Indexed OCR Text
Pages 361-380
(فهو كما قال ) ((ما)) مصدرية، أو موصولة، والعائد محذوف أى فهو مثل قوله، أو فهو كالذى
قاله، والمعنى الشرعى سيوضح فى فقه الحديث.
(ومن قتل نفسه بشىء ) أعم من الحديدة والسم والتردى من الجبل المذكورات فى
الحديث السابق.
( وليس على رجل نذر فى شىء لا يملكه) كلمة ((رجل)) لما هو الغالب، والحكم شامل
للمرأة، ورواية البخارى ((وليس على ابن آدم)) أى وكذا ابنة آدم، وفى ((نذر)) مضاف محذوف، أى ليس
عليه وفاء نذر.
( ولعن المؤمن كقتله ) اللحن فى الأصل: الإبعاد عن رحمة اللَّه، وقد يقصد به محض السب،
وفى معناه الدعاء على الإنسان بالسوء، كقولهم: قاتله اللَّه، ومن المعلوم أنه لا يشترط فى المشبه
مشاركة المشبه به من جميع الوجوه، ومن هنا قيل: إن تشبيه لعن المؤمن بقتله إنما هو فى أصل
التحريم، وإن كان القتل أغلظ، وقيل لأنه إذا لعنه فكأنما دعا عليه بالهلاك، وسيأتى توضيحه.
( ومن ادعى دعوى كاذبة ) هذه هى اللغة الفصيحة، يقال: دعوى باطل، وباطلة وكاذب
وكاذبة، لكن التأنيث أفصح.
( ليتكثربها ) قال النووى: ضبطناه بالثاء المثلثة بعد الكاف، وكذا هو فى معظم الأصول، وهو
الظاهر، وضبطه بعض الأئمة المعتمدين بالباء الموحدة، وله وجه، وهو بمعنى الأول، أى يصير ماله
كبيرا عظيما.
( ومن حلف على يمين صبر فاجرة ) قال النووى: كذا وقع فى الأصول هذا القدر فحسب،
وفيه محذوف، إذ لم يأت فى الحديث هنا الخبر عن هذا الحالف، إلا أن يعطفه على قوله قبله ((ومن
ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة)) أى وكذلك من حلف على يمين صبر، فهو مثله. قال
القاضى عياض: وقد ورد معنى هذا الحديث تاماً مبيناً فى حديث آخر ((من حلف على يمين صبر
يقتطع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجر، لقى اللَّه وهو عليه غضبان)).
ويمين الصبر هى التى ألزم بها الحالف عند الحاكم ونحوه، وأصل الصبر الحبس والإمساك.
ومعنى («فاجرة)» أى خارجة عن حدود الشرع.
فقه الحديث
تحصل من مجموع روايات الحديث ست خصال هى:
١- الحلف بملة غير الإسلام.
٢- قتل النفس بالشىء.
٣٦١
٣- النذر فيما لا يملك.
٤- لعن المؤمن.
٥ - الدعوى الكاذبة.
٦ - الحلف على يمين صبر.
١- أما الحلف بملة غير الإسلام فقد قال بعض الشافعية: ظاهر الحديث أنه يحكم عليه بالكفر
إذا كان كاذبا، والتحقيق التفصيل، فإن اعتقد تعظيم ما ذكر كفر، وإن قصد حقيقة التعليق فينظر،
فإن كان أراد أن يكون متصفاً بذلك إن وقع الفعل كفر، لأن إرادة الكفر كفر، وإن أراد البعد عن ذلك
الفعل لم يكفر، لكن هل يحرم عليه ذلك؟ أو يكره تنزيها؟ الثانى هو المشهور. قاله الحافظ ابن حجر.
ثم قال: وينقدح بأن يقال: إن أراد تعظيمها باعتبار ما كانت قبل النسخ لم يكفر أيضاً.
وقال ابن المنذر: قوله ((فهو كما قال)) ليس على إطلاقه فى نسبته إلى الكفر، بل المراد أنه كاذب
ككذب المعظم لتلك الجهة.
وقال النووى: قوله ((كاذبا)) ليس المراد به التقييد والاحتراز من الحلف بها صادقاً، لأنه لا ينفك
الحالف بها عن كونه كاذبا، وذلك لأنه لابد أن يكون معظماً لما حلف به، فإن كان معتقداً عظمته
بقلبه فهو كاذب فى ذلك، وإن كان غير معتقد ذلك بقلبه فهو كاذب فى الصورة، لكونه عظمه
بالحلف، وإذا علم أنه لاينفك عن كونه كاذبا حمل التقييد بـ))كاذبا)) على أنه بيان لصورة الحالف،
ويكون التقييد خرج على سبب فلا يكون له مفهوم.
وقال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد بهذا الكلام التهديد والمبالغة فى الوعيد، لا الحكم، وكأنه
قال: فهو مستحق مثل عذاب من اعتقد ما قال، ونظيره ((من ترك الصلاة فقد كفر)) أى استوجب
عقوبة من كفر.
أما فيما يتعلق بكفارة من حلف بذلك ثم حنث، فقد قال ابن المنذر: اختلف فيمن قال: أكفر
باللّه (ونحو ذلك) إن فعلت، ثم فعل، فقال ابن عباس وأبو هريرة وعطاء وقتادة وجمهور فقهاء
الأمصار: لا كفارة عليه، ولا يكون كافرا إلا إذا أضمر ذلك بقلبه، وقال الأوزاعى والثورى والحنفية
وأحمد وإسحاق: هو يمين وعليه الكفارة، قال ابن المنذر: الأول أصح لما رواه البخارى ((من حلف
باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله))، ولم يذكر كفارة ولما جاء فى الرواية الأخرى ((فهو كما قال))
فأراد التغليظ فى ذلك حتى لايجترئ أحد عليه، ولم يذكر كفارة ويكون من باب قول الله تعالى:
﴿وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٌّ﴾ [آل عمران: ١١٢] وقوله ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشِيَةَ إِمْلاقِ﴾ [الإسراء: ٣١]
وقوله: ﴿وَلا تُكَّرِهُواَ فَقَيَّاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًّا ﴾ [النور: ٣٣] ونظائره كثّيرة.
وقال الحافظ ابن حجر فى توجيه رواية الأمر بقول ((لا إله إلا اللَّه): حاصله أنه أرشد من تلفظ
بشىء مما لا ينبغى التلفظ به أن يبادر إلى ما يرفع الحرج عن القائل، أى لو قال ذلك قاصدا إلى
معنى ما قال.
٣٦٢
٢- وأما قتل النفس فقد مضى الكلام عليه فى الحديث السابق ويأتى له تمام قول فى الأحاديث
الثلاثة الآتية:
٣- ومن نذر ما لا يملك، فإن كان معينا، كمن قال: للَّه على أن أعتق عبد فلان فليس عليه الوفاء
بنذره عند الجمهور، وإن كان غير معين، كمن قال: للَّه على أن أعتق عبدا، ولا يملك، فإنه يصح عند
الجمهور، ويلزمه إن ملك.
واختلف فيمن نذر ما لا يملك. هل تجب عليه الكفارة؟ قال الجمهور: لا، وعن أحمد والثورى
وإسحاق وبعض الشافعية والحنفية: نعم. واستدلوا بعموم حديث عقبة بن عامر ((كفارة النذر كفارة
اليمين)) أخرجه مسلم، وأخرج أبو داود ((ومن نذر نذراً لا يطيقه فكفارته كفارة يمين)» قال بعض
الحنابلة: والقياس يقتضيه لأن النذريمين، كما وقع فى حديث عقبة، لما نذرت أخته أن تحج
ماشية (لتكفر عن يمينها) فسمى النذر يميناً. ومن حيث النظر هو عقيدة لله تعالى بالتزام شىء،
والحالف عقد يمينه باللَّه ملتزماً بشىء.
