Indexed OCR Text

Pages 601-620

ويقف الأنبياء وقلوبهم وجلة، يتضرعون إلى الله، ويقولون: يارب سلم. يارب سلم. وتقف الملائكة
ممسكة بالكلاليب المأمورة، وهى تقول: يارب سلم. يارب سلم، وتقف الأمة الإسلامية، ولسانها يلهج
بالدعاء: يارب سلم. يارب سلم. ومن حولها سائر الرسل وأتباعهم فى انتظار أمر الله.
ثم ينادى المنادى: أين محمد وأمته؟ فيقوم صلى الله عليه وسلم وتتبعه أمته، برها وفاجرها،
فتفرج الأمم لهم عن الطريق. فيمرون غرًّاً محجلين من أثر الطهور، فتقول الأمم: كادت هذه الأمة أن
يكونوا أنبياء، فيأخذون الجسر، فيطمس اللّه أبصار أعدائه، فيتهافتون من يمين وشمال، وتتخطفهم
الكلاليب، ويكون رسول اللّه* أول من يجتاز الصراط، وأمته أول الأمم، ويتسع الصراط لبعض
المؤمنين، حتى يكون مثل الوادى، وإن بعضهم يمر عليه كطرف العين، وبعضهم كالبرق، وبعضهم
كالسحاب، وبعضهم كانقضاض الكوكب، وبعضهم كالريح، وبعضهم كجياد الخيل، وبعضهم كالطير،
وبعضهم كجياد الإبل، وبعضهم كأسرع البهائم، وبعضهم يسعى سعياً، وبعضهم يمشى مشياً تجرى بهم
أعمالهم، حتى يمر الرجل الذى أعطى نوره على إبهام قدمه يحبو على وجهه ويديه ورجليه يتكفأ به
الصراط، يتلبط على بطنه، يجر نفسه بيد، ويتعلق بيد، يجر نفسه برجل ويتعلق برجل، وتضرب
جوانبه النار، يقول: يارب لم أبطأت بى؟ فيقول: أبطأ بك عملك، ويظل يحبو، حتى ينجو، فيلتفت
إلى النار، ويقول: تبارك الذى نجانى منك.
حتى إذا خلص المؤمنون من النار وقعت المقاصة بينهم على قنطرة بين الجنة والنار، حتى إذا
انتهوا إلى الجنة تفقدوا إخوانهم فوجدوا العصاة منهم فى النار، فرقت لهم أفئدتهم، واشتدت عليهم
حسراتهم، فيجأرون إلى الله بالدعاء، ويناشدونه بكل تذلل أن يعفو عن إخوانهم وأن يخرجهم من
النار، يقولون: يارينا، إخواننا، كانوا يصومون معنا، ويصلون معنا ويحجون معنا، ياربنا، آباؤنا،
وأجدادنا، أعمامنا، أخوالنا، أبناؤنا، أزواجنا، اغفر لهم، شفعنا فيهم، فيقول لهم: اذهبوا فأخرجوا من
كان فى قلبه مثقال دينار من إيمان، ويأمر ملائكته بإخراجهم، ثم يعودون فيستشفعون فى غيرهم
فيشفعون، وهكذا حتى يخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من خير، فيقول اللَّه تعالى:
شفع الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين؛ فيقبض قبضة من النار،
فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرًا أبدًا، قد صاروا فحما، فيلقيهم فى نهر فى مقدمة الجنة؛ يسمى نهر
الحياة، فيخرجون منه كالنبتة الصغيرة فى نضارتها وحسنها، ويقال: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم من
مائكم، فيرشون عليهم من ماء الجنة، فيزدادون نضارة وبهاء ثم يؤذن لهم بدخول الجنة.
يقول صلى الله عليه وسلم لأصحابه: إنى أعلم حال آخر أهل النار خروجا من النار، وآخر أهل
الجنة دخولا الجنة، هو رجل يبقى مقبلا بوجهه على النار، فيقول: يارب، اصرف وجهى عن النار، فقد
آذانى ريحها، وأحرقنى حرها، يارب اقبلنى واعف عنى، يارب. أقر بذنبى وأعترف بتقصيرى، وأرجو
واسع رحمتك، ويدعو اللَّه ما شاء أن يدعوه، فيقول اللَّه لملائكته: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا
عنه كبارها، فتعرض عليه صغار ذنوبه، فيقال: عملتَ كذا وكذا يوم كذا، وعملت كذا وكذا يوم كذا.
فيقول: نعم يارب، وهو مشفق من كبار ذنوبه، خائف أن تعرض عليه ويؤخذ بها، فيقول: يارب، قد
٦٠١

عملتُ أشياء لا أراها ههنا؟ فيضحك رب العزة ويرضى عن عبده العاصى، ويقول له: لعلك إن صرفت
وجهك عن النار أن تسألنى غير ذلك؟ فيقول: لا، لا أسألك غيره، ويقسم ويعطى ربه من العهود
والمواثيق ما شاء اللّه، فيصرف وجهه عن النار، فيقول لها: تبارك الذى نجانى منك ((لقد أعطانى
اللَّه من الفضل والرحمة ما لم يعط أحدًا من الأولين، والآخرين، ويسكت ما شاء الله أن يسكت، ثم
ترفع له شجرة ذات ظل ظليل، فيقول: يارب. أدننى من هذه الشجرة، لأستظل بظلها، وأشرب من
مائها، فقد آذانى الحر والعطش، فيقول له ربه: يابن آدم. لعلى إن أعطيتك ما تطلب أن تسألنى غيره؟
فيقول: لا يارب لا أسألك غيره، ويعطى ربه من العهود والمواثيق ماشاء الله، وربه يقبل عذره، لأنه
يرى شيئًا لا يستطيع الصبر عليه، فيدنيه من الشجرة فيستظل بظلها، ويشرب من مائها، ويسكت ما
شاء الله أن يسكت، ثم ترفع له شجرة أحسن من الأولى، فيقول مقالته السابقة وربه يعذره فيدنيه
منها، ثم ترفع له شجرة ثالثة عند باب الجنة هى أحسن من الأوليين، فيقول مقالته السابقة، فيقول
له ربه: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك، ألم تعطنى عهودك ومواثيقك ألا تسأل غيره؟ فيقول: لا أسألك غيره
يارب. ويعطى ريه من العهود والمواثيق ماشاء اللَّه، فيدنيه منها، فيسمع أصوات أهل الجنة، أصواتًا
كالمزامير، فيتسمع ويتطلع فتنفتح أمامه أبواب الجنة فيرى ما فيها من نعيم وسرور وحبور، فيقول:
يارب أدخلنى الجنة، فيقول له: يا ابن آدم: ما يقطع مسألتك منى؟ أين عهودك ومواثيقك ألا تسأل؟
فيقول: كرمك أوسع من مسألتى، وفضلك لاينقصه عطائى، فيقول له: اذهب فادخل الجنة، فيدخلها،
فيخيل إليه أنها ملأى، وأن الناس قد أخذوا منازلهم فيها، فيرجع، فيقول: يارب، وجدتها ملأى،
فيقول الله تبارك وتعالى له: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى. فيرجع، فيقول:
يارب، وجدتها ملأى فيقول الله تبارك وتعالى له: اذهب فادخل الجنة، فإذا دخلها قال الله له: تمنه.
اطلب تعط، فيتمنى قصورًا وحدائق، وطعامًا وشرابًا وفرشًا وأرائك، فإذا ماطلب ما يشتهى ذكره ربه
بأشياء لم يذكرها، يقول له: اطلب كذا وكذا وكذا، مما لايخطر على قلب بشر، حتى إذا ما انقضت به
الأمانى قال اللَّه له: ذلك لك وعشرة أمثاله معه، فيقول: يارب، لا أستحق شيئًا من ذلك، لا تكاد عينى
تصدق ما ترى، ولا تكاد أذنى تصدق ما أسمع، أكاد أغيب عن صوابى، فيضحك رب العزة ويقول:
إنى لا أستهزئ منك، ولكنى على ما أشاء قادر، فيدخل بيته، فتدخل عليه زوجتاه من الحور العين،
فتحتضنانه وتقبلانه وتقولان له: الحمد لله الذى أحياك لنا، وأحيانا لك، فيعيش فى سعادة دائمة،
وسرور خالد، وهو يقول فى نفسه: ما أعطى أحد مثل ما أعطيت.
ذلك أدنى أهل الجنة منزلة يوم القيامة، أما أعلاهم منزلة فأولئك الذين اختارهم ربهم
واصطفاهم، لهم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا
أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنِ جَزَّاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] فاللهم اجعلنا من أهل
الجنة، الناجين من النار، ويسرلنا الموقف العظيم، واهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين
أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
آمين، آمين. آمين. رب العالمين.
٦٠٢

