Indexed OCR Text

Pages 421-440

(إن اللَّه كتب الحسنات والسيئات) يحتمل أن يكون هذا من قول اللَّه تعالى، فيكون
التقدير: قال الله: إن الله كتب، ويحتمل أن يكون من كلام النبى وللت، يحكيه عن فعل الله تعالى،
ومعنى ((كتب)) أمر الحفظة أن تكتب، أو المراد قدر ذلك فى علمه.
( ثم بين ذلك، فمن هم) أى ثم بين اللَّه ذلك أى فصله، وقوله: ((فمن هم)) شرح اسم الإشارة
((ذلك)) والمشار إليه كتابة الحسنات والسيئات، والمعنى: كتب الحسنات والسيئات ثم فصل هذه
الكتابة بقوله: فمن هم إلخ.
(كتبها الله عنده حسنة كاملة) (عنده)) أى عند اللَّه، والقصد منها الإشارة إلى الشرف،
ومزيد الاعتناء به، ووصف الحسنة بالكمال لرفع توهم نقصها، لكونها نشأت عن الهم المجرد، فكأنه
قيل: بل هى كاملة لا نقص فيها، وفيها تعظيم الحسنة وتأكيد أمرها.
( كتبها الله سيئة واحدة) لم يصف السيئة بكاملة، كما وصف الحسنة، بل أكدها بقوله
((واحدة)) إشارة إلى تخفيفها، مبالغة فى الفضل والإحسان.
(ومحاها اللّه) وفى رواية ((أو يمحوها)) فالواو فى ((ومحاها)) بمعنى ((أو)) أى كتبها اللَّه
سيئة، فأبقاها أو محاها.
(ولا يهلك على اللَّه إلا هالك) ((على)) بمعنى عند، أى من كثرت سيئاته مع هذا الفضل،
وهذا الكرم فهو مستحق للهلاك، كأنه قال: ولا يهلك مع هذه السعة إلا مجرم متأصل الإجرام مسرف
فى المعاصى مستحق الهلاك.
فقه الحديث
ما يقع فى النفس يتدرج فى أربع مراتب:
الأولى: الخاطر والهاجس: وهو أن يخطر الشىء فى النفس، ثم يذهب سريعاً لايثبت، بل يندفع
ولا يستقر، وهو من الوسوسة، وهو فى السيئات معفو عنه بلا خلاف.
الثانية: التردد : وهو فوق الخاطر، يخطر الشىء، فيهمُّ به ثم ينفر عنه، ثم يهم به ، ثم ينفر عنه ،
ولا يستمر على قصده ، ولا على تركه، بالتساوى بين القصد والترك ، وهو فى السيئات معفو عنه أيضاً
بلا خلاف.
الثالثة: الهم: وهو ترجيح القصد، والميل إلى الشىء، وعدم النفور عنه والرغبة فى الفعل، وإرادته
التى لم تصل إلى العزم والتصميم، وهو فى السيئات معفو عنه أيضاً بنص وفقه هذه الأحاديث.
وهذه المراتب الثلاث إذا شغل أى منها بالخير والحسنات، رجونا أن تكتب حسنات بفضل الله
وكرمه، وإن كانت حسنة الخاطر أقل من حسنة التردد، التى تكون أقل من حسنة الهم، وهكذا.
٤٢١

الرابعة: العزم والتصميم، وهو الميل إلى الشىء وعدم النفور عنه والتصميم على فعله، وقوة قصده،
ورفع التردد فيه.
فإذا افترضنا درجة حسابية مئوية أعطينا الخاطر ما دون الـ ٥٠٪ وتختلف مراتبه، وأعطينا
التردد والتأرجح ٥٠٪ وأعطينا الهم من ٥١٪ إلى ٩٠٪ مثلا، وتتفاوت مراتبه، وأعطينا العزم ما فوق
ذلك، وتتفاوت مراتبه أيضاً.
ولما كانت هذه المراتب الأربع يطلق عليها حديث النفس، خشى الصحابة أن يؤاخذوا بها كلها،
حين نزل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فبين لهم أن اللَّه
لا يكلف نفساً إلا وسعها - كما تقدم فى الحديث السابق - ووضح لهم فى هذه الأحاديث أن اللَّه
تجاوز لأمة محمد { عما حدثت به نفسها، وأن من هم بحسنة فله كذا، ومن هم بسيئة فحكمه كذا.
وقد قدمت أن المراتب الثلاث الأولى لا خلاف فى تجاوز الله عنها، أما المرتبة الرابعة وهى العزم
والتصميم، واستقرار الفعل فى النفس، وعدم التردد فيه، فهى من حيث ما يتعلق بها به قسمان: قسم
خاص بالعقيدة وهو من أعمال القلوب وحدها، كالإيمان بالله تعالى وبالرسول / وباليوم الآخروبما
علم من الدين بالضرورة، فالشك فيه وإنكاره قلبا كفر، ويعاقب عليه بلا خلاف.
وقسم دون ذلك من المعاصى، وفى تجاوز اللّه عنه خلاف بين العلماء.
إذ ذهب فريق الورع وتغليب الخوف على الرجاء إلى المؤاخذة عليه، مستدلين بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ
الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور: ١٩]
وبقوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٣٥] وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ
الظَّنَّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] وقوله: ﴿وَلَكِن يُّؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار، قيل: هذا
القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)».
وحملوا أحاديث العفوالتى معنا على ما دون العزم والتصميم من الخاطر والتردد والهم، نعم
قالوا: إن العزم على السيئة يكتب سيئة مجردة، وليست السيئة التى هم أن يعملها، فسيئة العزم غير
سيئة الفعل. ثم افترق هؤلاء فقالت طائفة: بل يعاقب عليه يوم القيامة، ولكن بالعتاب لا بالعذاب،
وحملوا عليه النجوى.
وذهب الذين يغلبون الرجاء إلى أن اللَّه قد تجاوز عن حديث النفس، ولا يؤاخذ -فى غير الكفر-
إلا على أفعال الجوارح، واستدلوا بقوله صلى اللَّه عليه وسلم ((إن اللَّه تجاوز لأمتى عما حدثت به
أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به)) فما قبل الكلام والفعل متجاوز عنه بنص الحديث.
ثم الحديث القدسى يقول: ((إذا هم عبدى بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة»
ويقول فى الرواية الأخرى: ((وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها سيئة
واحدة))، ويقول فى الرواية التى بعدها: ((وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها ما لم يعملها، فإذا
٤٢٢