٤- وأما لعن المؤمن المعين، فإن كان لا يستحق اللعن فهو حرام بالإجماع، ومن الكبائر، وإن
كان يستحق اللعن، فإن قصد معنى اللعن الأصلى، وهو الإبعاد عن رحمة الله فهو حرام أيضا، إذ
ينبغى الدعاء للمؤمن العاصى بالتوبة والمغفرة، وإن لم يقصد، بل قصد به محض السب فهو مكروه.
ويمكن أن يستأنس لذلك بحديث ((لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم)) قال ذلك صلى الله عليه
وسلم حين لعن بعض الصحابة شاربا للخمر، وقد أخرج أبوداود بسند جيد، رفعه ((إن العبد إذا لعن
شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها ثم تهبط إلى الأرض فتأخذ يمنة ويسرة،
فإن لم تجد مساغا رجعت إلى الذى لعن، فإن كان أهلا، وإلا رجعت إلى قائلها)) وأما غير المعين من
أهل السوء فالراجح جواز لعنه، لأن لعنه حينئذ زجر عن تعاطى ذلك الفعل، بخلاف المعين فإن فى
لعنه إيذاء صريحاً موجها، وقد ثبت النهى عن أذى المسلم.
قال النووى: وأما الدعاء على إنسان بعينه، ممن اتصف بشىء من المعاصى فالظاهر أنه لا يحرم،
وأشار الغزالى إلى تحريمه، وقال فى باب الدعاء على الظلمة بعد أن أورد أحاديث صحيحة فى
الجواز: قال الغزالى: وفى معنى اللعن الدعاء على الإنسان بالسوء، حتى على الظالم، مثل: لا أصح اللّه
جسمه، وكل ذلك مذموم. اهـ
وصنيع البخارى يقتضى لعن المتصف بالمعصية من غير أن يعين اسمه فيجمع بين المصلحتين،
لأن لعن المعين والدعاء عليه قد يحمله على التمادى، أو يقنطه من قبول التوبة، بخلاف ما إذا صرف
ذلك إلى المتصف، فإن فيه زجراً وردعاً عن ارتكاب ذلك، وباعثاً لفاعله على الإقلاع عنه.
والحديث يحذر من لعن المؤمن، أما لعن الكافر المعين فالراجح أنه ممنوع خصوصاً لوتأذى به
المسلم، وأما غير المعين فجائز، بل قال بعضهم. إن الكفار يتقرب إلى الله بسبهم.
والأولى الدعاء لهم بالهداية والإسلام بدل اللعن. والله أعلم.
٣٦٣
٥- وأما من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها، فقد قال القاضى عياض: هو عام فى كل دعوى يتشبع
بها المرء بما لم يعط: من مال يختال فى التجمل به، أو نسب ينتمى إليه، أو علم يتحلى به، وليس هو
من حملته، أو دين يظهره وليس هو من أهله، فقد أعلم صلى الله عليه وسلم أنه غير مبارك له فى
دعواه، ولا يزكو ما اكتسبه بها، وفى ذلك يقول صلى الله عليه وسلم ((المتشبع بما لا يملك كلابس
ثوبى زور)» فمن ادعى ما ليس عنده فضلا عن كونه كاذباً فيما ادعاه - جزاه الله بنقيض قصده،
ونقصه ما عنده من صنف ما ادعاه.
ويستثنى من هذا مواطن منها: إظهار القوة والعدة لإرهاب الكفار، والتجلد والتظاهر بعدم التأثر
بالنوائب أمام الشامتين، والتعفف وإظهار الغنى فى بعض حالات توزيع الصدقات، ونحو ذلك مما
يعود بالنفع المشروع.
٦- وأما من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم فقد يكون فى البيع بالحلف على
السلعة أنه أعطى بها كذا وكذا ليغرى المشترى ويستولى على أكثر مما يستحق عن ثمن السلعة.
فيكون مآله الخسران، وفى معنى ذلك ورد الحديث ((اليمين الفاجرة منفقة للسلعة، ممحقة للكسب))
وقد مرت الإشارة إليه فى الحديث قبل السابق، وقد يكون فى التقاضى ومحاولة الاستيلاء على
حقوق الآخرين بقوة بلاغته، أو مناصرة شيعته، فكل ما يقضى له بذلك إنما هو قطعة من النار.
وقد روى البخارى ((من حلف على يمين صبر، وهو فيها فاجر، يقتطع بها مال امرئ مسلم لقى اللَّه
يوم القيامة وهو عليه غضبان)».
ويؤخذ من الحديث
١- التحذير من الحلف بملة غير الإسلام، أو تعليق الدخول فيها على فعل شىء.
٢- التحذير من الانتحار بأية وسيلة ولأى سبب من الأسباب.
٣- أنه لا يصح النذر فيما لا يملك.
٤- تغليظ لعن المسلم، وفيه يقول الغزالى: لا يجوز لعن أحد من المسلمين ولا الدواب، ولا فرق بين
الفاسق وغيره، ولا يجوز لعن أعيان الكفار، حيا كان أو ميتاً، إلا من علمنا بالنص أنه مات كافراً
كأبي لهب وأبى جهل وشبههما، ويجوزلعن طائفتهم كقولك: لعن الله الكفار ولعن اليهود
والنصارى. اهـ
٥- غلظ تحريم اليمين الفاجرة التى يقتطع بها مال غيره.
٦- التحذير من ادعاء المرء ما ليس فيه.
٣٦٤
(٦٦) باب لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة
وإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر
١٩١ - ١٣٨ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ(١٧٨) قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ:﴿ْ حُنَيْنَا. فَقَالَ لِرَجُلٍ
مِمِّنْ يُدْعَى بِالإِسْلامِ «هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ» فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقِتَالَ قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَّالا شَدِيدًا
فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ آنِفًا «إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» فَإِنَّهُ
قَاتَلَ الْيَوْمَ قَِّالا شَدِيدًا. وَقَدْ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّعَ﴿َ «إِلَى النَّارِ» فَكَاذَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ
يَرَّْابَ. فَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ. وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحًا شَدِيدًا! فَلَمَّا كَانٌ مِنَ
اللّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ فَقْتَلَ نَفْسَهُ. فَأَخْبِرَ النَّبِيَُّ بِذَلِكَ فَقَالَ «اللَّهُ أَكْبَرًا أَشْهَدُ أَنِّي
عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» ثُمَّ أَمَرَ بِلالا قَنَادَى فِي النَّاسِ « أَنَّهُ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةُ إِلا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ. وَأَنَّ
اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ».
١٩٢- ١٣٩ عَنْ سَهْلٍ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ﴾(١٧٩) أَنَّ رَسُولَ اللّهِو ◌َ الْتَقَى هُوَ
وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا. فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِفَ إِلَى عَسْكَرِهِ. وَمَالَ الآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ.
وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ وَجُلٌ لا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً إِلا الْبَعَهَا يَضْرِبُّهَا بِسَيْفِهِ. فَقَالُوا: مَا
أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَّا أَجْزَا فُلانٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَ «أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» فَقَالَ رَجُلٌ
مِنَّ الْقَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ أَبَدًا. قَالَ فَخَرَجَ مَعَهُ. كُلِّمًا وَقَفَ وَقَّفَ مَعَّهُ. وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعْ مَعَهُ.
قَالَ فَجُرِعَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا. فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ
قَدَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ﴿ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْكَ
رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ « وَمَا ذَاكَ؟ » قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النّارِ. فَأَعْظَمَ
النَّاسُ ذَلِكَ. فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ. فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ حَتَّى جُرِعَ جُرْحًا شَدِيدًا. فَاسْتَعْجَلَ
الْمَوْتَ. فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ لَدَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقْلَ نَفْسَهُ. فَقَالَ رَسُولُ
اللَّهِنَّه عِنْدَ ذَلِكَ «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَمْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارٍ.
وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمّلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَمْلِ الْجَنّةِ».
(١٧٨) وحَذِّنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَابِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمّيْدٍ جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ ابْنُ رَافِعٍ حَدََّا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُرَنَا مَعْمّرٌ عَنِ الزُّهْرِيّ
عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(١٧٩) حَذََّا تُنْيَّةُ بْنُ سَعِيدٍ خَدَّثْنَا يَعْقُوبُ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ حَيٍّ مِنَ الْعَرَّبِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ ابْنٍ سَعْدٍ
٣٦٥
المعنى العام
فى سنة سبع من الهجرة وفى غزوة خيبر، أو فى سنة ثمان فى غزوة حنين، وفى معسكر
المسلمين، دخل قزمان الظفرى على رسول اللّه * وحوله جماعة من أصحابه، فلما انصرف الرجل
قال الرسول ﴾ لمن حوله: من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى ذلك الرجل، وظن
السامعون أنه منافق، وحرصوا على متابعته والاطلاع على تصرفاته، وبدأ القتال بين المسلمين
والكفار، وإذا بالرجل يصول ويجول، ويعمل سيفه مرة، ونبله أخرى فى المشركين، يقتل منهم ويجرح،
ولا يدع منهم شاردة ولا واردة، ولا شاذة ولا فاذة إلا أعمل فيها سيفه، مثل رائع من أمثلة البطولة،
وصورة فذة من صور الشجاعة والإقدام ومحاربة المشركين، ودهش الذين سمعوا عنه ما سمعوا من
الرسول*، وما كادوا يصدقون ما رأوا، وهم يصدقون ماسمعوا، وأقبل الظلام، ورجع المسلمون إلى
عسكرهم، والكفار إلى عسكرهم، كل يستعد للقاء الآخر فى اليوم الثانى، ودخل الجماعة على رسول الله
*، قالوا: يا رسول الله. الرجل الذى قلت عنه إنه من أهل النارقاتل اليوم قتالا لم يقاتله أحد منا،
وكان من أشد الناس على المشركين، فلم يترك شاردة ولا واردة منهم إلا اتبعها بسيفه. قال صلى الله
عليه وسلم: أما إنه من أهل النار، وكاد القوم يفتنون ويرتابون ويشكون. قالوا: يا رسول اللَّه، أينا من
أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار؟ وقال أخبات المنافقين: يا رسول اللَّه، إذا كان فلان فى
عبادته واجتهاده ولين جانبه وحسن بلائه من أهل النار فأين نحن ؟ قال صلى الله عليه وسلم: هو
فى النار.
نظر القوم بعضهم إلى بعض فى حيرة من الأمر، ودهشة من الخبر قال قائل منهم، وهو أكثم ابن
أبى الجون الخزاعى: أنا أكفيكم أمر هذا الرجل، دعونى أتبعه وألازمه، فخرج فى الصباح معه، كلما
وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، فجرح الرجل جرحاً شديداً أقعده وأثبته، وظن بعضهم أنه
مات، فذهب إلى الرسول :# يقول له: إن الرجل قد استشهد، فقال صلى الله عليه وسلم: هو فى النار،
وذهل القوم، وبينما هم فى ذهولهم إذ جاءهم ((مسرعاً)) صاحبهم الذى لازمه، يقول بأعلى صوته، وقبل
أن يصل إلى الرسول ﴾: أشهد أنك رسول الله، قال: وما ذاك؟ قال: صدق اللَّه حديثك يا رسول اللّه،
إن الرجل الذى قلت عنه إنه من أهل النار أصابته جراحة شديدة، فلم يصبر عليها، فلما جاء الليل
أخرج سهما من كنانته، وحاول أن ينحر بها نفسه، فلما لم يساعده السهم، ولم يقض عليه، وضع نصل
سيفه بالأرض وذبابه إلى أعلى، ثم حرره بين ثديبه، وتحامل عليه، فخرج من ظهره ومن بين كتفيه،
فقتل نفسه، فقال رسول اللَّه ﴿ («اللَّه أكبر، أشهد أنى عبد الله ورسوله، إن العبد ليعمل بعمل أهل
النار وإنه من أهل الجنة، ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار، تدركه الشقاوة أو السعادة عند
خروج نفسه، فيختم له بها، العمل بخواتيمه، العمل بخواتيمه، قم يا بلال، وقم يا ابن الخطاب، وقم يا
ابن عوف، فنادوا فى الناس: أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة بالقدر، مسلمة بالقضاء، وإن اللّه
يؤيد الإسلام بالرجل الفاجر
٣٦٦
المباحث العربية
(شهدنا مع رسول اللَّه * حنينا) أى غزوة حنين وكانت فى شوال سنة ثمان من الهجرة،
((وحنين)) واد إلى جنب ذى المجاز، قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا من جهة
عرفات، وفى رواية البخارى ((خيبر)) بدل ((حنين)) وكانت غزوة خيبر فى المحرم سنة سبع من
الهجرة، وخيبر كانت مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على مسافة مائة وخمسة وخمسين كيلو متراً
من المدينة إلى جهة الشام.
( فقال لرجل ) الرسول / لم يخاطب الرجل بذلك ولم يسمعه، فاللام بمعنى ((عن)) مثلها فى
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْكَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونًا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] ويحتمل أن
تكون بمعنى (فى)) أى قال فى شأن رجل، مثلها فى قوله تعالى: ﴿وَنَّضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ
الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] أى فى يوم القيامة، واسم الرجل ((قزمان الظفرى)) وكان قد تخلف عن
المسلمين يوم أحد، فعيره النساء، فخرج حتى صارفى الصف الأول، فكان أول من رمى بسهم.
( ممن يدعى بالإسلام ) أى ممن يتصف ظاهراً بالإسلام، وفى رواية البخارى ((ممن
يدعى الإسلام )».
( فأصابته جراحة ) أفادت بعض الروايات أنه أصابه سهم.
( الرجل الذى قلت له ) أى عنه، أو فى شأنه.
( آنفا ) أى قريبا، وفيه لغتان: المد والقصر، والمد أفصح.
( فكاد بعض المسلمين أن يرتاب ) ويتشكك فى إخبار الرسول ولا عن هذا الرجل، وهو فى
الأصول ((أن يرتاب)) بإثبات ((أن)» فى خبر كاد، وهو قليل جائز، وورد فى بعض الروايات بدون
((أن))، و((كاد)) لمقاربة الفعل ولم يفعل إذا لم يتقدمها نفى، فإن تقدمها كقولك: ما كاد يقوم، كانت
دالة على القيام. لكن بعد بطء.
(فبينما هم على ذلك إذ قيل إنه لم يمت ) ((بينما)) أصله ((بين)) زيدت عليه ((ما)) وهو من
الظروف الزمانية الملازمة للإضافة إلى الجملة، ولا بد لها من جواب، وهو العامل فيها إذا كان مجرداً
من كلمة المفاجأة، وإلا فالعامل معنى المفاجأة. كما هنا، والتقدير فاجأهم قول الناس: إنه لم يمت
وقت قرب ارتيابهم.
( لكن به جراحا شديدا ) كذا هو فى الأصول ((جراحا شديداً)) ومقتضى القواعد النحوية
((شديدة)) ولعله على اعتبار كلمة ((جراح)) اسم جنس جمعى يفرق بينه وبين واحده بالتاء - جراح
وجراحة - فيذكرويؤنث.
٣٦٧
( ثم أمر بلالاً فنادى فى الناس. إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وأن الله يؤيد
هذا الدين بالرجل الفاجر) يجوز فى ((أنه)) و((أن)) كسر الهمزة وفتحها. قال النووي: وقد قرئ فى
السبع ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّه يُبَشِّرُكَ﴾ [آل عمران: ٣٩] بفتح الهمزة
وكسرها و((أل)) فى (الرجل الفاجر)) يحتمل أن تكون للعهد. والمراد به ((قزمان)) المذكور، ويحتمل أن
تكون للجنس. وفى رواية عند مسلم ((قم يا ابن الخطاب)) وفي رواية عند البيهقى أن المنادى بذلك
عبد الرحمن بن عوف، ويجمع بينها بأنهم نادوا جميعا فى جهات مختلفة.
