Indexed OCR Text
Pages 61-80
ولا تمييز، حتى يستدل بفعله على معنى فيه، وطلب العلم من غير مظانه جهل من فاعله، وقد كان
بعض عقلاء الجاهلية ينكر التطير. قال شاعر منهم:
مضللون ودون الغيب أقفال
الزجر والطير والكهان كلهم
( متماسكون آخذ بعضهم بعضا ) قال النووى: هكذا هو فى معظم الأصول ((متماسكون))
بالواو، و((آخذ)» بالرفع، ووقع فى بعض الأصول ((متماسكين آخذا)» وكلاهما صحيح، ومعنى
((متماسكين)) ممسك بعضهم بيد بعض، ويدخلون معترضين صفا واحدا، بعضهم بجنب بعض.اهـ
فالنصب على الحال، والرفع على الصفة.
وقال القاضى عياض: يحتمل أن يكون معنى ((متماسكين)) أنهم على صفة الوقار، فلا يسابق
بعضهم بعضا.
( لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم) ظاهره يستلزم الدور، إذ معناه أن دخول الأول
موقوف على دخول الآخر، ودخول الآخر موقوف على دخول الأول، فتوقف الشىء على نفسه وهو
باطل، والجواب: أن هذا الظاهر غير مراد، والكلام كناية عن دخولهم فى وقت واحد.
( أيكم رأى الكوكب الذى انقض البارحة ) ((انقض)) بالقاف والضاد، معناه سقط،
و((البارحة)) أقرب ليلة مضت، يقال قبل الزوال: رأيت الليلة، وبعد الزوال: رأيت البارحة، وهى مشتقة
من ((برج)) إذا زال.
(أما إنى لم أكن فى صلاة) قال صاحب مغني اللبيب: ((أما)) بالفتح والتخفيف
على وجهين: أحدهما: أن تكون حرف استفتاح بمنزلة ((ألا)) وإذا وقعت ((إن)) بعدها
كسرت، كما تكسر بعد ((ألا)) الاستفتاحية، الثانى: أن تكون بمعنى حقا، وهذه تفتح ((أن))
بعدها، كما تفتح بعد ((حقا)).اهـ وقد ضبطت ((إنى)) فى صحيح مسلم بالكسر، وضبطت
((أنى)) فى بعض الكتب وكلاهما صحيح.
( ولكنى لدغت ) يقال: لدغته العقرب وذوات السموم إذا أصابته بسمها.
( قلت: استرقيت ) أى طلبت الرقية من نفسى أو من غيرى.
( لا رقية إلا من عين أوحمة ) بضم الحاء وتخفيف الميم، وهى سم العقرب وشبهها، وقيل:
حدة السم وحرارته، وأما العين فهى إصابة العائن غيره بعينه، والعين حق.
والمعنى - كما يقول الخطابى: لا رقية أشفى وأولى من رقية العين وذى الحمة.
(قد أحسن من انتهى إلى ما سمع ) أى قد أحسنت حيث وقفت عند الذى سمعته.
(عرضت على الأمم ) برفع «الأمم)» وبناء الفعل للمجهول.
٦١
( فرأيت النبي ومعه الرهيط ) تصغير الرهط، وهو الجماعة دون العشرة.
(إذ رفع لى سواد عظيم ) وفى رواية ((سواد كثير)» والسواد ضد البياض، والمراد به الشخص
يرى من بعيد.
( انظر إلى الأفق ) الأفق الناحية، والمراد به هنا ناحية السماء.
(انظر إلى الأفق الآخر) أى انظرهنا وههنا فى آفاق السماء.
( هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً ) المراد بالمعية المعبة المعنوية، فإن السبعين ألفاً
المذكورين من جملة أمته، لكن لم يكونوا فى الذين عرضوا إذ ذاك، فأريد زيادة تكثير أمته، بإضافة
السبعين ألفاً إليهم، وقيل ((مع)) بمعنى ((من)) أى هذه أمتك ومنهم سبعون ألفاً إلخ، ويؤيده رواية
((هؤلاء أمتك، ومن هؤلاء من أمتك سبعون ألفاً .. إلخ)) ورواية ((ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفاً
بغير حساب)».
( فخاض الناس ) أى تكلموا وتجادلوا وتناظروا، وفى رواية ((ففاض الناس)) وفى رواية
((فأفاض القوم)).
(وذكروا أشياء) فى بعض الروايات، وقال بعضهم: ((هم الشهداء)) وقال بعضهم:
((من رق قلبه للإسلام)).
فقه الحديث
يتناول الحديث النقاط الست التالية:
١- دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب.
٢- الكي.
٣- الرقية.
٤- التطير.
٥- التوكل على الله.
٦- ما يؤخذ من الحديث.
وهذا هو التفصيل:
١- دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب
يقول اللَّه تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾
٦٢
وَيَنقَلِبُ إلَى أَهْلِهِ مَسْرُورَا﴾ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُوتُبُورَاه وَيَصْلَى
سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧-١٢] ويروى البخارى عن رسول الله:{ ل: ((ليس أحد يحاسب يوم
القيامة إلا هلك. قالت عائشة: فقلت: يا رسول اللَّه. أليس اللَّه يقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ
بيَمِينِهِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ فقال رسول اللّهِ:﴿: ((إنما ذلك العرض، وليس
أَحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب)».
وحديث الباب يفيد دخول زمرة من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب، مما يشير
إلى أن وراء التقسيم فى الآية أموراً أخرى. قال القرطبى: إن الحساب المذكور فى الآية
إنما هو أن تعرض أعمال المؤمن عليه، حتى يعرف منة اللّه عليه فى سترها عليه فى الدنيا،
وفى عفوه عنها فى الآخرة.اهـ
أما من نوقش فى الحساب، وحوسب حساب استقصاء فإنه يعذب.
وعند ابن أبى حاتم والحاكم من حديث جابر «من زادت حسناته على سيئاته فذاك الذى يدخل
الجنة بغير حساب، ومن استوت حسناته وسيئاته فذاك الذى يحاسب حساباً يسيراً، ثم يدخل
الجنة، ومن زادت سيئاته على حسناته فذاك الذى أوبق نفسه، وإنما الشفاعة فى مثله».
فإن صح هذا دل على أن الذين يدخلون الجنة بغير حساب أرفع رتبة من غيرهم مطلقاً، لكن قال
الحافظ ابن حجر: وليس الأمر كذلك، فقد أخرج أحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان من حديث
رفاعة الجهنى قال: أقبلنا مع رسول اللّه ﴿، فذكر حديثاً، وفيه ((وعدنى ربى أن يدخل الجنة من
أمتى سبعين ألفاً بغير حساب، وإنى لأرجو ألا يدخلوها حتى تبوءوا أنتم ومن صلح من أزواجكم
وذرياتكم مساكن فى الجنة)) فهذا يدل على أن مزية السبعين بالدخول بغير حساب لا تستلزم أنهم
أفضل من غيرهم، بل فيمن يحاسب فى الجملة من يكون أفضل منهم، وفيمن يتأخر عن الدخول، ممن
تحققت نجاته، وعرف مقامه من الجنة، من هو أفضل منهم.
