Indexed OCR Text
Pages 181-200
(٢٩) باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من الإيمان ٨١- ٧٨ عَنٍ طَارِقٍ بْنِ شِهَابٍ(٧٨). وَهَذَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ. قَالَ: أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ ، يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلاةِ، مَرْوَانُ . فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ. فَقَالَ: الصَّلاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ. فَقَالَ: قَدْ تُرِكَ مّا هُنّالِكَ، فَقَالَ: أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهٍ. سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ﴿ يَقُولُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَّرًا فَلُغَيِّرْهُ بِيدِهِ. فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَائِهِ. فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ. وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ». ٨٢ - ٧٩ وبمثله(٧٩) المعنى العام كان النبى #* يخرج يوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى إلى المصلى، فأول شىء يبدأ به صلاة العيد، ثم يقوم فيتوجه إلى الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيخطبهم ويعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يخرج طائفة من الجيش إلى جهة من الجهات أخرج، أو يأمر بشىء أمر به، ثم ينصرف. واستمر العمل على هذه السنة فى عهد أبى بكر وعمر وعثمان وعلى، فلما كان معاوية، وكان مروان أمير المدينة من جهته، بدأ بالخطبة قبل صلاة العيد، ورأى الغيورون على الإسلام أن عليهم واجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وأن فعل النبى 8 واجب الاتباع، وأن عليهم أن ينبهوا الأمير ليعود إلى السنة. من هؤلاء الغيورين أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصارى، قام إلى مروان وهو يتهيأ للصعود على المنبر، فقال له: عليك بالصلاة قبل الخطبة. سنة رسول اللَّه *، فلم يعبأ به مروان، وقال له: قد ترك هذا الوضع، فجذب أبو سعيد الخدرى مروان من ثوبه ليمنعه من ارتقاء المنبر، فجذبه مروان، فارتقى، فقال أبو سعيد: غيرتم واللَّه سنة رسول اللّه:#، فقال له مروان: قد ذهب ما تعلم، قال أبوسعيد: ما أعلم واللَّه خير مما لا أعلم، وخطب مروان، ثم صلى، ثم قال لأبى سعيد: إن الناس لم يعودوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلت الخطبة قبل الصلاة للحفاظ على سماعها. قال أبو سعيد: أما أبو مسعود فقد أدى ما عليه من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وقد أديت ما علىَّ، وقد (٧٨) حَدَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّنَا وَكِيعٌ عَنٍ سُفْيَانٌ حِ وَحَدَثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثْنِى حَذَقْنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدِّنَا شُعْبَةٌ كِلاهُمَا عَنِ ◌َيْسٍ بْنٍ مُسْلِمٍ عَنِ طَارِقٍ بْنِ شِهَابٍ (٧٩) حَذْقَا أَبُو كُرَيْبٍّ مُحَمَّدُ بْنَّ الْعَلَاءِ خَذََّا أَبُو مُعَاوِيَةٌ حَدَّقْنَا الأَعْمَشُ عَنِ إِسْمَعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ عِنِ أَبِهِ عَنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيّ وَعَنٍ قَيْسٍ بْنٍ مُسْلِمٍ عَنٍ طَارِقٍ بْنِ شِهَابٍ عَنٍ أَبِيَ سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي قَمَّةٍ مَرْوَانَ وَحَدِيثٌ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ الْبِيِّ :﴿َ بِمِثْلٍ حَدِيثٍ شَغْبَةً وَسُفْيَانٌ. ١٨١ سمعت رسول اللَّه# يقول: من رأى أو علم منكم منكرا فليغيره ويزيله بيده، فإن لم يستطع الإزالة باليد فليطلب إزالته، وليهاجمه بلسانه، فإن لم يستطع استخدام لسانه فلينكره بقلبه، ومن لم يكره المنكر ويغضب له فى نفسه، ويمقته فى دخيلته، ويغار على أمور إيمانه، من لم يفعل ذلك فليس بمؤمن. لأن ذلك أضعف الإيمان. المباحث العربية ( أول من بدأ بالخطبة) ((أل)) فى الخطبة للعهد أى خطبة العيد، وكذلك ((أل)) فى الصلاة. ( مروان ) خبر ((أول)) وكان أمير المدينة من قبل معاوية. ( فقام إليه رجل ) قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون هو أبو مسعود الذى ذكراسمه فى بعض الروايات، ويحتمل أنه غيره، وأن قصة الإنكار قد تعددت. ( الصلاة قبل الخطبة ) مبتدأ وخبر، أى الصلاة حقها أن تكون قبل الخطبة. (قد ترك ما هنالك) ((ترك)) بالبناء للمجهول، و((ما)) موصول فى محل رفع نائب فاعل، واسم الإشارة ظرف متعلق بمحذوف صلة ((ما)» والتقدير: ترك الذى تشير إليه، أى تركنا العمل بتقديم الصلاة على الخطبة الذى كان هنالك فى الزمن الماضى. ( أما هذا فقد قضى ما عليه ) المشار إليه هو الرجل الذى نبه مروان إلى جعل الصلاة قبل الخطبة، و((أما)) حرف شرط وتفصيل، والمعنى مهما يكن من شىء فهذا الرجل قد أدى واجبه وما عليه من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وقد ترك تكرار «أما)) استغناء بالكلام الذى ذكر بعدها وهو موضع القسم الثانى، والتقدير: وأما أنا فأنكر كما أنكر، وقد سمعت رسول اللّه ﴿ يقول: ( من رأى منكم منكرا) إلخ، ((من)) اسم شرط جازم مبتدأ، والمراد من الرؤية العلم عن طريق أى حاسة من الحواس، فقد يشم الخمر، ويلمس الأعمى آلات اللهو، ويسمع الغيبة والنميمة إلخ. ( فليغيره بيده ) جواب الشرط، دخلت عليه الفاء لأنه طلب، والمراد من تغيير المنكر إبطاله ومنعه، والمراد من اليد الجوارح، ويعبر عن الجوارح باليد كثيرا، لأنها أكثر الجوارح استعمالا وأشدها أثرا، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ ﴾ [الحج: ١٠]. ( فإن لم يستطع فبلسانه) مفعول ((يستطع)) محذوف، والفاء داخلة على المتعلق بالجواب المحذوف، والتقدير: فإن لم يستطع تغيير المنكر بيده فليغيره بلسانه، والمراد من اللسان النطق والكلام. ( فإن لم يستطع فبقلبه ) أى فليغيره بقلبه، وفى إطلاق التغيير على إنكار القلب توسع، لأن كراهية المنكر بالقلب لا يغير من الواقع، ولا يمنع صاحبه منه. ١٨٢ ( وذلك أضعف الإيمان ) الإشارة إلى التغيير بالقلب، والمراد من ضعف الإيمان ضعف أثره. فقه الحديث مذهب العلماء كافة أن خطبة العيد بعد الصلاة. قال القاضى عياض: هذا هو المتفق عليه من مذاهب علماء الأمصار وأئمة الفتوى، ولا خلاف بين أئمتهم فيه، وهو فعل النبى ® والخلفاء الراشدین بعده. اهـ والجمهور على أن مروان أول من قدم الخطبة على صلاة العيد، والحديث الذى معنا نص فى هذا. وقيل: إن عثمان فى شطر خلافته الأخير قدم الخطبة، لأنه رأى من الناس من تفوته الصلاة، فحرصا منه على إدراك الناس الصلاة قدم الخطبة. وقيل: إن عمره قدم الخطبة، قال النووى بعد أن ساق القولين المذكورين: وليس ما روى عنهما بصحيح. فالمعتمد فى أول من قدم الخطبة هو قول الجمهور، وأنه مروان حين كان أمير المدينة. والسرفى عمله هذا أن الناس كانوا ينصرفون عن سماع خطبته، ولم يكن يجلس لها بعد الصلاة إلا عدد قليل، وكان الكثير منهم يتعمدون ترك سماع خطبته، لما فيها من سب من لا يستحق السب، والإفراط فى مدح من لا يستحق، فقصد إسماع الناس خطبته بهذا الأسلوب. وهل كان دافعه إحراج الناس، وإلزامهم سماعه فحسب؟ أو كان يهدف إلى تحصيل ثواب أكثر لهم بسماعهم خطبة العيد، فسماع الخطبة سنة يثاب عليها؟ نميل إلى الثانى والله أعلم بالسرائر. هذا، وبعد أن اشترط العلماء تقديم صلاة العيد على خطبته، اختلفوا فيمن خالف ذلك وقدم الخطبة على الصلاة، فذهب الحنفية إلى أنه يسن تأخير الخطبة عن الصلاة، لكن يعتد بها إن قدمت وإن كانت على خلاف السنة، ولا يعيدها بعد الصلاة. وجمهور الفقهاء على أنه لا يعتد بالخطبة إذا قدمت، ويندب إعادتها بعد الصلاة، وقيد المالكية ندب إعادتها بقرب الزمن عرفا، فإن طال الزمن بعد الصلاة فلا تعاد. ومن هذا العرض يتضح أن موضوع الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى هذا الحديث هو مخالفة سنة، ومنه ندرك مدى غيرة الصحابة على الدين ومدى قيامهم واهتمامهم بهذا الواجب حتى مع حكامهم، نعم أنكر الرجل بلسانه واكتفى منه أبو سعيد بهذا الإنكار، وقد أثار الإمام النووى هنا إشكالا وجوابه فقال: قد يقال: كيف تأخر أبو سعيد عن إنكار هذا المذكر حتى سبقه إليه هذا الرجل؟ وجوابه: أنه يحتمل أن أبا سعيد لم يكن حاضرا أول ما شرع مروان فى أسباب تقديم الخطبة، فأنكر عليه الرجل ثم دخل أبو سعيد وهما فى الكلام، ويحتمل أن أبا سعيد كان حاضرا من الأول، ولكنه خاف على نفسه أو غيره حصول فتنة بسبب إنكاره، فسقط عنده الإنكار، ولم يخف ذلك الرجل شيئا، لاعتضاده بظهور عشيرته أو غير ذلك، أو أنه خاف وخاطر بنفسه، وذلك جائز فى مثل هذا، بل مستحب، ويحتمل أن أبا سعيد هم بالإنكار فبدره الرجل فعضده أبو سعيد. والله أعلم. اهـ ١٨٣ وهذه الاحتمالات التى ساقها النووى جوابا عن الإشكال لا تتفق وما رواه مسلم فى باب العيدين، فقد روى عن أبى سعيد «أن رسول اللّه كان يخرج يوم الأضحى ويوم الفطر، فيبدأ بالصلاة، فإذا صلى صلاته وسلم قام فأقبل على الناس، وهم جلوس فى مصلاهم، فإن كانت له حاجة ببعث ذكره للناس، أو كانت له حاجة بغير ذلك أمرهم بها وكان يقول: تصدقوا. تصدقوا. تصدقوا. وكان أكثر من يتصدق النساء. ثم ينصرف، فلم يزل كذلك حتى كان مروان ابن الحكم، فخرجت مخاصرا مروان [أى يده فى يده] حتى أتينا المصلى، فإذا كثير بن الصامت قد بنى منبرا من طين ولبن، فإذا مروان ينازعنى يده، كأنه يجرنى نحو المنبر وأنا أجره نحو الصلاة، فلما رأيت ذلك منه قلت: أين الابتداء بالصلاة؟ فقال: لا. يا أبا سعيد قد ترك ما تعلم. قلت: كلا. والذي نفسي بيده لا تأتون بخير مما أعلم. ثلاث مرار ثم انصرف». فهذا الحديث يبعد تأخر أبى سعيد فى الإنكار عن الرجل، ويبعد أن يكون قد سكت خوفا على نفسه، فى الوقت الذى لم يخف فيه الرجل أو خاف وخاطر، بل هذا الحديث يثبت أن أبا سعيد أنكر المنكر بيده ثم بلسانه بصورة أشد من صورة إنكار الرجل، والجمع بين الحديثين سهل دون حاجة إلى هذه الاحتمالات، فأبو سعيد حاول منع مروان بيده، كما أنكر بلسانه، فلما صعد مروان المنبر أنكر الرجل فأيده أبو سعيد، ولا إشكال، ولا حاجة إلى القول بأنهما قضيتان. وقد أفاد الكتاب والسنة وإجماع الأمة أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجب فالقرآن يقول: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. فهذه الآية صريحة فى أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من فروض الكفاية، وهو محل اتفاق بين من يعتد بهم من العلماء، ولا يضر هذا الاتفاق ما ذهب إليه الشيخ أبو جعفر من الإمامية من أنه فرض عين، ولا ما ذهب إليه الرافضة من أنه لا يجوز الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إلا بإذن الإمام المعصوم وهو الإمام الحق عندهم، وهو لم يخرج بعد حسب عقيدتهم. قال الغزالى: وهؤلاء أخس رتبة من أن يكلموا. بل جوابهم أن يقال لهم إذا جاءوا إلى القضاء طالبين لحقوقهم فى دمائهم وأموالهم: إن نصرتكم أمر بالمعروف، واستخراج حقوقكم من أيدى من ظلمكم نهى عن المنكر، وطلبكم لحقكم من جملة المعروف، وما هذا زمان النهى عن الظلم وطلب الحقوق، لأن الإمام الحق لم يخرج بعد.اهـ ولا يضر فى هذا الاتفاق أيضا ما ذهب إليه المعتزلة من أن وجوبه بالعقل لا بالشرع. لكن هؤلاء المتفقين اختلفوا فى الواجب على الكفاية، هل هو واجب على جميع المكلفين، ويسقط عنهم بفعل بعضهم؟ أم هو واجب على البعض؟ ذهب الإمام الرازى وأتباعه إلى أنه واجب على البعض، للاكتفاء بحصوله من البعض ولو وجب على الكل لم يكتف بفعل البعض، إذ يستبعد سقوط الواجب على المكلف بفعل غيره. ١٨٤ وذهب الجمهور إلى أنه واجب على جميع المكلفين، وهو ظاهر نص الإمام الشافعى فى الأم، واستدلوا على ذلك بإثم الجميع بتركه، ولولم يكن واجبا عليهم كلهم لما أثموا بالترك. وفى المسألة بحث طويل يطلب من محله. ومعنى كونه فرض كفاية أنه إذا قام به البعض سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلا عذر ولا خوف، وقد يكون الأمر بالمعروف فرض عين، كما إذا كان فى موضع لا يعلم به إلا هو، أو لا يتمكن من إزالته إلا هو، كمن يرى زوجته أو ابنه على مذكر. وقد أوضح الحديث أن إنكار المنكر على درجات مرتبة، على معنى أنه تجب الدرجة الأولى وهى التغيير بالجوارح لمن قدر عليها، ولا يغنى عنه الاكتفاء بالدرجة الثانية والاقتصار على اللسان الذى لا يغير المنكر مع القدرة على الدرجة الأولى. وليس معنى ذلك أن المكلفين مطالبون باستعمال جوارحهم قبل استعمال ألسنتهم، بل الواجب استعمال الأخف أولا، فإذا لم ينجح فى تغيير المنكر استعمل ما فوقه شدة، فيبدأ مثلا بالتعريف وتنبيه المرتكب إلى أن ما يرتكبه مذكر، فقد يقدم على المذكر الجاهل بأنه منكر؛ فإذا عرف أنه منكر تركه، كمن لا يحسن الصلاة. فإذا لم ينفع التعريف فى تغيير المنكر انتقل إلى النهى والوعظ والنصح والتخويف، فإذا لم تنجح هذه الوسيلة فى تغيير المنكر مع القدرة على منعه بالجوارح وجب استعمال الجوارح. فالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ينبغى أن يكون كالطبيب مع المريض، كل همه العلاج من أسهل الطرق، فإذا كان لابد من الكى والبتر من أجل صلاح باقى الجسم وجب الكى والبتر. وفى حد الاستطاعة التى يتعرض لها الحديث بقوله: ((فإن لم يستطع)» خلاف بين العلماء فمنهم من يذهب إلى وجوب تحمل الأذى فى سبيل الأمر بالمعروف إلا أن يصل إلى الخوف على النفس، بل منهم من يرى الإنكار بكل حال وإن قتل ونيل منه كل أذى، وبعضهم يرى أن خوف المكروه يحقق عدم الاستطاعة. والتحقيق أن الأمر يختلف باختلاف نوع الأذى، ومدى احتماله، ونوع المنكر، ومدى