( فلما مال رسول اللَّه:﴿ إلى عسكره) أى رجع بعد فراغ القتال فى ذلك اليوم.
( لا يدع لهم شاذة إلا اتبعها ) الشاذة والشاذ: الخارجة والخارج عن الجماعة المنفرد عنهم،
وهى صفة لموصوف محذوف، أى لا يدع نفسا شاذة منفردة إلا اتبعها. والضمير فى ((لهم)) للكفار،
وفى رواية البخارى ((لايدع من المشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها)) و((الفاذة)) بمعنى الشاذة، وقيل:
هما بمعنى ما كبروما صغر، والمراد: المبالغة فى أنه لا يلقى أحداً من المشركين إلا قتله.
( يضربها بسيفه ) جملة حالية، أى لا يترك منفردا عن الجماعة إلا اتبعه ضارباً إياه بسيفه.
(فقالوا ) وفى رواية ((فقيل)) وفى أخرى ((فقال)) أى قال قائل لرسول الله
( ما أجزأ منا اليوم أحد ما أجزا فلان) ((أجزأ)) بالهمزة، والمعنى ما أغنى أحد غناءه، وما
کفی كفايته.
( أما إنه من أهل النار) «أما)) بتخفيف الميم أداة استفتاح لتأكيد الخبر.
( فقال رجل من القوم ) قال الحافظ ابن حجر: هو أكثم بن أبى الجون.
( أنا صاحبه أبدا ) كذا فى الأصول، ومعناه أنا أصحبه فى خفية وألازمه، وفى رواية
((لأتبعنه)) أى لأنظر السبب الذى به يصير من أهل النار.
( فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه ) ذباب السيف طرفه الأسفل حين يتدلى،
وأما طرفه الأعلى فمقبضه، ونصله حديدته، والمراد من النصل طرف المقبض، وفى رواية البخارى
((فوضع نصاب سيفه بالأرض)» ونصاب السيف مقبضه، فكأنه وضع حديدة المقبض على الأرض،
وطرف السيف المدبب فى تجويف صدره بين ثدييه، و((ثديبه)) مثنى ((ثدى)) وهو يذكر على اللغة
الفصيحة، وحكى ابن فارس والجوهرى فيه التذكير والتأنيث، قيل: يطلق للرجل والمرأة، وقيل: يطلق
للمرأة، ويقال لذلك الموضع من الرجل ((ثندوة)) فعلى هذا يكون قد استعار الثدى للرجل فى الحديث.
٣٦٨
فقه الحديث
ذهب بعض المحدثين إلى أن القصة التى فى حديث سهل غير القصة التى فى حديث أبى
هريرة، بناء على أن الرجل فى قصة سهل قتل نفسه بتحامله على ذباب سيفه، وأن الرجل فى قصة
أبى هريرة - كما رواها البخارى مفصلة ولم تفصلها رواية مسلم - قتل نفسه بأن أهوى بيده إلى
كنانته، فاستخرج منها أسهما فنحربها نفسه. وأيضا ففى حديث سهل أن النبى # لما أخبروه
بقصته قال ((إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة)) الحديث. وفى حديث أبى هريرة قال لهم لما أخبروه
بقصته ((قم يا بلال فأذن أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة ... )) الحديث. لكن المحققين من
المحدثين يجنحون إلى أن القصة واحدة، ويجمعون بين الروايتين باحتمال أن يكون الرجل قد نحر
نفسه بأسهمه، فلم تزهق روحه، وإن كان قد أشرف على القتل، فأجهز على نفسه بأن تحامل على
سيفه. وباحتمال أن يكون الرسول * حين أخبر بقصة الرجل قال: إن الرجل ليعمل بعمل أهل
الجنة إلخ ، ثم أمر بلالا أن يؤذن فى الناس . فذكر أحد الرواة جانبا من القصة ، وذكر غيره جانبا
آخر منها.
ومما لا شك فيه أن الرسول ₪ علم مستقبل هذا الرجل بطريق الوحى، لأنه أمر غيبى، لا مجال
للرأى فيه، وما يؤخذ من الحديث يفيد أن سبب كونه من أهل النار هو قتله نفسه، ولا يعارضه ما
جاء فى مغازى الواقدى، من أن قتادة ابن النعمان مر بالرجل، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، فقال له:
هنيئا لك بالشهادة، فقال الرجل: والله ما قاتلت على دين، وإنما قاتلت على حسب قومى، ومعنى هذا
أن الرجل كان منافقا، وأنه لم يقاتل لإعلاء كلمة اللَّه، وأن هذا سبب كونه من أهل النار، إذ ليس بعد
الكفر ذنب، لا يعارض، لأن ما أخذ من المغازى لا يحتج به إذا انفرد، ومن باب أولى لا يحتج به إذا
عارض الصحيح، ولأنه صلى الله عليه وسلم (حين فهم الصحابة أن سبب كونه من أهل النار قتله
نفسه) وافقهم على هذا الفهم، بل حين جاءه خبر الرجل قال: ((اللَّه أكبر أشهد أنى عبد اللَّه ورسوله))
مما يؤكد أن السبب هو فعلته، وليس شيئاً سابقا وإلا لبينه صلى اللّه عليه وسلم، ولا يقال: إن ما جاء
فى مغازى الواقدى يتوافق مع ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم ((لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة))
فظاهره أن الرجل لم يكن مسلما، إذ معناه أن الرجل بعد أن قتل نفسه لم يكن مسلما بالمعنى
اللغوى، أى لم يكن منقادا خاضعا لقضاء الله، بل عارض القضاء، واستعجل الموت، وتدفعنا هذه
النقطة إلى التساؤل. هل هذا الرجل -على أنه غير منافق- من أهل النار المؤقتين أو المؤبدين؟
والجواب: أنه يحتمل -عند أهل السنة- أنه من أهل النار الذين يستوفون فيها عقوبة جريمتهم، ثم
يحولون إلى الجنة لتوحيدهم، غاية الأمر أن الحديث يدل على أن هذا الرجل ليس ممن يشملهم عفو
اللّه، وأنه لن يسامح عن هذه المعصية، وأنه سينفذ عليه وعيد الفساق، ولا يلزم منه أن كل من قتل
نفسه يقضى عليه بالنار، لجواز عفو اللّه عنه.
٣٦٩
وقال ابن التين: ويحتمل أن يكون هذا الرجل، حين أصابته الجراحة ارتاب وشك فى الإيمان، أو
استحل قتل نفسه، فمات كافرا، فيكون من أهل النار المؤبدين.
ويؤخذ من الحديث
١- التحذير من الاغترار بالأعمال، وأنه ينبغى للعبد ألا يتكل عليها، ولا يركن إليها مخافة من انقلاب
الحال للقدر السابق، وكذا ينبغى للعاصى ألا يقنط، ولغيره ألا يقنطه من رحمة اللَّه، إذ معنى ((إن
الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار
فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة)» أن الأعمال بالخواتيم كما جاء فى آخر رواية البخارى.
٢- وفى الحديث إخباره صلى الله عليه وسلم بالمغيبات، وذلك من معجزاته الظاهرة.
٣- وفيه جواز الإخبار عن حال الرجل السيئ إذا كان الإخبار يحقق مصلحة مشروعة.
٤- وفيه الوعيد والتحذير من قتل النفس مهما كانت الآلام.
٥- وفيه أن اللَّه يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وفجوره على نفسه، ولا يعارض هذا قوله صلى اللَّه
عليه وسلم ((لا نستعين بمشرك)) لأن الفاجر غير المشرك.
