Indexed OCR Text
Pages 201-220
(٣٢) باب محبة المؤمنين من الإيمان
٩٧- ٩٣ عَنٍ أَبِي هُرَيْرَةَ عِ(٩٣) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ «لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتْى تُؤْمِنُوا.
وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُوا. أَوَلا أَذُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَيْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ».
٩٨- ٩٤ـ عَنِ الأَغْمَشِ(٩٤) بِهَذَا الإِسْنَادِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ «وَالْذِي نَفْسِي بِيَادِهِ!
لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا» بِمِعْلٍ حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيّةً وَوْكِيعِ.
المعنى العام
إفشاء السلام لغير المعرفة من المؤمنين مفتاح التآلف، وباب المودة، وإفشاؤه بين المتعارفين
يمكن الألفة، ويوثق المحبة، وإفشاؤه بين المتباعدين المتنافرين يرفع الوحشة، ويزيل الصدود،
ويجلب الرضا، ويخلق التقارب والتفاهم، ويقرب الوفاق والالتئام.
وفى هذا يقول صلى اللّه عليه وسلم: أولا أدلكم على شىء إذا فعلتموه تحاببتم؟ تحابيتم إذا لم
ينعقد بينكم حب من قبل، ويزداد حبكم إذا كنتم متحابين، ويرتفع البغض والشحناء، ويحل محلهما
الود والصفاء إذا كنتم متدابرين؟.
وهذا الشىء الذى يعمل عمل السحر فى النفوس، وعمل الطب والدواء فى الأجسام هو إفشاء
السلام، ونشره بين المؤمنين، فأفشوا السلام بينكم.
وإذا كان مفتاح المحبة هو السلام فإن أبرز ثمرات الإيمان هى المحبة فدخول الجنة موقوف
على الإيمان، ولا يتحقق الإيمان الكامل إلا بالتحاب بين المؤمنين، ولا تتحقق المحبة بدون إفشاء
السلام، فإفشاء السلام باب الجنة ومفتاحها.
وقد أخرج البخارى عن النبى 8# قوله: ((اعبدوا الرحمن وأفشوا السلام، تدخلوا الجنان)) وقوله:
((أطعموا الطعام، وأفشوا السلام تدخلوا الجنة بسلام)).
المباحث العربية
( لاتدخلون الجنة حتى تؤمنوا ) ((حتى)) هنا بمعنى ((إلا)) أى: لاتدخلون الجنة إلا أن
(٩٣) حَدَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدْثََّا أَبُو مُعَاوِيَةً وَوَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ أَبِي صَالِحٍ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةً
(٩٤) وحَدِّْي زُهَيْرَ بْنُ خَرْبٍ أَنْبَأْنًا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ
٢٠١
تؤمنوا، لأن ما بعدها وهو الإيمان ليس غاية لما قبلها وهو دخول الجنة، ولا مسببا عنه، حتى تكون
للغاية أو للتعليل، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة.
( ولا تؤمنوا حتى تحابوا ) هكذا هو فى جميع الأصول والروايات ((ولا تؤمنوا)) بحذف النون
من آخره، قال النووى: وهى لغة معروفة صحيحة، وفى حاشية الصبان على الأشمونى: أن نون
الأفعال الخمسة قد تحذف فى حالة الرفع بقلة كقول الشاعر:
أبيت أسرى وتبيتى تدلكى .". وجهك بالعنبر والمسك الذكى
(أولا أدلكم على شىء) أصل الكلام: وألا أدلكم، وأصل ((ألا)) همزة الاستفهام و))لا)) التى
للنفى، والاستفهام إذا دخل على النفى أفاد التحقيق فقدمت الهمزة على الواو لأن لها الصدارة.
(إذا فعلتموه تحابيتم ) ((إذا)» ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب
بجوابه، والتقدير: تتحابون حين فعلكم له، وجملة الشرط والجواب صفة ((شىء)).
( أفشوا السلام بينكم ) الإفشاء هو الإظهار، ومنه إفشاء السر، والمراد هنا نشر
السلام بين الناس.
فقه الحديث
قال النووي: قوله صلى الله عليه وسلم ((لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا)) محمول على ظاهره
وإطلاقه، فلا يدخل الجنة إلا من مات مؤمنا، وإن لم يكن كامل الإيمان، وقوله صلى الله عليه وسلم
((ولا تؤمنوا حتى تحابوا » معناه: لايكمل إيمانكم، ولا يصلح حالكم فى الإيمان إلا بالتحاب. اهـ
فحمل النووى لفظ الإيمان مرة على حقيقته وأصله، ومرة على مجازه وكماله، ليساير مذهب أهل
السنة فى المسألتين.
وحمل ابن الصلاح لفظ الإيمان على مجازه وكماله فى المرتين، فقال: لا يكمل إيمانكم إلا
بالتحاب، ولا تدخلون الجنة عند دخول أهلها [أى ابتداء من غير عقاب] إذا لم تكونوا كذلك. اهـ
وإفشاء السلام قيل: واجب عينى على كلا المتلاقين، بمعنى أنه يجب على كل أحد أن يسلم على
كل من لقيه، وقال الحافظ ابن حجر: لا سبيل إلى القول بأنه فرض عين على التعميم من الجانبين،
لما فى ذلك من الحرج والمشقة فإذا سقط من جانبى العمومين سقط من جانبى الخصوصين، إذ لا
قائل: يجب على واحد دون الباقين، ولا يجب السلام على واحد دون الباقين، وإذا سقط الوجوب على
هذه الصورة لم يسقط الاستحباب. اهـ
أى لا قائل: يجب ابتداء السلام من واحد معين دون فريقه، ولا قائل: يجب ابتداء السلام من
فريق على واحد معين من فريق. وإذا سقط الوجوب على هذه الصورة من الخصوص بقى الاستحباب
على العموم. فالكل يستحب له أن يسلم على الكل.
٢٠٢
فالابتداء بالسلام سنة كفاية، وقيل فرض كفاية وهو بعيد.
والمقصود من إفشاء السلام نشره، ويستحب أن يرفع به صوته، وأقله أن يرفع صوته بقدر ما
يتحقق سماع المسلم عليه، فإن لم يسمعه لم يكن آتيا بالسنة، ونقل النووى أنه يكره لمن لقى جماعة
أن يخص بعضهم بالسلام [كما يحدث هذه الأيام من التسليم على من يجلس بجواره عند الدخول
على جماعة جالسة] قال: لأن القصد بمشروعية السلام تحصيل الألفة وفى التخصيص إيحاش لغير
من خص بالسلام.
وقد ورد فى بعض الروايات ((ورد السلام)) بدل ((إفشاء السلام)) قال الحافظ ابن حجر: ولا مغايرة
فى المعنى، لأن ابتداء السلام ورده متلازمان وإفشاء السلام ابتداء يستلزم إفشاءه جوابا. اهـ
ومن الأحاديث فى إفشاء السلام ما أخرجه النسائى ((إذا قعد أحدكم فليسلم، وإذا قام فليسلم،
فليست الأولى أحق من الآخرة )».
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- أنه لایکفی السلام سرا، بل يشترط الجهر.
٢- أن الإشارة باليد والرأس لاتكفى، لأنها ليست سلاما شرعيا، وقد أخرج النسائى بسند جيد
((لاتسلموا تسليم اليهود فإن تسليمهم بالرءوس والأكف)) ويستثنى من ذلك من كان بعيدا بحيث
لا يسمع التسليم، ويتلفظ مع ذلك بالسلام.
