Indexed OCR Text

Pages 301-320

(٧٥٦) باب في الحض على التوبة والفرح بها،
وسقوط الذنوب بالاستغفار
٢٠٤١ -١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١)، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴿؛ أَنَّهُ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجْلَّ: أَنّا
عِنْدَ ظَنّ عَبْدِي بِي. وَأَنَا مَعَّةُ حَيْثُ يَذْكُرُبِي. وَاللَّهِ لَلْهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةٍ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ يَجِدُ
ضَالَّتَهُ بِالْفَلَاةِ. وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ
بَاعًا. وَإِذَا أَقْبَلَ إِلَيَّ يَمْشِي، أَقْبَلْتُ إِلَيْهِ أُمَرْوِلُ».
٢٠٤٢- ٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: «لَلْهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةٍ أَحَدِكُمْ،
مِنْ أَحَدِكُمْ بِضَالَّتِهِ، إِذَا وَجَدَهَا.
٦٠٤٣- ٣ِّ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ(٣) قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ أَعُوذُهُ وَهُوَ مَرِيضٌ. فَحَدَقْنَا
بِحَدِيفَيْنٍ: حَدِيثًا عَنْ نَفْسِهِ وَحَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ:﴿. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ◌ِ:
«يَقُولُ لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةٍ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، مِنْ رَجُلٍ فِي أَرْضٍ دَوِيَّةٍ مَهْلِكَةٍ. مَعَّهُ رَاحِلْتُهُ، عَلَيْهَا
طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ. فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ فَطَلْبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ. ثُمَّ قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى
مَكَّانِيَ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ. فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ. فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَّ وَعِنْدَهُ
رَاحِلْتُهُ وَعَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ. قَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحْا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلْتِهِ
وَزَادِهِ».
٦٠٤٤ - عَنِ الأَعْمَشِ(١٠) بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: «مِنْ رَجُلٍ بِدَاوِيَّةٍ مِنَ الأَرْضِ».
٦٠٤٥- جُ عَنِ الْحَارِثَ بْنَ سُوَيْدٍ(٤) قَالَ: حَدَّقِي عَبْدُ اللَّهِ حَدِيثَيْنٍ: أَحَدُهُمَا عَنْ رَسُولِ
اللَّهِ ﴿ وَالآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ. فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿هَ: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةٍ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ»
بِمفلٍ حَدِيثِ جَرِیٍ.
(١) حَدَِّي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةٌ حَدَّْبِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٢) حَدَّتِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنٍ فَعْنَبِ الْقَغْنِيُّ حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجِزَامِيَّ عَنْ أَبِي الرِّنَادِ عَنِ الأَغْرَجِ عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةً
-ُ وحَدْقَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّقْنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ بْنٍ مُنَّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً عَنِ النّبِيِّ ◌َ بِمَغْنَاهُ.
(٣) حَدَّثَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبَرَنَا وَقَالَ عُثْمَانُ حَدَّقًا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ
عُمَارَةَ بْنِ عُمَّيْرٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ
(٠٠) وحَدَََّّاهَ أَبُو بَكْرٍ بَّنُ أَبِيَ شَيْئَةً حَدَّقْمَا يَحْتِى بْنُ آدَمَ عَنْ قُطْبَةَ بْنٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ
(٤) وحَدََّتِي إِسْحَقُ بْنَّ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةً حَدَّثْنَا الأَعْمَشُ حَدَّقَنَّا عُمَارَةُ بَّنَ عُمََّرٍ قَالَ سَمِغَتُ الْخَارِثَ بْنَ سُوَيْدٍ
٣٠١

٢٠٤٦- ° عَنْ سِمَاكٍ(٥) قَالَ: خَطَبَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ فَقَالَ: «أَلْهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِقَوْبَةٍ عَبْدِهِ
مِنْ رَجُلٍ حَمَلَ زَادَهُ وَمَزَادَهُ عَلَى بَعِيرٍ. ثُمَّ سَارَ حَتَّى كَانَ بِفَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ، فَأَدْرَكَتْهُ الْقَائِلَةُ.
فَنَزَلَ فَقَالَ تَحْتَ شَجْرَةٍ. فَغَلْبَتْهُ عَيْنُهُ وَاْسَلَّ بَعِيرُهُ. فَاسْتَيْقَظَ فَسَعَى شَرَفًا فَلَمْ يَرَ شَيْئًا. ثُمَّ
سَعَى شَرَّقًا قَائًِا فَلَمْ يَرَ شَيْئًا. ثُمَّ سَعَى شَرَفًا قَالِئًا فَلَمْ يَرَ شَيْئًا. فَأَقْبَلَ حَتَّى أَتَى مَكَانَهُ الْذِي قَالَ
فِيهِ، فَبَيْنَمّا هُوَ قَاعِدٌ إِذْ جَاءَةُ بَعِيرُهُ يَمْشِي. حَتَّى وَضَعَ خِطَامَهُ فِي يَدِهِ. فَلَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةٍ
الْعَبْدِ، مِنْ هَذَا حِينَ وَجَدَ بَعِيرَهُ عَلَى حَالِهِ». قَالَ سِمَاكٌ: فَزَعَمَ الشَّعْبِيُّ، أَنَّ النَّعْمَانَ رَفَعَ هَذَا
الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ. وَأَمَّا أَنَا فَلَمْ أَسْمَعْهُ.
٦٠٤٧ - ٦ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ(٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِ: «كَيْفَ تَقُولُونَ بِفَرَحِ رَجُلٍ
الْفَلَتْ مِنْهُ رَاحِلْتُهُ. تَجُرُّ زِمَامَهَا بِأَرْضٍ قَفْرٍ لَيْسَ بِهَا طَعَامٌ وَلا شَرَابٌ. وَعَلَيْهَا لَهُ طَعَامٌ
وَشَرَابٌ. فَطَلْبَهَا حَتّى شَقَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ مَرَّتْ بِحِذْلِ هَجَرَةٍ فَتَعَلَّقَ زِمَامُهَا. فَوَجَدَهَا مُتَعَلّقَةٌ بِهِ؟»
قُلْنَا: شَدِيدًا، يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿: «أَمَا، وَاللَّهِ! لَلْهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةٍ عَبْدِهِ،
مِنَ الرَّجُلِ بِرَاحِلَيِ». قَالَ جَعْفَرٌ: حَدََّنَا غَيْدُ اللَّهِ بْنُ إِيَادٍ عَنْ أَبِيهِ.
٦٠٤٨- ٣ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(٧) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴾: «لَلْهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةٍ
عَبْدِهِ، حِينَ يُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ. فَالْفَلَعَتْ مِنْهُ. وَعَلَيْهَا طَعَامُّهُ
وَشَرَابُهُ. فَأَيِسَ مِنْهَا. فَأَتَى شَجَرَةٌ، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلْهَا. قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ. فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ
إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ. فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا. ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّا أَنْتَ عَبْدِي وَأَنّا
رَبُّكَ. أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَّحِ».
٢٠٤٩- شُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(٨)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةٍ عَبْدِهِ
مِنْ أَحَدِكُمْ إِذَا اسْتَيْقَظَ عَلَى بَعِيرِهِ، قَدْ أَضَلْهُ بِأَرْضٍ فَلاةِ».
٦٠٥٠- عَنْ أَبِي أَيُوبَ(٩)؛ أَنْهُ قَالَ، حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: كُنْتُ كَتَمْتُ عَنْكُمْ شَيْئًا
(٥) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْرِيُّ حَدْفَنَا أَبِي حَدَّقَا أَبُو يُونُسَ عَنْ سِمَاكٍ
(٦) حَدَّا يُحْتِى بْنُ يَحْتِى وَجَعْفَرُ بَّنُ حُمَّيْدٍ قَالَ جَعْفَرٌ حَدَّثَنَا وَقَالَ يَحْتِى أَخْرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إِبَادِ بْنٍ لَّقِيطٍ عَنْ إِيَادٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ
عَازِبٍ
(٧) حَدَّثَنَّا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّاحِ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالا حَدَّثَنَا عُمَّرُ بْنُ يُونُسَ حَدَّقَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّنَا إِسْحَقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي
طَلْحَةٌ حَدَّثْنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَهُوَ عَمُّهُ
(٨) حَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ حَدََّنَا هَمَّمٌ حَدَّثََّا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
- وَحَدَّثَيِهِ أَحْمَدُ الدَّارِمِّي حَدَّقَا حَبّاتُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدْقْنَا أَنْسُ بْنُ مَالِكِ عَنِ النِّيِّ بِعْلِهِ.
(٩) حَدَّا قَبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَ لَيْثٌ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنٍ قَيْسٍ قَاصَّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي صِرْعَةً عَنْ أَبِي أَيُوبَ
٣٠٢

سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴿. سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: «لَوْلا أَنْكُمْ تُذْنُونَ لَخَلْقَ اللَّهُ
خَلْقًا يُذْنُون. يَغْفِرُ لَهُمْ)».
٦٠٥١- ١٢ عَنْ أَبِي أَيُوبَ الأَنْصَارِيّ(١٠)، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴿؛ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ أَنْكُمْ لَمْ تَكُنْ
لَكُمْ ذُنُوبٌ، يَغْفِرُهَا اللَّهُ لَكُمْ، لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ لَهُمْ ذُنُوبٌ، يَغْفِرُهَا لَّهُمْ)».
٦٠٥٢- ١١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾: «وَالْذِي نَفْسِي بِيْدِهِا لَوْلَمْ
تُذْنِبُوا لَذَهَبِ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونٌ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لَّهُمْ)».
المعنى العام
يراجع فى باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه والتوبة.
المباحث العربية
(واللَّه ! لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة) وفى الرواية الثانية «للَّه
أشد فرحاً بتوبة أحدكم من أحدكم بضالته إذا وجدها)) أى أشد فرحاً من فرح أحدكم بوجود ضالته
بعد أن فقدها، وفقد الأمل فى الحصول عليها، وفى الرواية الثالثة ((للَّه أشد فرحاً بتوبة عبده المؤمن،
من رجل ... )) قال النووى: قال العلماء: فرح الله تعالى هو رضاه. وقال المازري: الفرح ينقسم إلى وجوه،
منها: السرور، والسرور يقارنه الرضا بالمسرور به، قال: فالمراد هنا - أن الله تعالى يرضى توبة عبده،
أشد مما يرضى واجد ضالته بالفلاة، فعبر عن الرضا بالفرح، تأكيداً لمعنى الرضا فى نفس السامع،
ومبالغة فى تقريره. اهـ
وقال الخطابي: الفرح الذى يتعارفه الناس بينهم غير جائز على الله. وقال ابن العربى: كل صفة
تقتضى التغير لايجوز أن يوصف الله بحقيقتها، فإن ورد شىء من ذلك حمل على معنى يليق به، وقد
يعبر عن الشىء بسببه، أو بثمرته الحاصلة عنه، فإن من فرح بشىء جاء لفاعله بما سأل، وبذل له ما
طلب، فعبر عن عطاء البارى، وواسع كرمه، بالفرح.
وقال ابن أبى جمرة: كنى عن إحسان اللَّه للتائب، وتجاوزه عنه بالفرح، لأن عادة الملك، إذا فرح
بفعل أحد، أن يبالغ فى الإحسان إليه.
(١٠) حَدَّثَّا هَارُونُ بْنُّ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ حَدِّثْنَا ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَتِي عِيَاضٌ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقِهْرِيُّ حَدَّقَتِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةً
عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ كَعْبِ الْقُرَظِيِّ عَنْ أَبِي صِيرْمَةً عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيّ
(١١) حَذِّْي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّا عَبْدُ الرَّزَاقِ أَخْبَرَنَاَ مَعْمَرٌ عَنْ جَعْفٍَ الْجَوَرِيِّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
٣٠٣

وقال القرطبى فى المفهم: هذا مثل، قصد به بيان سرعة قبول الله توبة عبده التائب، وأنه يقبل
عليه بمغفرته، ويعامله معاملة من يفرح بعمله، ووجه هذا المثل أن العاصى وقع بسبب معصيته فى
قبضة الشيطان وأسره، وقد أشرف على الهلاك، فإذا لطف الله به، ووفقه للتوبة خرج من شؤم تلك
المعصية، وتخلص من أسر الشيطان، ومن المهلكة التى أشرف عليها، فأقبل اللّه عليه بمغفرته
ورحمته، وإلا فالفرح الذى هو من صفات المخلوقين محال على الله تعالى، لأنه اهتزاز وطرب يجده
الشخص من نفسه، عند ظفره بغرض يستكمل به نقصانه، أو يدفع به عن نفسه ضررًا أو نقصًا، وكل
ذلك محال على اللَّه، فإنه الكامل بذاته، الغنى بوجوده، الذى لا يلحقه نقص ولا قصور، فعبر عن ثمرة
الفرح بالفرح، على طريقة العرب فى تسمية الشىء باسم ما جاوره، أو بسببه، قال: وهذا القانون جار
فى جميع ما أطلق على اللَّه تعالى على صفة من الصفات التى لا تليق به.
( من رجل فى أرض دوية مهلكة، معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فنام،
فاستيقظ، وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى مكانى، الذى
كنت فيه، فأنام، حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده، ليموت، فاستيقظ، وعنده
راحلته، وعليها زاده وطعامه وشرابه. فالله أشد فرحاً بتوبة العبد المؤمن، من هذا
براحلته وزاده) ((دوية)) اتفق العلماء على أنها بفتح الدال، وتشديد الواو المكسورة وتشديد الياء
المفتوحة، وفى ملحق الرواية الثالثة ((من رجل بداوية من الأرض)) بزيادة ألف، وهى بتشديد الياء
أيضاً، وكلاهما صحيح، قال أهل اللغة: الدوية الأرض القفر، والفلاة الخالية، وقال الخليل: هى
المفازة، قالوا: ويقال: دوية وداوية، فأما الدوية فمنسوب إلى الدو، بتشديد الواو، وهى البرية التى لا
نبات فيها، وأما الداوية فهى على إبدال إحدى الواوين ألفا، كما قيل فى النسب إلى على، طائى.
والمهلكة بفتح الميم، وبفتح اللام وكسرها، وهى موضع مخوف الهلاك، ويقال لها مفازة، قيل: إنه
من قولهم: فوز الرجل، بتشديد الواو المفتوحة، إذا هلك، وقيل: سميت مفازة على سبيل التفاؤل بفوزه،
ونجاته منها، كما يقال للديخ: سليم.
وفى الرواية الرابعة ((من رجل حمل زاده ومزاده على بعير)» والمزاد والمزادة الماء ((ثم سارحتى
كان بفلاة من الأرض، فأدركته القائلة، فنزل، فقال تحت شجرة، فغلبته عينه، وانسل بعيره،
فاستيقظ، فسعى شرفا)» - أى جرى مكانا عالياً من الأرض، لينظر منه، هل يراها؟ «فلم ير شيئا، ...
فأقبل حتى أتى مكانه الذى قال فيه، فبينما هو قاعد، إذ جاءه بعيره يمشى، حتى وضع خطامه فى
يده، فللَّه أشد فرحاً بتوبة العبد، من هذا، حين وجد بعيره على حاله)) أى وعليه زاده وماؤه ومتاعه.
وفى الرواية الخامسة ((كيف تقولون بفرح رجل، انفلتت منه راحلته، تجر زمامها، بأرض قفر،
ليس بها طعام ولا شراب، وعليها له طعام وشراب، فطلبها، حتى شق عليه، ثم مرت بجذل شجرة)) -
بكسر الجيم وفتحها وسكون الذال، وهو أصل الشجرة القائم - «فتعلق زمامها، فوجدها متعلقة به؟
قلنا: شديداً)) أى نراه فرح فرحاً شديدا ((يارسول اللَّه. فقال رسول اللَّه له: أما واللَّه لله أشد فرحا
٣٠٤

بتوبة عبده، من الرجل براحلته». ويجمع بين الروايات بأن الشجرة التى تعلقت بها كانت بجواره.
وفى الرواية السادسة ((كان على راحلته، بأرض فلاة، فانفلتت منه)) - أى فنام، فانفلتت منه-
((وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها)) - أى بعد البحث عنها أيس من استردادها - ((فأتى شجرة،
فاضطجع فى ظلها، قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك، إذا هو بها، قائمة عنده، فأخذ بخطامها. ثم
قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدى وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح» فقلب اللفظ المراد، وهو أنت
ربى وأنا عبدك الشاكر لفضلك، قال القاضى عياض: ما قاله الإنسان من مثل هذا فى حال دهشته
وذهوله لا يؤاخذ به.
وفى الرواية السابعة ((لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم، إذا استيقظ على بعيره)) فى الكلام
مضاف محذوف، أى إذا استيقظ على انسلال بعيره وهربه - ((قد أضله)) - أضل الرجل بعيره ففى
رواية «فأضلها» («بأرض فلاة)» وقال القاضى عياض: هكذا هو فى جميع النسخ ((إذا استيقظ على
بعيره)) واتفقت عليه رواة صحيح مسلم، قال: قال بعضهم: وهووهم، وصوابه: إذا سقط على بعيره، أى
وقع عليه، وصادفه من غير قصد، قال: ورواية ((استيقظ)) صحيحة، لكن السياق يدل على سقط،
وصحته كما فى البخارى ((فنام نومة، فرفع رأسه، فإذا راحلته عنده)). اهـ وهكذا حمل القاضى عياض
استيقاظ الرجل على النومة الثانية، وحملناه على النومة الأولى. والله أعلم.
( لولا أنكم تذنبون، لخلق اللَّه خلقاً يذنبون، يغفرلهم) فى الرواية التاسعة ((لو أنكم لم
تكن لكم ذنوب، يغفرها اللَّه لكم، لجاء الله بقوم، لهم ذنوب، يغفرهالهم» وفى الرواية العاشرة «والذی
نفسى بيده! لولم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفرلهم)) فعبر عن
التوبة بالاستغفار، والاستغفار الذى هو طلب المغفرة يعتبر توبة. والله أعلم.
فقه الحديث
مضى الكلام عن التوبة وشروطها وقبولها ووقت صلاحيتها قبل أبواب عند باب التوبة، ونضيف
هنا ما يستفاد من هذا الحديث:
يؤخذ منه
١- جواز سفر المرء وحده، لأن الشارع لا يضرب المثل إلا بما يجوز، ويحمل حديث النهى عن ذلك
على الكراهة، جمعا بين النصوص.
٢- وفيه تسمية المفازة التى ليس فيها مايؤكل ولا يشرب، مهلكة.
٣- وأن من ركن إلى اللَّه كفاه، وجعل له من ضيقه مخرجًا.
٤- وفيه بركة الاستسلام لأمر الله، بعد استنفاد الوسائل المشروعة.
٥- وفيه ضرب المثل بما يصل إلى الأفهام من الأمور المحسوسة.
والله أعلم
٣٠٥