٦ - استدل به بعضهم على أنه لا يطلق على كل مقتول فى الجهاد أنه شهيد، لاحتمال أن يكون مثل
هذا، وإن كان مع ذلك يعطى حكم الشهداء فى الأحكام الظاهرة. فقد خطب عمر، فقال تقولون
فى مغازيكم: فلان شهيد، ومات فلان شهيدا، ولعله يكون قد أوقر راحلته. ألا لا تقولوا ذلكم، قولوا
كما قال رسول اللَّه ◌ُ﴾:((من مات فى سبيل اللّه أو قتل فهو شهيد)).
وعن أبى ذر قال: قال رسول اللّه: ﴿ لأصحابه: ((من تعدون الشهيد؟ قالوا: من أصابه السلاح،
قال: كم من أصابه السلاح وليس بشهيد ولا حميد، وكم من مات على فراشه حتف أنفه عند الله
صديق وشهيد».
واللَّه أعلم
٣٧٠
(٦٧) باب تحريم الجنة على قاتل نفسه
١٩٣- ١٨٠ عَنْ شَيْبَانُ(١٨٠) قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: ((إِنَّ رَجُلا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ
خَرَجَتْ بِهِ قَرْحَةٌ. فَلَمَّا آذَتْهُ انْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ. فَنَكَأَهَا. فَلَمْ يَرْقَأِ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ. قَالَ
رَبُّكُمْ: قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». ثُمَّ مَدَّيَدَهُ إِلَى الْمَسْجِدٍ فَقَالَ: إِي وَاللَّه لَقَدْ حَدَّثَيِي بِهَذَا
الْحَدِيثِ جُنْدَبٌ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴿ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ.
١٩٤- للحٍ عَنْ الْحَسَنِ (١٨١) قَالَ: حَدَّقْنَا جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ.
فَمَّا نَسِيئًا. وَمَا نَخْشَى أَن يَكُونُ جُنْدَبٌّ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿َ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِسَّ
«خَرَجَ بِرَجُلٍ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خُرَاجٌ» فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
المعنى العام
حذر صلى الله عليه وسلم من قتل النفس تحذيراً مؤكداً، وكرر هذا التحذير فى صور مختلفة، وفى
مناسبات متعددة: مرة بالتحديث العام ((من قتل نفسه بحديدة .. )) إلخ.
ومرة باستغلال ظروف الجهاد الذى يظن أنه ميدان الجنة، ليبين أن هذا العمل الإسلامى الكبير
لا يغطى جريرة قتل النفس، ومرة بذكر حادثة وقعت فى بنى إسرائيل ليؤكد أن هذه المعصية ليست
كبيرة فى ديننا وحده، بل مما توافقت الشرائع السابقة على تغليظها. يقص صلى الله عليه وسلم أن
رجلا من الأمم السابقة أصابته جراحة فى يده، فأهمل وقايتها وعلاجها فتقيحت، وأصبحت قرحة
مليئة بالصديد والجراثيم، وأخذ ألمها يزداد ووجعها يشتد، حتى ضعفت قوة الرجل وعزيمته أمام
عذابها، فقرر أن يتخلص من الحياة كلها ليستريح من آلام قرحته، وما حسب حسابا لما سيلاقيه من
عذاب دائم بدل العذاب المؤقت، ومن نار جهنم التى لا يقرب من آلامها الجراح الدنيوية مهما بلغت
قسوتها وصعوبتها.
فتح جعبة سهامه، وأخرج منها سهما ماضيا، ونخس القرحة نخسة شديدة لعله يفجر شريان
يده، فآلمه السهم ولم ينفجر الشريان، فأخذ سكينا مرهفا، ليسرع بالمهمة ويحقق القصد، وفى لحظة
كشط القرحة ونفذ إلى الشريان الذى قذف بدمه، ولم يحاول أن يكتم المنفذ، أويسد ما فتح، بل ترك
الدم يسيل حتى مات.
(١٨٠) حَدَّثَتِي مُحَمِّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدََّا الزُّبَيْرِيُّ وَهُوّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبِيْرِ حَدَّنَا شَيْيَا قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسْنَ
(١٨١)وحَذََّا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ حَذََّنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّنَا أَبِي قَلَ سَمِعْتُ الْحَسْنِ يَقُولُ: حَدًَّا جُنْدَبُ
٣٧١
فقال الله تعالى لملائكته: بادرنى عبدى، وتعجل الموت، وقتل نفسه، ولم يصبر على بلائى، ولم
يرض بقضائى، أشهدكم أنى حرمت عليه الجنة.
ألا فليعلم من يضيق بالحياة ونوائبها، ومن يحاول التخلص بالانتحار من متاعبها، أن بعد
الحياة حياة، وأنه سينقل من حالة إلى حالة أشد، وسيركب طبقا عن طبق وهولا بعد هول، فليتحمل
ساعة الألم، وليذكر كم سعد بالصحة والراحة سنين، وليحمد الله على السراء والضراء، وليسأله العفو
والعافية فى الدنيا، فإنه بعباده -جل شأنه-أرحم الراحمين.
المباحث العربية
( سمعت الحسن ) البصرى.
( إن رجلا ممن كان قبلكم ) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسم هذا الرجل.
( خرجت به قرحة) بفتح القاف وإسكان الراء، واحدة القروح وهى حبات تخرج فى بدن
الإنسان، وفى الرواية الثانية ((خرج برجل فيمن كان قبلكم خراج)) وهو بضم الخاء وتخفيف الراء:
القرحة، وفى رواية البخارى ((رجل به جرح)) بضم الجيم وسكون الراء، وجمع الحافظ ابن حجر بينها
فقال: كأنه كان به جرح ثم صار قرحة، ودلت رواية البخارى على أن الجرح كان فى يده.
( فلما آذته) أى المته إيلاما شديداً لم يصبر عليه، وفى رواية البخارى ((فجزع)».
( انتزع سهما من كنانته ) بكسر الكاف هى جعبة النشاب، سميت كنانة لأنها تكن السهام،
أی تسترها.
( فنكأها ) بالنون والهمز. أى نخسها وخرقها وفتحها، وفى رواية البخارى: ((فأخذ سكينا فخز
بها يده)» وجمع بين الروايتين باجتماع أن يكون قد فجر الجرح بذبابة السهم فلم ينفعه، فخز
موضعه بالسكين.
( فلم يرقأ الدم ) أى لم يقطع. يقال: رقأ الدم والدمع يرقأ مثل ركع يركع، إذا سكن وانقطع.
( ثم مديده إلى المسجد. فقال ) هذه الجملة من كلام ((شيبان)) الراوى عن الحسن.
والمعنى قال شيبان: بعد أن حدث الحسن بهذا الحديث مديده مشيراً إلى مسجد البصرة فقال ...
( إى واللّه) ((إى)) حرف جواب بمعنى نعم، تسبق القسم.
( لقد حدثنى بهذا الحديث جندب عن رسول اللّه فى هذا المسجد ) فجندب
حدث الحسن بهذا الحديث فى مسجد البصرة، والحسن حدث شيبان به فى نفس المسجد، وفائدة
ذكر المكان التوثيق بالرواية، والإشعار بكمال الضبط.
٣٧٢
( فما نسينا ) ما حدثنا به الحسن، أشار بذلك إلى تحققه مما حدث به، وقرب عهده به،
واستمرار ذکره له.
فقه الحديث
لما كان أهل السنة يقولون: إن المؤمن العاصى لا تحرم عليه الجنة. كان عليهم أن يجيبوا عن
قوله صلى الله عليه وسلم فى هذا الحديث: ((قال ربكم قد حرمت عليه الجنة)) وقد أجابوا عن ذلك
من أوجه:
١- أنه كان قد استحل ذلك الفعل، فصار كافراً، والكافر تحرم عليه الجنة.