٤- أن السلام يورث المحبة بين المتسالمين.
٥- أن الكافر لا يسلم عليه؛ لأن المسلم مأمور بمعاداته، فلا يشرع له فعل يستدعى محبته ومودته.
٦- مشروعية السلام على النفس لمن دخل مكانا ليس فيه أحد، قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ يُيُوتًا
فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] ويستحب أنّ يقول: السلام
علينا وعلى عباد الله الصالحين.
٧- أن السلام مشروع للمعرفة ولغير المعرفة، ولمن يتحقق رده، ولمن يظن أنه لا يرد.
٨- الحث على التحاب ورفع التقاطع والتهاجر.
هذا وقد سبق لموضوع إفشاء السلام بحث فى هذا الكتاب وسيأتى له تمام بحث فى كتاب
السلام بعد كتاب الآداب.
والله أعلم
٢٠٣
(٣٣) باب الدين النصيحة
٩٩- ٩٥ عَنِ تَمِيمِ الدَّارِيِّ﴾(٩٥) أَنَّ النَّبِيِِّ ﴿ قَالَ: «الدِّينُ النّصِيحَةُ» قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ:
«للَّهِ وَلِكِتَابِهٍ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ».
٩٦ وبمفيه(٩٩).
المعنى العام
نحو مجتمع سليم يرسى الإسلام قواعده، ولبناء الإنسانية الشامخ يقيم أركانه، وللحياة الفاضلة
بين أفراده ينشر دعوته، ولتماسك أعضائه وترابطها كالجسد الواحد يشرع أحكامه، فالإسلام للفرد
والجماعة، ولا خير فى الفرد إن هو أحب نفسه دون غيره، وقديما قالوا: «مااستحق أن يولد من عاش
لنفسه فقط)».
من أجل هذا حرص الشرع الحكيم على غرس المحبة بين الناس، وبذل المعروف لهم
باليد واللسان فقال صلى الله عليه وسلم: ((الدين النصيحة)). فالنصيحة مع الدين الإسلامى
كالروح مع الجسد، ولا حياة للجسد بدون الروح، ويسأل الصحابة الحاضرون: من ننصح يا
رسول اللَّه؟ فيقول: انصحوا رسول اللَّه وأخلصوا له، وأطيعوه، وعزروه، وانصروه واتبعوا
النور الذى أنزل معه، لتكونوا مخلصين للَّه ولكتابه، عاملين بأوامره وتشريعه، فتكونوا من
المفلحين، انصحوا أئمة المسلمين وولاتهم، وأرشدوهم إلى العدل والحق، وساعدوهم على
نشر الأمن، وساندوهم ليساندوا الإسلام والمسلمين.
انصحوا عامة المسلمين، وأخلصوا لهم، وتمنوا الخير لكل منهم، وأحبوا لهم ماتحبون
لأنفسكم، واعملوا على توصيل المعروف حيث قدرتم، وتجنبوا غشهم والحقد عليهم وعاملوهم
بما تحبون أن يعاملوكم به، تكونوا مسلمين حقا، فالدين المعاملة الحسنة، والدين
النصيحة، ومن غشنا فليس منا.
(٩٥) حَدُّنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبّادٍ الْمَكِيُّ حَدَِّنَا سُفْيَاهُ قَالَ قُلْتُ لِسُّهَيْلٍ إِنَّ عَمْرًا حَذََّنَا عَنِ الْقَعْقَاعِ عَنِ أَبِيكَ قَالَ وَرَجَوْتُ أَنْ يُسْقِطٌ
غَنِّي رَجُلا قَالَ فَقَالَ سَمِعْتُهُ مِنِ الْذِي سَمِعَهُ مِنْهُ أَبِي كَانَ صِّدِيقًا لَهُ بِالشَّامِ ثُمَّ خَّدََّا سُّفَانُ عَنِ سُهَيْلٍ عَنِ عَطَاءِ بْنٍ تَزِيدَ
عَنٍ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ
(٩٦) حَذَِّي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدََّا ابْنُ مَهْدِيِّ حَدَّقْنَا سُفْيَاهُ عَنِ سُهَيْلٍ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنِ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ الَيْئِيِّ عَنٍ تَمِيمِ الدَّارِيِّ
عَنِ السِّيّ ◌َ بِمِثْلَّهِ
- وَحَدَِّيَّ أَمْيَّةُ بْنَّ بِسْطَامِ حَدََّا يَزِيدُ (يَعْنِي ابْنَ زُرّبِعٍ) حَدِثَِّا رَوْحٌ (وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ) حَدََّ سُّهَيْلٌ عَنِ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ
سَمِعَهُ وَهُوَ يُحَدِّثُ أَبَّا صَالِحٍ عَنٍ تَهِيَمِ الدَّارِيِّ عَنِ رَسُوَّلِ اللّهِع ◌َلَ بِمِعْلِهِ.
٢٠٤
المباحث العربية
( الدين النصيحة ) قال المازري: النصيحة مشتقة من نصحت العسل إذا صفيته، يقال:
نصح الشىء إذا خلص، ونصح له القول إذا أخلصه له، وظاهر العبارة القصر بطريق تعريف الطرفين،
وليس هذا القصر على ظاهره، بل على طريق المبالغة، وإقامة الأكثر مقام الكل، واعتبار الأقل فى حكم
العدم، والمعنى: معظم الدين وعماده وقوامه النصيحة، كما قيل فى حديث ((الحج عرفة)).
وقال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يحمل على ظاهره، لأن كل عمل لم يرد به عامله الإخلاص
فليس من الدين، اهـ
وهذا الذى قاله ابن حجر يرجع إلى الأول، إذ معناه أن الدين عمل وإخلاص فيه، ولا عبرة بالعمل
من غير إخلاص، فإذا قيل: الدين الإخلاص فهو على سبيل المبالغة، واعتبار المهم فى مقام الكل.
( لمن؟ ) جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الخبر المحذوف مع مبتدئه والتقدير: الدين
النصيحة مسداة لمن؟.
( للَّه) إعرابه كإعراب سابقه والتقدير الدين النصيحة كائنة لله ولكتابه ولرسوله.إلخ.
فقه الحديث
قال النووى: هذا الحديث وحده محصل لغرض الدين كله لأن الدين فى الأمور التى ذكرها،
فالنصيحة للَّه معناها الإيمان به، ونفى الشريك عنه، وترك الإلحاد فى صفاته. ووصفه بصفات
الكمال والجلال كلها، وتنزيهه سبحانه وتعالى من جميع النقائص، والقيام بطاعته، واجتناب
معصيته، والحب فيه، والبغض فيه، وموالاة من أطاعه، ومعاداة من عصاه، وجهاد من كفر به،
والاعتراف بنعمته، وشكره عليها، والإخلاص فى جميع الأمور، قال الخطابي: وحقيقة هذه الإضافة
راجعة إلى العبد فى نصحه لنفسه، فاللَّه تعالى غنى عن نصح الناصح.