المباحث العربية
( عن أبى هريرة أن ناسًا قالوا ) فى الرواية الرابعة، عن أبى سعيد ((قلنا يارسول اللّه)) وفى
رواية للبخارى ((قال أناس: يارسول اللَّه)) وفى رواية ((إن الناس قالوا يارسول اللَّه)) فلم يعين السائل
ولعله أبو سعيد، وإسناد القول إلى الجماعة مع أن السائل واحد بتنزيل رضاهم عنه وحرصهم عليه
منزلة النطق به.
( هل نرى ربنا يوم القيامة؟ ) فى التقييد بيوم القيامة إشارة إلى أن السؤال لم يقع عن
الرؤية فى الدنيا، وإنما عن الرؤية فى الآخرة، وهى محل البحث.
( هل تضارون) روى بتشديد الراء وضم التاء بصيغة المفاعلة، من الضر، وأصله ((تضاررون)»
ومعناها: هل تضرون غيركم، أو يضركم أحد فى حالة الرؤية، بزحمة أو مخالفة فى الرؤية أو غيرها
لخفائه؟ والاستفهام إنكارى بمعنى النفى، أى لا يحصل ذلك، كما لا يحصل عند رؤيتكم القمر ليلة
البدر أو تقريرى، فلما أقروا، وقالوا: لا، قال: ((فإنكم ترونه كذلك)). وروى بتشديد الراء أيضًا، لكن مع
فتح التاء، وأصله تتضارون فحذفت إحدى التاءين تخفيفاً، والمعنى لا يضر بعضكم بعضا بمنازعة
ولا مجادلة ولا مضايقة، وروى بتخفيف الراء وضم التاء من الضير يقال: ضاره يضيره، وهولغة فى
الضر، والمعنى : هل يلحقكم فى رؤيته ضير؟ أى لايخالف بعضكم بعضًا فيكذبه وينازعه ،
فيضيره بذلك.
وروى «هل تضامون)» بتشديد الميم وتخفيفها، فمن شددها فتح التاء فهو بحذف إحدى التاءين،
من الضم، والمعنى : هل تضامون فى رؤيته ، يريد لا تجتمعون لرؤيته فى جهة، ولا ينضم بعضكم
إلى بعض.
ومن خفف الميم ضم التاء، من الضيم. وهو الغلبة على الحق. والاستبداد به، والمعنى: هل يلحقكم
ضيم ومشقة وتعب؟.
وروى «هل تمارون» بضم التاء وفتحها، مع تخفيف الراء، من المرية وهى الشك، أو من المراء
وهى المجادلة، والمعنى: لايشتبه عليكم ولا تشكون، فيعارض بعضكم بعضاً.
( فى الشمس ليس دونها سحاب ) فى الكلام مضاف محذوف، أى فى رؤية الشمس،
وجملة ((ليس دونها سحاب)» فى محل النصب على الحال.
( فإنكم ترونه كذلك ) معناه تشبيه الرؤية بالرؤية فى الوضوح وزوال الشك، ورفع المشقة
والاختلاف، قال ابن الأثير: قد يتخيل بعض الناس أن الكاف كاف التشبيه للمرئى، وهو غلط، وإنما
هى كاف التشبيه للرؤية التى هى فعل الرائى ، والمعنى أنها رؤية مزاح عنها الشك مثل
رؤيتكم القمراهـ
٦٠٣

( يجمع اللَّه الناس يوم القيامة) فى رواية ((يحشر))، وفى رواية ((يجمع الله يوم القيامة
الأولين والآخرين فى صعيد واحد)» والمراد جمعهم وحشرهم بعد بعثهم من القبور للموقف العظيم.
(من كان يعبد شيئاً فليتبعه) بتشديد التاء المفتوحة، وفى رواية ((ألا ليتبع كل إنسان
ماكان يعبد)) وفى رواية ((ألا لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت))
جمع طاغوت ، وهو الشيطان أو الصنم. وقال جماهير أهل اللغة: الطاغوت كل ما عبد من دون
الله تعالی.
قال الواحدى: الطاغوت يكون واحداً، وجمعاً، ومؤنثاً، ومذكراً، ففى الواحد قال اللّه تعالى:
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ تَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠]، وفى الجمع قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّائِمُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظَّلُّمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] وفى المؤنث قال
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَّبُوا الطَّاغُوتَ أَنَّ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: ١٧] قال النحويون: وزنه فعلوت، والتاء زائدة
وهو مشتق من طغى.
( ويضرب الصراط بين ظهرى جهنم ) بفتح الظاء وسكون الهاء، والمعنى: يمد الصراط
عليها، وفى رواية ((ويضرب جسر جهنم)).
( فأكون أنا وأمتى أول من يجيز) بضم الياء وكسر الجيم، ومعناه أول من يمضى عليه
ويقطعه، يقال: أجزت الوادى وجزته، لغتان بمعنى واحد، وقال الأصمعى: أجزته قطعته، وجزته
مشيت فيه، وفى رواية ((أول من يجيزها)) والضمير لجهنم.
( وفى جهنم كلاليب ) جمع كلوب بفتح الكاف وضم اللام المشددة وهو حديدة معطوفة
الرأس، يعلق فيها اللحم، ويقال لها أيضاً كلاب بفتح الكاف وتشديد اللام.
وفى رواية ((وبه كلاليب)) والضمير للصراط، وفى رواية ((وفى حافتى الصراط كلاليب معلقة
مأمورة تأخذ من أمرت به)) وفى رواية ((وعليه كلاليب النار)).
( مثل شوك السعدان ) بفتح السين وسكون العين، بلفظ التثنية، ويعرب بالحركات على
النون، والسعدان جمع سعدانة، وهو نبات ذو شوك شوكته من جميع الجوانب، ونباته يضرب به
المثل فى طيب مرعاه، قالوا: مرعى ولا كالسعدان.
(هل رأيتم السعدان؟) الاستفهام للتقرير، لاستحضار الصورة المذكورة، وفى رواية ((أما
رأيتم شوك السعدان»؟.
( فإنها مثل شوك السعدان ) تشبيه الكلاليب بشوك السعدان خاص بسرعة اختطافها
وكثرة الانتشاب فيها، تمثيلا لهم بما عرفوه فى الدنيا، وألفوه بالمباشرة.
٦٠٤

(غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله) ((ماقدرعظمها)) ((ما)) استفهام مبتدأ «وقدر
عظمها)» خبر، والاستفهام علق ((يعلم)) عن العمل فى اللفظ فجملته سدت مسد مفعولى «يعلم»
والفاعل لفظ الجلالة، والتقدير لا يعلم إلا الله قدر عظمها، وهذه الجملة استدراك على تشبيه الكلاليب
بشوك السعدان، للإشارة إلى أن التشبيه لم يقع فى مقدارهما.
( تخطف الناس بأعمالهم) («تخطف)) بكسر الطاء وفتحها، وفى الفصيح قال ثعلب: خطف
بالكسر فى الماضى وبالفتح فى المضارع، وحكى القزاز عكسه، والمعنى: تخطفهم بأعمالهم، فالباء
للسببية، أو تخطفهم على قدر أعمالهم فالباء للمقابلة.
( فمنهم المؤمن بقى بعمله ) روى على أوجه:
أحدها: ((المؤمن)) من الإيمان و)) بقى)) بالباء المفتوحة والقاف المكسورة، أى بقى لم يخطف
بسبب عمله.
ثانيها: ((المؤمن يقى بعمله)) ((يقى)) بالياء المفتوحة والقاف المكسورة من الوقاية، أى يقى
نفسه بعمله، أى يقيه عمله ويستره من النار.
ثالثها: ((الموثق بعمله)) بالثاء، من الوثاق، وهو القيد.
رابعها: ((الموبق بعمله)) بالباء الموحدة، أى الهالك بعمله.
خامسها: ((الموبق يعنى بعمله)) ((يعنى)» بفتح الياء، بعدها عين ساكنة بعدها نون مكسورة، قال
القاضى: هذا أصحها. وقال الحافظ ابن حجر: هو تصحيف. وعلى أنه صحيح يكون لفظ ((يعنى))
للتفسير والتوضيح. والله أعلم.
( ومنهم المجازى حتى ينجى ) قال النووى: ضبطناه بالجيم والزاى من المجازاة. اهـ
ورواه بعضهم ((المخردل» بالميم المضمومة، والخاء والراء، والدال المفتوحة، بعدها لام، وفى رواية
((ومنهم من يخردل)) بالبناء للمجهول، أى إن كلاليب النار تقطعه فيهوى فى النار، وقيل معناه، تقطع
أعضاؤه كالخردل، وقيل معناه : تقطعهم عن لحوقهم بمن نجا، وقيل: المخردل المصروع، ورجحه
ابن التين.
ورواه بعضهم ((المجردل)) بالجيم بدل الخاء، والجردلة الإشراف على الهلاك.
(حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد ) قال الزين بن المنير: الفراغ إذا أضيف إلى
اللَّه معناه القضاء وحلوله بالمقضى عليه، وقال ابن أبى جمرة: معناه وصل الوقت الذى سبق فى علمه
أن يرحمهم.
(فيخرجون من النار وقد امتحشوا ) ((يخرجون)) بالبناء للجهول، ((امتحشوا)) بفتح التاء
٦٠٥

