Indexed OCR Text
Pages 21-40
(فيسمعهم الداعى ) بضم الياء وكسر الميم، و((الداعى)) فاعل، أى يصل صوت الداعى إليهم
جميعًا بقوة ودرجة واحدة.
(وينفذهم البصر) بفتح الياء وضم الفاء والذال، وروى بضم الياء يقال: نفذ البصر القوم إذا
بلغهم وجاوزهم، وأنفذ البصر القوم إذا خرقهم وسرى فيهم، و((أل)) فى البصر للعهد. قيل: بصر الرحمن،
ورد بأن بصر الرحمن ينفذ فى عباده، وهو مطلع عليهم فى كل وقت وفى الأرض المستوية وغير
المستوية، فالأصح أن المراد بصر المخلوق، والمعنى: أنه يحيط بهم الناظر، لايخفى عليه منهم شىء،
الاستواء الأرض وعدم وجود شىء عليها يستر الناظرين، ورواه بعضهم بالدال المهملة ((ينفدهم)) أى
يبلغ أولهم وآخرهم، حتى يراهم كلهم، ويستوعبهم.
( وتدنو الشمس ) من رءوس الناس، كما سيوضح فى فقه الحديث.
( ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ ) بفتح الغين، أى ما وصل وانتهى إلينا من الكرب والشدة. قال
النووى: بفتح الغين هذا هو الصحيح المعروف، وضبطه بعض الأئمة المتأخرين بفتح الباء واللام
وإسكان الغين، وله وجه ولكن المختار فتح الغين، ويدل عليه قوله فى أول الحديث: «ألا ترون ماقد
بلغكم»؟ ولو كان بإسكان الغين لقال: بلغتم. اهـ
( إن ربى غضب اليوم ) المراد من الغضب لازمه، وهو ما يظهر من انتقامه وإيصال السوء
لبعض عصاته، مما يشاهده أهل الموقف من الأهوال التى لم تكن، ولا يكون مثلها، كما أن الرضى فى
حقه تعالى ظهور رحمته ولطفه بمن أراد به الخير والكرامة، لأن اللَّه تعالى يستحيل فى حقه التغير
فى الغضب والرضى.
( نفسى نفسى ) مبتدأ وخبر، أى نفسى هى روحى وكل ما أملك وأحرص عليه فى هذا الوقت.
قاله بعضهم: والأولى جعل الأولى مبتدأ محذوف الخبر، أو خبرا لمبتدأ محذوف، والثانية تأكيدا، يؤيد
ذلك تكرير ((نفسى)) فى بعض الروايات ثلاث مرات، والتقدير: نفسى هى المستحقة للشفاعة، أو
المستحق للشفاعة نفسى.
( ثم قال: يا محمد. ارفع رأسك ) فيه التعبير بالماضى بدل المضارع لتحقق الوقوع، والأصل
فيقول على لسان جبريل كما سبق بيانه.
(إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة ) المصراعان بكسر الميم جانبا الباب،
والجار والمجرور متعلق بمحذوف حال.
( كما بين مكة وهجر - أو كما بين مكة وبصرى ) شك من الراوى فى أى
اللفظتين جاء، و((هجر)) اسم مدينة ببلاد البحرين. قال الجوهرى فى صحاحه: ((هجر» اسم
بلد مذكر مصروف. وقال الزجاجى فى الجمل ((هجر)) يذكر ويؤنث. قال النووي: و((هجر)»
٢١
هذه غير ((هجر)) المذكورة فى حديث ((إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر)) تلك قرية من قرى
المدينة، كانت القلال تصنع بها، وهى غير مصروفة. اهـ
وأما ((بصرى)) بضم الباء فهى مدينة معروفة، وهى مدينة حوران قريبة من دمشق
بالشام، وهى غير البصرة بالعراق. والهدف من التعبير المبالغة فى سعة باب الجنة، لا
تحديد مسافة ما بين المصراعين.
الرواية الخامسة
( ألا تقولون: كيفه؟ قالوا: كيفه يا رسول الله؟) الهاء للسكت تلحق الكلمة فى الوقف،
أما قول الصحابة «كيفه يارسول اللَّه)) فقد ألحقوها مع الوصل إجراء له مجرى الوقوف، أو قصدا إلى
اتباع لفظ النبى ، الذى حثهم عليه، فلو قالوا: كيف؟ لما كانوا سائلين عن اللفظ الذى حثهم عليه.
قاله النووى.
( إلى عضادتى الباب) بكسر العين. قاله الجوهرى: عضادتا الباب هما خشبتاه من
جانبيه.اهـ و((إلى)) بمعنى نهاية الحد، أى ما بين المصراعين منتهيين إلى عضادتى الباب كما بين
مكة وهجر.
الرواية السادسة
(فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة) ((تزلف)) بضم التاء وإسكان الزاى مبنى
للمجهول، أى تقرب لهم، كقوله تعالى: ﴿ وَأَرْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠].
(إنما كنت خليلا من وراء وراء ) قال صاحب التحرير: هذه الكلمة ((وراء وراء)» تذكر على
سبيل التواضع، أى لست بتلك الدرجة الرفيعة، ولعل المقصود منها: أن المكارم التى أعطيتها كانت
بواسطة جبريل عليه السلام، ولكن ائتوا موسى، فإنه حصل له سماع الكلام من غير واسطة، فكأن
إبراهيم عليه السلام قال: أنا وراء موسى الذى هو وراء محمد صلى الله وسلم عليهم أجمعين. أهـ
والمشهور فى ضبط ((وراء وراء)» الفتح فيها بلا تنوين، فالكلمة الثانية مؤكدة، كشذر مذر، وسقطوا
بين بين، فركبتا وبنيتا على الفتح، وقال أبو البقاء: الصواب الضم، لأن تفسيره من وراء ذلك، أو من
وراء شىء آخر. اهـ فهما مبنيان على الضم، كقبل وبعد، وقد نقل عن الأخفش أنه يقال: لقيته من
وراء؛ بالضم على الغاية، كقوله: من قبل ومن بعد، وأنشد الأخفش فى ذلك قول الشاعر:
إذا أنا لم أومن عليك ولم يكن .. لقاؤك إلا من وراء وراء
( اعمدوا إلى موسى) بكسر الميم، ماضيه عمد بفتحها، أى اقصدوا واتجهوا.
٢٢
( وترسل الأمانة والرحم، فتقومان جنبتى الصراط) ((فتقومان)) بالتاء، لأن المؤنثتين
الغائبتين تكونان بالتاء، وخطأ مجيئها بالياء. و((جنبتا الصراط)) بفتح الجيم والنون ومعناهما
جانباه ؛ وإرسال الرحم والأمانة لعظم حقهما، فتصوران مشخصتين على الصفة التى يريدها
الله تعالی.
وفى الكلام اختصار؛ اعتماداً على فهم السامع، وأصله: فتقومان جذبتى الصراط، لتطالبا كل من
يريد المرور بحقهما.
(وشد الرجال ) بالجيم، جمع رجل. قال النووي: هذا هو الصحيح المعروف المشهور، ونقل عن
بعضهم أنه بالحاء، قال القاضى عياض: وهما متقاربان فى المعنى، وشدها جريها وعدوها البالغ. اهـ
( تجرى بهم أعمالهم ) هو كالتفسير لقوله: فيمر أولكم كالبرق .. إلخ ومعناه: أنهم يكونون فى
سرعة المرور على حسب مراتبهم وأعمالهم.
(وفى حافتى الصراط ) هو بتخفيف الفاء، وهما جانباه، ففى القاموس: وحافتا الوادى
[بفتح الفاء مخففة] وغيره جانباه؛ والجمع حافات [بتخفيف الفاء أيضًا].
