ولا يقال: إننا نصونها عن استقبالها بالقبل والدبر، لأنه إن أريد مع الساتر فإننا نستقبل بهما الحجر الأسود فى الطواف وليس علينا إلا الإزار، وإن أريد مع الكشف فإن من قال بالحرمة لم يمنع الاغتسال عرياناً مستقبل القبلة، بل قال: إذا تجنب استقبال القبلة واستدبارها حال خروج البول والغائط، ثم أراد الاستقبال أو الاستدبار حال الاستنجاء جاز. قاله النووى فى شرح مسلم، ١٩١ ثم قال: ويجوز الجماع مستقبل القبلة فى الصحراء والبنيان، هذا مذهبنا ومذهب أبى حنيفة وأحمد وداود الظاهرى، واختلف فيه أصحاب مالك، فجوزه ابن القاسم، وكرهه ابن حبيب، والصواب الجواز اهـ إذن الهدف الإسلامى للتوجه نحو الكعبة فى الأمور المحمودة، كالدعاء والاستغفار وقراءة القرآن، وعدم قصدها فى الأحوال المستقبحة كالبول والغائط وممارسة سائر النجاسات. واللَّه أعلم. ثانيا : حكم الاستجمار بالأحجار، والاستنجاء بالماء، وكيفيته، وحكمة مشروعيته: أما عن الاستنجاء بالأحجار فتقول الرواية الأولى ((لقد نهانا .. أو أن نستنجى بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجى برجيع أو عظم)) وتقول الرواية الثانية ((ونهى عن الروث والعظام، وقال: لا يستنجى أحدكم بدون ثلاثة أحجار» وظاهر هاتين الروايتين أن الثلاثة شرط وإن حصل الإنقاء بواحدة، وبهذا قال الشافعية والحنابلة وإسحق وأبو ثور، وتؤيدهم أحاديث أخرى صحيحة ففى البخارى عن ابن مسعود ((فأمرنى أن آتيه بثلاثة أحجار)) وعن أبى هريرة ((ولا يستنجى بدون ثلاثة أحجار)) وعن عائشة قال رسول الله ﴾ ﴾ ((إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن)) رواه ابن ماجه وأحمد. وقالوا: لابد فى الاستنجاء بالأحجار من إزالة عبن النجاسة واستيفاء ثلاث مسحات فلو مسح مرة أو مرتين فزالت عين النجاسة وجب مسحة ثالثة. وقالوا: لوكان القصد الإنقاء فقط لخلا اشتراط العدد عن الفائدة، فلما اشترط العدد لفظاً، وعلم الإنقاء فيه معنى، دل على إيجاب الأمرين. وقالوا: ولو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف، ومسح بكل حرف مسحة أجزأه، لأنه حينئذ يقوم مقام ثلاثة أحجار فى عدد المسحات، وإن كانت الأحجار الثلاثة أفضل من حجر له ثلاثة أحرف، وللقبل ثلاثة أحجار، وللدبر ثلاثة أحجار، إذا حصل الإنقاء بها، فإن لم يحصل الإنقاء بها وجب رابع، فإن حصل الإنقاء به استحب الإيتار بخامس، وهكذا يجب الإنقاء مهما زاد ويستحب الإيتار لحديث ((ومن استجمر فليوتر)». وذهب المالكية والحنفية إلى أن الشرط الإنقاء فقط، ولو حصل بحجر واحد ومسحة واحدة أجزأ، وقالوا: إن الأحاديث المذكورة محمولة على الندب مبالغة فى الإنقاء، لأن الثلاثة أكثرما تستعمل غالباً، وقلما تكفى الواحدة. وقالوا: إن أحاديث الأمر بثلاثة أحجار متروكة الظاهر عند المستدلين بها لأنهم يجيزون حجراً واحداً بثلاثة أحرف. واستدلوا بحديث البخارى عن عبد الله بن مسعود، وفيه ((فأمرنى أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت ١٩٢ حجرين، والتمست الثالث، فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: هذا ركس)). قالوا: فقوله: ((فأخذ الحجرين)» دليل على الاكتفاء بهما، لأنه لو كان الثالث