والحاء، أى احترقوا، وزناً ومعنى، والمحش احتراق الجلد وظهور العظم، وقال القاضى عياض:
ضبطناه عن بعض شيوخنا بضم التاء وكسر الحاء، بالبناء للمجهول، ويبعده أنه لم يعرف فى اللغة
امتحشه متعديا.
( فيصب عليهم ماء الحياة) فى الرواية الثالثة ((فيلقيهم فى نهر، فى أفواه الجنة، يقال له
نهر الحياة» وفى تسمية الماء والنهر بالحياة إشارة إلى أنهم لايحصل لهم الفناء بعد ذلك.
(فينبتون منه كما تنبت الحبة فى حميل السيل ) ((الحبة)) بكسر الحاء وتشديد الباء،
بذر البقول والعشب تنبت فى البرارى وجوانب السيول وجمعها حبب، بكسر الحاء وفتح الباء، وأما
الحبة بفتح الحاء فهى مايزرعه الناس، وجمعها حبوب ((وحميل السيل)) بفتح الحاء وكسر الميم، هو
ماجاء به السيل من طين أو غثاء، وفى الرواية الخامسة ((كما تنبت الحبة إلى جانب السيل)) وفى
رواية «كما تنبت الغثاءة)) بضم الغين بعدها ثاء وهى فى الأصل كل ما حمله السيل، من عيدان وورق
وغيرها، والمراد به هنا ما حمله من البذور خاصة. وفى رواية ((إلى جانب السيل)) والمراد أن الغثاء
الذى يجىء به السيل يكون فيه الحبة، فيقع فى جانب الوادى فتصبح من يومها نابتة، وفى رواية
((فى حمئة السيل)» بعد الميم همزة وقد تشبع كسرة الميم، فيصير بوزن عظيمة، وهو ماتغير لونه من
الطين، وخص بالذكر لأنه يقع فيه النبت غالبا.
قال ابن أبى جمرة: فى هذا التشبيه إشارة إلى سرعة نباتهم لأن الحبة أسرع فى النبات من
غيرها، وفى السيل أسرع، لما يجتمع فيه من الطين الرخو الحادث مع الماء، مع ما خالطه من حرارة
الزبل المجذوب معه. اهـ
وقال النووى: المراد التشبيه فى سرعة النبات وحسنه وطراوته. اهـ
( فإنه قد قشبنى ريحها ) بفتح القاف والشين المخففة، وحكى تشديدها، ومعناه: سمنى
وآذانى وأهلكنى، يقال: قشبه الدخان إذا ملأ خياشيمه وأخذ بكظمه، وأصل القشب خلط السم
بالطعام، يقال: قشبه إذا سمه، ثم استعمل فيما إذا بلغ الدخان والرائحة منه غايته.
(وأحرقنى ذكاؤها ) بفتح الذال، وبالمد، ومعناه لهيبها واشتعالها وشدة وهجها، وفى رواية
((ذكاها)) بالقصر، وهو الأشهر فى اللغة حتى قال بعضهم: إن الذكاء بالمد لم يأت فى النار، وإنما جاء
فى الفهم والفطنة.
( هل عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسأل غيره) ((عسيت)) بفتح السين وكسرها لغتان،
والتاء للخطاب، و))أن تسأل)) خبر ((عسى)) وجواب الشرط محذوف دلت عليه الجملة، أى إن
أعطيتك يتوقع منك السؤال، والمعنى: هل يتوقع منك سؤال شىء غير ذلك، والاستفهام تقريرى، لأن
ذلك عادة بنى آدم، والترجى راجع للمخاطب، لا إلى الرب، وهو من باب إرخاء العنان إلى الخصم،
ليبعثه ذلك على التفكر فى أمره والإنصاف من نفسه.
٦٠٦

( حتى إذا قام على باب الجنة انفهقت له الجنة ) بفتح الفاء والهاء والقاف
معناه انفتحت.
(فرأى ما فيها من الخير) رواه بعض الرواة ((من الحبر)» بالحاء المفتوحة والباء الساكنة
بدل الخاء والياء، ومعناه السرور، وفى رواية ((فإذا بلغ بابها ورأى زهرتها وما فيها من النضرة)).
( ويلك يا ابن آدم) وفى رواية ((ويحك)) عبارة للزجر والتأنيب.
( أى رب، لا أكون أشقى خلقك ) المراد من الخلق هنا من دخل الجنة فهو لفظ عام، وأريد
به خاص، ومراده: أنه يصير إذا استمر خارجا عن الجنة [وهم من داخلها] أشقاهم، وقيل: الخلق على
عمومه، لأن الذى يشاهد ما يشاهده، ولا يصل إليه يصير أشد حسرة ممن لا يشاهد، وهو قول بعيد، وفى
رواية ((لأكونن)) ومعناه: لئن أبقيتنى على هذه الحالة ولم تدخلنى الجنة لأكونن أشقى خلقك، الذين
هم ليسوا من أهل النار.
( فلا يزال يدعوحتى يضحك اللَّه تعالى منه) نسبة الضحك إلى اللَّه مجاز بمعنى رضاه
بفعل عبده، ومحبته إياه، وإظهار نعمته عليه. ذكره النووى.
( تمنه) ((تمن)) فعل أمر، أى سل ماتتمناه، والهاء للسكت، وقد جاء فى الرواية الثانية بدون
هاء السكت.
(ويتمنى حتى إن اللَّه ليذكره من كذا وكذا) أى فيسأل ويتمنى حتى إن اللَّه يلقنه ما لا
علم له به. فيقول: تمن من كذا، فيتمنى.
الرواية الثالثة
( ما تضارون فى رؤية اللَّه يوم القيامة إلا كما تضارون فى رؤية أحدهما) معناه
لاتضارون أصلا، کما لاتضارون فى رؤيتهما أصلا.
( وغبر أهل الكتاب ) بضم الغين وفتح الباء المشددة، معناه بقاياهم، جمع غابر، وفى رواية
((وغبرات أهل الكتاب)) بضم الغين وتشديد الباء المفتوحة، جمع غبر، وغبر جمع غابر، فهى
جمع الجمع.
(فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا) ((السراب)) هو الذى يتراءى
للناس فى الأرض القفر والقاع المستوى وسط النهار فى الحر الشديد لا معا، مثل الماء، يحسبه
الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، فالكفار يأتون جهنم - وهم عطاش - فيحسبونها ماء،
فيتساقطون فيها، فإذا هى يحطم بعضها بعضاً لشدة اتقادها، وتلاطم الأمواج فيها، والحطم الكسر
والإهلاك، والحطمة اسم من أسماء النار، لكونها تحطم ما يلقى فيها.
٦٠٧