( فمخدوش ناج ومكدوس فى النار) ووقع فى أكثر الأصول هنا ((مكردس)) وهو
قريب من معنى المكدوس، أى المتراكم بعضه على بعض من تكدست الدواب فى سيرها
إذا ركب بعضها بعضًا.
(إن قعر جهنم لسبعون خريفًا) قال النووي: هكذا هو فى بعض الأصول ((لسبعون)) بالواو،
وهذا ظاهر وفيه حذف، تقديره: إن مسافة قعر جهنم سير سبعين سنة، ووقع فى معظم الأصول
والروايات ((لسبعين)) بالياء، وهو صحيح أيضاً، إما على مذهب من يحذف المضاف ويبقى المضاف
إليه على جره، فيكون التقدير: سير سبعين، وإما على أن قعر جهنم مصدر، يقال: قعرت بالشىء إذا
بلغت قعره، ويكون ((سبعين)) ظرف زمان، والتقدير: إن بلوغ قعر جهنم لكائن فى سبعين خريفاً،
والخريف السنة. اهـ والله أعلم.
فقه الحديث
يمكن حصر فقه الحديث فى النقاط التالية:
١- أرض المحشر، وأحوال الناس فى الحشر.
٢- استشفاعهم بالأنبياء.
٣- أقوال العلماء فى معاصى الأنبياء وذنوبهم.
٢٣
٤- أنواع الشفاعة وكيفيتها، ومذاهب العلماء فيها.
٥- دعوات الأنبياء واستجابتها، وكون محمد # أكثرهم تبعا.
٦- ما يؤخذ من الحديث من الأحكام.
وهذا هو التفصيل:
١- أرض المحشر، وأحوال الناس فى المحشر
روى البخارى عن النبى 8 قوله: «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة
النقى (أى الدقيق النقى من الغش والنخال) قال الخطابي: يريد أنها مستوية، قال سهل: ليس فيها
معلم لأحد. قال عياض: ليس فيها علامة سكنى، ولا بناء، ولا أثر، ولا شىء من العلامات التى يهتدى
بها فى الطرقات، كالجبل والصخرة البارزة، وروايتنا الرابعة تشير إلى هذا فى قولها: ((يجمع اللَّه يوم
القيامة الأولين والآخرين فى صعيد واحد، فيسمعهم الداعى، وينفذهم البصر».
وقد اختلف السلف فى المراد بقوله تعالى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ ﴾ [إبراهيم: ٤٨] هل
معنى تبديلها تغيير ذاتها وصفاتها؟ أو تغيير صفاتها فقط؟ فعن ابن مسعود: تبدل الأرض أرضا
كأنها فضة، لم يسفك فيها دم حرام ولم يعمل عليها خطيئة. وعن عكرمة قال: بلغنا أن هذه الأرض -
يعنى أرض الدنيا - تطوى، وإلى جنبها أخرى، يحشر الناس منها إليها.
وذهب آخرون إلى أن التغيير إنما يقع فى صفات الأرض دون ذاتها، ويستندون إلى ما أخرجه
الحاكم عن عبد الله بن عمرو قال: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم، وحشر الخلائق. وإلى
ما جاء عن ابن عباس من قوله: يزاد فيها، وينقص منها، ويذهب آكامها وجبالها وأوديتها وشجرها،
وتمد مد الأديم العكاظی.
وجمع الحافظ ابن حجر بين الروايتين الأخيرتين وبين القول الأول بأن ذلك كله يقع لأرض الدنيا
لكن أرض الموقف غيرها، والله أعلم.
ولا يعنينا فى هذا المقام أن يكون التغيير فى ذات الأرض، أو فى صفاتها؛ وإنما الذى يعنينا أن
الأولين والآخرين من الخلائق سيجمعون فى صعيد واحد يوم يقوم الناس لرب العالمين، وتدنو
الشمس من الرءوس كما جاء فى روايتنا الرابعة، وكما جاء عند الحاكم من حديث عقبة بن عامر
رفعه ((تدنو الشمس من الأرض يوم القيامة، فيعرق الناس)) وعند مسلم ((تدنى الشمس يوم القيامة
من الخلق، حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على مقدار أعمالهم فى العرق» ويطول
الموقف، ويشتد الكرب، حتى يقول الرجل: يارب أرحنى ولو إلى النار.
٢- الاستشفاع بالأنبياء
وعندئذ يقول بعضهم لبعض: ألا تنظرون من يشفع لكم عند ربكم؟ ويتوجهون إلى الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام.
٢٤
وتكاد تجمع الروايات على أنهم يفزعون إلى آدم ثم إلى نوح ثم إلى إبراهيم ثم إلى موسى ثم إلى
عيسى ثم إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، نعم أسقط بعض الرواة نوحا عليه السلام،
كما فى الرواية الثالثة والسادسة، ولكن العبرة بمن ذكره صلى الله عليه وسلم.
ولعل اختيار الناس هؤلاء دون غيرهم لتأهلهم لذلك المقام العظيم، قاله بعضهم، والذى يبدو من
الحديث أن اختيارهم مقصور على آدم عليه السلام، أما من بعده فإن اختياره راجع إلى الأنبياء
أنفسهم، كل منهم وجه إلى نبى بعده، وإنما توجه الناس إلى آدم باعتباره أبا البشر، وتوجه الإنسان
فى الشدائد إلى أبيه أمر طبيعى، وخصوصاً إذا كان له شىء من الصفات التى تؤهله لتفريج الشدة،
نلمس ذلك فى قولهم: يا أبانا، أنت أبو البشر، أنت آدم أبو الخلق، خلقك اللَّه بيده، ونفخ فيك من
روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك جنته، وعلمك أسماء كل شىء، اشفع لذريتك، اشفع لنا
عند ربك.
أما وجه اختيار آدم لنوح فقد جاءت به بعض الروايات، وفيها ((انطلقوا إلى أبيكم بعد أبيكم، إلى
نوح، ائتوا عبداً شاكراً))، وفى روايتنا الأولى ((ولكن ائتوا نوحا، أول رسول بعثه الله)) وفى رواية ((بعثه
اللَّه إلى أهل الأرض)).
وقد استشكلت هذه الأولية بأن آدم نبي مرسل، وكذا شيث وإدريس، وهم قبل نوح، وقد نقل
النووى عن بعض العلماء أجوبة عن هذا الإشكال، فقال: قال الإمام أبو عبد الله المازري: قد ذكر
المؤرخون أن إدريس جد نوح عليهما السلام، فإن قام دليل على أن إدريس مرسل لم يصح قول
المؤرخين إنه قبل نوح، لإخبار النبى * نقلا عن آدم أن نوحا أول رسول بعث، وإن لم يقم دليل جاز
ما قالوه، وصح أن يحمل أن إدريس كان نبياً غير مرسل، قال القاضى عياض: وقد قيل إن إدريس هو
إلياس، وأنه كان نبياً فى بنى إسرائيل، كما جاء فى بعض الأخبار مع يوشع بن نون، فإن كان هكذا
سقط الاعتراض.
قال القاضى: وبمثل هذا يسقط الاعتراض بآدم وشيت ورسالتهما إلى من معهما إن كانا رسولين
فإن آدم إنما أرسل لبنيه، ولم يكونوا كفاراً بل أمر بتعليمهم الإيمان وطاعة الله تعالى، وكذلك خلفه
شيت بعده فيهم بخلاف رسالة نوح إلى كفار أهل الأرض. قال القاضى: وقد رأيت ابن بطال ذهب
إلى أن آدم ليس برسول ليسلم من هذا الاعتراض، لكن حديث أبى ذرينص على أن آدم
وإدريس رسولان.اهـ
وأما وجه اختيار نوح لإبراهيم فهو اتخاذ اللَّه إبراهيم خليلا كما جاء فى الروايات.