وأما النصيحة لكتابه سبحانه وتعالى فالإيمان بأنه كلام اللَّه تعالى وتنزيهه، لايشبهه شىء من
كلام الخلق، ولا يقدر على مثله أحد من الخلق، ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوته وتحسينها، والخشوع
عندها، وإقامة حروفه فى التلاوة، والذب عنه لتأويل المحرفين، وتعرض الطاعنين، والتصديق بما فيه،
والوقوف مع أحكامه، وتفهم علومه وأمثاله، والاعتبار بمواعظه، والتفكر فى عجائبه والعمل بمحكمه،
والتسليم بمتشابهه، والبحث عن عمومه وخصوصه وناسخه ومنسوخه، ونشر علومه، والدعاء إليه وإلى
ماذكرنا من نصيحته.
وأما النصيحة لرسول اللَّه # فتصديقه على الرسالة، والإيمان بجميع ماجاء به، وطاعته فى أمره
ونهيه، ونصرته حيا وميتا، ومعاداة من عاداه، وموالاة من وإلاه، وإعظام حقه وتوقيره، وإحياء طريقته
٢٠٥
وسنته، وبث دعوته ونشر شريعته، ونفى التهمة عنها، واستثارة علومها، والتفقه فى معانيها، والدعاء
إليها، والتلطف فى تعلمها وتعليمها وإعظامها وإجلالها. والتأدب عند قراءتها، والإمساك عن الكلام
فيها بغير علم، وإجلال أهلها لانتسابهم إليها، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، ومحبة أهل بيته
وأصحابه، ومجانبة من ابتدع فى سنته، أو تعرض لأحد من أصحابه، ونحو ذلك.
وأما النصيحة لأئمة المسلمين فمعاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وأمرهم به، وتنبيههم
وتذكيرهم برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه، أولم يبلغهم من حقوق المسلمين، وترك الخروج
عليهم، وتألف قلوب الناس لطاعتهم.
قال الخطابى رحمه الله: ومن النصيحة لهم الصلاة خلفهم، والجهاد معهم وأداء الصدقات إليهم،
وترك الخروج بالسيف عليهم إذا ظهر منهم حيف أو سوء عشرة، وأن لا يغروا بالثناء الكاذب عليهم،
وأن يدعى لهم بالصلاح. وهذا كله على أن المراد بأئمة المسلمين الخلفاء وغيرهم ممن يقوم بأمور
المسلمين من أصحاب الولايات. وهذا هو المشهور.
وأما نصيحة عامة المسلمين، وهم من عدا ولاة الأمور، فإرشادهم لمصالحهم فى آخرتهم
ودنياهم، وكف الأذى عنهم، فيعلمهم ما يجهلونه من دينهم، ويعينهم عليه بالقول والفعل،
وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ودفع المضار عنهم، وجلب المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف
ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص، والشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم ورحمة صغيرهم، وتخولهم
بالموعظة الحسنة، وترك غشهم وحسدهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير، ويكره
لهم ما يكره لنفسه من المكروه، والذب عن أموالهم وأعراضهم، وغير ذلك من أحوالهم بالقول
والفعل، وحثهم على التخلق بجميع ما ذكرناه من أنواع النصيحة، وتنشيط هممهم إلى
الطاعات. انتهى كلام النووى، وقد لخصه من كلام من سبقه من العلماء.
وكله يدور حول المحافظة على أمور الشريعة قولا وعملا واعتقادا، وكثير منه فى حكم المكرر
للوعظ والتذكير والتوضيح.
ولو أخذنا النصيحة بهذا المعنى الذى ذكروه لكانت هى الدين على الحقيقة، بل لكانت الدين
الكامل فى أبرز صورة، ولم يكن المعنى على المبالغة التى ذكرناها فى المباحث العربية بل يصبح
المعنى أن الدين الكامل حقيقة هو القول والعمل والاعتقاد لكل ما ذكر من أمور الشريعة.
وهذا المعنى غير المتبادر من الحديث، إذ النصح هو إرادة الخير للمنصوح له، فقوام الدين وعماده
وأكثره مبنى على إرادة الخير لكتاب الله ولرسوله ولجميع المسلمين، وهو ظاهر فى التوجيه الحسن،
وعدم الغش، كما قيل فى ((الدين المعاملة)).
ويؤيد هذا المعنى الحديث الآتى، وفيه ((بايعت رسول اللَّه ◌َ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة
والنصح لكل مسلم» فظاهر عطف النصح على الصلاة والزكاة دليل على أنه غيرهما، وكأن المبايعة
تمت على إصلاح النفس ومحاولة إصلاح الغير.
٢٠٦
والغريب أن الإمام النووى بعد أن فسر النصيحة بما فسرها قال نقلا عن ابن بطال: والنصيحة
فرض يجزى فيه من قام به، ويسقط عن الباقين، والنصيحة لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه
يقبل نصحه ويطاع أمره وأمن على نفسه المكروه، فإن خشى على نفسه أنى فهو فى سعة. اهـ
وهذا الحكم لا يتأتى مع تفسير النصيحة بما فسرها به، إذ هى بهذا التفسير فرض عين، وليست
فرض كفاية، حيث أدخل فيها الإيمان بالله ورسوله وكتابه.
بل هذا الحكم لا يتأتى مع تفسيرنا لها بأنها إرادة الخير للمنصوح له، فإنها فرض عين أيضا،
وإنما يتأتى فى بعض صور النصيحة، وهو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. واللَّه أعلم.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- أن النصيحة تسمی دینا.
٢- وأن الدين يطلق على العمل كما يطلق على القول.
٣- وأنه يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب، لأن الرسول 8 ** لم يبين المنصوح له حتى
سئل (لمن)»؟
٤- أن النصيحة لأئمة المسلمين أهم وآكد من النصيحة لعامتهم، إذ ذكرهم أولا، ويرشدهم يستقيم
كثير من الرعية، ويضلالهم يضل الكثير.
والله أعلم
٢٠٧
(٣٤) باب المبايعة على النصح لكل مسلم
١٠٠- ١٧ عَنِ جَرِيرٍ﴾(١٧) قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ عَلَى إِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ
وَالنَّصْحِ لِكُلٌ مُسْلِمٍ.
١٠١ - ١٨- عَنٍ جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِى اللَّه عَنْهِمًا (٩٨) يَقُولَ: بَايَعْتُ النَّبِيِّ ◌ِ﴿ عَلَى النَّصْحِ
لِكُلٌ مُسْلِمٍ.
١٠٢- ١٩ عَنِ جَرِيرٍ﴾(٩٩) قال: بَايَعْتُ النَّبِيِّ ◌َ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ. فَلَقْنِي « فِيمَا
اسْتَطَعْتَ » وَالنَّصْحِ لِكُلٌ مُسْلِمٍ.
المعنى العام
كثيرا ما كان الصحابة يأتون إلى رسول اللّه * جماعات ووحدانا يعاهدونه على القيام
بواجبات الإسلام، ليكون فى ذلك العهد بين يديه قيد ورباط يمنعهم من الانحراف، ويساعدهم على
القيام بالطاعة، فالعرب من أبرز صفاتهم الوفاء بالعهد، فإذا أكد الإيمان بالعهد، وأكد الإسلام
بالتعهد والالتزام بالقيام بأركانه، كان الدافع دافعين، وأصبح الحرص حرصين: حرص الطاعة
والإيمان، وحرص الوفاء بالعهد.
ومازالت هذه المبايعات وسيلة لطاعة كثير من العاصين، ومازالت عهود الصوفية مشايخ الطرق
تزجر كثيرا من المريدين عن المعاصى، وتبعث روح الطاعة والمثابرة على العبادة والأوراد.
