Indexed OCR Text
Pages 1-20
فَيُعُ المنصر
شِرْح صَحِيح مُسِئُلِمٍ
تابع كتاب التّ والصلة والآداب- كتاب القدر- كتاب العلم
كتاب الذكر والدعاء وَالتّوبة والاستغفار، كتاب الرقاق - كتاب التّوبَة
وَسُقوط الذّبْ بالاستغفارُ، كتابٌ صِفَة المنافقين وَأحكامٌهُمْ
كتابٌ صِفَة القيامة والجنّة والنَّار، كتاب الجنّة وَصفَة نعيمها
وَأَهْلِهَا، كتاب الفتن وأشراط الساعة- كتاب الزّهْد-كتاب النّفْسيِّر
الجزءُ العَاشِرُ
الأستاذ الدّكتورُ
محسِّىُ شَاهِين لاشين
دار الشروق
فَتُ المُعْدُ
شِرْع صَحِيح مُسِئُلِم
١٠
جميع حقوق النشر والطّيع مَحنُوظَة
الطَّبَعَة الأولىّ
١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢مـ
دار الشروقــ
القاهرة: ٨ شارع سيبويه المصري - رابعة العدوية - مدينة نصر
ص.ب .: ٣٣ البانوراما . تليفون: ٤٠٢٣٣٩٩ - فاكس: ٤٠٣٧٥٦٧ (٢٠٢)
e-mail: dar@ shorouk.com
www.shorouk.com
بيروت: ص.ب .: ٨٠٦٤ - هاتف: ٣١٥٨٥٩- ٨١٧٢١٣ - فاكس: ٣١٥٨٥٩ ١ (٩٦١)
3
تابع
كتاب البروالصلة والآداب
٦٨٩ - باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها.
٦٩٠ - باب تحريم التحاسد والتباغض
والتدابر والظن والتحسس والتجسس،
والتنافس والتناجش، والهجر فوق ثلاثة
أيام.
٦٩١ - باب تحريم ظلم المسلم، وخذله،
واحتقاره، ودمه، وعرضه، وماله.
٦٩٢ - باب النهى عن الشحناء.
٦٩٣ - باب فضل الحب فى اللّه تعالى.
٦٩٤ - باب فضل عيادة المريض.
٦٩٥- باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من
مرض أو حزن أو نحو ذلك حتى الشوكة
یشاکھا.
٦٩٦ - باب تحريم الظلم.
٦٩٧ - باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا.
٦٩٨ - باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم
وتوادهم.
٦٩٩ - باب النهى عن السباب.
٧٠٠ - باب استحباب العفو والتواضع.
٧٠١ - باب تحريم الغيبة.
٧٠٢ - باب من ستر اللَّه عليه فى الدنيا فإن
الله يستر عليه فى الآخرة.
٧٠٣ - باب مدارة من يتقی فحشه.
٧٠٤ - باب فضل الرفق.
٧٠٥ - باب النهى عن لعن الدواب وغيرها.
٧٠٦ - باب من لعنه النبى ® ، أو سبه أو دعا
عليه وليس أهلاً لذلك، كان له زكاة وأجر
ورحمة.
٧٠٧- باب ذم ذى الوجهين، وتحريم فعله.
٧٠٨ - باب تحريم الكذب، وبيان ما يباح منه.
٧٠٩- باب تحريم النميمة.
٧١٠ - باب قبح الكذب، وحسن الصدق
وفضله.
٧١١٠ - باب فضل من يملك نفسه عند الغضب،
وبأى شىء يذهب الغضب، وخلق الإنسان
خلقًا لا يتمالك.
٧١٢ - باب النهى عن ضرب الوجه.
٧١٣ - باب الوعيد الشديد لمن عذب الناس
بغير حق.
٧١٤ - باب أمر من مربسلاح، فى مسجد أو
سوق أو غيرهما من المواضع الجامعة
للناس أن يمسك بنصالها، والنهى عن
الإشارة بالسلاح إلى مسلم.
٧١٥ - باب فضل إزالة الأذى عن الطريق.
٧١٦ - باب تحريم تعذيب الهرة ونحوها من
الحيوان الذى لا يؤذى.
٧١٧- باب تحريم الكبر.
٧١٨- باب النهى عن تقنيط الإنسان من
رحمة الله تعالى وفضل الضعفاء
والخاملين، والنهى عن قول: هلك الناس.
٧١٩ - باب الوصية بالجار، والإحسان إليه.
٧٢٠ - باب استحباب طلاقة الوجه.
٧٢١- باب استحباب الشفاعة فيما ليس
.· بحرام ..
٧٢٢ - باب استحباب مجالسة الصالحين
ومجانبة قرناء السوء.
٧٢٣ - باب فضل الإحسان إلى البنات.
٧٢٤ - باب فضل من يموت له ولد، فيحتسبه.
٧٢٥ - باب إذا أحب الله عبدًا أمر جبريل،
فأحبه، وأحبه أهل السماء ثم يوضع له
القبول فى الأرض.
٧٢٦- باب الأرواح جنود مجندة.
٧٢٧ - باب المرء مع من أحب.
٧٢٨ - باب إذا أثنى على الصالح فهى بشرى
ولا تضره.
٦
(٦٨٩) باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها
٥٦٧١- ١٢٦ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ لَ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْغَلْقَ. حَنِّى
إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِدِ مِنَ الْقَطِيعَةِ. قَالَ: نَعَمْ. أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ
أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: فَذَاكِ لَكِ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴾:
«اقْرَءُوا إِنْ هِنْتُمْ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطَّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ
الَّذِينَ لَعَنَّهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ أَفَلا يَتَدَّبِرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ
أَقْقَالُهَا﴾»[محمد/٢٢-٢٤].
٥٦٧٢ - ١٣ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٧) قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴾: «الرَّحِمُ مُعَلّقَةٌ
بِالْعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَيِي وَصَلّةُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ».
٥٦٧٣ - ثُ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ(١٨)، عَنْ أَبِيهِ ﴾، عَنِ النِّيِّ: ﴿ قَالَ: «لا يُدْخُلُ
الْجَنَّ قَاطِعٌ» قَالَ ابْنُ أَبِي عُمّرَ: قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي قَاطِعَ رَحِمٍ.
٥٦٧٤- ١٤ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنٍ مُطْعِمٍ(١٩)، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَةُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: «لا
يَدْخُلُ الْجَنّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ» حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ عَنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَن مَعْمَرٍ،
عَنِ الرُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ، وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِع ◌َ.
٥٦٧٥- ٣٠ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(٢٠) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ:﴿ يَقُولُ: «مَنْ سَرَّةُ أَنْ
يَبْسَطَّ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، أَوْ يُنْسَأَ فِي أَقْرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».
