Indexed OCR Text

Pages 221-240

وهذا يتعارض مع ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم ((أربع من كن فيه)) وقوله فى الرواية الثانية
((آية المنافق ثلاث)) بل الروايتان تعارض كل منهما الأخرى، وقد حاول بعض العلماء رفع هذا
التعارض، فقال القرطبى: يحتمل أنه استجد له صلى الله عليه وسلم من العلم بخصالهم ما لم يكن
عنده.اهـ أى فأخبر أولا بالأقل، ثم أخبر بالأكثر.
وقال الحافظ ابن حجر ما حاصله: يحتمل أن تكون العلامات الثلاث دالات على أصل النفاق،
والخلة الزائدة إذا أضيفت إلى ذلك كمل بها خلوص النفاق.اهـ
وهذا الجمع من الحافظ ابن حجر إنما بناه على روايتى البخارى، وليس فيهما ((إذا وعد أخلف))
وحاول الخروج من روايتى مسلم بأن الغدر فى المعاهدة والخلف فى الوعد معناهما قد يتحد، فعدهما
خصلة واحدة، وقال: كأن بعض الرواة تصرف فى لفظه، والمزيد خصلة واحدة ومجموع الخصال
الواردة أربع. اهـ
والمحقق فى هذا الاحتمال يستبعده، لأن تصرف بعض الرواة فى اللفظ إنما يحتمل فى الروايتين
المختلفتين، أما الرواية الواحدة التى تعدد خصلتين فاحتمال التصرف من الرواة بعيد.
والأولى فى الجواب أن يقال: إن كل واحدة من الخمس علامة من علامات النفاق، بل الخمس
من علامات النفاق، فهى أكثر من ذلك، إذ منها الملق وإظهار الرضا والإعجاب بالرؤساء مع بغضهم
وكراهيتهم، فالأربع إذا اجتمعت فى شخص كان منافقا خالصا، وإذا وجدت فيه خصلة منها كان
فيه خصلة من النفاق؛ وهناك غير هذه الأربع ما هو من علامات النفاق، أما رواية: ((آية المنافق
ثلاث)) فهى على تقدير ((من)) أى من آيات المنافق الكثيرة ثلاث، يدل على ذلك ماورد فى الرواية
الثانية ((من علامات المنافق ثلاثة)).
والمقصود من هذه الخصال المذكورة التنبيه على ما عداها من خصال النفاق، إذ أصل الديانة
منحصر فى ثلاث: القول، والفعل، والنية، فنبه على فساد القول بالكذب، والفجور فى المخاصمة،
وعلى فساد الفعل بالخيانة فى الأمانة، والغدر فى المعاهدة، وعلى فساد النية بالخلف فى الوعد، لأن
الخلف فى الوعد لا يقدح إلا إذا كان العزم عليه مقارنا للوعد، أما لو كان عازما على الوفاء ثم عرض له
مانع، أو بدا رأى، فهذا لا توجد فيه صورة النفاق قاله الغزالى فى الإحياء، وقد ورد عند الترمذى وأبى
داود ((إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفى له فلم يف، فلا إثم عليه)).
وقال المهلب: إنجاز الوعد مأمور به مندوب إليه عند الجميع، وقد ذهب بعض العلماء
إلى أنه واجب، استدلالا بهذا الحديث، وبقوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْنًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا
تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣].
والتحقيق أن حكمه يختلف باختلاف الموعود به، والأثر المترتب على الإخلاف.
ولا شك أن المراد بالوعد المطلوب الوفاء به الوعد بالخير، أما الوعد بالشر فيستحب إخلافه، بل
قد يجب إخلافه.
٢٢١

وأما الكذب فى الحديث الذى هو علامة من علامات المنافق فهو الكذب المتعمد الذى يترتب
عليه ضرر، أما المبالغة فى الوصف، أو فى الإخبار عن أحوال ماضية، مما يخالف الواقع ولا يترتب
عليه ضرر، فهذا وإن كان كذبا فى الصورة، وإن كان ينبغى الحذر منه، إلا أنه لا يأثم كثيرا بسببه ولا
يكون به منافقا.
وللغزالى كلام نفيس فى هذا الموضوع لا بأس باقتباس بعضه، قال: إن الكذب ليس حراما لعينه،
بل لما فيه من الضرر على المخاطب أو على غيره. ثم نقل عن ميمون بن مهران قوله: الكذب فى
بعض المواطن خير من الصدق. أرأيت لو أن رجلا سعى خلف إنسان بالسيف ليقتله ظلما، فدخل
دار! فانتهى إليك، فقال: أرأيت فلانا؟ ما كنت قائلا؟ ألست تقول: لم أره؟ وهذا الكذب واجب.
ثم قال الغزالى: الكلام وسيلة إلى المقاصد، فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق
والكذب جميعا فالكذب فيه حرام، وإن أمكن التوصل إليه بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح إن
كان تحصيل ذلك القصد مباحا، وواجب إن كان المقصود واجبا، كما أن عصمة دم المسلم واجبة
فمهما كان فى الصدق سفك دم امرئ مسلم قد اختفى من ظالم فالكذب فيه واجب، ومهما كان لا
يتم مقصود الحرب، أو إصلاح ذات البين، أو استمالة قلب المحنى عليه إلا بكذب فالكذب مباح.
إلا أنه ينبغى أن يحترز منه ما أمكن، لأنه إذا فتح باب الكذب على نفسه، فيخشى أن
يتداعى إلى ما يستغنى عنه، وإلى ما لا يقتصر على حد الضرورة، فيكون الكذب حراما فى
الأصل إلا لضرورة. اهـ
وأما الغدر فى المعاهدة فهو قبيح مذموم عند كل أمة. قال الحافظ ابن حجر: والغدر حرام
باتفاق، سواء كان فى حق المسلم أو الذمى. اهـ
وقد أمر اللَّه المسلمين بالوفاء بعهدهم للمشركين فقال: ﴿إِلا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ
الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّالْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤].
وأما المخاصمة فهى لجاج فى الكلام ليستوفى به مال أوحق، والفجور فيها يكون بمحاولة
الوصول إلى مال الغير وإلى غير الحق، فالمخاصمة تكون على ثلاثة أحوال: مخاصمة للوصول إلى
حق، ومخاصمة بغير علم، ومخاصمة للوصول إلى حق الغير.
أما المخاصمة للوصول إلى حق فالأولى تركها، حيث أمكن الوصول إليه بغيرها، لأنها تشوش
الخاطر، وتنغص القلوب، وتوغر الصدور، وتهيج الغضب، إذ فيها تعريض بالطعن والتجهيل
والتكذيب، وفيها تفويت لطيب الكلام، ولين الخلق مفتاح باب الجنة.
وأما المخاصمة بغير علم فهى مذمومة لما فيها من الأضرار السابقة، وزيادة عدم الهدف
والغرض الصحيح.
وأما المخاصمة للوصول إلى حق الغير فهى الحالة المقصودة من الحديث ((إذا خاصم فجر)) أى
مال عن الحق قصدا، وتلك سمة المنافق.
٢٢٢