وكان رسول اللَّه ◌ِ يراعى حال المبايع وظروفه، فيبايعه على ما يصلح شأنه وما فيه خيره، ففى
بيعة النساء يطلب منهن أن لا يشركن بالله شيئا، لأنهن كثيرا ما يكفرن، ولا يسرقن لأنهن أمينات
على أموال الرجال، ولا يزنين، ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن، ولا يعصين فى معروف.
وهنا يبايعه جرير على السمع والطاعة لرسول الله:﴿ ولأولى الأمر من المسلمين وعلى أن يقيم
الصلاة ويؤدى الزكاة. ولقنه رسول اللَّه * أن يضم إلى عهده هذا عهدا بأن يحب الخير لكل مسلم،
وأن ينصحه بما ينفعه، وأن يحب له ما يحب لنفسه.
(٩٧) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةً عَنِ إِسْمَعِيلَ بْنٍ أَبِي خَالِدٍ عَنٍ قيس عَنٍ جَرِيرٍ
(٩٨) حَدَِّا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةٍ وَزُّهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نَّمَيْرٍ قَالُوا حَدََّا سُفْيَانُ عْنٍ زِيَادٍ بْنِ عِلَاقَةٌ سَمِعَ جَرِّبِرَ بَنَّ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولَ
(٩٩) حَدَّنَا سُرَّيِّجُ بَّنُ يُونِّسَ وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَفِيُّ قَالا حَدََّا هُشَيْمٌ عَنٍ سَيَّارٍ عَنِ الشَّغْبِيِّ عَنٍ جَرِيرٍ
- قَالَ يَعْقُوبُ فِي رِوَايَتِهِ قَالَ حَدَّثَنَا سَيَّارٌ
٢٠٨
وكم وفّى جرير بما عاهد عليه الله ورسوله، وكم بالغ فى الوفاء، فقد روى أنه كان إذا اشترى شيئا
أو باعه يقول لصاحبه: اعلم أن ما أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناكه، فاختر.
وروى الطبرانى أن جريرا أرسل غلامه فاشترى له فرسا بثلاثمائة درهم، وجاء به ويصاحبه لينقده
الثمن فقال جرير لصاحب الفرس: فرسك خير من ثلاثمائة درهم، أتبيعه بأربعمائة درهم؟ قال
الرجل: ذلك إليك يا أبا عبد الله، فقال جرير: فرسك خير من أربعمائة درهم، أتبيعه بخمسمائة درهم،
قال الرجل: ذلك إليك يا أبا عبد الله؛ فلم يزل يزيده مائة فمائة، وصاحبه يرضى. وجرير يقول: فرسك
خير، إلى أن بلغ ثمانمائة درهم، فاشتراه بها، فقيل له فى ذلك، فقال: إنى بايعت رسول اللَّهِمُ # على
النصح لكل مسلم.
وهكذا كانت عهود المسلمين، وهكذا كان وفاؤهم بها ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهِ فَسَيُؤْتِهِ
أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠].
المباحث العربية
(بايعت رسول اللَّه ◌َ﴿) المبايعة عبارة عن المعاهدة سميت بذلك تشبها بالمعاوضة المالية،
كأن المعاهد على الطاعة يبذلها فى مقابلة الأجر الأخروى، كما فى قوله تعالى: ﴿إن اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ
الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١].
فالمعنى: عاهدت رسول الله ﴿ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم.
( على السمع والطاعة) لله ولرسوله ولأولى الأمر، عملا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
(فلقننى فيما استطعت ) أى لقننى عبارة ((فيما استطعت)» لأقولها بعد عبارة ((بايعتك على
السمع والطاعة)) أى: أسمع وأطيع فيما أستطيع: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وتاء ((استطعت)) رويت بالضم على أنها للمتكلم جرير، ورويت بالفتح على أنها من كلام النبى 5 9%
خطابا لجرير، وكلاهما صحيح.
وعائد الصلة مفعول ((استطعت)) محذوف.
(والنصح لكل مسلم) معطوف على ((السمع والطاعة)) وجملة ((فلقننى: فيما
استطعت» معترضة.
٢٠٩
فقه الحديث
ويؤخذ من الحديث
١- أن الصلاة والزكاة أهم أركان الإسلام، بعد الشهادتين لاقتصاره عليهما من بين أركان الإسلام، ولم
تذكر الشهادتان فى رواية مسلم اعتمادا على أنه مفروغ منهما، وأنه حصل اعتقادهما والنطق
بهما، فلا يحتاج الأمر إلى المبايعة عليهما، وقد ذكرتا فى رواية البخارى فى كتاب البيوع،
ولفظها ((بايعت رسول الله على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة
وإيتاء الزكاة، والسمع والطاعة، والنصح لكل مسلم)).
قال النووى: ولم يذكر الصوم وغيره لدخولها فى السمع والطاعة، اهـ
ويمكن أن يقال: إنه صلى الله عليه وسلم أشار إلى العبادات البدنية بالصلاة لتكرارها فى كل
يوم، وإلى العبادات المالية بالزكاة، فيكون المقصود من ذكرهما أركان الإسلام.
٢- مدى اهتمام الشارع بالنصح لكل مسلم: إذ جعله صلى اللّه عليه وسلم قرينا للصلاة والزكاة.
٣- كمال شفقته صلى الله عليه وسلم بأمته، إذ لقن جريرا «فيما استطعت» حرصا عليه، فقد يعجز
جرير فى بعض الأحوال، فيكون مخلا بما التزم.
٤- وفى الحديث منقبة ومكرمة لجرير ه وأرضاه.
والله أعلم
٢١٠
(٣٥) باب نقصان الإيمان بالمعاصى
١٠٣- ١٢٠ عَنِ أَبَى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدٍ بْنِ الْمُسّيَّبِ قَالاَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةً
﴿ه(١٠١) إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴾ قَالَ: « لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ. وَلا يَسْرِقُ السَّارِقُ
حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ. وَلا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ». قَالَ ابْنُ شِهَابٍ:
فَأَخْرَبِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُحَدِّلُهُمْ مَؤُلاءٍ عَنٍ أَبِي
هُرَيْرَةً. ثُمَّ يَقُولُ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُلْحِقُ مَعَهُنَّ « وَلا يَنْتَهِبُ نُهْبَةٌ ذَاتَ شَرَفٍ، يَرْفَعُ النَّاسُ
إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِيُهَا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ».
١٠٤- الْإِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(١٠١) أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللّهِعِ﴿ قَالَ: « لا يَزْنِي الزَّانِي»
وَاقْتَصِّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ. يَذْكُرُ مَعَ ذِكْرٍ « النُّهْيَّةِ». وَلَمْ يَذْكُرْ « ذَاتَ شَرَفٍ». قَالَ ابْنُ
ثيهَابٍ: حَدَّفِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ بِمِثْلٍ حَدِيثٍ أَبِي بَكْرٍ هَذَا «إِلاَ النّهْبَةٌ».
١٠٥ - ١٠٢ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٠٢) بمثله وَذَكَرَ النَّهْبَةَ وَلَمْ يَقُلْ: ذَاتَ شَرَفٍ.