وأما وجه اختيار إبراهيم لموسى فلأنه كليم الله، وأعطاه التوراة وفضله على الناس برسالاته
وبكلامه، كما جاء فى الروايات.
وأما وجه اختيار موسى لعيسى فلأنه روح اللَّه وكلمته التى ألقاها إلى مريم، وكلم الناس وهو فى
المهد صبياً كما جاء فى الروايات.
٢٥
وأما وجه اختيار عبسى لمحمد فلأنه خاتم النبيين، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر،
ولأنه سيد ولد آدم، وأول من تنشق عنه الأرض، كما جاء فى الروايات الأخرى.
وقال الحافظ ابن حجر: وقد قيل: إنما اختص المذكورون بذلك لمزايا أخرى، لاتتعلق بالتفضيل،
فآدم لكونه والد الجميع، ونوح لكونه الأب الثانى، وإبراهيم الأمر باتباع ملته، وموسى لأنه أكثر
الأنبياء تبعا، وعيسى لأنه أولى الناس بنبينا محمد *. قال: ويحتمل أن يكونوا اختصوا بذلك لأنهم
أصحاب شرائع، عمل بها أتباعهم فيما بين كل واحد منهم والذى بعده.اهـ
قال النووى: والحكمة فى أن اللَّه تعالى ألهم الناس سؤال آدم ومن بعده صلوات الله وسلامه
عليهم، ولم يلهمهم سؤال نبينا محمد و ابتداء هى - والله أعلم - إظهار فضيلة نبينا محمد صل.
فإنهم لو سألوه ابتداء لكان يحتمل أن غيره يقدر على هذا ويحصله، وأما إذا سألوا غيره من رسل الله
تعالى وأصفيائه، فامتنعوا، ثم سألوه فأجاب، وحصل غرضهم، فهو النهاية فى ارتفاع المنزلة وكمال
القرب وعظيم الإدلال والأنس. أهـ
وهل كان الأنبياء يعلمون صاحب الشفاعة الحقيقى حين أحال كل منهم على الآخر؟ أولم يكونوا
يعلمون؟ أجاب عن ذلك القاضى عياض فقال: قال كل منهم: لست هناكم، أولست لها، تواضعاً،
وإكباراً لما يسألونه، وقد تكون إشارة من كل واحد منهم إلى أن هذه الشفاعة وهذا المقام ليس له بل
لغيره، وكل واحد منهم يدل على الآخر، حتى انتهى الأمر إلى صاحبه، قال: ويحتمل أنهم علموا أن
صاحبها محمد 1 على التعيين وتكون إحالة كل منهم على الآخر لغرض تدريج الشفاعة فى ذلك إلى
نبينا محمد ®®، قال: وأما مبادرة النبى * لذلك وإجابته لدعونهم فلتحققه صلى اللّه عليه وسلم أن
هذه الكرامة وهذا المقام له صلى الله عليه وسلم خاصة. اهـ
وقد تعرض الحافظ ابن حجر للذين يطلبون الشفاعة من محمد *، فساق رواية النضر بن أنس
عن أبيه قال: حدثنى نبى اللَّه ◌ُ * قال: ((إنى لقائم أنتظر أمتى تعبر الصراط إذ جاء عيسى فقال:
يا محمد، هذه الأنبياء قد جاءتك يسألونك لتدعو الله أن يفرق جمع الأمم إلى حيث يشاء، لغم ماهم
فيه)) قال: فأفادت هذه الرواية تعيين موقف النبى * حينئذ، وأن هذا الذى وصف من كلام أهل
الموقف يقع عند نصب الصراط، وأن عيسى عليه السلام هو الذى يخاطب النبى {*، وأن الأنبياء
جميعاً يسألونه فى ذلك. اهـ
وليس فى هذا مايمنع من أن وفود الأمم تتوجه مع الأنبياء إلى النبى : أخذاً بظاهر قوله فى
أكثر الروايات: ((فيأتونى)) بعد قوله: ((فيأتون عيسى)). والله أعلم.
٣- أقوال العلماء فى معاصى الأنبياء وذنوبهم
وقد اعتذر كل نبى قبل محمد (صلى الله وسلم عليهم جميعاً] بانشغاله بنفسه ذاكراً معصيته.
فآدم يذكر أنه أكل من الشجرة، وقد نهى عنها، ففى بعض الروايات ((إنى قد أخرجت بخطيئتى
من الجنة)) وفى بعضها ((وإنى أذنبت ذنباً فأهبطت به إلى الأرض)) وفى بعضها ((هل أخرجكم من
٢٦
الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم))، وفى بعضها ((إنى أخطأت وأنا فى الفردوس، فإن يغفر لى اليوم
حسبى)) وفى بعضها ((إن ربى غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه
نهانى من الشجرة فعصيت. نفسى نفسى نفسى، اذهبوا إلى غيرى)».
ونوح يذكر أنه دعا على قومه بالهلاك، ففى بعض الروايات ((إنى دعوت بدعوة أغرقت أهل
الأرض)) وفى رواية ((ويذكر سؤال ربه ما ليس له به علم)).
وإبراهيم يذكر كذباته الثلاث، ففى بعض الروايات ((إنى كنت كذبت ثلاث كذبات)) زاد فى
بعضها قوله: ((إنى سقيم)) وقوله: ((بل فعله كبيرهم هذا)) وقوله لامرأته: ((أخبريه أنى أخوك))،
وذكرت بعض الروايات بدل الأخيرة قوله فى الكوكب: ((هذا ربى)).
قال صلى الله عليه وسلم: ((ما منها كذبة إلا ما حل بها عن دين الله)) أى إلا جادل بها عن دين
الله. وقال البيضاوى: الحق أن الكلمات الثلاث إنما كانت من معاريض الكلام، لكن لما كانت
صورتها صورة الكذب أشفق منها استصغاراً لنفسه عن الشفاعة.
وموسى يذكر أنه قتل نفساً بغير نفس ومن غير أن يؤمر بقتلها.
وعيسى يذكر أنه عبد من دون اللَّه، ففى بعض الروايات ((إنى اتخذت إلهاً من دون الله، وإن يغفر
لی اليوم حسبی».
أما محمد * فقد وصف بأنه قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر مما يوحى بأنه أذنب
كإخوانه الأنبياء.
ومن هنا نشأ إشكال حاصله: إذا كانت مغفرة الذنب تؤهل صاحبها للشفاعة، فلم لايؤهل موسى
لذلك، مع أنه قد غفر له بنص القرآن؟ قال تعالى: ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ
مُضِلٌّ مُبِينٌ ﴾ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْلِي فَغَفَرَلَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٥-١٦]
ولم أشفق موسى من المؤاخذة؟.
أجاب الحافظ ابن حجر، واختار أن محمداً ® لم يقع منه ذنب، وقال: يؤخذ من هذا التفرقة
بين من وقع منه شىء، ومن لم يقع منه شىء أصلا، فإن موسى عليه السلام مع وقوع المغفرة له لم
يرتفع إشفاقه من المؤاخذة بذلك، ورأى فى نفسه تقصيراً عن مقام الشفاعة، مع وجود ما صدر منه،
بخلاف نبينا ® فى ذلك كله، ومن ثم احتج عيسى بأنه صاحب الشفاعة، لأنه قد غفرله ما تقدم من
ذنبه وما تأخر، بمعنى أن اللَّه أخبر أنه لا يؤاخذ بذنب لو وقع منه.اهـ
وقد أطال المفسرون فى المراد من قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَلَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا
تَأْخَّرَ﴾ [الفتح: ٢].