شرطاً لطلب الثالث، فحيث لم يطلب دل على كفاية ما أخذ. ورده الحافظ ابن حجر، قال: لقد ثبت فيما رواه أحمد فى مسنده عن ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم طلب الحجر الثالث، وفيه ((فألقى الروثة وقال: إنها ركس، إيتنى بحجر)) قال: ورجاله ثقات. على أنه يحتمل أن يكون قد اكتفى بالأمر الأول فى طلب الثلاثة، فلم يجدد الأمر بطلب الثالث، أواكتفى بطرف أحدهما عن الثالث. وأرى أن الخلاف هين، حيث إن الكل مجمع على شرط الإنقاء، وعلى طلب الثلاثة مع الإنقاء بواحد، لكن على سبيل الندب أو على سبيل الوجوب؟ الأمرهين، ولهذا قال بعض الشافعية بما ذهب إليه المالكية والحنفية، وقال بعض المالكبة والحنفية بما ذهب إليه الشافعية، والله أعلم. هذا وقد تمسك داود بلفظ الأحجار، وقال: لا يجزئ غيرها، وذهب العلماء كافة من الطوائف كلها إلى أن الحجر ليس متعيناً، بل تقوم الخرق والخشب وغير ذلك مقامه، وأن المعنى فيه كونه مزيلا، وهذا يحصل بغير الحجر: نعم اشترطوا فى الخرقة أن تكون صفيقة، لا ينفذ بلل جانب إلى الجانب الآخر وإنما قال صلى اللَّه عليه وسلم ((ثلاثة أحجار)» لكونها الغالب المتيسر، فلا يكون له مفهوم: فهو من قبيل تعليق الحكم على الاسم، وهو لا يدل على نفيه عن غيره عند أكثر الأصوليين، وتعليق الحكم على الاسم هو المسمى بمفهوم اللقب، ولم يقل به إلا الدقاق وبعض الحنابلة. ويدل على عدم تعيين الحجر نهيه صلى الله عليه وسلم عن العظام والبعر والرجيع ولو كان الحجر متعيناً لنهى عما سواه مطلقاً. قال الشافعية: والذى يقوم مقام الحجر كل جامد، طاهر، مزيل للعين، ليس له حرمة ولا هو جزء من حيوان؛ فخرج بالجامد الرطب والمبتل من حجر أو ثوب، لأنه وإن قلع الجرم فليس بغسل ولا مسح، وخرج بالطاهر النجس والمتنجس، فإنه يزيد المحل نجاسة وخرج بمزيل العين الزجاج، فإنه ينشر النجس ولا يزيله، وخرج بما ليس له حرمة، حيطان المساجد، وأوراق كتب العلم وخرج بما ليس جزءًا من حيوان اليد وغيرها. وزاد بعضهم أن لا يكون مطعوما ليخرج مأكول الإنسان والحيوان، وأن لا يكون ذا سرف ليخرج الذهب والفضة والآلئ. وقد ورد فى الرواية الأولى والثانية النهى عن الاستنجاء بالعظام، قال القاضى عياض: لأن العظام طعام، إذ يؤكل فى الشدائد؛ ويمشش الرخو منه وقيل: لأنه لا يخلو من بقية دسم، وجوز بعض الشافعية الاستنجاء بالعظم إن كان طاهراً لا زهومة فيه، لحصول المقصود. قال النووى: ولا فرق فى النجس بين المائع والجامد، فإن استنجى بنجس لم يصح استنجاؤه، ١٩٣ ووجب عليه بعد ذلك الاستنجاء بالماء، ولا يجزئه الحجر، لأن الموضع صار نجساً بنجاسة أجنبية، ولو استنجى بمطعوم أو غيره من المحترمات الطاهرات، فالأصح أنه لا يصح استنجاؤه، ولكن يجزئه الحجر بعد ذلك، إن لم يكن نقل النجاسة من موضعها، وقيل: إن الاستنجاء الأول يجزئه مع المعصية. وقد ذكر الحديث الرابع عشر من مجموعتنا استنجاء الرسول 8# بالماء، وفيه ((فقضى حاجته، فخرج علينا، وقد استنجى بالماء)) وفى الحديث الخامس عشر ((فيستنجى بالماء)) وفى الحديث السادس عشر ((يتبرز لحاجته، فآتيه بالماء، فيغتسل به». قال النووى: يؤخذ من هذه الأحاديث جواز الاستنجاء