Indexed OCR Text

Pages 41-60

٣٧٢ - ٣°٣ عَنِ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ وَزُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٣٥٣)؛ قَالا: لَمَّا
نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قَالَ انْطَلَقَ نَبِيُّ اللَّهِ ﴿ إِلَى رَضْمَةٍ مِنْ
جَبَلٍ. فَعَلا أَعْلاهَا حَجْرًا. ثُمَّ نَادَى «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافَاه! إِنِّي نَذِيرٌ. إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلٍ
رَجُلٍ رَأَى الْعَدُوَّ فَانْطَلَقَ يَرْبَأْ أَهْلَهُ. فَخَشِيَ أَنْ يَسْبِقُوهُ فَجَعَلَ يَهْتِفُ: يَا صِّبَاحَاهْ».
٣٥٤ بِنَحْوِهِ(٣٥٤).
٣٧٣ - ٥٥ ٣ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٣٥٥)؛ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَأَنْذِرْ
عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ. خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِلَّ حَنِّى
صَعِدَ الصَّفَا. فَهَتَفَ «يَا صَبَاحَاهْ!» فَقَالُوا: مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ؟ قَالُوا: مُحَمَّدٌ. فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ،
فَقَالَ «يَا بَنِي فُلانِ يَا بَنِي فُلانِ! يَا يَّنِي فُلانٍ! يَا بَنِي عَبْدِ مَنَّافٍ! يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطْلِبِ!»
فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَقَالَ «أَرََّيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلا تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ أَكْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟»
قَالُوا: مَا جَرَّبَّنَا عَلَيْكَ كَذِبًا. قَالَ «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ». قَالَ فَقَالَ: أَبُو
لَهَبٍ تَبَّا لَكَ؛ أَمَا جَمَعْتَنَا إِلا لِهَذَا؟ ثُمَّ قَامَ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ: ﴿ثَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَقَدْ
تَبّ﴾ [المسد: ١]. كَذَا قَرَأُ الأَعْمَشُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
٣٧٤ - ٣٢٦ عَنِ الأَعْمَشِ(٣٥٦)، بِهَذَا الإِسْنَادِ. قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِمَ﴿ ذَاتَ
يَوْمِ الصَّفَا فَقَالَ «يَا صَّبَاحَاهْ!» بِنَحْوِ الحديث السابق. وَلَمْ يَذْكُرْ نُزُولَ الآيَةِ:
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾.
المعنى العام
لرفع المحاباة، وللترغيب فى دعوة الإسلام، للإشعار بأنها الخير كل الخير، أمر صلى الله عليه
وسلم أن يبدأ بدعوة قومه وعشيرته وأقربائه، بل أن يبدأ بأقرب الناس إليه داعياً له، ومنذراً إياه من
عذاب شديد، فقال جل شأنه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] وبادر صلى اللّه عليه وسلم
فصدع بما أمر، فصعد الصفا، الذى قدسه العرب كشعيرة من شعائر الحج، ثم وضع إصبعيه فى أذنيه،
(٣٥٣) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا النّيْمِيُّ عَنِ أَبِي عُثْمَانَ عَنِ قَبِيصَةً
(٣٥٤) وحَدَّثَّنَا مُحَمَّدُ أَبْنُ عَبْدِ اَلْأَعْلَى حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ غُنٍ أَبِيهِ حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَنِ زُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍوٍ وَقَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ رَضِي اللَّه
عَنْهِمَا عَنِ النّبِيِّ ێ﴾ بنحوِهِ
(٣٥٥) وحَذَّنَاْ أَبُوَ كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ عَمْرِو بْنٍ مُرَّةَ عَنِ سَعِيدِ بْنِ جُبْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
(٣٥٦) وحَدَّنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالا حَدَّثَنَا أَبُوَ مُعَاوِيَةً عَنِ الأَعْمَثَِ
٤١

وهتف بأعلى صوته: ياصباحاه. ياصباحاه. ياصباحاه، يامعشر قريش يابنى فهر، فاجتمعوا، يابنى
لؤى، فأجاب بنوالأروم بن غالب، يا آل كعب، يا آل كلاب، يا آل قصی، یا آل عبدمناف، يابنى
هاشم، يابنى المطلب، فاجتمعوا، وجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، قال
له أبو لهب: هؤلاء عبد مناف عندك. ماذا تريد منهم؟، فقال: أخبرونى. لو أنبأتكم أن عدواً لكم جاء
بخيله خلف هذا الوادى، يريد أن يغير عليكم، أكنتم مصدقى؟ قالوا: نعم. فوالله ما جربنا عليك كذبا،
وإنك عندنا لصدوق. قال: فإنى رسول الله إليكم بين يدى عذاب شديد، يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم
من النار بالإيمان. يا بنى مرة: اشتروا أنفسكم من الله بالإسلام، يابنى عبد شمس؛ أنقذوا أنفسكم من
النار بالإسلام، يا بنى عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار،
يابنى عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، فإنى لا أغنى عنكم من اللَّه شيئاً، يا عباس بن
عبدالمطلب، أنقذ نفسك، فإنى لا أغنى عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله، أنقذى نفسك،
فإنى لا أغنى عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد، أنقذى نفسك، فإنى لا أغنى عنك من الله
شيئًا، سلينى من مالى ما شئت، فقد أنفعك، لكن لا تتكلى على فإنى لا أملك لك من اللَّه شيئاً إن
لم تؤمنی.
فقال أبو لهب: تبا وخسرانا وهلاكا لك يا محمد. ألهذا جمعتنا؟ ألهذا القول الساحر دعوتنا؟
وأخذ حجرًا يريد أن يرمى به محمدًاً وَ₪، وهاج الناس وماجوا، وأخذ يناقش بعضهم بعضا، ونزل صلى
اللّه عليه وسلم، فدافع اللَّه عنه، وأجاب عنه أبا لهب بقوله جل شأنه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّهُ مَا
أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ١-٣] وحقق الله وعده فهلك أبو لهب
حسرة وكمداً حين هزمت قريش فى غزوة بدر، وأتم اللَّه نوره رغم أنف الكافرين.
المباحث العربية
( وأنذر عشيرتك الأقربين ) أى ذوى القرابة القريبة، والعشيرة رهط الرجل الأدنون، أوهم
أهل الرجل الذى يتكثر بهم، أى يصيرون له بمنزلة العدد الكامل، وهو العشرة.
( دعا قريشا فاجتمعوا فعم وخص) يقال عمهم بكذا، أى شملهم، فالمعنى عم قريشا
بالدعوة وشملها، فقال: يا معشر قريش، وخص بعض بطونها، فقال: يا بنى كعب إلخ، فالفاء فى
قوله: ((فعم)) للتفصيل، مثلها فى قولنا: توضأ فغسل وجهه إلخ، وقوله: ((فاجتمعوا)) مقدمة من تأخير،
والتقدير: دعا قريشاً بطريق التعميم والتخصيص فاجتمعوا.
(أنقذوا أنفسكم من النار) بالإيمان، وفى الرواية الثالثة ((اشتروا أنفسكم من اللَّه)) أى
باعتبار تخليصها من النار، كأنه قال: أسلموا تسلموا من العذاب، فكان ذلك كالشراء، كأنهم جعلوا
الطاعة ثمن النجاة.
٤٢

( غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها ) يقال: بل رحمه إذا وصلها، من باب كتب، والبلال
بكسر الباء الماء، وروى بفتح الباء، والمعنى: غير أن لكم رحما سأصلها بوصلها الحق، شبهت قطيعة
الرحم بالحرارة، ووصلها بإطفاء الحرارة بالبرودة.
( قام رسول اللَّه على الصفا) الصفا الحجر الصلد الضخم لا ينبت، والصفا من مشاعر
الحج، طرف جبل أبى قبيس، وفى الرواية الرابعة ((انطلق نبى الله إلى رضمة من جبل، فعلا أعلاها
حجراً، و((الرضمة)) بفتح الراء وإسكان الضاد وفتحها، جمعها رضم ورضام، وهى صخور عظام بعضها
فوق بعض. وقيل هى دون الهضاب: وقيل: الرضمة الحجارة المجتمعة ليست ثابتة فى الأرض، كأنها
منثورة، وقوله: ((فعلا أعلاها حجرا)) ((حجراً)) مفعول ((علا)) و((أعلاها)) حال من ((حجرا)) وأصله
صفة، فلما قدمت أعربت حالا، والتقدير: فعلا حجرا كائنا أعلاها.
( يا فاطمة بنت محمد ) ((بنت)) و(ابن)) فيها، وفى أمثالها منصوب لا غير، لأنه مضاف
تابع للمنادى، و((فاطمة)) و((صفية)) و((عباس)) يجوزضمها ونصبها، والنصب أفصح وأشهر، وفى
بعض الأصول ((يا فاطم» بحذف الهاء على الترخيم، فيصح ضم الميم وفتحها.
( سلونى من مالى ما شئتم ) أى فإنى أعطيكم ما تسألون، ولكن لا تسألونى دفاعا عنكم عند
اللّه إن لم تسلموا وتعملوا خيرا، وفى الرواية الثالثة ((سلينى بما شئت)) و((سأل)) تتعدى بنفسها وبعن
وبالباء، ففى القاموس: سأله كذا وعن كذا وكذا.
( قال: انطلق نبى الله) ((قال)) معناه: قالا، لأن المراد أن قبيصة وزهير قالا، ولكن لما كانا
متفقين، وهما كالرجل الواحد أفرد فعليهما، ولو حذف لفظة ((قال)) كان الكلام واضحا منتظما، ولكن
لما حصل فى الكلام بعض الطول حسن إعادة ((قال)» للتأكيد، ومثله فى القرآن العزيز ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ
إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] فأعاد لفظ ((أنكم)). ذكره النووى.
( يا بنى عبد منافاه ) هذا هو المسمى بالندبة فى عرف النحاة وهى نوع من النداء، يزيد على
النداء أن المنادى فيه متفجع عليه. ويلحق آخر المنادى والمندوب ألف يفتح ماقبلها، وإذا وقف عليه
لحقه بعد الألف هاء السكت.
(فانطلق يربأ أهله ) أى يحفظهم، ويحميهم، ويتطلع لهم و((يربأ)) على وزن ((يقرأ)» والربئة
بفتح الراء وكسر الباء وبالهمزة المفتوحة، هو العين والطليعة الذى ينظر للقوم؛ لئلا يدهمهم العدو، ولا
يكون فى الغالب إلا على جبل، أو شىء مرتفع، لينظر إلى أبعد.
(فجعل يهتف: ياصباحاه) ((يهتف)) يعنى يصيح ويصرخ و((ياصباحاه)) كلمة يعتادونها
عند وقوع أمر عظيم، فيقولونها ليجتمعوا ويتأهبوا له، وهى منادى، مندوب وأصلها مضاف إلى ياء
المتكلم ((يا صباحى» فقلبت الياء ألفا فى النداء، أو حذفت من أجل ألف الندبة، والهاء للسكت.
٤٣

(ورهطك منهم المخلصين ) فى القاموس: ((الرهط)) ويحرك. قوم الرجل وقبيلته،
ومن ثلاثة أو سبعة إلى العشرة، وما فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه. اهـ. والمراد هنا القوم،
و((المخلصين)) بفتح اللام، وهى صفة المؤمنين، و((من)) تبعيضية، وهو من عطف الخاص
على العام تنويها به وتأكيدا.
( أرأيتكم لو أخبرتكم ) ((أرأيتكم)) معناه أخبرونى، عن طريق مجازين: الأول فى الاستفهام،
بأن تريد معه مطلق الطلب، بدلا من طلب الفهم، بعلاقة الإطلاق بعد التقييد، والثانى: فى الرؤية بأن
تريد منها لازمها وهو الإخبار، فآل المعنى إلى طلب الإخبار، المدلول عليه بلفظ أخبرونى.
( أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل ) أى الأعداء، وفى رواية ((تريد أن تغير عليكم)) وسفح
الجبل أسفله، وقيل: عرضه، والمشار إليه جبل أبي قبيس، حيث كان وافقا على طرفه.
( أكنتم مصدقى ) بتشديد الياء، وأصله أكنتم مصدقين إياى، فالياء الأولى علامة النصب،
والياء الثانية ضمير المفعول وحذفت النون للإضافة.
(فقال أبولهب: تبالك) ((أبولهب)) بفتح الهاء وسكونها عم النبى 8# واسمه عبد العزى
أبن عبد المطلب وأمه خزاعية، وكنى أبا لهب إما بابنه لهب، وإما بشدة حمرة وجنته، ووافق ذلك ما
آل إليه أمره، من أنه سيصلى نارا ذات لهب، ومات بعد وقعة بدر، ولم يحضرها، بل أرسل عنه بديلا،
فلما بلغه ما جرى لقريش مات غما وكمدا، وقوله: ((تبالك)) أى خسرانا لك، مصدر محذوف فعله.
( تبت يدا أبى لهب ) فى القاموس: تبت يداه ضلتا وخسرتا، والجملة دعائية معنى، أو خبرية
لفظا ومعنى.
(وقد تب كذا قرأ الأعمش) أى هكذا قرأها الأعمش يومئذ بزيادة ((قد)) وليست هذه القراءة
فيما نقل القراء عن الأعمش، فالذى يظهر أنه قرأها حاكياً، لا قارئا، والمحفوظ أنها قراءة ابن مسعود
وحده، والجملة على هذه القراءة حالية ويمتنع أن تكون دعائية؛ لأن ((قد)) لا تدخل على أفعال الدعاء،
أما على القراءة الأخرى بحذف ((قد)) فيجوز أن تكون دعائية، ويجوز أن تكون حالية، و((قد)» معها
مقدرة، فيكون دعاء عليه بهلاكه كله، أو يكون إخباراً بما سيحصل، والتعبير بالماضى لتحقق الوقوع.
قال الفراء: الأول: ((تبت يدا أبى لهب)) دعاء بهلاك جملته على أن اليدين إما كناية عن الذات
والنفس لما بينهما من اللزوم فى الجملة، أو مجاز مرسل، من إطلاق الجزء وإرادة الكل، كقوله تعالى:
﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] والثانى إخبار بالحصول، أى وكان ذلك وحصل. اهـ
وقيل: الأول: إخبار عن هلاك عمله حيث لم يفده، ولم ينفعه، لأن الأعمال تزاول بالأيدى غالباً، والثانى
إخبار عن هلاك نفسه. اهـ والظاهر أن كل من يقول: إنها إخبار يقول بأنها من قبيل التعبير عن
المضارع بالماضى لتحقق الوقوع، أو إخبارعما وقع فى علم الله وقضائه.
٤٤