(أتاهم رب العالمين فى أدنى صورة من التى رأوه فيها ) معنى ((رأوه فيها)) علموها له
وهى صفته المعلومة للمؤمنين، وهى أنه لايشبهه شىء. ونسبة الإتيان إلى اللَّه عبارة عن رؤيتهم إياه،
لأن العادة أن كل من غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته إلا بالمجىء إليه، فعبر عن الرؤية بالإتيان مجازاً.
وقيل: الإتيان فعل من أفعال الله تعالى، يجب الإيمان به، مع تنزيهه سبحانه وتعالى عن صفات
الحوادث، وقيل: فيه حذف، تقديره: يأتيهم بعض ملائكة الله، ورجحه القاضى عياض.
( قال: فما تنتظرون؟) وفى رواية: ((مايحبسكم وقد ذهب الناس))؟
( فارقنا الناس فى الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم ) مقصودهم التضرع إلى الله
فى كشف هذه الشدة عنهم، وأنهم لزموا طاعته تعالى، وفارقوا فى الدنيا أقاربهم الضالين، ممن كانوا
يحتاجون فى معايشهم إلى معاشرتهم كما جرى للصحابة المهاجرين الذين آثروا رضا الله تعالى.
(حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب ) عن الصواب، ويرجع عنه للامتحان الشديد الذى
جرى، وهو فى الأصول بإثبات ((أن)) وإثباتها مع ((كاد)) لغة، كما أن حذفها مع ((عسى)) لغة.
( فيكشف عن ساق) قال النووى: ضبط ((يكشف)) بفتح الياء وضمها وهما صحيحان، وفسر
ابن عباس وجمهور أهل اللغة وغريب الحديث ((الساق)» هنا بالشدة أى يكشف عن شدة وأمر مهول،
وهذا مثل تضربه العرب لشدة الأمر، فيقولون: قامت الحرب على ساق، وأصله أن الإنسان إذا وقع فى
أمر شديد شمر ساعده، وكشف عن ساقه للاهتمام به، وقيل: المراد بالساق هنا نور عظيم، وقيل: قد
يكون الساق مخلوقا جعله الله علامة للمؤمنين، خارجة عن السوق المعتادة، وقيل: معناه كشف
الخوف وإزالة الرعب عنهم، فتطمئن حينئذ نفوسهم، ويتجلى سبحانه وتعالى لهم، فيخرون سجدا.
( ثم يرفعون رءوسهم وقد تحول فى صورته) قال النووى: هكذا ضبطضاه ((صورته)) بالهاء
فى آخرها، ووقع فى كثير من الأصول ((فى صورة)» بغير هاء، ومعناه: وقد أزال المانع لهم من رؤيته،
وتجلى لهم.
( ثم يضرب الجسر على جهنم ) ((الجسر)) بفتح الجيم وكسرها، لغتان مشهورتان،
وهو الصراط.
( وتحل الشفاعة ) بكسر الحاء، وقيل: بضمها، أى تقع ويؤذن فيها.
(وما الجسر؟ قال: دحض مزلة) ((دحض)) بدال مفتوحة وحاء ساكنة، و))مزلة)) بفتح
الميم، وفى الزاى الفتح والكسر، والدحض والمزلة بمعنى واحد، وهو الموضع الذى تزل فيه الأقدام ولا
تستقر، ومنه ﴿ حُجَّتُهُمْ دَاحِضةٌ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ [الشورى: ١٦] أى مائلة، لا ثبات لها.
(فيه خطاطيف وكلاليب وحسك ) ((الخطاطيف)) جمع خطاف بضم الخاء فى
٦٠٨

المفرد ((والحسك)) بفتح الحاء والسين نبات له ثمر خشن يتعلق بأصواف الغنم ويتخذ
مثله من الحديد آلة حرب.
( وكأجاويد الخيل والركاب ) من إضافة الصفة للموصوف، والأصل وكالخيل الأجاويد.
يقال: فرس جواد، أى بين الجودة رائع، و((الركاب)) معطوف على الخيل، أى وأجاويد الركاب،
والركاب ككتاب الإبل، واحدتها راحلة.
( فناج مسلم ) مبتدأ محذوف الخبر، أى فمنهم ناج سالم، أو خبر مبتدأ محذوف أى فهم ناج
مسلم، و((مسلم)) بفتح السين وتشديد اللام المفتوحة.
( ومخدوش مرسل ) أصابه خدش وإصابات ثم أرسل وخلص، وفى البخارى ((وناج مخدوش)).
( ومكدوس فى نارجهنم ) بالسين. يقال: تكدست الدواب فى سيرها إذا ركب بعضها
بعضاً، ورواه بعضهم بالشين ((مكدوش)) وهو أنسب، يقال: كدشه يكدشه إذا ساقه ودفعه دفعاً عنيفاً.
فهو كقوله: ﴿يَوْمَ يُدَقُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعَّا﴾ [الطور: ١٣].
(حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذى بيده نفسى ما منكم من أحد بأشد
مناشدة للَّه فى استقصاء الحق من المؤمنين للَّه يوم القيامة لإخوانهم الذين فى النار)
لفظة ((فى استقصاء الحق)» ضبطت على: أربعة أوجه.
١- ((استيضاء)».
٢- استضاء بحذف الياء، يقال: استضاء الأمر إذا طلب وضوحه وبيانه، والمعنى على الوجهين:
إنكم إذا عرض لكم فى الدنيا أمر مهم والتبس الحال فيه، وسألتم اللَّه تعالى بيانه، وناشد تموه نحوه
فى استيضائه وبالغتم فى هذه المناشدة، لاتكون مناشدة أحدكم أشد من مناشدة المؤمنين للَّه تعالى،
يشفعون لإخوانهم.
٣- استيفاء بالفاء بدل الضاد.
٤ - استقصاء.
والمعنى على هذين الوجهين: ما منكم من أحد يناشد اللَّه تعالى فى الدنيا فى استيفاء حقه أو
استقصائه من خصمه المعتدى عليه، بأشد من مناشدة المؤمنين للّه تعالى، يشفعون لإخوانهم.
والقسم وجوابه جواب ((إذا)) والتقدير: إذا خلص المؤمنون كانوا فى مناشدتهم اللَّه لإخوانهم أشد
منكم فى مناشدتكم حقوقكم.
( رينالم نذر فيها خيرًا ) أى صاحب خير.
٦٠٩

( فيخرج قومًا، قد عادوا حمما) معنى ((عادوا)) صاروا، وليس بلازم فى ((عاد)) أن يصير إلى
حالة كان عليها قبل ذلك، بل معناه هنا صاروا، و)) الحمم)) بضم الحاء وفتح الميم الأولى المخففة:
الفحم، والواحدة حممة.
( فيلقيهم فى نهر فى أفواه الجنة) فى ((النهر)) فتح الهاء وسكونها، لغتان، والفتح أجود،
وبه جاء القرآن، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَّهَرِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]
و((الأفواه)» هنا جمع فوهة بضم الفاء وتشديد الواو المفتوحة، وهو جمع سمع من العرب على غير
قياس، ففى القاموس: والفوهة كقبرة من السكة والطريق فمه، وأول الشىء، والجمع فوهات بضم
الفاء وتشديد الواو المفتوحة، كأن المراد من الحديث مفتتح من مسالك قصور الجنة ومنازلها.
( ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر؟ ) أى ألا ترونها تكون بيضاء مائلة إلى لون
الحجر، أو صفراء وخضراء مائلة إلى لون الشجر؟
( ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض )
«يكون)» الأولى والثانية تامة، ليس لها خبر، ((وأصيفر)) و((أخيضر)) مرفوعان خبر ((ما))، وأما ((يكون))
الثالثة فناقصة، و((أبيض)) خبرها، أى ما يوجد ويقع جهة الشمس أصيفر وأخيضر، وما يوجد ويقع
جهة الظل يكون أبيض، هذا فى حبة السيل، أما ما يخص أهل الآخرة ففيه إشارة إلى أن من يكون
منهم إلى الجهة التى تلى الجنة يسبق إليه البياض المستحسن، وما يكون منهم إلى جهة النار يتأخر
النصوع عنه، فيبقى أصيفر وأخيضر إلى أن يتلاحق البياض، ويستوى الحسن والنور، ونضارة النعمة
عليهم، ويحتمل أن يكون إشارة إلى أن الذين يرش عليهم الماء أولا يسرع إليهم النصوع، وأن الذين
يتأخر عنهم الرش يتأخر نصوعهم، لكنهم يلحقون. والله أعلم.
(فيخرجون كاللؤلؤ) فى التلالؤ والصفاء، وفى ((اللؤلؤ)) أربع قراءات فى السبع، بهمزتين
وبحذفهما وبإثباتها فى الأول وبإثباتها فى الآخر.
( فى رقابهم الخواتم ) جمع خاتم، بفتح التاء وكسرها، والمراد بها هنا أشياء من
ذهب أو غير ذلك.
( يعرفهم أهل الجنة. هؤلاء عتقاء اللَّه) أى يقولون: هؤلاء عتقاء اللَّه، وفى رواية ((يقول لهم
أهل الجنة: هؤلاء الجهنميون، فيقول الله: هؤلاء عتقاء اللَّه)). وليست هذه التسمية تنقيصًا لهم، بل
للاستذكار لنعمة اللَّه ليزدادوا بذلك شكرًا.
الرواية السادسة
( أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولايحيون ) أى أهل
٦١٠