٥٦٧٦- ٢١ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(٢١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ : ﴿ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَّ لَهُ
فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأْ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».
(١٦) حَدَّنَا قُتَنْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ جَمِيلٍ بْنٍ طَرِيفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّقَفِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِبَادٍ فَالا حَدَّقَا حَالِمٌ وَهُوَ ابْنُ إِسْمَعِيلَ عَنِ
مُعَاوِيَّةً وَهُوَ ابْنُ أَبِي مُزَرَّدٍ مَوِّلَى بَبِيِّ هَاهِيمٍ حَدَّثَِّي عَمِّي أَبُو الْحُبَابِ سَعِيدُ بْنُ يَسَارِ عَنْ أَبِي هُرِّيْرَةً
(١٧) حَذََّا أَبُو بَكْرِ بَّنَّ أَبِي شَيَةً وَزُهَيْرُ بْنُ خُّرْبٍ وَاللَّفْظُ لْأَبِي بَكْرٍ قَالا حَدَّقْنَا وَكِيعٌ عَنْ مُقَّاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ عَن تَزِيدُ بْنِ
رُومَانَ عَنِ عُرْوَّةَ عَنَ عَائِشَةً
(١٨) حَدََّتِي زُقَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِي عُمَّرَ قَالإِ حَدَّقْنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ جُنْرِ
(١٩) حَدِِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنٍ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ حَدَّقَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَّالِكِ عَنِ الزُّهْرِيُّ أَنْ فَّحَمَّدَ بْنَ جَيْرِ بْنٍ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ
أَبَاهُ أَغْبَرَهُ
(٢٠) حَدَّثَِّي خَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى النَّجِيُّ أَغْبُرَنَا ابْنُ وَهْبِ أَخْهُرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
(٢١) وِحَدَّقَتِيٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شَغَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ حَدْثِي أَبِي عَنِ جَّدِّيّ حَدََّبِي عُقَيْلُ مَنُ خَالِدٍ قَالَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ
أَخْبَرَنِي أَنَّسُ بْنُ مَالِكٍ
٧
٥٦٧٧ - ٣٢ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٢٢)، أَنْ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي قَرَابَةٌ، أَصِلُهُمْ
وَيَقْطَعُونِي. وَأَحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيْثُون. إِلَيَّ وَأَخْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ. فَقَالَ: «لَعِنْ كُنْتَ
كَمَّا قُلْتَ، فَكَأَنْمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ. وَلا يَزَالُ مَعَكَ مِنَّ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ، مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ».
المعنى العام
الإسلام دين المودة والمحبة، ودين الألفة والاجتماع، ودين التكافل والترابط بين البشر، فكلهم
لآدم، وكلهم من ذكر وأنثى، آدم وحواء، وإذا كان المجتمع الإنسانى يشبه البنيان، كان التماسك بين
لبناته أساس قوته وصلابته، وزيادة نفعه، وطول بقائه، وكما يبدأ البنيان بلبنتين، ثم ثلاثا، ثم أربعا،
إلى أن يكتمل ويعظم يبدأ تماسك المجتمع البشرى بالأبوين وأبنائهما، فكان الأمر ببر الوالدين، تلاه
الأمر بصلة الرحم، ثم الأمر بالإحسان إلى الجار، ثم الإحسان إلى المسلم، ثم الإحسان إلى غير المسلم،
بل الإحسان إلى البهائم.
إن الإسلام لا يستهدف مجتمعا متقاتلا متباغضا، بل لا يستهدف مجتمعا مسالما متباعدا، بل
يستهدف مجتمعا، متكافلا، متواصلا، متحابا، متفاعلا، كمثل اليدين، تغسل إحداهما الأخرى، وتعين
إحداهما الأخرى، وكمثل البنيان، يشد بعضه بعضا، وكالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له
سائر الجسد بالسهر والحمى.
وأحاديثنا فى الحلقة الثانية صلة الأقارب وذوى الأرحام، والإسلام يعتمد فى أوامره على
الترغيب والترهيب، وللطاعات آثار محبوبة، وللمعاصى آثار مبغوضة، والتبصير بالمنافع والأضرار فى
العواقب مهمة الناصح الأمين. فقطيعة الرحم تنذر بقطع الله تعالى خيره عن القاطع، وصلة الرحم
تعد بصلة فضل اللَّه تعالى للواصل، من قطعها قطعه اللَّه، ومن وصلها وصله اللَّه، ومن أحب أن يطيل
الله فى عمره، وأن يزيد فى رزقه، فليصل رحمه.
المباحث العربية
( إن اللَّه خلق الخلق، حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت) أى لما قضاهم وأتمهم
قامت الرحم، والرحم بفتح الراء وكسر الحاء فى الأصل رحم المرأة، وهو بيت منبت ولدها ووعائها ثم
استعير للقرابة، لكونهم خارجين من رحم واحدة، ويقال للأقارب: ذو رحم كما يقال لهم: أرحام، وذو
الأرحام عند الفقهاء وفى الميراث هم الأقارب من جهة النساء، الذين لا سهم لهم ولا عصبة، كأولاد
الأخوات، ولا يدخل فيهم الآباء والأبناء والإخوة والمراد هنا جميع الأقارب، ويدخل فيهم الآباء والأبناء
ولا يخرج عنهم إلا الأجانب، والرحم التى توصل وتقطع وتبر إنما هى معنى من المعانى، ليست
(٢٢) حَدَّتِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُقْنِى وَمُحَمَّدُ بْنَّ بَشَارٍ وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنِى فَالا حَذْقَا مُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرٍ حَدَّقْنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ الْعَلَاءَ
ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٌ
٨
بجسم، وإنما هى قرابة ونسب، تجمعه رحم والدة، ويتصل بعضه ببعض، فسمى ذلك الاتصال رحما،
قال القاضى عياض: وهذا المعنى لا يتأتى منه القيام، ولا الكلام، فيكون ذكر قيامها، وتعلقها بالعرش
(الوارد فى الرواية الثانية) ضرب مثل، وحسن استعارة، على عادة العرب فى استعمال ذلك، والمراد
تعظيم شأنها، وفضيلة واصليها، وعظيم إثم قاطعيها بعقوقهم، لهذا سمى العقوق قطعا، والعق الشق،
كأنه قطع ذلك السبب المتصل. اهـ وعبر ابن أبى جمرة عن هذا المعنى، بقوله: يحتمل أن يكون
بلسان الحال.
قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون على الحقيقة، والأعراض يجوز أن تتجسد، وتتكلم بإذن
الله تعالى. قال ابن أبى جمرة: وهل تتكلم كما هى؟ أو يخلق الله لها عند كلامها حياة وعقلا؟ قولان
مشهوران، والأول أرجح، لصلاحية القدرة العامة لذلك، ولما فى الأولين من تخصيص عموم لفظ
القرآن والحديث بغير دليل، ولما يلزم منه من حصر قدرة القادر، التى لا يحصرها شيء.
قال القاضى عياض: ويجوز أن يكون الذى نسب إليه القول ملكا، يتكلم على لسان الرحم. اهـ
وقال ابن أبى جمرة: يحتمل أن يكون المراد بالخلق جميع المخلوقات، ويحتمل أن يكون المراد
به المكلفين، وهذا القول الذى تقوله الرحم يحتمل أن يكون بعد خلق السموات والأرض، وإبرازها فى
الوجود، ويحتمل أن يكون بعد خلقها، كتبا فى اللوح المحفوظ، ولم يبرز بعد إلا اللوح والقلم، ويحتمل
أن يكون بعد انتهاء خلق أرواح بنى آدم، عند قوله ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾؟ [الأعراف: ١٧٢] لما أخرجهم من
صلب آدم عليه السلام مثل الذر اهـ
فى الرواية الثانية ((الرحم معلقة بالعرش)) وعند البخارى ((قامت الرحم، فأخذت بحقو الرحمن،
فقال له: مه)) وفى رواية ((بحقوى الرحمن)) بالتثنية، والحقو معقد الإزار، وهو الموضع الذى يستجار
به، ويحتزم به، على عادة العرب، فاستغير ذلك مجازا، للرحم فى استعادتها بالله من القطعية، وقد
يطلق الحقو على الإزار نفسه، وهو أقرب للمراد هنا، وهو الذى جرت العادة بالتمسك به عند الإلحاح
فى الاستجارة والطلب، والمعنى على هذا صحيح، مع اعتقاد تنزيه الله تعالى عن الجارحة، قال
الطيبى: هذا القول مبنى على الاستعارة التمثيلية، كأنه شبه حالة الرحم، وما هى عليه من الافتقار
إلى الصلة والذب عنها، بحال مستجير يأخذ بحقو المستجار به، ثم أسند على سبيل الاستعارة
التخييلية ما هو لازم للمشبه به من القيام، ثم رشحت الاستعارة بالقول والأخذ ويلفظ الحقو، فهو
استعارة أخرى، والتثنية فيه للتأكيد، لأن الأخذ باليدين آكد فى الاستجارة من الأخذ بيد واحدة.
وقوله فى رواية البخارى ((مه)) أى اكفف، وهو اسم فعل للزجر، وقال ابن مالك: هى هنا ((ما))
الاستفهامية، حذفت ألفها، ووقف عليها بهاء السكت. أى ماذا تريدين؟.
( هذا مقام العائذ من القطعية ) أى المستعيد، وهو المعتصم بالشيء، الملتجئ
إليه، المستجير به، والإشارة إلى المقام، أى قيامى فى هذا الوقت، وفى هذا المكان، وبهذه
الصفة قيام العائذ بك من القطيعة. تطلب من ربها حمايتها من القطيعة، والقطيعة هى
الإساءة، وقيل: هى عدم الإحسان.
٩
(قال: نعم. أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال:
فذاك لك) ((نعم)) أى أجرتك. والوصل من اللَّه كناية عن عظيم إحسانه، وهو خطاب للناس بما
يفهمون، لأن أعظم ما يعطيه، المحبوب لمحبه الوصال، وهو القرب منه، وإسعافه بما يريد،
ومساعدته على ما يرضيه، ولما كانت حقيقة ذلك مستحيلة على الله، عرف أن ذلك كناية عن عظيم
إحسانه لعبده. قاله ابن أبى جمرة. قال: وكذا القول فى القطع، هو كناية عن حرمان الإحسان، قال
القرطبى: ومقصود هذا الكلام الإخبار بتأكيد أمر صلة الرحم، وأنه تعالى أنزلها منزلة من استجاره،
فأجاره، فأدخله فى حمايته، وإذا كان كذلك فجار اللَّه غير مخذول. اهـ
(ثم قال رسول الله : اقرءوا - إن شئتم - ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى
الأرض وتقطعوا أرحامكم. أولئك الذين لعنهم اللَّه، فأصمهم، وأعمى أبصارهم. أفلا
يتدبرون القرآن؟ أم على قلوب أقفالها﴾ ) والمعنى: فهل يتوقع منكم، يامن فى قلوبكم مرض،
إن توليتم أمور الناس، أن تفسدوا فى الأرض بالظلم وسفك الدماء، وتقطعوا أرحامكم، من يفعل ذلك
منكم لعنه الله، فأصمه عن سماع الحق، وأعمى أبصارهم عن مشاهدة الحقيقة، فالآية الكريمة تحذر
من قطيعة الرحم، وتوصى بصلتها.
( لا يدخل الجنة قاطع ) أى قاطع رحم، وأهل السنة على أن الكبيرة لاتمنع من دخول الجنة،
ولا تخلد فى النار، وقد سبق فى كتاب الإيمان تأويلهم لمثل هذا بأنه محمول على المستحل بلا سبب
ولا شبهة، مع علمه بالتحريم، أو محمول على أنه لا يدخلها أول الأمر، مع السابقين، بل بعد أن يعاقب
على ما ارتكب.
( من سره أن يبسط عليه رزقه ) وفى الرواية السادسة ((من أحب أن يبسط له فى رزقه))
وبسط الرزق توسيعه وكثرته.
( أوينسأ له فى أثره ) بضم الياء وسكون النون، أى يؤخر، والمراد من الأثر الأجل أى نهايته
وهو الموت. وسمى الأجل أثرًا لأنه يتبع العمر، وأصله من أثر مشيه على الأرض، فإن من مات لا يبقى
له حركة، فلا يبقى لقدمه فى الأرض أثر، و((أو)) هنا بمعنى الواو، تمنع الخلو، وتجيز الجمع، وفى
الرواية السادسة وروايات البخارى بالواو.
( فليصل رحمه ) أى فليحسن إلى أقاربه.
( لى قرابة، أصلهم ويقطعونى، وأحسن إليهم، ويسيئون إلى، وأحلم عنهم، ويجهلون
على؟ ) أى فماذا أفعل معهم؟ أأستمر على ما أنا عليه؟ أم أعاملهم بمثل ما يعاملونى به؟.
.(لئن كنت كما قلت: فكأنما تسفهم المل ) أى كأنما - بفعلك هذا - تطعمهم الرماد
الحار، وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم، ولا شيء على هذا
١٠
المحسن، بل ينالهم الإثم العظيم فى قطيعته، وإدخالهم الأذى عليه، وقيل: معناه: إنك بالإحسان إليهم
تخزيهم وتحقرهم فى أنفسهم، لكثرة إحسانك، وقبيح فعلهم، كمن يسف المل، وقيل: ذلك الذى
يأكلونه من إحسانك، كالمل، يحرق أحشاءهم.