ثم ساق حديثاً رواه الطبرانى عن أم قيس بنت محصن، وهى أخت عكاشة أنها خرجت مع النبى
* إلى البقيع، فقال: يحشر من هذه المقبرة سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب كأن وجوههم
القمر ليلة البدر)». اهـ
ومن هذا الحديث يستدل الحافظ ابن حجر على أن مزية السبعين ألفاً هذه لا تستلزم مزيتهم على
الناس على الإطلاق.
والذى تستريح إليه النفس أن هؤلاء السبعين ألفاً - إذا استثنينا الأنبياء- أفضل من غيرهم، فهم
أفضل ممن يحاسب حساباً يسيراً وممن يحاسب فيعذب، ولعلهم السابقون السابقون - أوهم من
السابقين على الأقل.
نعم. قيل: إن هذا العدد لا مفهوم له، بل المراد به التكثير، شأنه فى ذلك شأن السبعة
فى الآحاد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرُ﴾ [لقمان: ٢٧] وقوله: ﴿سَبْعَ
سَنَابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] وقوله: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْلَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠].
٦٣
والأولى أن يعتبر العدد المذكور، ويحمل على ظاهره، لكنه يمكن أن يكون اللَّه قد زاده بناء على
طلب الرسول ®®، فقد روى أحمد والبيهقى عن أبى هريرة «فاستزدت ربی فزادنى مع كل ألف
سبعين ألفاً)) وعند أحمد من حديث أبى بكر الصديق ((أعطانى مع كل واحد من السبعين ألفاً سبعين
ألفاً)) والروايات فى الزيادة كثيرة ومختلفة، والعلم عند الله وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وقد ورد فى مجموع الروايات وصف السبعين ألفاً بأربع صفات هى: أنهم كانوا لا يكتوون، ولا
يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون.
٢- أما الكى
فقد روى البخارى عن جابر عن النبى { قال: «إن كان فى شىء من أدويتكم شفاء ففى شرطة
محجم، أو لذعة بنار، وما أحب أن أكتوى)) كما روى عن ابن عباس عن النبى # قال: ((الشفاء فى
ثلاثة: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنهى أمتى عن الكى)) فأول هذا الحديث يفيد عموم
الجواز، حيث نسب الشفاء إليه، وآخره يفيد الكراهية، وروى أحمد وأبو داود والترمذى عن عمران
قال: ((نهى رسول اللَّه * عن الكى، فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا)) والنهى فى هذا الحديث
محمول على الكراهية، لأنه لوكان للحرمة ما فعلوه.
وقال الحافظ ابن حجر: إنما نهى عنه مع إثباته الشفاء فيه إما لكونهم كانوا يرون أنه يحسم
المادة بطبعه، فكرهه لذلك، ولذلك كانوا يبادرون إليه قبل حصول الداء، لظنهم أنه يحسم الداء،
فيتعجل الذى يكتوى التعذيب بالنار، لأمر مظنون، وقد لا يتفق أن يقع له ذلك المرض، يقطعه الكى،
ثم قال: لا يترك الكى مطلقاً، ولا يستعمل مطلقاً، بل يستعمل عند تعينه طريقاً إلى الشفاء مع
مصاحبة اعتقاد أن الشفاء بإذن الله تعالى، وعلى هذا يحمل حديث المغيرة رفعه ((من اكتوى أو
استرقى فقد برئ من التوكل» أخرجه الترمذى. اهـ
وقال ابن أبى جمرة: علم من مجموع كلامه صلى الله عليه وسلم فى الكى أن فيه نفعاً، وأن فيه
مضرة، فلما نهى عنه علم أن جانب المضرة فيه أغلب، وقريب منه إخبار اللّه تعالى أن فى الخمر
منافع، ثم حرمها لأن المضار التى فيها أعظم من المنافع. أهـ
وقال الخطابي: الكى يستعمل فى الخلط الباغى الذى لا تنحسم مادته إلا به، ولهذا
كانت العرب تقول في أمثالها: آخر الدواء الكى، وقد كوى النبى ◌ُ سعد بن معاذ وغيره،
واكتوى غير واحد من الصحابة. اهـ
قال الحافظ ابن حجر: ولم أر فى أثر صحيح أن النبى {# اكتوى. اهـ
ومجمل القول فى الكى: أنه جائز للحاجة، وأن الأولى تركه إذا لم يتعين علاجا، وأنه إذا تعين
رفع الحرج عمن يفعله بنفسه، وعمن يفعله بغيره. والله أعلم.
٦٤
٣- وأما الرقية
فقد تمسك بهذا الحديث من كره الرقى، وزعم أنها قادحة فى التوكل، لكن أحاديث صحيحة
كثيرة وردت تبيح الرقى، بل تحث عليها، ومن ذلك ما رواه البخارى عن أبى سعيد الخدرى عته ((أن
ناسا من أصحاب النبى - أتوا على حى من أحياء العرب فلم يقروهم، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد
أولئك. فقالوا: هل معكم من دواء أو راق؟ فقالوا: إنكم لم تقرونا، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلا،
فجعلوا لهم قطيعا من الشاة، فجعل يقرأ بأم القرآن، فبرأ فأتوا بالشاء، فقالوا: لا نأخذ حتى نسأل
النبى ®: فسألوه فضحك، وقال: وما أدراك أنها رقية؟ خذوها واضربوا لى بسهم)) وروى أيضا عن
عائشة رضى الله عنها قالت: ((أمرنى النبى ﴿، أو أمر أن يسترقى من العين))، وروى أيضاً أن رسول
اللَّه ◌َل رأى فى وجهها سفعة [حمرة يعلوها سواد] فقال: ((استرقوا لها، فإن بها النظرة)) وروى أيضا
عن عائشة ((أن رسول اللَّه{ كان يرقى)) وروايتنا السابقة فى أولها ((لا رقية إلا من عين أو حمة)).
وفى البخارى عن عائشة قالت: ((رخص النبى * الرقية من كل ذى حمة)) أى ذات سم.
أما هذا التعارض بين وصف السبعين ألفاً بأنهم كانوا لا يسترقون وبين هذه الأحاديث الدالة على
مشروعية الرقية فقد قال فيه الطبرى والمازرى وغيرهما: إن حديث السبعين ألفاً محمول على من
ابتعد عن اعتقاد الطبائعيين، فى أن الأدوية تنفع بطبعها، كما كان أهل الجاهلية يعتقدون.