بالماء، واستحبابه ورجحانه على الاقتصار على الحجر. قال: وقد اختلف الناس فى هذه المسألة فالذى عليه الجماهير من السلف والخلف، وأجمع عليه أهل الفتوى من أئمة الأمصار أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر، فيستعمل الحجر أولا لتخف النجاسة، وتقل مباشرتها بيده، ثم يستعمل الماء، فإن أراد الاقتصار على أحدهما جاز الاقتصار على الحجر مع وجود الماء، ويجوز عكسه. فإن اقتصر على أحدهما فالماء أفضل من الحجر، لأن الماء يطهر المحل طهارة حقيقية، وأما الحجر فلا يطهره، وإنما يخفف النجاسة، ويبيح الصلاة مع النجاسة المعفو عنها.اهـ واستحب بعضهم الأحجار، وكره الاستنجاء بالماء. فقد روى ابن أبى شيبة عن حذيفة ابن اليمان له أنه سئل عن الاستنجاء بالماء. فقال: إذا لا يزال فى يدى نتن. وعن نافع أن ابن عمر كان لا يستنجى بالماء، وعن ابن الزبير قال: ما كنا نفعله. وممن ذكر عنه إنكار الماء سعد بن أبى وقاص. وقال عطاء: غسل الدبر محدث. وقال سعيد بن المسيب فى الاستنجاء بالماء: إنه وضوء النساء. واختلف النقل عن مالك وابن حبيب، فبينما يذكر ابن حجر أن ابن التين نقل عن مالك أنه أنكر أن يكون النبى * استنجى بالماء، وعن ابن حبيب من المالكية أنه منع الاستنجاء بالماء لأنه مطعوم. نجد الأبى يقول: قال مالك وابن حبيب: إن استعمال الأحجار ترك. ويقول ابن حبيب، ولا نجيزه اليوم، ولا نفتى به إلا لمن عدم الماء، وقال: إنما اقتصروا على الأحجار لأنهم كانوا يبعرون بعيداً [أى فلا يجدون الماء] ثم قال الأبى: اختلف فى قول مالك وابن حبيب هذا، فقال اللخمى: هو الحق؛ لأن أحاديث الأحجار إنما جاءت فى السفر، وقد تكون لعذر. قال: والأصل فى إزالة النجاسة الماء، والصلاة أولى ما احتيط لها وحمل الباجى قولهما على الندب. قال: وإلا فهو خلاف الإجماع. اهـ وأعجب من هذا الخلاف الخلاف فى حكم الاستنجاء من أساسه، فالشافعى وأحمد وأبو ثور وإسحق وأبو داود ومالك فى رواية على أنه واجب وشرط فى صحة الصلاة، وروى عن مالك أنه من باب إزالة النجاسة، وإزالتها عنده سنة. وحكى عنه عبد الوهاب أنها واجبة. قال الأبى المالكى: وعلى القول بوجوبها عندنا قيل: إنها شرط فى صحة الصلاة، يعيد تاركها أبداً، وقيل: شرط مع الذكر دون النسيان، وقيل: واجبة دون شرط. اهـ ١٩٤ ومن قال بأنه غير شرط فى صحة الصلاة استدل بما رواه أحمد وأبو داود عن أبى هريرة عن النبى * قال ((من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج)) وقالوا: إنه كدم البراغيث، لأنه نجاسة لا تجب إزالة أثرها، فكذا عينيها لا يجب إزالتها بالماء فلا يجب بغيره، وقال المزنى: لأنا أجمعنا على جواز مسحها بالحجر فلم تجب إزالتها كالمنى، ولا يخفى أن استدلالهم بالحديث غير تام، لأنه مع ضعفه مراد برفع الحرج فيه -رفع الحرج فى ترك الإيتار - وليس المراد ترك أصل الاستنجاء، بل قيل: إنه فى استعمال الجمر والبخور وليس فى الاستنجاء، ولا يخفى أن هذا المذهب بعيد عن نظافة الإسلام، بعيد كل البعد عن الصواب. والله أعلم. ثالثا: حكم الاستنجاء ومس الذكر باليمين، وحكمته: وقد صرحت الأحاديث بالنهى عن الاستنجاء باليمين، ومس الذكر باليمين، ففى الحديث الأول ((نهانا