فقه الحديث
قال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث من مراسيل الصحابة، لأن أبا هريرة إنما أسلم بالمدينة،
وهذه القصة وقعت بمكة، لتصريحه فى حديث الباب أنه صعد الصفا، ولأن ابن عباس كان حيئنذ إما
لم يولد، وإما كان طفلا. اهـ
كما أن عائشة لم يتجاوز سنها بمكة ثمانى سنوات على أرجح الأقوال.
ويشكل على الحديث نداء فاطمة فى الرواية الثانية والثالثة، وهى لم تكن بالغة بحيث تخاطب
بالأحكام، ويمكن أن يجاب على هذا الإشكال بأن نداءها لم يكن لتكليفها بالأحكام، وإنما ليعلن
لقريش أنه لا يملك لها شيئاً عند الله إن لم تعمل لنفسها بعد بلوغها، وإن كان يملك أن يعطيها من
ماله ما تسأل.
ووجه تخصيص عشيرته صلى الله عليه وسلم الأقربين بالإنذار مع عموم رسالته دفع توهم
المحاباة، وأن الاهتمام بشأنهم أهم، وأن البداءة تكون بمن يلى، ثم من بعده. وقال الحافظ ابن حجر:
والسرفى الأمر بإنذار الأقربين أولا أن الحجة إذا قامت عليهم تعدت إلى غيرهم، وإلا فكانوا علة
للأبعدين فى الامتناع، وألا يأخذه ما يأخذ القريب من العطف والرأفة، فيحابيهم فى الدعوة
والتخويف، فلذلك نص له على إنذارهم. اهـ
وأفرد صلى الله عليه وسلم فاطمة وصفية فى الرواية الثانية، وعباس فى الرواية الثالثة لشدة
قرابتهم، ولشدة صلته بهم من بين قراباته، وفاطمة كانت أصغر أولاده، وللصغير زيادة محبة، فإذا
انتفى نفعه لمن يحب من أقاربه، ومن يحرص على نفعه، انتفى عن غيره من باب أولى.
وقد جاء فى الرواية الخامسة زيادة ((ورهطك منهم المخلصين)) قال الحافظ ابن حجر: وهذه
الزيادة وصلها الطبرى عن عمرو بن مرة أنه كان يقرؤها كذلك. قال القرطبى: لعل هذه الزيادة كانت
قرآناً فنسخت تلاوتها، ثم استشكل ذلك بأن المراد إنذار الكفار، والمخلص صفة المؤمن، وأجيب عن
ذلك: أنه لا يمتنع عطف الخاص على العام، فقوله: ((وأنذر عشيرتك الأقربين)) عام بمن آمن منهم ومن
لم يؤمن، ثم عطف عليه الرهط المخلص تنويها بهم وتأكيداً.
واستدل بعض المالكية بقوله فى الروايتين الثانية والثالثة ((يا فاطمة بنت محمد - بنت رسول
الله -.. لا أغنى عنكم من اللَّه شيئا، سلونى من مالى ماشئتم)) على أن النيابة لا تدخل فى أعمال
البر، إذ لو جاز ذلك لتحمل صلى الله عليه وسلم عن فاطمة ما يخلصها، فإذا كان عمله لا يقع نيابة عن
ابنته فغيره أولى بالمنع، ورد عليهم بأن هذا كان من قبل أن يعلمه تعالى بأن يشفع فيمن أراد، وتقبل
شفاعته حتى يدخل الجنة قوماً بغير حساب، ويرفع درجات قوم آخرين، ويخرج من النار من دخلها
بذنوبه من المؤمنين، أوكان المقام مقام التخويف والتحذير، أو أنه أراد المبالغة فى الحض على
العمل، ويكون فى قوله: ((لا أغنى شيئاً)) إضمار: إلا أن يأذن اللَّه لى بالشفاعة.
٤٥

ويؤخذ من الحديث
١- استحباب القيام على عال أو مرتفع من الأرض لإبلاغ الدعوة أكبر عدد، فإن فيه انتشار الصوت،
مع تمكين السامعين من مشاهدة المتكلم مما يساعد على استقرار الكلام فى النفوس.
٢- مشروعية الهتاف بيا صباحاه ونحوها، لجمع الناس، وقد ورد عند الطبرى أن النبى و85* وضع
أصابعه فى أذنه ورفع صوته.
٣- وضوح بيانه صلى اللّه عليه وسلم وقوة حجته، إذ أخذ إقرارهم أولا على صدقه فى مهام أمورهم
وأخطرها قبل أن يخبرهم وينذرهم.
٤- صبره صلى الله عليه وسلم على إيذاء قومه، بل على إيذاء من هو أقرب الناس إليه وهو عمه، فقد
روى «أن أبا لهب أخذ بيديه حجراً ليرمى بها رسول اللّه ◌َ﴿، قبل قوله تباً لك».
٥- قال القاضى عياض: استدل به وبالسورة على جواز تكنية الكافر، وقد اختلف العلماء فى ذلك،
واختلفت الرواية عن مالك فى جواز تكنية الكافر، بالجواز والكراهة.
وقال بعضهم: إنما يجوز من ذلك ما كان على جهة التآلف وإلا فلا، إذ فى التكنية تعظيم وتكبير،
وأما تكنية اللَّه تعالى لأبى لهب فليست من هذا، ولا حجة فيه، لأنه قد ترك اسمه لقبحه لأن
اسمه عبد العزى، وهذه التسمية باطلة، فلهذا كنى عنه، وقيل: لأنه إنما كان يعرف بها، وقيل: إن
أبا لهب لقب، وليس بكنية، وكنيته أبو عتبة، وقيل: إنما ذكر بهذه الكنية للإشارة إلى مايؤول إليه
أمره من لهب جهنم، وذهب جماعة إلى أن الكنية لا تدل بمجردها على التعظيم، بل قد يكون
الاسم أشرف من الكنية، ولهذا ذكر الله الأنبياء عليهم السلام بأسمائهم، دون كناهم.
والله أعلم
٤٦

(١٠٥) باب شفاعة النبي ﴾ لأبى طالب
٣٧٥- ٣٥٧ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ◌َ﴾(٣٥٧) أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ نَفَعْتَ أَبًا
طَالِبٍ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ كَانٌ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: «تَعَمْ هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ. وَلَوْلا أَنَا
لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ».
٣٧٦ - ٣٥٨ عَنِ الْعَبَّاسِ حَ﴾(٣٥٨) قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبَا طَالِبٍ كَان يَحُوطُكَ
وَيَنْصُرُكَ. فَهَلْ نَفَعَهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ. وَجَدْتُهُ فِي غَمَرَاتٍ مِنَ النَّارِ فَأَخْرَجْتُهُ إِلَى ضَحْضَاحٍ».
٣٥٩ بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَّةً(٣٥٩)
٣٧٧ - ٣٣٦٠ عَنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ﴾(٣٩٠) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ :﴿ ذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ
أَبُو طَالِبٍ. فَقَالَ: «لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ.
يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ. يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ».
٣٧٨ - ٣٦١ عَنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ◌َضِ﴾(٣٩١) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ «إِنَّ أَذْنَى أَهْلِ النَّارِ
عَذَابًا يَنْتَعِلُ بِتَعْلَيْنِ مِنْ نَارٍ، يَغْلِي دِمَاغُهُ مِنْ حَرَارَةِ نَعْلَيْهِ».
٣٧٩ - ٣٦٢ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٣٩٢)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَّ ◌َ قَالَ: «أَهْوَدُ أَهْلٍ
النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ. وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِتَغْلَيْنِ يَعْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ)».
٣٨٠ - ٣٦٣ عَنِ النُّعْمَانِ بْنٍ بَشِيرٍ صَ﴾(٣٦٣) قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: «إِنَّ أَهْوَنُ
أَهْلِ النّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَرَجُلٌ تُوضَعُ فِي أَخْمَصٍ قَدَعَيْهِ جَمْرَتَانِ، يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ)».
(٣٥٧) وحَذَّنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الأُمَوِيُّ قَالُوا حَدََّا أَبُو عَوَانَةً
عَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرِ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِّ نَوْفَلٍ عَنِ الْعَبَّاسِ
(٣٥٨) ◌َحَدََّنَا ابْنُ أَبِي غَمَرَ خَدَّثَنَاَ سُفْيَانُ عَنِ عَبْدِ الْمَّلِكِ بَّنِ عُمٍَّ غَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ سَمِعْتُ الْعَّاسِ
(٣٥٩) وحَدَّثَيِيهِ مُحْمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثْنَا يَحْتِىَ بْنُ سَعِيدٍ عَنِ سُفْيَانٌ قَالَّ حَدَّثَنِي عَبْدَ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرِ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
الْحَارِثِ قَالَ أَخْرَنِي الْعَبَّاسُِّ بْنُ عَبْدِ الْمُطْلِبِ حَ وَحَدَّقْنَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّقْنَا وَكِيعٌ عَنٍ سُّفْيَانَ بِهَذَا الإِسْنَادِ عَنِ النّبِيِّ
◌ِ بِنَّحْوِ حَدِيثٍ أَبِي عَوَانَةٌ
(٣٦٠) وَحَدَّثَنًا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّقْنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ عَنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
(٣٦١) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدََّا يَخَى بَّنُ أَبِي بُكْيَّرٍ حَدََّنَا زُهَيَّرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ سُهْلٍ بْنِ أَبِّي صَالِحٍ عَنِ النَّعْمَانِ بْنِ
أَبِي عَيَّاشِ عَنِ أَبِّي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
(٣٦٢) وحَدَّثَاْ أَبُوَ بَكْرِ بْنُ أَبِيٍ شَيْبَةٌ حَدًَّا عَقَّانُ حَدَّثْنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ حَدََّا ثَابِتٌ عَنِ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ
(٣٦٣) وحَدََّا مُحَمَّدُ بَّنُ الْمَّثَى وَابْنُ بَشَّارِ وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنِّى قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ أَبًا إِسْحَقَ
یقُولُ سمِعْتُ النّعمان بن بشيرٍ یخطب وهو يقول:
٤٧