وقال آخرون: الرقى التى يحمد تركها ما كان من كلام الجاهلية أو كانت بكلام لا يعقل معناه،
لاحتمال أن يكون كفرا أو يؤدى إلى الكفر، بخلاف الرقى بالقرآن والذكر ونحوهما، ولذا قال صلى الله
عليه وسلم ((اعرضوا على رقاكم، ولا بأس بالرقى ما لم يكن شركا)» ورد القاضى عياض هذا القول بأن
الحديث يدل على أن للسبعين ألفاً مزية على غيرهم، وفضيلة انفردوا بها عمن شاركهم فى أصل
الفضل والديانة؛ ومن كان يعتقد أن الأدوية تؤثر بطبعها، أو يستعمل رقى الجاهلية ونحوها
فليس مسلما.
وقال الداودى وطائفة: إن المراد بالحديث الذين يجتنبون فعل ذلك -الكى والرقية- فى الصحة،
خشية وقوع الداء، أما من يستعمل الدواء بعد وقوع الداء به فلا، ورد هذا القول بأنه قد ثبت فى
الأحاديث الصحيحة استعمال ذلك قبل وقوعه، فقد روى البخارى فى باب المرأة ترقى الرجل، من
حديث عائشة)) أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه، ينفث بالمعوذات، ويمسح بهما
وجهه)) وروى أيضاً من حديث ابن عباس ((أنه صلى الله عليه وسلم كان يعوذ الحسن والحسين
بكلمات الله التامة)) وعند أبى داود والنسائى بسند صحيح أن رجلا قال: لدغت الليلة فلم أنم، فقال
له النبى : ((لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شرما خلق لم يضرك)) ولا خلاف
فى مشروعية الفزع إلى الله، والالتجاء إليه، فى كل ما وقع وما يتوقع.
وقال ابن التين: الرقى بالمعوذات وغيرها من أسماء اللَّه تعالى هو الطب الروحانى، إذا كان على
لسان الأبرار من الخلق حصل الشفاء بإذن اللَّه تعالى. فلما عز هذا النوع فزع الناس إلى الطب
٦٥
الجسمانى وتلك الرقى المنهى عنها، التى يستعملها المعزم وغيره، ممن يدعى تسخير الجن له فيأتى
بأمور مشبهة، مركبة من حق وباطل، يجمع إلى ذكر الله وأسمائه ما يشوبه من ذكر الشياطين،
والاستعانة بهم، والتعوذ بمردتهم لذلك كره من الرقى ما لم يكن بذكر اللَّه وأسمائه خاصة، وباللسان
العربى الذى يعرف معناه، ليكون بريئا من الشرك، وعلى كراهة الرقى بغير كتاب الله وسنة رسوله
علماء الأمة، اهـ
وكانت رقية رسول اللّهم: ((اللهم رب الناس، مذهب الباس، اشف أنت الشافى،
لاشافى إلا أنت، شفاء لا يغادر سقما)) وفى رواية ((امسح الباس رب الناس، بيدك الشفاء،
لاكاشف له إلا أنت)».
وهذه الأقوال كلها تتجه إلى أن بعض السبعين ألفاً كانوا يسترقون، وأن الرقى المشروعة لا تمنع
من دخول الجنة بغير حساب، يصرح بهذا القرطبى فيقول: رقى النبى {₪ ورقى، وفعله السلف
والخلف فلوكان مانعا من اللحاق بالسبعين، أو قادحا فى التوكل لم يقع من هؤلاء، وفيهم من هو
أعلم وأفضل ممن عداهم. اهـ
وهناك فريق يتجه إلى القول بأن السبعين ألفا ابتعدوا عن الكى والرقى ابتعاداً كلياً.
قال الحليمى: يحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المذكورين فى الحديث من غفل عن أحوال الدنيا،
وما فيها من الأسباب المعدة لدفع العوارض، فهم لا يعرفون الاكتواء، ولا الاسترقاء، وليس لهم ملجأ
فيما يعتريهم إلا الدعاء والاعتصام بالله، والرضى بقضائه. اهـ
وقال بعضهم: إنما ترك المذكورون الرقى والاسترقاء حسما للمادة لأن فاعل ذلك لا يأمن أن يكل
نفسه إليه.
وقال ابن الأثير: هذا من صفة الأولياء المعرضين عن الدنيا وأسبابها وعلائقها، وهؤلاء هم من
خواص الأولياء، ولا يرد على هذا وقوع ذلك من النبى ® فعلا وأمرا، لأنه كان فى أعلى مقامات
العرفان ودرجات التوكل، فكان ذلك منه للتشريع وبيان الجواز. اهـ
والذى تستريح إليه النفس أن الرقى مشروعة بثلاثة شروط: أن تكون بكلام اللَّه تعالى، أو
بأسمائه وصفاته، وأن تكون باللسان العربى، أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا
تؤثر بذاتها، بل بإرادة الله تعالى، وفعلها بهذه الصفة لا يقدح فى التوكل، وليس معنى كون هذه صفة
السبعين ألفا أن غيرها نقص، فقد يكون من قبيل الحسن والأحسن، والله أعلم.
٤- وأما التطير والتشاؤم
فقد كان من عادة الجاهلية، فأبطله الإسلام وحذر منه، فعند الطبرانى ((لن ينال الدرجات العلا
من تكهن أواستقسم، أو رجع من سفر تطيرا)) وعند ابن حبان عن ابن مسعود رفعه ((الطيرة شرك)).
نعم قد تشفق النفوس البشرية من الشر أحياناً إذا شاهدت أو سمعت شيئاً معيناً، وعلى المؤمن
٦٦
أن يعقب هذا الإشفاق بالاعتماد على الله، والمضى فيما اعتزم عليه، وفى ذلك يقول ابن مسعود:
((وما منا إلا تطير، ولكن الله يذهبه بالتوكل)) وفى الحديث ((إذا تطيرت فلا ترجع)) وعند البيهقى
((من عرض له من هذه الطيرة شىء فليقل: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك))
وعند أبى داود ((إذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتى بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات
إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بالله)).
أما الفأل الصالح والكلمة الصالحة الحسنة فلا شىء فيه، بل كان صلى الله عليه وسلم يعجبه
الفأل الصالح، كما جاء فى الحديث، إذ الفأل من طريق حسن الظن بالله، وقد جعل الله فى فطر
الناس محبة الكلمة الطيبة والأنس بها، كما جعل فيهم الارتياح لمنظر الماء الصافى، وإن كان لا
يملكه ولا يشربه، ويشترط فى إباحة الفأل ألا يعمد إليه ولا يقصده، فإن فعل ذلك كان مذموماً
كالطيرة، والله أعلم.
٥- وأما التوكل على الله
فقد قالت طائفة من الصوفية: لا يستحق اسم التوكل إلا من لم يخالط قلبه خوف غير الله
تعالى، حتى لوهجم عليه الأسد لا ينزعج، وحتى لا يسعى فى طلب الرزق، لأن اللَّه ضمنه له. وهذا
القول بعيد عن الصواب، والحق أن من وثق باللَّه، وأيقن أن قضاءه ماض لم يقدح فى توكله تعاطيه
الأسباب، اتباعاً للسنة، فقد استعان صلى الله عليه وسلم فى الحرب بالدرع، ولبس على رأسه المغفر
وأقعد الرماة على فم الشعب، وخندق حول المدينة، وأذن فى الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وهاجر
هو، وتعاطى أسباب الأكل والشراب، وادخر لأهله قوتهم ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء، وكان
أحق الخلق أن يحصل له ذلك، وقال للذى سأله: أعقل ناقتى أو أدعها؟ قال له ((اعقلها وتوكل)) فأشار
إلى أن الاحتراز والسعى لايتعارض مع التوكل.