١٠٢- ٣: ١- وبِمْلِه عَنِ أَبِي هُرَيْرَةً(١٣) عَنِ الِّيِّ{ كُلُّ هَؤُلاءِ بِمِثْلٍ حَدِيثِ الزُّهْرِيَّ
غَيْرَ أَنَّ الْعَلَاءَ وَصَفْوَالَ بْنَ سُلَيْمٍ لَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا « يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ» وَفِي
حَدِيثِ هَمَّامٍ « يَرْفَعُ إِلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ أَعْنَهُمْ فِهَا وَهُوَ حِينَ يَنْتَهِبُهَا مُؤْمِنٌ» وَزَادَ « وَلا يَغُلُّ
أَحَدُكُمْ حِينَ يَغُلُّ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ◌َِيَّاكُمْ إِنَّاكُمْ».
(١٠٠) حَذْفِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِمْرَانُ الَّجِيُّ أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ. قَالَ: أَخْبَرَبِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. قَالَ سَمِعْتُ
أبا سَلَّمَةٌ
(١٠١) وحَدَّيِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ حَدْفَتِي أَبِي عَنِ جَدِّي قَالَ حَدَِّي عُقَبْلُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ
شِهَابٍ أَخْبَرَبِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنٍ أَبِيَ هُرَيْرَةَ
- وَأَبُو سَلَمَّةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنٍ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِّ رَسُولَ اللَّهِ لِ لّ
(١٠٢) وَحَدَّثَِّي مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ قَالَّ أَخْبُرَبِي عِيْسَى بْنَ يُوتُسَ حَدَّقَنَا الْأَوْزَاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةً
وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةً عَنِ النّبِيِّ ﴿أَ بِمِثْلٍ حَدِيثَ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ أَبِي بُكْرٍ
ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ أَبِي هُرَيَّرَةً
(١٠٣) وَحَدَّثِّي حَسَنُ بْنُ عَلِيَّ الْحُلْوَانِيُّ حَدَّقْنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدْقَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُطْلِبِ عَنِ صَفْوَانٌ بْنٍ سُلَيْمٍ عَنٍ عَطَّاءٍ
ابْنِ يَسّارِ مَوْلَى مَيْمُونَةٌ وَحُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمِّنِ عْنِ أَبِي هُرَيْرَةً عَنِ النِّيِّ {ْ﴿َحِ وحَدََّا مُحَمَّذَّ بْنُ رَافِعٍ خَدََّا عُبْدُ الرَّزَّاقِ
أَخْبَرَنَا مَعْمَّرٌ عَنٍ هَمَّامٍ بْنٍ مُنَهٍ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةً عَنِ الِّّ ◌ِ﴾.
- حَدََّا قُقَةُ بْنُ سَعِيْدٍ، حَدََّا عَبَّدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِيَ الدَّرَّاوَرْدِيَّ) عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ أَبِهِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
٢١١
١٠٧ - ٤َبْد عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٠٤) أَنَّ الْبِيِّ﴾﴿ قَالَ « لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَّ
مُؤْمِنٌ وَلا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلا يَشْرَبُّ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرِّبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَالثَّوْبَةُ
مَعْرُوضّةٌ بَعْدُ ».
١٠٨- ٥ْ قَنِ أَبِي هُرَيْرَةٌ﴾(١٠٥) وَفَعَهُ قَالَ « لا يَزْنِي الزَّانِي» ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلٍ
حَدِيثٍ شُعْبَةً.
المعنى العام
تعرضت أحاديث كثيرة لجانب الرجاء فى اللَّه، حتى كاد يطمع فى دخول الجنة من لا عمل له،
فروى «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا اللَّه دخل الجنة)» و« من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول
اللَّه حرم الله عليه النار)) و((حق العباد على اللَّه أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا)) و((من قال: لا إله
إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق)».
كادت هذه الأحاديث تبعث الطمأنينة فى نفوس العصاة، لولا أن قابلتها أحاديث الخوف التى
تكاد تيئس مرتكب الكبيرة من دخول الجنة. من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ((لايزنى الزانى حين
يزنى وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن،
ولا ينتهب أى يغتصب ((نهبة)) وأموالا ((ذات شرف)) وذات قيمة ((يرفع الناس إليه فيها أبصارهم
حين ينتهبها)) مشدوهين من تصرفه، عاجزين عن دفعه ((وهو مؤمن ولا يغل)) أى يسرق ((أحدكم حين
يغل)» ويسرق وهو مؤمن فإياكم ((وهذه الكبائر)) وإياكم ((وتعريض الإيمان للضعف والانهيار)».
فهذا الحديث يحذر مرتكب الكبيرة، ويخوفه من عاقبة فعله، يهدده بسحب الإيمان عنه حالة
ارتكاب المنكر، فيضعف إيمانه، ولايزال الإيمان يضعف ويتناقص بالمعاصى حتى يخشى على
صاحبه من الكفر والعياذ بالله، فإن الاستهانة بارتكاب المعصية تؤدى إلى الاستهانة بالآمر الناهى؛
ولا تزال المعصية تترك نكتة سوداء فى قلب صاحبها حتى يطبع الله عليه، ويختم على صدره، فيكون
من أهل النار.
وهكذا نجد أن الشرع الحكيم بنصوصه يضع المؤمن بين الرجاء والخوف، لئلا يقنط من رحمة
اللَّه، فإنه لا ييأس من روح اللَّه إلا القوم الكافرون. ولئلا يغتر فيهمل شعب الإيمان وأموره، فما أكثر
الوعيد، وما أكثر النذر والتهديد ﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ
عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٤] نجد الرسول الكريم / يضع المؤمن فى الإطار الذى وضعه فيه القرآن
(١٠٤) حَدَِّي مُحَمِّدُ بْنُ الْمُثْى حَدََّا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ عَنِ شُعْبَةَ عَنٍ سُلَيْمَانٌ عَنٍ ذَكْوَانَ عَنٍ أَبِي هُرَيْرَةً
(١٠٥) حَدَِّي مُحَمَّدُ بْنُ رَائِعٍ حَدََّا عَبْدُ الرََّّاقِ أَخْبَرَنَا سُفْيَاهُ عَنِ الْأَعْمْشِ عَنِّ ذَكْوَانٌ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
٢١٢
بقوله: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ
أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩].
المباحث العربية
( لايزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ) الجملة خبرية، تنفى إيمان الزانى حين زناه، إذ
النفى داخل على مقيد بقيد (زنا الزانى حالة إيمانه) ولا جائز أن يتوجه النفى إلى المقيد، لأنه
حاصل واقع، والواقع لا ينفى، فكان لزاما أن يتوجه إلى القيد محط الفائدة، كقوله تعالى: ﴿ وَمَا
خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦] فالمنفى اللعب، لا خلق السموات والأرض
وما بينهما فيكون حاصل المعنى: بل خلقناهما ومابينهما جادين لحكمة.
والمنفى فى الحديث إيمان الزانى، فيكون حاصل المعنى، لا يكون الزانى مؤمنا حين يزنى.
والظرف ((حين يزنى)) متعلق بـ ((مؤمن)) وفى ذلك يقول الحافظ ابن حجر: قيد نفى الإيمان
بحالة ارتكابه للزنى.
وقيل: إن الجملة خبر بمعنى النهى، والمعنى: لايزنين مؤمن، ولا يسرقن مؤمن أى لا ينبغى له أر
يفعل ذلك.