خطورته، والأثر الحسن أو القبيح المترتب على هذا الإنكار. وللإمام الغزالى فى هذا المقام كلام نفيس نلتقط منه بعضه، قال -رحمه الله- واعلم أنه لا يقف سقوط الواجب على العجز الحسى، بل يلتحق به ما يخاف عليه مكروها يناله فذلك فى معنى العجز، وكذلك إذا علم أن إنكاره لا ينفع، فإن اجتمع المعنيان، بأن علم أن كلامه لا ينفع، وخاف أن يضرب إن تكلم فلا يجب عليه الأمر بالمعروف، فإن علم أن إنكاره لا يفيد لكنه لا يخاف مكروها فلا تجب عليه الحسبة لعدم فائدتها، ولكن تستحب لإظهار شعائر الإسلام وتذكير الناس بأمر الدين، وذهب بعضهم إلى وجوبها بناء على أن الواجب الأمر بالمعروف لا القبول، قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ﴾ [المائدة: ٩٩]. ١٨٥ فإن علم أنه يصاب بمكروه، ولكن يبطل المذكر بفعله، فهذا ليس بواجب وليس بحرام بل هو مستحب. ثم قال: ويستحب له أن يعرض نفسه للضرب والقتل إذا كان لحسبته تأثير فى رفع المنكر، أو فى كسر جاه الفاسق، أو فى تقوية قلوب أهل الدين، وأما إذا رأى فاسقا متغلبا وعنده سيف، وبيده قدح، وعلم أنه لو أنكر عليه لشرب القدح، وضرب رقبته، فهذا مما لا أرى للحسبة فيه وجها، وهوعين الهلاك، وتعريض النفس للهلاك من غير أثرلا وجه له، بل ينبغى أن يكون حراما، وإنما يستحب له الإنكار إذا قدر على إبطال المنكر، أو ظهر لفعله فائدة، وذلك بشرط أن يقتصر المكروه عليه، فإن علم أنه يضرب معه غيره من أصحابه أو أقاربه فلا تجوز له الحسبة، بل تحرم. ثم قال: والظن الغالب فى هذه الأبواب فى معنى العلم. اهـ بتصرف. والمقصود من تغيير المنكر بالقلب كراهيته ومقته وبغضه، إذ كل من أحب الله يكره معاصيه ويذكرها، ومظاهر هذا الإنكار اكفهرار فى الوجه أمامه، وعدم حضور موضعه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنًا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَفْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]. وظاهر الحديث أن إنكار المنكر باليد عام حيث قدر عليه الآمر، فيشمل إنكار الابن على أبيه، والزوجة على زوجها، والعبد على سيده، لكن هذا العموم يتعارض مع قوله فى حق الولد مع والديه، ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وقوله: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهَمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾ [لقمان: ١٥]. وفى هذا يقول الغزالى: والذى نراه أن للولد الحسبة بالتعريف، ثم بالوعظ والنصح باللطف، وليس له الحسبة بالسب والتعنيف والتهديد ولا بمباشرة الضرب. · ثم قال: وهذا ينبغى أن يجرى فى العبد مع سيده، وفى الزوجة مع زوجها.اهـ وعموم الحديث فى قوله ((من رأى منكم منكرا)» يشمل العالم والجاهل، فكل من يعلم أنه منكر يجب عليه أن يذكره، ولا يختص الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بالعلماء وأصحاب الولايات. كل ما فى الأمر أن الذى يأمروينهى هو العالم بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الآمر والمأمور به، فإن كان المأمور به من الواجبات الظاهرة كالصلاة والصيام، أوكان المنهى عنه من المحرمات الواضحة كالزنا والخمر، فكل المسلمين علماء بها، واجب على آحادهم كما هو واجب على علمائهم وإن كان وجوبه على العلماء بصفة أشد، إذ فيهم قوة الإنكار، ولهم تزيد الاستجابة، ومنهم تؤخذ أحكام الشريعة. وإن كان المأموربه أو المنهى عنه من دقائق الأفعال والأقوال، كان الأمر بالمعروف واجب العلماء. ١٨٦ ثم إنهم ينبغى لهم ألا ينكروا أمرا مختلفا فيه، وهو محل للاجتهاد، فليس للحنفى أن ينكر على الشافعى أكله للضب مثلا، لأن كل مجتهد مصيب عند كثير من المحققين، وعلى الرأى الآخر المصيب واحد، والمخطئ غير متعين لنا، والإثم مرفوع عنه، نعم إن ندبه على جهة النصيحة - إلى الخروج من الخلاف فهو حسن مندوب إليه برفق، فإن العلماء متفقون على الحث على الخروج من الخلاف، إذا لم يلزم منه إخلال بسنة، أو وقوع على خلاف آخر. ولا يشترط فى الآمر والناهى أن يكون كامل الحال، متمثلا لما يأمر به مجتنبا ماينهى عنه، بل عليه الأمروإن كان مخلا بما يأمر به، والنهى وإن كان متلبسا بما ينهى عنه، فإنه يجب على المسلم شيئان: ١- أن يأمر نفسه وينهاها، أى يمتثل حكم الشرع. ٢- وأن يأمر غيره وينهاه، فإذا أخل بأحدهما فإنه لا يباح له الإخلال بالآخر، وأما قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] فهو توبيخ على نسيان النفس، لا على الأمر بالبر، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعُلُونَ كَبُرَ مَقْتَّا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢]. فهو فى قوم قالوا: لو نعلم أى الأعمال أحب إلى اللَّه لعملناه، فالتوبيخ مداره فى الحقيقة عدم فعلهم، لا قولهم، فالمعنى: لم لا تفعلون؟ وليس فى الآيتين ما يمنع الأمر بالمعروف للمخل به. ولا يتعارض وجوب الأمر بالمعروف مع قوله ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] إذ الاهتداء لا يتم إلا بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإن تركه مع القدرة عليه ضلال، فالمعنى: إذا استقمتم فى أنفسكم وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر لا يضركم ضلال من يضل، فهو قريب من قوله تعالى: ﴿ وَلا تَزِدُ وَازِرَةٌ وِرْوَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]. وقد روى أن أبا بكر الصديق ظه صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((أيها الناس، إنكم لتتلون آية من كتاب اللَّه وتعدونها رخصة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُّوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ الآية. واللّه لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم اللَّه تعالى منه بعقاب)). هذا. وليس من حق الآمر بالمعروف والناهى عن المنكر أن يتجسس للبحث عن المنكرات وتتبعها. فإن كل من ستر معصيته فى داره، وأغلق عليه بابه لا يجوز أن يتجسس عليه، لأن اللَّه نهى عن التجسس، وقد روى أن عمر بن الخطاب به تسلق دار رجل، فرآه على حالة مكروهة، فأنكر عليه. فقال: يا أمير المؤمنين. إن كنت أنا قد عصيت الله من وجه واحد فأنت قد عصيته من ثلاثة أوجه. فقال: وماهى؟ فقال: قد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] وقد تجسست، وقال تعالى: ﴿وَأَتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] وقد تسوريت من السطح. وقال ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمَّ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ﴾ [النور: ٢٧] وما سلمت. فتركه عمر، وشرط عليه التوبة. ١٨٧ نعم إن علم منكرا يجب إدراك خطره وهو قادر على دفعه، جازله التجسس ثم اقتحام الدار، وفى هذا يقول الماوردى: ليس للمحتسب أن يبحث عما لم يظهر من المحرمات، فإن غلب على الظن استسرار قوم بها، لأمارة وآثار ظهرت، فذلك ضربان: أحدهما أن يكون ذلك فى انتهاك حرمة يفوت استدراكها مثل أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلا خلا برجل ليقتله، أو بامرأة ليزنى بها، فيجوز له فى مثل هذا الحال أن يتجسس، ويقدم على الكشف والبحث، حذرا من فوات ما لا يستدرك. الضرب الثانى: ماقصر عن هذه الرتبة، فلا يجوز التجسس عليه، ولا كشف الأستار عنه، فإن سمع أصوات الملاهى المنكرة من دار أنكرها خارج الدار، ولم يهجم عليها بالدخول لأن المنكر ظاهر، وليس عليه أن يكشف عن الباطن. وعلى الآمر بالمعروف والنهى عن المنكر أمور منها: ١- أن يكون رفيقا فى دعوته ليكون أدعى إلى القبول، فقد قيل: إن المأمون وعظه واعظ، فعنف فى القول، فقال له: يا رجل. ارفق، فقد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر منى، وأمر بالرفق فقال: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنَّا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]. ٢- وأن يكون مسرا بإنكاره، فقد قال الشافعى: من وعظ أخاه سرا نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه. ٣- وألا يسرف فى الكلام والوعظ لئلا ينفر المرتكب. ٤- وأن يكون حليما صبورا يتحمل جهل الجاهل وسفهه، ولذلك قرن الله الصبر بالأمر بالمعروف، فقال حاكيا عن لقمان: ﴿ يَابُنِّيَّ أَقِمْ الصَّلاةَ وَأُمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَك إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧]. ٥- وأن يكون على جانب طيب من حسن الخلق، فإن فاقد الشيء لا يعطيه، وهداية الغير فرع هداية النفس، ولا يستقيم الظل والعود أعوج. هذا وباب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر باب عظيم القدر، جليل الشأن، بالغ النفع، شديد الخطر، به كانت الأمة الإسلامية خير أمة، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ويسبب التقصير غضبَ اللَّه على اليهود وجعل منهم القردة والخنازير قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْن مَّرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ كَانُوا لا يَتَنَّاَهَوْنَ عَنِ مُنكَرٍ فَعَلُونَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩،٧٨]. وقد قلت عناية المسلمين به فى هذا العصر، حتى ندر منهم الأمر بالمعروف والناهى عن المنكر، جبنا من السطوة حينا، وحرصا على الدنيا أحيانا، تركوه خوفا على الصداقة والمودة، ونسوا أن المودة توجب حقا وحرمة، وحقها النصح والهداية إلى سواء السبيل، وحرمتها الإنقاذ من النار. ١٨٨ تركوه مداهنة للرؤساء، وطلبا للمنزلة عندهم، وابتغاء رضاهم، للوصول إلى عرض زائل حقير، ونسوا أن الأمر كله لله، وأنه لواجتمع أهل السماء والأرض على أن ينفعوا لم ينفعوا إلا بشيء قد كتبه الله. نرى فى المساجد المسيئين فى صلاتهم ثم لا نكترث بنصحهم، ونسمع الغيبة والنميمة عشرات المرات فى اليوم الواحد ونبتسم لقائلها، ونرى المتسكعين فى الطرقات من الشباب يعاكسون الفتيات، فنهز أكتافنا ثم نمضى كأنه لايعنينا، وأصبح عرى النساء، وكشفهن العورات ومواطن إثارة الغرائز وضعا مألوفا، والاحتشام والتستر أمرا غريبا، بل أصبحت القوانين المدنية تدعو إلى عدم التعرض للمذكر الذى حصل بتراضى الطرفين، ولا شك أن عدم التعرض للمذكر منكر، فهى صراحة تأمرنا بالمنكروتنهانا عن المعروف. وتلك سمة اختلال الزمان وتغير الحال، وقرب الانتقام من الحليم المتعال. وقد أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم بما نحن عليه اليوم، إذ قال لأصحابه: «كيف أنتم إذا طغى نساؤكم، وفسق شبابكم، وتركتم جهادكم؟ » قالوا: وإن ذلك لكائن يا رسول الله؟ قال: ((نعم. والذى نفسى بيده وأشد منه سيكون)). قالوا: وما أشد منه يا رسول الله؟ قال: ((كيف أنتم إذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟)) قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: ((نعم والذى نفسى بيده وأشد منه سيكون)). قالوا: وما أشد منه يا رسول الله؟ قال: ((كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكرا)، والمنكر معروفا؟)) قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: ((نعم، والذى نفسى بيده. وأشد منه سيكون)»، قالوا: وما أشد منه يا رسول الله؟ قال: ((كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكرونهيتم عن المعروف؟)) قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: ((نعم)). وقد تحققت كل هذه المساوئ فى زماننا فاستنصرنا ولم ينصرنا الله، ودعا خيارنا فلم يستجب لهم، وسلط اللَّه علينا من لا يوقر كبيرنا، ولا يرحم صغيرنا، ولا يصون أعراضنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا سلامة إلا بالرجوع إلى دين الله، وكلنا راع وكلنا مسئول. فاللهم اكشف عنا الغمة، واهدنا سواء السبيل، إنك رءوف رحيم. والله أعلم ١٨٩ (٣٠) باب ضعف الإيمان بتطاول الأزمان والحاجة إلى الأمر بالمعروف ٨٣ - ١٠ عَنٍ أَبِي رَافِعٍ(٨٠)، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيِّ بَعَّةُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ. يَأْخُذُونَ بِسُنْتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ. ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ. وَيَفْعَلُونُ مَا لا يُؤْمَرُونَ. فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ. وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَائِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ. وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ. وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَةُ خَرْدَلٍ». قَالَّ أَبُو رَافِعٍ: فَحَدَّثْتُ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ عُمَرَ فَأَنْكَرَةُ عَلَيَّ. فَقَدِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَنَزَلَ بِقَنَاةَ. فَاسْتِبَعَنِي إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَعُودُهُ. فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ. فَلَمَّا جَلَسْنَا سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ عَنٍ هَذَا الْحَدِيثِ فَحَذَِّيهِ كَمّا حَدَّثْتُهُ ابْنَ عُمَّرَ. قَالَ صَالِحٌ: وَقَدْ تُحُدَّثَ بِنَحْرٍ ذَلِكَ عَنِ أَبِي رَافِعٍ. ٨٤ - : وَعَنِ أَبِي رَافِعٍ(١٠) مَوْلَى النَّبِيِّ:﴿، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِعِلِ قَالَ: « مَا كّانٌ مِنْ نَبِيِّ إِلا وَقَّدْ كَانَ لَهُ حَوَارِيُّونَ يَهْتَدُونَ بِهَدِهِ وَيَسْتَقُونَ بِسُنِيِهِ» مِثْلَ حَدِيثٍ صَالِحٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ قُدُومَ ابْنٍ مَسْعُودٍ وَاجْتِمَاعَ ابْنٍ عُمَرَ مَعَهُ. المعنى العام سنَّة الله فى خلقه ولن تجد لسنَّة الله تبديلا، يبعث اللَّه الرسول فى قومه، فينتشر