وأما الخيانة فى الأمانة فهى حرام باتفاق، سواء كانت الأمانة بين العبد وربه كالفرائض التى
هى أمانة لدى الأمة، أو بين الناس بعضهم بعضا.
وقد أثار العلماء على الحديث إشكالا، حكاه الإمام النووى فقال: إن هذه الخصال توجد فى
المسلم المصدق الذى ليس فيه شك، وقد أجمع العلماء [أى من أهل السنة] على أن من كان مصدقا
بقلبه ولسانه، وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر، ولا هو منافق يخلد فى النار، فإن إخوة يوسف
عليه السلام جمعوا هذا الخصال، وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله، ثم قال جوابا عن
هذا الإشكال: الذى قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار، أن معناه أن هذه الخصال
خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين فى هذه الخصال، ومتخلق بأخلاقهم، فإن النفاق هو إظهار
مايبطن خلافه، وهذا المعنى موجود فى صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه فى حق من حدثه، أو
وعده، أو ائتمنه، أو خاصمه وعاهده من الناس، لا أنه منافق فى الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر، ولم
يرد النبى # بهذا أنه منافق نفاق الكفار المخلدين فى الدرك الأسفل من النار.
قال الحافظ ابن حجر: ومحصل هذا الجواب حمل تسميته منافقا على المجاز، أى صاحب هذه
الخصال كالمنافق، وهو مبنى على أن المراد بالنفاق نفاق الكفر.
وقد قيل فى الجواب عن الإشكال: إن المراد بالنفاق نفاق العمل. وهذا الذى ارتضاه القرطبى،
واستدل له بقول عمر لحذيفة: هل تعلم فىّ شيئا من النفاق؟ فإنه لم يرد بذلك نفاق الكفر، وإنما أراد
نفاق العمل.
وقيل: المراد بإطلاق النفاق إنذار المسلم وتحذيره من أن يرتكب هذه الخصال فيعتادها فتفضى
به إلى حقيقة النفاق.
وهذه الأجوبة مبنية على أن اللام فى المنافق للجنس، ومن العلماء من ادعى أنها للعهد، وأن
الحديث فى حق شخص معين، أو فى حق المنافقين فى عهد النبي{8#. جريا على عادة النبى { لا فى
عدم المواجهة بتصريح القول، فلم يكن يقول: فلان منافق، وإنما كان يعرض بالأفعال كقوله صلى
اللَّه عليه وسلم: ((ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء)»؟
قال الحافظ ابن حجر: وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبى.اهـ
ونحن نميل إلى ما اختاره النووى، ولا يضر قوله ((وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم)) إذ المعنى أنه
شبيه بالمنافق، وإن قام بشعائر الإسلام وأركانه الظاهرة وأعلن أنه مسلم، فقد كان المنافقون
الحقيقيون يفعلون ذلك.
وهذه الجملة فى الرواية الأخيرة تأكيد للتنفير من هذه الخلال، والتحذير من ملابستها لإشعارها
بأن الصوم والصلاة، وبقية الأركان لا تحمى الإسلام من الزعزعة والضعف، ولا تحول دون مشابهة
مرتكب الخلال الخمس بالمنافقين ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
٢٢٣

(٣٧) باب إيمان من قال للمسلم: ياكافر
١١٤ - ١١١ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِى اللَّه عَنْهِمَا(١١) أَنَّ النّبِيَّلِ ﴿ قَالَ: «إِذَا كَفِّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ
فَقّدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا ».
١١٥ - ٣٢ْ عَنْ ابْنِ عُمَّرَ رَضِى اللَّه عَنْهمَا(١٠) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ « أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لأَخِيهِ:
كَافِرُ. فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا. إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ. وَإِلا رَجَعَتْ عَلَيْهِ ».
المعنى العام
سباب المسلم كقتله، وتكفيره كالكفر، وما من رجل يرمى مسلما ظلما بفسق أو بكفر إلا هيأ الله
له ملكا يدافع عنه، ويرد عنه الشتم والسب.
وقد ورد أن رجلا أخذ يسب أبا بكر الصديق فى حضرة النبى {# وأبو بكر صامت لا يرد، حتى
فاض به الكيل، فرد شمة، فقام النبى 8# مغضبا، فتعلق به أبوبكر، وقال: يارسول اللّه، يشتمنى
وتسكت، فلما أرد مرة على مرات تغضب وتقوم؟ فقال: يا أبا بكر. كان يشتمك وملك يرد عنك، فلما
رددت خرج الملك ودخل الشيطان.
نعم. إذا كفر المسلم أخاه المسلم، وإذا قال مؤمن: لمؤمن: ياكافر. فإن كان كافرا حقا كفرا
شرعيا، فقد صدق القائل، وذهب بها المقول له، وإن كان ليس كما قال كان القائل هو المستحق
لمعرة الكفر، وارتدت عليه كلمته.
وقد أخرج أبو داود بسند جيد عن النبى 18 قوله «إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى
السماء، فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض فتأخذ يمنة ويسرة، فإن لم تجد مساغا
رجعت إلى الذى لُعِن، إن كان أهلا، وإلا رجعت إلى قائلها)».
فليحذر المسلم السب واللعن والتكفير وبذاءة اللسان، فليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا
الفاحش ولا البذيء، ورحم اللَّه عبدا تكلم فغنم، أو سكت فسلم.
المباحث العربية
(إذا كَفَّرَ الرجل أخاه ) كفَّره أكفره ففى القاموس: أكفره دعاه كافرا. أى إذا دعا الرجل أخاه
(١١١) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ حَدَّقَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثُمَيْرٍ قَالا حَذَّنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ ثُمّرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنٍ عُمَّرَ
(١٠) وحَدََّا يَحْتِى فَنُ يَحَتَّى التَّحِيمِيُّ وَيَحْتَى بْنُ أَيْوَبٌ وَقْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَّلِيُّ بْنُ حُجْرٍ جَمِيعًا عَنْ إِسْمَعِيلَ ابْنٍ جَّعْفَرٍ قَالَ يَحْتَى
ابْنُ يَحْتِى أَخْبُرَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سمع عَنِ ابْنٍ عُمْرٌّ يَقُولُ
٢٢٤

بالكفر، وناداه بكلمة ((ياكافر)) كما جاء فى الرواية الثانية، أو إذا نسب إليه الكفر، وأسنده إليه،
فقال: أنت كافر أو فلان كافر، والمراد من الأخوة: الأخوة فى الإسلام، وعبر بلفظ ((أخاه)) ولم يقل: إذا
كفر الرجل مسلما؛ لزيادة التنفير من هذا الفعل القبيح، لأن شناعة سب الأخ فوق شناعة سب
البعيد، والتعبير بالرجل لما أنه الأصل فى خطاب الشرع، والنساء محمولات على الرجال فى
الخطاب الشرعى، إلا ماورد خاصا بهن، فمثل إكفار الرجل أخاه إكفار الرجل أخته، وإكفار المرأة
أخاها أو أختها.
( أيما امرئ قال لأخيه: كافر) ((أى)) اسم شرط مبتدأ، و((ما)) زائدة و((امرئ)) مضاف إليه،
وحركة الراء فيه تابعة لحركة إعرابه فتفتح فى النصب، وتضم فى الرفع، وتكسر فى الجركما هنا.
و(«كافر» ضبطه النووى بالرفع والتنوين على أنه خبر مبتدأ محذوف أى هو كافر، ورواية البخارى
((يا كافر)» على النداء، والبناء على الضم، لأنه نكرة مقصودة.
( فقد باء بها أحدهما ) ضمير ((بها)) لكلمة التكفير، و((باء)) بمعنى رجع، والمراد بأحدهما
القائل أو المقول له، والجملة جواب الشرط، والمعنى من قال لأخيه المسلم: يا كافر فقد رجع بهذه
الكلمة المقول له أو القائل، ثم بين رجوع أحدهما بهذه الكلمة، فقال:
(إن كان كما قال) اسم ((كان)) ضمير الأخ، و((كما قال)) خبر ((كان)» وجواب الشرط
محذوف، والتقدير: إن كان الأخ المقول له كافرا فى الواقع ونفس الأمر فقد باء بالتكفير.
(وإلا رجعت عليه ) أى وإن لم يكن الأخ كافرا رجعت كلمة التكفير على قائلها و))إن))
شرطية مدغمة فى ((لا)) النافية، وفعل الشرط محذوف للعلم به من سابقه، وفاعل («رجعت)) ضمير
مستتر يعود على كلمة التكفير.
فقه الحديث
من نسب الكفر إلى مسلم، لا يخلوحاله من أحد أمور أربعة:
(أ) أن لا يقصد النسبة الحقيقية، بأن يقولها عفوا، وجريا على لسانه أو هزلا ومداعبة، فهذا آثم
بلا خلاف، لأن فى طهارة الألفاظ متسعا للهزل والمداعبة وبسط الكلام، لكنه ليس بكافر، ولا يبوء
بهذه الكلمة أحدهما وليس مقصودا بهذا الحديث.
(ب) أن يقصد النسبة الحقيقية، لكنه يجهل حكم من كفر أخاه، فهذا آثم إثما أكبر، لأنه لا يجوز
طعن مسلم - خصوصا بالكفر - إلا بعد التحقق والتأكد بجميع الوسائل والبراهين، لكنه ليس بكافر،
ولا يدخل فى الحديث لجهله.
(جـ) أن يقصد النسبة الحقيقية، ويعلم الحكم، لكن له وجهة نظر دينية فى هذه النسبة كقولنا:
٢٢٥