أن نستنجى باليمين)) وفى الثانى ((نهانا أن يستنجى أحدنا بيمينه)) وفى الثامن ((لايمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه)» وفى التاسع ((إذا دخل أحدكم الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه)) وفى العاشر ((نهى أن يمس ذكره بيمينه، وأن يستطيب بيمينه)). وهذا النهى للتنزيه عند الجمهور، والقرينة الصارفة له عن التحريم أن ذلك أدب من الآداب، وذهب أهل الظاهر إلى أنه للتحريم، وقالوا من استنجى بيمينه أساء ولم يجزئه، وقال بعضهم: يجزئ مع الإساءة، وفى كلام جماعة من الشافعية ما يشعر به، لكن النووى صرف إشارتهم إلى الكراهة فقال: مراد من قال منهم: لا يجوز الاستنجاء باليمين أى لا يكون مباحا يستوى طرفاه، بل هو مكروه، راجح الترك. ومحل هذا الخلاف إذا كانت اليد اليمنى تباشر الاستنجاء بالماء أو بالأحجار، أما إذا باشرت المسح بنفسها فحرام غير مجزئ بلا خلاف - كما تقدم- واليسرى فى ذلك كاليمنى. وقد أثار الخطابى بحثاً حاصله: أن المستجمر متى استجمر بيسراه مس ذكره بيمينه، ومتى أمسك بيسراه استجمر بيمينه، وكلاهما قد شمله النهى، فماذا يعمل؟ وأجاب عن هذا بأن قصد الأشياء الضخمة التى لا تزول بالحركة كالجدار ونحوه من الأشياء البارزة فيستجمر بها بيساره، فإن لم يجد فليلصق مقعدته بالأرض، ويمسك ما يستجمر به بين عقبيه أو إبهامی رجليه، ويستجمر بيساره، فلا يكون متصرفا فى شىء من ذلك بيمينه. اهـ وهذا الجواب - فضلا عن الهيئة المنكرة التى يصفها، والتى يتعذر فعلها فى غالب الأوقات - يتنافى مع واقع الرسول ® والصحابة رضوان الله عليهم، فلم يؤثر عن أحد منهم مثل هذا الفعل، بل كانوا يستجمرون بالأحجار بسهولة ويسر. وأجاب الطيبى عن إشكال الخطابى، بأن النهى عن الاستجمار باليمين مختص بالدبر والنهى عن المس مختص بالذكر، قال: فبطل الإيراد من أصله. اهـ يقصد استجمار الدبر باليسار، ويمسك ذكره بيساره ويستجمر بيمينه. ورده الحافظ ابن حجر، فقال: ما ادعاه من تخصيص الاستنجاء بالدبر مردود، والمس وإن كان ١٩٥ مختصا بالذكر لكن يلحق به الدبر قياسا، والتنصيص على الذكر لا مفهوم له، بل فرج المرأة كذلك، وإنما خص الذكر بالذكر لكون الرجال فى الغالب هم المخاطبون والنساء شقائق الرجال فى الأحكام إلا ما خص. ثم قال: والصواب فى الصورة التى أوردها الخطابى ما قاله إمام الحرمين ومن بعده كالغزالى فى ((الوسيط)) والبغوى فى ((التهذيب)) أنه يمر العضو بيساره على شىء يمسكه بيمينه، وهى قارة غير متحركة، فلا يعد مستجمراً باليمين ولا ماساً بها، ومن ادعى أنه فى هذه الحالة يكون مستجمرا بيمينه فقد غلط وإنما هو كمن صب بيمينه الماء على يساره حالة الاستنجاء. اهـ وأرى أن الكل يعقد الصورة من غير موجب: فكل من الدبر والذكر سهل الاستجمار بالحجر بالشمال من غير إمساك بإمرار الحجر على مخرج الغائط والبول، فالملازمة التى ذكرها الخطابى غير لازمة، ولو استدعى الأمر إمساك الذكر لسبب من الأسباب فليمسك بحائل، على أن النهى للتنزيه، بل وقع فى العتبية عن مالك عدم الكراهة، وذكر العلماء للحكمة، أنها كون اليمين معدة للأكل بها، فلو تعاطى ذلك بها لأمكن أن يتذكره عند الأكل، فيتأذى