Indexed OCR Text

Pages 121-140

وكانت المواريث قد استقرت] وقيل: المراد أن ينزل منزلة من يرث بالبروالصلة، والأول أظهر، فإن
الثانى استمر، والخبر مشعر بأن التوريث لم يقع، وفى رواية ((حتى ظننت أنه يجعل له ميراثاً)).
( إذا طبخت مرقة، فأكثر ماءها ) أى إذا طبخت لحما فى ماء، فأكثر الماء، وكانوا يفتون
فيه فتيتا، أو إذا طبخت شيئاً فى مرقة فأكثر الماء، إذ المرق الماء الذى أغلى فيه اللحم، فصار دسما.
(وتعاهد جيرانك ) بشىء مما تطبخ، وفى الرواية الرابعة ((ثم انظر أهل بيت من جيرانك،
فأصبهم منها بمعروف)» أى أعطهم منه شيئاً ويحتمل أن الأمر بالتعاهد أعم من المطبوخ.
فقه الحديث
١- فى هذه الأحاديث الوصية بالجار، وعظم حقه، وفضيلة الإحسان إليه.
٢- وفيها أن من أكثر من شىء من أعمال البر، يرجى له الانتقال إلى ما هو أعلى منه.
٣- وأن الظن إذا كان فى طريق الخير جاز، ولولم يقع المظنون، بخلاف ما إذا كان فى طريق الشر.
٤ - وجواز الطمع فى الفضل، إذا توالت النعم.
٥- وجواز التحدث بما يقع فى النفس من أمور الخير.
٦- والتصدق بالأقل مع وجود الأكثر، والتصدق بالمرق مع وجود اللحم.
٧- وعدم احتقار المعروف مهما قل.
(ملحوظة) يراجع فقه الحديث فى بابى النهى عن إيذاء الجار، وإكرام الجار، فى كتاب الإيمان.
والله أعلم
١٢١

(٧٢٠) باب استحباب طلاقة الوجه
٥٨١٩- ٤َّ عَنْ أَبِي ذَرّ ◌َ﴾(١٤٤) قَالَ: قَالَ لِيَ النّبِيُّ :﴿: «لا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ
شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ».
المعنى العام
لقاء المسلم للمسلم باب من أبواب الخير والتواد والتراحم، فعلى من تيسرله هذا الباب أن
يدخله بما يغرس فى النفوس هذا المعنى، بالسلام، وانبساط أسارير الوجه وطلاقته وهذا المعروف لا
يكلف شيئًا، لا مالا، ولا جهدًا، بل العكس يمنح المنبسط هدوءاً وراحة وسعادة، كما يمنح أخاك أمناً
وأماناً وإطمئنانًا.
وفى صحيح البخارى ((قال ابن مسعود: خالطوا الناس، وصافوهم بما يشتهون، ودينكم لا
تكلمنه»، أى لا تخرقوه، ويقول أبو الدرداء: ((إنا لنبتسم فى وجوه أقوام، وقلوبنا تلعنهم))، هذا. وخفض
الجناح للناس، وبسط الوجه، ولين الكلمة عند المواجهة، من أقوى أسباب الألفة، وهو من أخلاق
المؤمنين.
المباحث العربية
( لا تحقرن من المعروف شيئًا ) أى لا تحقرن أن تقدم شيئًا من الإحسان، مهما قل،
فالمراد من المعروف هنا الهدية والصدقة، والنهى للمعطى، ويحتمل أن يكون النهى للآخذ، أى لا
تحتقرن شيئًا من الإحسان يقدم إليك، مهما قل.
يقال: حقر الرجل الشىء، بفتح القاف، يحقره، بكسرها، حقراً بفتح الحاء وسكون القاف، وحقرة
بضم الحاء وسكون القاف، وحقارة بفتح الحاء وضمها وكسرها، أى استهان به، فهو محقور وحقير،
وأحقره بمعنى حقره، وحقره بتشديد القاف، بالغ فى حقره.
ويحتمل أن يكون الكلام من قبيل النهى عن الشىء، والمقصود الأمر بضده، فيكون كناية عن
التحابب والتواد، أى قوموا بما به تكون المودة والمحبة مهما كان قليلاً.
( ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) فيه حذف ((كان)) واسمها بعد ((لو)» أى ولو كان المعروف
من الصغر لقاءك أخاك المسلم بوجه طلق، قال النووى ((طلق)) روى على ثلاثة أوجه، إسكان اللام،
وكسرها، و((طليق» بزيادة ياء، ومعناها سهل منبسط.
(١٤٤) حَدَّتِي أَبُوِ غَسَّانِ الْمِسْمَعِيُّ حَدَّثَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ يَعْنِي الْخَزَّزَ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرِّ
١٢٢

فقه الحديث
١- فى الحديث الحث على بذل المعروف، وما تيسر منه، وإن قل.
٢- وفيه فضل طلاقة الوجه عند اللقاء.
وقد سبق قريبًا الانبساط عند اللقاء، ولواتقاء الشر.
والله أعلم
١٢٣

(٧٢١) باب استحباب الشفاعة فيما ليس بحرام
٥٨٢٠- ١٤٥ عَنْ أَبِي مُوسَى ﴾(١٤٥) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ إِذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ،
أَقْبَلَ عَلَى جُلَسَائِ فَقَالَ: «اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا. وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نِّهِ مَا أَحَبَّ».
المعنى العام
يقول الله تعالى ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةٌ حَسَنَّةٌ يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةٌ سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ
كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥] الشفاعة وهى طلب الخير للغير من الغير -
دعت إليها ظروف المجتمعات الحضارية، إذ ليس كل أحد يستطيع الوصول إلى الرئيس، وليس كل
أحد يتمكن من الدخول عليه، ليوضح له مراده، وليعرف حاله على حقيقته، ومع أن النبى # كان لا
يحتجب عن الناس، وكان بوسع كل مسلم أن يدخل عليه، إلا أنه كمشرع من عند الله، يبنى أحكامه
جل شأنه على أساس صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، ولكل حاكم حاشية وبطانة وجلساء، إن
كانوا محسنين أسهموا فى إحسان الحاكم، بما ينصحون، وإن كانوا مسيئين أسهموا فى إساءة
الحاكم، بما يزينون له من ظلم أو سوء، وهذا الحديث توجيه للحاشية، أن يكونوا ألسنة خير ومعروف
ومساعدة، لا أن يكونوا ألسنة شر، وأعوانا للشياطين ((اشفعوا تؤجروا)) إذا عرضت قضية أمامكم
فحاولوا جبر العثرات، واقترحوا على الحاكم العفو، وتخفيف العقوبات، يكن لكم أجركم من اللَّه،
قبلت شفاعتكم أو لم تقبل، وما شفاعتكم إلا نصيحة، ودعوة إلى الخير، وسيقضى الحاكم بما يشاء
اللَّه حكمه، وكان الله على كل شىء قديراً.
المباحث العربية
(كان النبى إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه ) هذا الأسلوب يفيد التكرار
والعادة، ولعل ذلك من الجمع بين الفعل الماضى والفعل المضارع، وفى رواية البخارى ((كان النبى ﴿
جالساً، إذ جاءه رجل يسأل، أو طالب حاجة، أقبل علينا بوجهه)) قال الحافظ ابن حجر: هكذا وقع
فى النسخ، وفى تركيبه قلق، ولعله كان فى الأصل: كان إذا كان جالسا، إذا جاءه رجل ... إلخ، فحذف
اختصارًا، أو سقط على الراوى لفظ ((إذا كان)) ولفظ مسلم لا إشكال فيه.
وأخرجه الإسماعيلى بلفظ ((إنى أوتى، فأسأل، أو تطلب إلى الحاجة، وأنتم عندى،
فاشفعوا ... )) الحديث.
(١٤٥) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي هِيَةً حَدَّقَا عَلِيُّ بْنُّ مُسْهِرٍ وَحَفْصُ بْنُّ غِيّاتٍ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةً عَنْ أَبِي مُوسَى
١٢٤