النار المستحقون للخلود لايموتون فيها، ولايحيون حياة ينتفعون بها، ويستريحون معها،
كما قال تعالى: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] وكما قال:
﴿ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [الأعلى: ١٣].
( ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم، فأماتهم إماتة ) حقيقية يذهب معها الإحساس،
ويكون عذابهم على قدر ذنوبهم، ثم يميتهم، ثم يكونون محبوسين فى النار من غير إحساس المدة التى
قدرها الله، ثم يخرجون من النار موتى، قد صاروا فحما.
( فجىء بهم ضبائر ضبائر) كذا هو فى الروايات مكرر مرتين، وهو منصوب على
الحال. والضبائر: الجماعات فى تفرقة؛ جمع ضبارة بفتح الضاد وكسرها، والكسر أشهر،
وروى («ضبارات، ضبارات)).
الرواية الثامنة
(رجل يخرج من النارحبوا ) وفى الرواية الثامنة ((يخرج منها زحفا)» قال أهل اللغة: الحبو
المشى على اليدين والرجلين، وربما قالوا: على اليدين والركبتين، وربما قالوا: على يديه ومقعدته، وأما
الزحف فقال بعضهم: هو المشى على الإست مع إفراشه بصدره، فالحبو والزحف متماثلان أو
متقاربان ولو ثبت اختلافهما حمل على أنه فى حال يحبو، وفى حال يزحف.
( أتسخربى - أو أتضحك بى - وأنت الملك ) هذا شك من الراوى، فإن كان اللفظ الواقع
فى نفس الأمر ((أتضحك بى)) فمعناه: أتسخربى، لأن الساخر فى العادة يضحك ممن يسخر به،
فوضع الضحك موضع السخرية مجازاً، وأما معنى ((أتسخربى)» هنا وفيما جاء فى الرواية الأخرى
((أتسخر منى)) ففيه أقوال:
أحدها: أنه خرج على المقابلة الموجودة فى معنى الحديث دون لفظه، لأنه عاهد اللَّه مراراً ثم
غدر، فحل غدره محل الاستهزاء والسخرية، فقدر الرجل أن قول الله تعالى له: ادخل الجنة، وتردده
إليها، وتخييل كونها مملوءة ضرب من الإطماع له، والسخرية به، جزاء لما تقدم من غدره، وعقوبة له،
فسمى الجزاء على السخرية سخرية. فقال: أتسخربى؟ أى أتعاقبنى بالإطماع؟
الثانى: أن معناه نفى السخرية التى لاتجوز على الله تعالى، كأنه قال: أعلم أنك لا تهزأ بى لأنك
رب العالمين، والهمزة فى ((أتسخربى)) همزة نفى. وهذا كلام منبسط متدلل.
الثالث: أن يكون هذا الكلام صدر من هذا الرجل وهو غير ضابط لما قاله، لما ناله من السرور
ببلوغ ما لم يخطر بباله، فلم يضبط لسانه دهشاً وفرحا، فقاله وهو لا يعتقد حقيقة معناه، وجرى على
عادته فى الدنيا فى مخاطبة المخلوق.
٦١١

(رأيت رسول اللَّه ﴿ ضحك حتى بدت نواجذه) بالجيم والذال، والمراد بالنواجذ هنا
الأنياب، وقيل: المراد هنا الضواحك، وقيل: المراد بها الأضراس، وهذا هو الأشهر فى إطلاق النواجذ
فى اللغة.
( فكان يقال: ذلك أدنى أهل الجنة منزلة ) قال الكرمانى: ليس هذا من تتمة كلام
الرسول ، بل هو من كلام الراوى، نقلا عن الصحابة، أو عن غيرهم من أهل العلم وحققه الحافظ ابن
حجر، فقال: قائل ((فكان يقال)) هو الراوى وأما قائل ((ذلك أدنى أهل الجنة منزلة)) فهو النبى الز.اهـ.
وروايتنا العاشرة صريحة فى ذلك، ففيها ((إن أدنى أهل الجنة منزلة رجل ... )) الحديث.
الرواية التاسعة
( فهو يمشى مرة ويكبو أخرى، وتسفعه النار مرة) ((يكبو)) أى يسقط على وجهه؛
و((تسفعه النار)) بفتح التاء وسكون السين وفتح الفاء، معناه: تضرب وجهه وتسوده وتؤثر فيه أثرًا.
( وريه يعذره ) بفتح الياء وسكون العين وكسر الذال، يقال: عذره يعذره، أى يقبل عذره.
( لأنه يرى ما لا صبر له عليه ) كذا هو فى الأصول، فى المرتين الأوليين، وأما الثالثة فوقع
فى أكثر الأصول ((ما لا صبر له عليها)» أى نعمة لا صبرله عليها، أى عنها.
( فإذا أدناه منها فيسمع أصوات أهل الجنة ) التقدير: فإذا أدناه منها بلغ به الرضا
والسرور مبلغًا كبيرًا، فيسمع أصوات أهل الجنة، فيقول ... إلخ.
( يا ابن آدم. ما يصرينى منك؟ ) بفتح الياء وإسكان الصاد، أى ما يقطع مسألتك منى؟
والصرى القطع، وفى غير مسلم ((ما يصريك منى)) وكلاهما صحيح، فإن السائل متى انقطع من
المسئول انقطع المسئول منه، والمعنى: أى شىء يرضيك؟ ويقطع السؤال بينى وبينك؟.
الرواية العاشرة
(فتدخل عليه زوجتاه) قال النووى: هكذا ثبت فى الروايات والأصول ((زوجتاه)» بالتاء، تثنية
زوجة، بالهاء، وهى لغة صحيحة معروفة، وفيها أبيات كثيرة من شعر العرب. اهـ
( فتقولان ) هو بالتاء المثناة من فوق، ويخطئ فيه البعض، فيقوله بالياء، وذلك لحن لا شك
فيه، قال اللَّه تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلًا﴾ [آل عمران: ١٢٢] وقال: ﴿ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ
امْرَأتَيْن تَؤُودَان﴾ [القصص: ٢٣] وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُّولا ﴾ [فاطر: ٤١]
وقال: ﴿فِيهِمَا عَبْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴾ [الرحمن: ٥٠] ذكره النووى.
٦١٢

( الحمد لله الذى أحياك لنا وأحيانا لك) معناه: الذى خلقك لنا، وخلقنا لك، وجمع بيننا
فى هذه الدار الدائمة السرور.
الرواية الحادية عشرة
( ما أدنى أهل الجنة منزلة؟) كذا هو فى الأصول ((ما أدنى)) وكان الظاهر أن يقول: من
أدنى، ولكن لما كان السؤال عن الصفة عبر بـ ((ما)) والمعنى: ما صفته، أو ما علامة أدنى أهل الجنة؟.
( كيف وقد نزل الناس منازلهم؟ وأخذوا أخذاتهم ) بفتح الهمزة والخاء، وهو ما أخذوه
من كرامة مولاهم، وحصلوه، أو يكون معناه: قصدوا منازلهم. ذكره القاضى عياض.
( أولئك الذين أردت ) بتاء المتكلم، ومعناه: اخترت واصطفيت.
( غرست كرامتهم بيدى وختمت عليها ) أى اصطفيتهم وتوليتهم فلا يتطرق إلى
كرامتهم تغيير.
( ومصداقه ) بكسر الميم؛ معناه: دليله وما يصدقه.
الرواية الرابعة عشرة
(سئل عن الورود) أى عن ورود الأمم النار، وفيه يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا
وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] باعتبار أن الكل سيمر بالصراط المضروب عليها، وإن لم يدخلها.
( نجىء نحن يوم القيامة عن كذا وكذا. انظر. أى ذلك فوق الناس ) هكذا وقع اللفظ
فى جميع الأصول من صحيح مسلم، واتفق المتقدمون والمتأخرون على أنه تصحيف وخطأ.
ولعل أصلها نجىء نحن يوم القيامة على تل أو كوم فوق الناس، فلما خفى الحرف على الناسخ أو
امحى، عبر عنه هكذا وكذا، ثم فسره بقوله: أى فوق الناس، وكتب عليه ((انظر)» تنبيها على أن الكلام
فى حاجة إلى المراجعة، فجمع الناقلون الكل، ونسقوه على أنه من متن الحديث، كذا قال القاضى
عياض: وتابعه عليه جماعة من المتأخرين. والله أعلم.
( فيتجلى لهم يضحك ) التجلى الظهور وإزالة المانع من الرؤية، ومعنى ((يتجلى لهم يضحك))
أى يظهر وهو راض عنهم.
( ثم يطفأ نور المنافقين ) روى بفتح الياء، وضمها، وهما صحيحان، يقال: طفئ النور يطفأ،
من باب سمع، فنور المنافقين فاعل على رواية فتح الياء، ويقال: أطفأ النور يطفئ؛ ويبنى للمجهول
((يطفأ)» فنور المنافقين نائب فاعل.
٦١٣