بذلك وأنه من قبيل إكرام اليمنى، وصيانتها عن الأقذار، وذكر العلماء لهذه الحكمة يوحى بأن التعقيد هنا لا موجب له، وخصوصاً أنه لم يقل أحد بمنع معاونة اليمين للشمال فى غسل الدم وغيره من النجاسات فى غير الاستنجاء، فإن قيل: إن المنع خاص بالقبل والدبر قلنا: إن الظاهرية أنفسهم الذين حملوا النهى على التحريم يجيزون مس المرأة فرجها وذكر زوجها بيمينها، واستدل ابن أبى جمرة على إباحة مس الذكر فى غير الاستنجاء بقوله : لطلق ابن على، حين سأله عن مس ذكره ((إنما هو بضعة منك)، وحمل العلماء المطلق فى الحديث العاشر ((نهى أن يمس ذكره بيمينه)) على المقيد بحالة الاستنجاء ليبيحوه فى غير الاستنجاء، وإن خالف فى ذلك بعضهم، ومنع مس الذكر فى الاستنجاء وغيره، مدعيا أنه نهى عنه مع مظنة الحاجة فيكون منهياً عنه فى غيرها من باب أولى. ولو قلنا إن الموضوع كله للتنزيه وللكمال والأفضل لم نبعد، فقد روى أبو داود بسند صحيح من حديث عائشة - رضى الله عنها - قالت: ((كانت يد رسول اللَّه ◌َ ﴿ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من الأذى)) وفى الحلية عن عثمان طه ((ما مسست ذكرى بيمينى منذ بايعت رسول الله ﴿ ((. رابعا: حكم التيامن فى الأمور، وبيان ما يتناول بالشمال: ولا يتعارض النهى عن الاستنجاء باليمين مع الحديث الثانى عشر ونصه ((عن عائشة قالت: ((كان رسول اللَّه ◌َ * يحب اليمن فى شأنه كله، فى نعليه وترجله وطهوره)) فإن عموم شأنه مخصص بما تقدم فيه الشمال. قال الحافظ ابن حجر: ((فى شأنه كله)) متعلق بيحب، لا بالتيمن، أى يحب فى شأنه كله التيمن، أى لا يترك ذلك سفرا ولا حضرا، ولا فى فراغه ولا شغله.اهـ قال الأبى: والضابط أن الفعل إن استعملت فيه الجارحتان قدمت اليمين فى فعل الراجح، والشمال فى فعل المرجوح، فيبدأ باليمين فى دخول المسجد وبالشمال فى ١٩٦ الخروج منه، واستعمال الجارحتين على هذا النحو إنما هو إن تيسر، فإن شق ترك، كالركوب، فإن البداءة بوضع اليسرى فى الركوب أيسر وأسهل، وإن كان مما تستعمل فيه إحداهما خصت اليمين بالراجح، والشمال بالمرجوح، فيأكل بيمينه، ويتناول من الغير بيمينه، ويستنجى ويمتخط بشماله. اهـ وقال النووى: هذه قاعدة مستمرة فى الشرع، وهى أن ما كان من باب التكريم والتشريف، كلبس الثوب والسراويل والخف ودخول المسجد والسواك والاكتحال، وتقليم الأظفار وقص الشارب وترجيل الشعر ونتف الإبط وحلق الرأس والسلام من الصلاة وغسل أعضاء الطهارة والخروج من الخلاء والأكل والشرب والمصافحة واستلام الحجر الأسود، وغير ذلك مما هو فى معناه يستحب التيامن فيه، وأما ماكان بضده، كدخول الخلاء والخروج من المسجد والامتخاط والاستنجاء وخلع الثوب والسراويل والخف وما أشبه ذلك فيستحب التياسر فيه، وذلك كله لكرامة اليمين وشرفها. ثم قال: وأجمع العلماء على أن تقديم اليمين على اليسار من اليدين والرجلين فى الوضوء سنة لو خالفها فاته الفضل، وصح وضوؤه، وقالت الشيعة: هو واجب، ولا اعتداد بخلاف الشيعة. قال الحافظ ابن حجر: وقد استدل بالحديث على استحباب الصلاة عن يمين الإمام، وفى ميمنة المسجد. اهـ وقال القاضى عياض: وسبب محبته صلى الله عليه وسلم اليمين التبرك