عملها فأنا أكتبها عليه بمثلها» ويقول للملائكة فى الرواية التى بعدها ((ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها
له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جرای».
كل هذه الأحاديث واضحة وصريحة فى أن الكتابة والمؤاخذة موقوفة على العمل، أى العمل
بالجوارح، لأن العمل إذا أطلق فى مقابلة الهم كان ظاهراً فى عمل الجوارح، بعيداً عن العزم
والتصميم، ثم إن المقام مقام الفضل والتسامح، فلا يليق التضييق فيه.
وأجابوا عن الآية التى فى سورة النور بأن المعنى: إن الذين يشيعون الفاحشة ويحبون ذلك،
فالعذاب متوعد به على إشاعة الفاحشة مع حبها، لا على الحب وحده، لأنه أمر لا يملك، فلا عقاب
عليه ولا مؤاخذة، وإنما العقاب على أسبابه المكتسبة، وعلى الآثار المترتبة عليه.
وعن قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَّا فَعَلُوا ﴾ بأن عدم الإصرار ذكر كشرط لقبول التوبة، لا على
أنه أساس عقوبة جديدة، إذ الآية تقول: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةٌ أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ
فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَّغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ جَرَاؤُهُمْ
مَغْفِرَةٌ مِن رَّبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥- ١٣٦] ومن المعلوم أن الإصرار على الذنب الذى ارتكب إنما هو
امتداد لهذا الذنب.
وعن قوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِن الظَّنَّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنَّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] بأن
الظن المطلوب اجتنابه هو ذو الأسباب المكتسبة، أو ذو الآثار المترتبة عليه المقدورة،
وسيأتى تمام إيضاحة.
وعن قوله تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُّكُمْ﴾ بأنه ليس وعيدا لما كسبت القلوب
وحدها، وإنما هو فى مصاحبة القلوب للأعمال، والعفو عن الأعمال التى لم تصاحبها النية، إذ الآية
كاملة تقول: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِفِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾
[البقرة: ٢٢٥] ومن الواضح أنه لو عزم على الحلف ولم يحلف لا يعد حالفاً.
وعن قوله صلى اللَّه عليه وسلم: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار))
أجابوا بأن مؤاخذة المقتول ليست على العزم وحده، وإنما هى على الالتقاء، وشهر السلاح، وهو المراد
بالحرص على قتل صاحبه، وهذا الفعل يؤاخذ به، حصل القتل أو لم يحصل.
وهؤلاء القائلون بعدم المؤاخذة على العزم إذا لم يصاحبه عمل افترقوا ثلاث فرق:
فرقة تقول بذلك على الإطلاق بدون استثناء.
وفرقة تستثنى منه العزم على المعصية فى الحرم استدلالا بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُّرِدْ فِيهِ يالْحَادٍ
بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الحج: ٢٥] وتعقب هذا بأن تعظيم اللَّه آكد من تعظيم الحرم، ومع ذلك لا
يؤاخذ من عزم على معصيته، فكيف يؤاخذ بما دونه؟ ويجاب عن هذا التعقب بأن المعصية فى
الحرم فيها ترك تعظيم الله، وترك تعظيم الحرم، فصارت المعصية فيه أشد من المعصية فى غيره،
٤٢٣

فيحتمل المؤاخذة على العزم فيه، ويمكن أن يلحق به من عزم على المعصية قاصداً الاستخفاف
بالمعاصى، وهو ملحظ حسن.
وفرقة تستثنى منه العزم على المعاصى التى محلها القلب، ولا تتعلق بفعل خارجى، كالكبر
والعجب والمكر والحسد والظن، والتحقيق أن المؤاخذ عليه فى مثل هذه الأمور إنما هو تناول
الأسباب المكتسبة المؤدية إليها، والآثار الخارجية المترتبة عليها، يدل على ذلك قوله صلى الله عليه
وسلم: ((ثلاث لا يسلم منها أحد: الطيرة، والظن، والحسد، قيل: فما المخرج منهن يا رسول الله؟ قال:
إذا تطيرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ».
)) أما بعد)» ففى هذه الأحاديث موضوع البحث أحاديث قدسية، وأحاديث نبوية، وقد قيل فى
الفرق بينهما: إن الحديث القدسى لفظه ومعناه من عند الله، والحديث النبوى لفظه من عند الرسول
* ومعناه من عند الله، وأن الحديث القدسى يسند إلى اللّه تعالى فيقال عنه: قال اللّه تعالى،
والحديث النبوى يسند إلى النبى ◌َل.
والفرق بين القرآن الكريم والحديث القدسى -بناء على هذا- أن القرآن متواتر يكفر من جحد
شيئاً منه، بخلاف الحديث القدسى، وأن القرآن قصد بلفظه التحدى والإعجاز بخلاف الحديث
القدسى، وإن كان فى أعلى درجات البلاغة، وأن القرآن يتعبد بقراءته فى الصلاة وغيرها بخلاف
الحديث القدسى.
ويؤخذ من مجموعة أحاديث الباب
١- أن المؤاخذة إنما تقع لمن هم على المعصية، فشرع فيها، لا من هم بها ولم يتصل بها العمل، ولو
كان لمانع خارج عن إرادته، كمن قصد امرأة يزنى بها، فلم تحضر، أو جاءه من يخلف موعده.
٢- أن من تركها خوف اللّه كتبت له حسنة، أخذاً من قوله فى الرواية الخامسة، «وإن تركها
فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جراى))، وفى رواية البخارى: ((وإن تركها من أجلى فاكتبوها
له حسنة».
٣- فيها دليل على أن الملك يطلع على ما فى قلب الآدمى، ليكتب الحسنة إذا هم بها، وذلك إما
بإطلاع اللَّه إياه، أو بأن يخلق له علماً يدرك به ذلك.
يؤيد الأول ما أخرجه ابن أبى الدنيا، عن أبي عمران الجونى قال: «ينادى الملك: اكتب لفلان
كذا كذا، فيقول: يا رب إنه لم يعمله. فيقول: إنه نواه)).
٤- إن الهم بالحسنة يكتب حسنة كاملة، لأن إرادة الخير خير، ولا يقال: إذا كانت إرادة الحسنة
حسنة فلم لم تضاعف والله يقول: ﴿مَن جَاءَ بالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]؟ لأنا
نقول إن ذلك التضعيف خاص بأعمال الجوارح، لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿مَن جَاءَّ بِالْحَسَنَةِ﴾
والمجىء بها هو العمل، وإلا لزم مساواة من نوى الخير بمن فعله.
٤٢٤

٥- أنه إن فعل الحسنة التى هم بها كتبت له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، وليس معنى ذلك أن
حسنة الإرادة تضاف إلى عشرة التضعيف فتكون الجملة إحدى عشرة كما هو ظاهر قوله: ((فإذا
عملها فأنا أكتبها له بعشر أمثالها)» بل إن القصد أن حسنة الإرادة تندرج فى عشر العمل، ولا
يقال: إنه يلزم من ذلك مساواة من عمل الحسنة بغتة دون عزم، ومن عملها بعد الهم والعزم، لأنا
نقول: لعل حسنة من هم وعزم تكون أعظم قدراً ممن لم يهم بها ولم يعزم.
٦- وأنه إن ترك عمل الحسنة التى هم بها كتبت له حسنة كاملة بقطع النظر عن سبب الترك، سواء
أكان لمانع أم لا، نعم يمكن أن يتفاوت عظم الحسنة بحسب المانع، فإن كان خارجياً، مع بقاء
قصد المحسن فهى عظيمة القدر، خصوصاً إذا صاحبه ندم على التفويت، وإن كان الترك من
جهة الشخص نفسه فالحسنة أقل قدراً، فإن قارنها وصاحبها فى هذه الحالة قصد الإعراض
عنها، والرغبة عن فعلها جملة كانت أقل قدراً من سابقتها، فإن تركها وأوقع العمل فى عكسها،
كأن يريد أن يتصدق بدرهم مثلا، فصرفه بعينه فى معصية، فحسنة عزمه الأول أقل وأقل، بل
رجح الحافظ ابن حجر ألا يكتب له حسنة أصلا.
٧- يؤخذ من قوله فى الرواية السابعة: ((إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة)) أن الزيادة على
السبعمائة ضعف ليس خاصاً بالنفقة فى سبيل اللَّه - كما قيل - وإنما هو عام فى وجوه الخير
من حيث الزيادة فى الإخلاص، وصدق العزم، وحضور القلب، وتعدى النفع.
٨- قال ابن بطال: فى هذا الحديث بيان فضل اللَّه العظيم على هذه الأمة، لأنه لولا ذلك لكاد أن لا
يدخل أحد الجنة، لأن عمل العباد للسيئات أكثر من عملهم الحسنات، ويؤيد ما دل عليه حديث
الباب من الإثابة على الهم بالحسنة، وعدم المؤاخذة على الهم بالسيئة قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا
كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] إذ ذكر فى السوء الافتعال الذى يدل على المعالجة
والتكلف فيه، بخلاف الحسنة.
٩- وفيه أن اللَّه سبحانه وتعالى بفضله وكرمه جعل العدل فى السيئة والفضل فى الحسنة، فضاعف
الحسنة، ولم يضاعف السيئة، بل أضاف فيها إلى العدل الفضل، فأدارها بين العقوبة والعفو،
بقوله فى الرواية السابعة ((ومحاها)) وفى رواية البخارى ((فجزاؤه مثلها أو أغفر)).
١٠- استدل به على أن الحفظة لا تكتب المباح، للتقييد بالحسنات والسيئات.
١١- وفيه رد على الكعبى فى زعمه أنه ليس فى الشرع مباح، بل الفاعل إما عاص وإما مثاب، فمن
اشتغل عن المعصية بشىء فهو مثاب، ووجه الرد أن تارك المعصية لا يثاب على الترك إلا إذا
قصد به رضا الله تعالى كما قدمنا.
١٢- أخذ بعضهم من قوله: ((إن اللَّه تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها)» أن هذا خصوصية لأمة
والله أعلم
٤٢٥