( فتنجو أول زمرة ) الزمرة الجماعة.
(حتى ينبتوا نبات الشىء فى السيل) فى كثير من الأصول ((نبات الشىء)) وهو بمعنى
الروايات السابقة، وعن بعض رواة مسلم ((نبات الدمن)) بكسر الدال وإسكان الميم، وهو البعر،
والتقدير: نبات ذى الدمن فى السيل، أى كما ينبت الشىء الحاصل فى البعر والغثاء الموجود فى
أطراف النهر، والمراد التشبيه به فى السرعة والنضارة. قاله النووى.
(ويذهب حراقه ) بضم الحاء وتخفيف الراء، والضمير يعود على المخرج من النار، ومعنى
((حراقه)) أثر النار.
الرواية الخامسة عشرة
(إن قوماً يخرجون من النار، يحترقون فيها، إلا دارات وجوههم ) جمع «دارة)» وهى
ما يحيط بالوجه من جوانبه، ومعناه: أن النار لا تأكل دارة الوجه، لكونها محل السجود.
(حتى يدخلون الجنة) هكذا هو فى الأصول (حتى يدخلون) بالنون، وهو صحيح على اعتبار
استحضار الصورة المستقبلة، لأن شرط رفع الفعل بعد ((حتى)) أن يكون حالا حقيقة أو تقديراً.
الرواية السادسة عشرة
( كنت قد شغفنى ) بالغين، أى لصق بشغاف قلبی، وهو غلافه، أو حجابه، أو سویداؤه، وروى
(شعفنى) بالعين، وفى القاموس: الشعفة من القلب رأسه عند معلق النياط، ومنه شعفنى حبه، أى
غشى الحب القلب من فوق، وقرئ بهما ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ [يوسف: ٣٠].
( رأى من رأى الخوارج ) وهو أن أصحاب الكبائر يخلدون فى النار ولا يخرج منها
من دخلها.
( فخرجنا فى عصابة ) هى من الرجال ما بين العشرة إلى الأربعين، فالمراد فى
جماعة كبيرة.
( ثم نخرج على الناس ) نظهر مذهب الخوارج، وندعو إليه ونحث عليه.
(يحدث القوم - جالساً إلى سارية - عن رسول اللّه) أى يحدث عن رسول اللَّه ﴾
حالة كونه جالساً مسنداً ظهره إلى سارية وعمود من سواري المسجد.
( قد ذكر الجهنميين ) أى أهل جهنم.
٦١٤

( ثم نعت وضع الصراط ) ثم وصف جابر فى حديثه الصراط ووضعه وكلاليبه.
( ومر الناس عليه ) أى وأحوال مرور الناس على الصراط.
( وأخاف ألا أكون أحفظ ذلك ) أى ما قاله جابر، فرويته بالمضمون ولم أحاول رواية
الحديث نفسه مخافة الخطأ وعدم الحفظ.
( فيخرجون كأنهم عيدان السماسم ) هو بالسينين: الأولى مفتوحة والثانية مكسورة، وهو
السمسم المعروف، وعيدانه - إذا قلعت وتركت فى الشمس ليؤخذ حبها - تراها دقاقاً سوداء، كأنها
محترقة، فشبه بها هؤلاء. وقيل: لعل اللفظة محرفة، وأصلها عيدان الساسم، بحذف الميم الأولى وفتح
السين الثانية وهو خشب أسود كالأبنوس، وقال بعضهم: السماسم نبت ضعيف كالسمسم والكزبرة،
قال النووى: والمختار أنه السمسم المعروف. والله أعلم.
( يخرجون كأنهم القراطيس ) جمع قرطاس بكسر القاف وضمها لغتان، وهو الصحيفة التى
يكتب فيها، ووجه الشبه البياض بعد اغتسالهم وزوال ما كان عليه من السواد.
( قلنا: ويحكم، أترون الشيخ يكذب على رسول اللَّه؟) أى قال: يزيد الفقير لزملائه من
الخوارج: أتظنون أن الشيخ جابر بن عبد اللَّه يكذب على رسول اللّه ﴿؟.
(فرجعنا، فلا واللَّه ماخرج منا غير رجل واحد) معناه: رجعنا من حجنا، وقد كففنا عن
رأى الخوارج وتبنا منه، ولم يخرج منا [أى لم يبق من الخوارج منا] إلا رجل واحد.؟
فقه الحديث
ساق الإمام مسلم هذا الحديث هنا للاستشهاد به على رؤية اللَّه تعالى فى الآخرة، لكنه فى
مجموع رواياته يتناول مع ذلك أموراً مهمة هى: ما قبل الصراط من أمور الآخرة - الصراط وأحوال
الناس عليه - دخول عصاة المؤمنين النار وخروجهم منها - آخر أهل النار خروجاً منها وآخر أهل
الجنة دخولا لها - الشفاعة - ما يؤخذ من الحديث.
١- أما رؤية الله تعالى فى الآخرة فقد تعرض الحديثان السابقان لرؤية المؤمنين لربهم سبحانه
وتعالى فى الجنة، وقد ذكرنا فى شرحهما آراء العلماء فى الرؤية، وأدلة كل فريق.
أما الرؤية الواردة فى هذا الحديث فقد قال الخطابي: هذه الرؤية غير التى تقع فى الجنة، إكراماً
للمؤمنين، فإن هذه للامتحان، وتلك لزيادة الإكرام. قال: ولا إشكال فى حصول الامتحان فى الموقف،
لأن آثار التكاليف لاتنقطع إلا بعد الاستقرار فى الجنة أو النار.
والألفاظ الواردة هنا فى الرؤية هى: أن ناسا سألوا رسول اللَّه# هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال
٦١٥