باسم اليمين، وقيل: لأنه كان يحب الفأل الحسن، إذ أصحاب اليمين أهل الجنة. والله أعلم. خامسا: حكم التبرز فى طريق الناس أو فى ظلهم: أما التبرز فى طريق الناس أو فى ظلهم فقد جاءت عبارة النهى عنه بلفظ ((التخلى)) وهو يشمل التبرز والتبول، إذ التخلى هو التفرد لقضاء الحاجة من بول أو غائط، لكن النووى فسره بالتغوط فقط، ولعل وجهه أن التضرر فى الغائط محقق بخلاف البول، فقد لا يحصل به التضرر، لكن بقاء الحديث على إطلاقه أولى، لما يجلبه البول وخاصة إذا تكرر فى موضع واحد من روائح شديدة الكراهة وأمراض يصعب تجنبها، وإلى هذا التعميم يذهب أكثر العلماء، نعم يؤيد النووى ما رواه أبو داود عن معاذ بن جبل قال: قال رسول اللَّهَ﴾ ((اثقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل)) فكأن النووى حمل العام على بعض أفراده، أو حمل المطلق على المقيد، لكن إسناد الحكم لفرد لا يمنع من إسناده لآخر ضمن اللفظ العام. والمراد من الطريق كل موضع يمر به الناس ويطرقونه ويسلكونه غالباً وليست الطرق المهجورة، ولا الطرق الخاصة المملوكة، لأن إضافته للناس تفيد الشيوع، والمنفعة العامة. والمراد من ((ظلهم)) مستظلهم الذى اتخذوه مقيلا ومناخا، ينزلونه ويقعدون فيه، فيخرج عن ذلك ظل الشجرة التى لا تتخذ لذلك لبعدها عن الناس، فقد روى أن النبى و ₪ قعد لحاجته تحت حائش من النخل، أى تحت نخل ملتف مجتمع، كما يخرج عن ذلك الظل المملوك للشخص، فإن صاحبه لا يدخل فى النهى، ويحرم على غير صاحبه بدون إذنه اتفاقاً. وحكم التبرز فى طريق الناس أوظلهم الحرمة كما ذهب النووى والرافعى بل قال ١٩٧ الذهبى: إنه من الكبائر، وعده الحافظ ابن حجر فى كتابه ((الزواجر)) من الكبائر، لأنه صلى الله عليه وسلم جعل هذا الفعل سبباً للعن فاعله، وفعل موجب اللعن كبيرة، كلاعن والديه عن طريق لعن رجل آخر، فيلعن هذا الآخر والديه. وقال بعض العلماء: إنه مكروه. والرأى عندى أن حكمه يختلف باختلاف الطرق والظلال، وموقع البراز منها، ودرجة التضرر من هذا الفعل القبيح، وأقل ما فيه الكراهة. والله أعلم. سادسا: حكم البول قائما، وحكمته، وأدلته: أما البول قائماً فإن الحديث الثامن عشر والتاسع عشر ظاهرهما إباحته، ففيهما ((فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائماً)) و))فأتى سباطة خلف حائط، فقام كما يقوم أحدكم، فبال». وهذا الحديث ذكره حذيفة رداً على تشدد أبى موسى فى البول، إذ رأى رجلا يبول قائماً. فقال: ويحك. أفلا قاعداً، ثم ذكر قصة بنى إسرائيل. فلما بلغ حذيفة روى هذا الحديث كدليل على أن التشديد مخالف للسنة. والباحث فى هذه المسألة يجد الصحابة والسلف الصالح أمامها فريقين كما يجد لكل فريق وجهة نظره ودليله. الفريق الأول: فمن فريق أبى موسى نجد أم المؤمنين عائشة - رضى الله عنها - تقول: ((ما بال قائمًا منذ أنزل عليه القرآن)) وتقول: ((من حدثكم أنه كان يبول قائمًا فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا)) رواه أحمد والترمذى والنسائى وآخرون، قال النووى: وإسناده جيد. ونجد مجاهدًا يقول: ما فعله إلا مرة واحدة. ونجد ابن مسعود يقول: البول قائمًا من الجفاء. ونجد إبراهيم بن سعد لا يجيز