الخوارج كافرون، وإسنادنا بعض الشيعة للكفر، فهذه الحالة لا تدخل معنا فى هذا الحديث، والتحرز
منها أولى من الوقوع فيها.
(د) أن يقصد النسبة الحقيقية والسب والطعن، بغير تأويل، وهو يعلم النهى عن تكفير المسلم،
وهذه الحالة هى المقصودة بالحديث، ولا شك أنها كبيرة، وللخوارج أن يتمسكوا بالحديث فى
تكفيرهم مرتكب الكبيرة.
ولما كان أهل السنة لا يكفرون المسلم بالمعاصى، كالقتل والزنا والسرقة والخمر، فإنهم لا
يكفرونه بالسب واللعن، ولو كان بلفظ الكفر، مادام هذا القائل لا يعتقد بطلان دين الإسلام، ولهم فى
تأويل هذا الحديث عدة أوجه:
الأول: أنه محمول على المستحل لذلك، وكل مستحل للكبيرة المعلوم حرمتها من الدين بالضرورة
كافر، ويكون معنى الحديث: من استحل تكفير المسلم وكان المقول له مسلما فى الواقع ونفس الأمر،
فقد رجع عليه الكفر وبالتکفیر صارکافرا.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا الوجه بعيد من سياق الحديث.
الثانى: أن الحديث محمول على الخوارج الذين كفروا أجلة الصحابة وأمثال الخوارج ممن
يكفرون من لا شبهة فى إسلامهم، وهذا الوجه نقله القاضى عياض عن الإمام مالك بن أنس، قال
الإمام النووى: وهو ضعيف لأن المذهب الصحيح المختار الذى قاله الأكثرون والمحققون أن الخوارج
لا يكفرون، كسائر أهل البدع. اهـ
وقال الحافظ ابن حجر: ولما قاله مالك وجه، وهو أن منهم من يكفر كثيرا من الصحابة لمن شهد
له رسول اللَّه :﴿ بالجنة وبالإيمان، فيكون تكفيرهم من حيث تكذيبهم للشهادة المذكورة، لا من مجرد
صدور التكفير منهم بتأويل.اهـ
والمحقق فى دفاع الحافظ ابن حجر يجد هذا الوجه لا وجه له، لأن رد حديث الشهادة بالجنة لا
يكفر، لأنه غير متواتر، ولا يلزمه تكذيب النبى %.
الثالث: أنه يخشى عليه من أن يؤول به هذا التكفير إلى الكفر، كما قيل: المعاصى بريد الكفر، أى
واسطته وطريقه، فيخاف على من أدامها وأصر عليها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفرولا
يخفى ما فى هذا الوجه من التكلف.
الرابع: أن المراد كفر النعمة، وقد ورد الكفر فى الشرع بمعنى جحد النعم فى حديث
(«يكفرن الإحسان، ويكفرن العشير)» فكأن المعنى: من قال لأخيه: يا كافر فقد ترك شكر
نعمة الإسلام، ولم يقم بحقها، ويضعف هذا الوجه أن الكفر حيث أطلق فى لسان الشرع فهو
جحد المعلوم من الدين بالضرورة.
الخامس: أن فى الكلام مضافا محذوفا، والتقدير: فقد باء بها أى بإثمها ونقيصتها ومعصيتها
أحدهما، وهذا الوجه قليل التكلف، ولا بأس به.
٢٢٦

السادس: أن معناه فقد رجع عليه تكفيره لأخيه، فليس الراجع حقيقة الكفر، بل التكفير، لأن من
جعل أخاه كافرا فكأنه كفر نفسه، لأنه كفر من هو مثله، ولأنه فعل ما لا يفعله إلا كافر يعتقد بطلان
دین الإسلام.
وهذا الوجه قريب من الوجه الخامس.
السابع: قال الحافظ ابن حجر: والتحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم عن أن يقول
ذلك لأخيه المسلم.
فالمقصود التغليظ والتخويف والردع، وليس رجوع الكفر إلى قائله.
هذا حكم القائل الذى لم يطابق قوله الواقع، فإن كان صادقا فيما قال وكان المقول له كافرا فى
حقيقة الأمر، أو كان المقول له: يا فاسق فاسقا بالفعل، فإنه لا يرجع عليه شىء، لكونه صدق فيما
قال، ولكن لا يلزم من كونه لا يصير بذلك كافرا أو فاسقا أن لا يكون آثما، بل فى هذه الصورة تفصيل:
إن قصد نصحه أو نصح غيره ببيان حاله جاز.
وإن قصد تعبيره: والتشهير به، ومحض أذاه لم يجز، لأنه مأمور بالستر عليه وتعليمه وعظته
بالحسنى، فمهما أمكنه ذلك بالرفق لا يجوزله أن يفعله بالعنف، لأن العنف قد يكون سببا فى إغرائه
وإصراره على ذلك الفعل، كما فى طبع كثير من الناس من الأنفة، لا سيما إن كان الأمر دون المأمور
فى المنزلة.
والله أعلم
٢٢٧