٢- أن المراد أن الجنة حرمت عليه فى وقت ما، كالوقت الذى يدخل فيه السابقون، أو الوقت
الذى يعذب فيه الموحدون فى النار ثم يخرجون. والمعنى حرمت عليه الجنة فترة من الزمن.
٣- أن المراد جنة معينة كالفردوس مثلا، ف))أل)) فى الجنة للعهد.
٤- أن الرجل كان كافراً فى الأصل، وعوقب بهذه المعصية زيادة على كفره، وهذا الرأى بعيد،
وبعده واضح.
٥- أن ذلك ورد على سبيل التغليظ والتخويف وظاهره غير مراد.
٦- أن التقدير: حرمت عليه الجنة إن شئت استمرار ذلك.
٧- قال النووى: يحتمل أن يكون ذلك شرع من مضى، وأن أصحاب الكبائر يكفرون بفعلها.
ذكر هذه الوجوه الحافظ ابن حجر فى الفتح، وزاد النووى نقلا عن القاضى عياض: أنه يحتمل أن
تحرم عليه الجنة ويحبس فى الأعراف. وهذا التوجيه الأخير لا يتمشى مع مذهب أهل السنة القائلين
بدخول جميع الموحدين الجنة.
وأقرب التوجيهات للقبول هو التوجيه الثانى، وأن تحريم الجنة تحريم مؤقت، وليس فى الحديث
بجميع رواياته ما يدل على تأبيد تحريمها عليه.
قال النووى: ثم إن هذا محمول على أنه نكأها استعجالا للموت أو لغير مصلحة، فإنه لوكان على
طريق المداواة التى يغلب على الظن نفعها لم يكن حراما. اهـ
ورواية البخارى صريحة فى أنه فعل ذلك استعجالا للموت، ونصها)» فجزع، فأخذ سكينا فخزبها
يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال اللَّه عز وجل: بادرنى عبدى بنفسه حرمت عليه الجنة)).
وقد استشكل قوله ((بادرنى عبدى)) فى رواية البخارى، لأنه يقتضى أن يكون من قتل فقد مات
قبل أجله، لما يوهمه سياق الحديث من أنه لولم يقتل نفسه لتأخر موته عن ذلك الوقت وعاش، لكنه
٣٧٣
بادر فتقدم، هذا الظاهر قد يتمشى مع مذهب المعتزلة، أما أهل السنة فهم يقولون: إن المقتول ميت
بأجله، ولهذا يجيبون على الإشكال بأن المبادرة إنما هى من حيث التسبب فى ذلك والقصد له
والاختيار، وليست بخروج الروح، وأطلق على ذلك مبادرة لوجود صورتها، وإنما استحق المعاقبة لأن
اللَّه لم يطلعه على انقضاء أجله، فاختار هو قتل نفسه، فاستحق المعاقبة لعصيانه.
وقال القاضى أبوبكر: قضاء الله مطلق، ومقيد بصفة، فالمطلق يمضى على الوجه بلا صارف،
والمقيد على الوجهين. مثال: أن يقدر لواحد أن يعيش عشرين سنة إن قتل نفسه، وثلاثين سنة إن لم
يقتل، وهذا بالنسبة إلى علم المخلوق، كذلك الموت مثلا. وأما بالنسبة إلى علم اللَّه فإنه لا يقع إلا ما
علمه.اهـ
فمعنى الحديث على هذا: بادرنى عبدى بالنسبة لعلم المخلوقين: لا فى الحقيقة ونفس الأمر وعلم
الله تعالی.
ويؤخذ من الحديث
١- تحريم قتل النفس، ولئن كان الحديث يحكى شرع من قبلنا فإنه أقره، وإقرار شرع من قبلنا
يجعله شرعا لنا.
٢- فيه الوقوف عند حدود الله تعالى، وأن الأنفس ملك له فلا يتصرف فيها صاحبها إلا بما شرعه
المالك جل شأنه.
٣- فيه رحمة الله تعالى بخلقه، حيث حرم عليهم قتل نفوسهم.
٤- فيه الحث على الصبر على البلاء وترك الجزع.
٥- وفيه تحريم تعاطى الأسباب المفضية إلى المحرم.
٦- وفيه التحدث عن الأمم الماضية وما فعلت، بقصد الترغيب أو الترهيب.
٧- وفيه الاحتياط فى التحديث، وكيفية الضبط له، والتحفظ فيه بذكر المكان، والإشارة إلى ضبط
المحدث، وتوثيقه لمن حدثه ليركن السامع لذلك.
٨- قال الحافظ ابن حجر فى قول الراوى: ((وما نخشى أن يكون جندب كذب على رسول اللّه لت
إشارة إلى أن الصحابة عدول، وأن الكذب مأمون من قبلهم، ولا سيما على النبى والآ.اهـ
والحق أن العبارة توثق جندبا، وتؤكد عدالته، ولا تتعرض لغيره من الصحابة وإن كانوا حقاً عدولا
لكن بأدلة أخرى.
والله أعلم
٣٧٤
(٦٨) باب تحريم الغلول
١٩٥ - ٢ج١ عَنْ عُمّرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴾(١٨٢) قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَقْلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةٍ
النّبِيِّ ◌َ. فَقَالُوا: فُلانٌ شَهِيدٌ. فُلانٌ شَهِيدٌ. حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ فَقَالُوا: فُلانٌ شَهِيدٌ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ﴿ «كَلا. إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ، فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا، أَوْ عَبَاءَةٍ ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَل
«يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! اذْهَبْ قَنَادٍ فِي النَّاسِ أَنْهُ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا الْمُؤْمِنُونَ» قَالَ فَخَرَجْتُ
فَنَادَّيْتُ «أَلا إِنَّهُ لا يَدْخُلُ الْجَنّةَ إِلاَ الْمُؤْمِنُونَ».
١٩٦ - ١٥٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٨٣) قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النّبِيِّ :﴿ إِلَى خَيْبَرَ. فَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا.
فَلَمْ تَغْتَمْ ذَهَبًا وَلا وَرِقًا. غَيِمْنَا الْمَفَاعَ وَالطَّعَامَ وَالْقِيَابَ، ثُمَّ الْطَلَقْنَا إِلَّى الْوَادِي، وَمَعَ رَسُولٍ
اللَّهِ وَّ عَبْدٌ لَهُ، وَهَبَّهُ لَهُ رَجُلٌ مِنْ خُذَامٌ. يُدْعَى رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ مِنْ يَبِي الصَُّيْبِ. فَلَمَّا نَزَلْنَا
الْوَادِي قَامٌ عَبْدُ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ يَحُلُّ رَخْلَهُ. فَرُمِيَ بِسَهْمٍ. فَكَانَ فِيهِ حَنْفُهُ. فَقُلْنَا: هَيْئًا لَهُ
الشَّهَادَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ «كَلا. وَالْذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيْدِهِ! إِنَّ الشَّمْلَةَ
لَتْتَهِبُ عَلَيْهِ نَارًا، أَخَذَهَا مِنَ الْغَنَائِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ. لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ» قَالَ قَفَزِعَ النَّاسُ. فَجَاءً
رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنٍ. فَقَالَ: يَارَسُولَ اللَّهِ، أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ. فَقّالَ رَسُولُ اللَّهِلَّ«شِرَاكُ
مِنْ تَّارٍ أَوْ شِرَاكَانٍ مِنْ نَارٍ ».
المعنى العام
هاجر أبو هريرة إلى المدينة ورسول اللَّه * بخيبر فأدركه بها، وخرج معه من خيبر بعد معركتها
وفتحها إلى وادى القرى، وأخذ الصحابة يتحدثون عن شهدائهم على مسمع من رسول اللّه ﴾.