شهادة من بال قائمًا. ونجد جمهور العلماء من الخلف يقولون بكراهة البول قائماً. كراهة تنزيه. ويذكرون أن ابن ماجه حكى عن بعض مشايخه أنه قال: كان من شأن العرب البول قائماً. فلما بال رسول اللّه ◌َ ا﴾ جالسًا قالوا: انظروا إليه. يبول كما تبول المرأة. فكان رسول اللّه * يخالفهم فى ذلك، فيقعد، لكونه أستر، وأبعد عن نجاسة البول ورذاذه. ويجيب هذا الفريق عن حديث حذيفة بعدة أجوبة منها: ١- ماذكره ابن حبان فى سبب قيامه. حيث قال: لأنه لم يجد مكانًا يصلح للقعود. فقام لكون الطرف الذى يليه من السباطة كان عالياً، فأمن أن يرتد إليه شىء من بوله. ٢- وقيل: لأن السباطة كانت رخوة، فخشى لو قعد أن يتخللها البول فيرتد إليه منه شىء. ٣- وقيل: لعل السباطة كانت نجسة رطبة؛ فخاف إن جلس أن تصيب ثيابه. ٤- وقيل: إنما بال قائمًا لأنها حالة يؤمن معها خروج الريح بصوت. فعل ذلك لكونه كان قريبًا من الديار، وفى ذلك يقول عمر: البول قائماً أحسن للدبر. ١٩٨ ٥- وقيل: إن العرب كانت تستشفى لوجع الصلب بالبول قائماً. فريما كان به صلى الله عليه وسلم وجع الصلب إذ ذاك. الفريق الثانى: ومن فريق حذيفة: عمر، وابنه، وعلى، وأنس، وأبو هريرة وغيرهم من الصحابة. نقل ابن المنذر أنهم بالوا قيامًا. وقال ابن المنذر. البول جالسًا أحب إلى، وقائمًا مباح، وكل ذلك ثابت عن رسول اللّه ◌ِ ﴾. ونجد فى المدونة: لا بأس بالبول قائمًا، حيث لا يتطاير، وإلا كره. دل استدل مالك بحديث حذيفة على الرخصة فى مثل رءوس الإبر من البول. قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، لأنه صلى الله عليه وسلم فى تلك الحالة لم يصل إلى بدنه منه شىء. اهـ وأجاب هذا الفريق عن حديث عائشة بأنه مستند إلى علمها، فيحمل على ما وقع منه فى البيوت، وأما غير البيوت فلم تطلع هى عليه، وقد حفظه حذيفة وهو من كبار الصحابة، ولم يثبت عن النبى ® فى النهى عنه شىء. وأمام هذه الأدلة والتوجيهات أرى أن القيام والقعود عند البول ليس هدفاً للشرع، لذاته، وأنه يخضع للظروف، ظروف المتبول وظروف المكان، والهدف الأساسى البعد عن الرذاذ وإصابة النجاسة، والتستر عن الغير، وسهولة الأداء والاستبراء. والله أعلم. سابعا: ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم ١- يؤخذ من الحديث الأول: صبر الصحابة وحكمتهم إزاء ما لا قوه من عنت المشركين واستهزائهم وقلة حيائهم. ٢- بذاءة لسان المشركين، وتصريحهم بما تستهجنه الأسماع ((كالخراءة)). ٣- طهارة لسان المسلمين، وصيانته عن الرد بالمثل. ٤- ومن الحديث الرابع: أخذ ابن التين المنع من استقبال الشمس والقمر بالبول والغائط، قياساً على المنع من استقبال القبلة. قال العينى: وفى هذا القياس نظر. ٥- ورع أبى أيوب واستغفاره من غير ذنب، وخوفه من التقصير مع انحرافه عن القبلة. ٦- ومن الحديث الخامس وغيره: استحباب الكناية بالحاجة والخلاء عن البول والغائط. ٧- ومن الحديث السادس: جواز الجلوس فى المسجد مع إسناد الظهر للقبلة. ٨- وفيه دليل على أن الصحابة - رضى الله عنهم - كانوا يختلفون فى معانى السنة، وكان كل واحد منهم يستعمل ما سمع. ٩- وفيه حرص الصحابة على تتبع أحوال النبى ® كلها، ونقلها، وأنها