٣٨١ - ٣٦٤ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ظُ(٣٦٤) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ «إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا مَنْ
لَهُ تَعْلانِ وَشِرَاكَانٍ مِنْ نَارٍ، يَعْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ. كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ مَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا. وَإِنَّهُ
لأُمْوُّنُهُمْ عَذَابًا».
المعنى العام
توفى والد رسول الله : ﴿ وهو حمل فى بطن أمه، فكفله جده عبد المطلب، حتى مات ورسول الله
وَ* فى الثامنة من عمره، فكفله عمه أبو طالب، وكان فقيراً، كثير العيال، فأنزل محمدا منزلة أعز
أبنائه بل كان يصحبه فى أسفاره البعيدة، ويترك أولاده، خشية أن يشعر فى غيابه بالوحشة ومرارة
اليتم، وعلمه التجارة، ثم زوجه خديجة، ولما بعث صلى الله عليه وسلم وقام المشركون يعادونه
ويؤذونه وقف أبو طالب يحميه ويدافع عنه، وأرسلت قريش إلى أبى طالب أن يوقف محمدا عن
دعوته، أو يخلى بينهم وبينه، ولما قال رسول اللّه { قولته المشهورة: ((واللَّه يا عم لو وضعوا الشمس
فى يمينى، والقمر فى يسارى؛ على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره اللَّه أو أهلك دونه))
سانده عمه، وشد من أزره وطمأنه على استمرار حمايته، بقولته الخالدة: اذهب يا ابن أخى فقل ما
شئت، وادع من شئت، فوالله لا أخذلك ولا أسلمك إليهم أبدا، ورضى أبو طالب أن تعاديه قريش من
أجل محمد ®، وقبل الحصار الاقتصادى والمقاطعة الاجتماعية فى شعب بنى طالب ثلاث سنين
من أجل محمد حتى إذا نقضت صحيفة المقاطعة وخرجوا من الشعب مرض أبو طالب مرضه
الأخير، فقالت له قريش مستهزئة ساخرة: أرسل إلى ابن أخيك ليرسل إليك من هذه الجنة التى
يذكرها دواء يشفيك، فلم يعبأ أبو طالب بهذا الاستهزاء، وأرسل إلى ابن أخيه يدعوه إلى جواره فى
لحظاته الأخيرة حباً فيه، وحناناً عليه، وحرص رسول اللّه { أن ينطق عمه بالشهادتين، وحرص
رأسا الشرك (أبو جهل وابن أبى أمية) المحيطان به أن يظل على دينه، وكانت الإثارة من الجانبين
موجهة قوية إلى أبى طالب، وكانت الخاتمة التى أرادها الله أن يموت على دين عبد المطلب.
ويدافع الوفاء انطلق رسول الله # يستغفر لعمه وقلبه يتقطع حسرة عليه، فنزل قوله تعالى ﴿إنّكَ
لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَيْتَ﴾ [القصص: ٥٦] ونزِل ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ
كَانُوا أُوْلِي قُرْتَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] ومع منع الاستغفار له
استجاب الله لنبيه، فخفف العذاب عن عمه، كان عذابه الغمر فى النار، بل فى الدرك الأسفل من
النار، فخفف عنه إلى فراش من نار، جمرتان من نار، يقف عليهما، تحت باطن كل رجل جمرة،
يحيط بالرجل من أعلاها سير من نار، يغلى من ذلك دماغه وأم رأسه، كما تغلى القدر بما فيها، يظن
أنه أشد أهل النار عذابا وهو أقلهم عذابا.
(٣٦٤) وحَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةً عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ أَبِي إِسْحَقَ عَنِ النَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ
٤٨

فاللهم أجرنا من النار، ومن عذاب النار، ومن كل عمل يقربنا إلى النار، وأصلح لنا شأننا بفضلك
وكرمك يا عزيزيا غفار، يا حفيظ يا شافى يا كريم، يا باقى، يا رحيم، العفويا أللَّه.
المباحث العربية
( فإنه كان يحوطك ) بفتح الياء وضم الحاء، يقال: حاطه يحوطه حوطا وحياطة إذا صانه،
وحفظه، وذب عنه، وتوفر على مصالحه.
(فهو فى ضحضاح من نار) الضحضاح ما رق من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين
فاستعیر فی النار.
( ولولا أنالكان فى الدرك الأسفل من النار) فى ((الدرك)» لغتان فصيحتان مشهورتان،
فتح الراء وسكونها، وقرئ بهما فى القراءات السبع، ومعنى الدرك الأسفل: قعر جهنم، وأقصى
أسفلها، قالوا: لجهنم أدراك، فكل طبقة من أطباقها تسمى دركا.
(ووجدته فى غمرات من النار) الغمرات بفتح الغين والميم، واحدتها غمرة بإسكان الميم،
وهى المعظم من الشىء، وفى القاموس: الغمر الماء الكبير، ومعظم البحر، وغمرة الشىء شدته.
ومعنى ((وجدته)) علمت مكانته بوحى ربى.
( فأخرجته إلى ضحضاح ) أى فتسببت فى إخراجه بشفاعتى، والتعبير بالماضى
لتحقق الوقوع.
( ذكر عنده عمه أبو طالب ) ببناء الفعل للمجهول، والذاكر العباس بن عبد المطلب، كما
جاء مصرحا به فى الروايات الأخرى.
( لعله تنفعه شفاعتى ) جاء فى بعض الروايات ما يفيد وقوع هذا الترجى،
ورواياتنا تؤيد وقوعه.
( توضع فى أخمص قدميه جمرتان) ((أخمص)) بفتح الهمزة وسكون الخاء وفتح الميم،
على وزن أحمر؛ وهو ما لا يصل إلى الأرض من باطن القدم عند المشى، وفى رواية ((على أخمص
قدميه جمرتان)) وفى رواية للبخارى ((توضع فى أخمص قدميه جمرة يغلى منها دماغه)) فيحتمل أن
الاقتصار فيها على جمرة اعتمد على علم السامع بأن لكل إنسان أخمصين، ففى الكلام مضاف
محذوف، أى فى كل أخمص من قدميه جمرة.
( من له نعلان وشراكان من نار) الشراك بكسر الشين هو أحد سيور النعل، وهو الذى يكون
على وجهها وعلى ظهر القدم.
٤٩