رسول اللّه : نعم. هل تضارون فى رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب؟ قالوا: لا يارسول
الله. قال: هل تضارون فى رؤية الشمس بالظهيرة صحوًّا ليس معها سحاب؟ قالوا: لا يارسول اللّه.
قال: فإنكم ترونه كذلك)) ((ماتضارون فى رؤية اللَّه تبارك وتعالى يوم القيامة إلا كما تضارون فى رؤية
أحدهما)) ((وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها؛ فيأتيهم اللَّه - تبارك وتعالى - فى صورة غير صورته التى
يعرفون، فيقول: أنا ربكم. فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا، حتى يأتينا ربنا. فإذا جاء ربنا
عرفناه، فيأتيهم اللَّه تعالى فى صورته التى يعرفون. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه، ثم
يضرب الصراط».
وفى الرواية الثالثة: ((حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد اللّه تعالى، من بر وفاجر، أتاهم رب
العالمين - سبحانه وتعالى - فى أدنى صورة من التى رأوه فيها. قال: فما تنتظرون؟ تتبع كل أمة ما
كانت تعبد. قالوا: ياربنا، فارقنا الناس فى الدنيا أفقر ما كنا إليهم، ولم نصاحبهم فيقول: أنا ربكم.
فيقولون: نعوذ باللّه منك، لانشرك بالله شيئاً - مرتين أو ثلاثاً - حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب،
فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم. فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد
للَّه من تلقاء نفسه إلا أذن له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل اللَّه ظهره طبقة
واحدة، كلما أراد أن يسجد خرعلى قفاه، ثم يرفعون رءوسهم، وقد تحول فى صورته التى رأوه فيها
أول مرة، فقال: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا، ثم يضرب الجسر على جهنم)).
ومن هذه الألفاظ يتضح أن هذه الرؤية فى نهاية موقف الحشر، وقبل ضرب الصراط.
وفى شرحها يقول الإمام النووى: اعلم أن لأهل العلم فى أحاديث الصفات وآيات
الصفات قولين:
أحدهما: وهو مذهب معظم السلف أو كلهم - أنه لا يتكلم فى معناها، بل يقولون: يجب علينا أن
نؤمن ونعتقد لها معنى يليق بجلال اللَّه تعالى وعظمته، مع اعتقادنا الجازم أن اللَّه تعالى ليس كمثله
شىء، وأنه منزه عن التجسم والانتقال والتحيز فى جهة، وعن سائر صفات المخلوق.
والقول الثانى : - وهو مذهب معظم المتكلمين - أنها تتأول على ما يليق بها على حسب مواقعها،
وإنما يسوغ تأويلها لمن كان من أهله، بأن يكون عارفا بلسان العرب وقواعد الأصول والفروع، ذا
رياضة فى العلم، فعلى هذا المذهب يقال هنا: إن إتيان اللَّه تعالى عبارة عن رؤيتهم إياه، لأن العادة
أن من غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته إلا بالإتيان، فعبر بالإتيان هنا عن الرؤية مجازاً. وقيل: الإتيان
فعل من أفعال اللَّه تعالى، سماه إتيانا، وقيل: المراد بيأتيهم اللَّه، يأتيهم بعض ملائكة اللَّه. قال
القاضى عياض: هذا الوجه أشبه عندى بالحديث، ويكون هذا الملك الذى جاءهم فى الصورة التى
أنكروها من سمات الحدث الظاهرة على الملك والمخلوق. قال: أو يكون معناه: يأتيهم اللَّه فى صورة،
أى يأتيهم بصورة، ويظهر لهم من صور ملائكته ومخلوقاته التى لا تشبه صفات الإله لتختبرهم، فإذا
قال لهم هذا الملك، أو هذه الصورة: أنا ربكم، رأوا عليه من علامات المخلوق ماينكرونه ويعلمون أنه
٦١٦

ليس ربهم، ويستعيذون باللّه منه. أما الصورة التى يعرفون فالمراد بها هنا الصفة، ومعناه: فيتجلى
الله -سبحانه وتعالى- لهم على الصفة التى يعلمونها ويعرفونه بها، وإنما عرفوه بصفته وإن لم تكن
تقدمت لهم رؤية له سبحانه وتعالى لأنهم يرونه لايشبه شيئاً من مخلوقاته، وقد علموا أنه لا يشبه
شيئا من مخلوقاته، فيعلمون أنه ربهم، فيقولون: أنت ربنا. ومعنى ((فيتبعونه)) فيتبعون أمره إياهم
بذهابهم إلى الجنة، أو يتبعون ملائكته الذين يذهبون بهم إلى الجنة. اهـ
وقال ابن بطال: تمسك المجسمة بهذا الحديث، فأثبتوا اللَّه صورة، ولا حجة لهم فيه، لاحتمال أن
يكون بمعنى العلامة، وضعها اللَّه لهم دليلا على معرفته، كما يسمى الدليل والعلامة صورة، وكما تقول:
صورة حديثك كذا، وصورة الأمر كذا، والحديث والأمر لا صورة لهما حقيقة. اهـ
وقال ابن الجوزى: معنى الخبر: يأتيهم اللَّه بأهوال يوم القيامة ومن صور الملائكة بما لم يعهدوا
مثله فى الدنيا، فيستعيذون من تلك الحال، ويقولون: إذا جاء رينا عرفناه، أى إذا أتانا بما نعرفه من
لطفه، وهى الصورة التى عبر عنها بقوله: يكشف عن ساق)) أى عن شدة. اهـ
وقال القرطبى: هو مقام هائل، يمتحن الله به عباده يميز الخبيث من الطيب، وذلك أنه لما بقى
المنافقون مختلطين بالمؤمنين زاعمين أنهم منهم، ظانين أن ذلك يجوز فى ذلك الوقت، كما جازفى
الدنيا، امتحنهم اللَّه بأن أتاهم بصورة هائلة، قالت للجميع: أنا ربكم. فأجابه المؤمنون بإنكار ذلك،
لما سبق لهم معرفته سبحانه وأنه منزه عن صفات هذه الصورة، فلهذا قالوا: نعوذ بالله منك لا نشرك
بالله شيئا، حتى إن بعضهم ليكاد ينقلب أى يزل، فيوافق المنافقين. اهـ
وقد فهم بعضهم من قوله: ((وقد تحول فى صورته التى رأوه فيها أول مرة))
أنهم رأوه أول ما حشروا.
وقال آخرون: إنهم عرفوا صورته بناء على ماعرفوه به حين أخرج ذرية آدم من صلبه، ثم أنساهم
ذلك فى الدنيا، ثم يذكرهم بها فى الآخرة.
وقال آخرون: إن العلامة التى عرفوه بها، وهى الساق، يحتمل أن اللَّه عرفهم على ألسنة الرسل من
الملائكة أن اللَّه جعل لهم علامة تجليه سبحانه كشف الساق.
وقال الكلابانى: عرفوه بأن أحدث فيهم لطائف عرفهم بها نفسه، ومعنى كشف الساق: زوال
الخوف والهول. والله أعلم.
وفى تشبيه رؤيته - سبحانه وتعالى - برؤية الشمس والقمر قال الزين بن المنير: إنما خص
الشمس والقمر بالذكر مع أن رؤية السماء بغير سحاب أكبرآية، وأعظم خلقا من مجرد الشمس
والقمر، لما خص به من عظيم النور والضياء بحيث صار التشبيه بهما فيمن يوصف بالجمال والكمال
سائغا شائعا فى الاستعمال. اهـ
وقال ابن أبى جمرة: فى عطف الشمس على القمر مع أن تحصيل الرؤية بذكره كاف، لأن القمرلا
٦١٧

يدرك وصفه الأعمى حساً بل تقليداً، والشمس يدركها الأعمى حسّاً بوجود حرها، إذا قابلها وقت
الظهيرة مثلا فحسن التأكيد بها. اهـ والله أعلم.
٢- وأما ما قبل الصراط من أمور الآخرة فقد تعرض الحديث لنهاية الحشر والموقف العظيم،
حين يؤذن المؤذن: ((ليتبع كل أمة ما كانت تعبد)) ((من كان يعبد شيئا فليتبعه)» فيتمثل لهم ما
كانوا يعبدون، فيتمثل لصاحب الصليب صليبه، ولصاحب التصاوير تصاويره)»، «فيتبع من كان يعبد
الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، فيقذف
بهم وبمعبوداتهم فى النار». «فلا يبقى أحد كان يعبد غير اللَّه - سبحانه - من الأصنام والأنصاب إلا
يتساقطون فى النار، ومصداقه من القرآن قوله تعالى: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمْ﴾
[الأنبياء: ٩٨] حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد اللَّه من بر وفاجر وغبر أهل الكتاب، فيدعى اليهود
[الذين حرفوا وبدلوا] فيقول لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله، فيقال لهم: كذبتم
ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد؛ فماذا تبغون؟ قالوا عطشنا ياربنا، فاسقنا، فيشار إليهم [نحو النار
وهى كالسراب، فيخيل إليهم أنها ماء، ويقال لهم]. ألا تردون ؟ فيحشرون إلى النار، كأنها سراب،
يحطم بعضها بعضا. فيتساقطون فى النار، ثم يدعى النصارى [الذين انحرفوا وبدلوا] فيقال لهم:
ماكنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم. ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد،
فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا ياربنا فاسقنا. فيشار إليهم: ألا تردون؟ فيحشرون إلى
جهنم، كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون فى النار.
قال بعض الأفاضل: إن كل ما كان يعبد من دون اللَّه، من الجماد أو الحيوان يحضر بذاته فيتبعه
أتباعه إلى النار، وكذا كل من عبد من دون اللَّه ممن يرضى بذلك كفرعون، أما من عبد من دون الله
ممن لا يرضى بهذه العبادة كعزير والمسيح فقد قال بعضهم: يمثل لهم المعبود تلبيسا عليهم فيتبعونه
إلى النار، وهذا بعيد فإن الروايات صريحة فى أنهم يساقون إلى النار بدافع أنها ماء، فهم متبعون
للسراب، وليس لمعبودهم، كما أن بقاء هذين الفريقين، بعد اتباع كل أمة معبودها دليل على أنهم لا
يمثل لهم معبود يتبعونه، ولعل تأخرهم عن عبدة الأوثان باعتبار أنهم عبدوا الله، وإن كانت عبادة
خاطئة، فلم تغن عنهم شيئا، وألحقوا بأصحاب الأوثان، ومصداقه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ
أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ [البينة: ٦].
والتكذيب الوارد فى الحديث - كما قال الكرمانى - لم يكذب أنهم عبدوا، وإنما كذبهم فى أن
عزيرا ابن اللَّه، وأن المسيح ابن الله، ويلزم منه إنكار عبادتهم ما ليس ابن اللَّه.
نعم لم يتعرض الحديث لمصير اليهود والنصارى الذين لم يعبدوا عزيرا أو المسيح ممن لم يدركوا
مبعث النبى ، أولم تبلغهم دعوته والظاهر: أنهم يبقون من المسلمين، يدل على هذا باقى الحديث،
وفيه فى الرواية الثالثة ((حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله (وحده ) من بر وفاجر أتاهم
رب العالمين)».
٦١٨