فقال بعضهم: المتقدم ما قبل النبوة، والمتأخر العصمة، وقيل: ما وقع من سهو أو تأويل. وقيل:
المتقدم ذنب آدم، والمتأخر ذنب أمته. وقيل: المعنى أنه مغفور له غير مؤاخذ لو وقع، وقيل: المراد به
٢٧
ذنوب أمته. قال النووى: فعلى هذا يكون المراد الغفران لبعضهم، أو سلامتهم من الخلود فى النار،
وقيل: هو تنزيه له من الذنوب، وقيل: غير ذلك. والله أعلم.
وقد استدل بهذا الحديث من جواز الخطايا على الأنبياء، وأجاب القاضى عياض عن أصل
المسألة فقال: لاخلاف فى عصمتهم من الكفر بعد النبوة وكذا ما قبلها على الصحيح.
وكذا القول فى الكبيرة، ويلتحق بها ما يزرى بفاعله من الصغائر.
وكذا القول فى كل ما يقدح فى الإبلاغ من جهة القول.
واختلفوا فى الفعل، فمنعه بعضهم حتى فى النسيان، وأجاز الجمهور السهولكن لا
يحصل التمادى.
واختلفوا فيما عدا ذلك كله من الصغائر، فذهب جماعة من أهل النظر إلى عصمتهم منها مطلقاً،
وأولوا الحديث والآيات الواردة فى ذلك بضروب من التأويل؛ ومن جملة ذلك أن الصادر عنهم إما أن
يكون بتأويل من بعضهم، أو بسهو، أو بإذن، لكن خشوا ألا يكون ذلك موافقاً لمقامهم فأشفقوا من
المؤاخذة أو المعاتبة، قال: وهذا أرجح المقالات، ليس هو مذهب المعتزلة - وإن قالوا بعصمتهم
مطلقا - لأن منزعهم فى ذلك هو التكفير بالذنوب مطلقاً، ولا يجوز على النبى الكفر، ومنزعنا أن أمة
النبى مأمورة بالاقتداء به فى أفعاله، فلوجاز منه وقوع المعصية للزم الأمر بالشىء الواحد والنهى عنه
فى حالة واحدة، وهو باطل، ثم قال: وجميع ما ذكر فى حديث الباب لا يخرج عما قلناه، لأن أكل آدم
من الشجرة كان عن سهو، وطلب نوح نجاة ولده كان عن تأويل، ومقالات إبراهيم كانت معاريض،
وأراد بها الخير، وقتيل موسى كان كافرا. أهـ والله أعلم.
٤- أنواع الشفاعة وكيفيتها ومذاهب العلماء فيها
أما أنواع الشفاعة فقد قال النووى تبعاً للقاضى عياض: الشفاعة خمس:
أ- فى الإراحة من هول الموقف.
ب- وفى إدخال قوم الجنة بغير حساب.
جـ- وفى إدخال قوم حوسبوا، فاستحقوا العذاب ألا يعذبوا.
د- وفى إخراج من أدخل النار من العصاة.
هـ- وفى رفع الدرجات، وزاد القاضى عياض: شفاعته صلى الله عليه وسلم للتخفيف عن أبى
طالب فى العذاب.
وزاد القرطبى: إنه أول شافع فى دخول أمته الجنة قبل الناس.
وسنتناول كل واحدة بشىء من التفصيل، وباللَّه التوفيق.
الشفاعة العظمى للإراحة من هول الموقف: ودليلها ما جاء فى الرواية الأولى، والثالثة،
٢٨
والرابعة، والخامسة، والسادسة، من توجه الناس إلى آدم ثم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم، ثم إلى
موسى ثم إلى عيسى، ثم إلى محمد (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) وصاحب هذه
الشفاعة محمد - لايشاركه فيها أحد من الملائكة ولا من الأنبياء، وكيفيتها طبقاً لما جاء
فى الروايات الصحيحة: أن ينطلق صلى الله عليه وسلم، فيأتى تحت العرش، فيقع ساجدا،
يثنى ويحمد حتى يقال له: ارفع رأسك.
ففى الرواية الأولى «فيأتونى، فأستأذن على ربى، فيؤذن لى فإذا أنا رأيته وقعت ساجداً، فيدعنى
ما شاء الله. فيقال: يا محمد ارفع رأسك ... )) وقريب من هذا فى الرواية الثالثة، وفيها من الزيادة
((فأقوم بين يديه، فأحمده بمحامد لا أقدر عليه الآن يلهمنيه الله)) وفى الرواية الرابعة ((فأنطلق، فآتى
تحت العرش فأقع ساجداً لربى. ثم يفتح الله على ويلهمنى من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم
يفتحه لأحد قبلى)».
وكأنه صلى الله عليه وسلم يلهم التحميد والثناء قبل السجود وفى أثنائه وبعده عندما يرفع رأسه.
وقد روى النسائى بعض هذه المحامد من حديث حذيفة رفعه ((فيقال: يامحمد. فأقول: لبيك
وسعديك، والخير فى يديك، والمهدى من هديت، وعبدك بين يديك، وبك وإليك، تباركت وتعاليت،
سبحانك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك. سبحانك رب البيت».
فيقال: ارفع رأسك يامحمد وسل تعط واشفع تشفع. فيطلب من ربه أن يفرق جمع الأمم إلى
حيث يشاء.
فينادى المنادى: ألا فلتتبع كل أمة ما كانت تعبد فى الدنيا، فيساق المشركون إلى
النار، ويبقى فى الموقف من كان يعبد الله فيوضع الميزان وتتطاير الصحف، ويقوم العرض
والحساب وينصب الصراط.
وهذا النوع من الشفاعة ثابت بإجماع الأمة: أهل السنة منها والمعتزلة والخوارج. وغيرهم.
أما النوع الثانى وهو إدخال قوم الجنة بغير حساب: فدليله مارواه أبو هريرة فى الصحيح عن
رسول الله قال: «سألت ربى فوعدنى أن يدخل الجنة من أمتى سبعين ألفاً بغير حساب.
فاستزدت ربى فزادنى مع كل ألف سبعين ألفا» وأخرج الترمذى وحسنه، والطبرانى وابن حبان فى
صحيحه. من حديث أبى أمامة رفعه «وعدنى ربى أن يدخل الجنة من أمتى سبعين ألفا مع كل ألف
سبعون ألفا. لاحساب عليهم ولا عذاب. وثلاث حثيات من حثيات ربى)) وقوله فى الرواية الرابعة
((فأقول: يارب أمتى. أمتى. فيقال: يا محمد. أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب
الأيمن من أبواب الجنة. وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب)».
وهذا النوع وإن سلم به المعتزلة والخوارج لكنهم اشترطوا ألا يكون فيهم مرتكب كبيرة لم يتب
منها؛ لأن أصحاب الكبائر عندهم لا يدخلون الجنة إن لم يتوبوا.
٢٩
أما النوع الثالث وهو الشفاعة فى قوم حوسبوا، فاستحقوا العذاب ألا يعذبوا: فإن دليله قوله
صلى الله عليه وسلم ((ونبيكم على الصراط يقول: رب سلم سلم)).
وهذه الشفاعة ليست خاصة به صلى الله عليه وسلم فقد سبق فى شرح الحديث الماضى أن
الأنبياء كذلك يقفون على الصراط يقولون ((يارب سلم سلم».
وهذا النوع ينكره المعتزلة والخوارج، لأن مستحق العذاب عندهم لا بد أن يعذب.
وأما النوع الرابع وهو الشفاعة فيمن دخل النار أن يخرج منها: فإن دليله ما جاء فى الرواية
الأولى، والثانية، والثالثة من شفاعته صلى الله عليه وسلم فى المذنبين، وإخراجه من النار من كان
فى قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان، ثم من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من
إيمان، ثم من كان فى قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان.