(فقال: اشفعوا، فلتؤجروا ) قال القرطبى: وقع فى أصل مسلم ((اشفعوا تؤجروا)) بالجزم
على جواب الأمر، المتضمن معنى الشرط، وهو واضح، وجاء بلفظ ((فلتؤجروا)» وينبغى أن تكون هذه
اللام مكسورة، لتكون لام كى، وتكون الفاء زائدة، كما زيدت فى حديث ((قوموا فلأصلى لكم)) ويكون
معنى الحديث: اشفعوا كى تؤجروا، قال: ويحتمل أن تكون لام الأمر، ويجوز تسكينها تخفيفاً، لأجل
الحركة التى قبلها. اهـ قال الحافظ ابن حجر: ووقع فى رواية أبى داود ((اشفعوا لتؤجروا)) وهو يقوى
أن اللام للتعليل، وجوز الكرمانى أن تكون الفاء سببية واللام بالكسر، وهى لام كى، وقال: جاز
اجتماعهما - أى اجتماع أداتى سبب وتعليل - لأنهما لأمر واحد، ويحتمل أن تكون جزائية، جواباً
للأمر، ويحتمل أن تكون زائدة على رأى، أو عاطفة على ((اشفعوا)) واللام لام الأمر، أو على مقدر، أى
اشفعوا لتؤجروا، فلتؤجروا.
وقال الطيبى: الفاء واللام زائدتان للتأكيد، لأنه لوقيل: اشفعوا تؤجروا، صح، أى إذا
عرض المحتاج حاجته على، فاشفعوا له إلى، فإنكم إن شفعتم حصل لكم الأجر، سواء
قبلت شفاعتكم، أم لا.
(وليقض اللَّه على لسان نبيه ما أحب) كذا ثبت فى هذه الرواية ((وليقض)) وفى رواية
((ويقضى)) بغير لام، قال القرطبى: لا يصح أن تكون هذه اللام لام الأمر، لأن اللَّه لا يؤمر، ولا لام كى،
لأنه ثبت فى الرواية ((وليقض)) بغير ياء مد، ثم قال: يحتمل أن تكون بمعنى الدعاء، أو الأمرهنا
بمعنى الخبر.
فقه الحديث
قال النووى: فى الحديث استحباب الشفاعة لأصحاب الحوائج المباحة، سواء كانت الشفاعة
إلى سلطان ووال ونحوهما، أم إلى واحد من الناس، وسواء كانت الشفاعة إلى سلطان، فى كف ظلم،
أو إسقاط تعزير، أو فى تخليص عطاء لمحتاج، أو نحو ذلك.
قال: وأما الشفاعة فى الحدود فحرام، وكذا الشفاعة فى تتميم باطل، أو إبطال حق، ونحو ذلك،
فهى حرام. اهـ
وفى الحديث الحض على الخير بالفعل، وبالتسبب إليه بكل وجه.
وقال عياض: ولا يستثنى من الوجوه التى تستحب فيها الشفاعة إلا الحدود.
وقد ترجم البخارى بباب كراهة الشفاعة فى الحد، إذا رفع إلى السلطان، والجمهور على
تحريمها، أما قبل أن يرفع إلى السلطان، فهى على استحبابها، فعند أحمد وأبي داود
والنسائى وابن ماجه والحاكم فى قصة الذى سرق رداؤه، ثم أراد أن يقطع السارق، فقال له
١٢٥

النبى : ((هلا قبل أن تأتينى به))؟ وفى حديث آخر فى قصة رجل سرق أمر النبي ◌ُ *
بقطعه، فلما قطع رأوا منه أسفا عليه، فقالوا: يا رسول اللّه، كأنك كرهت قطعه؟ فقال:
((وما يمنعنى؟ لا تكونوا أعوانا للشيطان على أخيكم)).
قال العلماء عن استحبابها قبل وصول الأمر إلى الحاكم: ولا سيما إذا وقعت الحادثة
من أهل العفاف، وأما المصرون على فسادهم، المشتهرون فى باطلهم، فلا يشفع لهم،
لينزجروا عن ذلك.
والله أعلم
١٢٦

(٧٢٢) باب استحباب مجالسة الصالحين
ومجانبة قرناء السوء
٥٨٢١ - _١٤٢٦ عَنْ أَبِي مُوسَى ◌َِّ(١٤٦)؛ عَنِ النّبِيِّ ◌ِ﴿ قَالَ: «إِنَّمَا مَثْلُ الْجَلِيسِ
الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَتَافِخِ الْكِيرِ. فَحَامِلُ الْمِسْكِ، إِمَّا أَنْ
يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَن تَنْشَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيَِّةً. وَتَافِعُ الْكِيرِ، إِمَّا أَنْ
يُخْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِئَةٌ».
المعنى العام
عدوى الأخلاق السيئة، كعدوى الأمراض، ومجالسة الصالحين حماية من السيئات، لأن مجلسهم
يخلو من الذنوب، بل وتحفه ملائكة الرحمة، ويقول اللَّه لملائكته عنهم وقت ذكرهم لله: أشهدکم یا
ملائكتى أنى غفرت لهم، فيقولون: يا ربنا. إن فيهم فلانا ليس منهم، وإنما جاء لحاجة من أحدهم؟
فيقول لهم: هم القوم لا يشقى جليسهم، نعم، فجليسهم إما أن يذكر الله معهم، وإما أن يستمع لذكرهم،
وإما يشمله نور مجلسهم، تماماً كالجلوس بجوار حامل المسك وبائعه، إما أن تشترى منه، فتحمل
معك ما ينفعك، وإما أن يهديك لمسة من مسكه، وإما أن تنتفع فترة جواره بالريح الطيبة.
أما مجالسة أهل الشر والفساد فهى كمجالسة الحداد الذى ينفخ فى الكير، ليصنع الحديد،
فيتطاير منه الشرر، فيحرق ثيابك، أو يصيبك دخانه، وريحه الخبيثة، ومجالسة أهل الشر والفساد إما
أن يعديك شرهم، فيسحبك إلى الفساد فى الأرض، وإما أن تسمع منهم ما يضرولا ينفع، فتحيط بك
الشياطين، كما تحيط بهم، وإما - على الأقل - أن يضعك الناس فى حزبهم وسمعتهم، وإن لم تكن
منهم، ولا على طريقتهم ومنوالهم، ورحم الله امرأ أحب الصالحين وأهل الخير وجالسهم، وكره
الفاسدين وأهل الشر فجانبهم.
المباحث العربية
( مثل الجليس الصالح، والجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير) فى الكلام
لف ونشر مرتب، والأصل: مثل الجليس الصالح كحامل المسك، ومثل الجليس السوء كنافخ الكير،
و((والسوء)) بفتح السين، يقال فى القبح: رجل سوء، وعمل سوء، ورجل السوء، وعمل السوء، و((السوء)).
(١٤٦) حَدًَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدْثًا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْئَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ الَِّّ ◌َ ح وحَدَّقَا
مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَّائِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّْا أَبُو أُسَامّةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى
١٢٧