(٧٩) باب الوسوسة فى الإيمان
٢٢٢ - ٢١٩ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٌ ﴾(٢٠١٩) قَالَ: جَاءٌ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ لَ﴿ فَسَأَلُوهُ: إِنَّا
نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلِّمَ بِهِ. قَالَ « وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟» قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ
«ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ ».
٢١٠- بِهِذَا الْحَدِيثِ(٢١٠).
٢٢٣- ٢١١ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ﴾(٢١) قَالَ: سُئِلَ النّبِيُّ ◌َ﴿ عَنِ الْوَسْوَسَةِ. قَالَ: «تِلْكَ
مَحْضُ الإِيمَانِ».
المعنى العام
لا يفتأ الشيطان يحارب المؤمن، يأتيه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، ليحول
بينه وبين الجنة، ليخرجه من حزب اللَّه إلى حزب إبليس وجنوده.
وللشيطان فى هذه الحرب وسائله التى تختلف باختلاف عدوه، فمع ضعيف الإيمان يستعمل
الإغواء فى الشهوات، والترغيب فى المعاصى والموبقات، والإبعاد عن الطاعات والتكاسل عن
الواجبات حتى يصل به إلى سهولة الخلاعة من الدين، وزعزعة الإيمان واليقين.
أما المؤمن القوى الذى يئس الشيطان من جره إلى المعاصى، ومنعه من الطاعات فإنه يدخل
عليه باسم التفكير فى الخالق وصفاته وكماله وقدرته التى خلقت السماء والأرض والكائنات، ثم يقفز
به إلى التساؤل عن الذى خلق الله، فيتعاظم هذا الهاجس فى نفس المؤمن، ويكبر أمام عقيدته هذه
الوسوسة، ويعجب كيف وصل به الشيطان إلى هذه النقطة؟ ويستحى أن ينطق أمام أحد بما يسوِّل
له الشيطان، أمام هذا سأل ناس من الصحابة رسول اللّه * عما يجدون، فطمأنهم على إيمانهم،
وأخبرهم أنه إذا وصل المؤمن إلى استعظام ما يوسوس به الشيطان فإنه يكون قد وصل إلى محض
(٢٠٩) حَدَِّي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدََّّا جَرِيرٌ عَنْ سُهَبْلٍ عَنْ أَبِيهِ
(٢١٠) وحَدَّا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَثْنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ عَنْ شَعْبَةً ح وحَدْقَيِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنٍ جَبْلَةَ بْنٍ أَبِي رَوَّادٍ وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ
إِسْحَقَ قَالا حَدََّا أَبُو الْجَوَّابِ عَنْ عَمَّارِ بْنٍ رُزَّبِقٍ كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٌ﴾ عَنِ النَّبِيِّ ﴾
بِهَذَا الْحَدِيثِ
(٢١١) حَذّْا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفْارُ حَدَّقْيِي عَلِيُّ بْنُ عَّامٍ عَنْ سُعَيْرِ بْنِ الْخِمْسِ عَنْ مُغِيرَةً عَنْ إِنْرَاهِيمٌ عَنْ عَلْقَمَةٌ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ
٤٢٦

خفوه يحاسبكم به الله إلخ، ولكن لما كان اللفظ مما يمكن أن تدخل فيه الخواطر التى ليست فى
لوسع أشفق الصحابة والنبى # فبين اللّه لهم ما أراد بالآية، وخصصها ونص على حكمه وأنه لا
كلف نفساً إلا وسعها، والخواطر ليست هى ولا دافعها فى الوسع، بل هى أمر غالب، وليست مما
كتسب، فكان فى هذا البيان فرجهم، وكشف كربهم، فتكون الآية الأولى محكمة مخصوصة.
ثم إنه يمكن أن تكون محكمة مخصوصة بيقين المسلمين ونفاق الكافرين. فكأنه قال: إن تبدوا
ما فى أنفسكم من يقين أو نفاق يحاسبكم به الله.
ثم إنه يمكن أن تكون محكمة وعلى عمومها، وأن الله يحاسب عباده على ما عملوا وعلى ما
أضمروا فيغفر للمؤمنين، ويأخذ أهل الكفر، فقد روى عن ابن عباس، قال: لم تنسخ، ولكن إذا جمع الله
الخلائق يقول: إنى أخبركم بما أكننتم فى أنفسكم، فأما المؤمنون فيخبرهم ثم يغفرلهم، وأما أهل
الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب، فذلك قوله تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَّشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ
بَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] وهو أيضاً قوله: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] فالمحاسبة
إن وقعت لكن لا تقع المؤاخذة.
ويقول هذا الفريق: إن المراد بقوله: ((نسخها اللَّه)) أزال ما تضمنته من الشدة بالتخصيص أو
بالبيان، وكثيراً ما يطلق المتقدمون عليهما لفظ النسخ.
وقد أجاب مدعو النسخ عن هذين الوجهين، فقالوا عن الأول:
إن الآية وإن كانت خبراً فإنه خبر عن تكليف ومؤاخذة بما تكن النفوس، والتعبد بما أمرهم
لنبى * بأن يثبتوا عليه وأن يلتزموه وينتظروا لطف الله فى الغفران، وأن يقولوا سمعنا وأطعنا،
وهذه أقوال وأعمال اللسان والقلب، فينسخ ذلك عنهم برفع الحرج.
وعن الثانى: أن قولهم إن النسخ يصار إليه إذا تعذر البناء كلام صحيح، لكنه فيما لم يرد فيه
النص بالنسخ، فإن ورد وقفنا عنده، نعم اختلف أصحاب الأصول فى قول الصحابى ظه: نسخ كذا
بكذا، هل يكون حجة يثبت بها النسخ أو لا يثبت؟ لأنه قد يكون قوله هذا عن اجتهاده وتأويله، فلا
يكون نسخاً حتى ينقل ذلك عن النبى وُ لد.
وأخيراً قال الواحدى: والمحققون يختارون أن الآية محكمة غير منسوخة. والله أعلم.
هذا وقد أخذ بعضهم من الحديث جواز التكليف بما لا يطاق، محتجاً باستعاذتهم منه، بقوله:
﴿رَيَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةً لَنَا بِهِ﴾ ولا يستعيذون إلا بما يجوز التكليف به. ورد هذا القول بأن معنى
ذلك ما لا نطيقه إلا بمشقة، أما قولهم: ((كلفنا ما نطيق وقد أنزلت عليك آية لا نطيقها، فمرادهم
أيضاً كلفنا ما نطيق بيسر، وقد أنزلت عليك آية لا نطيقها إلا بمشقة، فلا حجة فيه على جواز
التكليف بما لا يطاق.
[خاتمة] قال أبو إسحاق الزجاج: هذا الدعاء الذى فى قوله تعالى: ﴿رَيَّنَا لا تُؤَاخِذْنًا
إن نسِينًا أَوْ أُخْطَأْنَا﴾ إلى آخر سورة البقرة أخبر الله تعالى به النبى { * والمؤمنين، وجعله
٤١٥