وقد سئل الإمام أحمد عن رجل جلس فى بيته أو فى المسجد، وقال: لا أعمل شيئا حتى يأتينى
رزقى؟ فقال: هذا رجل جهل العلم، فقد قال النبى وقال: ((إن الله جعل رزقى تحت ظل رمحى)) وقال:
((لو توكلتم على اللَّه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا)» فذكر أنها تغدو
وتروح فى طلب الرزق، وقال: وكان الصحابة يتجرون، ويعملون فى نخيلهم، ولنا بهم أسوة حسنة. اهـ
وقد حثت الشريعة الإسلامية كثيراً على العمل، فقال صلى الله عليه وسلم: ((أفضل ما
أكل الرجل من كسبه وكان داود يأكل من كسبه))، قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَّاهُ صَنْعَةَ لَبُوسِ لَكُمْ
لِتُحْصِتَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] وقال تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١].
وأما قول بعض الصوفية: كيف تطلب ما لا تعرف مكانه؟ أى كيف تطلب الرزق وهو مجهول
لك؟ فجوابه: أن يفعل السبب المعروف المأمور به ويتوكل على الله فيما يخرج عن قدرته، فيشق
الأرض مثلا ويلقى الحب ويتوكل على الله فى إنباته، وإنزال الغيث له، ويحصل السلعة مثلا، وينقلها
ويتوكل على اللَّه فى إلقاء الرغبة فى قلب من يطلبها منه، بل ربما كان التكسب واجباً لقادر على
الكسب يحتاج عياله للنفقة، فمتى ترك ذلك كان عاصيا.
٦٧
والتحقيق: أن التوكل يحصل بأن يثق بوعد الله، ويوقن بأن قضاءه واقع، ويعمل ويتبع
السنة فى الأخذ بالأسباب، وفى ابتغاء الرزق، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا
وَكُلُوا مِنْ رِرْقِهِ﴾ [الملك: ١٥] ومع ذلك فلا يطمئن إلى الأسباب بقلبه، بل يعتقد أنها لا
تجلب بذاتها نفعاً، ولا تدفع ضرا، بل السبب والمسبب فعل اللّه تعالى، والكل بمشيئته،
فإذا وقع من المرء ركون إلى السبب قدح فى توكله، والناس مع التوكل على قسمين: واصل،
وسالك، فالأول صفة الواصل، وهو الذى لا يلتفت إلى الأسباب ولو تعاطاها، وأما السالك
فيقع له الالتفات إلى السبب أحيانا، إلا أنه يدفع ذلك عن نفسه بالطرق العلمية إلى أن
يرقى إلى مقام الواصل. والمعتدلون من المتصوفة على ذلك، إذ يقول أبو القاسم القشيرى:
التوكل محله القلب، وأما الحركة الظاهرة فلا تنافيه إذا تحقق العبد أن الكل من اللّه
تعالى، فإن تيسر شىء فبتيسيره، وإن تعسر فبتقديره. والله أعلم.
ويؤخذ من الحديث
١- فضل الله على أمة محمد صل.
٢- وأن أهل الجنة يختلف جمالهم وبهاؤهم كما تختلف درجاتهم.
٣- وفيه منقبة لعكاشة، حيث جاء فى الخبر الصادق أنه ممن يدخل الجنة بغير حساب، وقد جاء
فى بعض الروايات «أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال: نعم)) وجمع الحافظ ابن حجر بين هذه الرواية
وبين ما جاء فى رواياتنا بأنه سأل الدعاء أولا. فدعا له ثم استفهم، فقيل له: أجيب لك الدعاء.
٤- وفى الحديث لطف النبى ® بأصحابه، وحسن أدبه معهم؛ إذ لم يقل للرجل الآخر: لست منهم، أو
لست على أخلاقهم، واكتفى بقوله: ((سبقك بها عكاشة)) وقد كثر الكلام حول حقيقة هذا الرجل
الآخر، فقيل: كان منافقاً، وقيل: كان من خيار المهاجرين، وقيل: كان من خيار الأنصار. قال ابن
الجوزى: يظهر لى أن الأول سأل عن صدق قلب فأجيب، وأما الثانى: فيحتمل أن يكون أريد بما
حسم المادة فلوقال للثانى: نعم. لأوشك أن يقوم ثالث ورابع إلى ما لا نهاية، وليس كل الناس
يصلح لذلك. وقال القرطبى: لم يكن عند الثانى من تلك الأحوال ما كان عند عكاشة فلذلك لم
يجب. قال: وهذا أولى من قول من قال: كان منافقاً لوجهين:
أحدهما: أن الأصل في الصحابة عدم النفاق، فلا يثبت ما يخالف ذلك إلا بنقل صحيح.
الثانى: أنه قل أن يصدر مثل هذا السؤال إلا عن قصد صحيح، ويقين بتصديق الرسول وُ ﴿.
وقال السهيلى: الذى عندى فى هذا أنها كانت ساعة إجابة علمها صلى الله عليه وسلم، واتفق أن
الرجل الثانى قال بعدما انقضت.
وصحح النووى أن النبى و علم بالوحى أنه يجاب فى حق عكاشة، ولا يجاب من الآخر.
٥- وفيه أدب الصحابة، وحسن عشرتهم، وسترهم على من يتوهم فيه النقص، فأبرزوا اسم عكاشة،
وأبهموا اسم الرجل الآخر مع علمهم به.
٦٨
٦- وأن الرقى والكى والتطير غير مشروعة على خلاف وتفصيل سبق فى الرقى والكى.
٧- وفيه فضيلة التوكل على الله تعالى.
٨- ويؤخذ من قوله فى الرواية السابعة: ((فما حملك على ذلك؟ قلت حديث الخ)) مدى حرص
الصحابة على اتباع السنة فى أمورهم وأفعالهم.
٩- ومن قوله: ((قد أحسن من انتهى إلى ما سمع)) مدحهم لمن هذه صفته.
١٠- ومن قوله: ((أما أنى لم أكن فى صلاة)) حرصهم على إبعاد الرياء والسمعة، حيث أسرع بنفى
اتهام العبادة والسهر فى الصلاة عن نفسه؛ لئلا يظن به ما لم يكن عليه.
١١- ومن خوض الناس فى صفة السبعين ألفاً يؤخذ إباحة المناظرة فى العلم، والمباحثة فى نصوص
الشرع على جهة الاستفادة وإظهار الحق.