(٣٨) باب إيمان من ادعى لغير أبيه ومن ادعى ما ليس له
١١٦ - ١١٢ عَنْ أَبِي ذَرِّ ◌َ﴾ (١١٢) أَنْهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِلَيَقُولُ «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى
لِغَيْرٍ أَبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ، إِلا كَفَرَ. وَمَنِ اذَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنْا وَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ. وَمَنْ
دَعَا رَجُلا بِالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوَّ اللَّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِلا حَارَ عَلَيْهِ».
١١٧ - ١١٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١١٣) قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ « لا تَرْغَّبُوا عَنْ آبَائِكُمْ.
فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كُفْرٌ ».
١١٨- ٤ ١١ عَنْ أَبِي عُثْمَانُ(١١٤). قَالَ: لَمَّا ادُّعِيَ زِيَادٌ، لَقِيتُ أَبَا بَكْرَةً فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا
الَّذِي صَنَعُمْ؟ إِنِّي سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقْاصٍ يَقُولُ: سَمِعَ أَذْنَايَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ﴿هُ وَهُوَ
يَقُولُ: «مَنِ ادْعَى أَبًا فِى الإِسْلامِ غَيْرَ أَبِيهِ، يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِهِ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ».
١١٩- ٥/ ! عَنْ أَبِي عُثْمَانٌ(١١٥)، عَنْ سَعْدٍ وَأَبِي بَكْرَةَ، كِلاهُمَا يَقُولُ: سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ.
وَوَعْاهُ قَلْبِي. مُحَمَّدًا ﴿. يَقُولُ «مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ،
فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ».
المعنى العام
كان من عادات أهل الجاهلية القبيحة ومن صور نكاحهم الشاذ الفاسد أنهم كانوا يجتمعون
رهطا دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت ومضت ليال، أرسلت
إليهم، فاجتمعوا عندها. فقالت: قد ولدت، فهو ابنك يا فلان، فيلحق به ولدها، ولا يستطيع أن يمتنع،
ولا قيمة لزوجها الحقيقى، ومن ذلك نكاح الإماء البغايا حيث كن ينصبن الرايات على أبوابهن، فمن
أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن فوضعت ألحقوا ولدها بالذى يراه القائف؛ فيكون ابنه،
يستحق جميع حقوق الأبناء الحقيقيين. وجاء الإسلام فأبطل كل هذه القبائح، وجعل الولد للفراش
منسوبا إلى الزوج، فإذا قام رجل، فقال: يا رسول اللَّه. إن فلانا ابنى عاهرت بأمه فى الجاهلية قال له
(١١٢) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثْنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ حَدَّقَّا أَبِي حَدَّْنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلّمُ عَنِ ابْنٍ بُرَيْدَةً عَنْ يَحْيَى بْنِ
يَعْمَرَ أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ حَدَّثَّهُ عَنْ أَبِي ذَرِّ
(١١٣) حَدَّثَنِي مَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَثِيُّ حَدََّا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبُرَبِي عَمْرُو عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةً عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِع أُبًا
حُرِّيْرَةً يَقُولُ
(١١٤) حَذَِّي عَمْرِّوِ النَّقِدُ حَدََّنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ أَخْبَرَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِي عُثْمَانِ
- فَقَالَ أَبُو بَكْرَةً وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهُ عَلِ
(١١٥) حَذََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَِيَةً حَذِّنَا يَخََّى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنٍ أَبِي زَائِدَةً وَأَبُو مُعَاوِيَةً عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عُثْمَان
٢٢٨

صلى الله عليه وسلم: لا دعوة فى الإسلام، ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش وللعاهر الحجر، ومنع
التبنى منعا قاطعا.
وكان زياد ابن أبيه، أو زياد بن عبيد الثقفى كان ابن سمية، وكانت أَمَّةٌ للحارث بن كلدة، زوجها
لمولاه عبيد، فأتت بزياد على فراشه، وهم بالطائف قبل أن يسلم أهل الطائف ونبغ زياد، وصار ملء
السمع والعين، بلاغة وقوة رأى، وسمعه أبو سفيان يتكلم، فأعجب بفصاحته - وذلك فى خلافة عمر -
فقال: إنى لأعرف من وضعه فى أمه، ولو شئت لسميته، ولكن أخاف من عمر، وكان يقصد من ذلك
رغبته فى استلحاقه وتبنيه.
فلما ولى معاوية الخلافة كان زياد واليا على فارس من قبل علىّ - كرم الله وجهه- فأراد معاوية
مداراته واستمالته، فأرسل إليه أنه أخوه، وأبلغه دخيلة أبى سفيان فى استلحاقه، وأطمعه فى أن
يلحق بأبى سفيان، ويعلن للناس أنه أخوه، فأصغى زياد إلى ذلك، ورأى أنه سينال به حظوة وشرفا،
وتم الاستلحاق، وإدعاه معاوية وألحقه بأبى سفيان، وصار من جملة أصحابه بعد أن كان من
أصحاب على، وأمَّره معاوية على البصرة، ثم على الكوفة وأكرمه، فأنكر كثير من الصحابة والتابعين
هذا العمل، محتجين بحديث ((الولد للفراش)) وإبطال الادعاء والتبنى.
وكان أبو عثمان أحد المنكرين، التقى بأبى بكرة، ابن سمية، أخى زياد لأمه فقال له: كيف
خالفتم الشريعة؟ وكيف اجترأتم على حدود اللَّه؟ وكيف قبلتم هذا الإلحاق؟ ألم تسمعوا قول رسول
اللَّهِ فَ﴿ّ: لا ترغبوا عن آبائكم، ولا تتحولوا عنهم إلى غيرهم، فمن رغب عن أبيه، وانتسب إلى غيره فقد
كفر، والجنة عليه حرام، ومن ادعى شيئا ليس له فليس مستقيما على شريعة الإسلام، وسيتبوأ منزلا
من النار؟.
قال أبو بكرة: مهلا يا أبا عثمان، فقد سمعت أذناى هذا الحديث من رسول اللَّه # ووعاه قلبى،
وأنكرت هذا الفعل مثل ما أنكرت، وخاصمت فيه زيادا وهجرته، وحلفت أن لا أكلمه أبد الدهر،
ولست أملك تغيير هذا المنكر بأكثر مما فعلت، والله المستعان على ما يصفون.
المباحث العربية
( ليس من رجل) ((من)) زائدة والتعبير بالرجل للغالب، وإلا فالمرأة كذلك حكمها.
( ادعى لغير أبيه ) ((ادعى)) بفتح الدال والعين، ومفعوله محذوف، والتقدير: ادعى نسبا لغير
أبيه، والجملة صفة ((رجل)).
( وهو يعلمه ) أى وهو يعلم أباه الحقيقى، أو وهو يعلم أنه غير أبيه. والثانى أولى للتصريح فى
الرواية الثالثة والرابعة، وجملة ((وهو يعلمه)) حال من فاعل ((أدعى)).
( إلا كفر) الاستثناء مفرغ من عموم الأخبار، وجملة ((كفر» خبر، والتقدير: ليس
٢٢٩

رجل مدع غير أبيه مخبرا عنه بخبر ما إلا بكفره، وبرفع النفى والاستثناء يصير المعنى:
الرجل الذى يدعى غير أبيه كافر.
( ومن ادعى ماليس له ) ((من)) اسم شرط مبتدأ، و((ادعى)) فعل الشرط و((ما)) موصولة
مفعول ((ادعى)) و((ليس له)) لا محل له من الإعراب صلته، أو نكرة موصوفة، مفعول ((ادعى)) أيضا
وجملة ((ليس له)) صفة، والتقدير: ادعى شيئا ليس له.
( فليس منا ) معشر المسلمين، والجملة جواب الشرط.
( وليتبوأ مقعده من النار) يقال: تبوأ الرجل المكان إذا اتخذه مسكنا، فالمعنى ليتخذ
لنفسه منزلا من نارجهنم: وهو أمر بمعنى الخبر، أى ليس منا وسيتخذ منزلا له فى نار جهنم أو
بمعنى التهديد، كقوله ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] أو بمعنى التهكم، أو دعاء على فاعل ذلك، أى
بوأه اللَّه ذلك.
وقال الكرمانى: يحتمل أن يكون الأمر على حقيقته، والمعنى: من ادعى ما ليس له فليأمر نفسه
بالتبوؤ والوجه الأول أولى.
( ومن دعا رجلا بالكفر ) أى ناداه بكلمة: يا كافر.
(أو قال: عدو اللَّه) ضبطه النووى على وجهين: رفع ((عدو)) على أنه خبر مبتدأ محذوف، أى
هو عدو اللَّه، ونصبه على النداء، أى يا عدو اللَّه، والنصب أرجع.
( وليس كذلك ) أى وليس من دعى بالكفر كما قال الداعى.
(إلاحار عليه) ((حار)) و)) رجع)) و))باء)) بمعنى واحد، وهذا الاستثناء واقع على المعنى،
والتقدير)» ما يدعوه أحد بالكفر وهو ليس بكافر إلا رجع الكفر على الداعى.
( لاترغبوا عن آبائكم) يقال: رغب فى كذا إذا مال إليه وأقبل عليه، ورغب عن كذا إذا
انصرف عنه وأعرض، فالمعنى: لا تتحولوا عن النسبة لآبائكم.
( فمن رغب عن أبيه فهو كفر) الأصل فهو كافر، ففيه الإخبار بالمصدر للمبالغة كأنه نفس
الكفر، كقولهم زيد عدل أى عادل.
( لما ادعى زياد ) ضبطه النووى بضم الدال وكسر العين، مبنى للمجهول أى ادعاه معاوية،
وضبطه بعضهم بفتح الدال والعين، على أن زيادا هو الفاعل، وتوجيهه أن معاوية ادعاه، وصدقه زياد
فى ادعائه، فصار زياد مدعيا أنه ابن أبى سفيان ((راجع المعنى العام)».
( سمع أذناى ) هكذا ضبطه النووى بكسر الميم وفتح العين، وأذناى بالتثنية، والأذن مؤنث
مجازى، يجوز تذكير الفعل معه وتأنيثه، وضبطه بعضهم موافقا النووى فى ((سمع)) لكن ضبط
٢٣٠