وفى الرواية الأولى («وتبقى هذه الأمة، فيها منافقوها، فيأتيها الله تبارك وتعالى)).
قال ابن أبى جمرة: يحتمل أن يكون المراد بالأمة أمة محمد، ويحتمل أن يحمل على أعم من
ذلك، فيدخل فيه جميع أهل التوحيد، حتى من الجن، ويدل عليه ما فى بقية الحديث أنه يبقى من
كان يعبد اللَّه من بروفاجر اهـ
وقال الحافظ ابن حجر: ويؤخذ هذا أيضا من قوله فى بقية الحديث ((فأكون أول من يجيز)) فإن
فيه إشارة إلى أن الأنبياء بعده يجيزون أممهم. اهـ
ومن هذا يعلم مصير الغابرين من أهل الكتاب، فالمؤمنون منهم إيمانا صحيحا قبل المبعث
سيجتازون الصراط مع أنبيائهم، أما من أدرك البعثة منهم، ثم كفر بما جاءه من الحق الذى يعرفه
كما يعرف أبناءه فهو مسوق إلى النار. داخل فى قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾.
أما المنافقون فإنهم يتأخرون مع المؤمنين، ويعطى كل واحد منهم نورا مع المؤمنين لما كانوا
يظهرونه من الإسلام، وهم يظنون أن تسترهم بالمؤمنين ينفعهم فى الآخرة، كما كان ينفعهم فى
الدنيا، لكن اللَّه يميز المؤمنين حين يتجلى لهم سبحانه ((فلا يبقى من كان يسجد للَّه من تلقاء نفسه
إلا أذن له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد
أن يسجد خر على قفاه)). ((ثم يطفأ نور المنافقين)) حين يتجهون إلى الصراط، فيقول المنافقون
للذين آمنوا: ﴿انْظُرُونَا نَفْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣] فيرجعون
إلى المكان الذى قسم فيه النور فلا يجدون شيئا، فيندفعون إلى النار.
٣- وأما عن الصراط وأحوال الناس عليه فإنه يضرب الصراط بين ظهرى جهنم فيكون نبينا و لا
هو وأمته أول من يجيز، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم. سلم. وفى جهنم
كلاليب مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا اللَّه، تخطف الناس بأعمالهم فمنهم
المؤمن بقى بعمله (لايخطف) ومنهم المجازى حتى ينجى ((من المؤمنين من يمر)» (على الصراط)
كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم، ومخدوش مرسل
(ينجو بعد الإصابات) ومكدوس (مركوم) فى نار جهنم)».
هذا ما ورد عن الصراط فى رواياتنا، وقد جاءت بعض الروايات بزيادات فى وصفه ووصف
الكلاليب، وفى رواية لأبى هريرة ((وفى حافتى الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به))
وفى رواية ((عليه كلاليب النار)» وفى مرسل عبيد بن عمير «أن الصراط مثل السيف ويجنبتيه كلاليب
وأنه يؤخذ بالكلوب الواحد أكثر من ربيعة ومضر)) وفيه ((والملائكة على جنبتيه يقولون: يارب سلم.
سلم)) وعند مسلم قال أبو سعيد: ((بلغنى أن الصراط أحد من السيف، وأدق من الشعرة، وأخرج ابن
المبارك عن سعيد بن أبى هلال قال: «بلغنا أن الصراط أدق من الشعر على بعض الناس، ولبعض
٦١٩

الناس مثل الوادى الواسع)» وعند الحاكم من حديث عبد الله بن سلام)» ثم ينادى مناد أين محمد
وأمته؟ فيقوم، فتتبعه أمته، برها وفاجرها، فيأخذون الجسر، فيطمس اللَّه أبصار أعدائه، فيتهافتون
عن يمين وشمال، وينجو النبى {8 والصالحون)) وفى حديث ابن عباس يرفعه ((فيفرج لنا الأمم عن
طريقنا، فنمرغرا محجلين من آثار الطهور، فتقول الأمم: كادت هذه الأمة أن يكونوا أنبياء)»
والترمذى من حديث المغيرة ((شعار المؤمن على الصراط: رب سلم. سلم)) وأخرج ابن عساكر عن
الفضيل ابن عياض قال: «لايجوز عليه إلا ضامر مهزول من خشية الله)). وفى حديث ابن مسعود ((ثم
يقال لهم: انحوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كطرف العين، ثم كالبرق، ثم كالسحاب، ثم
كانقضاض الكوكب، ثم كالريح، ثم كشد الفرس، ثم كشد الرحل، حتى يمر الرجل الذى أعطى نوره
على إبهام قدمه يحبو على وجهه ويديه ورجليه، يجربيد ويعلق بيد، ويجر برجل ويعلق برجل،
وتضرب جوانبه النار حتى يخلص)) وفى أخرى عن ابن مسعود بعد الذى يمر كالريح ((ثم كأسرع
البهائم، حتى يمر الرجل سعيا، ثم مشيا، ثم آخرهم يتلبط على بطنه، فيقول: يارب، لم أبطأت بى؟
فيقول: أبطأ بك عملك)).
٤- من هذا كله يتبين أن عصاة المؤمنين يسقطون فى النار، ولا خلاف بين العلماء فى سقوط
من لم تشملهم رحمة اللَّه من مرتكبى الكبائر، اللهم إلا ما قيل عن غلاة المرجئة من أنه لا يضر من
الإيمان شىء، وأنه لايدخل النار أحد من الموحدين، وهو قول واضح البطلان، ولكن الخلاف الكبير فى
إخراج العصاة من النار بعد أن يدخلوها، فمذهب المعتزلة أن أصحاب الكبائر مخلدون فى النار،
ومذهب الخوارج أن أصحاب الكبائر كفار يخلدون فى النار، والرواية السادسة عشرة توضح شبهتهم
وتعلقهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَّهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] وقوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ
يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠] والرد عليهم: أن الآيتين فى الكافرين، وأن الخزى الذى
يلحق مرتكب الكبيرة مؤقت بمدة عذابه، ورواياتنا المتعددة واضحة فى تأييد هذا القول:
ففى الرواية الأولى: «حتى إذا فرغ اللَّه من القضاء بين العباد، وأريد أن يخرج برحمته من أراد
من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا، ممن أراد اللَّه تعالى أن
يرحمه، ممن يقول: لا إله إلا الله، فيعرفونهم فى النار، يعرفونهم بأثر السجود، تأكل النار من ابن آدم
إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار وقد امتحشوا فيصب
عليهم ماء الحياة فينبتون منه كما تنبت الحبة فى حميل السيل)».
وفى الرواية الثالثة: يشفع المؤمنون الناجون لإخوانهم الذين فى النار يقولون: «ربنا كانوا
يصومون معنا، ويصلون ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون
خلقا كثيرًا، قد أخذت النار إلى نصف ساقيه، وإلى ركبتيه، ثم يقولون: ربنا، ما بقى فيها أحد ممن
أمرتنا به. فيقول: ارجعوا، فمن وجدتم فى قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا
كثيراً، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم فى قلبه مثقال
٦٢٠