والله أعلم
٦٩
(١٠٩) باب نصف أهل الجنة من هذه الأمة
٣٩٢- ٣٧٦ عَنْ عَبْدِ اللّهِ ﴾(٣٧٩) قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِمَّ «أَمَا تَرْضَوْنُ أَنْ تَكُونُوا
رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟» قَالَ فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ «أَمَا تَرْضَوْنُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ » قَالَ
فَكَبِّرْنَا، ثُمَّ قَالَ «إِنِّي لِأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ. مَا
الْمُسْلِمُونَ فِي الْكُفَّارِ إِلا كَشَعْرَةٍ بَيْضَاءَ فِي ثَوْرٍ أَسْوَدَ. أَوْ كَشَعْرَةٍ سَوْدَاءَ فِي ثَوْرٍ أَنْيَضَ».
٣٩٣- ٣٧٧ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَ﴾(٣٧٧) قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ:﴿ فِي قُبّةٍ. نَحْوًّا مِنْ أَرْبَعِينَ
رَجُلًا. فَقَالَ «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رَّبُعَ أَهْلِ الْجَنْةِ؟» قَالَ قُلْنَا: نَعَمْ. فَقَالَ «أَتَرْضَوْنُ أَنْ
تَكُونُوا قُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ » فَقُلْنَا: نَعَمْ. فَقَالَ « وَالْذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنِّي لأَرْجُو أَن تَكُونُوا
نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَذَاكَ أَنَّ الْجَنَّةَ لا يَدْخُلُهَا إِلا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ. وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلا
كَالشَّعْرَةِ الْضَاءِ فِي جِلْدِ الْوْرِ الأَسْوَدِ. أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ».
٣٩٤ - ٣٧٨ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ صَ﴾(٣٧٨) قَالَ: خَطَبَا رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ِهِ فَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى قُبَّةِ أَدَمٍ.
فَقَالَ «أَلا. لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ. اللَّهُمَّ هَلْ بَلّغْتُ؟ اللَّهُمَّ! اشْهَدْا أَتْحُّونَ أَنْكُمْ
رُّبُعُ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ » فَقُلْنَا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ «أَتْحُونَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنْةِ؟ »
قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ «إِنِّي لِأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنّةِ. مَا أنْتُمْ فِي سِوَاكُمْ
مِنَ الأُمْمِ إِلا كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَنْيَضِ. أَوْ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الْثّوْرِ الأَسْوَدِ».
٣٩٥ - ٣٧٩ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَّ(٣٧٩) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا
آدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ! وَسَعْدَيْكَ! وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ! قَالَ يَقُول: ◌ُ أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ. قَالَ: وَمَا
بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعِينَ. قَالَ فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ
﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ
شَدِيدٌ﴾)) قَالَ فَاشْتَدَّ عَلَّيْهِمْ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ؟ فَقَالَ «أَبْثِرُوا. فَإِنَّ مِنْ
يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا. وَمِنْكُمْ رَجُلٌ» قَالَ ثُمَّ قَالَ « وَالْذِي نَفْسِي بِيِّدِهِ إِنِّي لِأَطْمَعُ أَنْ
(٣٧٦) حَدَّنَا هُنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَّيْمُونِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
(٣٧٧) حَذََّنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمَثَى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثنّى قَالاً حَدًَّا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدََّا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عَنْ
عَمْرِو بْنِ مَيْمُونِ عَنْ عَبْدِ اللهِ
(٣٧٨) خَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ ثُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدْلَنَا مَالِكٌ وَهُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ عَنْ أَبِيٍ إِسْحَقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِاللَّهِ
(٣٧٩) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ الْعَبْسِيُّ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنَّ أَبِي سَعِيدٍ
٧٠
تَكُونُوا رَّبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فَحَمِدْنَا اللَّهَ وَكَبَّرْنَا. ثُمَّ قَالَ « وَالْذِي نَفْسِي بِيَدِهِا إِنِّي لأَطْمَحُ أَنْ
تَكُونُوا قُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فَحَمِذْنَا اللَّهَ وَكَبَّرْنَا. ثُمَّ قَالَ « وَالَّذِي نَفْسِيٍ بِيَدِهِ! إِنِّي لِأَطْمَعُ أَن
تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ. إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الْأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعْرَةِ الْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ. أَوْ
كَالرِّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ ».
٣٩٦ - ٣٨٠ كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ(٣٨٠) بِهَذَا الإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّهُمَا قَالا: «مَا أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ فِي
النّاسِ إِلا كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَسْوَدِ أَوْ كَالشَّغْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَنْيَضِ» وَلَمْ
يَذْكُرَ: « أَوْ كَالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ ».
المعنى العام
ما أحوج القلوب بين الحين والحين إلى ما يبعث فيها الوجل، وما يثير فيها الخوف من عقاب
الله، وإذا كان ترك المعادن يصيبها بالصدأ الذى لا يذهب إلا بما يجليها، فإن ترك القلوب يصيبها
بالران والغفلة، انشغالا بشهوات الحياة الدنيا، وعلاجها العظة والتذكير بما بعد الموت من جزاء،
ومن أجل هذا كان النبى * يتخول أمته بالموعظة، وبتذكيرهم الهول الجسيم فى يوم القيامة. قال
لهم يوما بمنى، وقد جلسوا حوله نحوا من أربعين رجلا، فى قبة من جلد مدبوغ. قال: أول من يدعى
يوم القيامة آدم، فتتراءى له ذريته، وقد طال بهم الموقف العظيم، وبلغ بهم العرق ما بلغ. فيقول
الجبار: عز وجل. يا آدم. فيقول لبيك وسعديك، والخير فى يديك. فيقول له: أخرج من ذريتك بعث
جهنم ووجههم إليها، انظر ما يرفع إليك من أعمالهم، وأخرج نصيب النار من بينهم، فيقول: يارب. كم
أخرج؟ فيقول: أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فعندئذ يشيب الولدان، وتذهل كل
مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى، وماهم بسكارى ولكن عذاب
الله شديد.
وارتاع الصحابة عند سماع هذا الحديث، وشق ذلك عليهم، وظهرت الكآبة والحزن على وجوههم،
وأنشئوا يبكون. قال لهم رسول اللّهلَ ﴿: ما دهاكم؟ قالوا: يا رسول الله، إذا أخرج إلى النار من كل
ألف تسعمائة وتسعة وتسعون فماذا يبقى بعد ذلك؟ من منا ذلك الواحد من الألف: ثم عادوا يبكون.