الشيطان وكيده، وإنما صريح الإيمان هو العلم بقبح تلك الوساوس، وامتناع قبولها، ووجود النفرة
عنها، كل ذلك دليل على خلوص الإيمان من الشوائب، فإن الكافر يصر على ما فى قلبه من الكفر ولا
ينفرعنه «وإن ضعيف الإيمان يتشكك بمجرد الوسوسة ولا يتعاظم عليه أمرها، ولا يستنكر الكلام بها.
وكان هؤلاء السائلون من الصحابة على درجة كبيرة من اليقين الذى لا يتزعزع، والعقيدة الراسخة
التى لا تؤثر فيها هواجس النفس والشيطان.
ولمعرفة هذه الوسوسة وطريقة الشيطان لزعزعة الإيمان، ووسيلة الوقاية والعلاج انظر شرح
الحديث التالى.
والله أعلم
٤٢٨

(تابع) باب الوسوسة فى الإيمان
٢٢٤ - ٢١٢ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِ(٢١٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ:﴿ « لا يَزَالُ النَّاسُ
يَتّسَاءَلُونْ حَتَّى يُقَالَ: هَذَا، خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَمَنْ وَجْدَ مِنْ ذَلِكَ
شَيْئًا فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ».
٢٢٥ - ٢١٣ عَنْ مِشَامِ بْنِ عُرْوَةً(٢١٣)، بِهَذَا الإِسْنَادِ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: «يَأْتِي
الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ مَنْ خَلَقَ الأَرْضَ؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ» ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ.
وَزَادَ «وَرُسُلِهِ».
٢٢٦ - ٤ ٢١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَه(٢١٤) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿: «يَـأَّتِي الشَّيْطَانُ
أَحَدَكُمْ فَيَقُولَ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ
فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيْشَهِ».
٢٢٧ - ١١٠ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً ﴾(١٠١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿: «يَأْتِي الْعَبْدَ الشَّيْطَانُ
فَيَقُولُ: مَنْ خَلْقَ كَذَا وَكَذَا؟ » مِثْلَ حَدِيثِ ابْنٍ أُخِي ابْنِ شِهَابٍ.
٢٢٨- ٢١٥ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ظْ﴾(٢١٥) عَنِ النّبِيِّ ◌ِ ﴿ قَالَ «لا يَزَالُ النَّاسُ يَسْأَلُونَكُمْ عَنٍ
الْعِلْمِ، حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللَّهُ خَلَقْنَا، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟». قَالَّ، وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ رَجُلٍ فَقَالَ:
صَّدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. قَدْ سَأَلَنِي الْنَانِ وَهَذَا الثَّالِثُ، أَوْ قَالَ: سَأَنِي وَاحِدٌ وَهَذَا الثَّانِي.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﴾ « لا يَزَالُ النَّاسُ»، بِمِثْلٍ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ، غَيْرَ أَنْهُ لَمْ يَذْكُرٍ
الّتِيِّ ◌َ﴿ فِي الإِسْنَادِ. وَلَكِنْ قَدْ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: صَّدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
(٢١٢) حَدَّثََّا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ (وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ) قَالا: حَدََّا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٢١٣) وَحَدَّثًَّا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ حَدَّقْنَا أَبُو النَّصْرِ حَدَّقَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبُ عَنْ هِشَامٍ
(٢١٤) حَدَِّي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّقْنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ حَدََّنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ
عَنْ عَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَبِي غُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنْ أَبَا هُرَيْرَةً قَالَ:
(٠٠٠) حَدَِّي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ قَالَ حَدَِّي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ حَدَّقِيِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ
أَخْبَرَبِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبْرِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ
(٢١٥) حَذِِّي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَّدِ قَالَ حَدَّثَتِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ أَيُوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنٍ سِرِينَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ
- وحَدََِّهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ قَالا حَدََّنَا إِسْمَعِيلُ وَهُوَّ ابْنُ عُلَيَّةً عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةً
٤٢٩

٢٢٩- ٥- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(١١) قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﴿ «لا يَزَالُونَ يَسْأَلُونَكَ، يَا
أَبَا هُرَيْرَةَ، حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللَّهُ. فَمَنْ خَلْقَ اللَّهَ؟» قَالَ، فَبَيْنَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ إِذْ جَاءَِّي نّاسٌ
مِنَّ الأَعْرَابِ. فَقَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةً! هَذَا اللَّهُ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ قَالَ، فَأَخَذَ حَصَّى بِكَفِّهِ فَرَمَاهُمْ.
ثُمَّ قَالَ: قُومُوا. قُومُوا. صَدَّقَ خَلِيلِي.
٢٣٠ - ٢١٦ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٌ ﴾(٢١٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فَ «لَيَسْأَنْكُمُ النَّاسُ عَنْ كُلِّ
شَيْءٍ، حَتّى يَقُولُوا: اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، فَمَنْ خَلَقَهُ؟ ».
٢٣١ - ٢١٧ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(٢١٧) عَنْ رَسُولِ اللّهِعَ ﴿ قَالَ: «قَالَ اللّهُ عَزَّ
وَجَلَّ: إِنَّ أُمَّتَكَ لا يَزَالُونَ يَقُولُونَ: مَا كَذَا؟ مَا كَذَا؟ٍ حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ.
فَمَّنْ خَلَّقَ اللَّهَ؟ ».
١٠٠ وعَنْ أَنَسٍ ﴿ه(١٠١)؛ عَنِ النّبِيِّ ﴿، بِهِذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ أَنَّ إِسْحَقَ لَمْ يَذْكُرْ «قَالَ
قَالَ اللَّهُ إِنَّ أُمَّتَكَ ».
المعنى العام
من وسوسة الشيطان أن يحدث إلى المؤمن، من خلق السماء؟ فيجيب المؤمن: الله، فيسأل: من
خلق الأرض؟ فيجيب: اللَّه. فيسأل: اللَّه هو الذى خلقنا وخلق كل شىء فمن خلق اللَّه؟ وقد يتجه
المؤمن بهذا التساؤل إلى العلماء لعله يجد جواباً تسكن إليه نفسه ويثبت يقينه وإيمانه.
حدث بهذا رسول اللّه، فقال: يأتى الشيطان أحدكم، فيقول له: من خلق كذا وكذا؟ فإذا قال:
اللَّه، قال: إذا كان اللَّه هو خالق كل شىء فمن خلق اللَّه؟ كان اللَّه قبل كل شىء، فمن كان قبله؟
يقول صلى اللَّه عليه وسلم: إذا بلغ الشيطان بالمؤمن إلى هذا السؤال فليستعذ بالله من الشيطان
الرجيم، وليمسك عن هذا التفكير، وليتفل عن شماله وليقل: آمنت بالله ورسوله ﴿اللَّهُ أَحَدِهِ اللَّهُ
الصَّمَدُهِ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوَّا أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: ١-٤].
(١٠) وحَدَّتِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرُّومِيِّ حَدَّْهَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّقْنَا عِكْرِمَةُ وَهُوَ ابْنُ عَمَّارِ حَدَّثْنَا يَحْبَى حَدَّثَّا أَبُو سَلَمَةً
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٢١٦) حَدَّتِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّقْنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ حَدْقَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانٌ حَدَّثْنَا يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةٌ يَقُولُ
(٢١٧) حَدََّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ بْنِ زُرَارَةَ الْحَضْرَعِيُّ حَدَّقْنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ مُخْتَارِ بْنِ قُلْقُلٍ عَنْ أَنَسِ بْنٍ مَالِكٍ
(١٠٠) حَدََّاه ◌ِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبُرَنَا جَرِيرٌ حَ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّقَا حُسَّيْنُ بَّنُ عَلِيَّ عَنْ زَائِدَةَ كِلاهُمَا عَنِ
الْمُخْتَارِ عَنَّ أَنَسٍ
٤٣٠