بضم السين كل ما يغم الإنسان، وكل ما يقبح، وقد ضبط الحديث بكل منهما، وجاء القرآن بهما، فى
قوله ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْء﴾ [النحل: ٦٠] بفتح السين، وقوله ﴿وَأَدْخِلْ يَدَّكَ فِي
جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [النمل: ١٣].
و((المسك)) بكسر الميم وسكون السين، الطيب المعروف، قال الجاحظ: هو من دويبة، تكون فى
الصين، تصاد لنوافجها وسررها، فإذا صيدت شدت بعصائب، وهى موالية، يجتمع فيها دمها، فإذا
ذبحت قورت السرة التى عصبت، ودفنت فى الشعر، حتى يستحيل ذلك الدم المختنق الجامد مسكاً
ذكياً، بعد أن كان دما نتنا.
قال الحافظ ابن حجر: والمشهور أن غزال المسك كالظبى، لكن لونه أسود، وله نابان لطيفان،
أبيضان، فى فكه الأسفل، وأن المسك دم يجتمع فى سرته، وفى وقت معلوم من السنة، فإذا اجتمع
ورم الموضع، فمرض الغزال، إلى أن يسقط منه، ويقال: إن أهل تلك البلاد يجعلون لها أوتاداً فى
البرية، تحتك بها، ليسقط، ونقل بعضهم أن النافحة فى جوف الظبية، كالأنفحة فى جوف الجدى،
وعن بعضهم أنها تلقيها من جوفها، كما تلقى الدجاجة البيضة.
و((الكير)) بكسر الكاف حقيقة البناء، الذى يركب عليه الزق، الذى ينفخ فيه الحداد،
ليشعل النار، فأطلق الكير على الزق مجازاً، لمجاورته له، وقيل: الكير هو الزق نفسه، ولا
مجاز، وأما البناء فاسمه الكور، وفى رواية للبخارى ((كمثل صاحب المسك، وكير الحداد)»
فالتشبيه بكير الحداد نفسه، لا بنافخه.
( فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وأما أن تجد منه ريحا طيبة )
الفاء فى ((فحامل المسك)) تفريعية، لبيان وجه الشبه.
و((يحذيك)) بضم الياء الأولى وسكون الحاء، والمفعول محذوف، أى يعطيك مسكاً هدية بدون
مقابل، وكثيراً ما يفعل ذلك، فيمسح بمسكه يدك، ليرغبك فى الشراء، و((تبتاع منه)) أى تشترى منه
طيبا، وإما أن تشم رائحة طيبة بجواره، ما دمت جالسا معه.
(ونافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة) ((يحرق))
بفتح الياء من الثلاثى، وبضمها من الرباعى، يقال: حَرَقه بالنار، فالفاعل حارق، والمفعول
محروق وحريق، ويقال: أحرق بالنار، فالفاعل محرق بكسر الراء، والمفعول محرق بفتح
الراء، والخبيث الردىء المكروه.
وفى رواية للبخارى ((لا يعدمك من صاحب المسك، إما تشتريه، أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق
بيتك أو ثوبك، أو تجد منه ريحا خبيثة)» «لايعدمك)) بفتح الياء وسكون العين وفتح الدال، من العدم،
أى لا يعدمك إحدى الخصلتين، أى لا يعدوك ولا يتعداك، وفى رواية ((لايعدمك)) بضم الياء وكسر
الدال، من الإعدام، أى لا يعدمك صاحب المسك إحدى الخصلتين، ويحتمل إحدى الخصال الثلاث،
على أساس أن وجود الريح الطيبة إما بالإهداء، وإما بالجوار.
١٢٨

فقه الحديث
فى الحديث
١- النهى عن مجالسة من يتأذى بمجالسته فى الدنيا والدين.
٢- والترغيب فى مجالسة من ينتفع بمجالسته فى الدنيا والدين.
٣- وفيه ضرب الأمثال، لتقريب المعانى.
٤- وفيه العمل فى الحكم بالأشباه والنظائر.
٥- قال النووى: وفيه طهارة المسك.
٦- واستحباب استعماله، وجواز بيعه.
٧- وقد أجمع العلماء على جميع هذا، ولم يخالف فيه من يعتد به، ونقل عن الشيعة نجاسته، والشيعة
لا يعتد بهم فى الإجماع، ومن الدلائل على طهارته الإجماع، وهذا الحديث، وفيه ((وإما أن تبتاع
منه)» والنجس لا يصح بيعه، ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يستعمله فى بدنه ورأسه، ويصلى به،
ويخبر أنه أطيب الطيب، ولم يزل المسلمون على استعماله، وجواز بيعه، قال القاضى: وما روى
من كراهة العمرين له، فليس فيه نص منهما على نجاسته، ولا صحت الرواية عنهما بالكراهة، بل
صحت قسمة عمر بن الخطاب المسك على نساء المسلمين، والمعروف عن ابن عمر استعماله.اهـ
وزاد بعضهم أنه مستثنى من قاعدة: ما أبين من حى فهو ميت، وحكى ابن التين عن ابن
شعبان من المالكية أن فأرة المسك إنما تؤخذ فى حال الحياة، أو بذكاة من لا تصح ذكاته من
الكفرة، وهى مع ذلك محكوم بطهارتها، لأنها تستحيل عن كونها دما، حتى تصير مسكاً، كما
يستحيل الدم إلى اللحم، فيطهر، ويحل أكله، وليست بحيوان، حتى يقال: نجست بالموت، وإنما
هى شىء يحدث بالحيوان، كالبيض.
والله أعلم
١٢٩

(٧٢٣) باب فضل الإحسان إلى البنات
٥٨٢٢ - - ١٩٧ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(١٤٧) زَوْجَ النَّبِيِّ:﴿ قَالَتْ: جَاءَتْنِي
امْرَأَةٌ، وَمَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا. فَسَأَلْنِي فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ. فَأَعْطَيُّهَا
إِيَّاهَا. فَأَخَذَتْهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابَيْهَا. وَلَّمْ تَأْكُلْ مِنْهَا شَيْئًا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ
وَابْتَهَا. فَدَخَلَ عَلَيَّ النّبِيُّ:﴿ فَحَدَّقْتُهُ حَدِيثَهَا. فَقَالَ النّبِيُّ:﴿: «مَنِ ابْتُلِيَ مِنَ
الْبَّنَاتِ بِشَيْءٍ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ، كُنَّلَهُ سِعْرًا مِنَ النَّارِ».
٥٨٢٣- ثٌّ عَنْ عَائِشَةَ(١٤٨)؛ أَنْهَا قَالَتْ: جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ الْشَيْنٍ لَهَا. فَأَطْعَمْتُهَا
ثَلاثَ تَمَرَاتٍ. فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً. وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا تَمْرَةٌ لِتَأْكُلَهَا. فَاسْتَطْعَمَتْهَا
ابْتَاهَا، فَشَقَّتِ التَّمْرَةَ، الَّتِي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا، بَيْنَهُمَّا فَأَعْجَبَبِي شَأْنُهَا. فَذَكَرْتُ الَّذِي
صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﴿َ. فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّةَ، أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّارِ».
٥٨٢٤- ١٤٢٦٠ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(١٤٩) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿هَ: «مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ
حَتَّى تَبْلُغَا، جَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ» وَضَمَّ أَصَابِعَةُ.
المعنى العام
قال صلى الله عليه وسلم: ((ليتق أحدكم وجهه النار، ولو بشق تمرة)) وقال لعائشة: ((لا يرجع من
عندك سائل، ولو بشق تمرة)» وعملت عائشة رضى الله عنها بهذه الأحاديث حرفياً، إذ جاءتها امرأة
مسكينة، معها ابنتان صغيرتان، تسألها الصدقة والإحسان، ودخلت عائشة، تفتش عن شىء تقدمه
للمسكينة، فلم تجد إلا ثلاث تمرات، فقالت لنفسها: تمرة لكل واحدة منهن؟ وماذا تغنى هذه التمرة؟
وتذكرت قول رسول الله ﴿ لها: ((استترى من النار، ولو بشق تمرة، فإنها تقع من الجائع، موقعها من
الشبعان)» فالشبعان يأكلها، ليتمتع بحلاوتها، والجائع يأكلها، فتسد شيئاً من جوعته، ويتمتع
بحلاوتها أكثر من الشبعان، فأعطت التمرات الثلاث للمسكينة، فأعطت المسكينة كل بنت تمرة،
(١٤٧) حَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُهْرَاذَ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدْفِي عَبْدُ اللّهِ
اِبْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةً ح وحَدَّثَتِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمِّنِ بْنِ بِهْرَامَ وَأَبُو بَكْرَ بْنُ إِسْحَقَ وَالَّفْظُ لَهُمَّا
قَالا أَخْبَرَنَا أَبُوِ الْيَمَاَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَتِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بُكْرِ أَنَّ عُزَّوَّةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنْ عَائِشَةً
(١٤٨) حَدَّثََّا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّْا بَكْرٌ يَعْنِيَ ابْنَ مُضْرٌ عَنِ ابْنِ الْهَادِ أَنْ زِيَّادَ بْنَ أَبِي زِيَادٍ مَوْلَى ابْنٍ عَّاشٍ حَدَّثَهُ عَنْ عِرَاكِ بْنِ
مَالِكٍ سَمِعْتُهُ يُحَدَّثُ عُمَّرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عَائِشَةً
(١٤٩) حَدَّثَتِي عَمْرٌو النَّاقِدُ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَّذَّ الزُّبَيْرِيُّ حَدَثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَيِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنٍ
مَالِكٍ
١٣٠