يقولون: فلان شهيد، وفلان شهيد، وفلان شهيد، وذكروا رجلا قتل فى المعركة أو عقبها، وقالوا عنه:
فلان شهيد فقال رسول اللَّه ﴿: كلا، ليس بشهيد، إنى رأيته -ورؤياى وحى- فى النار بسبب بردة
سرقها من الغنيمة تشتعل عليه نارا يوم القيامة، ثم قال: قم يا ابن الخطاب، فناد فى الناس: إنه لا
يدخل الجنة إلا المؤمنون الذين لايغلون، فخرج عمر ونادى بما أمره به صلى الله عليه وسلم.
(١٨٢) حَدَّتِيٍ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّقَا مَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ حَدََّا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ حَدَّفِي سِمَاٌ الْحَنَفِيُّ أَبُو زُمَّيْلٍ قَالَ حَدَّتِي
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ حَدْقَتِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ
(١٨٣) حَذَّيِي أَبُو الطَّاهِرِ قَالَ أَخْيَرَبِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ قَوْرِ بْنِ زَيْدِ الدُّوَلِيِّ عَنْ سَالِمٍ أَبِي الْغَيْثِ
مَوْلَى ابْنٍ مُطِيعٍ غَنْ أَبِي مُرَيْرَةً حِ وَحَدََّا أُنْيَةُ بْنُ سَعِيَّدٍ وَهِّذَا حَدِيثُةٌ حَذََّنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ
قَوْرٍ عَنْ أَبِ الْغَيْثِ عَنَّ أَبِي هُرَيْرَةً
٣٧٥
وبينما الصحابة على ذلك، وبينما عبد أسود لرسول اللّه * يحل رحل ناقة النبى وَ ل إذ جاءه
سهم طائش قضى عليه؛ فقال الصحابة: هنيئاً له الشهادة، قال صلى الله عليه وسلم: كلاليس بشهيد
واللَّه الذى نفسى بيده إن البردة التى سرقها من الغنيمة يوم خيبر قبل القسمة تشتعل عليه نارا.
ففزع الناس وخافوا وانزعجوا من هذه العقوبة، وقد كانوا يحسبون مثل هذا الأمر هينا، فعلموا أنه
عند الله عظيم، وكان ممن هاله الخطب رجل أخذ خفية من الغنيمة سيرا لنعله أو سيرين، فأسرع
بإحضارهما وتسليمهما لرسول اللَّه* قائلا: استغفرلى يا رسول اللّه، فقد أخذت هذين السيرين
يوم خيبر، فأخذهما رسول اللّه وهو يقول لولم تردهما لكانا سيرين من النار يلتهبان على قدميك
يوم القيامة.
المباحث العربية
(لما كان يوم خيبر)((كان)) تامة و(يوم)) فاعلها، وفى ((خيبر)) مضاف محذوف أى يوم
فتح خيبر.
( أقبل نفر) النفر عدة رجال من الثلاثة إلى التسعة، وجمعه أنفار وأنفرة ونفراء، ولم تعرف
أسماؤهم، وقد أقبلوا من المعركة إلى رسول اللّه وَلات
(فقالوا: فلان شهيد) كلمة ((فلان)) من مقول عمر بن الخطاب ه وليست من مقول النفر،
وهى كناية عن الاسم الصريح الذى قالوه. وإن أُعربت صياغةٌ مقولا لقالوا، والمراد من ((شهيد)» أى
سقط فى القتال بين المسلمين والكفار فيحكم له بدخول الجنة أول وهلة.
( حتى مروا على رجل ) أى حتى جاءوا فى عدهم على اسم رجل.
( كلا ) حرف زجر ورد. أى ليس بشهيد.
( إنى رأيته فى النار) رؤيا منام، وهى حق، أو الرؤية بمعنى العلم، أى علمت أنه من أهل
النار بطريق الوحى.
( فى بردة غلها أو عباءة) جملة ((غلها)) صفة لبردة، وحذف هذا الوصف من ((عباءة)) الدلالة
الوصف الأول عليه، والتقدير: أو عباءة غلها.
و((فى)) الظرفية على أنه رئى فى النار مظروفاً فى البردة، أو للسببية، والأول أنسب، والبردة: بضم
الباء كساء مخطط، وهى الشملة، وقال أبو عبيد: هو كساء أسود، فيه صور، وجمعها برد بضم الباء
وفتح الراء، وأما العباءة فمعروفة، وهى بألف ممدودة، ويقال فيها أيضا عباية بالياء، والغُلول - وفعله
غَل يغُل بضم الغين -: هو الخيانة فى الغنيمة خاصة، وقال بعضهم: هو الخيانة فى كل شىء. قال
ابن قتيبة: سمى بذلك لأن آخذه يغله فى متاعه، أى يخفيه.
٣٧٦
(ففتح الله علينا) مفعول ((فتح)) محذوف أى فتح اللّه علينا حصونها.
( فلم نغنم ذهبا ولا ورقا ) الورق - بفتح الواو وكسر الراء - الدراهم المضروبة، وفى رواية
البخارى ((ولم نغنم ذهبا ولا فضة)».
(غنمنا المتاع والطعام والثياب) وفى رواية البخارى ((إنما غنمنا البقر والإبل
والمتاع والحوائط)».
( ثم انطلقنا إلى الوادى) فى رواية البخارى ((إلى وادى القرى)).
(عبد له ) فى رواية الموطأ ((عبد أسود)) وفى رواية البخارى يقال له ((مدعم)) بكسر الميم
وسكون الدال وفتح العين.
( رفاعة بن زيد من بنى الضبيب ) بضم الضاد المعجمة، وبعدها ياء موحدة مفتوحة، ثم ياء
ساكنة، وكان رفاعة قد وفد على رسول اللَّه # فى ناس من قومه قبل خروجه إلى خيبر، فأسلموا،
وعقد له على قومه فأهداه ذلك العبد.
( يحل رحلا) وفى رواية البخارى: ((يحط رحل رسول اللّه ◌َ * (( والرحل مركب
الرجل على البعير.
( فرمى بسهم ) فى رواية البخارى ((إذ جاءه سهم عائر)) (أى طائش لا يدرى من رمی به.
وقيل: هو الحائد عن قصده).
( فكان فيه حتفه ) بفتح الحاء وإسكان التاء، أى موته، وجمعه حتوف، ومات حتف أنفه،
أى من غير قتل ولا ضرب.
( إن الشملة لتلتهب عليه ناراً ) الشملة هى البردة - كما سبق بيانه - يحتمل أن يكون ذلك
حقيقة بأن تصير الشملة نفسها ناراً تحيط به، فيعذب بها، ويحتمل أن يكون المراد أنها سبب
لعذاب النار.
( أخذها من الغنائم ) جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
( فجاء رجل بشراك أو شراكين ) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسم الرجل. والشراك
بكسر الشين وتخفيف الراء هو السير المعروف الذى يكون فى النعل على ظهر القدم، وهو السير الذى
يدخل فيه أصبح الرجل.
( أصبت يوم خيبر) المفعول محذوف، أى أصبته يوم خيبر أى أخذت الشراك أو الشراكين
من الغنيمة قبل القسمة يوم خيبر.
٣٧٧
( شراك من نار) خبر مبتدأ محذوف، أى هذا شراك من نارلولم ترده، أى كان مآله أن يصير
شراكا من نار. ففيه مجاز مرسل من قبيل: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْوًا﴾ [يوسف: ٣٦].
فقه الحديث
من المعلوم أن أبا هريرة هاجر من اليمن إلى المدينة ورسول اللَّه {* بخيبر. فقد روى أحمد وابن
خزيمة وابن حبان والحاكم عن أبى هريرة قال: قدمت المدينة والنبى 8# بخيبر وقد استخلف على
المدينة ((سباع بن عرفطة)). فزودنا شيئاً حتى أتينا خيبر وقد افتتحها النبى { فكلم المسلمين
فأشركونا فى سهامهم.