( كما يغلى المرجل ) بكسر الميم وفتح الجيم، قدر معروف، سواء كان من حديد أو نحاس أو
حجارة أو خزف، وقيل: هو القدر من النحاس خاصة. والغليان: شدة اضطراب الماء ونحوه على النار
لشدة اتقادها، وفى رواية للبخارى ((كما يغلى المرجل بالقمقم)) والقمقم إناء ضيق الرأس، يسخن فيه
الماء، فارسى معرب، قد يؤنث، فيقال: قمقمة، قال ابن التين: فى هذا التركيب نظر، وقال عياض:
الصواب كما يغلى المرجل والقمقم بواو العطف، وجوز غيره أن تكون الباء بمعنى مع، وفى رواية ((كما
يغلى المرجل أو القمقم)».
( ما يرى أن أحداً أشد منه عذابا، وإنه لأهونهم عذابا) جملة ((وإنه لأهونهم عذابا)) فى
محل النصب على الحال من فاعل ((يرى)».
فقه الحديث
ذكرنا فى الجزء الأول عند شرح حديث وفاة أبى طالب أن جمهور العلماء والرأى المعتمد أن أبا
طالب مات مشركا، وأن آخر كلمة نطق بها: هو على ملة عبد المطلب.
وقلنا: إنه لا يلتفت إلى القول بأنه مات مؤمناً، اعتماداً على ما روى من أن العباس قال: والله لقد
قال أخى الكلمة التى أمرت بها يا ابن أخى، لأن النبى قال له: لم أسمعها، على أن العباس قال
ذلك قبل أن يسلم، ولو أداها بعد الإسلام لقبلت منه، كما لم يلتفت إلى قول القرطبى: وقد سمعت أن
الله تعالى أحيا عمه أبا طالب، فآمن به.
فإن قال القائل: جاء فى بعض السير: أن أبا طالب كان مصدقا بقلبه حيث جاء فى الحديث،
((لولا أن تعيرنى قريش، يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع، لأقررت بها عينك))، وفى صحة إيمان
المصدق بقلبه دون أن ينطق بلسانه خلاف، فهل يدخل إيمان أبى طالب فى هذا الخلاف؟ وهل يعد
مؤمناً عند من يعتد بذلك؟ أجيب بأنه لم يدخل عند أى من المختلفين لأن محل الخلاف ما لم يعلن
نقيض الإيمان، وأبو طالب صرح بالنقيض فى قوله: ((هو على ملة عبد المطلب)) ومما يؤيد أنه مات
كافراً: ما رواه النسائي عن على - كرم الله وجهه- قال: ((قلت: يارسول الله إن عمك الشيخ الضال قد
مات. قال: اذهب فواره. قلت: إنه مات مشركا: قال اذهب فواره)».
ويحاول بعض الروافض أن يثبتوا إسلام أبى طالب بالأحاديث الواهية، قال الحافظ ابن حجر:
ولا يثبت من ذلك شىء، والله أعلم.
وقلنا هناك: إن الظاهر أن الرسول # بنى استغفاره لأبى طالب - بعد أن امتنع عن الإقرار
بالتوحيد، ومات على ذلك - بناه على اجتهاد منه صلى الله عليه وسلم مقتديا بإبراهيم - عليه السلام
- فى استغفاره لأبيه، وقد حمل ابن المنير استغفار الرسول ول لأبى طالب، وقوله: ((واللّه لأستغفرن
لك ما لم أنه عن ذلك)» حمله على تخفيف العذاب، لا على طلب المغفرة العامة، والمسامحة من ذنب
٥٠

الشرك، وهاجمه الحافظ ابن حجر بشدة، فقال: هذه غفلة شديدة من ابن المنير، لأن الشفاعة لأبى
طالب فى تخفيف العذاب لم ترد، وطلبها لم ينه عنه، وإنما وقع النهى عن المغفرة العامة، وقال: إن
النبى * لم يترك الشفاعة وطلب التخفيف، بل شفع له حتى خفف عنه العذاب بالنسبة لغيره
من المشركين.
هذا بعض ما قلناه هناك، مما يتعلق بشرح حديث الباب؛ وقد استشكل ثبوت الشفاعة لأبى
طالب بقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] وأجيب بأنه خص، ولذلك عدوه من
خصائص النبى *، وقيل: معنى المنفعة فى الآية تخالف معنى المنفعة فى الحديث ((لعله تنفعه
شفاعتى)) لأن المراد بها فى الآية الإخراج من النار، وفى الحديث المنفعة بالتخفيف. وبهذا الجواب
جزم القرطبى، وأجاب بجواب آخر، حاصله: أن النفع المنفى فى الآية إنما هو بحسب شعور الكافر
وإحساسه، ففى روايتنا السابعة ((ما يرى أن أحداً أشد منه عذاباً، وإنه لأهونهم عذاباً)) فلما لم يحس
المخفف عنه بأثر التخفيف كان كأنه لم ينتفع فى نظر نفسه.
وهذان الجوابان معارضان بقوله تعالى: ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا ﴾ [فاطر: ٣٦] فالأولى
الرجوع إلى أنه خص. قال البيهقى: صحت الرواية فى شأن أبى طالب، فلا معنى للإنكار من حيث
صحة الرواية، ووجهه عددى أن الشفاعة فى الكفار إنما امتنعت لوجود الخبر الصادق فى أنه لا
يشفع فيهم أحد؛ وهو عام فى حق كل كافر، فيجوز أن يخص منه من ثبت الخبر بتخصيصه.اهـ وهو
کلام جید.
وفى الحكمة فى جعل عذاب أبى طالب فى قدميه يقول السهيلى: إن أبا طالب كان تابعاً لرسول
اللَّه ◌ِ﴿ بحمايته، إلا أنه استمر ثابت القدم على دين قومه، فسلط العذاب على قدميه خاصة لتثبيته
إياهما على دين قومه. قال الحافظ ابن حجر: كذا قال، ولا يخلو عن نظر. اهـ
ويؤخذ من الحديث
١- ثبوت الشفاعة لأبى طالب خاصة من بين الكفار.
٢- الاعتراف بالفضل لأهل الفضل، والعمل على رد الجميل.
٣- خصوصية لرسول الله: ﴿ وفضله عند ربه وقبول شفاعته.
٤- أن عذاب الكفار متفاوت.
٥- وأن أقله لا تطيقه الجبال.
أعاذنا الله منه، ورزقنا الحسنى وزيادة، بشفاعة نبينا محمد صل.
٥١