وأخذت تمرة، وأكلت كل بنت تمرتها بنهم وسرعة، فهما جائعتان، ووضعت المسكينة تمرتها فى
فمها، فتعلق بها البنتان، تطلبان التمرة التى فى فمها، فقسمتها نصفين، وأخرجتها من فمها،
وأعطت كل واحدة من بنتيها شقاً، ولم تأكل هى شيئاً، وأثر هذا الموقف فى عائشة عجبا، فلما دخل
عليها صلى الله عليه وسلم بادرت تقص هذه القصة عليه، فقال صلى الله عليه وسلم: لقد أحسنت إلى
بناتها، فقدمتهن على نفسها، ولها أجرها، فمن ولاه اللَّه أمربنات، فأنفق عليهن، وأحسن إليهن، كن
سترًا وحجابًا له من ناريوم القيامة.
المباحث العربية
(جاءتنى امرأة ومعها بنتان لها) لم يقف العلماء على أسمائهن، وقد سقطت الواو من
قولها «ومعها)» فى بعض الروايات.
( فسألتنى ) الصدقة والعطاء، وفى رواية للبخارى ((تسألنى)) صفة ثانية لا مرأة.
( فلم تجد عندى شيئا غير تمرة واحدة ) كان الأصل أن تقول: فلم أجد عندى،
لكن لما كانت تنوى إعطاءها كل ما عندها كان ما تجده عائشة تجده المرأة، ومالا تجده
عائشة لا تجده المرأة.
(فأعطيتها إياها، فأخذتها، فقسمتها بين ابنتيها، ولم تأكل منها شيئاً ) وفى الرواية
الثانية عن عائشة رضى الله عنها ((جاءتنى مسكينة، تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات،
فأعطت كل واحدة منهن تمرة، ورفعت تمرة إلى فمها، لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها - أى طلبتا منها
أن تطعمهما إياها - فشقت التمرة التى كانت تريد أن تأكلها، فأعجبنى شأنها .. )) الحديث،
وللطبرانى نحوه.
ويمكن الجمع بأن مرادها بقولها ((فلم تجد عندى شيئاً غير تمرة واحدة)» أى أخصها بها، ويحتمل
أنها لم يكن عندها فى أول الحال سوى واحدة، فأعطتها، ثم وجدت ثنتين. والجمع الأول أوجه،
ويحتمل تعدد القصة.
( ثم قامت، فخرجت وابنتاها) معطوف على الضمير فى ((خرجت)).
(فدخل على النبى #، فحدثته حديثها) فى رواية للبخارى ((فدخل النبى# علينا،
فأخبرته)» وحدثته بقصتها لأنها أعجبت بها.
( من ابتلى من البنات بشىء، فأحسن إليهن، كن ستراً من النار ) أى ستراً، وحجاباً
له من النار، يوم القيامة، قال النووي: إنما سماه ابتلاء، لأن الناس يكرهونهن فى العادة، وفى رواية
للبخارى ((من يلى من هذه البنات شيئا)» من الولاية، قال الحافظ ابن حجر: واختلف فى المراد
١٣١

بالابتلاء، هل هو نفس وجودهن؟ أو المعنى ابتلى بما يصدر منهن، واختلف كذلك. هل هو على العموم
فى البنات؟ أو المراد من اتصف منهن بالحاجة؟.
وهل هذا الوعد خاص بمن ابتلى بأكثر من واحدة؟ ظاهر قوله فى الرواية الثالثة ((من عال
جاريتين - أى قام عليهما بالمؤنة والتربية ونحوهما - حتى تبلغا)) أن هذا الوعد خاص بمن ابتلى
بأكثر من واحدة، ويؤكده ما جاء عند أحمد، من حديث أم سلمة ((من أنفق على ابنتين، أو أختين، أو
ذاتى قرابة، يحتسب عليهما)) لكن هناك من الأحاديث ما يفيد شمول الوعد من أحسن إلى واحدة،
ففى رواية ((فقال رجل من الأعراب: أو اثنتين؟ فقال: أو اثنتين)) وفى رواية ((فرأى بعض القوم أن لو
قال: وواحدة؟ لقال: وواحدة)) وعند الطبرانى ((من كانت له ابنة، فأدبها، وأحسن أدبها، وعلمها،
فأحسن تعليمها، وأوسع عليها من نعمة الله، التى أوسع عليه ... )) الحديث وهل هذا الوعد خاص
بالإحسان؟ أو يكفى أداء الواجب والصبر؟ الظاهر الأول، فروايتنا ((فأحسن)) وشق التمرة، وعدم الأكل
منها إحسان، فوق الواجب، وعند ابن ماجه ((فصبر عليهن، وأطعمهن، وسقاهن، وكساهن)» وعند
الطبرانى ((فأنفق عليهن، وزوجهن، وأحسن أدبهن)) وفى الأدب المفرد ((يؤدبهن، ويرحمهن،
ويكفلهن)» وعند الترمذى ((فأحسن صحبتهن، واتقى الله فيهن)» وهذه الأوصاف يجمعها لفظ
الإحسان، وليس الاقتصار على الواجب إحساناً فى مثل هذه الحالة وإن كان له ثوابه وأجره،
فالمناسب تفسير الإحسان هنا بأنه فعل معروف لم يكن واجباً، أو فعل معروف زائد على الواجب،
وشرط الإحسان أن يكون الفعل موافقا للشرع.
وفى الرواية الثانية ((إن اللَّه قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار)) أى بالتمرة التى
شقتها بين ابنتيها.
وفى الرواية الثالثة ((جاء يوم القيامة أنا وهو - وضم أصابعه -)) أى جاء يوم القيامة أنا وهو
كهاتين، أى متصاحبين متجاورين.
فقه الحديث
يؤخذ من الأحاديث
١- قال النووى: فى هذه الأحاديث فضل الإحسان إلى البنات، والنفقة عليهن، وعلى سائر أمورهن.
٢- الحث على الصدقة بما قل، وما جل، والعمل بقوله صلى الله عليه وسلم ((يا عائشة، استترى من
النار، ولو بشق تمرة، فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان)».
٣ - وألا يحتقر ما يتصدق به.
٤- وأن الإحسان إلى البنات يستر من النار، قال الحافظ ابن حجر: والظاهر أن الثواب
المذكور إنما يحصل لفاعله إذا استمر، إلى أن يحصل استغناؤهن عنه، بزوج أو غيره،
١٣٢