وما جاء فى الحديث الذى سبق شرحه من شفاعة المؤمنين لإخوانهم الذين دخلوا النار،
فيخرجون خلقا كثيرا قد عادوا حمما فيلقبهم الله فى نهر الحياة .. إلخ.
وهذا النوع من الشفاعة ليس خاصاً بالنبى * ونذكره الخوارج والمعتزلة أشد الإنكار، وتمسكوا
بقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] وأجاب أهل السنة بأنها فى الكفار،
وخصوصا أن الأحاديث فى إثبات الشفاعة المحمدية متواترة، قاله فى الفتح.
وأما النوع الخامس فهو الشفاعة فى رفع الدرجات: بأن يشفع لمن لم يبلغ عمله درجة
عالية أن يبلغها بشفاعته، وقد أشار النووى فى الروضة إلى أن هذه الشفاعة من خصائصه
صلى الله عليه وسلم، لكن الظاهر أنه يشاركه فيها صالحو المؤمنين، وإلى ذلك يشير قوله
تعالى: ﴿وَلَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِيَتُهُمْ بِإِيمَانِ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ
مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] قاله كثير من المفسرين.
قال القاضى عياض: أثبتت المعتزلة الشفاعة العامة فى الإراحة من كرب الموقف، والشفاعة فى
رفع الدرجات، وأنكرت ما عداهما. اهـ
أما شفاعته صلى الله عليه وسلم فى دخول أمته الجنة قبل الناس: فلها شواهد كثيرة، ففى
الرواية السابعة ((أنا أول الناس يشفع فى الجنة)) وفى الثامنة ((أنا أول من يقرع باب الجنة)) وفى
العاشرة ((آتى باب الجنة يوم القيامة، فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد. فيقول :
بك أمرت. لا أفتح لأحد قبلك)) وعن الترمذى ((فأخذ حلقة باب الجنة، فأقعقعها، فيقال: من هذا؟
فأقول: محمد، فيفتحون لى، ويرحبون، فأخر ساجداً )).
نعم أخرج أحمد والنسائى والحاكم، قال: ((يشفع نبيكم رابع أربعة جبريل، ثم إبراهيم ثم موسى أو
عيسى، ثم نبيكم» لكنه مردود إذ لم يصرح برفعه، وقد ضعفه البخارى، وقال: المشهور قوله صلى الله
عليه وسلم ((أنا أول شافع)) والله أعلم.
٣٠
من هذا العرض لأنواع الشفاعة يتضح أن رواياتنا الأولى والثالثة والرابعة، كل منها فيها سقط
وحذف كبير، كأن الراوى فى كل منها ركب شيئاً على غير أصله. وذلك أن أول الحديث ذكر الشفاعة
فى الإراحة من كرب الموقف، وفى آخره ذكر الشفاعة فى الإخراج من النار، ولعل الرواية السادسة
توضح هذا السقط، إذ فيها ((فيأتون محمداً ®*، فيقوم فيؤذن له (أى ويشفع الخلائق من هول
الموقف، فينصرف إلى النار من ينصرف ويتم العرض والحساب، وينصب الصراط) وترسل الأمانة
والرحم، فتقومان جنبى الصراط، يمينا وشمالا، فيمر أولكم كالبرق)) الحديث، فبهذا يتصل الكلام،
وتجتمع متون الأحاديث، لأن الشفاعة التى لجأ الناس إليها فيها هى الإراحة من كرب الموقف،
وبعدها يجرى من أمور القضاء بين العباد مايجرى، ثم يمر المؤمنون على الصراط، ويسقط فى النار
من يسقط، ثم تحل الشفاعة فى إخراج العصاة من النار. فكأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر،
وفى هذا الإشكال يقول الداودى عن رواياتنا: لا أراه محفوظا، لأن الخلائق اجتمعوا واستشفعوا، ولو
كان المراد هذه الأمة خاصة لم تذهب إلى غير نبيها، فدل على أن المراد الجميع، وإذا كانت الشفاعة
لهم فى فصل القضاء، فكيف يخصها بقوله: أمتى أمتى)) ثم قال: وأول هذا الحديث ليس متصلا
بآخره، بل بقى بين طلبهم الشفاعة وبين قوله: ((أمتى، أمتى)) أمور كثيرة من أمور القيامة.اهـ
ومن هذا العرض لأنواع الشفاعة نستطيع فهم المراد من المقام المحمود الذى ورد فى الرواية
السادسة عشرة من الحديث الذى سبق أن شرحناه، والذى يقول الله تعالى فيه: ﴿وَمِن اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ
بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].
قال ابن بطال: الجمهور على أن المراد به الشفاعة، وبالغ الواحدى فنقل فيه الإجماع.
وقال الطبرى: قال أكثر أهل التأويل: المقام المحمود هو الذى يقومه النبى {# ليريحهم من كرب
الموقف، ثم ساق عدة أحاديث فى ذلك منها ما روى عن أبى هريرة فى قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَّكَ
رَيُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾، قال: سئل عنها صلى الله عليه وسلم، فقال: ((هى الشفاعة)) ومن حديث كعب
ابن مالك رفعه «أكون أنا وأمتى على تل، فيكسونى ربى حلة خضراء ثم يؤذن لى، فأقول ما شاء الله
أن أقول، فذلك المقام المحمود)» ومن حديث ابن مسعود رفعه ((إنى لأقوم يوم القيامة المقام
المحمود إذا جىء بكم حفاة عراة)»، وفيه ((ثم يكسونى ربى حلة، فألبسها فأقوم عن يمين العرش
مقاما لا يقومه أحد؛ يغبطنى به الأولون والآخرون)).
قال الحافظ ابن حجر: والراجح أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة لكن الشفاعة التى وردت فى
المقام المحمود نوعان: الأول: العامة فى فصل القضاء، والثانى: الشفاعة فى إخراج المذنبين من
النار. اهـ وظاهر كثير من الأحاديث تؤيد النوع الأول، والرواية السادسة عشرة من الحديث السابق
تؤيد النوع الثانى إذ فيها ((فإنه مقام محمد ﴿ المحمود الذى يخرج الله به من يخرج)».
وقيل: المقام المحمود أن يجلسه الله معه على عرشه يوم القيامة، وقيل: إعطاؤه لواء الحمد يوم
القيامة، وقيل: وقوفه بين الله وبين جبريل يوم القيامة مما يغبطه بمقامه ذلك أهل الجمع، وقيل: هو
ثناؤه على ربه.
٣١
قال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر هذه الأقوال: ويمكن رد الأقوال كلها إلى الشفاعة، فإن إعطاءه
لواء الحمد، وثناءه على ربه وكلامه بين يديه، وجلوسه على كرسيه، وقيامه أقرب من جبريل، كل ذلك
صفات للمقام المحمود، والذى يشفع فيه ليقضى بين الخلق، أما شفاعته فى إخراج المذنبين من
النار فمن توابع ذلك. والله أعلم.
٥- دعوات الأنبياء واستجابتها، وكون محمد أكثرهم تابعاً
وقد تعرضت الرواية الحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة والرابعة عشرة إلى دعوات
الأنبياء، وأن لكل نبى دعوة مستجابة وقد استشكل هذا بما وقع لكثير من الأنبياء حيث استجيبت
لهم دعوات كثيرة، ولاسيما نبينا ◌َ﴾، وظاهره: أن لكل نبى دعوة واحدة مستجابة فقط، وأجيب عن
هذا الإشكال: بأن المراد بالإجابة فى الدعوة المذكورة القطع بها وما عدا ذلك من دعواتهم فهو محل
رجاء الإجابة، وقيل: معنى قوله ((لكل نبى دعوة)) أى أفضل دعواته. ولهم دعوات أخرى، وقيل: لكل
منهم دعوة عامة مستجابة فى أمته، إما بإهلاكهم، وإما بنجاتهم، أما الدعوات الخاصة فمنها ما
يستجاب، ومنها ما لا يستجاب، وقيل: لكل منهم دعوة تخصه، لدنياه أو لنفسه، كقول نوح: ﴿ لا تَذَرْ
عَلَى الأَرْض مِن الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] وقول زكريا: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ﴾ [مريم: ٥] وقول
سليمان ﴿وَهَبْ لِي مُلَّكًا لا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥].