نوره بينهم، وتسرى حرارة الدعوة فى دمائهم، وتستقر تعاليمه فى عقائدهم، فيتمسكون بها ويحافظون عليها، ثم يمضى الرسول ويمضى عصره فيضعف النور، وتهدأ الحرارة، وتتزعزع التعاليم فى النفوس، ويقل التمسك بها، وتختل المحافظة عليها، وكلما مضى عصر زاد الضعف، وكثر التهاون، فخير القرون قرن النبى *، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وهكذا حتى يأتى آخر الزمان، بقوم غير القوم، يأتى بقوم بعيدين عن التعاليم بقدر بعد الزمان، صورهم غير حقائقهم، وأسماؤهم لا تتفق ومسمياتهم، فى صور العقلاء وحقائقهم كالأنعام، يدعون بالمسلمين ولا إسلام. يقولون ما لايفعلون ولا يفعلون مايقولون، بل يفعلون نقيض أوامر الشريعة، فيأتون بالمذكرات، ويتركون الواجبات. (٨٠) حَدَِّي عَمْرٌو النَّاقِدُ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّصْرِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ قَالُوا حَدَّثْنًا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ سَعْدٍ قَالَ حَدَّقّيسي أَبِي عَنِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنِ الْحَارِثِ عَنِ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يْنِ الْحُكَمِ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَّنِ بْنِ الْمِسْوَرِ عَنِ أَبِيٍ رَافِعٍ (١٠) وَحَدَّفِيهِ أَبُو بَكْرٍ بَّنُ إِسْحَقَ بْنِّ مُحَمَّدٍ أَخْبُوَّنَا ابْنُ أَبِيَ مَرْيَمَ حَدَّثَنَاَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَّ أَخْبْرَبِي الْحَارِثُ بْنُ الْفَضَيْلِ الْخَطْمِيُّ عَنِ جَعْفَرِ بْنٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُكْمِ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ بْنٍ مَخْرَمَةَ عَنٍ أَبِي رَائِعٍ ١٩٠ تلك سنة الله فى خلقه، كلما بعد المؤثر قل الأثر حتى ينمحى أو يكاد، مالم يتعهد بالتغذية والتقوية، تماما كأى تيار مندفع من قوة، يقل اندفاعه كلما بعد عن مصدر الدفع، ما لم يساعد بين الحين والحين بقوة دافعة أخرى، وتلك القوة الدافعة الأخرى فى أديان اللَّه تتمثل فى العلماء والصالحين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. والحديث الشريف بعد أن صور أثر الزمان فى انحلال الناس وظلماتهم ركز على من يأخذ بيدهم، وعلى المصابيح الجانبية التى تضىء لهم، وعلى الدفعات الإضافية التى تدفعهم، من جاهد المذكرات وغيرها بيده فهو مؤمن إيمانا كاملا، ومن جاهدها وأنكرها بلسانه فهو مؤمن دون الأول، ومن جاهدها وأنكرها بقلبه فهو مؤمن دون الثانى، ومن لم يفعل شيئا من ذلك، ووقف من المنكرات موقف المتفرج غير العابئ فليس بمؤمن، وليس فى قلبه مثقال ذرة من الإيمان، ففاعل المنكر والراضى به سواء. وفقنا الله لاتباع أمره، والأخذ بسنة نبيه ﴾. المباحث العربية (ما من نبى بعثه الله فى أمة قبلى) ((ما)) نافية ((من)) زائدة ((نبى)) مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد ((فى أمة)) جار ومجرور متعلق ببعث، وكذا الظرف ((قبلى)) وجملة ((بعثه الله)) فى محل جرصفة ((نبى)). ( إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب ) الاستثناء مفرغ من عموم الأخبار، أى ما من نبى مخبر عنه بخبر من الأخبار إلا بخبر كذا، وجملة ((كان له من أمته حواريون وأصحاب» خبر ((نبى)) و((حواريون)) اسم ((كان)) و((له)) متعلق بخبرها، و((من أمته)) جار ومجرور فى محل نصب حال من ((حواريون)» وأصله صفة له قدمت عليه. والحواريون جمع حوارى، يقال: فلان حوارى فلان، أى خاصته من أصحابه وناصره، ولفظ ((حوارى)) مفرد منصرف، وياؤه مشددة وتخفيفها شاذ، وأصله من التحوير، وهو التبييض، وقيل: سمى الناصر بذلك لنقاء قلبه، وطهارة خلقه، وإخلاصه فى محبته، وقيل: أصله من الحور، وهو الرجوع، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١٤] وكأن الصاحب الناصر للنبى راجع فى أموره إلى الله ورسوله، وعطف ((أصحاب)) على ((حواريون)) عطف عام على خاص. (يأخذون بسنته) ضمن ((يأخذون)) معنى ((يتمسكون)) فعدى بالباء يقال: أخذ بتلابيبه بمعنى أمسك بها، والجملة صفة ((حواريون)». (ويقتدون بأمره) الأمر واحد الأمور، أى يقتدون بحاله وأموره فإن أريد من الأمر واحد الأوامر - وهو بعيد - فالمراد من الاقتداء الصدع والتنفيذ. ١٩١ ( ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف) ضمير ((إنها)) للحال والقصة والخلوف بضم الخاء واللام: جمع خلف بفتح الخاء وسكون اللام، وهو الخالف بشر، أى بدل السوء، ومنه: سكت ألفا ونطق خلفا، أما الخلف بفتح الخاء واللام فهو الخالف بخير، وهل هذه التفرقة مبناها الشيوع وكثرة الاستعمال؟ أو مبناها الوضع؟ خلاف بين اللغويين. وظاهر قوله ((ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف)» أن هذه الخلوف تعقب الحواريين والأصحاب، ولكن هذا الظاهر غير مراد، فإن خلوف الشر إنما كانت بعد أجيال من الأصحاب، والتعبير بثم يرشح لهذا المراد. (يقولون ما لا يفعلون) ((ما)) موصولة، وعائد الصلة مفعول ((يفعلون)) محذوف، وجملة يقولون صفة «خلوف)». ( فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ) أى من جد واجتهد، وبلغ جهده فى منعهم بجوارحه فهو مؤمن إيمانا قويا. ( وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ) الخردل نبات له حب صغير جدا أسود اللون مقرح، ويضرب المثل بحبة الخردل للمتناهى فى الصغر. والمعنى وليس بعد ذلك إيمان يزن حبة خردل، أى إن إيمان المنكر بقلبه متناه فى الصغر، ومن لا يذكر بقلبه لا شىء عنده من الإيمان، والمقصود المبالغة فى ضعف الإيمان. ( فحدثته عبد الله بن عمر) أى حدث أبو رافع عبد الله بن عمر بهذا الحديث، فهاء المفعول الأول فى ((حدثته)) للحديث السابق. ( فقدم ابن مسعود ) من العراق إلى المدينة. ( فنزل بقناة) بقاف مفتوحة، آخره تاء تأنيث، غير مصروف للعلمية والتأنيث، إذ هو علم على واد من أودية المدينة، ويرويه بعضهم ((بفنائه)» بالفاء بدل القاف وبالمد، والفناء ما بين أيدى المنازل والدور. قال القاضى عياض: رواية ((بفنائه» خطأ وتصحيف. (فاستتبعنى عبد الله بن عمر) أى طلب منى أن أتبعه. ( يعوده ) أى يزوره مكررا، وليس من عيادة المريض. فقه الحديث ما ورد فى هذا الحديث من الحث على جهاد المبطلين باليد واللسان، إنما هو حيث لايؤدى ذلك إلى إثارة الفتن وإشهار السلاح. ١٩٢ وما يتعلق بالحديث من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر قد تقدم فى الحديث السابق. ومع أن الشيخ أبا عمرو يرى أن هذا الحديث مسوق فيمن سبق من الأمم، ويرى أنه ليس فى لفظه ذكر لهذه الأمة، فإننا نرى أنه دعوة للأمة الإسلامية بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإن فيه تقريرا لما كان، والتقرير تشريع. بل نرى أن قوله صلى الله عليه وسلم ((فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن)» كلام