إذا تقرر هذا كان قول أبى هريرة فى الرواية الثانية: ((خرجنا مع النبى {8# إلى خيبر» مشكلا،
ولهذا قال محققو المحدثين: إن الراوى وَهِم فى هذه الرواية، وفى هذه العبارة بالذات ولهذا كانت
بقية الروايات بعيدة عن هذه العبارة، فالرواية الأولى التى معنا واضحة لا إشكال فيها ورواية
البخارى كذلك، ونصها ((افتتحنا خيبر ولم نغنم ذهبا ولا فضة)) فإدخاله نفسه فى افتتاحها باعتبار
أنه قسم له فى مغانمها، فاعتبر كالمفتتحين لها. ورواية ابن حبان والحاكم («انصرفنا مع رسول اللّه
## إلى وادى القرى)) وهى واضحة. ولعل الرواية الثانية التى معنا محرفة من رواية البيهقى التى
نصها ((خرجنا مع النبى {® من خيبر إلى وادى القرى)).
ويؤخذ من الحديث
١- عظم تحريم الغلول، ونقل النووى الإجماع على أنه من الكبائر.
٢- أنه لا فرق بين قليله وكثيره حتى الشراك الذى هو سير النعل.
٣- استدل به على أن من غل شيئاً من الغنيمة فعليه رده، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الغال
يجب عليه أن يعيد ما غل قبل القسمة، وأما ما غل بعدها فقد قال النووى والأوزاعى والليث
ومالك: يدفع إلى الإمام خمسه، ويتصدق بالباقى، وكان الشافعى لا يرى ذلك ويقول: إن قيل: إنه
ملكه فليس عليه أن يتصدق به، وإن قيل: إنه لم يملكه فليس له الصدقة بمال غيره، قال:
والواجب أن يدفعه إلى الإمام كالأموال الضائعة.
٤- أن الغال إذا رد ما غله قبل منه.
٥- وأنه لا يحرق متاعه، سواء رده أو لم يرده، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يحرق متاع صاحب الشملة
وصاحب الشراك، ولو كان واجباً لفعله، ولو فعله لنقل، وأما حديث «من غل فاحرقوا متاعه
واضربوه)» وفى رواية: ((واضربوا عنقه))، فضعيف. قال الطحاوى: ولو كان صحيحاً لكان منسوخاً،
ويكون هذا حين كانت العقوبات فى الأموال.
٣٧٨
٦- وفيه تنبيه على أن معاقبة الغال إنما تكون بما نفعل. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتٍ بِمَا غَلَّ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ ﴾ [آل عمران: ١٦١].
٧- وفى الحديث قبول الإمام للهدية: قال الحافظ ابن حجر: إن كانت لأمر يختص به فى نفسه، أى
لوكان غيروال فله التصرف فيها بما أراد، وإلا فلا يتصرف فيها إلا للمسلمين، وعلى هذا
التفصيل يحمل حديث «هدايا الأمراء غلول)» فيخص بمن أخذها فاستبد بها، وخالف فى ذلك
بعض الحنفية. فقال: له الاستبداد مطلقاً، بدليل أنه لوردها على مهديها لجاز، فلو كانت فيئاً
للمسلمين لما ردها.
٨- جواز الحلف بالله تعالى من غير ضرورة، قصد تأكيد الخبر لقوله صلى الله عليه وسلم ((والذى نفس
محمد بيده».
٩- أن الغال من الغنيمة ليس بشهيد، فإن رسول اللَّه* لما قالوا عنه: شهيد. قال: كلا، قال النووي:
من غل فى الغنيمة وشبهه ممن وردت الآثار بنفى تسميته شهيداً إذا قتل فى حرب الكفار، فهذا
له حكم الشهداء فى الدنيا، فلا يغسل، ولا يصلى عليه، وليس له ثوابهم الكامل فى الآخرة. اهـ
فنفى الشهادة نفى لثوابها الكامل، ونفى لتحريم صاحبها على النار.
والله أعلم
٣٧٩
(٦٩) باب قاتل النفس لا يكفر
١٩٧ - ١١٤ عَنْ جَابِرٍ ﴾(١٨٤) أَنَّ الطَّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ أَتَى النَّبِيِّ ◌َ فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ وَمَنْعَةٍ؟ (قَالَ حِصْنٌ كَانَ لِدَوْسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) فَأَتَّى ذَلِكَ النّبِيُّ
* لِلَّذِي ذَخَرَ اللّهُ لِلْأَنْصَارِ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ : ﴿ إِلَى الْمَدِينَةِ. هَاجَرَ إِلَيْهِ الطَّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو.
وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ. فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ. فَمَرِضَ، فَجَزِعَ فَأَخَذّ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا
بَرَاجِمَةُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ. فَرَآهُ الطَّقَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ. فَرَآهُ وَهَيْتُهُ حَسَنَةٌ. وَرَآهُ
مُغَطًّا يَدَيْهِ. فَقَالَ لَهُ: مَا صَنّعَ بِكَ رَّبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَبِي إِلَى نَبِّهِ وَ فَقَالَ: مَا لِي
أَرَاكَ مُغَطّيًا يَدَّنْكَ؟ قَالَ قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ، فَقَصَّهَا الطَّقَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ
لِ *. فَقّالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ : «اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ».
المعنى العام
قدم الطفيل بن عمرو الدوسى من وطنه باليمن إلى مكة، وكان من وجهاء قومه، فخافت قريش
أن يتصل برسول اللّه فيسلم، فحذرته منه بأنه يفرق بين المرء وزوجه، وبأنه ساحر إلخ، فدفعه
حب الاستطلاع إلى القرب من رسول اللّه * من حيث لا يشعر، فسمع منه بعض آيات القرآن
الكريم، فوقعت فى قلبه، فلما انصرف رسول اللَّه إلى بيته أدركه الطفيل، فطلب منه أن يعرض
عليه الإسلام فأسلم، ورجع إلى قومه، ودعاهم إلى الإسلام، فكان ممن أجابه أبو هريرة طلبه وجماعة
من أهله، وبعد مدة رجع إلى رسول اللّه *، ورأى إيذاء قريش له وللمسلمين، فعرض عليه أن يهاجر
إلى اليمن ويقيم فى حصن دوس المنيع، وفى حماية جماعة من قوم الطفيل المسلمين، فاعتذر عن
الهجرة رسول اللّه * فقد كان ربه قد أراه أرض طيبة، وأعلمه أنها أرض الهجرة، ولم يكن قد أذن له
فيها، فعاد الطفيل إلى أهله، فلما هاجر رسول اللّه { إلى المدينة، ويعد بدر وأحد والخندق، وفى
عمرة القضية هاجر الطفيل بن عمرو، ومعه رجل من قومه، واستقربهم المقام فى المدينة، لكن
هواءها لم يناسبهما، فأصابتهما بعض الأمراض، واشتد المرض بصاحبه، وبرحت به الآلام، فلم يطق
عليها صبراً، فأخذ سهما عريضاً حاداً كالسكين، وقطع به أصابعه، ففجر شرايينه، فسال دمه بغزارة،
ولم ينقطع حتى مات، فرآه الطفيل فى المنام، رآه حسن الهيئة، وقد كان يعلم أنه مات عاصيا
بانتحاره، فتعجب من حسن هيئته فقال له: ما صنع الله بك؟ قال: غفرلى خطاياى بفضل هجرتى
إلى رسوله *، قال له: فما بالك تغطى يديك؟ قال: قيل لى: لن نصلح منك ما أفسدت، فبقى الأنى
(١٨٤) حَدََّا أَبُو بُكْرِ بْنُ أَبِي شَيَّةً وَإِسْحَقُ بْنُ إِنْرَاهِيمٌ جَمِيعًا عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدََّنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدْقَا حَمَّادُ بْنُ
زَبْدِ عَنْ حَجَّاجِ الصَّوَّافِ عَنْ أَبِي الزََّيْرٍ عَنْ جَابٍِ
٣٨٠