ثم يوصى رسول اللَّه / علماء الصحابة (إذا جاءهم العامة يسألون) أن يوصدوا باب
هذا التفكير أمامهم، وأن يأمروهم ألا يسترسلوا فيما لا يفيدهم، فإن استرسال العوام فى
ذلك لا يزيدهم إلا حيرة وعليهم أن يلتجئوا إلى اللّه، وأن يعتصموا به، ﴿وَمَن يَّعْتَصِمْ بِاللَّهِ
فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١].
المباحث العربية
( لا يزال الناس يتساءلون ) أى يسأل بعضهم بعضا فيما لا يفيد، وفى رواية البخارى ((لن
يبرح الناس يتساءلون)» وفى رواية ((يسألون)).
(حتى يقال ) مبنى للمجهول، وقد أبرز الفاعل فى بعض الروايات على أنه الشيطان ((أو على
أنهم القائلون. ففى الرواية الثانية والثالثة والرابعة ((يأتى الشيطان أحدكم فيقول)) وفى الرواية
الخامسة والسادسة ((حتى يقولوا)) أى فى أنفسهم أو لغيرهم، كما يأتى.
(هذا خلق الله الخلق) قيل: إن اسم الإشارة نائب فاعل ((يقال)) أو مفعول ((يقولون))
والمعنى: حتى يقال هذا، أو حتى يقولون هذا القول وهو: خلق الله الخلق إلخ، وقيل: إن اسم الإشارة
مبتدأ حذف خبره. أى هذا الأمر قد علم.
(فمن خلق اللّه ) فى جواب شرط مقدر، و((من)) اسم استفهام مبتدأ، والجملة بعده خبر،
والتقدير: إذا ثبت أن اللَّه خلق كل شىء فمن خلق اللَّه؟.
( فمن وجد من ذلك شيئا ) أى من هذه الوسوسة فى نفسه، أو من سائل.
(فليقل: آمنت بالله) أى فليقل في نفسه، أو يتلفظ لنفسه أو لغيره بقوله: آمنت باللّه، وأنه
منزه عن هذا، وأنه أحد صمد. لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. والمقصود من هذا القول قطع
الوسوسة، والاشتغال بإثبات نقيضها.
( يأتى الشيطان أحدكم ) الظاهر أن المراد به شيطان الجن، إبليس أو جنده، وإتيانه إنما
يعرف بالوسوسة، لأننا لا نراه.
( فيقول: من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ فيقول: اللَّه) فاعل ((يقول)) الأولى
الشيطان، وفاعل الثانية ((أحدكم)) وسؤال الشيطان هذين السؤالين للاستدراج لما بعدهما، ولفظ
الجلالة خبر مبتدأ محذوف أى خالق ذلك اللَّه.
( وزاد: ورسله ) أى فليقل: آمنت بالله ورسله.
( من خلق كذا وكذا) ((كذا)) أصلها كاف التشبيه ((وذا)) الإشارية، ثم استعملتا هنا كلمة
واحدة مكنيا بها عن غير عدد، فهى فى محل النصب، مفعول «خلق».
٤٣١

(فليستعذ بالله ولينته) أى فليستعذ باللَّه من وسوسة الشيطان، ولينته عن
الاسترسال فى ذلك.
( يأتى العبد الشيطان ) بتقديم المفعول به على الفاعل.
(هذا اللَّه خلقنا) ((هذا)) مبتدأ خبره محذوف، أى هذا الأمر معلوم، وهو أن اللَّه خلقنا، ويصح
أن يكون مبتدأ، ولفظ الجلالة عطف بيان، و))خلقنا)» الخبر.
( قال: وهو آخذ بيد رجل فقال) أعاد كلمة ((قال)» لطول الفصل بينها وبين مقولها،
والقائل أبو هريرة: وإمساكه بيد الرجل ليشير إليه بأنه السائل الثالث.
(صدق اللَّه ورسوله) فى كل ما أخبر به، وفى قوله: ((لايزال الناس يسألونكم)).
( قد سألنى اثنان ) عمن خلق الله.
( أو قال: سألنى واحد) شك من الراوى عن أبى هريرة [وهو محمد بن سيرين] فى أى
العبارتين صدر عن أبى هريرة.
( هذا اللَّه ) مبتدأ وخبر، أى هذا الخالق لكل شىء اللَّه.
( فبينا أنا فى المسجد إذ جاءنى ناس ) ((بين)) ظرف زمان، أشبعت فتحة النون فجاءت
الألف، وهو ملازم للإضافة إلى جملة، ولا بد لها من جواب هو العامل فيها إذا كان الكلام مجرداً عن
كلمة المفاجأة، فإن وجدت - كما هنا- فالعامل معنى المفاجأة.
(قوموا. قوموا ) تأكيد لفظى، والمقصود من الأمر بالقيام الانصراف عن السؤال.
(صدق خليلى) محمد { فى أخباره عامة، وفى قوله ((لايزالون يسألونك)).
( ليسألذكم الناس عن كل شىء ) مبالغة فى كثرة الأسئلة، وليس المقصود كل شىء حقيقة.
(حتى يقولوا: اللَّه خلق كل شىء) قال النووى: هكذا هو فى بعض الأصول ((يقولوا)) بغير
نون، وفى بعضها ((يقولون)) بالنون وكلاهما صحيح، وإثبات النون مع الناصب لغة قليلة، ذكرها
جماعة من محققى النحويين، وجاءت متكررة فى الأحاديث الصحيحة. اهـ
فقه الحديث
ليضع المؤمن نصب عينيه قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ كَمَا أُخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنْ
الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا
الشَّاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعرافَ: ٢٧] وقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّفَاتَّخِذُوَةٌ عَدُوًّا إِنَّمَا
٤٣٢