وقوله ((أحلم)) بضم اللام، ومعنى ((يجهلون على)) أى يسيئون، والجهل هنا القبيح من القول،
و((تسفهم)) بضم التاء وكسر السين وتشديد الفاء، و((المل)) بفتح الميم وتشديد اللام الرماد الحار.
( ولا يزال معك من اللَّه ظهير عليهم ما دمت على ذلك) الظهير المعين والمدافع، أى
وستظل منتصرا عليهم بعون اللَّه، لا يضرك أذاهم، وينفعك إحسانك إليهم.
فقه الحديث
ذكر البخارى تحت باب فضل صلة الرحم - زيادة على ماهنا - حديث الرجل الذى سأل رسول
اللَّهِ:﴿، فقال: يارسول اللَّه أخبرنى بعمل، يدخلني الجنة، فقال النبي {ُ﴾:((تعبد اللَّه، لا تشرك به
شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصل الرحم)) وقد سبق فى كتاب الإيمان.
كما ذكر حديث ((ليس الواصل بالمكافئ)» أى الذى يعطى لغيره نظير ما أعطاه ذلك الغير له ليس
هو الواصل لأن الغير فى هذه الحالة هو الذى وصل، وعن عمر موقوفاً ((ليس الوصل أن تصل من وصلك،
ذلك القصاص، ولكن الوصل أن تصل من قطعك)). و((ولكن الواصل الذى إذا قطعت رحمه وصلها)) أى
ليست حقيقة الواصل، ومن يعتد بصلته، هو من يكافئ صاحبه، بمثل فعله، ولكنه من يتفضل على
صاحبه، قال الترمذى: المراد بالواصل فى هذا الحديث الكامل، فإن فى المكافأة نوع صلة، وهو من
قبيل ((ليس الشديد بالصرعة)» و«ليس الغنى عن كثرة العرض».
قال الحافظ ابن حجر: لا يلزم من نفى الوصل ثبوت القطع، فهم ثلاث درجات، مواصل، مكافئ،
وقاطع، فالواصل من يتفضل، ولا يتفضل عليه، والمكافئ الذى لا يزيد فى الإعطاء على ما يأخذ
والقاطع الذى يتفضل عليه ولا يتفضل وكما تقع المكافأة بالصلة من الجانبين، كذلك تقع المقاطعة.
من الجانبين، فمن بدأ حينئذ فهو الواصل، فإن جوزى سمى من جازاه مكافئا. اهـ.
وحكى القرطبى فى تفسيره اتفاق الأمة على حرمة قطع الرحم، ووجوب صلتها، ولا ينبغى التوقف
فى كون القطع كبيرة، حيث توقف الرافعى.
واختلف فى المراد بالقطيعة، فقال أبو زرعة: ينبغى أن تختص بالإساءة، وقال غيره: هى ترك
الإحسان، ولو بدون إساءة، لأن الأحاديث آمرة بالصلة، ناهية عن القطيعة، ولا واسطة بينهما والصلة
إيصال نوع من الإحسان - كما فسرها بذلك غير واحد - فالقطيعة ضدها، فهى ترك الإحسان.
وقال القاضى عياض: الصلة درجات، بعضها أرفع من بعض، وأدناها ترك المهاجرة،
وصلتها بالكلام، ولو بالسلام، ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة، فمنها واجب، ومنها
١١
مستحب، ولو وصل بعض الصلة، ولم يصل غايتها، لا يسمى قاطعا، ولو قصر عما يقدر عليه،
وعما ینبغی له، لا یسمی واصلا.
هذا. والرواية الخامسة والسادسة تفيدان أن صلة الرحم تزيد الرزق، وتطيل العمر، وظاهرهما
يتعارض مع قوله تعالى ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجْلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] والجمع
بینهما من وجوه:
أحدها. أن هذه الزيادة كناية عن البركة فى العمر، بسبب التوفيق إلى الطاعة، وعمارة وقته بما
ينفعه فى الآخرة، وصيانته عن تضييعه فى غير ذلك.
ومن المعلوم أن الزمن ظرف لما يقع فيه من الأعمال، فمن الناس من يعمل عملا فى
يوم ويعمله آخر فى أسبوع، فاليوم عند هذا فى قيمته وبركته، يساوى أسبوعاً عند ذاك،
سواء فى ذلك أعمال الدنيا، أو ما يعمها وأعمال الآخرة، فصلة الرحم تزيد العمر، زيادة
معنوية، أو بعبارة أخرى يكون الكلام على تقدير مضاف، أى تزيد أعمال العمر، وهذا الرأى
واضح ومحسوس، وهو أحرى الآراء بالقبول.
الوجه الثانى: أن الزيادة زمنية، لكنها ليست للشخص نفسه، ولكنها لما يتبع حياته بعد موته
مما ينفعه، كالصدقة الجارية، والعلم الذى ينتفع به، والولد الصالح يدعوله، فهذا الذى ينفعه بعد موته
فى حكم امتداده لعمره.
وبهذين الوجهين، يمكن أن نفسر حديث تقاصر أعمار أمته صلى الله عليه وسلم، بالنسبة لأعمار
من مضى من الأمم، إذ أعطى اللَّه تعالى أمته ليلة القدر، وليالى رمضان، والجمعة، والعبادة فى
المسجد الحرام والمسجد النبوى، وبيت المقدس، ومضاعفة الحسنات، وغير ذلك.
الوجه الثالث: أن الزيادة على حقيقتها، زمنية، وأن الستين سنة تتبدل، إلى سبعين مثلا، بسبب
صلة الرحم، لكن ذلك بالنسبة إلى علم الملك الموكل بالعمل، والآية بالنسبة إلى ما هو فى علم الله
تعالى كأن يقال للملك مثلا: إن عمر فلان ستون سنة مثلا، إن لم يصل رحمه، فإن وصلها كان عمره
سبعين سنة، وقد سبق فى علم اللَّه أنه يصل رحمه، وأن عمره سبعون سنة، فالذى فى علم اللَّه لا
يتقدم، ولا يتأخر، والذى فى علم الملك هو الذى حصلت فيه الزيادة، المبنية على صلة الرحم، وإليه
الإشارة بقوله تعالى ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] فالمحو والإثبات
بالنسبة لما فى علم الملك، وما فى أم الكتاب هو الذى فى علم الله تعالى، ولا محو فيه، ويقال له:
القضاء المبرم، ويقال للأول: القضاء المعلق.