كما أشير إليه فى بعض ألفاظ الحديث، والإحسان يختلف باختلاف الأحوال، ولكل
أحد بحسب حاله.
٥- قال الحافظ ابن حجر: وفى الحديث تأكيد حق البنات، لما فيهن من الضعف غالباً عن القيام
بمصالح أنفسهن، بخلاف الذكور، لما فيهم من قوة البدن، وجزالة الرأى، وإمكان التصرف فى
الأمور المحتاج إليها فى أكثر الأحوال. اهـ
أقول: وحتى لو كانت البنات مستغنيات، فإن الإحسان إليهن له نفس الأجر، والإحسان إلى
الأولاد لا يقل أجراً عن الإحسان إلى البنات، وإنما خص البنات بالذكر علاجاً لما استقر فى
نفوس الناس من احتقارهن، حتى وصل الأمر بالناس أن وأدوهن، قال تعالى ﴿وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُمْ
بالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشْرَبِهِ أَيُمْسِكُّهُ عَلَى هُونِ أَمْ
يَّدُسُّهُ فِي التَّرَابِ﴾ [النحل: ٥٨-٥٩] فلما كانت الطبيعة البشرية، والعادات الإنسانية حب الذگّور،
والاعتزاز بهم، والإحسان إليهم، لم يكونوا فى حاجة إلى الوصية بهم. والله أعلم.
٦- قال ابن بطال: وفى هذه الأحاديث جواز سؤال المحتاج.
٧- وسخاء عائشة - رضى الله عنها.
٨- وجواز ذكر المعروف، إن لم يكن على وجه الفخر، ولا المنة.
٩- وفيه الحث على التقوى، والتزام أمر اللَّه تعالى، فإن من لا يتقى اللَّه لا يأمن أن يتضجر بمن وكله
اللَّه إليه، أو يقصر عما أمر بفعله، أو لا يقصد بفعله امتثال أمر الله، وتحصيل ثوابه.
١٠- وفيه حكمة الرسول 88*، والاستفادة من المناسبات والظروف فى تعميق أحكام الشرع الحنيف،
كما ثبت فى الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان يطبق هذا القول بالفعل على نفسه، فكان
يحمل أمامة بنت أبى العاص، بنت ابنته زينب رضى الله عنها، يحملها على عاتقه فى الصلاة،
وهو يؤم المسلمين، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع رفعها، وإذا سجد وضعها، وإذا جلس حملها. صلى
الله عليه وسلم.
١١- وفيه ما كانت عليه بيوت النبى ®، وكيف كانت عيشته وأهله، وليس فى بيتهم ما يؤكل غير
تمرة، أو ثلاث تمرات.
والله أعلم
١٣٣

(٧٢٤) باب فضل من يموت له ولد، فيحتسبه
٥٨٢٥- ١٥٠ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(١٥٠)؛ عَنِ النّبِيِّ﴿ قَالَ: «لا يَمُوتُ لأَحَدٍ مِنَ
الْمُسْلِمِينَ ثَلاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ، إِلا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ».
٥٨٢٦- ١٠ْ وَفِي رواية عَنِ الزُّهْرِيّ(١٠). بِسْنَادٍ مَالِكٍ. وَبِمَعْنَى حَدِيثِهِ. إِلا أَنَّ فِي حَدِيثٍ
سُفْيَاةَ: «فَيَلِجَ النَّارَ إِلا تَحِلَةَ الْقَسَمِ».
٥٨٢٧- ١٥١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٥١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ:﴿ قَالَ: «ليسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ: لا
يَمُوتُ لِإِحْدَاكُنَّ ثَلاثَةٌ مِنَ الْوَّلَدِ فَتَخْتَسِبَهُ، إِلا دَخَلَتِ الْجَنَّةَ)». فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: أَوِ الْنَيْنِ؟
يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «أَوِ الَّيْنِ».
٥٨٢٨ - -١٥٢ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَِّ﴾(١٥٢) قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ. فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْمًا تَأْتِيكَ فِيهِ، تُعَلِّمُنَا
مِمَّا عَلَّمَكَ اللّهُ، قَالَ: «اجْتَمِعْنَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا» فَاجْتَمَعْنَ. فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ﴾﴿ فَعَلَّمَهُنَّ
مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْكُنَّ مِنِ امْرَأَةٍ تُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهَا، مِنْ وَلَّدِهَا، ثَلاثَةً، إِلا كَانُوا لَّهَا
حِجَابًا مِنَ النَّارِ». فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَالْنَيْنِ. وَالْتَيْنٍ. وَاقْنَيْنِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعِ﴿ْ: «وَاقْنِ.
وَأْنَيْنِ. وَاقْنٍ».
٥٨٢٩- ١٥٣ٍ وَفِي رواية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٥٣) قَالَ: «ثَلاثَةٌ لَمْ يَبْلُغُوا الْجِنْثَ».
٥٨٣٠- ١ْ٥٤ عَنْ أَبِي حَسَّان(١٥٤) قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّهُ قَدْمَاتَ لِيَ ابْنَانِ. فَمَّا أَنْتَ
(١٥٠) حَدْثَّا يَحْتِى بْنُ يَخْتِى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٠٠) حَدَّثََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بَّنْ خَرَّبٍ قَالُوا حَدَّثَنَا سُفْيَّاكُ بْنُ عُيَيْنَةَ حَ وَ حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ
رَافِعٍ عَنْ عَبْدٍ الَرَّزَّاقِ أَخْبُرَنَا مَعْمَرٌ كِلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ
(١٥١) حَدَّثَنَا قُتِبَةُ بْنُ سَّعِيدٍ حَدَّثَّا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ سُهَّيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(١٥٢) حَدََّا أَبُوٍ كَامِلِ الْجَخْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنَّ حُسَيْنٍ حَدْقَا أَبُو عَوَانَةَ عَنٌّ عَبْدِ الَّرَّحْمَنِ أَبَّنِ الأَصْبَهَائِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ذَكْوَانْ عَنْ
أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
(١٥٣) حَدَّقْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُعَنِّى وَابْنُ بَشَارٍ قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حِ وَ حَدْنَا غُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثْنَا شُعْبَةُ عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبِهَائِيُّ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلٍ مَعْنَاهُ وَزَادَا جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةً عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصَّهَانِيَّ قَالَ سَمِعْتُ
أَبَا حَازِمٍ يُحَدِّثْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(١٥٤) حَدَّثًا سُؤَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى وَقَاوَبَا فِي اللَّفْظِ قَالا حَدَّقَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي السَّلِيلِ عَنْ أَبِي
حَسَّان
١٣٤

مُحَدِّئِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ :﴿ بِحَدِيثٍ تُطَيِّبُ بِهِ أَنْفُسَنًا عَنْ مَوْثَانًا؟ قَالَ: قَالَ: نَعَمْ «صِغَارُهُمْ
دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ يَتَلَقَّى أَحَدُهُمْ أَبَاهُ - أَوْ قَالَ أَبَوَيْهِ -، فَيَأْخُذُ بِقَوْبِهِ، - أَوْ قَالَ بِيَدِهِ -، كَمَا
آخُذُ أَنَا بِصَِّفَةٍ ثَوْبِكَ هَذَا. فَلا يَتْنَاهَى، - أَوْ قَالَ: فَلا يَنْتَهِي -، حَتَّى يُدْخِلَهُ اللَّهُ وَأَبَاهُ
الْجَنَّةٌ».
٥٨٣١- وفى رواية عَنِ النَّيْمِيّ(٣) بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: فَهَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ:﴿ِ شَيْئًا
تُطَيِّبُ بِهِ أَنْفُسَنَا عَنْ مَوْكَانًا؟ قَالَ: نَعَمْ.
٥٨٣٢-١٥٥ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِ(١٥٥) قَالَ: أَنَتِ امْرَأَةٌ النّبِيَّ ◌َ﴿َّ بِصَبِيِّ لَهَا. فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ
اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ لَهُ. فَلَقَدْ دَفْتُ ثَلاثَةٌ. قَالَ: «دَقْتٍ ثَلاثَةٌ؟» قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: «لَقَدِ اخْتَظَرْتٍ
بِحِظَارٍ شَدِيدٍ مِنَ النَّارِ» قَالَ عُمّرُ، مِنْ بَيْتِهِمْ: عَنْ جَدِّهِ. وَقَالَ الْبَاقُونَ: عَنْ طَلْقٍ. وَلَمْ
يَذْكُرُوا الْجَدَّ.
٥٨٣٣ _ _ ١٥٦ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٥٦) قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النّبِيِّ :﴿َ بِابْنٍ لَهَا. فَقَالَتْ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ يَشْتَكِي. وَإِّي أَخَافُ عَلَيْهِ. قَدْ دَفْتُ ثَلاثَةٌ. قَالَ: «لَقَدِ اخْتَظَرْتِ بِحِظَارٍ
شَدِيدٍ مِنَّ النَّارِ» قَالَ زُهَيْرٌ: عَنْ طَلْقٍ. وَلَمْ يَذْكُرِ الْكُنْيَةَ.
المعنى العام
يقول اللَّه تعالى ﴿وَيَشْرْ الصَّابِرِينَ ﴾ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾
أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحَّمَّةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ اَلْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥-١٥٧] وكلما عظَمت المصيبة
عظم الصبر المطلوب لها، وكلما عظم الصبر والاحتساب كلما عظم الأجر.
ومن أعظم المصائب موت الأطفال، وبخاصة فى بداية الحياة الزوجية، فى الوقت الذى يتشوف
فيه الوالدان إلى الأولاد، وفى الوقت الذى يكون الأولاد فيه هم سعادة الأبوين.
وإذا كان الإسلام يدعو الآباء إلى الرحمة والعطف وحب الأبناء، فمن حق الآباء، وقد تعلقوا
بأطفالهم أن يتألموا لفقد من أحبوه وتعلقوا به، ومن حقهم أن يواسيهم الإسلام، ويضمد جروحهم،
(-) وَفِي رِوَايَةٍ سُوَيْدٍ قَالَ حَدَّا أَبُو السَّلِيلِ وَحَدْفَتِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا يَخْتِى يَعْنِيِ ابْنَ سَعِيدٍ
(١٥٥) حَذََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْيَةٌ وَمُحَمَّذٌ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ قَالُوا حَدَّثْنَا حَفْصٌ يَعْنُون
ابْنَ غِیَاثٍ حَ وِ خَلْقَنَا غُمَرُ بُنُ حَفْصِ بْنِ غِیَاثٍ حَدِّقًا آمِي غُنْ جَدِّهِ طَلْقٍ بْنِ مُعَاوِيّةً عَنْ أَبِي زُرْعَةً بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِیٍ عنْ أَبِي
هُرَيْرَةً
(١٥٦) حَدْقَ لَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالا حَدَّقَا جْرِيرٌ عَنْ طَلْقٍ بْنِ مُعَاوِيَّةَ النّخَعِيِّ أَّبِي غِيَاثٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ
جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
١٣٥

ومن واجب العلماء أن يطيبوا نفوسهم فى وقت محنتهم، وهذا رسول اللّه# يقول لأصحابه فى
مناسبة موت بعض أطفالهم: ما من مسلم يموت له ثلاثة من الأولاد - ذكورًا أو إناثًا - قبل أن يبلغوا
الحلم إلا حرم اللَّه عليه النار، وأدخله الجنة، ورغب الصحابة فى زيادة الفضل، فقال أحدهم: واثنان
يا رسول الله؟ قال: واثنان. ويتأسف السائل بعد انفضاض المجلس على أنه لم يقل: وواحد، وهو يظن
أنه لو قال ذلك لأجيب، ووسعته رحمة اللَّه تعالى، ولم يكتف صلى الله عليه وسلم بإخبار الرجال بهذه
البشرى، مع أنه يعلم أنهم سيخبرون بها نساءهم، بل خاطب بها النساء فى اليوم الذى حدده
لوعظهن، تقديراً لعواطفهن، وشدة حزنهن، وعدم تملكهن لمشاعرهن، أخبرهن بالثلاثة، ليطلب شمول
هذا الفضل للاثنين، كما فعل الرجال، ففعلن وسألن، وأجبن بما أجيب به الرجال.
وهذا أبو هريرة، يسأله مكلوم بفقد ابنه أن يواسيه بما سمع من رسول اللّه * عن فقد الأولاد،
فيجيبه بأن الأطفال الذين يموتون ينتظرون آباءهم يوم القيامة، فإذا رأوهم أخذ الواحد منهم بثوب
أبيه وأمه، يمسك به لا يتركه، ويسأل الله أن يشفعه فيهما، ويغفر لهما ذنوبهما، ويدخلهما معه الجنة،
فيرحم اللَّه الآباء برحمته للأبناء، ويقول لهم: خذوا بأيديهم إلى الجنة، فقد غفرت لهم برحمتى لكم،
فيأخذون بأيدى آبائهم إلى الجنة.
المباحث العربية
( لايموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد ) الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك
للرجال مرة، وللنساء مرة، ففى الرواية الثانية أنه صلى اللّه عليه وسلم قال ذلك لنسوة من الأنصار،
وزاد فيها ((فتحتسبه)) والاحتساب هنا الصبر، والرضا بقضاء الله، مع رجاء فضله، قال الحافظ ابن
حجر: وقد عرف من القواعد الشرعية أن الثواب لا يترتب إلا على النية، فلابد من قيد الاحتساب،
والأحاديث المطلقة محمولة على المقيدة، وقال بعضهم: يقال فى البالغ: احتسب، ويقال فى الصغير:
افترط، لكن قد يستعمل كل مكان الآخر، وذكر ابن دريد وغيره احتسب فلان بكذا، أى طلب أجرا عند
الله، وهذا أعم من أن يكون لكبير أو صغير.
ولفظ ((ولد)» يتناول الواحد، فصاعدا، ويشمل الذكر والأنثى، وهل يدخل فيه أولاد الأولاد؟ محل
نظر، وفى البخارى ((ما من الناس من مسلم يتوفى له ثلاث)) بحذف التاء من ((ثلاثة)) وهو جائز لكون
المميز محذوفاً، وقيد ((مسلم)) و((مسلمين)) للاحتراز عن الكافر.
وزاد فى ملحق الرواية الثالثة. ((لم يبلغوا الحنث)) بكسر الحاء وسكون النون، وضبط بفتح الحاء
والنون، والمحفوظ الأول، والمعنى: لم يبلغوا الحلم، فتكتب عليهم الآثام، والحنث فى الأصل الإثم،
والذنب، قال تعالى ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦] وقيل: المراد: بلغ زمانا
يؤاخذ فيه بيمينه، إذا حنث، قال الراغب: عبر بالحنث عن البلوغ، لأن الصبى قد يثاب، وخص
الصغير بذلك، لأن الشفقة عليه أعظم، والحب له أشد، والرحمة له أوفر.
١٣٦