(١٠٦) باب من مات على الكفر لا ينفعه عمل
٣٨٢ - ٣٦٥ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٣٦٥)؛ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ابْنُ جُدْعَالَ.
كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ. وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ. فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: «لا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ
يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ».
المعنى العام
كان ابن جدعان من رؤساء قريش، وكان باراً بأهله، يصل بسخاء رحمه، کريماً لضيوفه، عطوفاً
على الفقراء والمساكين، وكان لجوده وسخائه يتخذ جفنة كبرى عالية، يرقى إليها بسلم، فكان من
أجل ذلك موضع تقدير وإعجاب وثناء، فلما مات على كفره، وقرأت عائشة قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا
وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ١] وقوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلِ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً
مَنْتُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] قالت: يارسول الله. ابن جدعان كان كثبر الخيرات، يصل الرحم، ويحمل الكل
ويطعم المسكين، ومات على الكفر، فهل ينفعه فى الآخرة ما فعله من خير فى دنياه؟ فقال لها صلى
اللَّه عليه وسلم: لا، لا ينفعه، لأن شرط صحة العمل الإيمان، وهو لم يصدق بيوم الجزاء ولم يقل يوماً:
﴿وَلَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَلِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢].
المباحث العربية
( ابن جدعان) بضم الجيم وإسكان الدال، واسمه عبد الله، من بنى تيم بن مرة، أقرباء عائشة
- رضى اللَّه عنها.
( إنه لم يقل يوماً: رب اغفرلى خطيئتي يوم الدين ) أى لم يصدق بالبعث، ومن لم
يصدق بالبعث كافر، ولا ينفعه عمل، وجملة ((إنه لم يقل .. إلخ)) مستأنفة استئنافاً تعليلياً.
فقه الحديث
قال النووى: معنى هذا الحديث أن ما كان يفعله من الصلة والإطعام ووجوه المكارم لا ينفعه فى
الآخرة لكونه كافرًا. اهـ
وقضية هذا الحديث هى قضية انتفاع الكافر فى آخرته بما عمل من خير فى دنياه، وعدم انتفاعه
(٣٦٥) حَدَِّي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةُ حَدَثْنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عْنٍ مَسْرُوقٍ عَنِ عَائِشَةَ
٥٢

بذلك، فهناك من الأحاديث ما يفيد انتفاعه، فقد روى البخارى ((لما مات أبو لهب أريه بعض أهله
بشر خيبة)» (أى سوء حال) قال له: ماذا لقيت؟ قال أبولهب: لم ألق بعدكم راحة أو رخاء)» غير أنى
سقيت فى هذه ((وأشار إلى النقرة التى تحت إبهامه، أى التى بين الإبهام والتى تليها من الأصابع
((بعتاقتى ثويبة)) فأفاد هذا الحديث أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح فى الآخرة، كما أفادنا هذه
الإفادة حديث تخفيف العذاب عن أبى طالب (السابق الشرح) بفضل حياطته النبى { *، ونصرته
إياه، كما يفيد هذه الإفادة ما رواه ابن مردويه والبيهقى من حديث ابن مسعود رفعه ((ما أحسن
محسن من مسلم ولا كافر إلا أثابه اللَّه، قلنا: يا رسول اللّه ما إثابة الكافر؟ قال: المال والولد والصحة
وأشباه ذلك. قلنا: وما إثابته فى الآخرة؟ قال: عذاباً دون العذاب)) ثم قرأ: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ
الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦].
وهناك من الأحاديث ما يمنع انتفاع الكافر فى آخرته بما عمل من صالح فى دنياه،
كحديث ابن جدعان الذى معنا، وما رواه مسلم عن أنس «وأما الكافر فيعطى حسناته فى
الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة)). وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنّا إِلَى مَا عَمِلُوا
مِنْ عَمَلِ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْتُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
وأمام هذه القضية افترق العلماء ثلاث فرق (مع اتفاقهم جميعاً على أن الكافر لا يثاب
بنعيم فى الآخرة).
الفريق الأول: يرى عدم انتفاع الكافر فى الآخرة بما عمل من صالح مطلقاً، ويمثله القاضى
عياض، الذى يقول: انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم، ولا يثابون عليها بنعيم ولا
تخفيف عذاب، وإن كان بعضهم أشد عذاباً من بعض. اهـ. ويرد حديث أبي لهب بأنه مرسل، وعلى
تقدير أن يكون موصولا فالذى فيه رؤيا منام فلا حجة فيه، ولعل الذى رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد،
فلا يحتج به، أما بالنسبة لأبى طالب فلعلها خصوصية للرسول # كما سبق.
والفريق الثانى: يرى أن الكافرين ينتفعون فى الآخرة بما عملوا من صالح دنياهم، بتخفيف
العذاب عن جرائمهم التى ارتكبوها غير الكفر، ويمثله البيهقى الذى يقول: قد يجوز أن يكون حديث
ابن جدعان وما ورد من الآيات والأخبار فى بطلان خيرات الكافر إذا مات على الكفر، ورد فى أنه لا
يكون لها موقع التخليص من النار، وإدخال الجنة، ولكن يخفف عنه من عذابه الذى يستوجبه على
جنايات ارتكبها، سوى الكفر بما فعل من الخيرات. أهـ وإلى هذا الرأى يميل الحافظ ابن حجر.
الفريق الثالث: يرى أن انتفاع الكافر فى الآخرة بما عمل من صالح فى دنياه ليس على إطلاقه
السابق، وإنما هو خاص بمن ورد فيهم النص كأبى لهب وأبى طالب، ويمثله القرطبى الذى يقول عند
شرح حديث أبى لهب هذا: التخفيف خاص بهذا (أى بغير عذاب الكفر) وبمن ورد النص فیه. اهـ
ويميل ابن المنير إلى هذا الرأى، ويوضحه؛ فيقول: هنا قضيتان:
٥٣

إحداهما من المحال: وهى اعتبار طاعة الكافر مع كفره، لأن شرط الطاعة أن تقع بقصد صحيح،
وهذا مفقود من الكافر.
ثانيهما: إثابة الكافر على بعض الأعمال تفضلا من الله تعالى، وهذا لا يحيله العقل، فإذا تقرر
ذلك لم يكن عتق أبى لهب لثويبة قربة معتبرة، ويجوز أن يتفضل الله عليه بما شاء، كما تفضل على
أبى طالب، والمتبع فى ذلك التوقيف نفيا وإثباتًا. اهـ وهذا القول من الحسن بمكان.
واللَّه أعلم
٥٤

(١٠٧) باب موالاة المؤمنين والبراءة من موالاة الكافرين
٣٨٣ - ٣٦٦ عَنْ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ رَ﴾ (٣٦٦) قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ِ، جِهَارًا غَيْرَ سِرٌّ،
يَقُولُ «أَلا إِنَّ آلَ أَبِي (يَعْنِي فُلانًا) لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ. إِنَّمَا وَبِّيَ اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ».
المعنى العام
إن التعاضد والتناصر، والتعاون والتآلف ينبغى أن يكون بين المؤمنين بعضهم مع بعض، ويحرم
على المؤمن أن يستعين بكافر ضد مؤمن، أما استعانة المؤمن بالكافر ضد الكافر، فقد كان مشروعاً
أول الإسلام، حيث كان المسلمون فى حاجة إلى حماية من أذى الكفار، فهذا أبوبكر الصديق
حماه بعض الكافرين أول الإسلام، ومحمد / حماه عمه أبو طالب، وتحالف مع بعض اليهود والكفار،
لكن بعد أن قوى الإسلام، وأعزه الله بأهله نهى عن موالاة الكافرين، فتبرأ المؤمنون من موالاة أعداء
الله، ويتبرأ رسول اللَّه﴿ من الأولياء الكافرين، وينفى أن يكون آل فلان - من الكافرين الذين فهم
الناس من قبل أنهم يناصرونه ويدافعون عنه - أولياءه، وصرح بأن وليه اللَّه وصالح المؤمنين ﴿ وَمِنْ
يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِرْبَ اللَّهِ هُم الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]. ويقول تعالى ﴿يَاأَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١].
المباحث العربية
(جهارًا غير سر) «جهارًا » صفة لمصدر محذوف أى قولا جهارًا أى علانية لم يخفه، بل أباح
به وأظهره وأشاعه، فقوله: ((غير سر)) وصف للتأكيد.
( ألا إن آل أبى ... يعنى فلانا) منطوق الرسول كان اسما معينا، قيل: هو الحكم بن أبى
العاص، فكأنه قال: ألا إن آل أبي العاص ليسوا لى بأولياء، ولكن الراوى أبهم الاسم وكنى عنه بفلان.
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث أن ولاية المؤمنين ينبغى أن تكون من المؤمنين، وأن الولاية ينبغى أن تكون
للدين والصلاح، وإن بعد فى النسب، ومن ليس بمؤمن ولا صالح فليس بولى، وإن قرب نسبه، قال
تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [المائدة: ٥٥] أى لا تتخذوا أولئك أولياء، لأن بعضهم
(٣٦٦) حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ خَنْبَلٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدََّا شُعْبَةُ عَنْ إِسْمَعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ
٥٥