فقال لهم رسول اللَّه ◌ُ ﴾: أبشروا، وسأحدثكم بقلة المسلمين فى الكفار يوم القيامة، إن مثلكم فى
الأمم كمثل الشعرة البيضاء فى جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء فى جلد الثور الأبيض، فلم
يكفكف ذلك القياس دمعهم، ولم يطمئنوا منه على مصيرهم، فقال لهم صلى اللَّه عليه وسلم: أترضون
أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ واستعظم ذلك الصحابة، وفرحوا، إنهم لم يكونوا يتصورون - بعد أن
(٣٨٠) حَدَِّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ح وَ حَدََّا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً كِلاهُمَّا عَنِ الأَعْمَشِ
٧١
سمعوا الواحد من الألف - أن يكونوا فى الجنة شيئاً، فكيف يطلب رضاهم ليكونوا ربع أهلها؟ لقد
أنطقت النشوة ألسنتهم بالحمد للَّه والله أكبر، فقال لهم رسول اللَّهُ ﴾: أترضون أن تكونوا ثلث أهل
الجنة؟ قالوا: نعم رضينا، والحمد للَّه والله أكبر قال: أترضون أن تكونوا نصف أهل الجنة؟ قالوا:
نعم رضينا، والحمد لله والله أكبر. قال: بل أنتم نصف أهل الجنة، وتقاسمونهم فى النصف الثانى.
وفرح المسلمون بوعد الله، وأعدوا لهذا الجزاء عدته، وعملوا وجاهدوا فى اللَّه حق جهاده،
فاستحقوا بذلك فضله وعفوه ورحمته، وصدق عليهم قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ
الْمُقَرَُّونَ﴾ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٠- ١٢].
المباحث العربية
(عن عبد اللَّه ) بن مسعود
(أما ترضون) ((أما)) بتخفيف الميم، حرف عرض، بمنزلة ((ألا)) وهى مختصة بالفعل. قال
ابن هشام: وقد يدعى فى ذلك أن الهمزة للاستفهام التقريرى، وأن ((ما)) نافية، مثلها فى ((ألم))
و((ألا )اهـ. ولعله الأنسب هنا. وفى رواية ((أترضون))؟ وفى رواية ((ألا ترضون)) وفى رواية ((أليس
ترضون»؟ وفى رواية ((أتحبون))؟.
( أن تكونوا ثلث أهل الجنة ) ((ثلث)) بضم اللام وسكونها وكذا ((الربع)) بضم الباء وسكونها.
( إنى لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة ) فى القاموس: الشطر نصف الشىء، وجزؤه، ومنه
حديث الإسراء ((فوضع شطرها)) أى بعضها. اهـ والمراد هنا النصف، ففى الرواية الثانية ((إنى لأرجو
أن تكونوا نصف أهل الجنة ».
(وسأخبركم عن ذلك ) وفى رواية ((وسأحدثكم بقلة المسلمين فى الكفاريوم القيامة)».
( إلا كشعرة بيضاء فى ثور أسود ) فى الرواية الثانية ((أو كالشعرة السوداء فى جلد الثور
الأحمر)) قال ابن التين: أطلق الشعرة، وليس المراد حقيقة الوحدة، لأنه لا يكون ثور ليس فى جلده
غير شعرة واحدة من غير لونه. اهـ فالكلام كناية عن قلة المسلمين عددا بالنسبة لغيرهم من الأمم.
( كنا مع رسول اللَّه :﴿ فى قبة نحواً من أربعين رجلاً) ((فى قبة)) خبر (كان)) و()نحوا))
خبر بعد خبر، أو حال من الضمير المستكن فى الخبر، وفى الرواية الثالثة ((فأسند ظهره إلى قبة أدم))
والإضافة فى ((قبة أدم)) بمعنى ((من)) و)) الأدم)) بفتح الهمزة والدال: اسم جمع، والأديم: الجلد
المدبوغ، واستناده إلى القبة لا ينافى كونه فيها، لأنه مستند إلى جدارها من الداخل.
( لبيك وسعديك ) معنى ((لبيك)) إجابة لك بعد إجابة، للتأكيد، وقيل: قربا منك وطاعة لك،
وقيل: أنا مقيم على طاعتك، وقيل: محبتى لك. قال ابن الأنبارى: ثنوا ((لبيك)) كما ثنوا ((حنانيك))
٧٢
ومعنى ((سعديك)) أى ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة. قاله النووى. أى ساعدتنى طاعتك
مساعدة بعد مساعدة ، وفى القاموس. معناه إسعادًا بعد إسعاد، أى سعدت بطاعتك سعادة
بعد سعادة.
(أخرج بعث النار) ((البعث)) هنا بمعنى المبعوث الموجه إلى النار، وأصلها فى السرايا التى
يبعثها الأمير إلى جهة من الجهات للحرب وغيرها، والمعنى هنا: ميز أهل النار عن غيرهم، وفى رواية
((أخرج بعث جهنم من ذريتك)) وفى رواية ((أخرج نصيب النار)).
( وما بعث النار؟ ) قال الحافظ ابن حجر: الواو عاطفة على شىء محذوف، تقديره: سمعت
وأطعت، وما بعث النار؟ أى وما مقدار مبعوث النار؟.
( اشتد ذلك عليهم) وفى رواية ((فشق ذلك على القوم، ووقعت عليهم الكآبة والحزن)).
( أينا ذلك الرجل ) الذى يبقى من الألف؟ قال الطيبى: يحتمل أن يكون الاستفهام على
حقيقته، فكان حق الجواب أن ذلك الواحد فلان، أو من يتصف بالصفة الفلانية، ويحتمل أن يكون
استعظامًا لذلك الأمر، واستشعارًا للخوف منه، فلذلك وقع الجواب بقوله ((أبشروا)).