( ولا يشرب الخمرحين يشربها وهو مؤمن ) لم يذكر الفاعل هنا كما ذكر فى الزنا
والسرقة، قال ابن مالك: فيه جواز حذف الفاعل لدلالة الكلام عليه، والتقدير: ولا يشرب الشارب
الخمر. إلخ، ولا يرجع الضمير إلى الزانى، لئلا يختص به، بل هو عام فى حق كل من شرب.
(وكان أبو هريرة يلحق معهن ) أى مع الثلاث المذكورات: الزنا والسرقة والشرب، وكان
حقه أن يقول: يلحق بهن، فمع بمعنى الباء، وحروف الجريتناوب بعضها بعضاً، أو ضمن ((يلحق))
معنى ((يذكر)» فعدى بـ ((مع)) و)) يلحق)) بضم الياء من ((ألحق)) الرباعى، يستعمل لازما ومتعديا وهنا
متعد، والجملة بعده مقصود لفظها فى محل المفعول به.
( ولا ينتهب نهبة ) الفاعل محذوف أيضا، والتقدير: ولا ينتهب الذاهب نهبة وفى القاموس:
نهب النهب. كجعل وسمع وكتب، أخذه كانتهبه، والاسم النهبة بضم النون، وهو المال المنهوب،
والمراد به المأخوذ جهرا وقهرا.
( ذات شرف) ((ذات)) بمعنى صاحبة، صفة ((نهبة)) ومعنى ((ذات شرف)) أى ذات قدر،
حيث يشرف الناس لها ناظرين إليها؛ وفى رواية: ((ذات سرف)) بالسين المهملة، أى ذات إسراف
ومجاوزة الحد.
( يرفع الناس إليه فيها أبصارهم ) هذه إشارة إلى حالة المنهوبين، فإنهم ينظرون إلى من
٢١٣
ينهبهم، ولا يقدرون على دفعه، ويحتمل أن يكون كناية عن عدم التستر بذلك، فيكون صفة لازمة
للنهب، بخلاف السرقة والاختلاس، فإنه يكون فى خفية، والانتهاب أشد لما فيه من مزيد الجراءة
وعدم المبالاة.
( ولايغل أحدكم ) بفتح الياء وضم الغين وتشديد اللام المرفوعة، وهو من الغلول وهو الخيانة،
وقيل: هو خاص بالخيانة من الغنيمة.
( فإياكم إياكم ) الفاء فصيحة فى جواب شرط مقدر، أى إذا كان الإيمان ينتفى بارتكاب
هذه القبائح فإياكم، أى فاحذروها.
وأصل ((إياكم)) احذروا تلاقى أنفسكم والقبائح، ثم حذف الفعل وفاعله، ثم المضاف الأول
((تلاقى)) ثم المضاف الثانى، وأقيم المضاف إليه مقامه فانفصل الضمير، وانتصب بعامل محذوف
وجوبا لكثرة الاستعمال ((وإياكم)) الثانية تكرير للتأكيد، والمحذر منه محذوف للعلم به من
الكلام السابق.
فقه الحديث
قبل الكلام عن فقه الحديث نورد مذاهب المتكلمين باختصار فى الإيمان مع ارتكاب الكبيرة،
حتى يتجلى موقف كل فريق من هذا الحديث.
١- فالخوارج: يقولون إن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، فمرتكب الكبيرة كافر مخلد فى النار.
٢- والمعتزلة: يقولون كالخوارج بأن العمل من الإيمان، فمرتكب الكبيرة ليس بمؤمن وليس بكافر
لكنه مخلد فى النار.
٣- والمرجئة: يقولون: هو اعتقاد ونطق فقط فيتحقق الإيمان بهما، ولا تتأثر حقيقته
بارتكاب الكبائر.
٤- والكرامية: يقولون: هو نطق فقط فيتحقق الإيمان به، ولا تتأثر حقيقته بارتكاب الكبائر.
٥- وأهل السنة: يقولون: الإيمان بالنظر لما عندنا يحصل بالإقرار، فمن أقر أجريت عليه الأحكام
الدنيوية، ولم يحكم عليه بالكفر، إلا إن اقترن به فعل يدل على كفره كالسجود للصنم.
وبالنظر لما عند اللَّه هو الاعتقاد بالقلب والنطق باللسان والعمل بالأركان على أن العمل شرط فى
كماله، فمرتكب الكبيرة [غير الشرك] مؤمن غير كامل الإيمان - أو مؤمن فاسق.
وظاهر الحديث الذى معنا يؤيد الخوارج والمعتزلة، وبه استدلوا على مذهبهم، فهو ينفى الإيمان
عن الزانى والسارق وشارب الخمر والمنتهب، وحيث انتفى الإيمان ثبت الكفر [عند الخوارج]، لأنه لا
واسطة عندهم بين الإيمان والكفر. أما المعتزلة فينفون عنه الإيمان بالحديث، وينفون عنه الكفر؛ لأنه
٢١٤
يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويثبتون له منزلة بين المنزلتين، ويحكمون عليه
بالخلود فى النار لآيات الخلود الواردة فى القاتل والعاصى.
والحديث واضح فى الرد على المرجئة والكرامية، وربما انتفعوا ببعض توجيهات أهل
السنة الآتية:
ولما كان أهل السنة لا ينفون الإيمان عن مرتكب الكبيرة احتاجوا إلى تأويل هذا الحديث.
فقال النووى: إنما تأولنا هذا الحديث لحديث أبى ذر وغيره ((من قال لا إله إلا اللَّه دخل الجنة،
وإن زنى وإن سرق)»، وحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور أنهم بايعوه صلى الله عليه وسلم
على ((أن لا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا ... )) إلى آخره، ثم قال صلى الله عليه وسلم: ((فمن وفى منكم
فأجره على الله، ومن فعل شيئا من ذلك فعوقب فى الدنيا فهو كفارة له، ومن فعل ولم يعاقب فهو إلى
اللَّه تعالى إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه)).
فهذان الحديثان مع نظائرهما فى الصحيح، مع قول اللَّه عز وجل ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهٍ
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] مع إجماع أهل الحق على أَن الزانى والسارق والقاتَل
وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لايكفرون بذلك، بل هم مؤمنون ناقصو الإيمان، إن تابوا
سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا فى المشيئة، فإن شاء اللّه تعالى عفا عنهم
وأدخلهم الجنة أولا، وإن شاء عذبهم، ثم أدخلهم الجنة.
وكل هذه الأدلة تضطرنا إلى تأويل هذا الحديث وشبهه، اهـ
وقال الحافظ ابن حجر: ومن أقوى ما يحمل على صرف هذا الحديث عن ظاهره إيجاب الحد
فى الزنا على أنحاء مختلفة فى حق المحصن الحر، والحر البكر، وفى حق العبد، فلو كان المراد بنفى
الإيمان ثبوت الكفر لاستووا فى العقوبة، لأن المكلفين فميا يتعلق بالإيمان والكفر سواء، فلما كان
الواجب فيه من العقوبة مختلفا دل على أن مرتكب ذلك ليس بكافر حقيقة. اهـ
ولا وجه لمن رد الحديث وأنكر صدوره عن النبى / لمعارضته النصوص الصحيحة. لاوجه له لأن
الحديث ثابت فى الصحيحين متفق على صحته، والظاهر المخالف قابل للتأويل، تأويلات سائغة
حسنة كثيرة منها:
١ - ما روى عن ابن عباس من أن المراد بنفى الإيمان عن الزانى أن اللَّه ينزع منه نور الإيمان، وقريب
منه قول المهلب: تنزع منه بصيرته فى طاعة الله.