(٧٥٧) باب فضل دوام الذكر، والفكر فى أمور الآخرة، والمراقبة
وجواز ترك ذلك فى بعض الأوقات، والاشتغال بالدنيا
٢٠٥٣ - ١٢ عَنْ حَنْظَلَةَ الأُسَيِّدِيِّ ﴾(١٢) قَالَ (وَكَانٌ مِنْ كُتّابِ رَسُولِ اللَّهِ﴿ِ) قَالَ:
لَقِيِّي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ؟ يَا حَنْظَلَةُ: قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ. قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مّا.
تَقُولُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُوهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿. يُذَكَّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ. حَتَّى كَأْنَا رَأَيُ عَيْنٍ.
فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللّهِ:﴿، عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلادَ وَالضَّيْعَاتِ. فَنَسِينًا كَثِيرًا.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ! إِنَّا لَلْقَى مِثْلَ هَذَا. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ
*. قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِع ◌َ﴿: «وَمَا ذَاكَ؟» قُلْتُ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ، تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنْةِ، حَتَّى كَأَنَا رَأَيُّ عَيْنٍ. فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ، عَافَسْنَا
الأَزْوَاجَ وَالأَوْلادَ وَالضَّيْعَاتِ. نَسِيئًا كَثِيرًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿لَ: «وَالْذِي نَفْسِي بِيْدِهِ! إِن
لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونِ عِنْدِي، وَفِي الدِّكْرٍ، لَصَا فَحَنْكُمُ الْمَلائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي
طُرُقِكُمْ. وَلَكِنْ، يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةٌ وَسَاعَةٌ» ثَلاثَ مَرَّاتٍ.
٢٠٥٤- ١٣ عَنْ حَنْظَلَةَ ﴾(١٣) قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿َ. فَوَعَظَّنَا فَذَكْرَ النَّارَ. قَالَ:
ثُمَّ جِئْتُ إِلَى الْبَيْتِ فَضَا حُكْتُ الصِّيَانِ وَلا عَبْتُ الْمَرْأَةَ. قَالَ: فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ.
فَذَكّرْتُ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: وَأَنَا قَدْ فَعَلْتُ مِثْلَ مَا تَذْكُرُ. فَلَقِينَا رَسُولَ اللَّهِ{َ . فَقُلْتُ: یَا
رَسُولَ اللَّهِ! نَافَقَ حَنْظَلَةُ. فَقَالَ: «مَهْ﴾ فَحَدَّثْتُهُ بِالْحَدِيثِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَأَنَا قَدْ فَعَلْتُ مِثْلَ مّا
فَعَلَ. فَقَالَ: «يَا حَنْظَلَةُ! سَاعَةٌ وَسَاعَةٌ. وَلَوْ كَانَتْ تَكُونُ قُلُوبُكُمْ كَمَا تَكُونُ عِنْدَ الذِّكْرِ،
لَصَافَحَنْكُمُ الْمَلائِكَةُ، حَتَّى تُسَلّمَ عَلَيْكُمْ فِي الطُّرُقِ».
المعنى العام
خلق اللَّه عالما طائعا، لا يعصون الله ما أمرهم، وهم الملائكة، وعالما عاصياً، وهم إبليس وجنوده،
(١٢) حَدََّا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى النِّيُّ وَقَطَّنُ بْنُ نُسَيْرٍ وَاللَّفْظُ لِيَخْتِى أَخْبَرَنَا تَعْفَرُ ابْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِيَاسِ الْجُرَبِرِيِّ عَنْ أَبِي
عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ حَنْظَلَةٌ
(١٣) حَدَِّي إِسْحَقُّ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ حَنْظَلَةٌ
- حَدْلَيِيَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنِ حَدَّثَنَاَ سُفْيَانُ عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيَّ عَنْ أَبِيَ عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ حَنْظَلَةً
التَّمِيجِيِّ الأُسَيِّدِيِّ الْكَائِبِ قَالَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّوَ فَذَكْرَنَا الْجَنَّةَ وَالنَّارَ فَذَكَرٌ نَحْوَ خَدِيثِهِمًا
٣٠٦

وعالما يخلطون عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب على سيئاتهم، وهم الإنس والجن
المكلفون بالشرائع، وكان هذا التكليف ذا شعب، محرمات يجب الابتعاد عنها، وواجبات يجب
التزامها، ومكروهات ينبغى التنزه عنها، ومستحبات ينبغى الحرص عليها، ومباحات ومتع دنيوية
رخص بها بقدر الحاجة البشرية، وفتح باب الطاعات ليترقى المؤمن فى سلم الروحانية، وليعرج إلى
الملأ الأعلى، قدر ما يستطيع، لكن بعض الصحابة - رضى الله عنهم - بحكم سماعهم وعظ رسول الله
*، وبحكم تأثرهم به، وبحكم شدة خوفهم من اللّه، وبحكم عظيم مراقبتهم له. ورغبتهم فى فيض
فضله، ظنوا أن اشتغالهم بمتع الدنيا وشهواتها - وإن كانت مباحة - لا تليق بهم، وأن الاشتغال بها
نوع من النفاق، وجمع بين الخشية الباطنة، والعبث واللهو الظاهرى، وإن اختلفت أوقاتهما، فبين
الرسول : أن ذلك ليس نفاقا ممنوعًا، وأنهم غير مكلفين بأن يكونوا على التفكر الدائم، والمراقبة
المستمرة، وإلا كانوا كالملائكة، وصاحبتهم الملائكة، ولكن المطلوب منهم أن يكونوا على التقوى
والخشية وقتا، وأن ينشغلوا بالدنيا المباحة، وبزينتها المسموح بها وقتاً آخر، على أن لا تطغى
وتسيطر الدنيا على قلب المؤمن، فيكون من الخاسرين.
المباحث العربية
( عن حنظلة الأسيدى - وكان من كتاب رسول اللَّه #) وهو ابن حذيم بن حنيفة، له
ولأبيه وجده صحبة، قال النووى: ((الأسيدى)) ضبطوه بوجهين، أصحهما وأشهرهما ضم الهمزة وفتح
السين وكسر الياء المشددة، والثانى كذلك، إلا أنه بإسكان الياء، وهو منسوب إلى بنى أسيد بطن من
بنى تميم. قال: ((وكان من كتاب رسول الله ﴿)) هكذا هو فى جميع نسخ بلادنا، وذكره القاضى عن
بعض شيوخه كذلك، وعن أكثرهم ((وكان من أصحاب رسول اللّه:﴿))، وكلاهما صحيح، لكن الأول
أشهر فى الرواية، وأظهر فى المعنى، ويؤيده قوله فى ملحق الرواية الثانية ((عن حنظلة التميمى
الأسيدى الكاتب».
( قال: لقينى أبوبكر، فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة ) فى
الرواية الثانية ((قال: كنا عند رسول اللّه، فوعظنا، فذكر النار، قال: ثم جئت إلى البيت، فضاحكت
الصبيان، ولاعبت المرأة، قال: فخرجت، فلقيت أبا بكر، فذكرت ذلك له)) وفى ملحق الرواية الثانية
((قال: كنا عند النبى {.، فذكَّرنا الجنة والنار ... )).
( قال: سبحان اللَّه؟ ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول اللَّه ﴾، يذكرنا بالنار
والجنة، حتى كأنا رأى العين، فإذا خرجنا من عند رسول اللّه #، عافسنا الأزواج
والأولاد والضيعات، فنسينا كثيرًاً) («كأنا رأى عين)» قال القاضى: ضبطناه بالرفع، أى كأنا
بحال من يراها بعينه، قال: ويصح النصب على المصدر، أى نراها رأى عين. اهـ وقوله ((عافسنا
الأزواج» بالفاء والسين، أى حاولنا ذلك، ومارسناه، واشتغلنا به، وعالجنا معايشنا وحظوظنا، وروى
٣٠٧