واختار الحافظ ابن حجر وآخرون الوجه الثانى، مسترشدين بقول الخليل إبراهيم عليه السلام
﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] وبما أخرجه الطبرانى فى الصغير، بسند ضعيف
عن أبى الدرداء ه قالَ: «ذكر عنّد رسول اللَّه من وصل رحمه أنسئ له فى أجله، فقال: إنه ليس
زيادة فى عمره، قال الله تعالى ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجْلُهُمْ﴾ الآية، ولكن الرجل، تكون له الذرية الصالحة، يدعون
له من بعده ».
١٢
والطبرانى فى الكبير ((إن الله لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها، وإنما زيادة العمر ذرية صالحة)».
والأمر نفسه بالوجوه الثلاثة، فى تعارض زيادة الرزق، مع كتابة رزقه، وهو فى بطن أمه.
واللَّه أعلم.
وفى الأحاديث فضل صلة الرحم، والحث الشديد عليها وحرمة قطيعتها، والتحذير من قطعها،
والوعيد الشديد بقطع اللَّه لقاطعها، والوعد بزيادة الرزق وطول العمر لواصلها، وعون اللّه تعالى
وتوفيقه لمن يتحمل الأذى فى سبيل وصلها.
واللَّه أعلم
١٣
(٦٩٠) باب تحريم التحاسد والتباغض والتدابر، والظن والتحسس
والتجسس، والتنافس والتناجش، والهجر فوق ثلاثة أيام
٥٦٧٨- ٣٣ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(٢٣)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: «لا تَّبَـاغَضُوا
وَلا تَحَاسَدُوا وَلا تَدَابَرُوا. وَكُونُوا، عِبّادَ اللَّهِ ! إِخْوَانًا. وَلا يَجِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ
أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ».
٥٦٧٩ - - وَفِي روايةٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادٍ. وَزَادَ ابْنُ عُنَيْنَةَ: «وَلا تَقَاطَّعُوا».
٥٦٨٠ - - وَفِي رواية عَنِ الزُّهْرِيِّ، يَذْكُرُ الْخِصَالَ الأَرْبَعَةَ جَمِيعًا. وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ:
«وَلا تَحَاسَدُوا وَلا تَقَاطَعُوا وَلا تَدَابَرُوا».
٥٦٨١ - ثُِّّ عَنْ أَنْسِ ضِ(٢٤)؛ أَنَّ النَّبِيِّ:﴿ قَالَ: «لا تَحَاسَدُوا وَلا تَّبَاغَضُوا وَلا تَقَاطَعُوا.
وَكُونُوا، عِبَادَ اللَّهِ ! إِخْوَانًا».
٥٦٨٢ - - وَفِي روايةٍ عَنْ شُعْبَةَ؛ بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ وَزَادَ: «كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ».
٥٦٨٣ - حُّ عَنْ أَبِي أَيُوبَ الأَنْصَارِيِّ﴾(٢٥)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلِ﴿ قَالَ: «لا
يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَّيَالٍ. يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا.
وَخَيْرُهُمّا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ».
٥٦٨٤ - - وَفِي رواية عَنِ الزُّهْرِيّ(٣)، بِإِسْنَادٍ مَالِكٍ، وَمِثْلٍ حَدِيثِهِ، إِلا قَوْلَهُ: «فَيُعْرِضُ هَذَا
وَيُعْرِضُ هَذَا)» فَإِنَّهُمْ جَمِيعًا، قَالُوا فِي حَدِيثِهِمْ، غَيْرَ مَالِكٍ: «فَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا».
(٢٣) حَدَّثَتِي يَحْتِى بْنُ يَحْبِى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
- حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا مُحَمِّدُ بْنُ الْوَّلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ ﴾ قَالَ حِ وَحَدََّيِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَبِي يُونُسُ عَنِ أَبْنٍ شَيْهَابٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النّبِيّ ◌ِ *
بيفل حديثٍ مَالِكٍ
- خَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ
- حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ حَدَّقَا يَزِيدُ يَّغْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ حٍ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَّافِعٍ وَعَبْدٌ بْنُ خَمَيْدٍ كِلاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ جَمِيعًا عَنْ
مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسَِّادِ أَمَّا رِوَايَةُ يَزِيدٌ عَنْهُ فَكَرِوَايَةٍ سُفْيَانٍ عَنِ الزُّهْرِيّ
(٢٤) وحَّدْقَاً مُحَمَّدٌّ بْنَّ الْمُثَنِّيِّ حَدَّثَنَا أَبُوَّ دَاوُدَ حَدَّقَنَا شُعْبَةً عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ
- حَذْقَيِهِ عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ الْجَهْضَمِيُّ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّقْنَا شُعْبَةُ
(٢٥) حَدَّثَنَا يَخْتِى بْنُ يَحْتِىَّ قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنِ ابْنِ شَيْهَّابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْئِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ
(-) حَدَّثَّا قَتْيَةُ بْنَ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْيَةً وَزُهَيَّرُ بِنَّ حَرْبٍ قَالُوا حَدَّقَا سُفْيَّاكُ حِ وَ حَدَّقَيِيَ حَرْمَلَةُ بْنُ يَخََّى أُخْبَرَنَا ابْنُ
وَهْبٍ أَخْبَرَبِي يُونُسُ ح وحَدَّثَنَا حَاَجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ حِ وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
الْحَنْظُّلِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ خُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ كُلَّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ
١٤
٥٦٨٥- ٦ْجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٣٦)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِعِ﴿ قَالَ: «لا يَجِلُّ
لِلْمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثَةٍ أَيَّامٍ».
٥٦٨٦- ٣٧ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٢٧)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: «لا هِجْرَةً بَعْدَ ثَلاثٍ»
٥٦٨٧- ٣١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(٢٨)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ:﴿ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ. فَإِنَّ الظَّنَّ
أَكْذَّبُ الْحَدِيثِ. وَلا تَحَسَّسُوا، وَلا تَجَسَّسُوا، وَلا تَنَافَسُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَبَاغَضُوا،
وَلا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ ! إِخْوَانًا».
٥٦٨٨-٩ ٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٢٩)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: «لا تَهَجَّرُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا
تَحَسَّسُوا، وَلا تَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ. وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ ! إِخْوَانًا».
٥٦٨٩- ٣٠° عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٌ عَ﴾(٣٠)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿: «لا تَحَاسَدُوا، وَلا
تَبَاغَضُوا، وَلا تَجَسَّسُوا، وَلا تَحَسَّسُوا، وَلا تَنَاجَشُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ ! إِخْوَانًا».