يَدْعُو حِزْيَةُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] ويذكر قول إبليس: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ
لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ* ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنَ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ
أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦-١٧] وهذا الحديث يبين أسلوباً من أساليب إضلاله.
قال ابن بطال: إن هذا السؤال [من خلق اللَّه] لا ينشأ إلا عن جهل مفرط، فإن الموسوس إن قال:
ما المانع أن يخلق الخالق نفسه؟ قيل له: هذا ينقض بعضه بعضاً، لأنك أثبت خالقا، وأوجبت
وجوده، ثم قلت: يخلق نفسه، فأوجبت عدمه، والجمع بين كونه موجودا معدوما فاسد لتناقضه، لأن
الفاعل يتقدم وجوده على وجود فعله، فيستحيل کون نفسه فعلا له. اهـ
وقال الخطابى: هذا السؤال متهافت، ينقض آخره أوله، لأن العقل أثبت أن المحدثات مفتقرة
إلى محدث، فلو كان هو مفتقرا إلى محدث لكان من المحدثات.
وقال ابن التين: لوجاز المخترع الشىء أن يكون له مخترع لتسلسل، فلابد من الانتهاء إلى موجد
قديم، والقديم من لا يتقدمه شىء، ولا يصح عدمه، وهو فاعل لا مفعول، وهو الله تبارك وتعالى. اهـ
فإن قيل: لم أمر الرسول : بالإمساك عن التفكير وبالاستعاذة دون الحجة الواضحة الموصلة
لرفع الشبهة، والإجابة عن السؤال؟.
قلنا: أما بالنسبة لوسوسة الشيطان فإنه ليس لوسوسته انتهاء، بل كلما ألزم حجة زاغ
إلى غيرها، ومهما عورض بالدليل وجد مسلكا آخر من المغالطة والاسترسال، فيضيع الوقت
على المؤمن إن سلم من الفتنة والحيرة، نعوذ بالله من ذلك. فلا تدبير فى دفعه أقوى من
الالتجاء إلى الله تعالى بالاستعاذة به، كما قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْرَّغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَرٌْ
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأعراف: ٢٠٠].
وأما بالنسبة إلى المؤمن السائل فلنا عنه جوابان:
الأول: ما أشار إليه الطيبى، وهو أن العلم باستغناء الله جل وعلا عن الموجد أمر بديهى لا يقبل
المناظرة، والاسترسال فيها لا يزيد البعض إلا حيرة.
وقال الكرمانى: لما عرف بالضرورة أن الخالق غير المخلوق، أو بالكسب الذى يقارب الصدق
كان السؤال عن ذلك تعنتا، ولا يجاب عن سؤال التعنت، وقال الحافظ ابن حجر: لما كان السؤال
واهياً لم يستحق جواباً، أو الكف عن ذلك نظير الأمر بالكف عن الخوض فى الذات والصفات.
الثانى: أن المؤمن السائل إما أن يكون من العوام، لا يستطيع هضم الدليل العقلى، ولا فهم الحجة
والبرهان، وعلاجه فى إيقافه عن التفكير وعدم الاسترسال معه فيما قد يدخله فى تيه عميق، وفى رده
إلى اللّه وقرآنه، والاستعاذة به من الشيطان الرجيم. وإما أن يكون ممن يستطيع الفهم والنظر
والاستدلال، فهذا ينبغى أن يجاب بالحجة والبرهان.
وروايات الحديث أمرت صاحب الوسوسة بالانتهاء والاستعاذة، ولم تأمر المسئول برفض السؤال
٤٣٣

أو الإعراض عنه، وعدم الإجابة عليه. ولعل أبا هريرة رأى سائليه من النوع الأول، بدليل قوله ((من
الأعراب)» فزجرهم عن البحث وأمرهم بالقيام عنه.
ويؤخذ من الحديث
١- ذم السؤال عما لا یعنی.
٢- وفيه علم من أعلام النبوة لإخباره بوقوع ما سيقع فوقع.
٣ - وفيه وسوسة الشيطان وعلاجها.
٤- وأن الشيطان يندفع بالاستعاذة بالله منه.
٥- وفيه الأمر بالكف عن التفكير عند خوف الزلل.
والله أعلم
٤٣٤

(٨٠) باب من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة
٢٣٢ - ٢١٨ عَنْ أَبِي أُمَامَةً عَ﴾(٢١٨) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ قَالَ «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ
بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا یَسِیرًا، یَا
رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ «وَإِنْ قَضِيَبًا مِنْ أَرَاكِ».
٢١٩- بِمفلِهِ(٢١٩).
٢٣٣- ٢٢٠ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ﴾(٢٢٠) عَنْ رَسُولِ اللَّهِعَ﴾ قَالَ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ
يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» قَالَ، فَدَخَلَ الأَشْعَثُ
ابْنُ قَيْسٍ فَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالُوا: كَذَا وَكَذَا. قَالَ: صَدَقَ أَبُو عَبْدِ
الرَّحْمَنِ. فِيَّ نَزَلَتْ. كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ أَرْضٌ بِالْيَمَنِ فَخَاصَمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ. فَقّالَ «هَلْ
لَكَ بَيْنَةٌ؟». فَقُلْتُ: لا. قَالَ «فَيَمِينُهُ» قُلْتُ: إِذَْ يَحْلِفُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ «مَنْ
خَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَيْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَالُ»
فَنَزَلَتْ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَائِهِمْ ثَمِّنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
٢٣٤ - ٢٢١ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﴾(٢٢١) قَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالا هُوَ فِيهَا
فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهٍ غَضْبَانُ. ثُمَّ ذَكَّرَ لَحْوَ حَدِيثِ الأَعْمَشِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَتْ بَيْنِي
وَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِْرٍ. فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ لَ فَقَالَ «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ».
٢٣٥- ٢٢٢ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾(٢٢٢) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ يَقُولُ: «مَنْ
(٢١٨) حَدََّا يَحْتِى بْنُ أَيُوبَ وَقْنِيَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ جَمِيعًا عَنْ إِسْمَعِيلَ بْنٍ جَعْفَرٍ قَالَ ابْنُ أَيُوبٌ حَدَّقْنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ
جَعْفَرٍ قَالَ أَخْرَنَا الْعَلَاءُ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى الْحُرَّقَّةِ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ السَّلَّمِيِّ عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ
أبِي أَمَامَةٌ
(٢١٩) وَحَدَّه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَإِسْحَقُ بْنُ إِْرَاهِيمَ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ جَمِيعًا عَنْ أَبِي أُسَامَةً عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ
مُحَمَّدٍ ابْنٍ كَعْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ يُحَدِّثُ أَنَّ أَبَا أَمَامَةَ الْحَارِيِّ حَدَّتَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ بِمِثْلِهِ
(٢٢٠) وحَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّقْنَا وَكِيعٌ ح وَحَدَّقْنَا ابْنُ نُمَّيْرٍ حَدَّقْنَا أَبُو مُعَاوِيَةً وَوَكِيمٌ حَ وَحَدَّقْنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
الْحَنْظَلِيُّ وَاللّفْظُ لَهُ أَخْبُرَنَا وَكِيمٌ حَدََّا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللّهِ
(٢٢١) حَذََّا ◌ِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ أَخْبُرَنًا جَرِيرٌ عَنْ مُنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
(٢٢٢) وحَذََّ ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكّيُّ حَدْفَنَا سُفْيَاهُ عَنْ جَامِعِ بْنٍ أَيِي رَاهِدٍ وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْبَنَ سَيْعَا شَقِيقَ بْنَ سَلَّمَةْ يَقُولُ
سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ
٤٣٥