((أذنى)) بلفظ الإفراد، وضبطه بعضهم ((سمع أذنى)) بإسكان الميم وفتح العين على المصدر، و))أذنى))
بالإفراد، وضبطه بعضهم كذلك لكن برفع ((سمع)).
قال النووي: وكلها صحيحة ظاهرة.
والمسموع هو متن الحديث ((من ادعى أبا فى الإسلام غير أبيه .. )) إلى آخر الحديث.
وجملة ((وهو يقول)» حال من ((رسول اللّه ێ )».
( سمعته أذناى ووعاه قلبى ) أى حفظه قلبى، والمقصود من هاتين الجملتين التوثيق
بالرواية، وتأكيد إسناد الحديث إلى رسول اللَّه الآلات.
(محمدا ) بنصب ((محمدا)) على البدل من ضمير المفعول فى ((سمعته أذناى)) وبإحلال
البدل محل المبدل منه يصبح التركيب سمعت أُذناى محمداً / يقول.
فقه الحديث
كان العرب فى الجاهلية يستبيحون أن يتبنى الرجل ولد غيره، فلا ينسب الولد إلى أبيه
الحقيقى، وإنما ينسب إلى الذى تبناه، ويصبح له حق الولد من النسب من جميع النواحى، حتى نزل
قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾﴾
ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِى الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ
جُنَاحٌ فِيمَا أُخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥،٤] فحرم التبنى
ووجبت نسبة كل واحد إلى أبيه الحقيقى، لكن العادات العربية المتأصلة المتركزة لم يكن من السهل
اقتلاعها دون تخويف ووعيد، فجاءت هذه الأحاديث مهددة منذرة بالكفر وبتحريم الجنة.
وقد سبق القول بأن أهل السنة لا يكفرون المسلم بارتكابه المعاصى، فحملوا هذا الحديث على
المستحل، والمستحل كافر، والجنة عليه حرام.
وقد قدمنا فى الحديث السابق تأويلات صالحة لهذا الحديث.
ونزيد هنا تأويلا لقوله، «فالجنة عليه حرام» إذ قيل فى معناه أنها محرمة عليه أولا عند دخول
الفائزين وأهل السلامة، ثم إنه قد يجازى، فيمنعها عند دخولهم، ثم يدخلها بعد ذلك وقد لايجازى، بل
يعفو الله عنه. ذكره النووى فى شرح مسلم.
والحديث يقيد الحكم بالعلم، وهذا القيد لا بد منه، لأن الإثم إنما يترتب على العالم بالشىء
المتعمد له، وهل يدخل فى هذا الوعيد كل من انتسب إلى غير أبيه، مهما كان قصده من الانتساب،
وبغض النظر عن الآثار المترتبة عليه؟ أو هو خاص بالانتساب الذى هو على شاكلة انتساب أهل
الجاهلية، والذى يترتب عليه آثار غير شرعية من الإرث وغيره؟
الحق أن هذا الوعيد خاص بالحالة الثانية، أما من رغب عن الانتساب لأبيه لمعرة فيه، أو
٢٣١

انتسب لأخواله للافتخار والتشرف والتباهى، أو انتسب لأحد أفراد عائلته لشهرته، فكل هؤلاء لا
يدخلون فى الوعيد، وإن كانوا لا يخلصون من إثم ومؤاخذة.
وإنما خص أبو عثمان أبا بكرة بالإنكار، لأن زيادا كان أخاه من أمه فحمل أبو عثمان أبا بكرة
بعض تبعة إلحاق زياد بأبى سفيان، ولعله كان يجهل أن أبا بكرة برىء من هذا الفعل، وأنه أنكره
بشدة، وهجر بسببه زيادا، وحلف أن لا يكلمه أبدا، ولعله أراد من قوله ((ما هذا الذى صنعتم))؟ أراد
((ما هذا الذى صنعه أخوك زياد)»؟
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((ومن ادعى ما ليس له، فليس منا وليتبوأ مقعده من النار)» فهو
أعم من الأول، لأنه يشمل من ادعى أبا غير أبيه، كما يشمل من ادعى أى شىء له، فيدخل فيه جميع
الادعاءات الباطلة، سواء كانت مالا أو علما أو نسبا أو قوة أو شرفا أو حالا أو صلاحا أو نعمة أو ولاء
أوغير ذلك.
ومعنى قوله: ((ليس منا)) أى ليس على هدينا وجميل طريقتنا، كما يقول الرجل لابنه: لست منى،
فإنه لا يقصد نفى الصلة كلية، فالقصد أنه منحرف عن النهج القويم، وليس القصد التبرى.
وليس معنى ((وليتبوأ مقعده من النار)» أن دخوله النار حتمى، بل معناه أن هذا جزاؤه إن جوزى،
وقد يعفى عنه، وقد يوفق للتوبة فيسقط عنه ذلك.
ويؤخذ من الحديث
١ - تحريم التهرب والانتفاء من النسب المعروف.
٢- تحريم الانتساب إلى غير الأب الحقيقى.
٣- حرص السلف الصالح على إنكار المنكر.
٤ - تحريم دعوى ما ليس له فى كل شىء سواء تعلق به حق لغيره أم لا.
٥- أنه لا يحل له أن يأخذ ما حكم له به الحاكم إذا كان لا يستحقه، ويزداد التحريم كلما زادت
المفسدة المترتبة على هذا الادعاء.
٦- أنه يحرم نداء المسلم بلفظ الكفر، أو بلفظ عدو اللَّه ونحوه، وقد تقدم توضيح هذا فى
الحديث السابق.
والله أعلم
٢٣٢