٥٦٩٠ - - وَفِي رواية عَنِ الأَعْمَشِ؛ بِهَذَا الإِسْنَادِ: «لا تَقَاطَعُوا، وَلا تَدَابِرُوا، وَلا
تَبَّاغَضُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا إِخْوَانًا كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ».
٥٦٩١- ٢١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(٣١)؛ عَنِ الْبِيِّ ◌ِ﴿ قَالَ: «لا تَبَاغَضُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا
تَنَفَسُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ ! إِخْوَانًا».
المعنى العام
من كمال إسلام المسلم سلامة المسلمين من لسانه ويده، ومن الدوافع الداخلية
المحركة للسان واليد، كالحقد والحسد والبغضاء والظن السيئ، وتلك ميادين الشيطان الذى
يجرى من ابن آدم مجرى الدم، والقرآن الكريم يقول ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّ﴾
[فاطر: ٦] وحاربوه كما يحاربكم، وقاوموه كما يغرربكم، والقرآن الكريم يقول ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ
(٢٦) حَذََّا مُحَمَّدُ بْنُ رَائِعٍ حَدَّثََّا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي قُدَيْكٍ أَخْبُرَنَا الضَّحَّاكُ وَهُوَّ ابْنُ عُثْمَانَ عَنْ نَالِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
(٢٧) حَدَّثَنَا قُتَنِيَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّقْنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَغَنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٢٨) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَخْتَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَّىَ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزَّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٢٩) حَدََّا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ مَّحْمَّدٍ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهٍ غَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٣٠) حَدََّا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَلَا جَرِيَرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِيَّ صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
- حَدَّثَاَ الْحَسَنُ بْنَ عَلِيِّ الْخُلْوَانِيُّ وَّعَلِيُّ أَبْنُ نَصْرِ الْجَهْضَِّيُّ قَالأَ حَذَّقْنَاَ وَهْبُ بْنُ جْرِيرٍ حَدَّثْنَا شِعْبَةُ عَنِ الْأَعْمَشِ
(٣١) و حَدَّثِّي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ حَدَّثَنَا حَبَّاهُ خَّدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنَّ أَبِي هُرَيْرَةَ
١٥
الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ
الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾؟ [المائدة: ٩١].
إنه يدخل الهواجس فى النفوس، فتظن بالآخرين شراً، فنهى الحديث عن الظن، فقال: ((إياكم
والظن فإن الظن أكذب الحديث)) لأنه مبنى على غير الواقع، فهو كذب، يستهين به صاحبه، فيكون
أكثر وقوعا، وأكثر شرا، ثم إن الشيطان ينتقل بالظن إلى محاولة التأكد من المظنون، فيدفع إلى
التجسس والتحسس، فنهى الحديث عن التجسس والتحسس، أى من لم يتغلب على الشيطان من
أول درجة، فليتغلب عليه عند الدرجة الثانية ((ولا تحسسوا، ولا تجسسوا)) ثم ينتقل الشيطان
بالمتحسس والمتجسس إلى البغضاء والمقت والكراهية، فنهى الحديث عن البغضاء والحقد والحسد،
فمن لم يتغلب على الشيطان فى النزعة الثانية فليتغلب عليه عند الدرجة الثالثة («لا تباغضوا ولا
تحاسدوا))، فإن انتقل الشيطان بالمتباغضين إلى التقاطع والتدابر والهجر، قيل لهم ((لاتدابروا، ولا
يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام».
هكذا يدخل الشيطان ليفسد دين المسلم، وهكذا يجب محاربته، ليبقى المسلم مسلما كاملا،
ولتبقى الأخوة بينه وبين بنى جنسه، ليكون الجميع عباد الله إخوانا.
المباحث العربية
( لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا ) بحذف التاء فى الثلاثة، وأصله: تتباغضوا،
تتحاسدوا، تتدابروا، والبغض المقت والكراهية، يقال: بغض الشيء، بفتح الغين، يبغضه بضمها،
بغضا بضم الباء وسكون الغين، فهو متعد، كأبغض، وفى اللازم بغض الشيء بكسر الغين، يبغض
بفتحها، بغضا بضم الباء، وسكون الغين، وبغض يبغض بضم الغين، فهو بغيض ومبغوض.
ولما كانت البغضاء من عمل القلوب، لاسلطان للإنسان عليها، توجه النهى إلى تعاطى أسبابها،
وإلى ما يترتب على وقوعها من أفعال مكتسبة.
و((الحسد)) تمنى زوال نعمة الغير، سواء أرادها لنفسه أم لم يردها لنفسه، والنهى متوجه إلى
الأسباب، وإلى ما يترتب عليه من البغى، والعمل على إزالتها قولا أو فعلا.
و((التدابر)» التولى والإعراض، وأصله إعطاء كل من المتقابلين ظهره ودبره نحو الآخر، والمفاعلة
فى هذه الثلاثة ليست مقصودة، وليست قاصرة على أن تكون من الجانبين، بل النهى موجه عن
الفعل، ولو من جانب واحد، لأنه إذا نهى عن الفعل بطريق المعاقبة والمماثلة، نهى عنه إذا كان
اعتداء ومن جانب واحد من باب أولى.
وقد كثرت الأقوال فى المراد من التدابر، وكلها كناية الأصل المذكور، فقال الخطابى: المراد: لا
تتهاجروا، فيهجر بعضكم بعضا. اهـ ويبعده الجمع بينهما فى روايتنا السابعة، ولفظها ((لا تهجروا ولا
١٦
تدابروا)». وقال ابن عبد البر: التدابر الإعراض وربطه بالتباغض، فقال: لأن من أبغض أعرض، ومن
أعرض ولى دبره، والمحب بالعكس. فكأن المعنى عنده: لا تستجيبوا للبغضاء بالتولى والإعراض.
وقيل: معناه: لا يستأثر أحدكم على الآخر، وقيل للمستأثر: مستدبر، لأنه يولى دبره حين يستأثر
بشيء دون الآخر.
وقال المازري: معنى التدابر المعاداة.
وحكى عياض أن معناه: لا تجادلوا، ولكن تعاونوا.
وربطه مالك بالإعراض عن السلام فقال: لا أحسب التدابر إلا الإعراض عن السلام.
والمعانى كلها متقاربة إلا أن بعضها أخص من بعض.
وفى الرواية الثانية التقاطع بدل التدابر، ولفظها ((لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تقاطعوا))
والتقاطع المهاجرة، وزاد فى السادسة الظن والتحسس والتجسس، والتنافس، وزادت الرواية الثامنة
التناجش، وزادت الرواية السابعة ((ولا يبع بعضكم على بيع بعض».