أولياء بعض، وليسوا بأوليائكم، إنما أولياؤكم اللّه تعالى ورسوله : * والمؤمنون فاختصوهم بالموالاة،
ولا تتخطوهم إلى الغير ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ [التوبة: ٧١].
ويؤخذ من الحديث
١- التبرؤ من المخالفين، وإعلان ذلك ما لم يخف ترتب فتنة علبه.
٢- وما كان عليه الصحابة والرواة من الستر على المجروح، والتكنية عنه، دفعًا للمفاسد المترتبة على
التصريح به كفتنته هو، أو جرح شعور أقاربه المؤمنين.
والله أعلم
٥٦

(١٠٨) باب دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب
هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون ولايكتوون، وعلى ربهم يتوكلون
٣٨٤- ٣٠٦٧ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ظْ (٣٦٧) أَنَّ النَّبِيَّ:﴿ قَالَ «يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرٍ
حِسَابٍ» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ)» ثُمَّ قَامَ آخَرُ.
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ».
٣٦٨ بِمِثْلٍ حَدِيثِ الرَّبِيعِ(٣٦٨).
٣٨٥ - ٣٢٦٩ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َ﴾ (٣٦٩) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ يَقُولُ «يَدْخُلُ مِنْ أُمَّنِي
زُمْرَةٌ هُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا. تُضِيُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَامَ عُكَّاشَةُ
بْنُ مِحْصَنِ الأَسَدِيُّ، يَرْفَعُ نَمِرَةٌ عَلَيْهِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ ﴿: «اللَّهُمَّ! اجْعَلْهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ
اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَتِ «سَبَقَكَ بِهَا عُكَاشَةُ».
٣٨٦ - ٣٧٢٠ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةًّ ◌َ﴾(٣٧) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ:﴿ قَالَ: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي
سَبْعُونَ أَلْفًا، زُمْرَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُمْ، عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ».
٣٨٧ - ٣٧١ عَنْ عِمْرَانٌ رَِّ(٣٧١) قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِلَ﴿و «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا
بِغَيْرِ حِسَابٍ» قَالُوا: وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ «هُمِ الَّذِينَ لا يَكْتَوُونَ وَلا يَسْتَرْقُونَ. وَعَلَى
رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» فَقَامَ عُكَّشَةُ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ «أَنْتَ مِنْهُمْ)) قَالَ فَقَامَ
رَجُلٌ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ «سَبَقَكَ بِهَا عُكْشَةُ».
٣٨٨ - ٣٢٢ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَّيْنٍ ◌َُ(٣٧٢) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَ﴿ قَالَ «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي
(٣٦٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلامِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْجُمَحِيُّ حَدََّا الرَّبِيعُ يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٣٦٨) وَحَدَّثَّا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارِ حَدَّثْنَا مَّحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حَدَّثَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بُّنَ زِيَادٍ قَالَ سَمِغَتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ◌َّه يَقُولُ
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ بِمِثْلِ حَدِيثِ الرَّبِيعِ
(٣٦٩) حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى أَخْبُرَنَا أَبْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ
أَبَا هُرَيْرَةً حَدَّثَهُ
(٣٧٠) وحَدَّثَبِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِي حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي حَيْوَةٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو يُونُسَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٣٧١) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ خَلَفِ الْبَاهِلِيُّ حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ هِشَامٍ بْنِ حَسَّالْ عَنْ مُحَمَّدٍ يَعْنِي ابْنَ سِيرِينَ قَالَ حَدَّثَنِي عِمْرَانُ قَالَ:
(٣٧٢) حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِّثِ حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ عُمَرٌ أَبُو خُشَيْنَةَ الْقَفِيُّ خَدََّنَا الْحَكْمُ بْنُ
الأَعْرَجِ عَنْ عِمْرَانٌ
٥٧

سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ» قَالُوا مَنْ هُمْ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ «هُمِ الْذِينَ لا يَسْتَرْقُونَ. وَلا
يَتَطَيَّرُونَ. وَلا يَكْنَؤُونَ. وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكُّلُون».
٣٨٩ - ٣٢٣ عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ◌َِ(٣٧٣) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ «لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مِنْ
أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا، أَوْ سَبْعُ مِائَةٍ أَلْفٍ (لا يَدْرِي أَبُو حَازِمٍ أَيَّهُمَا قَالَ) مُتَمَاسِكُونَ. آخِذٌ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. لا
يَدْخُلُ أَوْلُهُمْ حَتْى يَدْخُلَ آخِرُهُمْ وُجُوهُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ».
٣٩٠- ٤٧٤ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ(٣٧٤)؛ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: أَيُّكُمْ
رَأَى الْكَوْكَبِّ الْذِي انْقَضَّ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتُ: أَنَا، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلاةٍ. وَلَكِنِّي
لُدِغْتُ. قَالَ: فَمَاذَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: اسْتَرْقَيْتُ. قَالَ: فَمَا حَمَلَّكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْتُ: حَدِيثٌ
حَدَّثْنَاهُ الشَّغْبِيُّ. فَقَالَ: وَمَا حَدَّثَكُمُ الشَّعْبِيُّ؟ قُلْتُ: حَدَّثَنَا عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ حُصَيْبِ الأَسْلَمِيِّ؛ أَنَّهُ
قَالَ: لا رُقْيَةَ إِلا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ. فَقَالَ: قَدْ أَحْسَنَ مَنِ الْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ. وَلَكِنْ حَدَّثْنَا ابْنُ
عَبَّاسٍ عَنِ النّبِيِّل﴿ قَالَ « عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ. فَرَأَيْتُ النّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ. وَالنِّبِيَّ وَمَعَهُ
الرَّجُلُ وَالرَّجُلانِ. وَالنّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ. إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ. فَظَنْتُ أَنْهُمْ أُمَّتِي. فَقِيلَ
لِي: هَذَا مُوسَى: ﴿ وَقَوْمُهُ. وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ. فَظَرْتُ. فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ. فَقِيلَ لِي: انْظُرْ
إِلَى الأَفْقِ الآخَرِ. فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ. فَقِيلَ لِي هَذِهِ أُمِّنُكَ. وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ
بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ». ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ. فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ
الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمِ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللَّهِعَ﴿ِ. وَقَالَ
بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمِ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلامِ وَلَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ. وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ. فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ
رَسُولُ اللَّهِلَ ﴿ فَقّالَ «مَا الَّذِي تَخُوضُونَ فِيهِ؟» فَأَخْبُرُوهُ. فَقَالَ «هُمِ الَّذِينَ لا يَرْقُونَ. وَلا
يَسْتَرْقُونَ. وَلا يَتَطَّيَّرُونَ. وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكّلُون)» فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ. فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ
يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ « أَنْتَ مِنْهُمْ» ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ
«سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ».
٣٩١ - ٣٧٥ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللّه عَنْهِمَا (٣٧٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَّ«عُرِضَتْ عَلَيَّ
الأُمّمُ، ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ نَحْوَ حَدِيثِ هُشَيْمٍ وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ حَدِيثِهِ.
(٣٧٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّقَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ
(٣٧٤) حَدََّا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا هُشَيْمَّ أَخْبَرَنَا خُصَيْنُ بْنُ عَبَّدِ الرَّحْمَنِ قَالَ
(٣٧٥) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي ◌َشَيْبَةً حَدََّنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عَّاسٍ
٥٨