الخطابى: ((عانسنا)» بالنون، قال: ومعناه لاعبنا، ورواه ابن قتيبة بالشين ((عافشنا)) قال: ومعناه
عانقنا. قال النووى: والأول هو المعروف، وهو أعم. اهـ والضيعات جمع ضيعة، وهى معاش الرجل، من
مال وحرفة وصناعة.
(قال أبوبكر: فوالله! إنا لنلقى مثل هذا) الذى تلقاه، وفى الرواية الثانية ((فقال: وأنا قد
فعلت مثل ما تذكر)».
( فانطلقت أنا وأبوبكر، حتى دخلنا على رسول اللّه *. قلت: نافق حنظلة.
يارسول اللّه) أى كان فى داخله شىء من التقوى والخوف، فأظهر مع زوجته وأولاده خلافه. وأصل
النفاق إظهار ما يبطن خلافه من الشر، فخاف أن يكون ذلك الذى فعله مع أولاده نفاقاً.
(فقال رسول اللَّه :﴿: وماذاك؟) الذى حصل، حتى حكمت على نفسك هذا الحكم؟ فى
الرواية الثانية ((فقال: مه))؟ قال القاضى: معناه الاستفهام، أى ما تقول؟ والهاء هنا هى هاء السكت
- أى أصلها ((ما)) اسم استفهام مبتدأ، حذف خبره. أى ما حصل؟ قال: ويحتمل أنها للكف والزجر
والتعظيم لذلك - أى أنها اسم فعل أمر، بمعنى كف عما تقول، فما تقوله أمر عظيم.
( قلت: يارسول اللَّه، نكون عندك، تذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأى عين، فإذا
خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيرًا ) فى الرواية الثانية
((فحدثته بالحديث، فقال أبوبكر: وأنا قد فعلت مثل ما فعل)).
(فقال رسول اللَّه : ((والذي نفسي بيده! إن لوتدومون على ما تكونون عندى، وفى
الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفى طرقكم) ((إن)) بسكون النون، مخففة من
الثقيلة، واسمها ضمير الحال والشأن، محذوف، والجملة بعده هى الخبر، والمعنى إن الحال والشأن لو
تدومون على الحال التى تكونون عليها عندى، وتدومون فى الذكر، لكنتم مثل الملائكة، لا تشتغلون
بالدنيا، ولا تشغلهم إلا طاعة الله، ولتصاحبتم مع الملائكة لمشابهتكم لهم.
وفى الرواية الثانية ((لو كانت تكون قلوبكم، كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة، حتى تسلم
عليكم فى الطرق)» أى لو كانت قلوبكم تظل على ما تكون عليه عندى حين الذكر والوعظ لكنتم أصحابا
للملائكة، تلاقونهم، ويلاقونكم، وتسلمون عليهم، ويسلمون عليكم.
( ولكن ياحنظلة: ساعة وساعة) بالرفع جملتان عطفت الثانية على الأولى، وحذف الخبر
فى كل منهما، للعلم به، أى ساعة للآخرة وساعة للدنيا، ساعة للتقوى والعبادة والمراقبة، وساعة
للمعاش واللهو المباح، أى لهذا كلفتم، ولهذا جعلتم خلفاء فى الأرض.
وبنصب ((ساعة وساعة)) على الظرف لفعل محذوف، أى راقبوا اللَّه وخافوه ساعة، والهوا وتمتعوا
بما أباحه اللَّه لكم من زينة الحياة الدنيا ساعة.
٣٠٨

فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١ - فضل التذكير والوعظ.
٢- وأن المطلوب التخول بالموعظة، فترة بعد فترة، لئلا تمل القلوب.
٣- وفضل التفكر والمراقبة.
٤- والرخصة فى التمتع بالحلال من زينة اللَّه التى أخرج لعباده، والطيبات من الرزق.
٥- ما كان عليه الصحابة من رقة القلوب، التى تنفعل بالوعظ، مصداقا لقوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَّتْ عَلَّيْهِمْ آيَاتُهُ رَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢].
٦- ما كانوا عليه من الحرص على مجانبة النفاق.
٧- منقبة لحنظلة وأبى بكر، رضى الله عنهما.
٨- استنصاح المسلم أخاه، بشأن مصلحته الشخصية.
٩- يسر الدين الإسلامى، ومسايرته لمطالب العصر، ولكل زمان ومكان.
١٠- ومن تكراره صلى الله عليه وسلم النصيحة ثلاث مرات، استحباب تكرار النصائح، لتستقرفى
النفس، وللتأكيد، والإشعار بالاهتمام.
والله أعلم
٣٠٩

(٧٥٨) باب سعة رحمة الله، وأنها تغلب غضبه
٦٠٥٥- ١٢٤ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(١٤)؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقِ، كَتَّبَ فِي
كِتَابِهِ، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي».
٢٠٥٦ - ٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٥)، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿َ قَالَ: «اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي».
٦٠٥٧ - ٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ل: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ،
كَتَّبَ فِي كِتَابِهٍ عَلَى نَفْسِهِ، فَهُوَ مَوْضُوعٌ عِنْدَهُ: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَّبِي».
٦٠٥٨- ١٣ٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٧) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: «جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ
مِائَةَ جُزْءٍ. فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ. وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا. فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ
تَتَرَاحَمُ الْخَلَائِقُ. حَتّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا، خَشْيَةً أَنْ تُصِيبَهُ».
٢٠٥٩- ١٨ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(١٨)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ مِائَةَ رَحْمَةٍ.
فَوَضَعَ وَاحِدَةٌ بَيْنَ خَلْقِهِ. وَخَبَأْ عِنْدَهُ مِائَةٌ، إِلا وَاحِدَةٌ».
٢٠٢٠ - ١٣٦ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٩)، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ ﴿ قَالَ: «إِنَّ لِلْهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ. أَنْزَلَ مِنْهَا
رَحْمَةٌ وَاحِدَةٌ بَيْنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالْتَهَائِمِ وَالْهَوَامِ. فَبِهَا يَتَعَاطَقُونَ. وَبِهَا يَتْرَاحَمُونَ. وَبِهَا
تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَِّهَا. وَأَخْرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةٌ يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
٢٠٦١ - ٣٠ عَنْ سَلْمَانِ الْقَارِسِيِّ﴾(٢٠) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ :﴿: «إِنَّ لِلْهِ مِائَةٌ رَحْمَةٍ.
فَمِنْهَا رَحْمَةٌ بِهَا يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ بَيْنَهُمْ. وَتَسْعَةٌ وَتِسْعُونَ لِيَوْمِ الْقِيَامَّةِ».
(١٤) حَدَّثًّا قُتَبِيَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدْقَهَا الْمُغِيرَةُ يَعْنِي الْحِزّامِيِّ عَنْ أَبِيِ الزََّادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(١٥) حَدَِّي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَّا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْئَةَ عَنْ أَبِي الزَّنَّادِ عَنِ الأَغَرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ
(١٦) حَدََّا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ أَخْبِرَلَا أَبُوِ ضَمْرَةَ عَنِ الْحَارِثَ بْنٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَطَاءِ ابْنِ مِينَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(١٧) حَدََّا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَّى الْتَّجِيُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَنِيَ يُونُسُ عَنٍ أَبْنِ شِهَابٍ أَنْ سَعِيدَ بْنَ الْمَّسَيِّبِ أَخْبَرَهُ أَنْ أَبَا هُرَيْرَةً
قَالَ
(١٨) حَدََّا يَحتَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتِبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا حَدَّنَا إِسْمَعِيلُ يَعْنُونِ ابْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(١٩) حَدََّا مُحَمِّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَيْرِ حَدَّثَنَا أَبِ حَدَّثَّا عَبْدُ الْمَلِكٍ عَنْ عَطَّاءِ عَنَّ أَبِيَّ هُرَيْرَةً
(٢٠) حَدَّثِي الْحَكْمُ بْنُ مُوسَى حَدََّنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ حَدََّنَا سُلَيْمَانُ الَّيْمِيُّ حَدْتَنَا أَبُوَ غَمَانَ النَّهْدِيُّ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ
- وحَّدَثْنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى حَدَّقَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ بِهَذَا الإِسْنَّاهِ
٣١٠