أما الظن فلفظ النهى عنه ((إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث)) وهو أسلوب تحذير، والمراد
من الظن المنهى عنه ظن السوء بالآخرين، والظن عند العلماء، إدراك الطرف الراجح، وهو درجة تلى
الخواطر النفسية وما يهجس فى النفس، وهى لا تملك، بل تعرض ولا تستقر، فإن استقرت، ورجح
ثبوتها على نفيها كانت ظنا، فالظن مرحلة من مراحل حديث النفس، وليس بعده إلا اليقين ثم
العزم، ثم النية ثم النزوع، وحمل الخطابى الظن فى الحديث على هذا أو على ما يستمر صاحبه عليه،
ويستقر فى قلبه، دون ما يعرض، ولا يستقر، لكنه قد سبق حديث تجاوز الله تعالى عما تحدث به
النفوس، ما لم تتكلم أو تنزع وتتحرك، لذا قال سفيان: الظن الذى يأثم به هو ما ظنه وتكلم به، فإن لم
يتكلم به لم يأثم.
وقال القرطبى: المراد بالظن هنا، التهمة التى لا سبب لها، كمن يتهم رجلا بالفاحشة، من غير أن
يظهر عليه ما يقتضيها، ولذلك عطف عليه قوله «ولا تجسسوا » وذلك أن الشخص يقع له خاطر التهمة،
فيريد أن يتحقق، فيتجسس، ويبحث ويستمع، فنهى عن ذلك.
وقال عياض: استدل به قوم على منع العمل فى الأحكام بالاجتهاد والرأى، فإن مبناها الظن،
وحمله المحققون على ظن فى الأحكام مجرد عن الدليل، ليس مبنيا على أصل، ولا تحقيق نظر. وقال
النووى: ليس المراد فى الحديث بالظن ما يتعلق بالاجتهاد الذى يتعلق بالأحكام أصلا، بل الاستدلال
به لذلك ضعيف أو باطل. وقال القرطبى فى المفهم: الظن الشرعى، الذى هو تغليب أحد الجانبين، أو
هو بمعنى اليقين، ليس مرادا هنا من الآية ولا من الحديث، فلا يلتفت لمن استدل بذلك على إنكار
الظن الشرعى.
وأما وصف الظن بكونه أكذب الحديث، مع أن تعمد الكذب الذى لا يستند إلى ظن أصلا أشد من
١٧
الأمر الذى يستند إلى الظن، فللإشارة إلى أن الظن المنهى عنه هو الذى لا يستند إلى شيء يجوز
الاعتماد عليه، فيعتمد عليه، ويجعل أصلا، ويجزم به، فيكون الجازم به كاذبا، وإنما صار أشد من
الكذب لأن الكذب فى أصله مستقبح، مستغنى عن ذمه، بخلاف هذا، فإن صاحبه يزعمه، مستندا إلى
شيء، فوصف بكونه أشد الكذب، مبالغة فى ذمه، والتنفير منه، وأن الاغترار به أكثر من الكذب،
لخفائه غالبا، ووضوح الكذب المحض.
كما استشكل هنا تسمية الظن حديثا، وأجيب بأنه من جنس حديث النفس، أو بأن المراد عدم
مطابقة الواقع، سواء كان قولا أو فعلا، ويحتمل أن يكون المراد ما ينشأ عن الظن، فوصف الظن به
مجازا.
وأما التجسس والتحسس: فالأولى بالجيم والثانية بالحاء، وفى كل منهما حذف التاء تخفيفا،
والتى بالجيم من الجس، وهو اختبار الشيء باليد، وهى إحدى الحواس، والتى بالحاء من الحاسة
بإحدى الحواس الخمس، قال تعالى حاكيا عن يعقوب ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِهِ﴾
[يوسف: ٨٧] فتكون التى بالحاء أعم، فإذا ذكرت أولا، والتى بالجيم ثانيا، كان من قبيل ذكر الخاص
بعد العام لمزيد عناية بالخاص، وإذا ذكرت التى بالجيم أولا، كان من قبيل ذكر العام بعد الخاص،
لإدخال أفراد لم تدخل، وقيل: هما متغايران: فبالجيم البحث عن عورات الناس، وبالحاء استماع
حديث القوم، وقيل: بالجيم البحث عن بواطن الأمور، وأكثر ما يقال فى الشر، وبالحاء البحث عما
يدرك بحاسة العين والأذن، وقيل: بالجيم تتبع الشخص لأجل غيره، وبالحاء تتبعه لنفسه، وقيل: هما.
بمعنى واحد، وذكر الثانى للتأكيد، كقولهم: بعدا وسحقا.
وأما التنافس والمنافسة: فمعناهما الرغبة فى الشيء، وفى الانفراد به، ونافسته منافسة، إذا
رغبت فيما رغب فيه، وقيل: معنى الحديث التبارى فى الرغبة فى أمور الدنيا وحظوظها.
وأما التناجش: فهو إثارة رغبة الغير فى السلعة، من غير رغبة فى شرائها، بل ليغر غيره فى
شرائها.
وأما النهى عن البيع على البيع: فقد سبق توضيحه وحكمه في البيوع.
(وكونوا عباد الله إخوانا) قوله ((عباد الله)) منادى بحذف حرف النداء، و((إخوانا)) خبر
كان، ويصح أن يكون ((عباد اللَّه)) خبر ((كان)) و((إخوانا)) خبر ثان أو حال، أى كونوا عبيدا للّه،
تأتمرون بأمره، وتنتهون عن نهيه، واكتسبوا ما تصيرون به إخوانا، أى كونوا كإخوان النسب، فى
الشفقة والرحمة والمحبة والمواساة والمعاونة والنصيحة، وهذه الجملة تشبه التعليل لما تقدم، كأنه
قال: إذا تركتم هذه المنهيات كنتم إخوانا، ومفهومه: إذا لم تتركوها كنتم أعداء.
وزاد فى ملحق الرواية الثانية ((كما أمركم الله)) أى كما أمركم الله بهذه الأوامر المتقدم
ذكرها، فإنها جامعة لمعانى الأخوة، ونسبتها إلى الله، والأمر الرسول ، لأن الرسول ل
مبلغ عن الله، ويحتمل أن يكون المراد بقوله ((كما أمركم الله)) الإشارة إلى قوله تعالى
١٨
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] فقد أخبر اللَّه تعالى عن الحالة التى شرعت
للمؤمنين، فهو بمعنى الأمر.
( ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) فى الرواية الثالثة ((لايحل لمسلم أن يهجر
أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذى يبدأ بالسلام)) وفى ملحقها
((فيصد هذا، ويصد هذا)) وفى الرواية الرابعة ((لا يحل للمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام)) وفى
الرواية الخامسة ((لا هجرة بعد ثلاث)) أى لا تحل هجرة بعد ثلاث.