وعلى هذا فالقيد للاحتراز عمن مات له ثلاثة بالغون. وسيأتى مزيد بحثه فى فقه الحديث.
(فتمسه النار، إلا تحلة القسم) وفى ملحق الرواية ((فيلج النار، إلا تحلة القسم)) وفى
الرواية الثالثة ((إلا كانوا لها حجاباً من النار)) وفى الرواية الثانية ((إلا دخلت الجنة)) وهى محمولة
على دخول الجنة بدون دخول النار، أى دخول الجنة لأول وهلة، فمن المسلمين من يدخل الجنة بعد
النار، والمراد بالولوج الورود، وهو عام، يخفف بموت الأولاد بشروطه.
وقوله ((فتمسه النار)) وقوله ((فيلج النار)» بنصب الفعل، لأن المضارع ينصب بعد النفى بتقدير
((أن)) لكن حكى الطيبى: أن شرطه أن يكون بين ما قبل الفاء وما بعدها سببية، ولا سببية هنا، إذ لا
يجوز أن يكون موت الأولاد ولا عدمه سببا لولوج الأب والأم النار. قال: وإنما الفاء بمعنى الواو، التى
للجمع، وتقديره: لا يجتمع لمسلم موت ثلاثة من ولده وولوجه النار. قال: لامحيد عن ذلك، إن كانت
الرواية بالنصب. وأقره على هذا جماعة، قال: وإن كانت الرواية بالرفع، فمعناه: لا يوجد ولوج النار
عقب موت الأولاد، إلا مقداراً يسيراً. اهـ
قال الحافظ ابن حجر: ووقع فى البخارى فى الأيمان والنذور، بلفظ ((لا يموت لأحد من المسلمين
ثلاثة من الولد تمسه النار، إلا تحلة القسم)) فقوله ((تمسه)» بالرفع جزماً.
و(«تحلة القسم)) بفتح التاء وكسر الحاء وتشديد اللام، أى ما ينحل به القسم، وهو اليمين، وهو
مصدر حلل اليمين، أى كفرها، يقال: حلل تحليلا، وتحلة، وتحلا، بغير هاء، والثالث شاذ، وقال أهل
اللغة: يقال: فعلة تحلة القسم، أى قدر ما حللت به قسمى ويمينى، ولم أبالغ، وقال الخطابى: حللت
القسم تحلة، أى أبررتها.
وقال القرطبى: اختلف فى هذا القسم والمراد منه، فقيل: هو معين، وقيل: هو غير معين،
فالجمهور على الأول، وقيل: لم يعن به قسم بعينه، وإنما معناه التقليل لأمر ورودها، وهذا اللفظ
يستعمل فى هذا، وقيل: الاستثناء بمعنى الواو، أى لا تمسه النار، قليلاً، ولا كثيراً، ولا تحلة القسم.
وقال بعضهم: المراد به قوله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] قال الخطابي: معناه: لا
يدخل النار ليعاقب بها، ولكنه يدخلها مجتازاً، ولا يكون ذلك الجواز إلا مقدار ما يحلل به الرجل
يمينه، ويدل على ذلك ما وقع عند عبد الرزاق، بلفظ ((إلا تحلة القسم، يعنى الورود)» وعند سعيد بن
منصور ((ثم قرأ سفيان ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾)) وعند الطبرانى ((من مات له ثلاثة من الولد، لم
يبلغوا الحنث، لم يرد النار، إلا عابر سبيل» يعنى الجواز على الصراط، وأخرج الطبرانى مثله مرفوعا
((من حرس وراء المسلمين فى سبيل الله متطوعاً، لم ير النار بعينه، إلا تحلة القسم، فإن اللّه عز وجل
قال ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا ﴾.
واختلف فى موضع القسم من الآية، فقيل: هو مقدر، أى والله ما منكم إلا واردها، وقيل: معطوف
على القسم الماضى، فى قوله تعالى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ أى وربك ما منكم إلا واردها. وقيل:
هو مستفاد من قوله تعالى ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ أى قسما واجباً، وقال الطيبى: يحتمل أن يكون المراد
١٣٧.

بالقسم ما دل على القطع والبت من السياق، فإن قوله تعالى ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ ﴾ تذييل وتقرير لقوله
﴿وَإِنْ مِنْكَمْ إِلا وَارِدُهَا ﴾ فهذا بمنزلة القسم، بل أبلغ، لمجىء الاستثناء بالنفى والإثبات. قال الحافظ
ابن حجر: واختلف السلف فى المراد بالورود فى الآية، فقيل: هو الدخول، روى أحمد والنسائى
والحاكم من حديث جابر، مرفوعا ((الورود الدخول، لا يبقى برولا فاجر إلا دخلها، فتكون على
المؤمنين بردًا وسلامًا)) وروى الترمذى عن عبد الله بن مسعود قال: ((يردونها أو يلجونها، ثم يصدرون
عنها بأعمالهم»، وقيل: المراد بالورود المرور عليها، وزاد الطبرى من طريق كعب الأحبار ((يستوون
كلهم على متنها، ثم ينادى مناد: أمسكى أصحابك، ودعى أصحابى، فيخرج المؤمنون، ندية أبدانهم))
قال الحافظ ابن حجر: وهذان القولان أصح ما ورد فى ذلك، ولا تنافى بينهما، لأن من عبر بالدخول
تجوزبه عن المرور، لأن المار عليها فوق الصراط فى معنى من دخلها، لكن تختلف أحوال المارة
باختلاف أعمالهم، فأعلاهم درجة من يمر كلمح البرق، كما سيأتى فى الرقاق إن شاء الله تعالى.
ومن الأقوال الضعيفة قول من قال: الورود مختص بالكفار، ومن قال: معنى الورود الدنو منها،
ومن قال: معناه الإشراف عليها، ومن قال: معنى ورودها ما يصيب المؤمن من الحمى.
( قال لنسوة من الأنصار) فى الرواية الثالثة ((جاءت امرأة إلى رسول اللّهم:﴿، فقالت: يا
رسول اللّه: ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يوماً، نأتيك فيه، تعلمنا مما علمك الله. قال:
اجتمعن يوم كذا وكذا، فاجتمعن، فأتاهن رسول الله:﴿، فعلمهن مما علمه الله، ثم قال ما منكن من
امرأة، تقدم بين يديها، من ولدها ثلاثة إلا كانوا لها حجاباً من النار، فقالت امرأة: واثنين واثنين
واثنين؟ فقال رسول اللَّه ﴿: واثنين واثنين واثنين)) وفى رواية ((واثنتين)) بزيادة تاء، وهو منصوب
بالعطف على «ثلاثة)) ويسمى العطف التلقينى، وكأنها فهمت الحصر، وطمعت فى الفضل، قيل: هى
أم سليم الأنصارية والدة أنس، رواه الطبرانى، ووقع لأم مبشر الأنصارية أيضاً السؤال عن ذلك، أخرجه
الطبرانى أيضاً، وأم أيمن أيضاً ممن سأل، وعائشة أيضاً، وأم هانئ أيضاً سألت عن ذلك، ويحتمل أن
يكون كل منهن سأل عن ذلك فى ذلك المجلس، فتكون المتكلمة واحدة، والأخريات قلن فى أنفسهن،
ووافقن السائلة، قال الحافظ ابن حجر: وأما تعدد القصة ففيه بعد، لأنه صلى الله عليه وسلم لما سئل
عن الاثنين بعد الثلاثة أجاب بأن الاثنين كذلك، فالظاهر أنه كان أوحى إليه فى ذلك فى الحال.
نعم فى حديث جابر أنه ممن سأل عن ذلك، وروى أن عمر سأل أيضاً. قال الحافظ: وهذا لا بعد
فى تعدده، لأن خطاب النساء بذلك لا يستلزم علم الرجال به.
( صغارهم دعاميص الجنة ) بفتح الدال والعين وكسر الميم، وأحدهم دعموص، بضم الدال،
أى صغار أهلها، وأصل الدعموص دويبة تكون فى الماء لا تفارقه، فوجه الشبه عدم المفارقة.
( يتلقى أحدهم أباه - أو قال: أبويه- فيأخذ بثوبه- أو قال: بيده، كما آخذ أنا
بصنفة ثوبك هذا ) صنفة الثوب بفتح الصاد وكسر النون طرفه، ويقال لها: صنيفة الثوب، أى
وأخذ أبو هريرة بثوب أبى حسان، وأمسكه بشدة، لا يدعه.
١٣٨