٢٠٢٢ - ٢١ عَنْ سَلْمَاتٌ ﴾(٢١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ، يَوْمَ خَلَقَ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، مِائَةَ رَحْمَةٍ. كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ. فَجَعَلَ مِنْهَا فِي
الأَرْضِ رَحْمَةٌ. فَبِهَا تَعْطِفُ الْوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا. وَالْوَحْشُ وَالطَّيْرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ. فَإِذَا كَان
يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَّةِ».
٢٠٢٣ - لِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴾(٢٢)؛ أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿هُ بِسَبْيٍ. فَإِذَا
امْرَأَةٌ مِنَ السَّنْيِ، تَبْتَغِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّنْيِ، أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ فَقَالَ لَّا
رَسُولُ اللَّهِعَ﴿َ: «أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةً طَارِحَةٌ وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟» قُلْنَا: لا. وَاللَّهِ! وَهِيَ تَقْدِرُ
عَلَى أَنْ لا تَطْرَحَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿ِ: «لَّلْهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَّدِهَا».
٦٠٦٤- ٢٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٣٣)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِعَ﴿ قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ
اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ، مَا طَمِعَ بِجَنْتِهِ أَحَدٌ. وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ، مَا قْنَطَ مِنْ
جَنَِّّهِ أَحَدّ».
٢٠٢٥- ٢٤ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٢٤)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ:﴿ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ، لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةٌ
قَطُّ. لأَهْلِهِ: إِذَا مَاتَ فَحَرَّقُوهُ. ثُمَّ اذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ. فَوَاللَّهِ! لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ
عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَّهُ عَذَابًا لا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ. فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ. فَأَمَرَ اللَّهُ
الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ. وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمّعَ مَا فِيهِ. ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ یَا
رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ».
٦٠٦٦- ٢٠٢٠, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(٢٥)، عَنِ النّبِيِّ ◌ِ﴿ قَالَ: «أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ. فَلَمَّا
حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى بَبِيهِ فَقَالَ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَخْرِقُونِي. ثُمَّ اسْحَقُونِي. ثُمَّ اذْرُونِي فِي الرِّيحِ
فِي الْبَحْرِ. فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي، لَيُعَذِّبُنِي عَذَابًا مَا عَذَّبُهُ بِهِ أَحَدًا. قَالَ فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ.
(٢١) حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَّيْرٍ حَدَّْنَا أَبُوٍ مُعَاوِيَةً عَنْ دَاوُدَ بْنٍ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي غُثْمَانُ عَنْ سَلْمَانِ
(٢٢) حَدَِّي الْحَسَنُّ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ وَمُحَمِّدُ بْنَ سَّهْلِ التَّحِيمِيُّ وَاللَّفْظُ لِحَسَنٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا أَبُو ◌َسَّانْ حَدَّتِي
زَيْدُ ابْنُ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيدٍ عَنْ عُمَّرَ بْنِّ الْخَطّابِ
(٢٣) حَدََّا يَحْتِى بْنُ أَيْوَبَ وَقُتِبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ جَمِيعًا عَنْ إِسْمَعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ حَدََّا إِسْمَعِيلُ أَخْبَرَنِي الْعَلاءُ عَنْ أَيِهِ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٢٤) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقِ بْنِ بِنْتِ مَهْدِيٌّ بْنٍ مَيْمُونٍ حَدَّقْنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزَِّادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٢٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنَ حُمَّيْدٍ قَالَ غَبْدٌ أَخْرَنَا وَ قَالَ ابْنُ رَافِعٍ وَاللَّفْظُ لَهُ خَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُّرَنَا مَغّمَّرٌ قَالَ قَالَ
لِيَ الزُّهْرِيُّ أَلا أُحَدَّثُكَّ بِحَدِيثَيْنِ عَجِيَيْنِ قَالَ الرُّهْرِيُّ أَخْبُوَلِي حُمَّيْدُ بْنُّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
٣١١

فَقَالَ لِلْأَرْضِ: أَدِّي مَا أَخَذْتِ. فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ. فَقَالَ لَهُ: مَا حَمَّلَكَ عَلَى مَا صَنَّعْتَ؟ فَقَالَ:
خَشْيَتُكَ. يَا رَبِّا أَوْ قَالَ - مَخَافْتُكَ فَعَفَرَ لَهُ بِذَلِكَ».
٦٠٦٧- ٢ْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(١٠)، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ قَالَ: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي
هِرَّةٍ رَبَطَنْهَا. فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا. وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ، حَتَّى مَاتَتْ هَزْلا».
قَالَ الزُّهْرِيُّ: ذَلِكَ، لِفَلا يَنْكِلَ رَجُلٌ، وَلا يَبْأَسَ رَجُلٌ.
٦٠٦٨- ٢٦ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٌ ﴾(٣٢) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: «أَسْرَفَ عَبْدٌ عَلّى
نَفْسِهِ» بِنَحْرٍ حَدِيثٍ مَعْمَرٍ. إِلَى قَوْلِهِ: «فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ» وَلَمْ يَذْكُرْ حَدِيثَ الْمَرْأَةِ فِي قِصَّةٍ
الْهِرَّةِ. وَفِي حَدِيثِ الزُّبَيْدِيِّ قَالَ: «فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، لِكُلِّ شَيْءٍ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا: أَدِّ مَا
أَخَذْتَ مِنْهُ».
٢٠٦٩ - ٣٣ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﴾(٢٧)، عَنِ النّبِيِّ ◌َ: «أَنَّ رَجُلاً فِيمَنْ كَانٌ قَبْلَكُمْ
رَاشَهُ اللَّهُ مَالا وَوَلَدًا. فَقَالَ لِوَلَدِهِ: لَتَفْعَلُنَّ مَا آمُرُكُمْ بِهِ. أَوْ لِأُوَلِّيَّنَّ مِيرَائِي غَيْرَكُمْ، إِذَا أَنَا
مُتُّ، فَأَخْرِقُونِي (وَأَكْثَرُ عِلْمِي أَنَّهُ قَالَ) ثُمَّ اسْحَقُوبِي، وَاذْرُونِي فِي الرِّيحِ. فَإِنِّي لَمْ أَبْتَهِرْ عِنْدَ
اللَّهِ خَيْرًا، وَإِنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ عَلَيَّ أَنْ يُعَذِّبِيِ. قَالَ فَأَخَذَ مِنْهُمْ مِفَاقًا. فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ. وَرَبِّي!
فَقَالَ اللَّهُ: مَا حَمْلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: مَخَافْتُكَ. قَالَ فَمَا تَلاَفَاهُ غَيْرُهَا».
٢٠٧٠ - ٢٨. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ شُعْبَةً(٢٨) نَحْوَ حَدِيثِهِ وَفِي حَدِيثٍ شَيْبَانَ وَأَبِي عَوَانَةَ «أَنَّ
رَجُلًا مِنَ النَّاسِ رَفَسَهُ اللَّهُ مَالا وَوَلْدًا». وَفِي حَدِيثِ الَّيْمِيِّ «فَإِنَّهُ لَمْ يَبْشَيِرْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا»
قَالَ فَسَّرَهَا قَتَادَةُ، لَمْ يَدْخِرْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا. وَفِي حَدِيثِ شَيْبَانٌ «قَإِنَّهُ. وَاللَّهِ مَا ابْتَأَرَ عِنْدَ اللَّهِ
خَيْرًا». وَفِي حَدِيثٍ أَبِي عَوَانَةَ «مَا امْتَأَرَ» بِالْمِيمِ.
(٠٠) قَالَ الزُّهْرِيُّ وَحَدَّثَتِي حُمَيْدٌ عَنْ أَبِي هُرِّيْرَةً.
(٢٦) حَدَِّي أَبُوِ الرَّبِيعِ سُلَّيْمَانُ بْنُ دَاوُدَّ حَدَثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّتِي الزُّبَيْدِيُّ قَالَ الزُّهْرِيُّ حَدَّتِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَّيْرَة.
(٢٧) حَدَّثَتِي عُبَيّدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّقَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ سَمِعَ عُقْبَةً ابْنَ عَبْدِ الْغَافِرِ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ
الْخُدْرِيِّ يُحَدِّثُ
(٢٨) وحَّدََّاهِ يَحْتِى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانِ قَالِ قَالَ لِي أَبِي حَدْفَنَا قَتَادَةُ حِ وَحَدَّثْنًا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً
حَدَّثَنَا الْحَسْنُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَاَ شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حِ وحَدََّا ابْنُ الْمُنْتِى حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثْنَا أَبُو عَوَالَةً كِلاَهُمَّا عَنْ
قَادَةٌ ذَكَرُوا جَمِيعًا بِإِسْنَادٍ شَعْبَةً
٣١٢