والهجرة هنا - بكسر الهاء وسكون الجيم - ترك الشخص مكالمة الآخر إذا تلاقيا، وهى فى الأصل
الترك، فعلا كان أو قولا.
قال النووى: قال العلماء: تحرم الهجرة بين المسلمين أكثر من ثلاث ليال بالنص، وتباح فى
الثلاث، بالمفهوم، وإنما عفى عنه فى ذلك، لأن الآدمى مجبول على الغضب، فسومح بذلك القدر،
ليرجع، ويزول ذلك العارض، اهـ وفى تحديد الثلاث قال أبو العباس القرطبى: المعتبر ثلاث ليال،
حتى لوبدأ بالهجر فى أثناء النهار ألغى جزء النهار، وتعتبر الليلة التى بعد النهار هى البداية،
وينقضى العفو بانقضاء الليلة الثالثة. فاعتبر القرطبى الليالى، من غير اعتبار للنهار، أخذاً من روايات
((ثلاث ليال)). قال الحافظ ابن حجر: وفى الجزم باعتبار الليالى، دون الأيام جمود، (ففى روايتنا
الرابعة) وفى رواية للبخارى ((ثلاثة أيام)) فالمعتمد أن المرخص فيه ثلاثة أيام بلياليها، فحيث
أطلقت الليالى، أريد بأيامها، وحيث أطلقت الأيام، أريد بلياليها، ويكون الاعتبار مضى ثلاثة أيام
بلياليها ملفقة، إذا ابتدئت مثلا من الظهر يوم السبت، كان آخرها ظهر يوم الثلاثاء، ويحتمل أن
يلغى الكسر، ويكون أول العد من ابتداء اليوم أو الليلة، والأول أحوط. أهـ
وهل هذا خاص بالأخ المسلم؟ وهل السلام يكفى لإزالة الهجر؟ خلاف يأتى فى فقه الحديث.
فقه الحديث
يؤخذ من الأحاديث .
١- الحث على المودة والتعاطف والشفقة بين المسلمين.
٢- النهى عن أسباب التباغض والتحاسد والتدابر، وعما يترتب عليها من الأمور المكتسبة.
٣- النهى عن كل ما يورث البغضاء بين المسلمين من النجش والبيع على البيع والتنافس والظن
السيئ والتحسس والتجسس، وأدخل بعض العلماء فى ذلك الأهواء المضلة الموجبة للتباغض.
قال الحافظ ابن حجر: والمذموم من التباغض ما كان فى غير اللَّه تعالى، فإنه واجب فيه، ويثاب
فاعله، لتعظيم حق اللَّه تعالى.
١٩
٤- استثنى الجمهور من التجسس ما لو تعين طريقا إلى إنقاذ نفس من الهلاك مثلا، كأن يخبره ثقة
بأن فلانا خلا بشخص، ليقتله ظلما، أو بامرأة ليزنى بها، فيشرع فى هذه الحالة التجسس
والبحث عن ذلك، حذرا من فوات استدراكه، وقال بعضهم: ليس للمحتسب أن يبحث عما لم
يظهر من المحرمات، ولو غلب على الظن استمرار أهلها بها، إلا فى مثل الصورة السابقة.
٥- قال العلماء: إن الحسد الذى فى الطبع، والظن الذى يطرأ معفو عنه، عملا بما أخرجه عبد الرزاق
((ثلاث لا يسلم منها أحد، الطيرة والظن والحسد، قيل: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: إذا
تطيرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ)). وعن الحسن البصرى: مامن
آدمى إلا وفيه الحسد، فمن لم يجاوز ذلك إلى البغى والظلم، لم يتبعه منه شيء.
٦- بوب البخارى بباب ما يجوز من الظن، ووضع تحته قوله صلى الله عليه وسلم: ((يا عائشة، ما
أظن فلانا وفلانا يعرفان ديننا الذى نحن عليه)». فمثل هذا الذى وقع ليس من الظن المنهى عنه،
لأنه فى مقام التحذير من مثل هذا، والنهى إنما هو عن ظن السوء بالمسلم السالم فى دينه
وعرضه، وقد قال ابن عمر: ((إنا كنا إذا فقدنا الرجل فى عشاء الآخرة، أسأنا به الظن)). قال
الحافظ ابن حجر: ومعناه أنه لا يغيب إلا لأمر سيئ، إما فى بدنه، وإما فى دينه.
٧- ومن أحاديث الهجر استدل بها النووى على إباحة الهجر فى الثلاثة، وقيل: إن الحديث لا يقتضى
إباحة الهجر فى الثلاثة، وهذا على مذهب من يقول: لا يحتج بالمفهوم، ودليل الخطاب.
٨- فى قوله صلى الله عليه وسلم فى الرواية الثالثة ((وخيرهما الذى يبدأ بالسلام)) دليل الشافعى
ومالك ومن وافقهما أن السلام يقطع الهجرة، ويرفع الإثم فيها، ويزيله، وقال أحمد وابن قاسم
المالكى: إن كان يؤذيه ترك الكلام مع السلام، لم يقطع السلام هجرته، ويؤيد الجمهور ماجاء عند
أبى داود بسند صحيح «فإن مرت به ثلاث، فلقيه، فليسلم عليه، فإن رد عليه، فقد اشتركا فى
الأجر)) أى وللذى يبدأ زيادة ((وإن لم يرد عليه، فقد باء بالإثم)) أى يأثم الذى لم يرد، ويثاب الذى
سلم. وعند أحمد ((فإنهما)) أى المتهاجرين ((ناكثان عن الحق ما داما على صرامهما، وأولهما
فيئا، يكون سبقه كفارة)) زاد فى رواية ((فإن ماتا على صرامهما، لم يدخل الجنة جميعا)).
٩- استدل بقوله ((أخاه)) على أن الحكم يختص بالمؤمنين، وأنه لا يشمل هجر المسلم لغير المسلم.
١٠- واستدل بقوله ((لا يحل لمسلم)» أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، قال النووي: ولا حجة
لهم، لأن التقييد بالمسلم ليس للاحتراز، بل لكونه هو الذى يقبل خطاب الشرع، وينتفع به.
١٢- واستدل بهذه الأحاديث على أن من أعرض عن أخيه المسلم وامتنع عن مكالمته والسلام عليه،
من غير موجب شرعى، أثم بذلك، لأن نفى الحل يستلزم التحريم، ومرتكب الحرام آثم. قال ابن
عبد البر: أجمعوا على أنه لا يجوز الهجران فوق ثلاث، إلا لمن خاف من مكالمته ما يفسد عليه
دينه، أو يدخل منه على نفسه، أو دنياه مضرة، فإن كان كذلك جاز، ورب هجر جميل، خير من
مخالطة مؤذية.
٢٠