( فلا يتناهى - أو قال: فلا ينتهى - حتى يدخله الله وأباه الجنة) أى فلا يتركه، أى
لا يكون نهاية لإمساكه إياه حتى يقبل اللَّه شفاعة الصغير، فيدخل اللَّه الصغير وأباه الجنة.
( أتت امرأة النبى * بصبى لها، فقالت: يا نبي الله. ادع الله له، فلقد دفنت
ثلاثة) أى وأخشى عليه أن يكون رابعهم، وهو مريض، وفى الرواية السادسة ((فقالت: يا رسول الله.
إنه يشتكى، وإنى أخاف عليه. قد دفنت ثلاثة)» قيل: إنها رجاء الأسلمية.
( قال: دفنت ثلاثة؟ ) بحذف أداة الاستفهام.
( لقد احتظرت بحظار شديد من النار) أى لقد امتنعت من النار بمانع وثيق، وأصل
الحظر المنع، وأصل الحظار بكسر الحاء وفتحها ما يجعل حول البستان وغيره من قضبان وغيرها
كالحائط أو السور.
فقه الحديث
يؤخذ من الأحاديث فوق ماتقدم
١- فضل من مات له ولد، فاحتسبه، وأحاديث الباب قيدت الولد بثلاثة أو اثنين، لكن الطبرانى فى
الأوسط أخرج عن جابر بن سمرة مرفوعا «من دفن ثلاثة، فصبر عليهم واحتسب، وجبت له
الجنة، فقالت أم أيمن: أو اثنين؟ فقال: أو اثنين، فقالت: وواحد؟ فسكت، ثم قال: وواحد)).
وعن ابن مسعود مرفوعا (( من قدم ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث، كانوا له حصنا حصينا
من النار، قال أبو ذر: قدمت اثنين؟ قال: واثنين. قال أبي بن كعب: قدمت واحداً، قال: وواحداً))
أخرجه الترمذى، وقال: غريب، وعنده عن ابن عباس، رفعه «من كان له فرطان من أمتى أدخله
اللَّه الجنة. فقالت عائشة: فمن كان له فرط؟ قال: ومن كان له فرط)) قال الحافظ ابن حجر:
وليس فى شىء من هذه الطرق ما يصلح للاحتجاج، قال: وأصح ما ورد فى ذلك ما أخرجه
البخارى عن أبى هريرة مرفوعا ((يقول الله عز وجل: ما لعبدى المؤمن عندي جزاء - إذا قبضت
صفيه من أهل الدنيا، ثم احتسبه- إلا الجنة)) وهذا يدخل فيه الواحد، فما فوقه. اهـ
أقول: واستحقاق الجنة ودخولها لا يستلزم عدم مس النار، وأحاديثنا فى الحجب عن النار،
فليس فيما استند إليه الحافظ دليل على المدعى، وهو الواحد، نعم لوالديه أجر كبير، لكن غير
الموعود به هنا، فالثابت أن الموعود بعدم المس للنار هو من قدم اثنين فأكثر.
٢- أخذ بعضهم من ملحق الرواية الثالثة، من قوله ((لم يبلغوا الحنث)) أن من مات له أولاد كبار لا
يستحق هذا الجزاء، وإن كان فى فقد الولد أجر فى الجملة، وبهذا صرح كثير من العلماء، وفرقوا
بين البالغ وغيره بأنه يتصور من البالغ العقوق، المقتضى لعدم الرحمة، بخلاف الصغير، فإنه لا
يصدر منه ذلك، إذ ليس بمخاطب، وقال الزبير بن المنير: بل يدخل الكبير أيضاً فى ذلك، بطريق
١٣٩

الفحوى، لأنه إذا ثبت ذلك فى الطفل الذى هو عبء على أبويه، فكيف لا يثبت فى الكبير، الذى
بلغ من السعى، ووصل له منه النفع، وتوجه إليه الخطاب بالحقوق. اهـ
وعندى أن هذا القيد ليس للاحتراز، وإنما ذكر لما أن الصغير موضع الرحمة والشفقة وقوة
الأسى غالبًا، فمدار الحكم شدة التعلق والحب، ليكون الصبر فى الفقد كبيرًا، والاحتساب قويا،
والتسليم عظيمًا، وحيثما وجدت هذه العلة فى الكبير أو الصغير كان هذا الأجر الموعود به،
وحيثما لم توجد من الطفل أو من الأبوين لا يكون هذا الأجر، وإن ثبت له أجرآخر.
وقول الحافظ ابن حجر: ويقوى الأول قوله فى بقية الحديث الذى رواه البخارى ((بفضل
رحمته إياهم)) لأن الرحمة للصغار أكثر، لعدم حصول الإثم، هذا القول لا يؤيده قول ابن التين: إن
الضمير فى ((رحمته)) للأب، أى لكونه كان يرحمهم فى الدنيا، فيجازى بالرحمة فى الآخرة، وهذا
يتمشى مع توجيهنا للحديث. والله أعلم.
٣- قال الحافظ ابن حجر: وهل يلتحق بالصغار - عند من قصر الحديث عليهم- من بلغ
مجنوناً مثلاً، واستمر على ذلك، فمات؟ فيه نظر، لأن كونهم لا إثم عليهم يقتضى
الإلحاق، وكون الامتحان بهم، يخف بموتهم، يقتضى عدمه، ولم يقع التقييد فى طرق
الحديث بشدة الحب ولا عدمه، وكان القياس يقتضى ذلك، لما يوجد من كراهة بعض
الناس لمولده، وتبرمه منه، ولا سيما من كان ضيق الحال، لكن لما كان الولد مظنة
المحبة والشفقة، نيط به الحكم، وإن تخلف فى بعض الأفراد.
٤- قال ابن التين، تبعا لعياض: قول السائلة ((واثنان)) يدل على أن مفهوم العدد ليس
بحجة، لأن الصحابية من أهل اللسان، ولم تعتبره، إذ لو اعتبرته لانتفى الحكم عندها .
عما عدا الثلاثة، لكنها جوزت ذلك، فسألته. قال الحافظ ابن حجر: والظاهر أنها
اعتبرت مفهوم العدد، إذ لولم تعتبره لم تسأل، والتحقيق أن دلالة مفهوم العدد ليست
يقينية، وإنما هى محتملة، ومن ثم وقع السؤال عن ذلك.
٥- أخذ بعضهم بذكر الثلاثة أن الأربعة فما فوقهم لا يحصل بهم الأجر المذكور، سواء ماتوا دفعة
واحدة، أو ماتوا واحداً بعد الآخر، فالثلاثة تعظم بهم المصيبة، وأما مازاد عليها، فقد يخف أمر
المصيبة، لأنها تصير كالعادة، كما قيل: روعت بالبين حتى ما أراع له ... قاله القرطبى.
قال الحافظ ابن حجر: وهو جحود شديد، فإن من مات له أربعة، فقد مات له ثلاثة
ضرورة، لأنهم إن ماتوا دفعة واحدة فقد مات له ثلاثة وزيادة، ولا خفاء بأن المصيبة
بذلك أشد، وإن ماتوا واحداً بعد واحد، فإن الأجر يحصل له عند موت الثلاثة، بمقتضى
وعد الصادق، فيلزم على قول القرطبى أنه إن مات له الرابع يرتفع عنه ذلك الأجر، مع
تجدد المصيبة، وكفى بهذا فسادا، والحق أن تناول الحديث الأربعة فما فوقها، من
باب أولى وأحرى، ويؤيد هذا أنهم لم يسألوا عن الأربعة، ولا ما فوقها، لأنه كالمعلوم
عندهم، إذ المصيبة إذا كثرت كان الأجر أعظم. اهـ وهو كلام حسن.
١٤٠