المعنى العام
يقول الله تعالى على لسان موسى عليه السلام ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا
هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ
الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
ولا يشك مسلم فى سعة رحمة الله، ولا يشك مؤمن أن رحمة الله محيطة بالإنسان فى كل لحظة
من لحظاته، من حين كونه نطفة ثم علقة ثم مضغة، مخلقة وغير مخلقة، ثم رضيعا، ثم فطيما، ثم ...
ثم ... إلخ ولكن هذه المجموعة من الأحاديث تذكر من لا يتذكر ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[الذاريات: ٥٥] فتزيدهم إيمانا وثقة ويقينا وعبرة، ودفعا إلى الخيرات والطاعات.
بدأت هذه المجموعة بأن رحمة اللَّه تعالى بعباده ثابتة، ثبوت المكتوب فى لوح لا تبديل فيه ولا
تغيير، عند مالك الملك، وخالق الكون، الذى إذا قال فعل، والذى لا يتخلف عنده ما وعد وما كتب.
وقد كتب فيما كتب: إن رحمتى تغلب غضبى، وتغطى عليه، وتسبقه، وهى كثيرة شاملة، لم أنزل
منها للخلائق فى الأرض إلا جزءاً واحداً، من مائة جزء، من هذا الجزء تتراحم المخلوقات، الإنسان
والحيوان والطير والهوام، أما التسعة والتسعون جزءاً فهى لى، أرحم بها فى الدنيا، وأرحم بها فى
الآخرة، بل وأضم إليها فى الآخرة جزء المخلوقات، فأرحم بالمائة جزء وأنا الرحمن الرحيم.
ويؤكد رسول اللَّه﴿ هذا المعنى، ويرسخه فى نفوس أصحابه ليبعث فى نفوسهم الرجاء، بعد أن
رآهم وقد غلب عليهم الخوف، حين يرى امرأة من السبى، حانية على أطفال غيرها، تحتضنهم،
وتضمهم إلى صدرها، وترضعهم من ثديها، فيقول لهم: انظروا إلى هذه المرأة. هل ترونها - وهى بهذه
الرحمة - تؤذى طفلا من الأطفال، أو تحرقه بالنار؟ قالوا: لا. قال: هل ترون أنه لوكان ابنها هو الذى
فى أحضانها، أتظنون أنها تلقى به فى النار، مهما كانت الأسباب؟ قالوا: لا. والله ما تلقى به فى
النار باختيارها أبداً، قال: فإن اللَّه أرحم بعباده من هذه المرأة بولدها.
ويزيد صلى الله عليه وسلم هذه الجرعة السارة المبشرة، يزيدها بشری وسرورًا، فیحکی
لهم قصة رجل كان قبلنا فى بنى إسرائيل، كان نباشا، ينبش القبور، عقب دفن الموتى،
فيسرق الأكفان، وما يستطيع أن يسرقه من الميت، وكم انتهك الحرمات، واعتدى على
الأموات، مع أن اللَّه كان قد آتاه مالا وولدا، ونعمة ومتعًا، لكن نفسه الأمارة بالسوء حالت
بينه وبين فعل الخير، أى خير، لم يقدم فى حياته إلا الشر، وجاءه الموت، ووهن منه العظم،
وتحشرج النفس، وتجمع حوله أولاده، ومرت على خاطره أعماله الشريرة التى مارسها فى
حياته [كفيلم سينمائى، أو كشريط تليفزيونى] وهو يعلم أن الحساب قريب، وهو مقدم
عليه، إنه فعل من الشر ما لم يفعله أحد، فقال لأبنائه: إن اللَّه سيعذبنى عذابا لا يعذبه
أحداً من العالمين، ولعله كان جاهلا بالبعث، وإن كان مؤمنا بوقوعه، ظن أنه إن تحول إلى
٣١٣

طحين وذرات، ثم ذرى فى يوم شديد الريح، على البحار والأراضى، سيضيع جسمه،
وسيغيب، وسيتعذر جمعه، فلا يعذب، فوصى أولاده أن يحرقوه بعد موته، ثم يطحنوه، ثم
يذرونه فى الهواء، إن لم يفعلوا ذلك لم يستحقوا شيئاً من ثروته، ففعلوا ما أمرهم به، فقال
الله للأرض: اجمعى ما وصل إليك منه، وقال للبحر: اجمع ما لديك منه، ثم قال له: كن،
فقام الرجل واقفا، فقال له، لماذا فعلت ما فعلت؟ وأوصيت بما أوصيت؟ قال: خوفا من
عذابك وعدلك، قال: شملتك رحمتی، وغفرت لك.
هذا تصوير لما سيحدث لهذا الرجل، ساقه صلى الله عليه وسلم لأصحابه، لئلا يقنطوا من رحمة
الله، و﴿ إِنَّهُ لا يَنْتَسُ مِنْ رَفْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [ يوسف: ٨٧].
المباحث العربية
( لما خلق الله الخلق كتب فى كتابه، فهو عنده فوق العرش ) فى البخارى وفى
الرواية الثالثة ((لما قضى اللَّه الخلق، كتب فى كتابه على نفسه، فهو موضوع عنده)) قضى بمعنى
خلق، أى لما خلق اللَّه الخلق، كقوله تعالى ﴿فَقَضَافُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] أو قضى بمعنى
أحكم وأتقن وفرغ وأمضى.
ومعنى ((فهو عنده فوق العرش)» أى دون العرش، لاستبعاد أن يكون شىء من المخلوقات فوق
العرش، واستعمال ((فوق)) بمعنى دون صحيح، كما فى قوله تعالى ﴿بَعُوضَةٌ فَمَا فَوْقَّهَا﴾ [البقرة: ٢٦].
وقيل: هو على ظاهره، والعرش خلق من خلق الله، ولا مانع أن يخلق فوقه شىء، ويحتمل أن
يكون المراد فذكره أو علمه عنده - أى علم المكتوب عند اللَّه - فلا تكون العندية مكانية، بل هى
إشارة إلى كمال كونه مخفياً عن الخلق، مرفوعاً عن حيز إدراكهم، وفى الرواية الثالثة. ((كتب فى
كتابه على نفسه، فهو موضوع عنده».
وكلمة ((موضوع)) تبعد العندية غير المكانية.
(إن رحمتى تغلب غضبى) وفى الرواية الثانية ((سبقت غضبى)) و((إن)) بكسر الهمزة على
حكاية مضمون الكتاب، وبفتح الهمزة على أنها بدل من ((كتب)».
قال العلماء: والمراد من الغضب لازمه، وهو إرادة إيصال العذاب إلى من يقع عليه الغضب، لأن
السبق والغلبة باعتبار التعلق، أى تعلق الرحمة غالب على تعلق الغضب، لأن الرحمة مقتضى ذاته
المقدسة، غير مسبوقة بسبب، أما الغضب فهو متوقف على سابقة عمل من العبد، فإسكان آدم الجنة
كان بالرحمة، وخروجه منها كان بسبب عمله، ثم إن الرحمة تشمل الإنسان جنينا ورضيعا وفطيما
وناشئا قبل أن تصدر منه طاعة، ولا يلحقه الغضب إلا بعد أن يصدر عنه من الذنوب ما يستحق معه
ذلك، وقيل: معنى السبق والغلب الكثرة والشمول، كما يقال: غلب على فلان الكرم والشجاعة.
٣١٤

( جعل اللَّه الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل فى الأرض جزءًا
واحدًا، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها، خشية أن
تصيبه) وفى الرواية الخامسة ((خلق الله مائة رحمة، فوضع واحدة بين خلقه، وخبأ عنده مائة، إلا
واحدة)) وفى الرواية السادسة ((إن للَّه مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم
والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر اللَّه تسعاً وتسعين
رحمة، يرحم بها عباده يوم القيامة)) وفى الرواية السابعة ((إن لله مائة رحمة، فمنها رحمة بها يتراحم
الخلق بينهم، وتسعة وتسعون ليوم القيامة)) وفى الرواية الثامنة ((إن الله خلق يوم خلق السموات
والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها فى الأرض رحمة، فبها
تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير، بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه
الرحمة)) قال النووى: هكذا وقع فى نسخ بلادنا جميعا ((الرحمة)) وذكر القاضى عياض ((جعل الله
الرحم)) بضم الراء وحذف الهاء، قال: ويجوز فتح الراء، ومعناه الرحمة. اهـ
وفى رواية للبخارى ((جعل الله الرحمة فى مائة جزء)) قال الكرمانى: المعنى يتم بدون الظرف
((فى)) فلعلها زائدة، أو متعلقة بمحذوف مبالغة، إذ جعلها مظروفاً لها معنى، بحيث لا يفوت منها
شىء. اهـ وأكثر الطرق خالية من الظرف.
وقال القرطبى: يجوز أن يكون معنى ((خلق)) اخترع وأوجد، ويجوز أن يكون بمعنى قدر، بمعنى
أن اللَّه أظهر تقديره لذلك يوم أظهر تقدير السموات والأرض، وقوله ((كل رحمة طباق ما بين السماء
والأرض)» المراد به التعظيم والتكثير. اهـ
وقوله ((فأمسك عنده تسعة وتسعين)) جزءا ((وأنزل فى الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء تتراحم
الخلائق ... )) إلخ حكى القرطبى عن بعض الشراح أن هذا العدد الخاص أطلق لإرادة التكثير والمبالغة
فيه، وتعقبه بأنه لم تجر عادة العرب بذلك فى المائة، وإنما جرى فى السبعين.
وقال الكرمانى: الرحمة هنا عبارة عن القدرة المتعلقة بإيصال الخير، والقدرة فى نفسها غير
متناهية، والتعلق غير متناه، لكن حصره فى مائة على سبيل التمثيل، تسهيلا للفهم، وتقليلا لما عند
الخلق، وتكثيراً لما عند اللَّه سبحانه وتعالى. اهـ وهو كلام حسن أولى بالقبول من توجيهات كثير من
الشراح لحكمة هذا العدد.
وأما قوله فى الرواية الثامنة ((فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة)) ففيه إشارة إلى أن
الرحمة التى فى الدنيا بين الخلق تكون فيهم يوم القيامة، يتراحمون بها أيضاً، صرح بذلك المهلب،
فقال: الرحمة التى خلقها الله لعباده، وجعلها فى نفوسهم فى الدنيا، هى التى يتغافرون بها يوم
القيامة التبعات بينهم، قال: ويجوز أن يستعمل اللَّه تلك الرحمة فيهم، فيرحمهم بها، سوى رحمته
التى وسعت كل شىء، وهى التى من صفة ذاته، ولم يزل موصوفا بها، فهى التى يرحمهم بها، زائدا
على الرحمة التى خلقها لهم، قال: ويجوز أن تكون الرحمة التى أمسكها عند نفسه، هى التى عند
٣١٥