(فإن من يأجوج ألف ومنكم رجل) قال النووى: هكذا هو فى الأصول والروايات. ((ألف))
و((رجل)) بالرفع فيهما، وهو صحيح، وتقديره ((إنه)» بالهاء التى هى ضمير الشأن، وحذفت الهاء، وهو
جائز معروف. اهـ وفى رواية البخارى ((ألفا)) بالنصب و))منكم رجل)) بالرفع. قال الحافظ ابن حجر:
تقديره: والمخرج منكم، أو ومنكم رجل مخرج، وقال: ووقع فى بعض الشروح لبعض الرواة ((فإن منكم
رجلا، ومن يأجوج ومأجوج ألفا)) بالنصب فيهما. الأول على نصب اسم ((إن)) صريحا، والثانى بتقدير،
وفى رواية الأصيلى بالرفع فى ((ألف)) والنصب فى ((رجلا)) ثم قال الحافظ ابن حجر: ظاهره زيادة
واحد عما ذكر فى تفصيل الألف، فيحتمل أن يكون من جبر الكسر، والمراد أن من يأجوج ومأجوج
تسعمائة وتسعة وتسعين، أو ألفا إلا واحدا. اهـ
(كالرقمة فى ذراع الحمار) ((الرقمة)) بفتح الراء وإسكان القاف. قال أهل اللغة: الرقمتان
فى الحمارهما الأثران فى باطن عضديه، وقيل: هى الدائرة فى ذراعيه، وقيل: هى الهنة الناتئة فى
ذراع الدابة من داخل، وتكون فى قوائم الشاة، وقال الداودى: الرقمة شىء مستدير، لا شعر فيه،
سمیت به لأنه کالرقم. اهـ
فقه الحديث
قال النووى: أما قوله * ((ربع أهل الجنة، ثم ثلث أهل الجنة، ثم الشطر، ولم يقل أولا: شطر أهل
الجنة فالفائدة حسنة، وهى أن ذلك أوقع فى نفوسهم، وأبلغ فى إكرامهم فإن إعطاء الإنسان مرة بعد
٧٣
أخرى دليل على الاعتناء به، ودوام ملاحظته، وفيه فائدة أخرى، هى تكريره البشارة، مرة بعد أخرى،
وفيه أيضاً حملهم على تجديد شكر الله تعالى وتكبيره وتحميده على كثرة نعمه. اهـ وقال ابن التين:
ذكره بلفظ الاستفهام لإرادة البشارة بذلك، وذكره بالتدريج ليكون أعظم لسرورهم. اهـ
وظاهر الحديث أن نهاية البشرى كون المسلمين من هذه الأمة نصف أهل الجنة، وهذا
يعارض ما أخرجه أحمد وابن أبى حاتم، من حديث أبى هريرة قال: لما نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِنْ
الأَوَِّينَ * وَثٌلَّةٌ مِنْ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩-٤٠] فقال النبى﴿ ((إنى لأرجو أن تكونوا ربع
أهل الجنة، بل ثلث أهل الجنة، بل أنتم نصف أهل الجنة، وتقاسمونهم فى النصف الثانى)»
وما أخرجه الطبرانى من وجه آخر عن أبى هريرة، بلفظ ((أنتم ربع أهل الجنة، أنتم ثلث
أهل الجنة، أنتم نصف أهل الجنة. أنتم ثلثا أهل الجنة)) وما أخرجه أحمد والترمذى من
حديث بريدة رفعه ((أهل الجنة عشرون ومائة صف، أمتى منها ثمانون صفا)) وقد رفع هذا
التعارض بأنه صلى الله عليه وسلم لما رجا رحمة ربه أن تكون أمته نصف أهل الجنة،
أعطاه ما ارتجاه، وزاده، وهو نحو قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥].
وقريب من هذا ما يقال للتوفيق بين الروايات التى ساقت البشرى بأسلوب الرجاء والطمع، وبين
الروايات التى ساقتها بأسلوب القطع والجزم، كأنه رجا أولا فأجيب، فأخبر صلى الله عليه وسلم.
وإنما خص آدم بإخراج بعث النار لكونه والد الجميع، ولكونه كان قد عرف أهل السعادة من أهل
الشقاء، فقد رآه النبى * ليلة الإسراء، وعن يمينه أسودة وعن شماله أسودة، كما تقدم فى حديث
الإسراء، وقد أخرج ابن أبى الدنيا من مرسل الحسن قال ((يقول اللَّه لآدم: ياآدم. أنت اليوم عدل بينى
وبين ذريتك، قم فانظر ما يرفع إليك من أعمالهم».
وقد أشكل قوله فى الحديث فى روايته الرابعة ((فذاك حين يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل
حملها، وترى الناس سكارى وماهم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد)) مما يفيد أن ذلك يقع فى
الموقف، أشكل بأن ذلك الوقت لا حمل فيه ولا وضع ولا شيب، وأجاب الكرمانى بأن ذلك وقع على
سبيل التمثيل والتهويل، والتقدير: أن الحال ينتهى إلى أنه لو كانت النساء حينئذ حوامل لوضعت،
كما تقول العرب: أصابنا أمر يشيب منه الوليد؛ ونقل مثل هذا عن الحسن البصرى فى تفسير الآية،
فقال: المعنى أن لو كانت هناك مرضعة لذهلت، وقال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يحمل على
حقيقته، فإن كل أحد يبعث على ما مات عليه، فتبعث حاملاً، والمرضع مرضعة والطفل طفلا، فإذا
وقعت زلزلة الساعة، وقيل ذلك اليوم لآدم ما قيل ورأى الناس آدم، وسمعوا ما قيل له، وقع بهم من
الوجل ما يسقط معه الحمل، ويشيب له الطفل، وتذهل به المرضعة. اهـ
ومال إلى هذا القرطبى فقال: يحتمل أن يكون المعنى أن ذاك حين يقع لايهم كل أحد إلا نفسه،
حتى إن الحامل تسقط من مثله، والمرضعة الخ، ونقل ما ذكره الحليمى، واستحسنه من قوله: يحتمل
أن يحيى اللَّه حينئذ كل حمل كان قد تم خلقه، ونفخت فيه الروح، فتذهل الأم حينئذ عنه، لأنها
٧٤
لاتقدر على إرضاعه، إذ لا غذاء هناك ولا لبن، وأما الحمل الذى لم ينفخ فيه الروح فإنه إذا سقط لم
يجئ، لأن ذلك يوم الإعادة، فمن لم يمت فى الدنيا لم يجئ يوم القيامة. اهـ
وظاهر الرواية الرابعة أن نصيب أهل الجنة من كل ألف واحد، وهذا يعارض ما جاء فى حديث
أبى هريرة ((من كل مائة تسعة وتسعين)) وقد طعن بعضهم فى حديث أبى هريرة لمعارضته الروايات
الكثيرة المتفقة على هذا العدد [من كل ألف واحد] وأجاب الكرمانى بأن مفهوم العدد لااعتبار له،
فالتخصيص بعدد لايدل على نفى الزائد، والمقصود من العددين واحد، وهو تقليل عدد المؤمنين،
وتكثير عدد الكافرين.
وأجاب الحافظ ابن حجر بحمل حديث أبى سعيد وما وافقه على جميع ذرية آدم، فيكون من كل
ألف واحد، وحمل حديث أبى هريرة على من عدا يأجوج ومأجوج، فيكون من كل ألف عشرة، قال:
ويقرب ذلك أن يأجوج ومأجوج ذكروا فى حديث أبى سعيد دون حديث أبى هريرة ثم قال: ويحتمل
أن يكون المراد ببعث النار الكفار ومن يدخلها من العصاة، فيكون من كل ألف تسعمائة وتسعة
وتسعون كافرا، ومن كل مائة تسعة وتسعون عاصيا، والعلم عند الله تعالى. اهـ
هذا فيما يخص نسبة أهل النار لأهل الجنة، أما نسبة أهل الجنة من المسلمين لغيرهم فهم
الشطر أو يزيد، مع مراعاة أن المقصود بأهل الجنة فى أمتنا وفى الأمم السابقة من كان مصيرهم
الجنة، سواء عذبوا أو لم يعذبوا. واللَّه أعلم.
ويؤخذ من الحديث
١- مشروعية الحمد والتكبير عند الفرح والسرور، وعند استعظام الأمور.
٢- وهول الأعداد الموجهة إلى النار بالنسبة للناجين.
٣- إن زلزلة الساعة لشىء عظيم.
٤- وفى قوله: ((لايدخل إلا نفس مسلمة)» نص صريح فى أن من مات على الكفر لا يدخل الجنة أصلا،
وهذا النص على عمومه بإجماع المسلمين.