٢- وقال الحسن البصرى وابن جرير الطبرى: ما معناه ينزع منه اسم المدح الذى سمى به أولياءه فلا
يقال فى حقه مؤمن، وإنما يستحق اسم الذم، فيقال: سارق وزان وفاجر وفاسق.
وصوب هذا الرأى ابن بطال، ثم قال: ولا خلاف أنه يسمى بذلك مالم تظهر منه التوبة، فالزائل
عنه حينئذ اسم الإيمان بالإطلاق، والثابت له اسم الإيمان بالتقييد، فيقال: هو مصدق باللّه
ورسوله لفظا واعتقادا لا عبلا اهـ
٢١٥
٣- وقال الزهرى: إنه من المشكل الذى نؤمن به، ونمر كلما جاء، ولا نتعرض لتأويله.
٤- وقيل: إنه خبر بمعنى النهى، والمعنى: لايزنين مؤمن، ولا يسرقن مؤمن، وليس فيه نفى الإيمان.
٥- وقيل: إن معنى نفى كونه مؤمنا أنه شابه الكافر فى عمله، وموقع التشبيه أنه مثله فى جواز قتاله
فى تلك الحالة، ليكف عن المعصية، ولو أدى إلى قتله فانتفت فائدة الإيمان فى حقه بالنسبة إلى
زوال عصمته فى تلك الحالة.
٦- وقيل معنى قوله: ((ليس بمؤمن)» أى ليس بمستحضر فى حال تلبسه بالكبيرة جلال من آمن، فهو
كناية عن الغفلة التي جلبتها له غلبة الشهوة، وعبر عن هذا ابن الجوزى بقوله: فإن المعصية
تذهله عن مراعاة الإيمان، وهو تصديق القلب، فكأنه نسى ما صدق به.
٧- وقيل: إن المراد من نفى الإيمان نفى الأمان من عذاب الله، لأن الإيمان مشتق من الأمن.
٨- وقال الطيبى: المراد من نفى الإيمان نفى الحياء، وقد مضى أن الحياء من الإيمان، فيكون
التقدير: لايزنى الزانى حين يزنى وهو يستحى من الله، لأنه لواستحيا منه - وهو يعرف أنه
مشاهد حاله - لم يرتكب ذلك، ويعضده حديث ((من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس
وما وعى والبطن وما حوى)).
٩- وتأوله بعضهم على من فعل ذلك مستحلا، ولا خلاف فى أن من استحل محرما علم تحريمه
بالضرورة فهو كافر منفى عنه الإيمان على الحقيقة.
١٠- وقيل: إن المراد بالحديث الزجر والتنفير، وليس المراد ظاهره، وهو رأى الطيبى إذ
قال: ويجوز أن يكون من باب التغليظ والتهديد، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ
عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧].
١١- وقيل: إن نفى الإيمان محمول على الإنذار بزواله ممن اعتاد ذلك، لأنه خشى عليه أن يفضى به
إلى الكفر، فمن حام حول الحمى يوشك أن يواقعه، وهذا أحد التأويلات فى قوله صلى الله عليه
وسلم ((لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده)» أى يسرق غير
النصاب، فيعتاد فيسرق النصاب، فتقطع يده.
١٢ - وقيل معناه: أنه يسلب منه الإيمان حال تلبسه بالكبيرة، فإذا فارقها عاد إليه، ويقوى هذا الرأى
تقييد نفى الإيمان فى الحديث بحالة ارتكابه لها ((حين يزنى)) ((حين يسرق)» («حين يشربها))
«حين ينتهبها)).
كما يقويه ما أخرجه الحاكم بسند صحيح عن أبى هريرة، رفعه «إذا زنى الرجل خرج منه
الإيمان، فكان عليه كالظلة، فإذا أقلع رجع إليه الإيمان)».
١٣ - قال الإمام النووى: القول الصحيح، والذى قاله المحققون: أن معناه: لا يفعل هذه
المعاصى وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التى تطلق على نفى الشىء، ويراد نفى
٢١٦
كماله، كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا الإبل، ولا عيش إلا عيش الآخرة، ثم قال:
إن هذا التأويل ظاهر سائغ فى اللغة، مستعمل فيها كثيرا.اهـ.
والحق أن الذى ذهب إليه النووى أقوى التأويلات، وأحراها بالقبول، والله أعلم.
هذا. وقد أثارت عبارة الراوى، وكان أبو هريرة يلحق معهن ((ولا ينتهب نهبة ... )) إلخ أثارت شكا
فى أن هذه العبارة موقوفة على أبى هريرة، أو مرفوعة إلى النبى *، ولكن روايات الحديث فى
أماكن أخرى ترفع هذا الشك، وتصل النهبة بالحديث نسقا من غير فصل بقوله: «وكان أبو هريرة
يلحق معهن)). ففى البخارى: فى الحدود (( .. ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة
يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن)».
وقد رواه أبو نعيم فى مستخرجه على مسلم عن أبى هريرة عن النبى (والذي نفس محمد بيده
لا ينتهب أحدكم نهبة)) الحديث فصرح برفعه.
وبهذا لا يتطرق إلى هذه الفقرة احتمال الإدراج أو أنها موقوفة، ويصبح معنى العبارة: وكان أبو
هريرة يلحق معهن رواية عن رسول اللَّه :﴿ ((لا ينتهب نهبة)) إلخ.
ويؤخذ من الحديث
١- أن من زنى دخل فى هذا الوعيد، سواء كان بكرا أو محصنا، وسواء كان المزنى بها أجنبية أو
محرما، ولا شك أن الزنا بالمحرم أفحش ومن المتزوج أعظم.
وذكر بعض العلماء أن المقصود بالزنا التنبيه به على جميع الشهوات، قاله القاضى عياض.
٢- وأن من سرق قليلا أو كثيرا يدخل فى هذا الوعيد أيضا، قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، فقد
شرط بعض العلماء فى كون السرقة كبيرة أن يكون المسروق نصابا، وإن كانت سرقة ما دون
النصاب حراما.
٣- وأن من شرب الخمر دخل فى هذا الوعيد، سواء كان المشروب قليلا أم كثيرا لأن شرب القليل
من الخمر معدود من الكبائر، وإن كان شرب الكثير الذى يخل العقل يترتب عليه من المحذور ما
هو أفحش من شرب القليل.
قال ابن بطال: هذا أشد ما ورد فی شرب الخمر.
والله أعلم
٢١٧
(٣٦) باب خصال المنافق
١٠٩ - لَّهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عَمْرٍو رَضِى اللَّه عَنْهِمَا(١٠٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿: «أَرْبَعٌ
مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقِ، حَنْى
يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ. وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ. وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمٌ فَجَرَ ». غَيْرَ أَنْ فِي
حَدِيثِ سُفْيَّاكُ «وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النَّفَاقِ».
١١٠ - ٧ْا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٠٧) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ:﴿ قَالَ «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا
حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا الْثُمِنَ خَالٌ».
١١١- ١٠٨ عَنْ أَبي مُرَيْرَةٌ ﴾(١٠٨) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِمَ «مِنْ عَلامَاتِ الْمُنَافِقِ
ثَلاثَةٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ. وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ. وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ. وَإِذَا الْثُمِنَ خَالٌ».