كلها أحكام شرعية. ١٠- جواز رؤية الشىء الممنوع، قصداً لغرض مشروع. فقد قيل: لعل ابن عمر قصد أن يرى النبى 38 وهو فى تلك الحالة، ورأى رأسه دون ما عداه من بدنه، ثم تأمل قعوده، فعرف كيف هو جالس ليستفيد، وينقل ما شاهد. قاله الكرمانى. وقيل: إن رؤية ابن عمر وقعت اتفاقا من غير قصد لذلك، ١٩٩ فنقل ما رآه، لأنه لا يجوزله أن يقصد الرؤية فى تلك الحالة، كما لا يجوز أن يتعمد الشهود النظر إلى الزنا، فإن وقعت أبصارهم عليه تحملوا الشهادة، وهذا الأخير هو المناسب لأدب ابن عمر وفقهه وورعه. ١١- ومن الحديث الثامن: النهى عن التنفس فى الإناء، وهو نهى أدب وتنزيه، فإنه إن فعل ذلك لم يأمن أن يبرز من فيه الريق، فيخالط الماء، فيعافه الشارب، وربما يتأثر برائحة فمه، إذا كانت متغيرة، والماء للطفه ورقة طبعه تسرع إليه الروائح، ثم إنه يعد من فعل الدواب، إذا كرعت فى الأوانى جرعت ثم تنفست فيها، ثم عادت فشربت، وإنما السنة أن يشرب الماء فى ثلاثة أنفاس، كلما شرب نفسا من الإناء نحاه عن فمه، ثم عاد، مصاله غير عب، إلى أن يأخذ ريه منه، والتنفس خارج الإناء أحسن فى الأدب، وأبعد عن الشره وأخف للمعدة، والنهى المذكور ليس خاصاً بشرب الماء، بل غيره مثله وكذلك النفخ فى الطعام والشراب، فقد روى الترمذى عن أبى سعيد الخدرى أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن النفخ فى الشرب، فقال رجل: القذاة أراها فى الإناء؟ قال: اهرقها، قال: فإنى لا أروى من نفس واحد؟ قال: ((فأين القدح إذن عن فيك)). ١٢ - جواز الشرب من نفس واحد، لأنه إنما نهى عن التنفس فى الإناء والذى شرب فى نفس واحد لم يتنفس فيه، فلا يكون مخالفاً للنهى، وكرهه جماعة؛ محتجين بما رواه الترمذى ((لا تشربوا واحداً كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاث، وسموا إذا أنتم شريتم، واحمدوا إذا أنتم رفعتم)) ولا شك أن هذا أفضل أدبا وصحة، وإن جاز الشرب من نفس واحد. ١٣ - ومن الحديث الثالث عشر: حرص الإسلام على شعور الناس، وعدم إيذائهم ونظافة الأماكن العامة، بتحريم التخلى فى طريق الناس وظلهم. ١٤ - ومن الحديث الرابع عشر: من قوله ((دخل حائطا)» استحباب التباعد-لقضاء الحاجة- عن الناس، والاستتار عن أعين الناظرين. ١٥ - ومن الحديث الخامس عشر: استحباب استصحاب عصا ونحوها عند المشى فى الخلاء، وخصوصاً فى الليل، للتوكؤ عليها، وللحماية مما يعرض من هوام الأرض. ١٦- ومن الحديث الثامن عشر: جواز البول قرب الديارومن قوله ((فتنحيت)» استحباب الإعراض عن قاضى الحاجة والبعد عن مكانه، قال بعض العلماء: إنما يستحب هذا عند الغائط أو البول قاعدًا، أما عند البول قائمًا فلا. والحديث أصل فى ذلك، وقد جاء فى بعض الآثار ((كان إذا بال لم يبعد، ولم يبعد الناس عنه، بل أدنى حذيفة منه حين بال قائمًا، وفى مراسيل عطاء: ((أنه بال جالسًا، فدنا رجل منه، فقال: تنح عنى، فإن كل بائلة نفيح». ١٧- لكن ظاهر الأحاديث التنحى والإبعاد عن قاضى الحاجة أيا كانت. ١٨ - وجواز طلب البائل من صاحبه الذى يدل عليه القرب منه ليستره. ١٩ - وفيه استحباب التستر، ولو كانت الحاجة بولا. ٢٠ - استخدام الرجل الفاضل بعض أصحابه فى حاجته. ٢٠٠