(٣٩) باب إيمان من يسب أخاه ومن يقاتله
١٢٠ - ٦ ١١ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ مَسْعُودٍ ﴾(١١٩) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ «سِبَابُ الْمُسْلِمِ
فُسُوقٌ. وَقِتَالُهُ كُفْرٌ».
١٧! وبِيلِهِ(١١٧).
١٢١- ٨ ١١ عَنْ جَرِيرٍ﴾(١١٨) قَالَ: قَالَ لِيّ النّبِيُّ: ﴿ فِى حَجَّةِ الْوَدَّاعِ: «اسْتَنْصِتِ
النَّاسَ» ثُمَّ قَالَ «لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
١١٩- وبِفْلِهِ(١١٩).
١٢٢ - ٠ْلَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِى اللَّه عَنْهِمَا (١٢٠) عَنِ النَّبِيِّ ◌َ أنَّهُ قَالَ فِى حَجَّةٍ
الْوَدَّاعِ « وَيْحَكُمْ (أَوْ قَالَ. وَيْلَكُمْ) لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ».
المعنى العام
دخل رسول اللّه على مجلس من مجالس الأنصار، وفيه رجل من الأنصار قد عرف بالبذاء
ومشاتمة الناس. فقال رسول اللَّه 8 *: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، فقال ذلك الرجل: واللَّه لا
اسب رجلا.
(١١٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرِّيَّانِ وَعَوْنُ بْنُّ سَلامٍ قَالا حَدَّقْنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةً حِ وَحَدَّقْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثْنًا
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ خَدَّفَا سُفْيَّاهُ حِ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّقْنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّقَا شُعْبَةُ كُلُّهُمْ عَنْ زُبَيْدٍ عَنْ
أبي وائلٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ
- قَالَ أَّبَيْدٌ فَقُلْتُ لأَّبِي وَائِلٍ أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ يَرْوِيِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ لَّ قَالَ لَعَمْ وَلَيْسَ إِي حَدِيثٍ شُعْبَةٌ قَوْلُ
زُبَّدٍ لأَبِي وَائِلٍ.
(١١٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيَّةً وَابْنُ الْمُثَنِى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةً عَنْ مَنْصُورٍ ح وحَدََّا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّقْنَا عَفَّانُ حَدَّقْنَا
شُعْبَةُ عَنِ الأَغْمَشِ كِلاهُمَا عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النّبِيِّ ◌َ بِمِْلِهِ
(١١٨) حَدَّا أَبُوَ بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيَّةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَابْنُ بَشَّارَ جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدٍ بْنٍ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ حٍ وَحَدَّنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ
مُعَادٍ وَاللَّفْظُ لَّهُ حَدََّا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ سَمِعَ أَبَا زُرْعَةً يُحَدِّثُ عَنْ جده جرِيرٍ
(١١٩) وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مَّعَاذٍ حَدَّثْنَا أَبِي حَدَّقْنَا شَعْبَةُ عَنْ وَاقِدٍ بْنٍ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنٍ عُمَرٌ رَضِي اللَّهِ عَنْهِمًا
عَنِ الْبِيِّ ﴿ بِمِعْلِهِ
(١٢٠) وَحَدَّثَتِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَادٍ الْبَاهِلِيُّ قَالا حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثْنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاقِدِ بْنٍ مُحَمَّدٍ ئْنٍ
زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَةً يُحَدَّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بَنِ عُمَّرَ رَضِی اللَّه عَنْھمًا
- حَدِِّي خَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى أَخُْرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُمَّرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّ ◌َبَهُ حَدَّلَهُ عَنِ ابْنٍ عُمَّرَ عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ ﴾
بِمِثْلٍ حَدِيثٍ شُعْبَةً عَنْ وَاقِدٍ.
٢٣٣

ولما نزل قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] فى أيام الحج عرف أنه الوداع،
فأمر براحلته يوم النحر فرحلت وأعدت، فركب، فوقف بالعقبة واجتمع الناس إليه، فأمر جريرا أن
يطلب منهم الإنصات فأنصتوا، فخطبهم بما يهمه وحذرهم مما يخشى عليهم منه بعد مماته، فقال:
أيها الناس أتدرون أى يوم هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم؛ فسكت، حتى ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه،
قال: أليس يوم النحر؟ قالوا: بلى؛ قال: أى شهر هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. فسكت، حتى ظنوا أنه
سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس ذو الحجة؟ قالوا بلى؛ قال: أى بلد هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
فسكت، حتى ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه. قال أليست بالبلدة الحرام؟ قالوا: بلى. قال: فإن دماءكم
وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، فى شهركم هذا، فى بلدكم هذا. ألا هل بلغت؟
اللهم اشهد. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب؛ فرب مبلغ
أوعى من سامع.
أيها الناس: لا ترجعوا بعدي كفارا؛ يضرب بعضكم رقاب بعض.
تلك وصية الوداع التى حرص صلى الله عليه وسلم أن يبلغها للناس، لأنه كان يخشى الفتن التى
قامت، وكم كان صلى الله عليه وسلم يحذر منها، وكم قال: ((ويل للعرب من شرقد اقترب)). ((وإنى
لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر)). ((لا يحمل بعضكم السلاح على بعض». « من حمل علينا
السلاح فليس منا)). ((إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول فى النار)».
ولم يغن حذر من قدر، ووقعت الفتن كالليل المظلم، وتقاتل المسلمون حتى قتل منهم فى معركة
واحدة أكثر من عشرة آلاف مسلم، قتلوا جميعا بأيد مسلمة كان لكل منهم وجهة نظر، بناها على
اجتهاد واستنباط من دليل، ولا شك أن البعض مخطئ، والبعض مصيب، ولكن تحديد المخطئ
والمصيب مشكل، ولا نقول إلا أن الجميع أصحاب رسول اللَّه ◌َ﴿، وأمرهم إلى اللَّه.
وكل ما يعنينا من الحديث أنه أوعد وأنذر، وخوف وحذر، وأدى صلى اللَّه عليه وسلم الرسالة، وبلغ
الأمانة، ونصح الأمة، وشهد اللَّه بذلك والملائكة وأولو العلم.
فصلى اللَّه وسلم عليه وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
المباحث العربية
( سباب المسلم فسوق ) يقال: سبه يسبه سبا وسبابا طعنه وشتمه، والفسوق الخروج عن
حدود اللَّه، و(سباب)) مصدر مضاف إلى الفاعل مع حذف المفعول، والأصل: أن سب المسلم المسلمَ
فسوق، أو مضاف للمفعول، والأصل: سبابكم المسلم فسوق، والأول أظهر.
( وقتاله كفر) أى مقاتلة المسلم المسلم وحمل السلاح عليه كالكفر.
( فى حجة الوداع) قال النووى: المعروف فى الرواية ((حجة الوداع)) بفتح الحاء، وقال
٢٣٤

الهروى وغيره من أهل اللغة: المسموع من العرب فى واحدة الحجج حجة بكسر الحاء. قالوا: والقياس
فتحها لكونها اسما للمرة الواحدة، وليست عبارة عن الهيئة حتى تكسر. قالوا: فيجوز الكسر بالسماع،
والفتح بالقياس.اهـ
وسميت حجة الوداع لأن النبى 8# ودع الناس فيها، وأوصاهم بتبليغ الشرع فيها إلى
من غاب عنها.
( استنصت الناس ) أى اطلب من الناس أن ينصتوا ليسمعوا الخطبة، يقال: نصت ينصت
وأنصت ينصت إذا سكت.
( لاترجعوا بعدي كفارا) وفى رواية للبخارى ((لا ترتدوا)) وفى رواية أخرى له أيضا ((لا
ترجعن)) ومعنى ((بعدى)) بعد فراقى من موقفى هذا، أو ((بعدى)) أى خلافى، أى لا تخلفونى فى
أنفسكم بغير الذى أمرتكم به، أو يكون النبى # قد تحقق أن هذا لا يكون فى حياته فنهاهم عنه بعد
مماته. حكاه القاضى عياض.
( يضرب بعضكم رقاب بعض) روى بجزم ((يضرب)) فى جواب النهى وروى برفعه على أن
الجملة لا محل لها من الإعراب مستأنفة، أو فى محل نصب على الحال.
وضرب الرقاب كناية عن القتل، فالمراد يقاتل بعضكم بعضا.
(ويحكم - أوقال: ويلكم ) شك من الراوى، اسم فعل ماض، وفى القاموس: وى كلمة تعجب،
وويح وويل أصله ((وى)» فوصلت بحاء مرة ولام أخرى. اهـ
وقال القاضى عياض: ويح وويل كلمتان استعملتها العرب بمعنى التعجب والتوجع. قال سيبويه:
((ويل)) كلمة لمن وقع فى هلكة، و((ويح)) ترحم، وحكى عنه ((ويح)) زجر لمن أشرف على الهلكة. وقال
الهروى: ((ويح)) لمن وقع فى هلكة لايستحقها، فيترحم عليه، ويرثى له، و((ويل)) الذى يستحقها ولا
يترحم عليه.اهـ
والمناسب للحديث ما حكى عن سيبويه، وأن الرسول # قالها زجرا للأمة وإشفاقا عليها
لإشرافها على الهلكة ومقاتلة بعضها بعضا.
فقه الحديث
لا خلاف فى أن سباب المسلم فسوق وخروج عن حدود الدين، وتختلف درجة معصيته باختلاف
لفظ السب وأثره، والحديث فى ظاهره ((سباب المسلم فسوق)» يرد على الخوارج فى دعواهم تكفير
مرتكب الكبيرة، إذ الوصف بالفسق غير الوصف بالكفر شرغا، اللهم إلا أن يجعلوا الفسوق بمعنى
الخروج عن الدين كلية، وهو بعيد.
٢٣٥