ملائكته المستغفرين لمن فى الأرض، لأن استغفارهم لهم، دال على أن فى نفوسهم الرحمة لأهل
الأرض.
وقال القرطبى: مقتضى هذا الحديث أن الله علم أن أنواع النعم التى ينعم بها على خلقه مائة
نوع، فأنعم عليهم فى هذه الدنيا بنوع واحد، انتظمت به مصالحهم، وحصلت به مرافقهم، فإذا كان
يوم القيامة، كمل لعبادة المؤمنين ما بقى، فبلغت مائة، وكلها للمؤمنين. اهـ
وتفسير الرحمة بالنعمة على الناس عامة لا يناسب بقية ألفاظ الأحاديث، التى تفيد أن المراد
بالرحمة نعمة واحدة من النعم التى منحها الإنسان وغيره فى الدنيا، وهى نعمة الحب والتعاطف
والشفقة ورقة القلوب.
(عن عمر بن الخطاب ﴾ أنه قدم على رسول اللَّه # بسبى) فيه نساء. وكان هذا
السبى من هوازن، ولفظ ((قدم)» ضبط بضم القاف وكسر الدال.
( فإذا امرأة من السبى تبتغى ) قال النووي: هكذا هو فى جميع نسخ صحيح مسلم ((تبتغى))
من الابتغاء، وهو الطلب، قال القاضى عياض: وهذا وهم، والصواب ما فى رواية البخارى ((تسعى))
بالسين، من السعى. قال النووي: وكلاهما صحيح صواب، لا وهم فيه، فهى ساعية، وطالبة مبتغية
لابنها.
( إذا وجدت صبيا فى السبى أخذته، فألصقته ببطنها، وأرضعته ) وفى رواية للبخارى
((فإذا امرأة من السبى، تحلب ثديها، تسقى)) ((ثديها)) بالرفع على الفاعلة، أى تسيل ثديها باللبن،
وفى رواية ((ثدياها)) بالتثنية، و((تحلب)) بفتح التاء والحاء، وتشديد اللام المفتوحة، وأصله تتحلب،
ومفعول ((تسقى)) محذوف، أى الأطفال التى فى السبى ((إذا وجدت صبياً أخذته، فأرضعته، فوجدت
صبياً، فأخذته، فألزمته بطنها)) وعرف من السياق أنها كانت قد فقدت صبيها. فكانت كلما وجدت
صبيا حنت له، واندفعت بالرحمة نحوه، فضمته لصدرها، وليس كما قال الحافظ ابن حجر أنها
كانت تفعل ذلك لتضررها باجتماع اللبن فى ثديها، فقد كان بإمكانها حلبه وإهداره، ولما كان
الحديث مستدلا به على الرحمة.
( أترون هذه المرأة طارحة ولدها فى النار؟ قلنا: لا. واللَّه! وهى تقدر على أن لا
تطرحه) ((أترون)) بضم التاء، أى أتظنون بهذه الرحمة التى هى عليها - ترمى ولدها فى النار؟
قالوا: لا. واللَّه! لا تطرحه فى النار طائعة أبدا.
(فقال رسول اللَّه :﴿:اللَّه أرحم بعباده من هذه بولدها) (للَّه)) بفتح اللام الأولى، وهى
لام تأكيد، وصرح بالقسم فى رواية، فقال ((والله! لله أرحم)) والمراد من العباد هنا: قيل: من مات على
الإسلام، وسيأتى فى فقه الحديث توضيح هذه المسألة.
( لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافرما
٣١٦

عند الله من الرحمة، ما قنط من جنته أحد) عبر بالمضارع ((لو يعلم)) دون الماضى للإشارة
إلى أنه لم يقع له علم ذلك، ولا يقع، لأنه إذا امتنع فى المستقبل، كان ممتنعا فيما مضى. ذكره
الحافظ ابن حجر، وفى رواية للبخارى قدم الكافر، ولفظها «فلو يعلم الكافر بكل الذى عند الله من
الرحمة، لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المسلم بكل الذى عند اللَّه من العذاب، لم يأمن من النار)».
( قال رجل - لم يعمل حسنة قط - لأهله: إذا مات، فحرقوه، ثم اذروا نصفه فى البر،
ونصفه فى البحر، فو الله! لئن قدر الله عليه، ليعذبنه عذابا، لا يعذبه أحداً من
العالمين، فلما مات الرجل، فعلوا ما أمرهم، فأمر الله البر، فجمع ما فيه، وأمر البحر،
فجمع مافيه، ثم قال: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يارب. وأنت أعلم، فغفر الله له)
فى الرواية الثانية عشرة ((أسرف رجل على نفسه، فلما حضره الموت أوصى بنيه، فقال: إذا أنامت
فاحرقونى ثم اسحقونى)) وفى رواية ((أسهكونى)) وفى رواية ((اطحنونى ثم اذرونى فى الريح فى
البحر، فواللَّه. لئن قدر على ربى، ليعذبنى عذابا ما عذبه به أحدا)) ولعله ظن أنه إن صارذرا رمادا
مبثوثا فى الماء والريح، لعله يخفى ((قال: ففعلوا ذلك به، فقال للأرض: أدى ما أخذت، فإذا هو قائم))
وفى رواية للبخارى ((فقال اللَّه: كن، فإذا رجل قائم، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال:
خشيتك. يارب، أو قال: مخافتك، فغفر له بذلك)) وفى ملحق الرواية الثالثة عشرة ((فقال الله عز وجل
لكل شىء أخذ منه شيئا: أد ما أخذت منه)) وفى الرواية الرابعة عشرة ((أن رجلا فيمن كان قبلكم،
راشه الله مالا وولدا، فقال لولده: لتفعلن ما آمركم به، أو لأولين ميراثى غيركم، إذا أنا مت، فاحرقونى،
ثم اسحقونى، واذرونى فى الريح، فإنى لم أبتهر عند اللَّه خيرا، وإن اللَّه يقدر علىَّ، أن يعذبنى. قال:
فأخذ منهم ميثاقا، ففعلوا ذلك به، وربى، فقال الله: ما حملك على ما فعلت؟ فقال: مخافتك)). وفى
رواية ((فرق منك)». «قال: فما تلافاه غيرها)» وفى ملحق هذه الرواية ((لم يبتئر عند اللَّه خيرا)» وفسرها
الراوى قتادة، أى لم يدخر عند اللَّه خيراً، وفى رواية ((والله ما ابتأر عند اللَّه خيرا)) وفى رواية ((ما امتأر
عند الله خيرا)) قال النووى: ((لم أبتهر عند الله خيراً)) هكذا هو فى بعض الأصول، ولبعض الرواة
((أبتئر)) بهمزة بعد التاء، وفى أكثرها ((لم أبتهر)) بالهاء، وكلاهما صحيح، والهاء مبدلة من الهمزة،
ومعناهما لم أقدم خيراً، ولم أدخره، وفى رواية ((لم يبتئر)) قال النووى: هكذا هو فى جميع النسخ، وفى
رواية «ما امتأر» بالميم مهموزاً أيضا، والميم مبدلة من الباء.
ومعنى ((أسرف رجل على نفسه)) أى بالغ وعلا فى المعاصى، والسرف مجاوزة الحد.
وفى معنى ((راشه اللَّه مالا)) قال النووي: هذه اللفظة رويت بوجهين فى صحيح مسلم، أحدهما
((راشه)) بألف ساكنة، غير مهموزة، وبشين معجمة، والثانى ((رأسه)) بهمزة وسين، قال القاضى:
والأول هو الصواب، وهو رواية الجمهور، ومعناه أعطاه الله مالا. قال: ولا وجه للسين هنا.
وعن قوله ((ففعلوا ذلك به. وربى)» قال: هكذا هو فى جميع نسخ صحيح مسلم (وربى)» على القسم،
ونقل القاضى عياض الاتفاق عليه أيضاً فى كتاب مسلم، قال: وهو على القسم من المخبر بذلك عنهم،
٣١٧