خَلَفَ عَلَى مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرٍ حَقِّهِ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» قَالَ عَبْدُ اللّهِ:
ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتّابِ اللَّهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ
وَأَيْمَائِهِمْ ثَمِّنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
٢٣٦ - ٢٢٣ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنٍ وَائِلٍ(٢٢٣)، عَنْ أَبِهِ؛ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَرَجُلٌ مِنْ
كِنْدَةَ إِلَى النَّبِيِّلَ فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَيْنِي عَلَى أَرْضٍ لِي كَانَتْ
لِأَبِي. فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَّ أَرْضِي فِي يَدِي أَزْرَعُهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعِ
لِلْحَضْرَمِيِّ «أَلَكَ بَيْنَةٌ؟» قَالَ: لا. قَالَ «فَلْكَ يَمِينُهُ» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ لا
يُّالِي عَلَى مَّا خَلَفَ عَلَّيْهِ، وَلَيْسَ يَتْوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ. فَقَالَ «لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلا ذَلِكَ» فَانْطَلَقَ
لِيَحْلِفَ. فَقّالَ رَسُولُ اللَّهِفَهِ، لَمَّا أَدْبَرَ «أَمَا لَئِنْ خَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا، لَيَلْقَيَنَّ اللّهَ
وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ».
٢٣٧- ٢٣٤ عَنْ وَائِلٍ بْنِ حُجْرٍ(٢٢٤) قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ فَأَتَاهُ رَجُلانِ
يَخْتَصِمَانِ فِي أَرْضٍ. فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّ هَذَا انْتَزَى عَلَى أَرْضِي، يَارَسُولَ اللَّهِ، فِي الْجَاهِيَّةِ.
(وَهُوَ امْرُؤُ الْقَيْسِ ابْنُ عَابِسِ الْكِنْدِيُّ، وَخَصْمُهُ رَبِيعَةُ بْنُ عِنْدَانٌ) قَالَ: « بَيِّتُكَ» قَالَ: لَيْسَ
لِي بَيَِّةٌ. قَالَ « يَمِينُهُ» قَالَ: إِذَدْ يَذْهَبُ بِهَا. قَالَ « لَيْسَ لَكَ إِلا ذَاكَ» قَالَ، فَلَمَّا قَامَ
لِيَحْلِفَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ِ «مَنِ اقْتَطَّعَ أَرْضًا ظَالِمًا، لَقِيَّ اللَّهِ وَهُوَ عَلَيْهٍ غَضْبَانُ» قَالَ
إِسْحَقُ فِي رِوَايَتِهِ: رَبِيعَةُ بْنُ عَيْدَانِ.
المعنى العام
إن القوة مصدر الطغيان، وكل طغيان عاقبته الهلاك والخسران، وإن الإسلام ليحرص كل الحرص
على تقييد القوة بقانون العدالة، وعلى أن يقيم حارساً من النفس، ورادعا من الخلق والدين قبل
الخوف من القوانين، لأن الإنسان قد يستطيع أن يفلت من عقوبة القوانين بشىء من الدهاء
والحيلة، وأن يستر جريمته بالعهود والأيمان، لكنه والحالة هذه يقع فى عقوبة أخروية عظيمة،
ويقتص منه بنار شديدة أليمة.
(٢٢٣) حَدَّا قَبِيَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَهَنَّاذُ بْنُ السَّرِيِّ وَأَبُو عَاصِمِ الْحَنَّفِيُّ وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةً قَالُوا حَدََّا أَبُوِ الأَخْوَصِ
عَنْ سِمّاٍ عَنْ عَلْقَمَّةً بْنٍ وَائِلٍّ عَنْ أَبِهِ
(٢٢٤) وحَّدَّتِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْخُقُ بْنِ إِبْرَاهِيمٌ جَمِيعًا عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّقْنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ حَدًَّا أَبُو عَوَالَةٌ
عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنٍ عُمَّيْرٍ غَنْ عَلْقَمَةً بَّنٍ وَالِلٍ عَنْ رَائِلٍ بْنِ حُجْرٍ
٤٣٦

من هذا الهدى الكريم، ومن هذا المبدأ الحكيم، يحذر الرسول 8 من أن يستغل الإنسان فرصة
تضليل القضاء ليستولى على حق من حقوق المسلمين.
فمن قضى له بما ليس له فيه حق فإنما قضى له بقطعة من النار، فليأخذها أو ليدعها، ومن
اقتطع حقاً من حقوق المسلمين بيمين فاجرة ظالمة، فقد أوجب اللَّه له النار، وحرم عليه الجنة، ولا
يستهين الظالم بحقارة ظلمه، فمعظم العذاب من محقرات الذنوب، كما أن معظم النار من مستصغر
الشرر، وليحذر حق الغير وماله، ولو كان هذا الحق عوداً صغيراً من شجر البوادى.
ولقد أنزل الله وعيداً شديداً لمثل هذا الآثم، حين اختصم الأشعث بن قيس ورجل من بنى عمه فى
بئر فى قطعة أرض، هى تحت يد ابن عمه، والأشعث يدعيها لنفسه، حيث كانت ملكا لأبيه، فسطا
عليها ابن عمه، قال الأشعث: يا رسول اللَّه، بينى وبين هذا الرجل أرض غلبنى عليها وجحدنى، فسأل
رسول اللَّه ◌َ﴿ خصمه عن موقفه من هذه الدعوى. فقال الرجل: إنها أرضى، وتحت يدى، وأنا منذ زمن
أزرعها، ولا حق له فيها. قال رسول اللَّه للأشعث: مابينتك؟ وماشهودك على دعواك؟ قال: ليس
عندى شهود. قال رسول الله: إذن يحلف خصمك فتسقط دعواك. قال: يا رسول اللَّه، إن أرضى
أعظم شأنا من أن يحلف عليها. قال: إن يمين المسلم يدرأ بها أعظم من ذلك، قال: يا رسول الله إن
الرجل فاجر لا يتورع عن الحلف زوراً أو بهتانا، ولا يبالى على ما يحلف إن كان حقاً أو باطلا.
قال: ليس لك منه إلا ذلك، قال: إذن يحلف ويذهب بمالى. فلما تهيأ الرجل ليحلف، وأخذ إلى
منبر رسول اللَّه ﴿ ليوقع اليمين هناك نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً
قَلِيلاً أُوَلِئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِى الآخِرَةِ وَلا يُكُلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةٍ وَلا يُرَّكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيم﴾ [آل عمران: ٧٧] فقرأها رسول اللَّه ◌َ على أصحابه. وقال لهم: إن هو حلف كاذبا أدخله الله
النار، فمن حلف على يمين يلزمه بها القضاء، وهو فيها كاذب فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقى
الله يوم القيامة وهو عنه معرض وهو عليه غضبان، ومن غضب الله عليه فهو من أهل النار، فذهبوا
إليه قبل أن يحلف، وأخبروه الخبر: فجاء إلى رسول اللّه . فقال: ماذا لى لو تركتها يا رسول الله؟
قال: الجنة. قال أشهدك أنى قد تركتها له كلها، وتنازل الخصم للأشعث بأرض البئروما حولها.
وهكذا كانت العظات تهز القلوب، وكان الإسلام إن تزعزع عند بعض الناس واهتز، لا
يلبث أن يعود ويثبت. وكانت زينة الحياة الدنيا إذا غلبت على الحق أسرع الحق إلى
الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.
أما اليوم فما أكثر الحقوق الضائعة، وما أكثر الظالمين الباغين. ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا
مُدْبِرِينَ﴾ [الروم: ٥٢، النمل: ٨٠] فاللهم اجعلنا من ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ
الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨].
٤٣٧