موجه للصحابة، مبنى على مفهوم مطوى فى الكلام، تقديره؛ وستكون أمتى كذلك، وسيخلفكم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ... إلخ. ولو أن الكلام فى الأمم السابقة خاصة لكان الأولى بالأسلوب أن يكون: ثم إنها خلفت من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، فمن كان يجاهدهم بيده كان مؤمنا ... إلخ. ويؤيدنا فى هذا الفهم صنيع الإمام مسلم والإمام النووى، فقد استدلا بالحديث على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. ويؤخذ من الحديث ١- مدى حيطة الصحابة فى أخذ الأحاديث وإنكارهم ما لا يقبلون، والتثبت والاستشهاد على صحة مايرون. ٢- أن سنة الله فى خلقه ضعف الإيمان كلما تقدمت القرون. ٣- أن الإيمان يزيد ويتكامل، ويضعف حتى حبة الخردل. ٤- عيادة الأفاضل، وزيارة القادمين من السفر. والله أعلم ١٩٣ (٣١) باب تفاضل أهل الإيمان ٨٥- ١ ١ عَنِ أَبِي مَسْعُودٍ عَ﴾(٨١) قَالَ: أَشَارَ النّبِيُّ ◌َ بَيْدِهِ نَحْوَ الْيَمِّنِ، فَقَالَ «أَلا إِنْ الإِيمَانَ مَهُنَا، وَإِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ. عِنْدَ أُصُولٍ أَذْتَابِ الإِبِلِ. حَيْثُ يَطْلُحُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةً وَمُضْرٌ ». ٨٦ - ٣ جُ عَنِ أَبِي هُرَّيْرَةَ ﴾(٨٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِع ◌َ﴿ِ «جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ. هُمْ أَرَقُ أَفْعِدَةٌ. الإِيمَانُ يَمَانٍ. وَالْفِقْهُ يَمَانٍ. وَالْحِكْمَةُ يَمَاِيَةٌ ». ◌ّج وبيفله(٨٣). ٨٧- ٤ٍّ عَنِ الأَغْرَجِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرّيْرَةَ عَه(٨٤) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِ « أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ. هُمْ أَضْعَفُ قُلُوبًا وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً. الْفِقْهُ يَمّانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَاِيَةٌ ». ٨٨- °٨ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٨٥) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: «رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ. وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلاءُ، فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ، الْفَدَّادِينَ أَمْلِ الْوَبَرِ. وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ ». ٨٩- ٨٢٦ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٨٦) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: «الإِيمَانُ يَمَانِ. وَالْكُفْرُ قِيَلَ الْمَشْرِقِ. وَالسَّكِيَةُ فِي أَهْلِ الْعَمِ. وَالْفَخْرُ وَالْرِّيَاءُ فِي الْقَدَّدِينَ أَهْلِ الْغَيْلِ وَالْوَّبَرِ ». ٩٠- ٨٧ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(٨٧) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلِ﴿ يَقُولُ « الْفَخْرُ وَالْغُيَلاءُ فِي الْقَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرٍ، وَالسَّكِينَةٌ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ». (٨١) حَدَِّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِيٍ شَيْئَةً حَدَّقْنَا أَبُو أُسَامَةٌ حٍ وَحَدِّقْنَا ابْنُ لُمَّيْرٍ حَدَّقْنَا أَبِي حِ وَحَدَّقْنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّقَا ابْنُ إِذْرِيسَ كُلُّهُمْ عَنِ إِسْمَعِيلٌ بْنِ أَبِيَ خَالِدٍ حَ وحَدََّا يَحْتِى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِيُّ وَّاللَّفْظُ لَةَ حَدَّقْنَا مُعْتَمِرٌ عَنٍ إِسْمَعِيلٌ قَالَ سَمِعْتُ قَيْسًا يَرْوِّيّ عَنِ أبِي مَسْعُودٍ (٨٢) حَدَّا أَبُوَ الَرَّبِيعِ الزَّهْرَائِيُّ أَنْبَأْنَا حَمَّدٌ حَدََّا أَيُّوبُ حَدَّقْنَا مُحَمَّدٌ عَنِ أَبِي مُرَيْرَةٌ (٨٣) حَذََّا مُحَمَّدُ بْنَّ الْمُثَنِّى حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ح وحَدَّفِي عَمْرٌو النَّاقِّدُ خَدَّقْنَا إِسْحَقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ كِلاهُمَا عَنِ ابْنٍ عَوْنٍ عَنٍ مُحَمَّدٍ عَنٍ أَبِي هُرَيْرَةٌ عَلَ قَالَ: قَالَّ رَسُولُ اللَّهِ ل ◌َ بِمِثْلِهِ. (٨٤) وحَذَّتِيَ عَمْرٌو النَّاقِدُ وَحَسَنٌ الْحُلْوَالِيُّ قَالا حَدََّهَا يَعْقُوبُ (وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثْنَا أَبِي عَنِ صَالِحٍ عَنِ الأَغْرَجِ (٨٥) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى قَالَ قَرَّأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَغْرَجِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةٌ (٨٦) وحَدَِّي يَحْتِىِ بْنُ أَيُوبَ وَقُتِبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ عَنِ إِسْمَّعِيلَ بْنٍ جَعْفٍَّ قَالَ ابْنُ أَّوبَّ حَدَّقْنَا إِسْمَعِلُ قَالَ أَخْبُوَّبِي الْعَلَاءُ عَنِ أَبِهِ عَنِ أَبِي مُرَيْرَةً (٨٧) وحّدَِّّْي خَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى أَخْرَهَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَّتِي ◌ُونُسُ عَنِ ابْنٍ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَبِي أَبُو سَلَّمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْ أَبَا مُرَيْرَةً ١٩٤ ٩١ - جبُ عَنِ الزُّهْرِيّ(٨٨) بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ وَزَادَ الإِيمَانُ يَمّانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَاِيَةٌ ٩٢- ٨٩ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٨٩) قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّلَ﴿ يَقُولُ: (جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ. هُمْ أَرَقُ أَفْئِدَةُ وَأَضْعَفُ قُلُوبًا. الإِيمَانُ يَمَانِ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ. السَّكِنَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلاءُ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَّبَرِ. قِيَلَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ». ٩٣-٩٠ْ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٩١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ «أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ. هُمْ أَلْيْنُ قُلُوبًا وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً. الإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَاِيَةٌ. رَأْسُ الْكُفْرِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ». ٩٤- ٠ْ عَنِ الأَعْمَشِ(١٠) بِهَذَا الإِسْنَادِ وَلَمْ يَذْكُرْ «رَأْسُ الْكُفْرِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ». ٩٥ - -٩١ عَنِ الأَعْمَشِ (٩١) بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَ حَدِيثِ جَرِيرٍ «وَزَادَ وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلاءُ فِي أَصْحَابِ الإِيلِ وَالسَّكِنَةُ وَالْوَقَّارُ فِي أَصْحَابِ الشَّاءِ». ٩٦- ٢٪ عَنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضى الله عنهما(٩٢) يَقُولَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعِ﴾ «غِلَظُ الْقُلُوبِ، وَالْجَفَاءُ فِي الْمَشْرِقٍ. وَالإِيمَانُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ». المعنى العام القلوب كالمعادن، تصفو وترق وتشع وتجلو، وتؤدى رسالتها، وتصل إلى غايتها إن حوفظ عليها من الفساد، وتعهدت بما يحفظ لها الحسن والجمال. ثم هى تصدأ وتغلظ، وتجمد وتسود، وتعجز عن أداء مهمتها، وتقعد عن غايتها وتنعدم فائدتها، بل قد ينتشر ضررها إن هى أهملت، وتركت لعوامل البوار والخسران. نعم. وللقلوب طلاء كطلاء المعادن، وإرهاف كإرهاف الذهب ورنينه. ذلك الطلاء هو التدبر فى كتاب اللَّه، والنظر فى مخلوقات الله، واتخاذ أسباب التواضع والرفق والحلم والرحمة والخوف والوجل. (٨٨) وحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ أَغْرَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبُرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ (٨٩) حَدَََّّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبُرَّنَا أَبُوَ الْيَمَانِ عَنِ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدَِّي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَّا هُوَيْرَةً قَالَ (٩٠) حَدَّثَا أَبُوِ بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبَو كُرَيْبٍ قَالا حَدََّا أَبو مُعَاوِيَّةً عَنِ الأَغْمَشِ عَنٍ أَبِي صَّالِحٍ عَنٍ أَبِي هُرَيْرَةٌ (٠٠) وحَدَّثَنَا قُتَبِيَةُ بَّنُ سَعِيدٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالا حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَغْمَشِِ (٩١) وحَذََّا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُفِى حَدََّا ابْنُ أَبِي عَدِيِّ حِ وحَذَّقُتِي بِشَرُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّقْنَا مُحَمَّدٌ (يَعْنِي ابْنَ جَعْفٍَ قَالا حَدَّنَا شْبَةُ عنٍ الأَغْمَثِ (٩٢) وحَّدََّا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبُرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ الْمَعْزُومِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَعْبَرَبِي أَبُو الزُّبْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ١٩٥ نعم. وللقلوب صدأ كصدأ الحديد، وسواد ودخان يتكاثف عليها كتكاثفه على النحاس بفعل النار، يجلبه الغرور وكثرة المال، والتكالب على الدنيا، والاشتغال بالماديات، وقد وصف القرآن الكريم الصنف الأول فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَّوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهَمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠]. ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أُحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَفْشَعِرٌ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِینُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الزمر: ٢٣]. ووصفه رسول اللَّه فى هذا الحديث بقوله ((جاء أهل اليمن، هم أرق أفئدة، وأضعف قلوبا، الإيمان يمان. والحكمة يمانية)). ((السكينة والوقار فى أصحاب الشاء)). كما وصف القرآن الكريم الصنف الثانى من القلوب فقال ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ [الكهف: ٢٨]. ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩]. ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [ محمد: ٢٤]. ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةٍ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ ﴾ [ البقرة: ٧٤]. ووصفه رسول الله:# فى هذا الحديث بقوله ((غلظ القلوب والجفاء فى المشرق)). ((الفخر والخيلاء فى الفدادين أهل الخيل والإبل والوبر». ويهدف الرسول * بعد بيان اختلاف القلوب إلى إعطاء كل ذى حق حقه من المدح أو الذم، إلى إعطاء اليمنيين الذين سارعوا إلى قبول الإيمان، والتخلق بأخلاق الإسلام حقهم من الثناء عليهم. أتاكم أهل اليمن هم أضعف قلوبا وأرق أفئدة، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية، السكينة والوقار فى أهل الغنم [أى أهل اليمن] وقال فيهم فى حديث آخر ((إن الأشعريين [وهم يمنيون] كانوا إذا أرملوا فى الغزو جمعوا ما عندهم ثم اقتسموا بينهم فهم منى وأنا منهم)). وإلى إعطاء ربيعة ومضر والفدادين الذين قست قلوبهم، وأعرضوا عن الإيمان، حقهم من الذم وأنهم رأس الكفر، ومصدر الفتن، وأهل الفخر والخيلاء، والصفات الذميمة التى لا يقبلها الدين الحنيف. فاللهم اشرح صدورنا، ويسر أمورنا، وبلغنا مما يرضيك آمالنا. وثبت قلوبنا على الإسلام. المباحث العربية ( ألا إن الإيمان ههنا) ((ألا)) أداة استفتاح وتنبيه، تدل على تحقق مابعدها، وهى فى الأصل مركبة من الهمزة و))لا)) وهمزة الاستفهام إذا دخلت على النفى أفادت التحقيق، قال الزمخشرى: ولكونها بهذا المنصب من التحقيق لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم. ١٩٦ (وإن القسوة وغلظ القلوب ) وفى رواية البخارى ((والجفاء وغلظ القلوب)) قال القرطبى: الجفاء وغلظ القلوب شيئان لمسمى واحد، كقوله تعالى ﴿إِنَّمَا أَشْكُوبَنِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [ يوسف: ٨٦] والبث هو الحزن. اهـ. ويبدولى أن الجفاء والقسوة كالبلادة والفظاظة، أثر من آثار غلظ القلوب إذا استعملنا غلظ القلوب فى معناه الأصلى، أما إذا استعملنا السبب فى المسبب عنه فإنه يتأتى أن يكون الجفاء وغلظ القلوب لمسمى واحد، كما يقول القرطبى، والأولى أن يراد بالجفاء والقسوة سوء الخلق فى الظاهر من الأقوال والأفعال وبغلظ القلوب سوء الخلق فى الأمور الباطنة. ( فى الفدادين عند أصول أذناب الإبل ) ((الفدادين)) بتشديد الدال الأولى، جمع فداد، وهو شديد الصوت، من الفديد، وهو الصوت الشديد، و))أصول أذناب الإبل)» طرفها الملاصق للجسم، والمعنى: أن القسوة وغلظ القلوب فى المكثرين من الإبل، الذين تعلو أصواتهم خلفها عند سوقهم لها. وزعم أبو عمرو الشيبانى أن ((الفدادين)) بتخفيف الدال جمع فداد بتشديدها، ومعناه البقر الذى يحرث عليها، والمراد أصحابها، وأنكر اللغويون هذا المعنى، والصواب الأول. ( حيث يطلع قرنا الشيطان) ((قرنا الشيطان)» جانبا رأسه، وهو كناية عن المشرق كأنه قال: حيث تطلع الشمس، فقد عبر فى الحديث بأن الشمس تطلع بين قرنى الشيطان، لأن أهل المشرق كانوا يعبدون الشمس وعبادة الشمس من