لتصحيح خبره، وفى صحيح البخارى ((فأخذ منهم ميثاقا وربى، ففعلوا ذلك له)) قال بعضهم: وهو
الصواب. قال القاضى: بل هما متقاربان فى المعنى والقسم. قال: وفى بعض نسخ صحيح مسلم.
((ففعلوا ذلك وذرى)) فإن صحت هذه الرواية فهى وجه الكلام، لأنه أمرهم أن يذروه، ولعل الذال
سقطت لبعض النساخ، وتابعه الباقون. قال النووى: هذا كلام القاضى، والروايات الثلاث المذكورات
صحيحات المعنى، ظاهرات، فلا وجه لتغليط شىء منها.
ومعنى ((فما تلافاه غيرها)) أى ما تداركه غيرها، والتاء فيه زائدة، أى الأصل: مالا فاه غيرها.
ومعنى قوله فى ملحق الرواية الأخيرة ((أن رجلا من الناس رغسه الله مالا وولدا)) بالغين المفتوحة
المخففة أى أعطاه مالا، وبارك له فيه.
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١- من الرواية الأولى والثانية والثالثة. أن رحمة الله بعباده واسعة، وهذا الإخبار يفيد كثيرا من
الرجاء.
٢- وفيها حث على التراحم وفضيلته.
٣- وفيها إثبات العرش.
٤- والكتابة فى اللوح المحفوظ.
٥- ومن الرواية الرابعة حتى الثامنة إدخال السرور والبشرى على المؤمنين، لأن العادة أن النفس
يكمل فرحها بما وهب لها إذا كان معلوما مما يكون موعوداً.
٦- وفيها الحث على الإيمان.
٧- وفى الرواية التاسعة، من قوله ((للَّه أرحم بعباده)) أن من مات على الإسلام شملته الرحمة، وقد
خص العباد هنا بالمسلمين، وأكد هذا الخصوص بحديث أحمد والحاكم عن أنس به قال: ((مر
النبى * فى نفر من أصحابه، وصبى على الطريق، فلما رأت أمه القوم، خشيت على ولدها أن
يوطأ، فأقبلت تسعى، وتقول: ابنى. ابنى. وسعت فأخذته، فقال القوم: يارسول الله، ما كانت هذه
لتلقى ابنها فى النار، فقال: ولا اللَّه بطارح حبيبه فى النار». فالتعبير بحبيبه يخرج الكافر، وكذا
من شاء اللّه إدخاله، ممن لم يتب، من مرتكبى الكبائر.
قال ابن أبى جمرة: لفظ العباد عام، ومعناه خاص بالمؤمنين، وهو كقوله تعالى ﴿ وَرَحْمَتِي
وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] فهى عامة من جهة الصلاحية، وخاصة
ء
بمن كتبت له.
٨- وفى الحديث إشارة إلى أنه ينبغى للمرء أن يجعل تعلقه فى جميع أموره باللَّه وحده، وأن كل من
٣١٨

فرض أن فيه رحمة ما، حتى يقصد لأجلها، فاللَّه سبحانه وتعالى أرحم منه، فليقصد العاقل
لحاجته، من هو أشد له رحمة.
٩- وفيه جواز النظر للنساء المسبيات، لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينه عن النظر إلى المرأة المذكورة،
بل فى سياق الحديث ما يقتضى إذنه فى النظر إليها.
١٠٠ - وفيه ضرب المثل بما يدرك بالحواس لما لا يدرك بها، لتحصيل معرفة الشىء على وجهه، وإن
كان الذى ضرب به المثل لا يحاط بحقيقته، لأن رحمة الله لا تدرك بالعقل، ومع ذلك فقربها
النبى * للسامعين، بحال المرأة المذكورة.
١١ - وفيه جواز ارتكاب أخف الضررين، لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينه المرأة عن إرضاع الأطفال،
الذين أرضعتهم، مع احتمال أن يكبر بعضهم، فيتزوج بعض من أرضعته المرأة، لكن لما كانت
حالة الإرضاع ناجزة، وما يخشى من المحرمية متوهم اغتفر، قاله الحافظ ابن حجر، وفيه نظر.
١٢- وفيه أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، من جهة أن الأطفال لولا أنهم كان بهم ضرورة إلى
الإرضاع فى تلك الحالة ما تركها النبى * ترضح أحدا منهم، وقد يستدل به على أن الكفار غير
مخاطبين بفروع الشريعة، وهو أقوى، لأنه صلى الله عليه وسلم أقرها على إرضاعهم، من قبل أن
تتبين الضرورة. كذا نقل الحافظ ابن حجر، وهو غير مسلم، فلا دلالة فى الحديث لأحد القولين.
١٣ - ومن الرواية العاشرة سعة الرجاء، والطمع فى رحمة الله، إذ المعنى لو علم الكافر سعة الرحمة
لغطى على ما يعلمه من عظم العذاب، فيحصل له الرجاء، وقد ورد ((أن إبليس يتطاول للشفاعة،
لما يرى يوم القيامة من سعة الرحمة»، أخرجه الطبرانى فى الأوسط.
١٤ - بل قيل: إن هذه الرواية فيها وعد ووعيد المقتضيين الرجاء والخوف، فمن علم أن من صفات اللّه
الرحمة، لمن أراد أن يرحمه، والانتقام ممن أراد أن ينتقم منه، لا يأمن انتقامه من يرجو رحمته،
ولا ييأس من رحمته من يخاف انتقامه. والمقصود من الحديث أن يكون المكلف بين الخوف
والرجاء.
١٥- ومن الرواية الحادية عشرة والثانية عشرة درجة الخوف من الله، فإن الخوف ينشأ من معرفة
قبح الجناية، والتصديق بالوعيد عليها، فلما وقع ذلك للرجل غفرله، وقالت المعتزلة: غفرله لأنه
تاب عند موته، وندم على ما فعله - وكان نباشا- وتعقب بأنه لم يرد أنه رد المظالم، فالمغفرة
حينئذ بفضل اللَّه، لا بالتوبة، لأنها لا تتم إلا بأخذ المظلوم حقه من الظالم، وقالت المرجئة: غفر
له بأصل توحيده، الذى لا تضر معه معصية، وتعقب بأنه ورد فى بعض الروايات أنه عذب، وتحمل
الرحمة والمغفرة على ترك الخلود فى النار، فيكون فى هذه الرواية رداً على المرجئة والمعتزلة
معا. قال ابن أبى جمرة: كان الرجل مؤمنا، لأنه قد أيقن بالحساب، وأن السيئات يعاقب عليها،
وأما ما أوصى به، فلعله كان جائزاً فى شرعهم ذلك، لتصحيح التوبة، فقد ثبت فى شرع بنى
إسرائيل قتلهم أنفسهم لصحة التوبة.
١٦- قال النووى: استدل بالحديث على أن الرجل كان مؤمنا، لأنه قال فى آخره: إنما فعل هذا من
٣١٩

خشية الله تعالى، والكافر لا يخشى اللَّه تعالى، ولا يغفر له، فلا يحمل قوله ((فوالله لئن قدر علىّ
ربى ليعذبنى عذابا ما عذبه أحداً)» على أنه أراد نفى قدرة الله تعالى، فإن الشاك فى قدرة الله
تعالى كافر، وإنما له تأويلان:
أحدهما أن معناه: لئن قَدَرَ عَلَىَّ العذاب، أى قضاه، يقال منه: قدر بالتخفيف، وقدر بالتشديد،
بمعنى واحد.
والثانى: إن «قدر)» هنا بمعنى ضيق على، كما قال تعالى ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] وهو
أحد الأقوال فى تفسير قوله تعالى ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ تَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
وقالت طائفة: اللفظ على ظاهره، ولكن الرجل قاله فى حالة الدهشة والخوف وشدة الجزع،
فصار فى معنى الغافل والناسى، وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها، وهو نحو قول القائل الآخر، الذى
غلب عليه الفرح حين وجد راحلته: أنت عبدى، وأنا ربك. فلم يكفر بذلك الدهش والغلبة والسهو.
وقالت طائفة: كان هذا الرجل فى زمن الفترة، حين ينفع مجرد التوحيد، ولا تكليف قبل ورود
الشرع، على المذهب الصحيح، لقوله تعالى ﴿وَمَاكُنَّا مُعَذِّبينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ [الإسراء: ١٥].
وقالت طائفة: يجوز أنه كان فى زمن شرعهم جواز العفو عن الكافر، بخلاف شرعنا، وذلك
من مجوزات العقول عند أهل السنة، وإنما منعناه فى شرعنا بالشرع، بقوله تعالى ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا
يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦] والله أعلم.
١٧ - وفى هذا الحديث جواز تسمية الشىء بما قرب منه، لأنه قال ((حضره الموت)) وإنما الذى حضره
فى تلك الحالة علامات الموت ومقدماته.
١٨ - وفى الرواية الثالثة عشرة أنه يستحب للواعظ أن يجمع فى موعظته بين الخوف والرجاء، لئلا
يقنط أحد، ولا يتكل، فابن شهاب لما خاف أن السامع للرجاء، ولقصة هذا الرجل، يتكل على ما
فيه من سعة رحمة اللَّه، ضم إليه حديث المرأة التى دخلت النار فى حبسها هرة، لما فيه من
التخويف.
١٩- وفيه وضوح قدرة اللَّه تعالى على البعث، فإن أمر اللَّه للأرض والبحر أن يؤدى كل منها ما عنده،
وقيام الرجل بأمر «كن)) واضح فى ذلك، وإن كان المراد به المستقبل، وأنه سيكون.
والله أعلم
٣٢٠