١١٢- ٤ْ عَنْ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ(١٠٩) يُحَدِّثُ بِهَذَا الإِسْنَادِ وَقَالَ «آيَةُ الْمُنَافِقِ
ثَلاثٌ. وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ».
١١٣- ١١٠ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١١٠) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِم ◌ْ بِمِثْلٍ حَدِيثٍ يَحْيَى بْنٍ
مُحَمَّدٍ عَنِ الْعَلاءِ ذَكَرَ فِيهِ « وَإِنْ صَامَ وَصِّلّْى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ»
المعنى العام
يحذر صلى الله عليه وسلم من خصال السوء التى لا تليق بالمسلم، يحذر من آفات اللسان والعمل
والنية، يحذر من خمس خلال، يجعلها سمة المنافق، ويجعل وجودها دليلا على نفاق صاحبها، بل
يجعل وجود الواحدة منها دليلا على وجود شعبة من شعب النفاق، يظل صاحبها يوصم بهذا الوصم
حتى يتركها.
(١٠٦) حَذََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَِّيَةَ حَدَّقْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرِ حِ وحَذَّقْنَا ابْنُّ لُمَيْرٍ حَدَّقْنَا أَبِي حَدَّقْنَا الأَعْمَّشُ حَ وَحَدَّفْيِي زُهَيْرُ بْنُ
حَرْبٍ حَدََّا وَجِعَ خَذْنَا سُفْيَاهُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةً عَنْ مُسْرُوقٍ ◌َنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو
(١٠٧) حَدََّا يَحْتِى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَاللَّفْظُ لِيَحْتِى قَالا حَدََّنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ جَعَّفَرٍ قَالَ أَخْبُرَبِي أَبُو سُّهَبْلٍ نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ
أَبِي عَامِرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٌ
(١٠٨) حَدَِّا أَبُو بَكْرٍ بَنُ إِسْحَقَ أَخْرِنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمْ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُّ ◌َعْفَرٍ قَالَ أَخْبَرَبِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبٌ مَوْلَى
الْحُرَّقَةٍ عَنْ أَبَيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(١٠٩) حَدَّا عُقْبَةُ بَّنُ مُكْرَمَ الْعَمِّيُّ حَدَّْنَا يُحْتَى بْنُ مُحَمَّدٍ بْنٍ قَيْسٍ أَبُو زَكَثْرٍ قَالَ سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُحَدِّثُ
(١١٠) وحَدَّثَنِي أَبُو نَصْرِ الثَّمَّارُ وَعَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّدٍ قَالا حَدَثْنَا حَمَّدُ بْنُ سَلّمَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنٍ أَّبِي هِنْدٍ عَنْ سَعِيَدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
٢١٨
فيقول: صفات من كن فيه كان منافقاً خالصا متمحضاً للنفاق، بالغا فيه درجة عليا.
أولاها: الكذب فى الحديث، فإنه يهدى إلى الفجور، والفجور يهدى إلى النار، ولا يزال الرجل
يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند اللَّه كذابا.
ثانيتها: الغدر فى المعاهدات، والإخلال بالمواثيق، والنكث بعد إعطاء الأمان.
﴿فَمَنْ تَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا
عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠].
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا إِنَّ اللّهَ
يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَانًا﴾ [النحل: ٩٢،٩١].
ثالثها: الخلف فى الوعد بالخير، عن عزم وتصميم من حين إعطائه، وسوء النية والمراوغة فى
الوفاء به للإضرار بالناس.
رابعتها: الفجور فى المخاصمة، واللجاج فى المطالبة بغير الحق، والمراء والجدال للوصول إلى
حق الغير غلبة وبهتانا، اعتمادا على قوة اللسان واللحن فى القول.
خامستها: خامسة الأثافى خيانة الأمانة، ونقل العلم أمانة، ونقل الحديث أمانة والأزواج أمانة،
والأولاد أمانة، والأموال أمانة، والعبادات أمانة، وفى ذلك يقول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا
تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَّخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧].
بصفات السوء هذه تختل أمور الأمة، ويهتز بناؤها، وتفقد الثقة فى أهلها، ويتحول رجالها من
صادقين مصدقين إلى فسقة وفجرة ومنافقين، لهم عذاب جهنم وبئس المصير، أعاذنا الله منها،
ووفقنا لما فيه رضاه.
المباحث العربية
( أربع من كن فيه كان منافقا) المعدود مؤنث محذوف، أى أربع من الخصال،
أو أربع من الخلال.
و(أربع)) مبتدأ، سوغ الابتداء به وهو نكرة ملاحظة الوصف و))من)) شرطية مبتدأ ثان والشرط
والجواب خبرها، وجملتها خبر ((أربع)).
والنفاق لغة مخالفة الظاهر للباطن، فإن كان فى اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر، وإلا فهو نفاق
العمل، ويدخل فيه القول والفعل والترك، وتتفاوت مراتبه.
( ومن كانت فيه خلة منهن ) الخلة بفتح الخاء الخصلة، وبضم الخاء الصداقة المحضة
التى لا خلل فيها، والمراد هنا الخصلة.
٢١٩
(إذا حدث كذب) مفعول ((حدث)) محذوف للتعميم، أى إذا حدث بأى حديث كذب فيه، أو
الفعل منزل منزلة اللازم، أى إذا حصل منه تحديث حصل فيه كذب، وهذا الأسلوب مع التعبير بـ
((إذا)» يدل على تكرر الفعل، فيكون المقصود من الجملة من اعتاد ذلك، وصارله ديدنا.
(وإذا عاهد غدر) ((عاهده)) أعطاه الأمان والموثق، و)(غدره وغدر به)) خانه ولم يف
له بما التزم.
( وإذا وعد أخلف ) يقال: وعدته خيرا، ووعدته شرا، فإذا حذفوا المفعول الثانى [خيرا. شرا]
قالوا فى الخير وعدته، وفى الشر أوعدته. قاله صاحب المحكم.
( وإذا خاصم فجر) خاصمه مخاصمة: غالبه فى الجدل، وكثر فى المجادلة على الحقوق
المالية لدى الحكام، والفجور الميل عن الحق، والانبعاث فى المعاصى والخروج عن الحدود الشرعية.
( وإن كانت فيه خصلة منهن ) الخصلة بفتح الخاء: الخلة، والفضيلة والرذيلة، وغلبت
الخصلة على الفضيلة، واستعمالها هنا من غير الغالب.
( آية المنافق ثلاث ) الآية العلامة، وكان الظاهر أن يقول: آيات المنافق ثلاث، لأن كل
خصلة آية، لكنه أفرد على إرادة الجنس، أو أن العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث لا بواحدة منها،
والأول أليق بقول الرسول # ((ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من النفاق)).
( من علامات المنافق ثلاثة ) هكذا هو فى الأصول بتأنيث العدد، بناء على أنه
إذا حذف المعدود جاز تذكير العدد وتأنيثه، ويقدر المعدود هنا مذكرا، فكأنه قال: ثلاثة
أوصاف، أو ثلاثة أمور مثلا.
( وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم) جواب الشرط محذوف للعلم به، والتقدير: وإن صام
وصلى فآية نفاقه ثلاث.
:
فقه الحديث
يحصل من مجموع الروايات خمس خصال:
١- الكذب فى الحديث.
٢- والغدر فى المعاهدات.
٣- والخلف فى الوعد.
٤- والفجور فى المخاصمة.
٥- والخيانة فى الأمانة.
٢٢٠