أما وصف قتال المسلم بالكفر فقد أوله أهل السنة بالتأويلات المتقدمة فى الحديث
الأسبق، وزادوا:
١- أن المراد من ((لا ترجعوا بعدي كفارا)) أى لا تكفروا بل دوموا مسلمين، فهو نهى عن الردة، وهذا
التأويل لا يصلح فى لفظ « وقتاله كفر».
٢- حكى الخطابى أن المراد بالكفار المتكفرون بالسلاح، يقال: تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه،
فمعنى لا ترجعوا بعدي كفارا: لاتلبسوا السلاح لبعضكم بعضا بعدى، وهذا التأويل لا يصلح فى
لفظ ((وقتاله كفر)) إذ لا معنى لقولنا: قتال المسلم لبس للسلاح.
٣- قال الخطابي: ((لاترجعوا بعدي كفارا)) معناه لا يكفر بعضكم بعضا، فتستحلوا قتال بعضكم
بعضا، وهذا التأويل أيضا لا يصلح للرواية الأولى.
قال الحافظ ابن حجر: وأقوى التأويلات فى إطلاق الكفر على قتال المؤمن أنه أطلق عليه
مبالغة فى التحذير من ذلك، لينزجر السامع عن الإقدام عليه.اهـ.
وهذا الحديث يفرض علينا تساؤلا عن موقف الصحابة حين قاتل بعضهم بعضا فى موقعة الجمل
وصفين وغيرهما، هل كانوا يجهلون هذه الأحاديث ووعيدها؟ أو أقدموا وهم يعلمونها ويؤولونها؟.
بسط القول فى هذا التساؤل سيأتي إن شاء اللّه فى كتاب الفتن، وخلاصته أن الصحابة كانوا -
كما نعلم- ثلاث فرق: فرقة مع على ه وفرقة مع خصومه، وفرقة توقفت وفرت من الفتنة ولم تدخل
المعارك وإن لم تسلم من دخانها أو شررها.
أما الفرقتان الأولى والثانية فقد حملوا هذه الأحاديث على الذين يقاتلون من غير تأويل واجتهاد،
وهم متأولون مجتهدون، فلا يدخلون فى وعيدها.
وأما الفرقة الثالثة فقد أحست أن هذا النذير شامل لرفع السلاح على المؤمن أيا كان نوعه، ما
دام بغير الثلاث الواردة: النفس بالنفس، والثيب الزانى، والمفارق لدينه التارك للجماعة.
ومعهم أحاديث كثيرة فى الفتن، منها مارواه أحمد من حديث ابن مسعود فى ذكر الفتنة. قلت:
يا رسول الله فما تأمرنى إن أدركت ذلك؟ قال: كف يدك ولسانك وادخل دارك، قلت: يا رسول اللَّه.
أرأيت إن دخل رجل على دارى؟ قال: فأدخل بيتك. قال قلت: أفرأيت إن دخل على بيتى؟ قال:
فادخل مسجدك - وقبض بيمينه على الكوع - وقل ربى اللَّه حتى تموت على ذلك.
وفى رواية الطبرانى («ليمسك بيده، وليكن عبد اللَّه المقتول لا القاتل» والحقيقة أنه لو علم
المتقاتلون هذا المصير الذى صار إليه أمرهم ما تقاتلوا سواء فى ذلك منتصرهم ومهزومهم، فقد روى
أن عليا به ساربين القتلى بعد انتهاء معركة الجمل، فأخذ يضرب فخذيه بيديه، وهو يقول: ياليتنى
مت قبل هذا، وكنت نسيا منسيا.
فلنمسك عن إدانة هذا أو ذاك، وعن قولنا: لوكان كذا كان كذا وكذا، ولنقل: قدر الله
وما شاء فعل.
٢٣٦

(٤٠) باب الطعن فى النسب والنياحة على الميت
١٢٣ - ١٢١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٌ ﴾ (١٢١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ « اقْتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ
كُفْرٌ. الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ».
المعنى العام
تعرض الحديث الأسبق لإيمان من رغب عن نسبه، وانتسب إلى غير أبيه وحكم عليه بالحرمان
من الجنة، لاستيلائه بهذا الفعل على ما ليس له من حقوق ويتعرض هذا الحديث للطعن فى النسب،
ويحكم عليه بالكفر، لما قد يؤدى إليه من حرمان المسلم من حقوقه، وقد أحاط الإسلام النسب
بسياج من الحصانة، وضرب عليه سورا من الوقاية، يحميه من الشك ويدفع عنه الشبه، فلم يقبل نفى
النسب لمجرد اختلاف الشبه، فهذا الإعرابى الذى يشك فى الطفل الذى ولدته زوجته، ويقول لرسول
اللَّهِفَ﴿: يا رسول الله، ولد لى غلام أسود وأنا أبيض. لقد رفض رسول اللَّهلل ما يرمى إليه الأعرابى
من محاولة نفى النسب والطعن فيه، وقال له: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حمر.
قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم. قال: فمن أين ذلك اللون الأورق والآباء حمر؟ قال الرجل: لعله
نزعه عرق وورث هذا اللون من جد بعيد. قال له صلى الله عليه وسلم: لعل ابنك هذا نزعه عرق وورث
هذا اللون الأسود من جد بعيد.
وحمى الشارع زعزعة النسب مهما كانت الشكوك، فحكم بأن الولد للفراش وللعاهر الحجر.
وفى هذا الحديث يجعل الطعن فى النسب كالكفر، لأن الكفر يؤدى إلى الحرمان الأخروى،
والطعن فى النسب يؤدى إلى الحرمان الدنيوى.
أما النياحة على الميت، والبكاء عليه بصياح وعويل، وتعديد محاسنه والندبة بالويل والثبور إلخ،
فإنه مما يغضب الرب، لما فيه من مظهر الاعتراض على القضاء، وعدم الرضا بالقدر، والسخط على ما
شاء اللَّه وما كان، ولا شك أن هذه الأعمال لا تليق بالمؤمن الشاكر على السراء، الصابر على الضراء.
وإن كثيرا من النادبات تظن أن الوفاء للميت فى إشعال نار العويل، وأن مظهر الحب والإخلاص
فى إرسال الصراخ ورفع الصوت والدعوة بدعوى الجاهلية، وما فكروا فى أن هذا العمل يضربهم
وبصاحبهم، ولا يزيدهم فى نفوس العقلاء إلا تجهيلا وازدراء وتحقيرا.
إن الإسلام يرسم طريق استقبال المصائب بنفس مطمئنة راضية، نفس محتسبة وإن آلمها
المصاب، وأبكاها الحزن، ففى الحديث: توفى إبراهيم ابن نبينا {8* فدمعت عيناه صلى اللّه عليه
وسلم فقال: القلب يجزع، والعين تدمع، ولا نقول ما يغضب الرب، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون.
(١٢١) وَحَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدََّا أَبُوِ مُعَاوِيَةً حِ وَحَدَّقْنَا ابْنُ ثُمَّيْرٍ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَقْنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ كُلُّهُمْ عَنٍ
الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
٢٣٧