وقال بعضهم: اعلم أن جميع دعوات الأنبياء مستجابة، والمراد بهذا الحديث أن كل نبى دعا على
أمته بالإهلاك، إلا أنا فلم أدع، فأعطيت الشفاعة عوضا عن ذلك الصبر على أذاهم، والمراد أمة الدعوة،
لا أمة الإجابة، وتعقبه الطيبى بأنه صلى الله عليه وسلم دعا على أحياء من العرب، ودعا على أناس
من قريش بأسمائهم، ودعا على رعل وذكوان، ودعا على مضر، قال: والأولى أن يقال: إن اللَّه جعل لكل
نبى دعوة تستجاب فى حق أمته، فنالها كل منهم فى الدنيا. أما نبينا فإنه لما دعا على بعض أمته
نزل عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨] فبقيت تلك الدعوة المستجابة
مدخرة للآخرة. وغالب من دعا عليهم لم يرد إهلاكهم، وإنما أراد ردعهم ليتوبوا قال: وأما جزمه أولا
بأن جميع أدعيتهم مستجابة ففيه غفلة عن الحديث الصحيح («سألت ربى ثلاثاً فأعطانى اثنتين
ومنعنى واحدة)) الحديث.
كما تعرضت الروايات السابعة والثامنة والتاسعة إلى أن محمدًا ◌َلل أكثر الأنبياء تابعًا، ولا
خلاف فى ذلك، ففى البخارى عن ابن عباس قال: قال النبى و80: ((عرضت على الأمم، فأجد النبى يمر
معه الأمة، والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه العشرة، والنبي يمر معه الخمسة، والنبى يمر وحده،
فنظرت فإذا سواد كثير، قلت: ياجبريل، هؤلاء أمتى؟ قال: لا. ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت، فإذا
سواد كثير، قال: هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفاً قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب)) وفيه عن
عبدالله بن مسعود قال «كنا مع النبي﴿ فى قبة، فقال: أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا:
نعم. قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة. قلنا: نعم. قال: أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة))
٣٢
وفى رواية ((بل أرجو أن تكونوا ثلثى أهل الجنة)) ثم قال: ((إن مثلكم فى الأمم كمثل الشعرة البيضاء
فى جلد الثور الأسود».
وسيأتى مثله بعد عدة أحاديث إن شاء الله.
ويؤخذ من الحديث
١- من قوله: ((فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون)) شدة هول الموقف.
٢- وأخذ الناس بمبدأ الاستشارة فيما بينهم عند حدوث الخطب.
٣- وأن الناس يوم القيامة يستصحبون حالهم فى الدنيا من التوسل إلى الله تعالى فى حوائجهم
بأنبيائهم، والباعث على ذلك الإلهام.
٤- ويؤخذ من قولهم ((أنت أبو البشر، خلقك اللَّه بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا
لك. ونحو ذلك للأنبياء» أن من طلب من كبير أمرًا مهما، ينبغى أن يقدم بين يدى سؤاله وصف
المسئول بأحسن صفاته وأشرف مزاياه، ليكون ذلك أدعى للإجابة.
٥- وتقديم ذوى الأسنان، والآباء على الأبناء فى الأمور التى لها بال.
٦- وتواضع الأنبياء وإكبارهم الشفاعة وإشفاقهم على أنفسهم فى الموقف العظيم.
٧- وأن المسئول إذا لم يقدر على تحصيل ما سئل ينبغى أن يعتذر بما يقبل منه
٨- وأن يدل على من يظن أنه يقوم بالمهمة، فالدال على الخير كفاعله.
٩- وأن يثنى على المدلول عليه بأوصافه المقتضية لأهليته، ليكون أدعى فى قبول عذره فى الامتناع.
١٠ - قال القاضى عياض: استدل بالحديث من جوز الخطايا على الأنبياء وقد بحث هذا الاستدلال
بالتفصيل فى النقطة الثالثة من الشرح.
١١ - جواز إطلاق الغضب على اللَّه مراداً به اللازم.
١٢ - وفضيلة من ذكر من الأنبياء (آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام).
١٣- تفضيل محمد و على جميع المخلوقين من الرسل والملائكة، فإن هذا الأمر العظيم، وهو
الشفاعة العظمى لا يقدر على الإقدام عليه غيره.
١٤ - وكمال شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته، ورأفته بهم، وعنايته بالنظر فى مصالحهم المهمة،
فأخر دعوته لأمته إلى أهم أوقات حاجاتهم.
١٥- ويؤخذ من قوله: ((أنا سيد الناس يوم القيامة)) مشروعية التحدث بنعمة الله.
١٦ - وأنه يغطى على الناس يوم القيامة بعض ما عملوه فى الدنيا، لأن فى السائلين من سمع هذا
الحديث، ومع ذلك لم يستحضر أحد منهم أن ذلك المقام يختص به نبينا ﴾، إذ لو استحضروا
ذلك لسألوه من أول وهلة، ولما احتاجوا إلى التردد من نبى إلى نبى، ولعل الله أنساهم ذلك
للحكمة التى تترتب عليه من إظهار فضل نبينا #.
٣٣
١٧ - ومزيد اهتمام الشرع بالأمانة والرحم.
١٨ - وإثبات الشفاعة العظمى.
١٩ - والشفاعة لإخراج عصاة المؤمنين من النار.
٢٠ - ويؤخذ من قوله: ((فهى نائلة إن شاء اللَّه من مات من أمتى لا يشرك بالله شيئاً))
التبرك بالمشيئة والامتثال لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدَّا﴾ُ إِلا أَنْ
يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣-٢٤].
٢١ - وفيه دلالة لمذهب أهل الحق أن كل من مات غير مشرك بالله تعالى لا يخلد فى النار، وإن كان
مصراً على الكبائر.
٢٢- واستدل الغزالى بقوله: ((من كان في قلبه)) على نجاة من أيقن بذلك وحال بينه وبين النطق به
الموت، وظاهر الحديث يؤيده، والمخالفون يؤولون، ويقدرون محذوفاً، أى من كان فى قلبه
منضما إلى النطق به مع القدرة، جمعاً بين الأدلة.
٢٣- ويؤخذ من قوله: ((منقال برة، ومتقال حبة خردل وأدنى من ذلك)) الدلالة لمذهب السلف وأهل
السنة ومن وافقهم من المتكلمين فى أن الإيمان ينقص ويزيد.
٢٤ - ويؤخذ من وصف مصراعى باب الجنة سعة أبواب الجنة.
٢٥- ومن وصف قعر جهنم عمق النار وهولها.
٢٦- ويؤخذ من قوله ((فأنطلق، فآتى تحت العرش، فأقع ساجدًا)) استحباب أن يتحرى العبد للدعاء
المكان الشريف، لأن الدعاء فيه أقرب للإجابة.
٢٧- وأن ناسًا من الأمة الإسلامية يدخلون الجنة بغير حساب.
٢٨- وأن محمدًا ﴿ أكثر الأنبياء تابعًا.
٢٩- وأن محمدًا أول من يفتح له باب الجنة.