٥- وحرص آدم على رعاية الأدب مع ربه، حيث نسب الخير إلى اللَّه بقوله «والخير فى يديك» مع أن
الشر أيضاً بتقدير الله، وفى ذلك استعطاف عظيم يناسب المقام.
٦- وشفقة النبى ® وحرصه على أمته ورجاؤه الخير الوفير لها فى الآخرة.
٧- وإدخاله السرور على أمته وتبشيره لها بفضل الله عليها، وإسباغه النعمة لها بستر تقصيرها فى
دنياها، وإدخالها الجنة فى أخراها بمنه وكرمه جل شأنه.
نسأله جلت قدرته، وعظمت رحمته أن يشملنا بعنايته وتوفيقه، وأن يعفو عن التقصير، وأن يقبل
منا هذا الجهد الذى قصدنا به وجهه الكريم.
٧٥
كتاب الطهارة
١١٠. باب فضل الوضوء.
١١١. باب لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة
من غلول.
١١٢. باب الوضوء من الحدث.
١١٣. باب صفة الوضوء وكماله.
١١٤. باب فضل إحسان الوضوء والمشى إلى
المسجد والصلاة وانتظار الصلاة والجمعة
إلى الجمعة.
١١٥. باب الذكر المستحب عقب الوضوء.
تابع باب صفة الوضوء وكماله.
١١٦. باب إسباغ الوضوء وغسل الأعقاب.
١١٧. باب فضل إحسان الوضوء.
تابع باب فضل إحسان الوضوء وإطالة
الغرة والتحجيل فى الوضوء.
١١٨. باب فضل إحسان الوضوء وكثرة الخطا
إلى المساجد.
١١٩. باب السواك.
١٢٠. باب خصال الفطرة.
١٢١. باب الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة.
١٢٢. باب المسح على الخفين.
١٢٣. باب كراهة غمس المتوضئ يده
المشكوك فى نجاستها فى الإناء قبل
غسلها ثلاثا.
١٢٤. باب حكم نجاسة الكلب.
١٢٥. باب البول والاغتسال فى الماء الراكد.
١٢٦. باب إزالة النجاسات إذا حصلت فى
المسجد.
١٢٧. باب حكم بول الطفل الرضيع.
١٢٨. باب حكم المنى.
١٢٩. باب نجاسة الدم وكيفية غسله.
١٣٠. باب وجوب الاستبراء من البول وعقوبة
من یتهاون فیه.
٧٧
الطهارة بفتح الطاء مصدر طهر بضم الهاء وفتحها، من باب قرب وقتل، وهى لغة
النظافة، والتركيب يدل على نقاء وإزالة دنس، حسيًّا كان كالأنجاس أو معنويًّا كالعيوب
والذنوب. وشرعًا: زوال حدث أو خبث بمطهر.
قال الإمام الغزالى: للطهارة مراتب: منها تطهير الظاهر من الحدث والخبث، ثم
تطهير الجوارح من الحرام، ثم تطهير القلب من الأخلاق المذمومة، ثم تطهير السر
عما سوى الله تعالى.
والطهور: بضم الطاء مصدر، ويفتحها ما يتطهر به، وذهب بعض أهل اللغة إلى أنه بالفتح
فيهما، وحكى الضم فيهما.
والطهر: بضم الطاء الاسم، والطهرة اسم من التطهير، والطهر نقيض الحيض، وقد اشتمل
كتاب الطهارة فى صحيح مسلم على الوضوء والسواك وخصال الفطرة، وإعفاء اللحية
والاستطابة وآداب قضاء الحاجة والمسح على الخفين والنجاسات والغسل من الحيض
والنفاس والاستحاضة والجنابة وطهارة جلود الميتة.
ولنبدأ بالوضوء، فنقول وبالله التوفيق.
٧٩
(١١٠) باب فضل الوضوء
٣٩٧- ١ عَنْ أَبِي مَالِكِ الأَشْعَرِيِّ ◌َ﴾(١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﴿ِ «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ.
وَالْحَمْدُ لِلْهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ. وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأَنِ (أَوْ تَمْلُ مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ
وَالأَرْضِ. وَالصَّلاةُ نُورٌ. وَالصَّدَقَةُ بُرْهَادٌ. وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ. وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ. كُلُّ
النّاسِ يَغْدُو. فَبَائِعْ نَفْسَهُ. فَمُعْقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا ».
المعنى العام
شاء الله للإسلام أن يكون دين الطهارة والنظافة، فجعل النظافة من الإيمان، والطهور شطر
الإيمان، ومثل الوضوء للصلاة وتنظيف الظاهر والباطن بنهر يجرى بباب أحدنا يغتسل فيه كل يوم
خمس مرات، فلا يبقى من درنه شيئاً، شاء اللّه للإسلام أن يكون دين طهارة الظاهر والباطن بما
شرع من شرائح وعبادات، فحمد الله وتسبيحه وذكره والثناء عليه يرطب اللسان، ويجلى صدأ
القلوب، كلمات خفيفة على اللسان، ثقيلة فى الميزان، والصلاة تنور البصيرة وتزكى الأعضاء، وتنهى
عن الفحشاء والمنكر، وتحيط صاحبها بملائكة الرحمة، وتحوطه بعناية اللّه تعالى، والصدقة تطهر
المال، وتزكى النفس من البخل والشح وتنقيها من الأثرة والأنانية وحب الذات، والصدقة برهان
على صدق الإيمان باليوم الآخر، ودليل على حب الخير للناس، وصدق الله العظيم حيث يقول ﴿خُذْ مِنْ
أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] والصبر طهارة للعقيدة من الاعتراض على القضاء،
ونور للنفوس فى ظلمات نوائب الدهر ونوازل الزمان، وصدق الله العظيم حيث يقول ﴿وَبَشِّرْ
الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴿ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ
وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥- ١٥٧].
والقرآن الكريم طهارة فى ذاته ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] طهارة لقارئه وسامعه
وللعامل به، وشاهد صدق يرفع صاحبه يوم القيامة.
تلك مثل من طهارة الإسلام وشرائعه، وكل الناس يتحرك ويسعى، لكن منهم من يستفيد من
سعيه، ويبنى آخرته بحركة دنياه، ومنهم من يشقى بسعيه ويهدم آخرته بلذات فانية فى دنياه،
وصدق اللَّه العظيم حيث يقول ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىءٍ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى»
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىِ، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى» وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ
مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىه إِنَّ عَلَيْنَا لَّلْهُدَى» وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى﴾ [الليل: ٤-١٣].
(١) حَدَّنَا إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا حَبَّادُ بْنُ هِلالٍ حَدَّثَنَا أَبَادُ حَدَّثَنَا يَحْيَى أَنَ زَيْدًا حَذَّفَهُ أَنَّ أَبَا سَلامٍ حَدَّفَهُ عَنْ أَبِي
مَالِكٍ الأَشْغْرِيِّ
٨٠