هذا هو الإيمان يدعو إلى طهارة اللسان من السب والطعن، ومما يشعر بالاعتراض على اللطيف
الحكيم الخبير.
المباحث العربية
(اثنتان فى الناس ) مبتدأ وخبر، و))أل)) فى ((الناس)) للجنس الصادق بالبعض، أى خصلتان
موجودتان فی بعض الناس.
(هما بهم كفر) ((هما)) مبتدأ، و((بهم)) جار ومجرور خبر، والجملة فى معنى التأكيد للجملة
الأولى؛ و((كفر» خبر بعد خبر، أو خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هما كفر، و((كفر)» مصدر يخبر به عن
المفرد والمثنى والجمع.
(الطعن فى النسب ) ((الطعن)) خبر مبتدأ محذوف، تقديره: ((إحداهما)) أو ((هما)» إن أريد
مجموع المتعاطفين، واعتبرا من عطف المفردات.
( والنياحة على الميت ) النوح، والنواح، والنياح، والنياحة البكاء بصياح وعويل.
فقه الحديث
إثبات الكفر لصاحب هاتين الخصلتين مؤول عند أهل السنة، لأنهم - كما سبق- لا يكفرون
بالمعاصى غير الشرك.
والتأويلات السابقة فى الأحاديث المتقدمة صالحة لتأويل هذا الحديث. وقال النووى: معناه
أنهما من أعمال الكفار وأخلاق الجاهلية، وهذا التأويل قريب من القول بالتشبيه، أى خصلتان فى
الناس هما بهم شبيهتان بالكفر لأنهما من أعمال الجاهلية.
والأحاديث فى النهى عن النياحة كثيرة، وأهمها ما رواه البخارى.
((الميت يعذب فى قبره بما نيح عليه)) وقد تكلم العلماء كثيرا فى تعذيب الميت ببكاء أهله.
والصحيح أنه يعذب بنياحة أهله إذا كان مولعا بها فى دنياه، أو أمر أهله بها قبل موته، أومات
راضيا عنها.
وقد كان العرب يوصون أهليهم بالنياحة، معتقدين أنها تزيدهم إكبارا وإعظاما، حتى قال طرفة
ابن العبد:
إذا مت فانعينى بما أنا أهله .". وشقى على الجيب يا ابنة معبد.
أما إذا أدى ما عليه، ونهاهم عنه قبل موته، وأظهر لهم عدم رضاه عنه فى حياته، فلا مؤاخذة عليه
بفعل غيره.
والله أعلم
٢٣٨

(٤١) باب إيمان العبد الآبق
١٢٤- ١٣٢ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ(١٢٢) عَنِ الشَّغْبِيِّ عَنْ جَرِيرٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ «أَيُّمَا
عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَّالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ» قَالَ مَنْصُورٌ قَدْ وَاللّهِ رُوِيّ عَنِ الْبِيِّ ◌ِ﴾
وَلَكِّي أَكْرَهُ أَنْ يُرْوَى عَنِّي مَهُنَا بِالْبَصْرَةِ.
١٢٥- ١٣ عَنْ جَرِيرٍ﴾(١٢٣) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ « أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ فَقَدْ بَرِقَتْ
مِنْهُ الدّمَّةُ».
١٢٦- ٤َُّ عَنِ الشَّغِيّ(١٢٤)؛ قَالَ: كَانَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ ﴾ قَالَ
«إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ».
المعنى العام
دعا الإسلام إلى حسن معاملة العبيد («إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه
تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم من العمل ما يغلبهم، فإن كلفتموهم
فأعينوهم عليه ».
وشجع العبد على رعاية حقوق اللَّه وحقوق سيده، ووعده الثواب المضاعف إن هو أخلص العمل،
فقال صلى الله عليه وسلم: ((العبد إذا نصح سيده وأحسن عبادة ربه كان له أجره مرتين))، وقال:
((للعبد المملوك الصالح أجران)».
ورغب فى عتق العبيد، وجعله كفارة وعبادة، ورغب فى مكاتبته، ودعا إلى مساعدته فى نجوم
الكتابة ولو من الزكاة حق الفقراء والمساكين.
وكما حرص الإسلام على حقوق العبيد حرص على حقوق أسيادهم، وكما وضح ما للعبد لم ينس
ما عليه، إن السيد قد اشتراه بماله، فكان من حقه ألا يضيع منه هذا المال سدى وألا يغتصب هذا
المال بفرار العبد وإباقه من سيده، وكان على العبد الذى يفعل ذلك أن يتحمل جزاءه، ليس الجزاء
الدنيوى من أسياده فحسب، ولكن من مالك الأسياد والعبيد كذلك.
فهذا الحديث الشريف يثبت له الكفر، أو القرب من الكفر مدة إباقه وهروبه، من حين يفر من
مواليه وأسياده إلى حين عودته إليهم مختارا أو مقبوضا عليه.
(١٢٢) حَدَّا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ حَدَّقْنَا إِسْمَعِيلُ يَعْنِي ابْنَ عُلَّةً عَنْ مَنْصُورٍ
(١٢٣) حَدَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّنَا حَفَّصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشّغْبِيِّ عَنْ جَریٍ
(١٢٤) حَدََّا يَحْتِى بَنُ يَحْتَّى أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةً عَنِ الشَّغِْيِّ
٢٣٩

ويرفع عنه الحصانة والحماية وحسن المعاملة التى أمربها السيد، ويصبح لا ذمة له، ولا عهد، ولا
حق، ولا ضمان.
بل يحجب عنه ثواب أعماله الصالحة مدة هروبه، فإن صلى لم تقبل صلاته، وإن صام لايثاب عن
صيامه، وهكذا يغضب الله عليه طالما هو مغضب سيده، ولا يرضى عنه، ولا يقبل صالحاته إلا بعد
عودته وتوبته واستقامته.
المباحث العربية
( عن الشعبى عن جرير أنه سمعه يقول ) أى أن الشعبى سمع جريرا يقول.
(أيما عبد) (أى)) اسم شرط مبتدأ، و((ما)) زائدة، و((عبد)» مضاف إليه، والمراد من
العبد الرقيق.
( أبق من مواليه ) ((أبق)) بفتح الباء وكسرها، لغتان، والفتح أفصح، إذ به جاء القرآن الكريم،
فقال تعالى: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴾ [الصافات: ١٤٠].
وفى القاموس: أبق العبد كسمع وضرب ومنع: استخفى ثم ذهب، والموالى جمع مولى
وهو المالك.
(قد - والله - روى عن النبى:#) القسم ((والله)) معترض بين حرف التحقيق ((قد)) وبين
مدخوله، والأصل: واللّه قد روى هذا القول [أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم] عن
النبی .
(فقد برئت منه الذمة) أى بعدت عنه الحرمة، فالمراد من الذمة ذمة اللّه ورسوله
وضمانه ورعايته.
( لم تقبل له صلاة ) الظاهر أن القيد الوارد فى الرواية الأولى ملحوظ هنا، والأصل لم تقبل له
صلاة حتى يرجع.
فقه الحديث
الرواية الأولى تفيد أن الحديث موقوف على جرير، والحقيقة أن جريرا رفعه إلى النبى {َ﴾، وأن
منصورا سمعه من الشعبى مرفوعا، لكنه خشى أن يصرح برفعه بالبصرة، وهى مليئة بالخوارج خشية
أن يتلقفوه فيتعلقوا به استدلالا على مذهبهم القائل بتكفير أهل المعاصى، فى حين أنه كأهل السنة
لا يقول بكفرهم.
٢٤٠