المباحث العربية
( من اقتطع حق امرئ) افتعل من القطع، كأنه قطعه عن صاحبه، أو أخذ قطعة منه وهو
أبلغ من قَطَعَ لإشعاره بالعمد، والحق أعم من المال، كما سيأتى فى فقه الحديث.
( مسلم) القيد ليس للاحتراز، وقيل للاحتراز، وسيأتى توضيحه.
(وإن كان شيئاً يسيرا ) اسم كان يعود على الحق المقتطع.
(وإن قضيبا من أراك) نصب ((قضيباً)) على أنه خبر ((كان)) المحذوفة مع اسمها. وهو كثير
مشهور بعد ((إن)) و((لو)) وفى بعض الأصول ((وإن قضيب من أراك)) برفع ((قضيب)) على حذف
((كان)) وخبرها، والتقدير: وإن كان قضيب من أراك موجودا، وهو قليل، وقضيب الأراك هو عود من
شجر یستاك به.
(من حلف على يمين صبر) هو بإضافة ((يمين)) إلى ((صبر)) بفتح الصاد وسكون
الباء. ويمين الصبر هى التى يحبس الحالف نفسه عليها، ويلزم بها عند حاكم ونحوه، وأصل
الصبر الحبس والإمساك.
(هوفيها فاجر) أى متعمد الكذب، وتسمى اليمين الغموس. وفى رواية ((هو عليها فاجر))
وتقديرهما: هو فى الإقدام عليها فاجر، والتقييد بكونه فاجرا لا بد منه، ومعناه: هو فيها آثم، ولا يكون
آثما إلا إذا كان متعمدا عالما بأنه غير حق.
(وهو عليه غضبان) وفى الرواية الخامسة ((وهو عنه معرض)) والغضب والإعراض من اللّه هو
إرادته إبعاد ذلك المغضوب عليه من رحمته، وتعذيبه وإنكار فعله وذمه.
( قال: فدخل الأشعث) فاعل [قال] عبد الله بن مسعود.
( ما يحدثكم أبو عبد الرحمن)؟ ((ما)) اسم استفهام مفعول ثان مقدم، وأبو عبد الرحمن هى
كنية ابن مسعود.
( قالوا: كذا وكذا ) كناية عن الحديث السابق.
( قال: صدق أبو عبد الرحمن ) أى فى الحديث الذى رواه، أى صدق فى روايته.
( فى نزلت ) الجار والمجرور متعلق بنزلت، والفاعل ضمير يعود على الآية التى ذكرها ابن
مسعود فى حديثه، وإن لم تذكر فى هذه الرواية اختصارا من الراوى، كما هو واضح من الرواية الرابعة.
( كان بينى وبين رجل أرض باليمن ) لم يذكر اسمه جرياً على عاداتهم الكريمة من الستر،
٤٣٨

والمعنى: كان بينى وبين رجل خصومة ونزاع فى أرض، بدليل «فخاصمته)» وفى الرواية الثالثة
«خصومة فى بئر)».
( هل لك بينة ؟ ) أى شاهدان يشهدان بحقك؟.
(قال: فيمينه) ((يمينه)) مبتدأ خبره محذوف، والفاء فى جواب شرط مقدر، أى إذا لم تكن
بينة فلك يمينه.
(إذن يحلف ) ((إذن)) حرف نصب وجواب، وفى كتابتها خلاف، فالجمهور يكتبونها بالألف،
وكذا رسمت فى المصاحف، والمازنى والمبرد يكتبانها بالنون، وعن الفراء إن عملت كتبت بالألف،
وإلا كتبت بالنون للفرق بينها وبين إذا، وتبعه ابن خروف.
و«يحلف)» قال السهيلى: بالنصب لا غير لوجود شرائطه من الاستقبال والاتصال، وحكى ابن
خروف جواز الرفع فى مثل هذا، على إهمال ((إذن)) أو على تقدير: إذن هو يحلف.
(﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ﴾) العهد كتابة الشىء ومراعاته، ويطلق على
الأمان، والوفاء، والوصية واليمين والمعرفة واللقاء عن قرب الزمان، والمراد منه هنا: ما أمر الله به
أمراً مؤكداً، فعطف اليمين عليه عطف مغاير، وهل يعتبر قول القائل: على عهد اللَّه لأفعلن - هل يعتبر
يمينا أو لا؟ خلاف بين الفقهاء.
( جاء رجل من حضرموت ) بفتح الحاء وإسكان الضاد وفتح الراء والميم، ممنوع من
الصرف للعلمية والتركيب المزجى، والنسب إليها حضرمى.
(ورجل من كندة) بكسر الكاف وسكون النون حى باليمن، والنسب إليها كندى
بسكون النون.
( أما لئن حلف ) ((أما)) بفتح الهمزة وتخفيف الميم حرف استفتاح بمنزلة ((ألا)).
(إن هذا انتزى على أرضى) معناه غلب عليها واستولى، وأصل النزو الوثب، ثم كثر
استعماله فی کل ما يشبهه.
( فى الجاهلية ) أى ما قبل النبوة، سميت بذلك لكثرة جهلهم.
فقه الحديث
يرد على ظاهر هذه الروايات خمس شبه:
الشبهة الأولى:
صريح الرواية الثانية أن الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَّنًا قَلِيلا.﴾ نزلت فى
الأشعث بن قيس وخصمه، لقوله «فی نزلت» وقوله «فنزلت».
٤٣٩

لكن جاء فى حديث عبد الله بن أبي أوفى به أنها نزلت فى رجل أقام سلعته فى السوق، فحلف
لقد أعطى بها ما لم يعطه
وذكر الطبرى أن الآية نزلت فى حُيّئْ بن أخطب وكعب بن الأشرف وغيرهما من اليهود الذين
كتموا ما أنزل اللَّه فى التوراة، من شأن النبى ﴿، وحلفوا.
ويمكن الجمع بتعدد الأسباب لمنزل واحد، ولفظ الآية عام يشمل هذه الأسباب.
الشبهة الثانية:
ظاهر الرواية الرابعة أن الآية نزلت قبل تخاصم الأشعث بن قيس إذ فيها: ((ثم قرأ علينا رسول
اللَّهِ :﴿ مصداقه من كتاب الله ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾، لكن يمكن أن يقال: إن الآية نزلت
فى الخصومة المذكورة، وسماع عبد الله بن مسعودَ كان متأخراً عنها، فقرأ له رسول اللَّهِ مَ﴿ الآية
مصداقاً للحديث.
الشبهة الثالثة:
جاء فى الرواية الثانية ((فدخل الأشعث بن قيس، فقال: مايحدثكم أبو عبد الرحمن)»؟ وجاء فى
رواية للبخارى فى كتاب الرهن «ثم إن الأشعث بن قيس خرج إلينا، فقال: مايحدثكم أبوعبد
الرحمن))؟ وفى رواية ((ماحدثكم عبد الله اليوم))؟
فالتعبير بدخل وخرج، وبيحدث وحدث ظاهره التعارض، ويمكن رفعه بأن الأشعث خرج عليهم
من مكان كان فيه، فدخل المكان الذى فيه عبد الله، وبأن دخوله وقع فى نهاية حديث عبد الله فسأل
أصحابه عما حدثهم به، وتعبيره بالمضارع ((يحدثكم)) لقرب العهد واستحضار الصورة.
الشبهة الرابعة:
جاء فى الرواية الثالثة أن الخصومة كانت فى بئر، وفى غيرها من الروايات أنها كانت فى أرض،
مما ظاهره التعارض.
قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بأن المراد أرض البئر، لا جميع الأرض التى تحيط به.
الشبهة الخامسة:
يؤخذ من الرواية الخامسة أن المدعى حضرمى، وأن المدعى عليه كندى، مع أن الأشعث ابن
قیس کندی جزما.
وليس من السهل الجمع، فينبغى أن يقال بتعدد القصة المتشابهة، وخصوصاً أنه لم يرد فى هذه
الرواية ذكر للأشعث، ولا لنزول الآية.
أما الرواية السادسة فالظاهر أنها قصة أخرى مشابهة.
٤٤٠