٣٠- ويؤخذ من الرواية الثالثة تقديم الرجل الذى هو من خاصة العالم ليسأله، فقد قدموا ثابت البنانى
لأنه من خواص أنس.
٣١- وأنه ينبغى للعالم وكبير المجلس أن يكرم فضلاء الداخلين عليه، ويميزهم بمزيد إكرام فى
المجلس وغيره.
٣٢- ويؤخذ من ضحك الحسن أنه لا باس بضحك العالم بحضرة أصحابه، إذا كان بينه وبينهم أنس،
ولم يخرج بضحكه إلى حد يعد تركا للمروءة.
٣٣- ومن قوله: ﴿خُلِقَ الإنسَانُ مِنْ عَجَل﴾ [الأنبياء: ٣٧] جواز الاستشهاد بالقرآن فى مثل هذا
الموطن، من غير أن يسند إلى اللّه تعالى.
واللَّه تعالى أعلم
٣٤
(١٠٢) باب شفقة الرسول على أمته
٣٦٧- ٣٤٦ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٣٤٦)؛ أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ تَلا قَوْلَ
اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَصْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنْهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم:
٣٦] الآيَةَ. وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلام: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ «اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي» وَبَكَى. فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ
وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ) اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَّبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلام
فَسَأَلَهُ. فَأَخْبُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ بِمَا قَالَ. وَهُوَ أَعْلَمُ. فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ! اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ
فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلا نَسُوؤُكَ.
المعنى العام
اصطفى اللَّه أنبياءه من بين أممهم، وغرس فى قلوبهم الرأفة والرحمة وحب الخير لمن بعثوا
فيهم، وأعلاهم درجة فى هذا الشأن نبينا محمد ، لقد أوذى من أهل الطائف، وأغروا به سفهاءهم
يتبعونه ويقذفونه بالحجارة حتى أدموا قدميه، ونزل عليه جبريل يقول: لوشئت أطبقت عليهم
الأخشبين. فقال: إنى لأرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله. اللهم اهد قومى فإنهم لايعلمون. قال
له جبريل: صدق من سماك الرءوف الرحيم؛ وفى هذا الحديث مثل رائع من شفقته صلى الله عليه
وسلم على أمته، وحرصه على أن تكون خيرالأمم، لقد قرأ قول إبراهيم عليه السلام: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ
مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وقول عيسى عليه السلام: ﴿إِنْ تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ
عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْلَهُمَّ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] كل منهما يطلب المغفرة لأمته،
فماذا عساه يفعل، وهو أكثر منهما شفقة، وأكبر منهما حرصاً؟ لقد قرأ الآيتين فى ليلة، وهو يبكى،
ويتضرع إلى الله، ويرفع يديه إلى السماء ويقول: يارب. أمتى. أمتى، ويسمع اللَّه نداءه - وهو أعلم به
وبما يرجوه - فيقول: ياجبريل، اذهب إلى محمد فقل له: مايبكيك؟ وماذا تطلب من ربك؟ فسأله
جبريل، فقال: أسأل الله أن يشفعنى فى أمتى، وأن يغفرلهم، فعاد جبريل بما سمع من محمد حل *.
فقال الله له: ارجع إلى محمد فقل له: إننا سنرضيك فى أمتك، ولن نسوؤك فيها أبدا صلى الله عليه
وسلم، وآتاه الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود.
(٣٤٦) حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّدَفِيُّ أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْرَبِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةً حَدَّفَهُ عَنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ
٣٥
المباحث العربية
( تلاقول اللَّه فى إبراهيم ) فى القاموس: تلوت القرآن قرأته. اهـ فالقارئ يتبع الكلام بعضه
بعضًا، و((فى إبراهيم)) فيها مضاف محذوف أى فى سورة إبراهيم أو فى مقالة إبراهيم.
(﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ ) الضمير يرجع إلى الأصنام فى قوله: ﴿ وَاجْتُبْنِي
وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ اَلْأَصْنَامَ﴾ ولما أسند إليها ما يسند إلى العقلاء ذكرها بضمير العاقلات فقال: إنهن،
ونسبة الإضلال إليها مجازية، أى نسببن فى الضلال.
﴿﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾) الكلام على حذف مضاف، أى فمن تبع دعوتی فإنه من أمتى
الناجين، وقيل: المعنى فإنه كبعضى فى عدم الانفكاك.
( ﴿ وَمَنْ عَصَانِي ﴾ ) فیما جئت به عن ربی، أى لم يتبعنی.
﴿﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾﴾ دليل جواب الشرط المحذوف، والمذكور تعليل له، أى ومن عصانى
فلا أدعو عليه، لأنك غفور رحيم.
(وقال عيسى عليه السلام) قال النووى: هكذا هو فى الأصول ((وقال عيسى)) قال القاضى
عياض: قال بعضهم. قوله: ((قال)) هو اسم للقول لا فعل، يقال: قال قولا وقالا وقيلا، كأنه قال: وتلا
قول عيسى. هذا كلام القاضى عياض. اهـ
(﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾) قيل: جواب الشرط محذوف، والتقدير: إن تعذبهم فإنهم
يستحقون ذلك، لأنهم عبادك وقد عبدوا غيرك.
(اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فسله) جملة ((وربك أعلم))، جملة معترضة بين
المعطوف والمعطوف عليه. والمفضل عليه محمد وغيره، أى أعلم بما يبكيه من نفسه ومن غيره.
(فأخبره رسول اللَّه بما قال - وهو أعلم - فقال الله ) فى الكلام حذف، وأصله. فأخبره
رسول اللَّه ﴿ بما قال، فأخبر جبريل ربه - وهو أعلم- فقال الله .. إلخ.
فضمير («هو أعلم)) للَّه تعالى.
( إنا سنرضيك فى أمتك ولا نسوؤك) قال صاحب التحرير: ((ولا نسوؤك)) تأكيد للمعنى:
أى لا نحزنك، لأن الإرضاء قد يحصل فى حق البعض بالعفو عنهم، ويدخل الباقى النار، فقال تعالى:
نرضيك، ولا ندخل عليك حزنا، بل ننجى الجميع. اهـ
٣٦
فقه الحديث
فى ربط الآيتين ببكائه صلى الله عليه وسلم ودعائه قال بعضهم إن إبراهيم طلب المغفرة لمن
عصى من أمته بقوله: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وأن عيسى عرض بطلب المغفرة لقومه
بقوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْلَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الَّحَكِيمُ﴾ فخشى صلى الله عليه وسلم على أمته، وأشفق على
العصاة منها، فسأل فيها ربه وبكى. واستدل هذا القائل بالآيتين على أنهما (إبراهيم وعيسى) سألا
المغفرة للكافر، وأن الشرك يجوز أن يغفر، وهذا القول مبنى على ما قاله النووى من أن مغفرة الشرك
كانت فى الشرائع القديمة جائزة فى أممهم، وإنما امتنعت فى شرعنا.
وذهب بعضهم إلى أنه لا دليل فى الآية على التعريض بطلب المغفرة للكافر، وسؤاله صلى اللّه
عليه وسلم لا يدل على أن فى الآية تعريضاً لسؤال المغفرة للكافر، وكل ما هنالك أنه صلى الله عليه
وسلم رأى أخويه قد سألا أو عرضا بسؤال المغفرة فطلبها لأمته، وقد روى النسائى والبيهقى عن أبى
ذر قال: ((صلى رسول الله :﴿ ليلة فقرأ بآية، حتى أصبح يركع ويسجد بها ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ
وَإِنْ تَغْفِرْلَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فلما أصبح قلت: يارسول اللَّه، مازلت تقرأ هذه الآية حتى
أصبحت؟ قال: إنى سألت ربى سبحانه وتعالى الشفاعة، فأعطانيها، وهى نائلة - إن شاء اللّه - من
مات لا يشرك به شيئاً)) وعند ابن مردويه عن أبى ذر قال: قلت: يارسول الله، قمت الليلة بآية من
القرآن؟ قال: ((دعوت الله سبحانه لأمتى)). قال: فبماذا أجبت؟ قال: ((أجبت بالذى لواطلع كثير
منهم عليه تركوا الصلاة ».