الشيطان، ولهذا قيل فى المعنى: قرنا الشيطان جمعاه اللذان يغرى بهما الناس ويضلهم، أو شيعتاه من الكفار، فليس المقصود القرن والشيطان وإنما المقصود حيث يكثر تسلط الشيطان، كما قال فى الرواية الرابعة ((رأس الكفر نحو المشرق» وفى الرواية الخامسة ((والكفر قبل المشرق)» وفى الرواية السادسة ((قبل مطلع الشمس)). ( فى ربيعة ومضر) بدل من ((الفدادين)) بإعادة الجار، أى القسوة فى الفدادين من ربيعة ومضَر، وربيعة ومضر كانوا يمثلون أغلبية سكان أهل المشرق. ( جاء أهل اليمن، هم أرق أفئدة ) المفضل عليه محذوف، أى هم أرق أفئدة ممن سواهم، أو من أهل المشرق، وهو الأولى، والمشهور أن الفؤاد هو القلب، وعليه تكون الرواية الثالثة ((هم أضعف قلوبا، وأرق أفئدة)) تكريرا لمراد واحد بلفظين، وهو أولى من تكريره بلفظ واحد، وقيل: الفؤاد غير القلب، فإنه عين القلب، أو باطن القلب، أو غشاء القلب، والأحسن أن يراد بالفؤاد القوة العاقلة وهى فى الرأس، وأما الوصف باللين والرقة والضعف فالمراد منه أنها ذات خشية واستكانة، وأنها سريعة الاستجابة والتأثر؛ لأن الغشاء إذا رق سهل نفوذ الشىء إلى ماوراءه. ( الإيمان يمان ) أصله ((يمنى)) بياء النسب المشددة، فخففت الياء وزيدت الألف عوضا عن ياء النسب، فقيل اليمانى، و)) يمانية)) بتخفيف الياء إذ لا يجمع بين العوض والمعوض، هذا عند جمهور أهل العربية، وحكى بعضهم أن تشديد الياء مع زيادة الألف لغة. ١٩٧ ومعنى ((الإيمان يمان)» أن الإيمان فى أهل اليمن، أى أنهم لصفات فيهم أسرع قبولا له. وسيأتى تتمة هذا الكلام فى فقه الحديث. ( والفقه يمان ) الفقه فى اللغة الفهم والفطنة، وغلب على الفهم فى الدين، واصطلح بعد ذلك الفقهاء وأصحاب الأصول على تخصيص الفقه بإدراك الأحكام الشرعية العملية. والمراد من الفقه فى الحديث الفهم فى الدين. ( والحكمة يمانية ) فى القاموس: الحكمة العدل والعلم والحلم. اهـ وقال أبو بكر بن دريد: كل كلمة وعظتك وزجرتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح فهى حكمة، ومنه قول النبى 8# إن من الشعر حكمة، وفى بعض الروايات ((حكما)). والمراد من الحكمة فى الحديث العلم المشتمل على معرفة اللَّه. (رأس الكفر نحو المشرق ) أى شدته وصلابته وأعلاه فى أهل المشرق، ففى القاموس: رأس كل شىء أعلاه. ( والفخر والخيلاء فى أهل الخيل والإبل) ((الفخر)» هو الافتخار وعد المآثر القديمة تعظيما. ومنه الإعجاب بالنفس، و))الخيلاء)» الكبر واحتقار الناس، وفى الرواية الخامسة ((الفخر والرياء» والرياء إظهار حسن على خلاف الحقيقة. (الفدادين أهل الوبر) بدل من ((أهل الخيل والإبل)) والبدل هو المقصود بالحكم، فكأنه قال: الفخر والخيلاء فى الفدادين من أهل الخيل والإبل و)) الوبر)» صوف الإبل، وليس فى ذكر أهل الوبر مع ذكر أهل الإبل تكرار، فقد يكون أهل الإبل أشحاء على أنفسهم، فلا تظهر عليهم نعمتها، ولا يلبسون وبرها، وهو لباس الأثرياء بخلاف صوف الغنم، والمقصود وصفهم بكونهم جامعين لكثرة الخيل وكثرة الإبل وكثرة الوبر. ( والسكينة فى أهل الغنم ) ((السكينة)) الطمأنينة والسكون والوقار والتواضع، وهى فى مقابلة الفخر والخيلاء، فالمراد منها الوقار والتواضع. (قبل مطلع الشمس) ((قبل)) بكسر القاف وفتح الباء، و«مطلع» بكسر اللام مكان الطلوع، أى جهة مكان طلوع الشمس، وهى بمعنى رواية ((حيث يطلع قرنا الشيطان)) ورواية ((نحو المشرق)» ورواية ((قبل المشرق)». (والسكينة والوقار فى أصحاب الشاء) عطف ((الوقار)) على السكينة عطف تفسير للمراد، وأصحاب الشاء هم أهل الغنم. ١٩٨ فقه الحديث حاول بعض العلماء صرف نسبة الإيمان إلى أهل اليمن عن ظاهرها، حيث إن مبدأ الإيمان من مكة، ثم من المدينة - حرسهما الله تعالى- وقد تكلفوا لهذا الصرف تكلفات بعيدة منها: أن المراد من اليمن مكة، فإنه يقال: إن مكة من تهامة، وتهامة من أرض اليمن. ومنها: أن المراد من اليمن مكة والمدينة، فإنه يروى فى الحديث أن النبى 8* قال هذا الكلام وهو بتبوك، ومكة والمدينة حينئذ بينه وبين اليمن، فأشار إلى ناحية اليمن، وهو يريد مكة والمدينة، فقال: الإيمان يمان، ونسب مكة والمدينة إلى اليمن لكونهما حينئذ من ناحية اليمن، كما قالوا: الركن اليمانى - وهو بمكة - لكونه ناحية اليمن. ومنها أن المراد بذلك الأنصار، لأنهم يمانيون فى الأصل، فنسب الإيمان إليهم، لكونهم أنصاره. والحق أن هذا التكلف بعيد عن الصواب، وبعيد عن ألفاظ الحديث فى مجموع طرقه ورواياته، إذ من ألفاظه ((آتاكم أهل اليمن)» و))جاء أهل اليمن)) والكلام لأهل مكة المهاجرين ولأهل المدينة الأنصار، فالآتى إذن غيرهم، ثم إن إشاراته صلى الله عليه وسلم إلى جهة اليمن تدل على أن المراد أهل اليمن حينئذ، لا الذين كان أصلهم منها. ثم إنه صلى الله عليه وسلم وصفهم بأوصاف تفضى إلى الإيمان [ألين وأضعف قلوبا وأرق أفئدة] ورتب على هذه الأوصاف ((الإيمان يمان)). ثم إنه ليس هناك مانع أصلا من إجراء الكلام على ظاهره، وحمله على أهل اليمن حقيقة، فأهل اليمن سارعوا إلى قبول الإيمان، وقبلوا البشرى التى لم يقبلها بنو تميم. فقد روى البخارى فى أول كتاب بدء الخلق أن عمران بن حصين قال: جاء نفر من بني تميم إلى النبى ## فقال: يابنى تميم أبشروا [أى بالجنة إذا أسلمتم] فقالوا: بشرتنا فأعطنا (آثروا الدنيا وطلبوا عطيته من الغنائم) فتغير وجهه، فجاء أهل اليمن فقال: يا أهل اليمن اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم، قالوا: قد قبلنا يا رسول اللَّه [جئناك لنسألك ونتفقه فى الدين]. كان هذا حال الوافدين من اليمن فى حياة الرسول #: سلامة قلب، وقوة إيمان، فكانت نسبة الإيمان إليهم إشعارا بكمال إيمانهم من غير أن يكون فى ذلك نفى له عن غيرهم، فلا منافاة بينه وبين قوله صلى الله عليه وسلم فى الرواية الثامنة ((والإيمان فى أهل الحجاز)». ثم إن هذا الحكم لا ينسحب على أهل اليمن فى جميع العصور، فإن اللفظ لايقتضيه، بل المراد به الموجودون منهم حين الخطاب. وفى الحديث إشارة إلى شدة كفر المجوس، لأن مملكة الفرس ومن أطاعهم من العرب كانت من جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة، وكانوا فى غاية القوة والتكبر والتجبر، وبلغ بملكهم الغرور أن مزق كتاب النبى 18. ١٩٩ ويؤخذ من الحديث ١- منقبة للمؤمنين من أهل اليمن. ٢- تفاضل أهل الإيمان، وأن المؤمنين كالقبائل، بعضهم أرفع إيمانا من بعض. ٣- مدح السكينة والوقار، ولين القلوب ورقة الأفئدة. ٤- التنفير من الفخر والخيلاء والكبر والغرور. ٥- أن من اتصف بشىء، وقوى قيامه به نسب إليه إشعارا بكمال حاله فيه. ٦- ذم أهل الخيل والإبل الذين يشتغلون بها عن أمور دينهم، وتصل بهم إلى غلظة القلب والخيلاء. ٧- فضل وسيلة الرزق التى تؤدى إلى السكينة والوقار ورقة القلب، فقد روى البخارى قول النبي : يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفربدينه من الفتن. والله أعلم ٢٠٠