المعنى العام
كان حصين بن عبد الرحمن فى مجلس سعيد بن جبير، صبيحة ليلة سقط فيها شهاب من
كوكب فأضاء الأفق، قال سعيد بن جبير لجلسائه: أيكم شاهد الكوكب الليلة، وهو ينبعث منه شهاب
من نار؟ فقال حصين: أنا شاهدته، وكان فى النصف الثانى من الليل، لكن لا تحسبوا أنى كنت
أصلى، لا تظنوا أنى كنت أقوم الليل وأتهجد، بل كنت متيقظا من آلام لدغة عقرب، قال له سعيد:
فبماذا عالجت نفسك من سم العقرب؟ قال: رقيت نفسى، قال: من أنبأك أن الرقية علاج؟ قال:
حملنى على ذلك ودفعنى إليه حديث سمعته عن الشعبى، الذى نتلقى حديثه بالقبول. قال: بماذا
حدثكم الشعبى؟ قال: حدثنا عن بريدة بن حصيب الأسلمي، أنه قال: لا رقية أشفى وأولى من رقية
العين الحاسدة، ومن الرقية من لدغ الحية أو العقرب أو ذوات السموم، قال سعيد بن جبير: أحسنت
صنعاً إذ كنت متبعا لا مبتدعا، لكنى سمعت حديثا يناقض ما سمعت من حديث، سمعت ابن عباس
يروى عن النبى - أنه قال، عرض الله على حال الأمم يوم القيامة، وأتباع كل نبى خلفه فى طريقهم
إلى الجنة، فرأيت النبى وليس معه أحد، وليس له تابع، ورأيت النبى ومعه تابع واحد، والنبى ومعه
تابعان، والنبى ومعه دون العشرة، إذ عرض على سواد كثير، وجمع عظيم، ففرحت به؛ وظننت أنهم
أمتى فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء قوم موسى، لكن انظر إلى هذه الجهة، فنظرت فإذا جمع
أكبر، قيل لى: انظر إلى الجهة الأخرى، فنظرت فإذا جمع أكبر، قيل لى: هؤلاء وهؤلاء أمتك الذين
سيدخلون الجنة، وفيهم سبعون ألفاً يدخلونها بغير حساب، ولا عذاب، يدخلونها أول الداخلين،
وجوههم تضىء كالقمر ليلة البدر، يدخلونها صفا واحداً متماسكين، يدخلونها فى لحظة واحدة،
لايدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، يغبطهم الخلق أجمعون، قال عكاشة بن محصن - وكان بين
المستمعين لهذا الحديث -: يارسول اللَّه. ادع الله لى أن أكون منهم، فقال رسول اللَّهَ﴿: اللهم اجعل
عكاشة منهم، قال رجل آخر من الجالسين: وأنا يارسول اللَّه. ادع لى اللَّه أن يجعلنى منهم، فخشى
رسول اللَّه ◌ِ أن تتوالى الطلبات، فسد الباب، وقال للسائل: سبقك بالدعوة المستجابة عكاشة.
فقال عكاشة: أنا منهم يارسول الله؟ قال: نعم أنت منهم.
ودخل رسول اللّه من المسجد إلى بيت إحدى أمهات المؤمنين، فخاض الناس فى صفة
هؤلاء السبعين ألفاً، من عساهم يكونون؟ قال بعضهم لعلهم السابقون إلى الإسلام، نحن الذين آمنا
باللّه واتبعنا الرسول فنحن هم، وقال آخرون: نحن ولدنا فى الشرك أما أبناؤنا فقد ولدوا فى الإسلام
ولم يشركوا بالله شيئا، فلعلهم هم، وقال بعضهم: لعلهم الشهداء، وقال آخرون: لعلهم من رق قلبهم
للإسلام. فخرج عليهم رسول اللّه *، فقال: ما الذى تفيضون فيه؟ فذكروا له ما قالوا، قال: هم الذين
يسندون الأمور إلى الله، فلا يكتوون على أنه العلاج والشفاء، ولا يسترقون على أن الرقية هى العلاج
والشفاء، بل إن فعلوهما فعلوهما مؤمنين أن الشافى هو اللَّه تعالى، ولا يتطيرون ولا يتشاءمون وهم
فى جميع أحوالهم على ربهم يتوكلون.
٥٩

المباحث العربية
( سبقك بها عكاشة ) بضم العين وتشديد الكاف، ويجوز تخفيفها، وفى الرواية الثانية
((عكاشة بن محصن)) بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد، من بنى أسد بن خزيمة، وكان من
السابقين إلى الإسلام، وكان من أجمل الرجال، وكنيته أبو محصن، وهاجر، وشهد بدرا، وقاتل فيها،
قال ابن إسحاق: بلغنى أن النبى 88 قال: ((خير فارس فى العرب عكاشة)» استشهد فى قتال الردة
فى جيش خالد بن الوليد سنة اثنتى عشرة.
( يدخل من أمتى زمرة ) الزمرة الجماعة فى تفرقة، بعضها فى إثر بعض، وفى الرواية الثالثة
((يدخل الجنة من أمتى سبعون ألفا زمرة واحدة)) روى فيها برفع «زمرة)» ونصبها.
( فقام رجل من الأنصار) قيل: هو سعد بن عبادة، وهو بعيد لما سيأتى فى فقه الحديث.
( عكاشة .. يرفع نمرة عليه ) بفتح النون وكسر الميم، وهى كساء من صوف، فيه خطوط
بيض وسود وحمر، كأنها أخذت من جلد النمر، لاشتراكهما فى التلون، وهى من مآزر العرب.
(منهم على صورة القمر) ((من)) بيانية، أى هم على صورة القمر، والمراد بالصورة الصفة،
يعنى أنهم فى إشراق وجوههم على صفة القمر ليلة تمامه، وهى ليلة اليوم الرابع عشر، وفى الرواية
الثانية ((تضىء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر)) أى تشرق وجوههم إشراق البدر.
( هم الذين لا يكتوون ) أى لايفعلون الكى بأجسامهم للعلاج، وسيأتى بيان حكمه
فى فقه الحديث.
( ولا يسترقون ) بفتح الياء وسكون السين وفتح التاء وسكون الراء، أى لا يطلبون الرقية
علاجا، يقال ((رقى)) بالفتح فى الماضى ((يرقى)) بالكسر فى المضارع، والرقية التعويذ.
( وعلى ربهم يتوكلون ) فى الكلام قصر، طريقه تقديم ما حقه التأخير، وهذه الجملة يحتمل
أن تكون مفسرة لما تقدم، ويحتمل أن تكون من ذكر العام بعد الخاص، لأن صفة كل واحدة منها
صفة أخص من التوكل، وهو أعم من ذلك.
( ولا يتطيرون ) الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء، وقد تسكن: وهى التشاؤم، وأصل التطير أنهم
كانوا فى الجاهلية يعتمدون على الطير، فإذا خرج أحدهم لأمر زجر الطير، فإن طاريمنة تيمن
واستمر، وإن طار يسرة تشاءم به ورجع، وكانوا يسمونه السانح والبارح، فالطير السانح ما ولاك
ميامنه، بأن يمر عن يسارك، وكانوا يتيمنون به، والبارح بالعكس ويتشاء مون منه، وليس فى شىء من
سنوح الطير وبروحها ما يقتضى ما اعتقدوه، وإنما هو تكلف بتعاطى ما لا أصل له، إذ لا نطق للطير،
٦٠