والحكمة فى إرسال جبريل لسؤاله إظهار شرف النبى { *.
ويؤخذ من هذا الحديث
١- كمال شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته، واعتنائه بمصالحهم واهتمامه بأمرهم.
٢- استحباب رفع اليدين فى الدعاء.
٣- البشارة العظيمة لهذه الأمة - زادها اللَّه شرفا- بما وعدها اللَّه تعالى.
٤- بيان عظم منزلة النبى 8* عند اللّه تعالى، وعظم لطفه به، وأنه بالمحل الأعلى، فيسترضی، ویکرم
بما يرضيه، وهذا الحديث موافق لقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَيُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥].
والله أعلم
٣٧
(١٠٣) باب من مات على الكفر فهو فى النار
٣٦٨- ٣٤٧ عَنِ أَنَس ◌َ﴾ (٣٤٧) أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: «فِي النَّارِ»
فَلَمَّا قَفِى دَعَاهُ فَقَالَ: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ».
المعنى العام
كثر سؤال الصحابة بأسئلة التعنت، وأسئلة الإلحاف، وأسئلة ما لانفع فيه، حتى شق ذلك على
النبى *، ومن هذه المثل مارواه أنس من أن رجلا جاء يسأل رسول اللّه * عن مصير أبيه الذى مات
قبل البعثة، أهو فى الجنة أو فى النار؟ فقال له صلى الله عليه وسلم بوحى من ربه: هو فى النار، فقام
الرجل حزيناً، وأحس الرسول 8 أنه آلمه وأحزنه، فأراد أن يخفف عنه بما هو معلوم من أن المصيبة
إذا عمت هانت، فدعاه، فقال له: إن أبي وأباك وأبا الكثيرين من الصحابة الذين ماتوا كأبيك فى
النار، ونزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنِ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
المباحث العربية
(أين أبى ) أى الذى مات، أفى الجنة هو؟ أو فى النار؟
( فلما قفى ) أى ولى قفاه منصرفا.
فقه الحديث
قال النووى: فى الحديث أن من مات على الكفر فهو فى النار، ولا تنفعه قرابة المقربين، وفيه أن
من مات فى الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة
قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى
وسلامه عليهم أجمعين. اهـ
وقال الحليمى: إن العاقل المميز إذا سمع أية دعوة كانت إلى اللّه تعالى فترك الاستدلال بعقله
على صحتها كان بذلك معرضا عن الدعوة فكفر. اهـ
وبالغ بعضهم فى اعتماد ذلك، حتى قال: فمن بلغته دعوة أحد من الرسل عليهم السلام بوجه من
(٣٤٧) حَدَّثَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا غَفَّانُ حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ثَابِتٍ عَنِ أَنَسٍ
٣٨
الوجوه، فقصر فى البحث عنها، فهو كافر من أهل النار، فلا يغتر بقول كثير من الناس بنجاة أهل
الفترة مع إخبار النبى * بأن آباءهم الذين مضوا فى الجاهلية فى النار. اهـ
وقريب من هذا الرأى ماذهب إليه أبو منصور الماتريدى ومتبعوه من تعذيب أهل الفترة بترك
الإيمان والتوحيد.
أما الأشاعرة، وأهل الأصول والشافعية من الفقهاء، فقد ذهبوا إلى أن أهل الفترة لا يعذبون،
وأطلقوا القول فى ذلك، وأجابوا عن هذا الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة الواردة فى تعذيب
بعض أهل الفترة بعدة أجوبة. منها: أنها أخبار آحاد، فلا تعارض قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ
حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] ومنها: أنه يجوز أن يكون تعذيب من صح تعذيبه منهم لأمر
مختص به، يقتضى ذلك، علمه الله تعالى ورسوله { {. ومنها: قصر التعذيب على من بدل وغير من
أهل الفترة بما لا يعذر به من الضلال، كعبادة الأوثان. وخير الأجوبة الثانى. فإن قيل: إن الحديث
يتعارض مع قوله صلى الله عليه وسلم ((لاتؤذوا الأحياء بسبب الأموات» أجيب بأن جواب الرسول
للرجل كان ردعا له ولغيره من السؤال عن أشياء إن تبد لهم تسؤهم.
والله أعلم
٣٩
(١٠٤) باب ما جاء فى قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾
وأن الرسول * لا يغنى عن الكافرين شيئا
٣٦٩- ٣٤٨ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َ﴾(٣٤٨) قَالَ: لَمَّا أَنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] دَعَا رَسُولُ اللَّهِ،فَ﴿ قُرَيْشًا فَاجْتَمَعُوا. فَعَمَّ وَخَصَّ. فَقَالَ «يَا يَنِي
كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّا أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا يَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْبٍ! أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ. يَا
يَنِي عَبْدٍ شَمْسٍ! أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا يَنِي عَبْدٍ مَنَّافٍ! أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ. يَا بَنِي
هَاشِمٍ! أَتْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا يَّنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ! أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ)
أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النّارِ. فَإِنّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبِلُّهَا بِلالِهَا».
٣٤٩ بِهَذَا الإِسْنَادِ وَحَدِيثُ جَرِيرٍ أَنْمُّ وَأَشْبَعُ(٣٤٩).
٣٧٠ - ٣٥٠ عَنِ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّه عَنْهَا (٣٥٠)؛ قَالَتْ: لَمَّا نَزَّلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ
عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قَامَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿ عَلَى الصَّفَا فَقَالَ: «يّا
فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍا يَا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ! يَا يَنِي عَبْدِ الْمُطَلِبِ! لا أَمْلِكُ لَكُمْ
مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ».
٣٧١ - ٣٥١ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَّ ◌َ﴾ (٣٥١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَأَنْذِرْ
عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَّ اللَّهِ. لا أُغْنِي
عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. يَا يَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ! لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسَ بْنَ عَبْدٍ
الْمُطَّلِبِ! لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللّهِ! لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا.
يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ! سَلِي بِمَا شِئْتٍ. لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا».
٣٥٢ نَحْوَ هَذَا(٣٥٢).
(٤٨ ٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالا حَدََّنَا جَرِيرٌ عَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنٍ عُمَيْرِ عَنِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةً.
(٣٤٩) وحَدَّثْنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ حَدَّثْنَا أَبُو عَوَانَةَ وعَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنَ عُمَيْرَ بِهَذَا الإِسْنَادِ وَحَدِيثُ جَرِيَرٍ أَتَمُ وَأَشْبَعُ
(٣٥٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَيَّرَ حَدًَّا وَكِيعٌ وَيُونُسُ بْنَ يُكَيْرِ فَالا حَدََّنَّا هِشَمُ بْنُ عُرْوَةَ عَنِ أَبِيهِ عَنِ عَائِشَةً
(٣٥١) وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يُحْتِى أَخْبُرَنَا أَبْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُوتُسُ عْنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبُرَبِي ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْ أَبَا هُرَيْرَةً قَالَ
(٣٥٢) وحَدْفِي عَمْرٌوِ النَّقِدُ حَدَّثَ مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍوِ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ حَدََّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذَكْوَانَ عَنِ الأَعْرَجِ وعَنٍ أَبِي هُرَيْرَةً عَظُ عَنِ
النّبِيِّ ◌َ نَحْوَ هَذَا
٤٠